Verse. 1617 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرٰىہُ مِنْ مِّصْرَ لِامْرَاَتِہٖۗ اَكْرِمِيْ مَثْوٰىہُ عَسٰۗى اَنْ يَّنْفَعَنَاۗ اَوْ نَتَّخِذَہٗ وَلَدًا۝۰ۭ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوْسُفَ فِي الْاَرْضِ۝۰ۡوَلِنُعَلِّمَہٗ مِنْ تَاْوِيْلِ الْاَحَادِيْثِ۝۰ۭ وَاللہُ غَالِبٌ عَلٰۗي اَمْرِہٖ وَلٰكِنَّ اَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُوْنَ۝۲۱
Waqala allathee ishtarahu min misra liimraatihi akrimee mathwahu AAasa an yanfaAAana aw nattakhithahu waladan wakathalika makkanna liyoosufa fee alardi walinuAAallimahu min taweeli alahadeethi waAllahu ghalibun AAala amrihi walakinna akthara alnnasi la yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الذي اشتراه من مصر» وهو قطفير العزيز «لامرأته» زليخا «أكرمي مثواه» مقامه عندنا «عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا» وكان حصورا «وكذلك» كما نجيناه من القتل والجب وعطفنا عليه قلب العزيز «مكنَّا ليوسف في الأرض» أرض مصر حتى بلغ ما بلغ «ولنعلِّمه من تأويل الأحاديث» تعبير الرؤيا عطف على مقدر متعلق بمكنا أي لنملكه أو الواو زائدة «والله غالب على أمره» تعالى لا يعجزه شيء «ولكن أكثر الناس» وهم الكفار «لا يعلمون» ذلك.

21

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين على الماء ذهب به إلى مصر وباعه هناك. وقيل إن الذي اشتراه قطفير أو إطفير وهو العزيز الذي كان يلي خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق، وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف عليه السلام فملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى واشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله الملك والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة. وقيل كان الملك في أيامه فرعوه موسى عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ جَاءكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } تفسير : [غافر: 34] وقيل فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، وقيل اشتراه العزيز بعشرين ديناراً، وفيل أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه ما يساويه في الوزن من المسك والورق والحرير فابتاعه قطفير بذلك الثمن. وقالوا: اسم تلك المرأة زليخا، وقيل راعيل. واعلم أن شيئاً من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن، ولم يثبت أيضاً في خبر صحيح وتفسير كتاب الله تعالى لا يتوقف على شيء من هذه الروايات، فالأليق بالعاقل أن يحترز من ذكرها. المسألة الثانية: قوله: {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ } أي منزله ومقامه عندك من قولك ثويت بالمكان إذا أقمت به، ومصدره الثواء والمعنى: اجعلي منزله عندك كريماً حسناً مرضياً بدليل قوله: { أية : إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ } تفسير : وقال المحققون: أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه دون إكرام نفسه، يدل على أنه كان ينظر إليه على سبيل الإجلال والتعظيم وهو كما يقال: سلام الله على المجلس العالي، ولما أمرها بإكرام مثواه علل ذلك بأن قال: {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أي يقوم بإصلاح مهماتنا، أو نتخذه ولداً، لأنه كان لا يولد له ولد، وكان حصوراً. ثم قال تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ } أي كما أنعمنا عليه بالسلامة من الجب مكناه بأن عطفنا عليه قلب العزيز، حتى توصل بذلك إلى أن صار متمكناً من الأمر والنهي في أرض مصر. واعلم أن الكمالات الحقيقية ليست إلا القدرة والعلم وأنه سبحانه لما حاول إعلاء شأن يوسف ذكره بهذين الوصفين، أما تكميله في صفة القدرة والمكنة فإليه الإشارة بقوله: {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ } وأما تكميله في صفة العلم، فإليه الإشارة بقوله: {وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلاْحَادِيثِ } وقد تقدم تفسير هذه الكلمة. واعلم أنا ذكرنا أنه عليه السلام لما ألقى في الجب قال تعالى: { أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا } تفسير : [يوسف: 15] وذلك يدل ظاهراً على أنه تعالى أوحى إليه في ذلك الوقت. وعندنا الإرهاص جائز، فلا يبعد أن يقال: إن ذلك الوحي إليه في ذلك الوقت ما كان لأجل بعثته إلى الخلق، بل لأجل تقوية قلبه وإزالة الحزن عن صدره ولأجل أن يستأنس بحضور جبريل عليه السلام، ثم إنه تعالى قال ههنا {وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } والمراد منه إرساله إلى الخلق بتبليغ التكاليف، ودعوة الخلق إلى الدين الحق، ويحتمل أيضاً أن يقال: إن ذلك الوحي الأول كان لأجل الرسالة والنبوة ويحمل قوله: {وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } على أنه تعالى أوحى إليه بزيادات ودرجات يصير بها كل يوم أعلى حالاً مما كان قبله وقال ابن مسعود: أشد النار فراسة ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا، والمرأة لما رأت موسى، فقالت: { أية : إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَـجِرْهُ } تفسير : [القصص: 26] وأبو بكر حين استخلف عمر. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ } وفيه وجهان: الأول: غالب على أمر نفسه لأنه فعال لما يريد لا دافع لقضائه ولا مانع عن حكمه في أرضه وسمائه، والثاني: والله غالب على أمر يوسف، يعني أن انتظام أموره كان إلهياً، وما كان بسعيه وإخوته أرادوا به كل سوء ومكروه والله أراد به الخير، فكان كما أراد الله تعالى ودبر، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الأمر كله بيد الله. واعلم أن من تأمل في أحوال الدنيا وعجائب أحوالها عرف وتيقن أن الأمر كله لله، وأن قضاء الله غالب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} قيل: الاشتراء هنا بمعنى الاستبدال؛ إذ لم يكن ذلك عقداً، مثل: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} تفسير : [البقرة: 16]. وقيل: إنهم ظنوه في ظاهر الحال ٱشتراء، فجرى هذا اللفظ على ظاهر الظن. قال الضّحاك: هذا الذي ٱشتراه ملك مصر، ولقبه العزيز. السُّهيلي: وٱسمه قطفير. وقال ٱبن إسحق: إطفير بن رويحب ٱشتراه لامرأته راعيل؛ ذكره الماورديّ. وقيل: كان اسمها زَلِيخَاء. وكان الله ألقى محبة يوسف على قلب العزيز، فأوصى به أهله؛ ذكره القُشيريّ. وقد ذكر القولين في ٱسمها الثّعلبيّ وغيره. وقال ابن عباس: إنما اشتراه قطفير وزير ملك مصر، وهو الريان بن الوليد. وقيل: الوليد بن الريان، وهو رجل من العمالقة. وقيل: هو فرعون موسى؛ لقول موسى: {أية : وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ} تفسير : [غافر: 34] وأنه عاش أربعمائة سنة. وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، على ما يأتي في «غافر» بيانه. وكان هذا العزيز الذي ٱشترى يوسف على خزائن الملك؛ واشترى يوسف من مالك بن دُعْر بعشرين ديناراً، وزاده حلة ونعلين. وقيل: اشتراه من أهل الرّفقة. وقيل: تزايدوا في ثمنه فبلغ أضعاف وزنه مِسْكاً وعنبراً وحريراً وورِقاً وذهباً ولآلىء وجواهر لا يعلم قيمتها إلا الله؛ فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن؛ قاله وهب بن منبّه. وقال وهب أيضاً وغيره: ولما ٱشترى مالك بن دُعْر يوسف من إخوته كتب بينهم وبينه كتاباً: هذا ما ٱشترى مالك بن دعر من بني يعقوب، وهم فلان وفلان مملوكاً لهم بعشرين درهماً، وقد شرطوا له أنه آبق، وأنه لا ينقلب به إلا مقيداً مسلسلاً، وأعطاهم على ذلك عهد الله. قال: فودّعهم يوسف عند ذلك، وجعل يقول: حفظكم الله وإن ضيعتموني، نصركم الله وإن خذلتموني، رحِمكم الله وإن لم ترحموني؛ قالوا: فألقت الأغنام ما في بطونها دماً عَبِيطاً لشدّة هذا التوديع، وحملوه على قتب بغير غطاء ولا وطاء، مقيداً مكبّلاً مسلسلاً، فمرّ على مقبرة آل كنعان فرأى قبر أمّه ـ وقد كان وكل به أسود يحرسه فغفل الأسود ـ فألقى يوسف نفسه على قبر أمّه فجعل يتمرّغ ويعتنق القبر ويضطرب ويقول: يا أماه! ٱرفعي رأسك تري ولدك مكبلاً مقيداً مسلسلاً مغلولاً؛ فرّقوا بيني وبين والدي، فاسألي الله أن يجمع بيننا في مستقرّ رحمته إنه أرحم الراحمين، فتفقده الأسود على البعير فلم يره، فقفا أثره، فإذا هو ببياض على قبر، فتأمله فإذا هو إياه، فركضه برجله في التراب ومرغه وضربه ضرباً وجيعاً؛ فقال له: لا تفعل! والله ما هربت ولا أبِقت وإنما مررت بقبر أمي فأحببت أن أودّعها، ولن أرجع إلى ما تكرهون؛ فقال الأسود: والله إنك لعبد سوء، تدعو أباك مرة وأمك أخرى! فهلا كان هذا عند مواليك؛ فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إن كانت لي عندك خطيئة أخلقت بها وجهي فأسألك بحق آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب أن تغفر لي وترحمني؛ فضجّت الملائكة في السماء، ونزل جبريل فقال له: يا يوسف! غُضّ صوتك فلقد أبكيت ملائكة السماء! أفتريد أن أقلب الأرض فأجعل عاليها سافلها؟ قال: تثبت يا جبريل، فإن الله حليم لا يعجل؛ فضرب الأرض بجناحه فأظلمت، وٱرتفع الغبار، وكسفت الشمس، وبقيت القافلة لا يعرف بعضها بعضاً؛ فقال رئيس القافلة: من أحدث منكم حدثاً؟ ـ فإني أسافر منذ كيت وكيت ما أصابني قطّ مثل هذا ـ فقال الأسود: أنا لطمت ذلك الغلام العبرانيّ فرفع يده إلى السماء وتكلم بكلام لا أعرفه، ولا أشك أنه دعا علينا؛ فقال له: ما أردت إلا هلاكناٰ ٱيتِنا به، فأتاه به، فقال له: يا غلام! لقد لطمك فجاءنا ما رأيت؛ فإن كنت تقتص فاقتص ممن شئت، وإن كنت تعفو فهو الظنّ بك؛ قال: قد عفوت رجاء أن يعفو الله عني؛ فانجلت الغبرة، وظهرت الشمس، وأضاء مشارق الأرض ومغاربها، وجعل التاجر يزوره بالغداة والعشي ويكرمه، حتى وصل إلى مصر فاغتسل في نيلها وأذهب الله عنه كآبة السفر، وردّ عليه جماله، ودخل به البلد نهاراً فسطع نوره على الجدران، وأوقفوه للبيع فاشتراه قطفير وزير الملك؛ قاله ٱبن عباس على ما تقدّم. وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن وٱتبع يوسف على دينه، ثم مات الملك ويوسف يومئذ على خزائن الأرض؛ فملك بعده قابوس وكان كافراً، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى. {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} أي منزله ومقامه بطيب المطعم واللباس الحسن؛ وهو مأخوذ من ثوى بالمكان أي أقام به؛ وقد تقدّم في «آل عمران» وغيره. {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} أي يكفينا بعض المهمات إذا بلغ. {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} قال ٱبن عباس: كان حَصُوراً لا يولد له، وكذا قال ابن إسحق: كان قطفير لا يأتي النساء ولا يولد له. فإن قيل: كيف قال «أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا» وهو ملكه، والوَلدَية مع العبدية تتناقض؟ قيل له: يعتقه ثم يتخذه ولداً بالتّبنّي؛ وكان التّبني في الأمم معلوماً عندهم، وكذلك كان في أوّل الإسلام، على ما يأتي بيانه في «الأحزاب» إن شاء الله تعالى. وقال عبد الله بن مسعود: أحسن الناس فراسة ثلاثة؛ العزيز حين تفرّس في يوسف فقال: {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً}، وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى {أية : ٱسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} تفسير : [القصص: 26]، وأبو بكر حين ٱستخلف عمر. قال ٱبن العربي: عجباً للمفسرين في اتفاقهم على جلب هذا الخبرٰ والفراسة هي علم غريب على ما يأتي بيانه في سورة «الحجر» وليس كذلك فيما نقلوه؛ لأن الصدّيق إنما ولّى عمر بالتجربة في الأعمال، والمواظبة على الصحبة وطولها، والاطلاع على ما شاهد منه من العلم والمنّة، وليس ذلك من طريق الفراسة؛ وأما بنت شعيب فكانت معها العلامة البينة على ما يأتي بيانه في «القَصَص»، وأما أمر العزيز فيمكن أن يجعل فراسة؛ لأنه لم يكن معه علامة ظاهرة. والله أعلم. قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} الكاف في موضع نصب؛ أي وكما أنقذناه من إخوته ومن الجبّ فكذلك مكنا له؛ أي عطفنا عليه قلب الملك الذي ٱشتراه حتى تمكن من الأمر والنهي في البلد الذي الملِك مستول عليه. {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي فعلنا ذلك تصديقاً لقول يعقوب: {أية : وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} تفسير : [يوسف: 6]. وقيل: المعنى مكناه لنوحي إليه بكلام منا، ونعلمه تأويله وتفسيره، وتأويل الرؤيا، وتم الكلام. {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} الهاء راجعة إلى الله تعالى؛ أي لا يغلب الله شيء، بل هو الغالب على أمر نفسه فيما يريده أن يقول له: كُنْ فَيَكُونُ. وقيل: ترجع إلى يوسف؛ أي الله غالب على أمر يوسف يدبّره ويحوطه ولا يكِله إلى غيره، حتى لا يصل إليه كيْدُ كائد. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يطلعون على غيبهِ. وقيل: المراد بالأكثر الجميع؛ لأن أحداً لا يعلم الغيب. وقيل: هو مجرى على ظاهره؛ إذ قد يُطلِع من يريد على بعض غيبه. وقيل: المعنى «وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ» أن الله غالب على أمره، وهم المشركون ومن لا يؤمن بالقَدَر. وقالت الحكماء في هذه الآية: {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} حيث أمره يعقوب ألاّ يقصّ رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حتى قَصّ، ثم أراد إخوته قتله فغلب أمر الله حتى صار ملِكاً وسجدوا بين يديه، ثم أراد الإخوة أن يخلو لهم وجه أبيهم فغلب أمر الله حتى ضاق عليهم قلب أبيهم، وٱفتكره بعد سبعين سنة أو ثمانين سنة، فقال: {أية : يٰأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 84] ثم تدبّروا أن يكونوا من بعده قوماً صالحين، أي تائبين فغلب أمر الله حتى نسوا الذنب وأصروّا عليه حتى أقرّوا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد سبعين سنة، وقالوا لأبيهم: «إنَّا كُنَّا خَاطِئِين» ثم أرادوا أن يخدعوا أباهم بالبكاء والقميص (فغلب أمر الله) فلم ينخدع، وقال: «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً» ثم ٱحتالوا في أن تزول محبته من قلب أبيهم فغلب أمر الله فازدادت المحبة والشوق في قلبه، ثم دَبَّرت ٱمرأة العزيز أنها إن ٱبتدرتْه بالكلام غلبته، فغلب أمر الله حتى قال العزيز: {أية : وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِين} تفسير : [يوسف: 29]، ثم دَبَّر يوسف أن يتخلّص من السجن بذكر الساقي فغلب أمر الله فنسي الساقي، ولبِث يوسف في السجن بِضع سنين.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَاهُ مِن مّصْرَ} وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر واسمه قطفير أو إطفير، وكان الملك يومئذ ريان بن الوليد العمليقي وقد آمن بيوسف عليه السلام ومات في حياته. وقيل كان فرعون موسى عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ جَاءكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيّنَـٰتِ}تفسير : [غافر: 34] والمشهور أنه من أولاد فرعون يوسف. والآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء. روي: أنه اشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة واستوزره الريان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة. واختلف فيما اشتراه به من جعل شراءه به غير الأول: عشرون ديناراً وزوجا نعل وثوبان أبيضان. وقيل ملؤه فضة وقيل ذهباً. {لاِمْرَأَتِهِ} راعيل أو زليخا. {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ} اجعلي مقامه عندنا كريماً أي حسناً والمعنى أحسني تعهده. {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا} في ضياعنا وأموالنا ونستظهر به في مصالحنا. {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} نتبناه وكان عقيماً لما تفرس فيه من الرشد، ولذلك قيل: أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر، وابنة شعيب التي قالت { أية : يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ }تفسير : [القصص: 26] وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله تعالى عنهما. {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ} وكما مكنا محبته في قلب العزيز أو كما مكناه في منزله أو كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز مكنا له فيها. {وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} عطف على مضمر تقديره ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه أي كان القصد في إنجائه وتمكينه إلى أن يقيم العدل ويدبر أمور الناس، ويعلم معاني كتب الله تعالى وأحكامه فينفذها، أو تعبير المنامات المنبهة على الحوادث الكائنة ليستعد لها ويشتغل بتدبيرها قبل أن تحل كما فعل لسنيه. {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ } لا يرده شيء ولا ينازعه فيما يشاء أو على أمر يوسف أراد به إخوته شيئاً وأراد الله غيره فلم يكن إلا ما أراده. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أن الأمر كله بيده، أو لطائف صنعه وخفايا لطفه.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى بألطافه بيوسف عليه السلام أنه قيض له الذي اشتراه من مصر حتى اعتنى به وأكرمه، وأوصى أهله به، وتوسم فيه الخير والصلاح، فقال لامرأته: {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها، وهو الوزير بها. حدثنا العوفي عن ابن عباس: وكان اسمه قطفير، وقال محمد بن إسحاق: اسمه إطفير بن روحيب، وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد؛ رجل من العماليق، قال: واسم امرأته راعيل بنت رعائيل، وقال غيره: اسمها زليخا، وقال محمد بن إسحاق أيضاً: عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس: كان الذي باعه بمصر مالك بن ذعر بن قُريب بن عنقا بن مديان بن إبراهيم، فالله أعلم. وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ}، والمرأة التي قالت لأبيها: {أية : يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ} تفسير : [القصص: 26] الآية، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. يقول تعالى: كما أنقذنا يوسف من إخوته، {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ} يعني: بلاد مصر {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}. قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} أي: إذا أراد شيئاً، فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه. قال سعيد بن جبير في قوله: {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ}: أي: فعال لما يشاء. وقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} يقول: لا يدرون حكمته في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد، وقوله: {وَلَمَّا بَلَغَ} أي: يوسف عليه السلام {أَشُدَّهُ} أي: استكمل عقله وتم خلقه {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} يعني: النبوة؛ أنه حباه بها بين أولئك الأقوام {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ} أي: إنه كان محسناً في عمله، عاملاً بطاعة الله تعالى، وقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة. وعن ابن عباس: بضع وثلاثون. وقال الضحاك: عشرون، وقال الحسن: أربعون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال سعيد ابن جبير: ثماني عشرة سنة. وقال الإمام مالك وربيعة بن زيد بن أسلم والشعبي: الأشد: الحلم، وقيل غير ذلك، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ } وهو (قطفير) العزيز {لاِمْرَأَتِهِ } زليخا {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ } مقامه عندنا {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } وكان حصوراً {وَكَذٰلِكَ } كما نجيناه من القتل والجبِّ وعطفنا عليه قلب العزيز {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ } أرض مصر حتى بلغ ما بلغ {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } تعبير الرؤيا عطف على مقدّر متعلق( بمكّنّا): أي لنملِّكه، أو الواو زائدة {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ } تعالى لا يعجزه شيء {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } وهم الكفار {لاَّ يَعْلَمُونَ } ذلك.

الماوردي

تفسير : قوله عزو جل: {وقال الذي اشتراه من مصر}وهو العزيز ملكها واسمه إظفير بن رويجب. {لامرأته} واسمها راعيل بنت رعاييل، على ما ذرك ابن اسحاق. وقال ابن عباس: اسمه قطفير وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ الوليد بن الرّيان من العماليق. قال مقاتل: وكان البائع له للملك مالك بن ذعر بعشرين ديناراً وزاده حُلة ونعلين. {أكرمي مثواه} فيه وجهان: أحدهما: أجملي منزلته. الثاني: أجلي منزلته، قال كثير: شعر : أريد ثواءً عندها وأظُنُّها إذا ما أطَلْنا عندها المكث ملَّت تفسير : وإكرام مثواه بطيب طعامه ولين لباسه وتوطئة مبيته. {عسى أن ينفعنا} قيل: في ثمنه إن بعناه. ويحتمل: ينفعنا في الخدمة والنيابة. {أو نتخذه ولداً} إن أعتقناه وتبنيناه. قال عبد الله بن مسعود: أحسن الناس في فراسة ثلاثة: العزيز في يوسف حين قال لامرأته {أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا} وابنة شعيب في موسى حين قالت لأبيها{أية : يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} تفسير : [القصص:26] وأبو بكر حين استخلف عمر. {وكذلك مكّنّا ليوسف في الأرض} فيه وجهان: أحدهما: بإخراجه من الجب. الثاني: باستخلاف الملك له. {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} قد ذكرنا في تأويله وجهين. {والله غالبٌ على أمره} فيه وجهان: أحدهما: غالب على أمر يوسف حتى يبلغ فيه ما أراده له، قاله مقاتل. الثاني: غالب على أمر نفسه فيما يريده، أن يقول له كن فيكون. قوله عز وجل: {ولما بلغ أشدَّه} يعني منتهى شدته وقوة شبابه. وأما الأشدُّ ففيه ستة أقاويل: أحدها: ببلوغ الحلم، قاله الشعبي وربيعة وزيد بن أسلم. الثاني: ثماني عشرة سنة، قاله سعيد بن جبير. الثالث: عشرون سنة، قاله ابن عباس والضحاك. الرابع: خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة. الخامس: ثلاثون سنة، قاله السدي. السادس: ثلاث وثلاثون سنة. قاله الحسن ومجاهد وقتادة. هذا أول الأشد، وفي آخر الأشد قولان: أحدهما: أنه أربعون سنة، قاله الحسن. الثاني: أنه ستون سنة، حكاه ابن جرير الطبري، وقال سُحَيْم بن وثيل الرياحي: شعر : أخو خمسين مجتمع أشُدّي وتجذّني مداورة الشئون تفسير : وفي المراد ببلوغ الأشد في يوسف قولان: أحدهما: عشرون سنة، قاله الضحاك. الثاني: ثلاثون سنة، وهو قول مجاهد. {آتيناه حكماً وعلماً} في هذا الحكم الذي آتاه خمسة أوجه: أحدها: العقل، قاله مجاهد. الثاني: الحكم على الناس. الثالث: الحكمة في أفعاله. الرابع: القرآن، قاله سفيان. الخامس: النبوة، قاله السدي. وفي هذا العلم الذي آتاه وجهان: أحدهما: الفقه، قاله مجاهد. الثاني: النبوة، قاله ابن أبي نجيح. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أنه العلم بتأويل الرؤيا. {وكذلك نجزي المحسنين}فيه وجهان: أحدهما: المطيعين. الثاني: المهتدين، قاله ابن عباس. والفرق بين الحكيم والعالم أن الحكيم هو العامل بعلمه، والعالم هو المقتصر على العلم دون العمل.

ابن عطية

تفسير : روي أن مبتاع يوسف - وهو الوارد من إخوته أو التاجر من الوراد، حسبما تقدم من الخلاف - ورد به مصر، البلد المعروف، ولذلك لا ينصرف، فعرضه في السوق، وكان أجمل الناس، فوقعت فيه مزايدة حتى بلغ ثمناً عظيماً - فقيل: وزنه من ذهب ومن فضة ومن حرير فاشتراه العزيز، وكان حاجب الملك وخازنه، واسم الملك الريان بن الوليد، وقيل مصعب بن الريان، وهو أحد الفراعنة، وقيل: هو فرعون موسى، عمر إلى زمانه. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وذلك أن ظهور يوسف عليه السلام لم يكن في مدة كافر يخدمه يوسف؛ واسم العزيز المذكور: قطفير، قاله ابن عباس، وقيل: أطفير، وقيل: قنطور؛ واسم امرأته: راعيل، قاله ابن إسحاق، وقيل ربيحة، وقيل: زليخا، وظاهر أمر العزيز أنه كان كافراً، ويدل على ذلك كون الصنم في بيته - حسبما نذكره في البرهان الذي رأى يوسف - وقال مجاهد: كان العزيز مسلماً. و"المثوى" مكان الإقامة، و "الإكرام" إنما هو لذي المثوى، ففي الكلام استعارة وقوله: {عسى أن ينفعنا}، أي بأن يعيننا في أبواب دنيانا وغير ذلك من وجوه النفع، وقوله: {أو نتخذه ولداً} أي نتبناه، وكان فيما يقال لا ولد له. ثم قال تعالى: {وكذلك}، أي كما وصفنا {مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه} فعلنا ذلك. و {الأحاديث}: الرؤيا في النوم - قاله مجاهد - وقيل: أحاديث الأمم والأنبياء. والضمير في {أمره} يحتمل أن يعود على يوسف، قال الطبري، ويحتمل أن يعود على الله عز وجل، قاله ابن جبير، فيكون إخباراً منبهاً على قدرة الله عز وجل ليس في شأن يوسف خاصة بل عاماً في كل أمر. وكذلك الاحتمال في قول الشاعر: [الطويل] شعر : رأيت أبا بكر - وربك - غالب على أمره يبغي الخلافة بالتمر تفسير : وأكثر الناس الذين نفي عنهم العلم هم الكفرة، وفيهم الذين زهدوا في يوسف وغيرهم ممن جهل أمره، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أصح الناس فراسة ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته: {أكرمي مثواه}، وابنة شعيب حين قالت: "استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين" وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب. قال القاضي أبو محمد: وفراسة العزيز إنما كانت في نفس نجابة يوسف لا أنه تفرس الذي كان كما في المثالين الآخرين، فإن ما تفرس خرج بعينه. و"الأشد": استكمال القوة وتناهي البأس، أولهما البلوغ وقد عبر عنه مالك وربيعة ببنية الإنسان، وهما أشدان: وذكره منذر بن سعيد، والثاني: الذي يستعمله العرب وقيل: هو من ثماني عشرة سنة إلى ستين سنة. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف. وقيل: "الأشد": بلوغ الأربعين، وقيل: بل ستة وثلاثون. وقيل: ثلاثة وثلاثون. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو أظهر الأقوال -فيما نحسبه - وهو الأسبوع الخامس، وقيل: عشرون سنة، وهذا ضعيف. وقال الطبري: "الأشد" لا واحد له من لفظه، وقال سيبويه: "الأشد" جمع شدة نحو نعمة وأنعم، وقال الكسائي: "أشد" جمع شد نحو قد وأقد، وشد النهار: معظمه وحيث تستكمل نهاريته. وقوله: {حكماً} يحتمل أن يريد الحكمة والنبوءة، وهذا على الأشد الأعلى، ويحتمل الحكمة والعلم دون النبوءة، وهذا أشبه إن كانت قصة المراودة بعد هذا. و {علماً} يريد تأويل الأحاديث وغير ذلك. ويحتمل أن يريد بقوله: {حكماً} أي سلطاناً في الدنيا وحكماً بين الناس بالحق. وتدخل النبوة وتأويل الأحاديث وغير ذلك في قوله: {وعلماً}. {وكذلك نجزي المحسنين} ألفاظ فيها وعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يهولنك فعل الكفرة بك وعتوهم عليك فالله تعالى يصنع للمحسنين أجمل صنع.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِى اشْتَرَاهُ} العزيز ملك مصر "أطيفر بن روجيب". وامرأته "راعيل"، أو اسمه "قطفير" وكان على خزائن مصر، والملك حينئذ "الوليد بن الرياني" من العماليق"ع"، وباعه مالك بن دعر بعشرين ديناراً وزاده الملك بَغْلَة ونعلين {أَكْرِمِى} أجملي منزله، أو أحلي منزلته بطيب الطعام ولين المرقد واللباس. {يَنفَعَنَآ} بالربح في ثمنه، أو نعتقه ونتبناه. قال ابن مسعود: أحسن الناس فراسة ثلاثة: العزيز وابنة شعيب وأبو بكرـ رضي الله تعالى عنه ـ في استخلافه عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأَرْضِ} بإخراجه من الجب، أو باستخلاف الملك له {عَلَى أَمْرِهِ} أمر الله ـ تعالى ـ فيما أراده فيقول له كن فيكون، أو أمر يوسف حتى يبلغ في مراده.

النسفي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَاهُ مِن مّصْرَ } هو قطفير وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر ــ والملك يومئذ الريان بن الوليد وقد آمن بيوسف ومات في حياته واشتراه العزيز برَنته ورقاً ــ وحريراً ومسكاً وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله الحكمة والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة {لاِمْرَأَتِهِ } راعيل أو زليخا واللام متعلقة بـ {قال} لا بـ {اشتراه} {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ } اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسنا مرضياً بدليل قوله {أية : إنه ربي أحسن مثواي}تفسير : وعن الضحاك: بطيب معاشه ولين لباسه ووطىء فراشه {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا } لعله إذا تدرب وراض الأمور وفهم مجاريها نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أو نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان قطفير عقيماً وقد تفرس فيه الرشد فقال ذلك {وَكَذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم من إنجائه وعطف قلب العزيز عليه. والكاف منصوب تقديره ومثل ذلك الإنجاء والعطف {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ } أي كما أنجيناه وعطَّفنا عليه العزيز كذلك مكنا له {فِي ٱلأَرْضِ } أي أرض مصر وجعلناه ملكاً يتصرف فيها بأمره ونهيه {وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } كان ذلك الإنجاء والتمكين {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ } لا يمنع عما شاء أو على أمر يوسف بتبليغه ما أراد له دون ما أراد إخوته {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } منتهى استعداد قوته وهو ثمان عشرة سنة أو إحدى وعشرون {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } حكمة وهو العلم مع العمل واجتناب ما يجهل فيه أو حكماً بين الناس وفقهاً {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره .

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {هيت لك} بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير {هيت} بكسر الهاء وفتح التاء: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام مثل هذا لكن بضم التاء، النجاري عن هشام. والباقون {هيت لك} بفتحتين. وسكون الياء {المخلصين} بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف {ربي أحسن} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير {من قبل} و {من دبر} بالاختلاس: عباس {قد شغفها} مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام {وقالت اخرج} بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم. الآخرون بالضم للإتباع. {حاشا لله} وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو {ربي السجن} بفتح السين على أنه مصدر: يعقوب. الباقون. بالكسر. الوقوف: {ولداً} ط {في الأرض} ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة بـ {مكنا} أو هي عطف على محذوف قبله ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن {الأحاديث} ط {لا يعلمون} ه {وعلماً} ط {المحسنين} ه {هيت لك} ط {الظالمون} ه {همت به} ز قد قيل بناء على أن قوله {وهم} جواب "لولا" وليس بصحيح لأن جواب "لولا" لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو لحقق ما هم به كذا. قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد {وهم بها} ج {برهان ربه} ط {والفحشاء} ط {المخلصين} ه {لدى الباب} ه {أليم} ه {عن نفسي} لم يذكر الأئمة عليه وقفاً ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف {وشهد} على {راودتني} أو على جملة {هي راودتني}. {من أهلها} ج على تقدير وقال إن كان {من الكاذبين} ه {الصادقين} ه {من كيدكن} ط {عظيم} ه {عن هذا} سكتة للعدول عن مخاطب إلى مخاطب {لذنبك} ج لاحتمال التعليل {الخاطئين} ه {عن نفسه} ج لأن "قد" لتحسين الابتداء مع اتحاد القائل {حباً} ط {مبين} ه {عليهن} ج {بشراً} ط {كريم} ه {فيه} ط {فاستعصم} ط لاحتمال القسم {الصاغرين} ه {إليه} ج للشرط مع الواو {الجاهلين} ه {كيدهن} ط {العليم} ه {حين} ه. التفسير: قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به إلى مصر وباعه فاشرتاه العزيز - واسمع قطفير أو أطفير - ولم يكن ملكاً ولكنه كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف. روي أن العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة. وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة دليله قوله: {أية : ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات}تفسير : [غافر: 34] وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف. والمعنى ولقد جاء آباءكم. وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين. وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً فابتاعه قطفير بذلك المبلغ. ومعنى {أكرمي مثواه} اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسناً مرضياً. وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس العالي. وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا. ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟ واللام في {لامرأته} تتعلق بــ{قال}. ثم بين الغرض من الإكرام فقال: {عسى أن ينفعنا} بكفاية بعض مهماتنا {أو نتخذه ولداً} لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصوراً. وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر. وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه. ثم قال: {وكذلك} أي كما أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه {مكنا له} في أرض مصر حتى يتصرف فيها بالأمر والنهي {ولنعلمه} قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائلا لسورة معنى تأويل الأحاديث. والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: {مكنا} والعلم وأشار إليه بقوله {ولنعلمه} ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال {وأوحينا إليه لتنبئنهم} وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعداً للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق {والله غالب على أمره} أي على أمر نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر. {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أن الأمر كله بيد الله. ثم إنه سبحانه بين وقت استكمال أمره فقال: {ولما بلغ أشدّة} قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين وستين {آتيناه حكماً وعلماً} فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضيات والمجاهدات يصلون أوّلاً إلى الحكمة العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء، والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: الحكم النبوّة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين. وقيل: الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذٍ تفيض الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس. والتحقيق في هذا الباب أن استكمال النفس الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارة الآلات صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق. فقوله {ولما بلغ أشده} إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: {آتيناه حكماً وعلماً} إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها. قال في الكشاف: {وكذلك نجزي المحسنين} فيه تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه. واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة. والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سبباً للأضواء اللاحقة وهلم جراً. عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله. ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز وذلك قوله: {وراودته} والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشي الذي يريد أن يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: {التي هو في بيتها} ولم يقل زليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة {وغلقت الأبواب} لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو فتح. والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة {وقالت هيت لك} هذه اللغة في جميع القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ {هئت لك} بهاء مكسورة بعدها همزة ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها معنى تهيأت لك. يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ. قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاثة: فالفتح للخفة، والكسر للالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث. وإذا بين باللام نحو "هيت لك" فهي صوت قائم مقام المصدر كأفٍ له أي لك أقول هذا. وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ومعناه إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل. وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي زيد {قالت هيت لك} بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن. وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها. وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل. ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب يوسف عليه السلام بثلاثة أجوبة: الأول {قال معاذ الله} وهو من المصادر التي لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذاً، وفيه إشارة إلى أن حق الله تعالى يمنع عن هذا العمل، الثاني {إنه} والضمير للشأن {ربي} أي سيدي ومالكي بزعمهم واعتقاهم وإلا فيوسف كان عالماً بأنه حر والحر لا يصير عبداً بالبيع، أو المراد التربية أي الذي رباني {أحسن مثواي} حين قال {أكرمي مثواه} وفي هذا إشارة إلى أن حق الخلق أيضاً يمنع عن ذلك العمل. وقيل: أراد بقوله: {ربي} الله تعالى لأنه مسبب الأسباب. الثالث قوله: {إنه لا يفلح الظالمون} الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا أنفسهم. وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة. قوله سبحانه {ولقد همت به وهمّ بها} لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد المخالطة فقال أبو جعفر الباقر رضي الله عنه بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة. وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع. وعنه أيضاً أنها استقلت له وقعد هو بين شعبها الأربع. وروي أن يوسف حين قال: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال له جبرائيل: ولا حين هممت يا يوسف؟ فقال يوسف عند ذلك {وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء} وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين. أما الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في زاوية من زاويا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟ فقالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية. فقال يوسف: تستحيي من صنم لا يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا أفعل ذلك أبداً. وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضاً فوه على أصابعه قائلاً: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟ وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين. وقال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله. وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له. وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها {أية : وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين} تفسير : {الإنفطار:11 - 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها {أية : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً}تفسير : [الإسراء: 32] فلم ينته ثم رأى فيها {أية : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله}تفسير : [البقرة: 281] فلم ينجع فيه فقال الله تعالى لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة. فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في يوان زمرة الأنبياء؟ وقيل: رأى تمثال العزيز. وأما الآخرون فما سلموا شيئاً من هذه الروايات. وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف الزواجر فهو عليه وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذ الزواجر تكميلاً للألطاف وتتميماً للعناية. قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة. قالوا: والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى هارباً عنها. وفي قوله: {وهمّ بها} فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: {هي راودتني} وبقوله: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} وقالت {الآن حصحص الحق} وزوج المرأة صدّقه فقال: {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم} وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله تعالى فقال: {كذلك} أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك {لنصرف عنه السوء} خيانة السيد {والفحشاء} الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك. ثم أكد الشهادة بقوله: {إنه من عبادنا} والإضافة للتشريف كقوله: {أية : وعباد الرحمن}تفسير : [الفرقان: 63] ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله تعالى بناء على قراءتي فتح اللام وكسرها. ويحتمل أن يكون "من" للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية إبراهيم عليه السلام. فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف عليه السلام وأنه بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما في آدم وذي النون وغيرهما ولما استحق هذا الثناء والله أعلم بحقائق الأمور. وقوله: {واستبقا الباب} أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل {أية : واختار موسى قومه}تفسير : [الأعراف: 155] أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا. وإنما وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها. روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب {وقدت قميصه من دبر} لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولاً {وألفيا سيدها} صادفا بعلها وهو قطفير. وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكاً في الحقيقة. روي أنهما ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل وقيل جالساً مع ابن عم للمرأة. ثم إنه كان للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذا ذاك؟ فقيل: قالت: {ما جزاء} هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس جزاءه إلا السجن أو العذاب الأليم. وربما فسر العذاب {الأليم بالضرب بالسياط جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه طمعاً في أن يواتيها خوفاً وإن لم يواتيها طوعاً. ثم إنها لحبها يوسف راعت دقائق المحبة فذكرت السجن أوّلاً ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما أمكن. وأيضاً لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءاً بل قصدت العموم ليندرج يوسف فيه. وفي قولها: {إلا أن يسجن} إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول فرعون لموسى {أية : لأجعلنك من المسجونين} تفسير : [الشعراء: 29] ففيه إشعار بالتأبيد {قال} يوسف {هي راودتني عن نفسي} وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها. قال سبحانه {وشهد شاهد من أهلها} قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم المرأة وكان رجلاً حكيماً، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه قال ابن عمها: {إنه من كيدكن} وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها وكان صبياً في المهد وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " حديث : تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم"تفسير : . وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد المرأة وهي قد غضب عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضرباً وجيعاً. وأجيب بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم. واعترض على القول الثاني بأن شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال القميص ولا لكونه من أهلها فائدة. وأيضاً لفظ {شاهد} لا يقع في العرف إلا على من تقدمت معرفته بالواقعة. والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد ههنا مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها. قال في الكشاف: التنكير في "قبل". و"دبر" معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر. أما الضمير في قوله: {فلما رأى} وفي قوله: {قال إنه من كيدكن} فقيل: إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن {إن كيدكن عظيم} قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه تعالى يقول: {أية : إن كيد الشيطان كان ضعيفاً}تفسير : [النساء: 76] وقال للنساء: {إن كيدكن عظيم} وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا حكاية قول الشاهد فلا يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله تعالى إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : النساء حبائل الشيطان ". تفسير : ثم قال الشاهد: {يوسف} أي يا يوسف فحذف حرف النداء {أعرض عن هذا} الأمر واكتمه ولا تحدّث به {واستغفري} يا امرأة {لذنبك} والاستغفار إما من الزوج أو من الله تعالى لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا قال يوسف لصاحبه في السجن {أية : أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار}تفسير : [يوسف: 39] {إنك كنت من الخاطئين} من المتعمدين للذنب. يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب. وقيل: الضمير في {رأى} وفي {قال} لزوج المرأة وأنه كان قليل الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم. {وقال نسوة} هو اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم نونها. قال الكلبي: هن أربع في مدينة مصر: إمرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية {قد شغفها} أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب و{حباً} نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء. وقرىء بالعين المهملة أي أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران. وقال ابن الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع من قلبها. والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب. {فلما سمعت بمكرهن} اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء. وقيل: التمست منهن كتمان سرها فأفشينه فسمي مكراً {أرسلت إليهن} تدعوهن. وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية يوسف عليه السلام فلهذا سمي مكراً. وقيل: كن أربعين. {وأعتدت} وهيأت{لهن متكئاً} موضع اتكاء وأصله موتكئاً لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف عليه السلام من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين توهمه أنهن يثبن عليه. وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئاً. وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها. وقيل: أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له متكأ. وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على المقطوع بآلة القطع وقرىء متكاً مضموم الميم ساكن التاء مقصوراً وهو الأترج {فلما رأينه أكبرته} أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان أملح. قيل: كان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجداران وقد ورث الجمال من جدته سارّة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبرائيل: ما هذا؟ فقال: يوسف. فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟ قال: كالقمر ليلة البدر" تفسير : وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت. يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذٍ بأن المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن. وقيل: أكبرنه لما رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق. الفاضله الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة والرعب في قلوبهن {وقطعن أيديهن} أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن {حاش لله} أي ننزهه عما يشينه من خصلة ذميمة {إن هذا إلا ملك كريم} في السيرة والعفة والطهارة. وأما قول زليخا: {فذلكن الذي لمتنني فيه} فإنما ينطبق على هذا التأويل من حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق. وعلى القولين الأولين فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما أن قولهن {حاش لله ما علمنا عليه} تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله. قال صاحب الكشاف: "حاشا" كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في {لله} لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة. وقال أبو البقاء: الجمهور على أنه ههنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية. {ما هذا بشراً} أعمال ما عمل ليس لغة حجازية {إن هذا} أي ما هذا الشخص {إلا ملك كريم} استدل بعضهم بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من صورة الشيطان. واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك. وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة وأنظار كثيرة فلذلك {قالت فذلكن الذي لمتنني فيه} وسئل ههنا إن يوسف كان حاضراً فلم أشارت بعبارة البعيد؟ وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء يتعلق بالنقل. وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنها لم تقل فهذا رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاداً لمحله، أو هو إشارة إلى المعنيّ بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكن ثم لمتتني فيه يعني أنكن لم تصوّرنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به. ولما أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} قال السدي: أي بعد حل السراويل: والذين يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن {استعصم} بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه شهادة من المرأة على أن يوسف ما صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلاً. {ولئن لم يفعل ما آمره} قال في الكشاف: معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه {وليكونا من الصاغرين} هي نون التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف. والصغار الذل والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس جليل القدر مثل يوسف ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة قد عزمت أن تبذل الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفاً من شرها ومن إقدامها على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلاً عن كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف عليه السلام إلى الله تعالى قائلاً: {رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه} لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة {وإلا تصرف عني كيدهن} بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف والعصمة {أصب إليهن} والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبوا إلى روحها. {وأكن من الجاهلين} الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح. ولما كان في قوله: {وإلا تصرف} معنى الدعاء وطلب الصرف قال سبحانه {فاستجاب له ربه} ثم إن المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله تعالى: {ثم بدا} أي ظهر {لهم} للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في تعظيم الأشراف {من بعد ما رأو الآيات} الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي واعتراف المرأة وشهادة النسوة له بالسيرة الملكية والعفة. وفاعل بدا مضمر أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو {ليسجننه} والقسم محذوف {حتى حين} إلى زمان ممتد. عن أبن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع في المدينة. وعن الحسن: خمس سنين. وعن غيره سبع سنين. وعن مقاتل: أنه حبس اثنتي عشرة سنة. التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة. {فقال لامرأته} وهي الدنيا {أكرمي مثواه} اخدميه بقدر الحاجة الضرورية {عسى أن ينفعنا} حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة {أو نتخذه ولداً} نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية {وكذلك مكنا} يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض {والله غالب على} أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال {وكذلك نجزي المحسنين} أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة. {وراودته} فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي {وغلقت} أبواب أركان الشريعة {وقالت هيت لك} أقبل إلى وأعرض عن الحق {قال} أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه {معاذ الله} عما سواه. {أحسن مثواي} في عالم الحقيقة {إنه لا يفلح الظالمون} الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى {وهمّ بها} فوق الحاجة الضرورية {لولا أن رأى برهان ربه} وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية {لنصرف عنه السوء} الحرص على الدنيا {والفحشاء} بصرف حب الدنيا فيه {إنه من عبادنا المخلصين} الذي خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود الحقيقي. {واستبقا} باب الموت الاختياري {وقدت} قميص بشريته {من دبر} بيد شهواتها قبل خروجه من الباب {وألفيا سيدها} وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة {وشهد شاهد من أهلها} هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته {إن كيدكن عظيم} وهو قطع طريق الوصول إلى الله لعظيم على القلب السليم. {يوسف أعرض عن هذا} فإن ذكر الدنيا يورث محبتها وحب الدنيا رأس كل خطيئة. {وقال نسوة} هي الصفات البشرية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد {تراود فتاها} لأن الرب إذا تجلى للعبد خضع له كل شيء "يا دنيا اخدمي من خدمني" {واعتدت لهن متكئاً} أطعمة مناسبة لكل منها {وآتت كل واحد منهن سكيناً} هو سكين الذكر {وقالت اخرج عليهن} إشارة إلى غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية {وقطعن أيديهن} بالذكر عما سوى الله. {ثم بدا لهم} أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي صلاح حال القلب {من بعد ما رأوا} آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه {ليسجننه} في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره {أية : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}تفسير : [الحجر: 99] وإذا كان النبي مع نهاية كماله مأموراً بأن يكون مسجوناً في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن محمد بن إسحق رضي الله عنه قال: الذي اشتراه ظيفر بن روحب، وكان اسم امرأته راعيل بنت رعائيل. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما باع يوسف صاحبه الذي باعه من العزيز - واسمه مالك بن ذعر - قال حين باعه: من أنت؟ - وكان مالك من مدين - فذكر له يوسف من هو وابن من هو، فعرفه فقال: لو كنت أخبرتني لم أبعك. ادع لي، فدعا له يوسف فقال: بارك الله لك في أهلك. قال: فحملت امرأته اثني عشر بطناً، في كل بطن غلامان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {أكرمي مثواه} قال منزلته. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة مثله. وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً، والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: يا أبت، استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر. وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه قال: بلغنا أن العزيز كان يلي عملاً من أعمال الملك. وقال الكلبي: كان خبازه وصاحب شرابه وصاحب دوائه وصاحب السجن. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} قال عبارة الرؤيا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {والله غالب على أمره} قال فعال. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد {والله غالب على أمره} قال لغة عربية. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه {والله غالب على أمره} قال: لما يريد أن يبلغ يوسف.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَاهُ مِن مّصْرَ} وهو العزيز الذي كان على خزانته واسمُه قطفيرُ أو إطفير، وبـيانُ كونِه من مصرَ لتربـية ما يفرّع عليه من الأمور مع الإشعار بكونه غيرَ من اشتراه من الملتقطين بما ذكر من الثمن البخس، وكان الملكَ يومئذ الريانُ بنُ الوليد العمليقي ومات في حياة يوسفَ عليه السلام بعد أن آمن به فملَك بعده قابوسُ بنُ مصعب فدعاه إلى الإسلام فأبى، وقيل: كان الملكُ في أيامه فرعونَ موسى عليه السلام عاش أربعَمائة سنةٍ لقوله عز وجل: {أية : وَلَقَدْ جَاءكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } تفسير : وقيل: فرعونُ موسى من أولاد فرعونِ يوسف، والآية من قبـيل خطاب الأولادِ بأحوال الآباء، واختلف في مقدار ما اشتراه به العزيز فقيل: بعشرين ديناراً وزوجَيْ نعل وثوبـين أبـيضين. وقيل: أدخلوه في السوق يعرِضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنُه وزنَه مِسْكاً ووزنَه حريراً فاشتراه قطفيرُ بذلك المبلغ وكان سنه إذ ذاك سبعَ عشرةَ سنة وأقام في منزله مع ما مر عليه من مدة لبثه في السجن ثلاثَ عشرةَ سنةً واستوزره الريانُ وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله العلم والحكمة وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة {لاِمْرَأَتِهِ} راعيل أو زليخا، وقيل: اسمُها هو الأول والثاني لقبُها واللامُ متعلقةٌ بقال لا باشتراه {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ} اجعلي محلَّ إقامتِه كريماً مرضياً والمعنى أحسني تعهّده {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا} في ضِياعنا وأموالِنا ونستظهر به في مصالحنا {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} أي نتبنّاه وكان ذلك لِما تفرّس فيه من مخايل الرشد والنجابة، ولذلك قيل: (أفرسُ الناسِ ثلاثةٌ عزيزُ مصرَ وابنةُ شعيبِ التي قالت: {أية : يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ}تفسير : [القصص: 26] وأبو بكر حين استخلف عمرَ رضي الله عنهما). {وَكَذٰلِكَ} نُصب على المصدرية وذلك إشارةٌ إلى ما يفهم من كلام العزيزِ، وما فيه من معنى البُعد لتفخيمه أي مثلَ ذلك التمكينِ البديع {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلاْرْضِ} أي جعلنا له فيها مكاناً، يقال: مكّنه فيه أي أثبته فيه ومكّن له فيه، أي جعل له فيه مكاناً، ولتقاربهما وتلازُمهما يُستعمل كلٌّ منهما في محل الآخر، قال عز وجل: {أية : كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ }تفسير : [الأنعام: 6] أي ما لم نمكنْكم فيها أو مكنّا لهم في الأرض الخ، والمعنى كما جعلنا له مثوى كريماً في منزل العزيزِ أو مكاناً علياً في قبله حتى أمرَ امرأتَه دون سائر حواشيه بإكرام مثواه جعلنا له مكانةً رفيعة في أرض مصر، ولعله عبارةٌ عن جعله وجيهاً بـين أهلها ومحبباً في قلوبهم كافة كما في قلب العزيزِ لأنه الذي يؤدّي إلى الغاية المذكورة في قوله تعالى: {وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي نوفقه لتعبـير بعضِ المنامات التي عُمدتُها رؤيا الملِك وصاحبَـي السجنِ لقوله تعالى: {أية : ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } تفسير : [يوسف: 37] سواءٌ جعلناه معطوفاً على غاية مقدرة ينساق إليها الكلامُ ويستدعيها النظامُ كأنه قيل: ومثلَ ذلك التمكينِ مكنّا ليوسف في الأرض وجعلنا قلوبَ أهلِها كافة مجالَ محبتِه ليترتب عليه ما ترتب مما جرى بـينه وبـين امرأةِ العزيز ولنعلمه بعضَ تأويل الأحاديثِ وهو تأويلُ الرؤيا المذكورة فيؤدّي ذلك إلى الرياسة العُظمى، ولعل ترك المعطوفِ عليه للإشعار بعدم كونه مراداً بالذات أو جعلناه علةً لمعلل محذوفٍ كأنه قيل: ولهذه الحكمةِ البالغةِ فعلنا ذلك التمكينَ دون غيرها مما ليس له عاقبةٌ حميدة. هذا ولا يخفى عليك أن الذي عليه تدور هذه الأمورُ إنما هو التمكينُ في جانب العزيز. وأما التمكينُ في جانب الناسِ كافةً فتأديتُه إلى ذلك إنما هي باعتبار اشتمالِه على ذلك التمكينِ فإذن الحق أن يكون ذلك إشارةً إلى مصدر قوله تعالى: {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} على أن يكون هو عبارةً عن التمكين في قلب العزيزِ أو في منزله، وكونُ ذلك تمكيناً في الإرض بملابسة أنه عزيزٌ فيها لا عن تمكين آخرَ يُشبه به كما مر في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] من أن ذلك إشارةٌ إلى مصدر الفعل المذكورِ بعده لا إلى جعل آخرَ يُقصد تشبـيهُ هذا الجعْل به فالكاف مقحم للدلالة على فخامة شأن المشار إليه إقحاماً لا يكاد يترك في لغة العرب ولا في غيرها. ومن ذلك قولُهم: مثلُك لا يبخل، وهكذا ينبغي أن يُحقق المقامُ، وأما التمكينُ بمعنى جعلِه مالكاً يتصرف في أرض مصرَ بالأمر والنهي فهو من آثار ذلك التعليم ونتائجِه المتفرِّعةِ كما عرفته لا من مباديه المؤديةِ إليه، فلا سبـيل إلى جعله غايةً له ولم يُعهد منه عليه السلام في تضاعيف قضاياه العملُ بموجب المناماتِ المنبّهة على الحوادث قبل وقوعِها عهداً مصححاً لجعله غايةً لولايته، وما وقع من التدارك في أمر السنين فإنما هو عملٌ بموجب الرؤيا السابقةِ المعهودة اللهم إلا أن يراد بتعليم تأويلِ الأحاديث ما سبق من تفهيم غوامضِ أسرارِ الكتبِ الإلٰهية ودقائقِ سننِ الأنبـياء عليهم السلام فيكون المعنى حينئذ مكنا له أرضَ مصر ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه معانيَ كتب الله تعالى وأحكامَها ودقائقَ سنن الأنبـياء عليهم السلام فيقضي بها فيما بـين أهلها، والتعليمُ الإجماليُّ لتلك المعاني والأحكام وإن كان غيرَ متأخرٍ عن تمكنه بذلك المعنىٰ ألا أن تعليمَ كلِّ معنى شخصيَ يتفق في ضمن الحوادثِ والإرشادِ إلى الحق في كل نازلةٍ من النوازل متأخرٍ عن ذلك صالحٍ لأن يكون غاية له {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} لا يستعصى عليه أمرٌ ولا يمانعه شيءٌ بل إنما أمرُه لشيء إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكونُ فيدخل في ذلك شؤونُه المتعلقةُ بـيوسف دخولاً أولياً، أو متولَ على أمر يوسفَ لا يكِله إلى غيره وقد أريد به من الفتنة ما أريد مرة غِبَّ مرة فلم يكن إلا ما أراد الله له من العاقبة الحميدة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أن الأمرَ كذلك فيأتون ويذرون زعماً منهم أن لهم من الأمر شيئاً وأنّىٰ لهم ذلك، وإن الأمرَ كلَّه لله عز وجل، أو لا يعلمون لطائفَ صنعِه وخفايا فضله.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ}[21] يعني عسى أن يكون شفيعنا في الآخرة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً}. لمَّا نودي على يوسف في مصر بالبيع لم يَرْضَ الحقُّ - سبحانه - حتى أصابتهم الضرورةُ ومَسَّتْهُمْ الفاقةُ حتى باعوا من يوسف - عليه السلام - جميعَ أملاكهم، ثم باعوا كلُّهم منه أنْفُسَهم - كما في القصة - وفي آخر أمرهم طلبوا الطعام، فصاروا بأجمعهم عبيدَه، ثم إنه عليه السلام لما مَلَكَهم مَنَّ عليهم فأعتقهم؛ فَلَئِنْ مَرَّ عليه بمصرَ يومٌ نودي فيه عليه بالبيع؛ فقد أصبح بمصر يوماً آخر وقد ملَكَ جميعَ أملاكهم، ومَلَكَ رقابَ جميعهم؛ فيومٌ بيومٍ، قال تعالى: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}تفسير : [الشرح: 5] يومان شَتَّان بينهما! ثم إنه أعتقهم جميعاً... وكذا الكريمُ إذا قدر غفر. قوله جل ذكره: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}. أراد مَنْ حَسَدَه أَلا تكونَ له فضيلةٌ على إخوته وذويه، وأراد اللهُ أن يكونَ له مُلْكُ الأرضِ، وكان ما أراد اللهُ لا ما أراد أعداؤه. قوله جلّ ذكره: {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ}. أرادوا أن يكونَ يوسفُ عليه السلام في الجُبِّ، وأراد اللَّهُ - سبحانه - أن يكون يوسف على سرير المُلْكِ؛ فكان ما أراد الله، والله غالبٌ على أمره. وأرادوا أن يكون يوسفُ عبداً لمن ابتاعوه من السيارة، وأراد اللهُ أن يكونَ عزيزَ مصر - وكان ما أراد اللَّهُ. ويقال العِبْرَةُ لا ترى من الحقِّ في الحال، وإنما الاعتبارُ بما يظهر في سِرِّ تقديره في المآل.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الذى اشتراه من مصر} وهو العزيز الذى كان على خزائن مصر وصاحب جنود الملك واسمه قطفير وكان يقال له العزيز. قال فى القاموس العزيز الملك لغلبته على اهل مملكته ولقب من ملك مصر مع الاسكندرية انتهى. وبيان كونه من مصر للاشعار بكونه غير من اشتراه من الملتقطين مما ذكر من الثمن البخس كما فى الارشاد. وقال الكاشفى [وكفت آنكس كه خريد يوسف را ازاهل مصر] يعنى عزيز انتهى. وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد من العماليق مات فى حياة يوسف بعد ان آمن به وملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه الى الاسلام فابى. قال فى القاموس قابوس ممنوع للعجمة والمعرفة معرب كاووس انتهى وهذا غير قابوس الذى قيل فى خطه هذا خط قابوس ام جناح طاووس فانه كان ملكا عظيما مات فى ثلاث واربعمائة كما فى الروضة. وكان فرعون موسى من اولاد فرعون يوسف فقوله تعالى {أية : ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} تفسير : من قبيل خطاب الاولاد باحوال الآباء. قال الكاشفى [جون خبر كاروان مدين بمصر آمد وكماشتكان عزيز بسرراه كاروان آمده يوسف را ديدند ازلمعه جمال او شيفته وحيران بازكشته خبر بعزيز مصر بردند واو عاشق يوسف بود از كوش] شعر : والاذن تعشق قبل العين احيانا تفسير : فالتمسوا من مالكه عرض يوسف للبيع فزينه واخرجه الى السوق فلما رآه اهل مصر افتتنوا به شعر : اراسته آن يارنبا زار بر آمد فرياد وفغان ازدر وديوار برآمد تفسير : وعرض فى بيع من يزيد ثلاثة ايام فزاد الناس بعضهم على بعض حتى بلغ ثمنه شيئا لا يقدر عليه احد شعر : خريداران ديكر لب به بستند بس زانوى خاموشى نشستند تفسير : فاشتراه عزيز مصر بوزنه مرة مسكا ومرة لؤلؤا ومرة ذهبا ومرة فضة ومرة حريرا وكان وزنه اربعمائة رطل -وحكى- ان عجوزا احضرت شيئا من الغزل وارادت ان تشترى به يوسف والى هذا يشير المولى الجامى بقوله شعر : بى سر عرفان متن تار فكرت خريدار يوسف مشوزين كلابه تفسير : وفيه اشارة الى انه ينبغى لكل احد بذل ما فى ملكه مما قدر عليه فى طريق المطلوب فانه من علامات العاشق شعر : هركسى ازهمت والاى خويش سود برد درخوركالاى خويش تفسير : وكان سن يوسف اذ ذاك سبع عشرة سنة واقام فى منزل العزيز مع ما مر عليه من مدة لبثه فى السجن ثلاث عشرة سنة واستوزره الريان وهو ابن ثلاثين وآتاه الله العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وتوفى وهو ابن مائة وعشرين سنة وهو اول من عمل القراطيس {لامرأته} اللام المتعلقة بقال لا باشترى اى قال لامرأته راعيل بنت رعاييل او بنت هيكاهروان كما فى التبيان ولقبها زليخا بضم الزاى المعجمة وفتح اللام كما فى عين المعانى والمشهور فى الالسنة فتح الزاى وكسر اللام {اكرمى مثواه} اجعلى محل اقامته كريما حسنا مرضيا والمعنى احسنى تعهده فى المطعم والمشرب وغيرهما فهو كناية عن اكرام نفسه واحسان تعهده كما يقال المقام العالى ويكنى عن السلطان. قال الامام الغزالى رحمه الله يكنى عن الشريف بالجناب والحضرة والمجلس فيقال السلام على حضرته المباركة ومجلسه الشريف والمراد به السلام عليه لكن يكنى عنه بما يتعلق به نوع التعلق اجلالا انتهى {عسى ان ينفعنا} فيما نحتاج اليه ويكفينا بعض المهمات. وبالفارسية [شايد آنكه سود رساند مارا دركار ضياع وعقار وسر انجام مصالح روز كارما] {او نتخذه ولدا} اى نتبناه ونقيمه مقام الولد وانه لم يكن لها ولد وقد تفرس فيه الرشد فقال ذلك ولذلك قيل افرس الناس ثلاثة عزيز مصر وابنة شعيب التى قالت {أية : يا ابت استأجره} تفسير : وابو بكر استخلف عمر رضى الله عنه ان تفرس فى عمرو ولاه من بعده {وكذلك مكنا ليوسف فى الارض} اى جعلنا له فيها مكانا والمراد ارض مصر وهى اربعون فرسخا فى اربعين فرسخا وذلك اشارة الى مصدر الفعل المؤخر على ان يكون عبارة عن التمكين فى قلب العزيز او فى منزله وكون ذلك تمكينا فى الارض بملابسة انه عزيز فيها لا عن تمكين آخر يشبه به فالكاف مقحم للدلالة على فخامة شأن المشار اليه اقحاما لا يترك فى لغة العرب ولا فى غيرها ومن ذلك قولهم مثلل لا يبخل اى مثل ذلك التمكين البديع مكنا ليوسف فى الارض وجعلناه محبا فى قلب العزيز ومكرما فى منزله ليترتب عليه ما ترتب بما جرى بينه وبين امرأة العزيز {ولنعلمه من تأويل الاحاديث} اى نوفقه لتعبير بعض المنامات التى عمدتها رؤيا الملك وصاحبى السجن لقوله تعالى {أية : ذلكما مما علمنى ربى} تفسير : فيؤدى ذلك الى الرياسة العظمى. وفى تفسير ابى الليث من تأويل الاحاديث يعنى عبير الرؤيا وغير ذلك من العلوم {والله غالب على امره} الهاء راجعة الى الله اى على امر نفسه لا يرده شيء ولا ينازعه احد فيما شاء ويحكم فى امر يوسف وغيره بل انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون {ولكن اكثر الناس لا يعلمون} ان الامر كذلك فيأتون ويذرون زعما منهم ان لهم من الامر شيئا وانى لهم ذلك شعر : بود هركسى را دكر كونه راى نباشد مكر آنجه خواهد خداى تفسير : وجاء فى بعض الآثار ان الله تعالى يقول "حديث : ابن آدم تريد واريد ولا يكون الا ما اريد فان سلمت لى فيما اريد اعطيتك ما تريد وان نازعتنى فيما اريد اتعبتك فيما تريد ثم لا يكون الا ما اريد" تفسير : فالادب مع الله تعالى ان يستسلم العبد لما اظهره الله تعالى فى الوقت ولا يريد احداث غيره وفى التأويلات النجمية لما اخرجوه من جب الطبيعة ذهبوا به لى مصر الشريعة {وقال الذى اشتراه من مصر} وهو عزيز مصر الشريعة اى الدليل والمربى على جادة الطريقة ليوصله الى عالم الحقيقة {لامرأته} وهى الدنيا {اكرمى مثواه} اخدمى له فى منزل الجسد بقدر حاجته الماسة {عسى ان ينفعنا} حيث يكون صاحب الشريعة وملكا من ملوك الدنيا يتصرف فينا با كسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة {او نتخذه ولدا} نربيه بلبان ثديى الشريعة والطريقة والفطام عن الدنيا الدنية {وكذلك مكنا ليوسف فى الارض} يشير الى تميكن يوسف القلب فى ارض البشرية انما هو ليعلم علم تأويل الرؤيا وهو علم النبوة كما قال {ولنعلمه من تأويل الاحاديث} فكما ان الثمرة على الشجرة انما تظهر اذا كان اصل الشجرة راسخا فى الارض فكذلك على شجرة القلب انما تظهر ثمرات العلوم الدينية والمشاهدة الربانية اذا كان قدم القلب ثابتا فى طينة الانسانية {والله غالب على امره} بمعنيين احدهما. ان يكون الله غالبا على امر القلب اى يكون الغالب على امره ومحبة الله وطلبه والثانى ان يكون الغالب علىامر القلب جذبات العناية لتقيمه على صراط مستقيم الفناء منه والبقاء بالله فيكون تصرفاته بالله ولله وفى الله لانه باق بهويته فانى عن انانية نفسه {ولكن اكثر الناس لا يعلمون} انهم خلقوا مستعدين لقبول هذه الكمالية يصرفون استعدادهم فيما يورثهم النقصان والخسران انتهى ما فى التأويلات. ثم ان الله تعالى مدح العلم فى هذه الآية وذم الجهل. اما الاول فلان الله تعالى ذكر العلم فى مقام الامتنان حيث قال {ولنعلمه} واما الثانى فلانه قال {ولكن اكثر الناس لا يعلمون} وعلم منه ان اقلهم يعلمون. والعلم علمان على الشريعة وعلم الحقيقة ولكل منهما فضل فى مقامه وفى الخبر حديث : قيل يا رسول الله أى الاعمال افضل فقال "العلم بالله" قيل أى الاعمال يزيد مرتبة قال "العلم بالله" فقيل نسأل عن العمل تجيب عن العلم فقال "ان قليل العمل ينفع مع العلم وان كثير العمل لا ينفع مع الجهل" تفسير : والعلم بالله لا يتيسر الا بتصفية الباطن وتجلية مرآة القلب وكان مطمح نظر الاكابر فى اصلاح القلوب والسرائر دون القوالب والظواهر لان الظواهر مظهر نظر الخلق والبواطن مظهر نظر الحق واصلاح ما يتعلق بالحق اولى من اصلاح ما يتعلق بالخلق شعر : كعبه بنياد خليل آز رست دل نظركاه جليل اكبرست تفسير : نسأل الله التوفيق

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن من اشترى يوسف (ع) من بايعه من أَهل مصر أنه قال: لامرأته حين حمله اليها {أكرمي مثواه} يعني موضع مقامه، وانما امرها باكرام مثواه دون اكرامه في نفسه، لان من أُكرم غيره لاجله كان اعظم منزلة ممن يكرم في نفسه فقط، والاكرام اعطاء المراد على جهة الاعظام، وهو يتعاظم فأعلاه منزلة ما يستحق بالنبوة، وادناه ما يُستحق لخصلة من الطاعة أَدناها كإِماطة الاذى من الطريق وغيره. وقوله {عسى أَن ينفعنا أَو نتخذه ولداً}، بين أَنه إِنما يأمرها باكرامه لما يرجو من الانتفاع به فيما بعد أو للتبني به. وقال ابن مسعود: احسن الناس فراسة ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته {أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا} وابنة شعيب حين قالت في موسى {أية : يا أَبت استأجره}تفسير : وأَبو بكر حين ولى عمر. وقوله {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} ووجه التشبيه فيه انه تعالى شبه التمكين له في الارض بالتوفيق للاسباب التي صار بها الى ما صار بالنجاة من الهلاك والاخراج الى اجلّ حال. وقوله {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} اللام فيه محمولة على تقدير دبرنا ذلك لنمكنه في الارض، ولنعلمه من تأويل الاحاديث. وقوله {والله غالب على أمره} معناه أَنه قادر عليه من غير مانع حتى يقع ما أَراد، ومنه وقوع المقهور بالغلبة في الذلة. وقيل غالب على امر يوسف يدبره ويحوطه. وقوله {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} اخبار منه تعالى ان اكثر الخلق غير عالمين بحسن تدبير الله لخلقه، وما يجريه اليهم من مصالحهم وانه قادر لا يغالب؛ بل هم جاهلون بتوحيده، ولا يدل ذلك على ان من فعل ما كرهه الله يكون قد غالب الله، لان المراد بذلك ما قلناه من انه غالب على ما يريد فعله بعباده. فاما ما يريده على وجه الاختيار منهم فلا يدل على ذلك، ولذلك لا يقال إن اليهودي المقعد قد غلب الخليفة حيث لم يفعل ما اراده الخليفة من الايمان، وفعل ما كرهه من اليهودية وهذا واضح.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ} بعد وصول العير الى مصر وابراز يوسف (ع) فى معرض البيع واشتراء عزيز مصر الّذى كان بحكم الملك على خزائن مصر والملك يومئذٍ ريّان بن الوليد وآمن بيوسف (ع) ومات فى حيوته {لاِمْرَأَتِهِ} زليخا {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} بالاعانة فى امورنا وجمع اموالنا وتعهّد ضياعنا وعقارنا {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} لانّه لم يكن له ولد امّا لانّه كان عنّيناً ويكتفى من النّساء بالملامسة والملاصقة او كان عقيماً، وقد نقل انّ زليخا كانت بكراً لعننه، او لانّه كلّما يريد الدّخول ضعف عن الرّجوليّة ولم يتيسّر له الدّخول {وَكَذٰلِكَ} مثل ذلك التّمكين فى دار العزيز وهو عطف على محذوف اى فمكّنّا ليوسف (ع) فى دار العزيز ومثل ذلك {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} تمام ارض مصر او المراد مثل ذلك التّمكين المسبّب عن المتاعب حتّى يكون تسلية للمبتلى {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} عطف على محذوف اى ليعدل فى النّاس ولنعلّمه من تأويل الاحاديث فيدبّر على وفقها سواء اريد بالاحاديث، الاحداث او احاديث الرّؤيا او احاديث الكتب السّماويّة واخبار الانبياء او اعمّ من ذلك {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} مسلّط على ما يريده لا رادّ لمراده وقد ظهر ذلك فى قصّة يوسف (ع) لانّه اراد اعزازه فى الدّنيا والآخرة بابتلاءئه واراد يعقوب (ع) ان لا يفارق عنه ففرّق بينهما، واراد عدم اخبار يوسف (ع) اخوته برؤياه فاخبروا، وأراد اخوته بحسدهم ان يقتلوه فصرفوا، وارادوا ان يذلّوه فصار عزيزاً باذلالهم، وارادوا رقّيّته ما دام عمره فصار مالك رقاب اهل مصر، واراد زليخا اضلاله فعصمه، وارادوا اتّهمامه بسجنه فصار سبب ظهور طهارته وعلوّ مرتبته {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} اللّعب المعكوس منه وجعله الاضداد اسباباً للاضداد واظهار الشّرّ باتبلاء العبد وكتمان الخير فيه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} أي منزلته {عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} أي نتبناه. قال الحسن: يقول: نتبناه. قال الله: { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ} يعني أرض مصر وما أعطاه الله وما مكنه { وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}. قال مجاهد: تعبير الرؤيا. { وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} هو مثل قوله: (أية : إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) تفسير : [الطلاق:3] { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم المشركون. قوله: { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} [يقال: بلغ عشرين سنة] {ءَاتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً}. قال الحسن: أعطى الرسالة عند هذه الحال. وقد كان أعطى النبوّة قبل ذلك في الجب. { وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ}. قوله: { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ} أي: امرأة العزيز { وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} أي: هلمّ لك. وهي تقرأ على وجه آخر: هيتُ لك، أي: تهيأت لك {قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي} أي: سيّدي، يعني العزيز. { أَحْسَنَ مَثْوَايَ} أي: أكرم منزلتي. { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}. ذكروا أن أول ما قالت: يا يوسف، ما أحسن شعرَك! قال: أما إنه أول شيء يبلى مني.

اطفيش

تفسير : {وقالَ الَّذى اشْتراهُ مِنْ مصْرَ} أى فى مصر متعلق باشترى، أو من أهل مصر، فيتعلق بمحذوف حال من الذى أو من المشترى بتقدير مضاف كما رأيت، وهو العزيز الذى كان على خزائن مصر، واسمه قطفير أو طفير، والأول عن ابن عباس، وقيل اسمه قنطور. {لامرأته} متعلق بقال لا باشترى، لأنه اشتراه لنفسه، وقيل: اشتراه لها، وعليه فتنازعه قال واشترى، تسمى زليخا عند الجمهور، وهو المشهور، وقيل: راعيل بنت عاميل، ولعل راعيل اسمها، وزليخا لقبها، والملك يومئذ الريان بن الوليد، رجل من العماليق: وقد آمن بيوسف ومات فى حياة يوسف، فملك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى. وقيل: كان فرعون موسى عاش، أربعمائة عام بدليل:{أية : ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات}تفسير : والمشهور أن فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف: فقوله: {ولقد جاءكم يوسف} إلخ من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء، قيل: اشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام فى منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة، وتوفى وهو ابن مائة وعشرين سنة. {أكْرِمى مَثْواهُ} أى موضع نزوله وإقامته، والمراد أحسنى إليه فى المطعم والمشرب والملبس، وما يحتاج إليه، وتفقدى أحواله لتطيب نفسه ويحبنا {عسَى أنْ ينْفَعنا} فى ضياعنا وأموالنا إذا بلغ وقوى، ونستعين به على مصالحنا، أو نبيعه بربح. {أو نتَّخذهُ وَلداً} وكان عقيما لا يولد له، فأراد تبنى يوسف، وذلك أنه تفرس فيه الرشد، قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: العزيز فى يوسف إذ قال: {لامرأته أكرمى مثواه} الخ، وابنة شعيب إذ قالت لأبيها فى موسى عليهما السلام: {يا أبت استأجره} وأبو بكر حين استخلف عمر. وفى عرائس القرآن: أنهم لما قدموا مصر أمره مالك بن دعر أن يغتسل فاغتسل، وألبسه ثوبا حسنا، وعرضه على البيع، فاشتراه قطفير، وكان الملك بمصر أو نواحيها الريان بن الوليد بن نزاوة ابن إقامة بن بارازيرة بن عمرو بن عملاق، من ولد سام بن نوح، وكان كافر فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى. قال ابن عباس: اشتراه قطفير بعشرين دينار، وزوج نعال وثوبين أبيضين، وقال وهب: تزايدوا فى ثمنه حتى بيع بوزنه مسكا، ووزنه ورقا، ووزنه ذهبا، ووزنه حريرا، اشتراه قطفير بذلك، فأتى به لامرأته فقال لها: {أكرمى مثواه} الخ، وكان لا يأتى النساء، وكانت امرأته حسناء ناعمة ا هـ. وكان وزنه أربعمائة رطل، وقيل: نفد ما عنده فلم يَزِنْ فباعه بالموجود، وكانت فيما قيل زليخا بنت الملك طميوس، رأت يوسف فى منامها، وكان بلدها قريب من مصر فنحل جسمها، ورق عظمها، واصفر لونها من حب يوسف، وذلك قبل أن يتزوج بها قطفير، وكانت بنت تسع سنين: وقال لها والدها: مالى أراك على هذه الحالة؟ فقالت: إنى رأيت فى منامى صورة ما رأيت مثلها، فافتتنت بها، فلما انتبهت ما رأيتها فصرت كما ترى، فقال لها والدها: لو علمت أين هذا لطلبته لك، ولبذلت خزائنى لك، فرأته فى السنة الثانية فقالت له بحق الذى صورك وأشغلنى بك أخبرنى من أنت؟ فقال: أنا إنسى أنا لك وأنت لى، فانتبهت وبكت بكاء شديدا، فقال لها والدها: مالك يا مسكينة؟ فقالت: رأيت البارحة كما رأيت فى العام الأول، فسألته فقال: إنسى أنا لك وأنت لى، لا تختارى علىَّ سواى. قال مالك: أما سألتيه عن مكانه؟ قالت: لا، وجنت كما يجن المجانين، ثم رأته فى السنة الثالثة فتعلقت به وبأثوابه، وقالت: حبك جننى بحق الذى صورك، أخبرنى أين أطلبك؟ قال لها: بمصر، وأنا ملكها، فلما انتبهت وصحا عقلها نادت والدها أن أرفع عنى السلاسل، فإنى قد عرفت مكانه، وكانت بالشوق متحيرة، فقالت: بأى رجل أمشى إليك واشوقاه، إلى من هو بعيد منى، وروحه قريبة منى. قيل: كان عند والد زليخا تسعة عشر رسولا من الملوك يطلبون زليخا، لكمالها وجمالها وفصاحتها، فقالت زليخا: من أين هؤلاء الرسل؟ قال لها والدها: من صقلية، والحبشة، ودمياط، وطرابلس، وعدَّ حتى تمت تسعة عشر، قالت: واعجباه قد أتانا الرسل من كل مكان، وما أتانا من مصر رسول يا أبت، لا أريد إلا ملك مصر، إن المحبة لا دواء لها، فبعث رسولا إلى قطفير يقول: إن لى ابنة لا تريد سواك، فإن رغبت فيها إعطيتك ما تشتهى من ملكى وأموالى، فكتب إليه: من أرادنا أردناه، ومن أحبنا أحببناه، لا نريد منك سواها. فزينها، وحلاَّها بأحسن الحلل، وأرسل معها ألف جارية من بنات الملوك، وألف جمل، وألف بغل، وألف عبد، وأربعين حملا من الدنانير، وأربعين حملا من الديباج، فلما دخلت مصر اهتزت من أقطارها، وذهلت العقول بجمالها، وهى فرحة لما رأت فى منامها من شأن يوسف عليه السلام، فلما جلست فى خلوتها، دخل عليها قطفير فوضعت كمها على وجهها حين رأته وقالت لجاريتها القريبة منها: من هذا؟ قالت: اسكتى هذا زوجك، فغشى عليها، وبقيت كذلك إلى الصباح، فلما أصبحت قالت: وا جهداه، وا طوال شوقاه، وا محبتاه، فقالت لها جاريتها: مالك؟ وما الذى أصابك؟ قالت: ليس هذا زوجى، إنما رأيت زوجى فى منامى ثلاث مرات، فهتف لها هاتف: أصبرى، فعسى بصبرك تظفرى، ولا تظهرى لزوجك سوى المحبة فإنه سبب وصولك لزوجك، ولم يجامعها قط لأنه عنين لا يشتهى النساء، وبقيت بكرا حتى تزوجها يوسف. وزعمت القصاص: أن جنية تنام بينهما، ويظن أنه يصل إليها، لأن الله تعالى حفظها ليوسف عليه السلام، فلما كان يوم البيع، جلست فى المنظرة فوقعت عينها فزعقت وخرت مغشية ساعة، ثم أفاقت متحيرة تهتز كالقضيب الناعم، وهمت أن ترمى نفسها، فمكثتها جاريتها، فغشى عليها ثانية، فلما أفاقت قالت لها جاريتها: مالك؟ قالت: هذا زوجى الذى اخترته فى العالمين، قالت لها: اسكتى كى لا يعلم الملك فيفرق بينك وبينه. ثم إنها قالت لجاريتها: انزلى وقولى له فى أذنه لا تختر علىَّ غيرى، فأنا رأيتك فى منامى، فأنا لك وأنت لى، ولا يصل بعضنا إلى بعض إلا بعد الشدائد والبلية، وعند الملك امرأة يقال لها حشا، تبغض زليخا فلما سمعت كلامها، أرسلت إلى العزيز: إياك أن تشترى هذا الغلام، فإن الأمر كذا وكذا، فما التفت إلى قولها. ثم نادى المنادى من يشترى هذا الغلام معه عشرة أوصاف: الملاحة، والصباحة، والفصاحة، والشجاعة، والقوة والمروءة: والصيانة، والأمانة، وأراد أن يقول والنبوة فأمسك الله على لسانه لئلا تعلم قصته وأمره كيف كان، ثم إن الملك قال لمالك: وبكم تبيع هذا الغلام؟ فقال له الملك الذى على صورة آدمى: قل بوزنه ذهبا، ووزنه فضة، ووزنه درّاً، وزنه ياقوتا، ووزنه كافورا، ووزنه عنبرا، ووزنه مسكا، ووزنه إبريسما، فقال: أفعل وكرامة. ثم قال لوزيره: كيف وزن هذا الغلام؟ قال له: خذ من جلود البقر عشرة وتلصق بعضها ببعض، وتصنع منها كفتين. ثم قال لوزيره: كم وزن هذا الغلام؟ قال: إن كان كما أره فهو يرجح على الدنيا وما فيها، فوضع فى كفة وخمسمائة ألف فى كفة فرجح فأتوا بأضعاف ذلك فرجح، حتى لم يبق فى الخزائن شئ، فقال الملك: هل لك أيها التاجر أن تهب لى هذا الغلام فإنى لا أقم بثمنه، فقال: قد بعته لك بهذا المال، فتعجب كيف وزن الملك ذاك كله فى يوسف، ولم ير يوسف كما يراه الملك، فلما باعه كشف الله الحجاب بينه وبين يوسف، فصاح صيحة خرّ على أثرها مغشيا عليه، فلما أفاق قاله يوسف: مالك؟ قال له: ما رأيتك منذ كنت معى إلا الساعة، وقد زهدت فى المال. ثم قال للملك: أتأذن أن أكلمه كلمتين؟ قال: نعم، فدنى منه وقال: له ألست وعدتنى أن تخبرنى بخبرك إذا بعتك؟ قال: نعم، بشرط أن لا تخبر أحدا بى، قال: نعم، قال: أنا الذى رأيتنى فى المنام فى حال صغرك، وأنا ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق نبى الله ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، فصاح صيحة وقال يا سوء تجارتى، والله لا أخذ من ثمنك شيئا. ثم قال: أيها العزيز على الله، لى بنات كثيرة، وليس لى ذكور وأنت من بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ودعوتك مستجابة، فادع الله أن يرزقنى ذكورا، ثم قال: يا يوسف، أخبرنى عن سادتك من كانوا؟ قال: لا تسألنى، لأنى لم أهتك ستر مخلوق، وقيل: أخبره يوسف بنسبه حين اشتراه. قال لخازنه: انظر هل بقى فى الخزائن شئ؟ فذهب فنظر، فإذا هى لم ينقص منها شئ، فرجع ضاحكا، وأخبر الملك فقال له: كيف ذلك؟ فقال: لا أدرى إن شئت علم ذلك على الحقيقة فاسأل هذا الغلام، فإنه يعلم. قال: وكيف ذلك؟ قال له: إنه يدعى أن له إلها يفعل ما يريد، قال: ومن أين علمت ذلك؟ قال: لما اشترتيته وأنا بجنبه تنزَّل عليه طائر أبيض فقال له: يا يوسف انظر كيف بيعك لنفسك، باعوك ببخس، والآن باعك ربك بخزائن مصر كلها. فتعجب الملك من كلامه، ثم سأل يوسف عن ذلك فقال: إن الله تعالى فعل ذلك إكراما لى لئلا تلومنى إذا بدرت منى زلة وتندم على ما وزنت، فليس لك علىَّ منه، بل المنة لله عليك، وأنا لك والمال لك، وأقبل التاجر على يوسف يودعه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك نبى الله، ووهب له المال وانصرف، فتبسم يوسف وقال للعزيز: رده فى خزائنك، فكبر عند ذلك يوسف فى عين الملك وقال: قد جعلت خزائنى بيدك فافعل فيها ما شئت. قال كعب الأحبار رضى الله عنه: لما أخذ العزيز يوسف عليه السلام، وأتى به إلى زليخا، وقال لها: أكرمى مثواه، قالت: لم ذلك؟ قال: لأنه كريم، فأكرمه الله تعالى بالإيمان بعد ذلك، فروى أنها زينته بعشرة أنواع من الثياب: الأبيض والأخضر والأصفر والأحمر والأسود والمذهب، وهكذا اتخذت لكل يوم دستا من الثياب، فذلك ثلثمائة وستون دستا لكل عام، واشتغلت بذكره لا تذكر سواه، ولا تنظر إلى غيره، ولا يخطر ببالها سواه. وفى خبر: كانت صماء لا تسمع إلا كلام يوسف، وأخذت يوسف ودخلت به بيت الصنم وقالت له: أيها الصنم المعظم بعبادتى لك، وحبى فيك، هل وجدت مؤنسا مثل هذا، فتحرك الصنم وكان من ذهب أحمر، فوقع على وجهه، وتقطع إربا، فقالت له: ما الذى أصابك أيها الصنم، فقال لها يوسف: ربى فعل به ذلك لسجودك له، قالت: من ربك؟ قال لها: رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، الرب الذى خلقنى وخلقك. قالت: كيف يعلم بسجودى؟ قال لها: هو غائب عن الأبصار، ولا تغيب عنه، قالت: إنى أحببته بحبك إياه، حيث صور مثلك إلاله إلهك: ولولا أن لى إلها أعبده لعبدت إلهك، لأن عبادة إلهين قبيحة. فتبسم يوسف عليه السلام وخرج، فتعلقت به وقالت له: إن الملك إذا رأى هذا الصنم هكذا يسأل الجوارى من فعل هذا به، فأخشى أن يقلن: رب يوسف، ولكن اسأل ربك أن يجعله كما كان. زعمت القصاص أنه وقف وحرك شفتيه، فقام الصنم كما كان، فقالت: يا يوسف ظننت أنى أحبك وحدى، فالآن إله السماء أيضاً يحبك، فألبسه ثوبا أبيض مكللا عليه ألف لؤلؤة تساوى ألف دينار، وأعطته منطقة مكللة بما لا يعلمه إلا الله من الياقوت والزبرجد، فقال لها: كيف يجوز للعبد أن يلبس هذا والسيد دونه؟ فقالت له: أنت السيد وهو العبد، وأنا الخادم، أليس قال: {أكرمى مثواه} لو قدرت على أكثر من هذا لفعلت، ثم فصلت ثلاثمائة قميص وستين قميصا، ومثل ذلك أقبية، ومثل ذلك عمائم، لكل يوم دست: وكانت كل يوم تزينه بزينة جديدة لا تشبه الأخرى، وقالت لحكمائها: إنى أريد أن تبنوا لى بيتا، إن كان يوسف نحو المشرق أراه نحو المغرب، وإن كان نحو المغرب أراه نحو المشرق، وإن كان فوق أراه أسفل، وإن كان أسفل أراه فوق، وإن كان على الأرض أراه فوق السطح، وهو يرانى حيث توجهت. فقال بعضهم: إن هذا ينبغى أن يكون من زجاج، فبنى لها بيتا مربعا، ربع من الزجاج، وربع من المرمر المزجج، وربع من الفيروزج، وربع من العقيق، وكان بين الزجاج والمرمر قضبان الذهب، وبين الفيروزج والعقيق قضبان الفضة، ورصع بأنواع الجواهر، وجعلت تحت كل عمود ثوار من ذهب، وفرسا من ذهب مرصعين بالجوهر، وأعينهما من ياقوت أحمر، وصورت فيه كل نوع من الطير والدابة والوحش ذهبا وفضة، ورصعت أسفل البيت بذهب وجوهر، وجعلت سقفه ساجا مضروبا بصفائح الذهب، ونصبت فى وسط البيت مائدة مزينة بكل زينة حسنة، ووضعت سريرا بقرب المائدة، وجعلت فى كل زاوية من البيت غزالا من فضة، ووصيفة من فضة، بيدها قنديل ومجمرة من ذهب، وجعلت أبواب البيت من الصندل والعاج، وعلى كل باب طاووسا من ذهب رجلاه من فضة، ورأسه من زمرد أخضر، ومنقاره عقيق، وذنبه وريشه من فيروزج، وملأت جوفه مسكا كثيرا، ثم بنت فى وسط البيت بيتا كله من زجاج. ثم قالت لها الجارية: تزينى بكل زينة حسنة حتى أدعوه ففعلت ذلك، ثم قالت لجاريتها: إنى قد غرقت فى محبة هذا الغلام، وجاء يوسف عليه السلام وقت الظهر، فلما دخل عليها ونظرها قال: لا ينجو من هذا إلا معصوم فاعصمنى يا رب برحمتك، وارحمنى يا أرحم الراحمين. {وكذَلَكَ} أى كما أنجيناه من كيد إخوته، وعطفنا عليه قلب العزيز، أو كما مكنا محبته فى قلب العزيز {مَكنَّا} أثبتنا وأرسخنا الأمر أو الملك، أو المنزلة أو الرسالة {ليُوسفَ فى الأرْضِ} أرض مصر، أو حقيقة الأرض الصادقة بأرض مصر المرادة، قال بعض: مكنا له من النبوة والملك والحكمة حتى أسبلها، وعلى الخزائن حتى ملكها، وعلى الأعناق حتى استعبدها، وعلى مصر حتى ملكها، وقد علمت أن مفعول مكنا محذوف، وأن كذلك متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف، أو الكاف اسم مضاف لذا صفة لمصدر محذوف مقدم، أى مكنا ليوسف فى الأرض تمكينا ثابتا كذلك، أو مثل ذلك الإنجاء أو التعطيف أو التمكين فى قلب العزيز، للتصرف فيها بالعدل. {ولنُعلِّمهُ} معطوف على تعليل محذوف كما رأيت {مِنْ تَأويلِ الأحادِيثِ} الرأى المنهبة على الحوادث يستعد لها، قبل أن تحل، وذلك إنما يصلح ممن أمكن له فى الأرض، ليكون الناس فى الاستعداد طائعين، أو الأحاديث، كتب الله يعلمها وينفذها كما مر، وقيل: الأحاديث الرأى والكتب ولغات الخلق وهى تسعمائة لغة، كان يوسف يعلمها ويفهما ويقرؤها بتعليم الله إياه. قال فى عرائس القرآن: قال أهل الكتاب: لما تمت ليوسف بالأرض ثلاثون سنة، استوزره فرعون مصر، وجعله عن خزائن الأرض، فذلك قوله تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف فى الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث}. {واللّهُ غَالبٌ عَلى أمْرهِ} أى أمر الله لا يصرفه أحد عما أراد، كذا يتبادر لى، وبه قال سعيد بن جبير، وقال الطبرى: على أمر يوسف، والاول أعم، والثانى خاص فى أمر يوسف، أراد إخوته شيئا، وأراد الله عز وجل ضده، فلم يكن إلا ما أراد، وناسب الأول قوله تعالى:{أية : إن الله بالغ أمره}. تفسير : {ولكنَّ أكْثَر النَّاسِ} ذلك الأكثر هم المشركون {لا يعْلمُون} أن الأمر كله بيد الله سبحانه، أو لا يعلمون لطائف صنعه وخفايا أمره، كما لطف فى أمر يوسف بما ظاهره شر وإهانة يئول إلى خير وإعزاز، وعلى هذا يصح أن يراد أكثر الناس مطلقا مشركين أو موحدين.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الَّذِى اشْتَراهُ} من بائِعه الذى هو مالك بن ذعر ومشتريه ملك مصر، التقطه مالك فاشتراه من إِخوته فباعه فى مصر فاشتراه ملك مصر، وهو العزيز الذى على خزائِن مصر قطفير أَو إطفير، والملك فوقه هو ريان بن الوليد آمن بيوسف ومات فى حياته، وقيل اشتراه خباز الملك وصاحب شرابه، وسجنه، وملك بعد ريان المذكور قابوس ابن مصعب فدعاه يوسف إِلى الإيمان فأَبى {مِنْ مِّصْرَ} أَى من أَهل مصر، أَو فى مصر؛ لأَن السيارة جاءُوا به إٍلى مصر فاشتراه بعض أَهل مصر، روى أَنه اشتراه وهو ابن سبعة عشر عاما، وقيل: ابن اثنى عشر عاما، وقيل ابن خمسة عشر، ولبث فى منزل العزيز ثلاثة عشر عاما، وكان وزير الريان وهو ابن ثلاثين، وآتاه الله الحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين ومات وهو ابن مائة وعشرين، ومدته فى السجن سبع سنين معدودة عند بعض من مدة لبثه عند العزيز، وقيل: فرعون موسى عاش إِلى وقت موسى أَربعمائة سنة، وهو باطل لأَن بين يوسف وموسى أَكثر من ذلك،وعلى هذا القول يكون المراد فى قوله: " أية : ولقد جاءَكم يوسف"تفسير : [غافر: 34] إِن يوسف بن يعقوب حييى إلى زمان فرعون موسى، وقيل فرعون موسى من أَولاده فرعون يوسف وهذا الشراءُ بعشرين دينارا ونعلين وثوبين أَبيضين، وقيل وزنه فضة، وقيل ذهبا، وقيل حريرا، وقيل مسكا، وقيل: هذا الشراءُ هو الشراءُ الأَول بثمن بخس لا شراء آخر التقطه فباعه فى مصر {لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمى مَثْوَاهُ} هى الزليخا - بفتح فكسر أَو بضم ففتح - وقيل: راعيل. ويقال هما امرأًة واحدة، وأَحد اللفظين اسم لها وهو راعيل والآخر لقب وهو زيليخاء، وقيل بالعكس، والمثوى: المقام، اجعلى مقامه حسنا بتعهده بالطعام الحسن واللباس الحسن وعدم استخدامه {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا} بطريق العبودية من الاستخدام للرعى والسقى والحرث وسائر المصالح {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} نصيره كولد نرفهه ولا نستخدمه، وذلك فى مقابلة قوله ينفعنا، وإلا فالولد ينفع والديه بالخدمة أيضا، وأَو لمنع الخلو وهو الصحيح، وقيل الجمع على معنى عسى أَن نبيعه وننتفع بثمنه، وإٍنما قال ذلك لما تفرس فيه من الأَدب والرشد مع شدة شوقه للولد وكان عقيما، وروى أَنه لا يشتهى النساء، أَخرج سعيد بن منصور وابن أَبى شيبة والحاكم وصححه عن ابن مسعود موقوفا: أَفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر إِذ عزم أًن يتبنى يوسف، وابنة شعيب إِذ قالت يا أَبت استأْجره أى لما رأت من قوته وورعه، وأَبو بكر حين استخلف عمر، وقوله عزم مراعاة لما رأى من عاقبة الأَمر وهى التبنى، وإِلا فالآية احتمال، ولعله جعل أَو بمعنى بل، والفراسة خاطر ينشأُ من قوة الإيمان يهجم على القلب فينفى ما يضاده فإِن لقلب المؤمن نورا يدرك به ما هو باطن لا دليل عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا فراسة المؤْمن فإٍنه بنور الله يبصر"تفسير : كذلك قيل فى تعريف الفراسة وهو غير جامع، فإِن الفراسة لا تختص بالمؤْمن، كما أَن العزيز إِذ ذاك غير مؤْمن فالأَولى أَن الفراسة هى التفطن الغامض؛ فالفراسة خاطر ينشأُ من قوة الفهم، وسأَله مالك بن ذعر بعد ما باعه من أَنت وابن من أَنت فأَخبره، فقال: لو علمت لم أَبعك، فسأَله الدعاءَ فدعا له بالبركة فحملت امرأَته اثنى عشر بطنا فى كل بطن غلامان {وَكّذَلِكَ} كما مكنا محبته فى قلب العزيز بحيث لا يصبر عنه، أَو كما مكنا له فى منزل العزيز بمعنى جعلنا له مأْوى كريما فى منزل العزيز، أَو كما أَنجيناه من كربة الجب وعطفنا عليه قلب العزيز {مَكَّنَا لِيُوسَُفَ} وإِنما لم يقل مكنا له لأَنه لم يذكر يوسف فى قوله: وكذلك {فِى الأَرْضِ} جعلنا له فى سائر الأَرض مكان قبول ووجاهة وملك وتصرف {وَلِنَعَلِّمَهُ} عطف على محذوف أَى ليتصرف فيه بالعدل، ولنعلمه ولنملكه، أَو وفعلنا لنعلمه {مِنْ تَأْوِيِل الأَحَادِيثِ} والواضح أَن اللام للعاقبة، أَو يقدر أَصبنا يوسف بتلك المصائب لنعلمه؛ أَى لنثيبه عليها بالتعليم، أَو تجعل الكاف للتعليل والإِشارة لما أُصيب به يوسف، أَى مكنا له فى الأَرض لكذلك الذى أصابه، وأَصابه ذلك لنعلمه، وأَما ما مر من جعل التعليم علة للتمكين فلا يظهر تقديم التمكين معلولا للتعليم بعده، والمراد تأْويل الرؤْيا أًو تفسير ما أَدركه من كتب الله وكلام الأَنبياءِ قبله، وليس المراد بمن القلة بل المراد تعلمه جملا من التأْويل، ولو كان " من " للتبعيض وإِن جعلت للقلة فالنسبة إِلى سعة علم الله - عز وجل -، والمعنى وليعلم من تأْويل الأًحاديث، ولما كان العلم لازما للتعليم ومسببا له عبر عنه بالتعليم، فبعلمه يدير مصالح العامة والخاصة بالعدل، ومن ذلك تفسيره الرؤيا بسبع سنين القحط {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} على أَمر الله لا يمنعه عنه شىءٌ ولا ينازعه فيه أَحد وذلك على الإِطلاق، وشمل أَمر يوسف، أَو المراد لا يرده أَحد عما شاءَ فى شأْن يوسف من إٍعلاءِ منصبه حتى كان سعى إِخوته فى كيده سعيا فى علو شأْنه، وعلى هذا فالهاءُ لله أَو ليوسف {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أَن الله غالب على أَمره لا شىءَ منه لأَحد، فيتوهمون وقوع ما لم يرد وقوعه كالمشركين والمعتزلة، أَو يقتصرون على ما يظهر لهم فيقصدونه ولا يعلمون ما يتولد منه وما يصرفه الله إليه، وقليل من الناس علم ذلك، وقيل أًكثر الناس المشركون، وقيل أَهل مكة، وقيل أَهل مصر، وقيل قصد بالأَكثر الكل لكن على معنى أَنه لا يطلع أَحد على الغيب.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَاهُ مِن مّصْرَ} فهذا الشراء غير الشراء السابق الذي كان بثمن بخس، وزعم اتحادهما ضعيف جداً وإلا لا يبقى لقوله: {مِن مّصْرَ} كثير جدوى. وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد العمليقي ومات في حياة / يوسف عليه السلام بعد أن آمن به فملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه إلى الايمان فأبـى. وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى عليه السلام عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ }تفسير : [غافر: 34]، وقيل: فرعون موسى عليه السلام من أولاد فرعون يوسف عليه السلام، والآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء وهو الصحيح، وظاهر أمر العزيز أنه كان كافراً واستدل في «البحر» على ذلك بكون الصنم في بيته حسبما يذكر في بعض الروايات. وقال مجاهد: كان مؤمناً، ولعل مراده أنه آمن بعد ذاك وإلا فكونه مؤمناً يوم الاشتراء مما لا يكاد يسلم، نعم إنه اعتنى بأمر يوسف عليه السلام ولذا قال: {لاِمْرَأَتِهِ} راعيل بنت رعابيل، وهو المروي عن مجاهد. وقال السدي: زليخا بنت تمليخا، وقيل: اسمها راعيل ولقبها زليخا، وقيل: بالعكس، والجار الأول كما قال أبو البقاء: متعلق ـ باشتراه ـ كقولك. اشتريته من بغداد أي فيها أو بها، أو متعلق بمحذوف وقع حالا من {الَّذِي}. أو من الضمير في ـ اشترى ـ أي كائناً من أهل مصر، والجار الثاني متعلق ـ بقال ـ كما أشرنا إليه لا ـ باشتراه ـ ومقول القول: {أَكْرِمِي مَثْوَٰهُ} أي اجعلي محل ثوائه وإقامته كريما أي حسناً مرضيا، وهذا كناية عن إكرامه عليه السلام نفسه على أبلغ وجه وأتمه لأن من أكرم المحل بتنظيفه وفرشه ونحو ذلك فقد أكرم ضيفه بسائر ما يكرم به، وقيل: المثوى مقحم يقال: الملجس العالي والمقام السامي، والمعنى أحسني تعهده والنظر فيما يقتضيه إكرام الضيف {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا} في قضاء مصالحنا إذا تدرب في الأمور وعرف مجاريها {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} أي نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان فيما يروى عقيماً، ولعل الانفصال لمنع الخلو. وزعم بعضهم أنه لمنع الجمع على معنى عسى أن نبيعه فننتفع بثمنه وليس بشيء، وكان هذا القول من العزيز لما تفرس فيه من مخايل الرشد والنجابة، ومن ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما أخرجه سعيد بن منصور والحاكم وصححه وجماعة: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا} الخ والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: {أية : يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ} تفسير : [القصص: 26] وأبو بكر حين استخلف عمر. {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} أي جعلنا له فيها مكاناً يقال: مكنه فيه أي أثبته فيه. ومكن له فيه أي جعل له مكاناً فيه، ولتقاربهما وتلازمهما يستعمل كل منهما في مقام الآخر قال سبحانه: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ}تفسير : [الأنعام: 6] والمراد بالمكان هنا المكانة والمنزلة لا البعد المجرد أو السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوى أو غير ذلك مما ذهب إليه من ذهب من الفلاسفة إن حقاً وإن باطلاً، والإشارة إلى ما يفهم مما تقدم من الكلام وما فيه من معنى البعد لتفخيمه، والكاف نصب على المصدرية أي كما جعلنا له مثوى كريماً في منزل العزيز أو مكاناً علياً في قلبه حتى أمر امرأته دون سائر حواشيه بإكرام مثواه جعلنا له مكانة رفيعة في أرض مصر، وفسر الجعل المذكور بجعله وجيهاً فيما بين أهل مصر ومحبباً في قلوبهم بناءً على أنه الذي يؤدي إلى الغاية المذكورة في قوله تعالى: {وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} / أي بعض تعبير الرؤيا التي عمدتها رؤيا الملك. وصاحبـي السجن، وروي هذا المعنى عن مجاهد، وهو الظاهر كما يرشد إليه قوله عليه السلام: {أية : ذٰلِكَ مِمَّا عَلَّمَنِي رَبّي }تفسير : [يوسف: 37] سواء جعل معطوفاً على غاية مقدرة ينساق إليها الكلام ويستدعيها النظام كأنه قيل: ومثل ذلك التمكين البديع مكنا ليوسف في الأرض وجعلنا قلوب أهلها كافة محال محبته ليترتب على ذلك ما يترتب مما جرى بينه وبين امرأة العزيز ولنعلمه بعض تأويل الأحاديث فيؤدي ذلك إلى الرتبة العليا والرياسة العظمى، ولعل ترك المعطوف عليه للإشعار بعدم كونه مراداً أو جعل علة لمحذوف كأنه قيل: ولهذه الحكمة البالغة فعلنا ذلك التمكين لا لشيء غيرها مما ليس له عاقبة حميدة. واختار بعض المحققين كون ذلك إشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعده، والكاف مقحمة للدلالة على تأكيد فخامة شأن المشار إليه على ما ذكروا في {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا }تفسير : [البقرة: 143] والمراد به التمكين في قلب العزيز أو في منزله وكون ذلك تمكيناً في الأرض بملابسة أنه عزيز فيها لما أن الذي عليه يدور تلك الأمور إنما هو التمكين في جانب العزيز، وأما التمكين في جانب الناس كافة فتأديته إليها إنما هي باعتبار اشتماله على ذلك التمكين، ولا يخفى أن حمل التمكين في الأرض على التمكين في قلب العزيز أو في منزله خلاف الظاهر، وكذا حمله على ما تقدم، ولعل الظاهر حمله على جعله ملكاً يتصرف في أرض مصر بالأمر والنهي إلا أن في جعل التعليم المذكور غاية له خفاء لأن ذلك الجعل من آثاره ونتائجه المتفرعة عليه دون العكس ولم يعهد منه عليه السلام في تضاعيف قضاياه العمل بموجب الرؤيا المنبهة على الحوادث قبل وقوعها عهداً مصححاً لجعله غاية لذلك وما وقع من التدارك في أمر السنين فإنما هو عمل بموجب الرؤيا السابقة المعهودة وإرادة ليظهر تعليمنا له كما ترى، وكأن من ذهب إلى ذلك ـ لأنه الظاهر ـ أراد بتعليم تأويل الأحاديث تفهيم غوامض أسرار الكتب الإلهية ودقائق سنن الأنبياء عليهم السلام فيكون المعنى حينئذ مكنا له في أرض مصر ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه معاني كتب الله تعالى وأحكامها ودقائق سنن الأنبياء عليهم السلام فيقضي بها بين أهلها، والتعليم الإجمالي لتلك الأحاديث وإن كان غير متأخر عن تمكينه بذلك المعنى إلا أن تعليم كل معنى شخصي يتفق في ضمن الحوادث والإرشاد إلى الحق في كل نازلة من النوازل متأخر عن ذلك صالح لأن يكون غاية له، وأدرج بعضهم الإنجاء تحت الاشارة بذلك، وفيه بحث فتدبر. {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} لا يمنع عما يشاء ولا ينازع فيما يريد بل إنما أمره لشيء إذا أراد أن يقول له كن فيكون، ويدخل في عموم المصدر المضاف شؤونه سبحانه المتعلقة بيوسف عليه السلام دخولاً أولياً أو متول على أمر يوسف عليه السلام فيدبره ولا يكله إلى غيره، وإلى رجوع ضمير أمره إلى الله تعالى ذهب ابن جبير، وإلى رجوعه إلى يوسف عليه السلام ذهب القرطبـي، وأياً مّا كان فالكلام على ما في «الكشف» تذييل أما على الأول فلجريه مجرى قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا} تفسير : [الإسراء: 81] من سابقه لأنه لما كان غالباً على جميع أموره لا يزاحمه أحد ولا يمتنع عليه مراد كانت إرادته تمكين يوسف وكيت وكيت، والوقوع رضيعي لبان، وأما على الثاني فلأن معناه أنه الغالب على أمره يتولاه بلطيف صنعه وجزيل إحسانه وإذا جاء نهر الله تعالى بطل نهر معقل فأين يقع كيد الإخوة وغيرهم كامرأة العزيز موقعه فهو كقوله: شعر : وعلام أركبه إذا لم أنزل من سابقه أعني فدعوا نزال فكنت أول نازل تفسير : / والآية على الأول صريحة في مذهب أهل السنة. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أن الأمر كذلك فيما يأتون ويذرون زعماً منهم أن لهم من الأمر شيئاً، وأنى لهم ذلك؟! وأن الأمر كله لله عز وجل، أو لا يعلمون لطائف صنعه وخفايا فضله، والمراد ـ بأكثر الناس ـ قيل: الكفار، ونقل ذلك عن ابن عطية. وقيل: أهل مصر، وقيل: أهل مكة، وقيل: الأكثر بمعنى الجميع، والمراد أن جميع الناس لا يطلعون على غيبه تعالى، والأولى أن يبقى على ما يتبادر منه ولا يقتصر في تفسيره على ما تضمنته الأقوال قبل، بل يراد به من نفى عنه العلم بما تقدم كائناً ما كان، ولا يبعد أن يندرج في عمومه أهل الاعتزال.

سيد قطب

تفسير : الحلقة الثانية من حلقات القصة، وقد وصل يوسف إلى مصر، وبيع بيع الرقيق؛ ولكن الذي اشتراه توسم فيه الخير ـ والخير يتوسم في الوجوه الصباح، وبخاصة حين تصاحبها السجايا الملاح ـ فإذا هو يوصي به امرأته خيراً، وهنا يبدأ أول خيط في تحقيق الرؤيا. ولكن محنة أخرى من نوع آخر كانت تنتظر يوسف حين يبلغ أشده، وقد أوتي حكماً وعلماً يستقبل بهما هذه المحنة الجارفة التي لا يقف لها إلا من رحم الله. إنها محنة التعرض للغواية في جو القصور، وفي جو ما يسمونه "الطبقة الراقية" وما يغشاها من استهتار وفجور.. ويخرج يوسف منها سليماً معافى في خلقه وفي دينه، ولكن بعد أن يخالط المحنة ويصلاها.. {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته: أكرمي مثواه، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. وكذلك مكنا ليوسف في الأرض، ولنعلمه من تأويل الأحاديث، والله غالب على أمره، ولـكن أكثر الناس لا يعلمون}.. إن السياق لا يكشف لنا حتى الآن عمن اشتراه، وسنعلم بعد شوط في القصة أنه عزيز مصر (قيل: إنه كبير وزرائها) ولكنا نعلم منذ اللحظة أن يوسف قد وصل إلى مكان آمن، وأن المحنة قد انتهت بسلام، وأنه مقبل بعد هذا على خير: {أكرمي مثواه}.. والمثوى مكان الثويّ والمبيت والإقامة، والمقصود بإكرام مثواه إكرامه، ولكن التعبير أعمق، لأنه يجعل الإكرام لا لشخصه فحسب، ولكن لمكان إقامته.. وهي مبالغة في الإكرام. في مقابل مثواه في الجب وما حوله من مخاوف وآلام! ويكشف الرجل لامرأته عما يتوسمه في الغلام من خير، وما يتطلع إليه فيه من أمل: {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً}.. ولعلهما لم يكن لهما أولاد كما تذكر بعض الروايات. ومن ثم تطلع الرجل أن يتخذاه ولداً إذا صدقت فراسته، وتحققت مخايل نجابته وطيبته مع وسامته. وهنا يقف السياق لينبه إلى أن هذا التدبير من الله، وبه وبمثله قدر ليوسف التمكين في الأرض ـ وها قد بدأت بشائره بتمكين يوسف في قلب الرجل وبيته ـ ويشير إلى أنه ماض في الطريق ليعلمه الله من تأويل الأحاديث ـ على الوجهين اللذين ذكرناهما من قبل ـ ويعقب السياق على هذا الابتداء في تمكين يوسف بما يدل عليه من قدرة الله غالبه، لا تقف في طريقها قوة، وأنه مالك أمره ومسيطر عليه فلا يخيب ولا يتوقف ولا يضل: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض، ولنعلمه من تأويل الأحاديث. والله غالب على أمره}.. وها هو ذا يوسف أراد له إخوته أمراً، وأراد له الله أمراً، ولما كان الله غالباً على أمره ومسيطراً فقد نفذ أمره، أما إخوة يوسف فلا يملكون أمرهم فأفلت من أيديهم وخرج على ما أرادوا: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.. لا يعلمون أن سنة الله ماضية وأن أمره هو الذي يكون. ويمضي السياق ليقرر أن ما شاء الله ليوسف، وقال عنه: {ولنعلمه من تأويل الأحاديث}.. قد تحقق حين بلغ أشده: {ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً. وكذلك نجزي المحسنين}.. فقد أوتي صحة الحكم على الأمور، وأوتي علماً بمصائر الأحاديث أو بتأويل الرؤيا، أو بما هو أعم، من العلم بالحياة وأحوالها، فاللفظ عام ويشمل الكثير. وكان ذلك جزاء إحسانه. إحسانه في الاعتقاد وإحسانه في السلوك: {وكذلك نجزي المحسنين}.. وعنذئذ تجيئه المحنة الثانية في حياته، وهي أشد وأعمق من المحنة الأولى. تجيئه وقد أوتي صحة الحكم وأوتي العلم ـ رحمة من الله ـ ليواجهها وينجو منها جزاء إحسانه الذي سجله الله له في قرآنه. والآن نشهد ذلك المشهد العاصف الخطير المثير كما يرسمه التعبير: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب وقالت: هيت لك! قال: معاذ الله. إنه ربي أحسن مثواي. إنه لا يفلح الظالمون ـ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه. كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء. إنه من عبادنا المخلصين ـ واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر، وألفيا سيدها لدى الباب. قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً؟ إلا أن يسجن أو عذاب أليم. قال: هي راودتني عن نفسي. وشهد شاهد من أهلها. إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين؛ وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين. فلما رأى قميصه قد من دبر قال: إنه من كيدكن. إن كيدكن عظيم. يوسف أعرض عن هـذا، واستغفري لذنبك، إنك كنت من الخاطئين}.. إن السياق لم يذكر كم كانت سنها وكم كانت سنه؛ فلننظر في هذا الأمر من باب التقدير. لقد كان يوسف غلاماً عندما التقطته السيارة وباعته في مصر. أي إنه كان حوالي الرابعة عشرة تنقص ولا تزيد. فهذه في السن التي يطلق فيها لفظ الغلام، وبعدها يسمى فتى فشاباً فرجلاً.. وهي السن التي يجوز فيها أن يقول يعقوب: {وأخاف أن يأكله الذئب}.. وفي هذا الوقت كانت هي زوجة، وكانت وزوجها لم يرزقا أولاداً كما يبدو من قوله:{أو نتخذه ولداً}.. فهذا الخاطر.. خاطر التبني.. لا يرد على النفس عادة إلا حين لا يكون هناك ولد؛ ويكون هناك يأس أو شبه يأس من الولد. فلا بد أن تكون قد مضت على زواجهما فترة، يعلمان فيها أن لا ولد لهما. وعلى كل حال فالمتوقع عن رئيس وزراء مصر ألا تقل سنه عن أربعين سنة، وأن تكون سن زوجه حينئذ حوالي الثلاثين. ونتوقع كذلك أن تكون سنها أربعين سنة عندما يكون يوسف في الخامسة والعشرين أو حواليها. وهي السن التي نرجح أن الحادثة وقعت فيها.. نرجحه لأن تصرف المرأة في الحادثة وما بعدها يشير إلى أنها كانت مكتملة جريئة، مالكة لكيدها، متهالكة كذلك على فتاها. ونرجحه من كلمة النسوة فيما بعد.. {امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه}.. وإن كانت كلمة فتى تقال بمعنى عبد، ولكنها لا تقال إلا ولها حقيقة من مدلولها من سن يوسف. وهو ما ترجحه شواهد الحال. نبحث هذا البحث، لنصل منه إلى نتيجة معينة. لنقول: إن التجربة التي مر بها يوسف ـ أو المحنة ـ لم تكن فقط في مواجهة المراودة في هذا المشهد الذي يصوره السياق. إنما كانت في حياة يوسف فترة مراهقته كلها في جو هذا القصر، مع هذه المرأة بين سن الثلاثين وسن الأربعين، مع جو القصور، وجو البيئة التي يصورها قول الزوج أمام الحالة التي وجد فيها امرأته مع يوسف: {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين}. وكفى..! والتي يتحدث فيها النسوة عن امرأة العزيز، فيكون جوابها عليهن، مأدبة يخرج عليهن يوسف فيها، فيفتتن به، ويصرحن، فتصرح المرأة: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين}.. فهذه البيئة التي تسمح بهذا وذلك بيئة خاصة. هي بيئة الطبقة المترفة دائماً. ويوسف كان فيها مولى وتربى فيها في سن الفتنة.. فهذه هي المحنة الطويلة التي مر بها يوسف، وصمد لها، ونجا منها ومن تأثيراتها ومغرياتها وميوعتها ووسائلها الخبيثة. ولسنه وسن المرأة التي يعيش معها تحت سقف واحد كل هذه المدة قيمة في تقدير مدى الفتنة وخطورة المحنة والصمود لها هذا الأمد الطويل. أما هذه المرة فلو كانت وحدها وكانت مفاجأة بلا تمهيد من إغراء طويل، لما كان عسيراً أن يصمد لها يوسف، وبخاصة أنه هو مطلوب فيها لا طالب. وتهالك المرأة قد يصد من نفس الرجل. وهي كانت متهالكة. والآن نواجه النصوص: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب، وقالت: هيت لك!}.. وإذن فقد كانت المراودة في هذه المرة مكشوفة، وكانت الدعوة فيها سافرة إلى الفعل الأخير.. وحركة تغليق الأبواب لا تكون إلا في اللحظة الأخيرة، وقد وصلت المرأة إلى اللحظة الحاسمة التي تهتاج فيها دفعة الجسد الغليظة، ونداء الجسد الأخير: {وقالت: هيت لك!}. هذه الدعوة السافرة الجاهرة الغليظة لا تكون أول دعوة من المرأة. إنما تكون في الدعوة الأخيرة. وقد لا تكون أبداً إذا لم تضطر إليها المرأة اضطراراً. والفتى يعيش معها وفتوته تتكامل، وأنوثتها هي كذلك تكمل وتنضج، فلا بد كانت هناك إغراءات شتى خفيفة لطيفة، قبل هذه المفاجأة الغليظة العنيفة. {قال: معاذ الله. إنه ربي أحسن مثواي. إنه لا يفلح الظالمون}.. {معاذ الله}.. أعيذ نفسي بالله أن أفعل. {إنه ربي أحسن مثواي}.. وأكرمني بأن نجاني من الجب وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن. {إنه لا يفلح الظالمون}.. الذين يتجاوزون حدود الله، فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه. والنص هنا صريح وقاطع في أن رد يوسف المباشر على المراودة السافرة كان هو التأبي، المصحوب بتذكر نعمة الله عليه، وبتذكر حدوده وجزاء من يتجاوزون هذه الحدود. فلم تكن هناك استجابة في أول الموقف لما دعته إليه دعوة غليظة جاهزة بعد تغليق الأبواب، وبعد الهتاف باللفظ الصريح الذي يتجمل القرآن في حكايته وروايته: {وقالت: هيت لك}. {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه}! لقد حصر جميع المفسرين القدامى والمحدثين نظرهم في تلك الواقعة الأخيرة. فأما الذين ساروا وراء الإسرائيليات فقد رووا أساطير كثيرة يصورون فيها يوسف هائج الغريزة مندفعاً شبقاً، والله يدافعه ببراهين كثيرة فلا يندفع! صورت له هيئة أبيه يعقوب في سقف المخدع عاضاً على أصبعه بفمه! وصورت له لوحات كتبت عليها آيات من القرآن ـ أي نعم من القرآن! ـ تنهى عن مثل هذا المنكر، وهو لا يرعوي! حتى أرسل الله جبريل يقول له: أدرك عبدي، فجاء فضربه في صدره.. إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي سار وراءها بعض الرواة وهي واضحة التلفيق والاختراع! وأما جمهور المفسرين فسار على أنها همت به هم الفعل، وهم بها هم النفس، ثم تجلى له برهان ربه فترك. وأنكر المرحوم الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار على الجمهور هذا الرأي. وقال: إنها إنما همت بضربه نتيجة إبائه وإهانته لها وهي السيدة الآمرة، وهم هو برد الاعتداء؛ ولكنه آثر الهرب فلحقت به وقدت قميصه من دبر.. وتفسير الهم بأنه هم الضرب ورد الضرب مسألة لا دليل عليها في العبارة، فهي مجرد رأي لمحاولة البعد بيوسف عن هم الفعل أو هم الميل إليه في تلك الواقعة. وفيه تكلف وإبعاد عن مدلول النص. أما الذي خطر لي وأنا أراجع النصوص هنا، وأراجع الظروف التي عاش فيها يوسف، في داخل القصر مع هذه المرأة الناضجة فترة من الزمن طويلة، وقبل أن يؤتى الحكم والعلم وبعدما أوتيهما.. الذي خطر لي أن قوله تعالى: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه}.. هو نهاية موقف طويل من الإغراء، بعدما أبى يوسف في أول الأمر واستعصم.. وهو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في المقاومة والضعف؛ ثم الاعتصام بالله في النهاية والنجاة.. ولكن السياق القرآني لم يفصل في تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة؛ لأن المنهج القرآني لا يريد أن يجعل من هذه اللحظة معرضاً يستغرق أكثر من مساحته المناسبة في محيط القصة، وفي محيط الحياة البشرية المتكاملة كذلك. فذكر طرفي الموقف بين الاعتصام في أوله والاعتصام في نهايته، مع الإلمام بلحظة الضعف بينهما، ليكتمل الصدق والواقعية والجو النظيف جميعاً. هذا ما خطر لنا ونحن نواجه النصوص، ونتصور الظروف. وهو أقرب إلى الطبيعة البشرية وإلى العصمة النبوية. وما كان يوسف سوى بشر. نعم إنه بشر مختار. ومن ثم لم يتجاوز همه الميل النفسي في لحظة من اللحظات. فلما أن رأى برهان ربه الذي نبض في ضميره وقلبه، بعد لحظة الضعف الطارئة، عاد إلى الاعتصام والتأبي. {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين}.. {واستبقا الباب}.. فهو قد آثر التخلص بعد أن استفاق.. وهي عدت خلفه لتمسك به، وهي ما تزال في هياجها الحيواني. {وقدت قميصه من دبر}.. نتيجة جذبها له لترده عن الباب.. وتقع المفاجأة: {وألفيا سيدها لدى الباب}.. وهنا تتبدى المرأة المكتملة، فتجد الجواب حاضراً على السؤال الذي يهتف به المنظر المريب. إنها تتهم الفتى: {قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً؟}.. ولكنها امرأة تعشق، فهي تخشى عليه، فتشير بالعقاب المأمون. {إلا أن يسجن أو عذاب أليم}! ويجهر يوسف بالحقيقة في وجه الاتهام الباطل: {قال: هي راودتني عن نفسي}! وهنا يذكر السياق أن أحد أهلها حسم بشهادته في هذا النزاع: {وشهد شاهد من أهلها: إن كان قميصه قُدّ من قُبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قُدّ من دُبر فكذبت وهو من الصادقين}.. فأين ومتى أدلى هذا الشاهد بشهادته هذه؟ هل كان مع زوجها (سيدها بتعبير أهل مصر) وشهد الواقعة؟ أم أن زوجها استدعاه وعرض عليه الأمر، كما يقع في مثل هذه الأحوال أن يستدعي الرجل كبيراً من أسرة المرأة ويطلعه على ما رأى، وبخاصة تلك الطبقة الباردة الدم المائعة القيم! هذا وذلك جائز. وهو لا يغير من الأمر شيئاً. وقد سمي قوله هذا شهادة، لأنه لما سئل رأيه في الموقف والنزاع المعروض من الجانبين ـ ولكل منها ومن يوسف قول ـ سميت فتواه هذه شهادة، لأنها تساعد على تحقيق النزاع والوصول إلى الحق فيه.. فإن كان قميصه قد من قبل فذلك إذن من أثر مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها فهي صادقة وهو كاذب. وإن كان قميصه قد من دبر فهو إذن من أثر تملصه منها وتعقبها هي له حتى الباب، فهي كاذبة وهو صادق.. وقدم الفرض الأول لأنه إن صح يقتضي صدقها وكذبه، فهي السيدة وهو فتى، فمن باب اللياقة أن يذكر الفرض الأول! والأمر لا يخرج عن أن يكون قرينة. {فلما رأى قميصه قدّ من دُبر}.. تبين له حسب الشهادة المبنية على منطق الواقع أنها هي التي راودت، وهي التي دبرت الاتهام.. وهنا تبدو لنا صورة من "الطبقة الراقية" في الجاهلية قبل آلاف السنين وكأنها هي هي اليوم شاخصة. رخاوة في مواجهة الفضائح الجنسية؛ وميل إلى كتمانها عن المجتمع، وهذا هو المهم كله: {قال: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم. يوسف أعرض عن هـذا، واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين}! هكذا. إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم.. فهي اللباقة في مواجهة الحادث الذي يثير الدم في العروق. والتلطف في مجابهة السيدة بنسبة الأمر إلى الجنس كله، فيما يشبه الثناء. فإنه لا يسوء المرأة أن يقال لها: إن كيدكن عظيم! فهو دلالة في حسها على أنها أنثى كاملة مستوفية لمقدرة الأنثى على الكيد العظيم! والتفاتة إلى يوسف البرئ: {يوسف أعرض عن هذا}.. فأهملْه ولا تُعِرْه اهتماماً ولا تتحدث به.. وهذا هو المهم.. محافظة على الظواهر! وعظة إلى المرأة التي راودت فتاها عن نفسه، وضبطت متلبسة بمساورته وتمزيق قميصه: {واستغفري لذنبك. إنك من الخاطئين}.. إنها الطبقة الأرستقراطية، من رجال الحاشية، في كل جاهلية. قريب من قريب! ويسدل الستار على المشهد وما فيه.. وقد صور السياق تلك اللحظة بكل ملابساتها وانفعالاتها ولكن دون أن ينشئ منها معرضاً للنزوة الحيوانية الجاهرة، ولا مستنقعاً للوحل الجنسي المقبوح! ولم يحل السيد بين المرأة وفتاها. ومضت الأمور في طريقها. فهكذا تمضي الأمور في القصور! ولكن للقصور جدراناً، وفيها خدم وحشم. وما يجري في القصور لا يمكن أن يظل مستوراً. وبخاصة في الوسط الأرستقراطي، الذي ليس لنسائه من هم إلا الحديث عما يجري في محيطهن. وإلا تداول هذه الفضائح ولوكها على الألسن في المجالس والسهرات والزيارات: {وقال نسوة في المدينة: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه. قد شغفها حباً. إنا لنراها في ضلال مبين}.. وهو كلام أشبه بما تقوله النسوة في كل بيئة جاهلية عن مثل هذه الشؤون. ولأول مرة نعرف أن المرأة هي امرأة العزيز، وأن الرجل الذي اشتراه من مصر هو عزيز مصر ـ أي كبير وزرائها ـ ليعلن هذا مع إعلان الفضيحة العامة بانتشار الخبر في المدينة: {امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه}.. ثم بيان لحالها معه: {قد شغفها حباً}.. فهي مفتونة به، بلغ حبه شغاف قلبها ومزقه، وشغاف القلب غشاؤه الرقيق: {إنا لنراها في ضلال مبين}.. وهي السيدة الكبيرة زوجة الكبير، تفتتن بفتاها العبراني المشترى. أم لعلهن يتحدثن عن اشتهارها بهذه الفتنة وانكشافها وظهور أمرها، وهو وحده المنتقد في عرف هذه الأوساط لا الفعلة في ذاتها لو ظلت وراء الأستار؟! وهنا كذلك يقع ما لا يمكن وقوعه إلا في مثل هذه الأوساط. ويكشف السياق عن مشهد من صنع تلك المرأة الجريئة، التي تعرف كيف تواجه نساء طبقتها بمكر كمكرهن وكيد من كيدهن: {فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن، وأعتدت لهن متكأ، وآتت كل واحدة منهن سكيناً، وقالت: اخرج عليهن. فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن، وقلن: حاش لله! ما هـذا بشراً. إن هـذا إلا ملك كريم. قالت: فذلكن الذي لُمْتُنَّني فيه. ولقد راودته عن نفسه فاستعصم. ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكوناً من الصاغرين}.. لقد أقامت لهن مأدبة في قصرها. وندرك من هذا أنهن كن من نساء الطبقة الراقية. فهن اللواتي يدعين إلى المآدب في القصور. وهن اللواتي يؤخذن بهذه الوسائل الناعمة المظهر. ويبدو أنهن كن يأكلن وهن متكئات على الوسائد والحشايا على عادة الشرق في ذلك الزمان. فأعدت لهن هذا المتكأ. وآتت كل واحدة منهن سكيناً تستعملها في الطعام ـ ويؤخذ من هذا أن الحضارة المادية في مصر كانت قد بلغت شأواً بعيداً، وأن الترف في القصور كان عظيماً. فإن استعمال السكاكين في الأكل قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته في تصوير الترف والحضارة المادية. وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة، فاجأتهن بيوسف: {وقالت: اخرج عليهن}.. {فلما رأينه أكبرنه}.. بهتن لطلعته، ودهشن. {وقطعن أيديهن}.. وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة. {وقلن حاش لله!}.. وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيراً عن الدهشة بصنع الله.. {ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم}.. وهذه التعبيرات دليل ـ كما قلنا في تقديم السورة ـ على تسرب شيء من ديانات التوحيد في ذلك الزمان. ورأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها، وأنهن لقين من طلعة يوسف الدهش والإعجاب والذهول. فقالت قولة المرأة المنتصرة، التي لا تستحي أمام النساء من بنات جنسها وطبقتها؛ والتي تفخر عليهن بأن هذا في متناول يدها؛ وإن كان قد استعصى قياده مرة فهي تملك هذا القياد مرة أخرى: {قالت: فذلكن الذي لمتنني فيه}.. فانظرن ماذا لقيتن منه من البهر والدهش والإعجاب! {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم}.. ولقد بهرني مثلكن فراودته عن نفسه فطلب الاعتصام ـ تريد أن تقول: إنه عانى في الاعتصام والتحرز من دعوتها وفتنتها! ـ ثم تظهر سيطرتها عليه أمامهن في تبجح المرأة من ذلك الوسط، لا ترى بأساً من الجهر بنزاوتها الأنثوية جاهرة مكشوفة في معرض النساء: {ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكوناً من الصاغرين}! فهو الإصرار والتبجح والتهديد والإغراء الجديد في ظل التهديد. ويسمع يوسف هذا القول في مجتمع النساء المبهورات، المبديات لمفاتنهن في مثل هذه المناسبات. ونفهم من السياق أنهن كن نساء مفتونات فاتنات في مواجهته وفي التعليق على هذا القول من ربة الدار؛ فإذا هو يناجي ربه: {قال: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه}. ولم يقل: ما تدعوني إليه. فهن جميعاً كن مشتركات في الدعوة. سواء بالقول أم بالحركات واللفتات.. وإذا هو يستنجد ربه أن يصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن، خيفة أن يضعف في لحظة أمام الإغراء الدائم، فيقع فيما يخشاه على نفسه، ويدعو الله أن ينقذه منه: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين}.. وهي دعوة الإنسان العارف ببشريته. الذي لا يغتر بعصمته؛ فيريد مزيداً من عناية الله وحياطته، يعاونه على ما يعترضه من فتنة وكيد وإغراء. {فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن، إنه هو السميع العليم}.. وهذا الصرف قد يكون بإدخال اليأس في نفوسهن من استجابته لهن، بعد هذه التجربة؛ أو بزيادة انصرافه عن الإغراء حتى لا يحس في نفسه أثراً منه. أو بهما جميعاً. {إنه هو السميع العليم} الذي يسمع ويعلم، يسمع الكيد ويسمع الدعاء، ويعلم ما وراء الكيد وما وراء الدعاء. وهكذا اجتاز يوسف محنته الثانية، بلطف الله ورعايته. وانتهت بهذه النجاة الحلقة الثانية من قصته المثيرة.

ابن عاشور

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا}. {الذي اشتراه} مراد منه الذي دفع الثمن فملكه وإن كان لم يتول الاشتراء بنفسه، فإن فعل الاشتراء لا يدل إلاّ على دفع العوض، بحيث إن إسناد الاشتراء لمن يتولى إعطاء الثمن وتسلم المبيع إذا لم يكن هو مالك الثمن ومالك المبيع يكون إسناداً مجازياً، ولذلك يكتب الموثّقون في مثل هذا أن شراءه لفلان. والذي اشترى يوسفَ ـــ عليه السّلام ـــ رجل اسمه (فوطيفار) رئيس شرط ملك مصر، وهو والي مدينة مصر، ولقّب في هذه السورة بالعزيز، وسيأتي. ومدينة مصر هي (منفيس) ويقال: (منف) وهي قاعدة مصر السفلى التي يحكمها قبائل من الكنعانيين عرفوا عند القبط باسم (الهيكسوس) أي الرعاة. وكانت مصر العليا المعروفة اليوم بالصعيد تحت حكم فراعنة القبط. وكانت مدينتها (ثيبة ـــ أو ـــ طيبة)، وهي اليوم خراب وموضعها يسمّى الأقصر، جمع قصر، لأن بها أطلال القصور القديمة، أي الهياكل. وكانت حكومة مصر العليا أيامئذٍ مستضعفة لغلبة الكنعانيين على معظم القطر وأجوده. وامرأته تسمّى في كتب العرب (زَلِيخا) ـــ بفتح الزاي وكسر اللام وقصر آخره ـــ وسماها اليهود (راعيل). و{من مصر} صفة لـــ {الذي اشتراه}. و{لامرأته} متعلق بـــ {قال} أو بـــ {اشتراه} أو يتنازعه كلا الفعلين، فيكون اشتراه ليهبه لها لتتخذه ولداً. وهذا يقتضي أنهما لم يكن لهما ولد. وامرأته: معناه زوجه، فإن الزوجة يطلق عليها اسم المرأة ويراد منه معنى الزوجة. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : وامرأته قائمة فضحكت } تفسير : [سورة هود: 71]. والمثوى: حقيقته المحل الذي يَثوي إليه المرء، أي يرجع إليه. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : قال النار مثواكم } تفسير : في سورة الأنعام (128). وهو هنا كناية عن حال الإقامة عندهما لأن المرء يثوَى إلى منزل إقامته. فالمعنى: اجعلي إقامته عندك كريمة، أي كاملة في نوعها. أراد أن يجعل الإحسان إليه سبباً في اجتلاب محبته إياهما ونصحه لهما فينفعهما، أو يتخذانه ولداً فيبرّ بهما وذلك أشد تقريباً. ولعله كان آيساً من ولادة زوجه. وإنما قال ذلك لحسن تفرّسه في ملامح يوسف ـــ عليه السّلام ـــ المؤذنة بالكمال، وكيف لا يكون رجلاً ذا فراسة وقد جعله الملك رئيس شرطته، فقد كان الملوك أهل حذر فلا يولون أمورهم غير الأكفاء. {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. إن أجرينا اسم الإشارة على قياس كثير من أمثاله في القرآن كقوله: { أية : وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً } تفسير : في سورة البقرة (143) كانت الإشارة إلى التمكين المستفاد من {مكّنّا ليوسف} تنويهاً بأن ذلك التمكين بلغ غاية ما يطلب من نوعه بحيث لو أريد تشبيهه بتمكين أتم منه لما كان إلا أن يشبّه بنفسه على نحو قول النابغة: شعر : والسفاهة كاسمها تفسير : فيكون الكاف في محل نصب على المفعول المطلق. والتقدير: مكنا ليوسف تمكيناً كذلك التمكين. وإن أجرينا على ما يحتمله اللفظ كانت لحاصل المذكور آنفاً، وهو ما يفيده عثور السيارة عليه من أنه إنجاء له عجيب الحصول بمصادفة عدم الإسراع بانتشاله من الجب، أي مكنا ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ تمكيناً من صنعنا، مثل ذلك الإنجاء الذي نجيناه، فتكون الكاف في موضع الحال من مصدر مأخوذ من {مكّنّا}. ونظيره { أية : كذلك زيّنّا لكل أمةٍ عملهم } تفسير : في سورة الأنعام (108). والتمكين في الأرض هنا مراد به ابتداؤه وتقدير أول أجزائه، فيوسف ـــ عليه السّلام ـــ بحلوله محل العناية من عزيز مصر قد خُطّ له مستقبل تمكينه من الأرض بالوجه الأتمّ الذي أشير له بقوله تعالى بعد: { أية : وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض يتبوّأ منها حيث يشاء } تفسير : [سورة يوسف: 56]، فما ذكر هنالك هو كردّ العجز على الصدر مما هنا، وهو تمامه. وعطف على {وكذلك} علة لمعنى مستفاد من الكلام، وهو الإيتاء، تلك العلة هي {ولنعلّمه من تأويل الأحاديث} لأن الله لما قدّر في سابق علمه أن يجعل يوسف ـــ عليه السّلام ـــ عالماً بتأويل الرؤيا وأن يجعله نبيئاً أنجاه من الهلاك، ومكن له في الأرض تهيئة لأسباب مراد الله. وتقدم معنى تأويل الأحاديث آنفاً عند ذكر قول أبيه له: { أية : ويعلمك من تأويل الأحاديث } تفسير : [سورة يوسف: 6] أي تعبير الرؤيا. وجملة {والله غالب على أمره} معترضة في آخر الكلام، وتذييل، لأن مفهومها عامّ يشمل غَلَب الله إخوةَ يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بإبطال كيدهم، وضمير {أمره} عائد لاسم الجلالة. وحرف {على} بعد مادة الغلب ونحوها يدخل على الشيء الذي يتوقع فيه النزاع، كقولهم: غلبناهم على الماء. و{أمرُ الله} هو ما قدّره وأراده، فمن سعى إلى عمل يخالف ما أراده الله فحاله كحال المنازع على أن يحقق الأمر الذي أراده ويمنع حصول مراد الله تعالى ولا يكون إلا ما أراده الله تعالى فشأن الله تعالى كحال الغالب لمنازعه. والمعنى والله متمم ما قدره، ولذلك عقّبه بالاستدراك بقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} استدراكاً على ما يقتضيه هذا الحكم من كونه حقيقة ثابتة شأنها أن لا تجهل لأن عليها شواهد من أحوال الحدثان، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك مع ظهوره.

الواحدي

تفسير : {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته} وهو العزيز صاحب ملك مصر: {أكرمي مثواه} أحسني إليه طول مقامه عندنا {عسى أن ينفعنا} أَيْ: يكفينا - إذا بلغ وفهم الأمور- بعض شؤوننا {أو نتخذه ولداً} وكان حصوراً لا يولد له. {وكذلك} وكما نجَّيناه من القتل والبئر {مكَّنا ليوسف في الأرض} يعني: أرض مصر حتى بلغ ما بلغ {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} فعلنا ذلك تصديقاً لقوله {أية : ويُعلِّمك من تأويل الأحاديث } تفسير : {والله غالب على أمره} على ما أراد من قضائه، لا يغلبه غالبٌ على أمره، ولا يُبطل إرادته منازعٌ {ولكنَّ أكثر الناس} هم المشركون ومَنْ لا يؤمن بالقدر {لا يعلمون} أَنَّ قدرة الله غالبةٌ، ومشيئته نافذةٌ. {ولما بلغ أشده} ثلاثين سنةً {آتيناه حكماً وعلماً} عقلاً وفهماً {وكذلك} ومثل ما وصفنا من تعليم يوسف {نجزي المحسنين} الصَّابرين على النَّوائب، كما صبر يوسف عليه السَّلام. {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} يعني: امرأة العزيز طلبت منه أن يُواقعها {وغلقت الأبواب} أَيْ: أغلقتها {وقالت هيت لك} أَيْ: هلمَّ وتعال {قال معاذ الله} أعوذ بالله أن أفعل هذا {إنه ربي} إنَّ الذي اشتراني هو سيِّدي {أحسن مثواي} أنعم عليَّ بإكرامي، فلا أخونه في حرمته {إنه لا يفلح الظالمون} لا يسعد الزُّناة. {ولقد همت به وهمَّ بها} طمعت فيه وطمع فيها {لولا أن رأى برهان ربِّه} وهو أنَّه مُثِّل له يعقوب عليه السَّلام عاضَّاً على أصابعه يقول: أتعمل عمل الفجَّار، وأنت مكتوبٌ في الأنبياء، فاستحيا منه، وجواب "لولا" محذوف، على معنى: لولا أن رأى برهان ربِّه لأمضى ما همَّ به {كذلك} أَيْ: أريناه البرهان {لنصرف عنه السوءَ} وهو خيانة صاحبه {والفحشاء} ركوب الفاحشة {إنَّه من عبادنا المخلصين} الذين أخلصوا دينهم لله سبحانه. {واستبقا الباب} وذلك أنَّ يوسف عليه السَّلام لمَّا رأى البرهان قام مُبادراً إلى الباب، واتَّبعته المرأة تبغي التَّشبُّث به، فلم تصل إلاَّ إلى دُبر قميصه، فقدَّته، ووجدا زوج المرأة عند الباب، فحضرها في الوقت كيدٌ، فأوهمت زوجها أنَّ الذي تسمع من العدو والمبادرة إلى الباب كان منها لا من يوسف فـ {قالت ما جزاء مَنْ أراد بأهلك سوءاً} تريد الزِّنا {إلاَّ أن يسجن} يحبس في الحبس {أو عذاب أليم} بالضَّرب، فلمَّا قالت ذلك غضب يوسف و {قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد} وحكم حاكمٌ، وبيَّن مبيِّنٌ {من أهلها} وهو ابنُ عمِّ المرأة، فقال {إن كان قميصه قدَّ من قبلٍ فصدقت وهو من الكاذبين}.

القطان

تفسير : اكرمي مثواه: أحسني معاملته. المثوى: مكان الاقامة. مكنا ليوسف: جعلنا له مكانة رفيعة. والله غالبٌ على امره: قادر عليه من غير مانع حتى يقع ما أراد، او غالب على امر يوسف يدبره ويحوطه. بلغ اشده: استكمل قوته وبلغ رشده. آتيناه حكماً وعلما: وهبناه حكما صحيحا صائبا، وعلما بحقائق الاشياء. انتهت محنة يوسف الاولى، وبدأ عهداً جديداً في بلدٍ جديد عليه، ومجتمع غريب مختلف عن بيئته واهله. هناك بيع يوسف لرئيس الشرطة في المدينة. وقال رئيس الشرطة لزوجته: خذي هذا الغلام، اشتريتُه من أصحابه. أكرمي مقامه عندنا لعلّه ينفعُنا او نتخذه ولدا لنا. وأحبه سيَدُه كثيراً، فجعله رئيس خَدَمه، حتى لم يكن لأحد في الدار كلمة اعلى من كلمة يوسف سوى سيده وسيدته، كما قال تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ...} الآية. {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}. ألهمناه قدراً من تعبير الرؤيا، ومعرفة حقائق الامور، والله غالبٌ على كل أمرٍ يريده، ولكنّ اكثرَ الناسِ لا يعلمون خفايا حِكمته ولطف تدبيره. ذلك أن ما حدث ليوسف من اخوته، وما فعله الذين أخذوه حراً وباعوه عبدا، ثم ما وقع له من امرأة العزيز ودخوله السجن - كل ذلك كان من الاسباب التي أراد الله تعالى بها التمكين ليوسف في الأرض. وفي هذا تذكير من الله تعالى لنبيّه محمّد صلى الله عليه وسلم وتسليةٌ له عمّا يلقى في مكة من الأذى، فكأنه يقول له: اصبر يا محمد على ما نالَك، فإني قادر على تغيير ذلك، كما غيّرت ما لقي يوسف من إخوته، وسيصير أمرك في العلو عليهم، كما صار امر يوسف. ولما بلغ يوسف أشُدّه واستكمل قوته، اعطيناه حُكماً صائبا وعلماً نافعا. ومثلُ ذلك الجزاء العظيم نجازي بها المحسنين على احسانهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱشْتَرَاهُ} {مَثْوَاهُ} (21) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ السَّيَّارَةِ بَاعَتْ يُوسُفَ لِرَجُلٍ مِنْ مِصْرَ (هُوَ عَزِيزُهَا أَوِ الوَزِيرُ الأَوَّلُ فِيها) فَأَكْرَمَهُ هذا الرَّجُلُ، مُتَوَسِّماً فِيهِ الخَيْرَ، وَأَوْصَى أَهْلَهُ بِهِ. وَهكَذا مَكَّنَ اللهُ لِيُوسُفَ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَعَلَّمَهُ تَعْبيرَ الرُّؤْيا (تَأْوِيل الأَحَادِيثِ)، وَاللهُ إِذَا أَرَادَ أَمْراً فَلاَ يُرَدُّ وَلاَ يُمَانَعُ، بَلْ هُوَ الغَالِبُ لِمَا سِوَاهُ، وَالفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ حِكْمَتَهُ فِي خَلْقِهِ، وَتَلَطُّفَهُ فِي فِعْلِهِ مَا يُريدُ. أَكْرِمِي مَثْوَاهُ - اجْعَلِي مَحَلَّ إِقَامَتِهِ كَرِيماً مُرْضِياً. غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ - لاَ يَقْهَرُهُ شَيْءٌ، وَلاَ يَدْفَعُهُ عَنْهُ أَحَدٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكان للشراء عِلَّة؛ فهو قد اشتراه لامرأته ليقوم بخدمتها، وكانت لا تنجب وتكثر في الإلحاح عليه في طلب العلاج، وتقول أغلب السير: إن مَن اشتراه كان ضعيفاً من ناحية رغبته في النساء. وهذه اللقطة تبين لنا الفساد الذي ينشأ في البيوت التي تتبنى طفلاً، لكنهم لا يحسبون حساب المسألة حين يبلغ هذا الطفل مبلغ الرجال، وقد تعوَّد أن تحمله ربة البيت وتُقبِّله، وتغدق عليه من التدليل ما يصعب عليها أن تمتنع عنه؛ ولأن الطفل يكبر انسيابياً؛ فقد يقع المحظور وندخل في متاهة الخطيئة. ويقول الحق سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ..} [يوسف: 21]. وهذا يعني أن تعتني بالمكان الذي سيقيم فيه، وبطبيعة الحال فهذا القول يقتضي أن تعتني بالولد نفسه؛ على رجاء أن ينتفع به الرجل وزوجته. ولسائل أن يقول: كيف ينتفع به الرجل؛ وهو عزيز مصر، والكُلُّ في خدمته؟ ونقول: إن النفع المقصود هنا هو النفْع الموصول بعاطفة مَنْ ينفع؛ وهو غير نفع الموظفين العاملين تحت قيادة وإمرة عزيز مصر، فعندما ينشأ يوسف كابن للرجل وزَوْجه؛ وكإنسان تربَّى في بيت الرجل؛ هنا ستختلف المسألة، ويكون النفع مُحَمَّلاً بالعاطفة التي قال عنها الرجل: {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ..} [يوسف: 21]. وقد عَلِمنا من السِّيَر أنهما لم يُرزَقا بأولاد. ويقول الحق سبحانه في نفس الآية: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21]. وقد بدأ التمكين في الأرض من لحظة دخوله إلى بيت عزيز مصر ليحيا حياة طيبة؛ وليعلمه الله تأويل الحديث؛ بأن يهبه القدرة على تفسير الرُّؤى والأحلام؛ وليغلب الله على أمره. ولو نظر إخوته إلى ما آل إليه يوسف عليه السلام فسيعرفون أن مرادهم قد خاب؛ وأن مراد الله قد غلب؛ بإكرام يوسف؛ وهم لو علموا ذلك لَضَنَّوا عليه بالإلقاء في الجُبِّ، وهذا شأن الظالمين جميعاً. ولذلك نقول: إن الظالم لو عَلِم ما أعدَّه الله للمظلوم لَضَنَّ عليه بالظلم. وساعة يقول الحق سبحانه: {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ..} [يوسف: 21]. فهذا قول نافذ؛ لأنه وحده القادر على أن يقول للشيء كُنْ فيكون؛ ولا يوجد إله غيره ليرد على مراده. ولذلك قلنا قديماً: إن الله سبحانه وتعالى قد شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو؛ وهو يملك الرصيد المطلق المؤكد بأنه لا إله غيره؛ فهو وحده الذي له المُلْك، وهو وحده القادر على كل شيء. ولكن خيبة بعض من الخلق الذين يتوهمون أنهم قادرون على أن يُخطِّطوا ويمكروا؛ متناسين أو ناسين أن فوقهم قَيُّوم؛ لا تأخذه سنة ولا نوم، ولو انتبه هؤلاء لَعلِمُوا أن الله يُملِّك بحق مَنْ يُظلم فوق إلى ظَلمه. ورأينا في حياتنا وتاريخنا ظالمين اجتمعوا على ظُلْم الناس؛ وكان مصيرهم أسوأ من الخيال؛ وأشد هَوْلاً من مصيرهم لو تحكم فيهم مَنْ ظلموهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} معناه مَنزِلَهُ ومَقامَهُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ} [يوسف: 21] وهو عزيز مصر الشريعة أي: الدليل والمربي على جادة الطريقة؛ ليوصله إلى عالم الحقيقة، {لاِمْرَأَتِهِ} [يوسف: 21] وهي الدنيا، {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} [يوسف: 21] اخدمي له في منزل الجسد بقدر حاجته الماسة. {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} [يوسف: 21] حيث يكون صاحب الشريعة، وملكاً من ملوك الدنيا يتصرف فينا بإكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخره، {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} [يوسف: 21] نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة والفطام عن الدنيا الدنية، {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} [يوسف: 21] يشير إلى تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو ليعلم علم تأويل الرؤيا وهو علم النبوة، كما قال: {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} [يوسف: 21] فكما أن الثمرة على الشجرة إنما تظهر إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض، فكذلك على شجرة القلب إنما تظهر ثمرات العلوم اللدنية والمشاهدة الربانية إذا كان قدم القلب ثابتاً في طينة الإنسانية. {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} بمعنيين: أحدهما: أن يكون الله غالباً على أمر القلب أي: يكون الغالب على أمره ومحبة الله وطلبه، والثاني: أن يكون الغالب عل أمر القلب جذبات العناية لتقيمه على صراط مستقيم الفناء منه والبقاء بالله، فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله؛ لأنه باقٍ بهويته، فإنٍ عن أنانيتة نفسه، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21] أنهم خلقوا مستعدين لقبول هذه الكمالية يصرفون استعدادهم فيما يورثهم النقصان والخسران.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: لما ذهب به السيارة إلى مصر وباعوه بها، فاشتراه عزيز مصر، فلما اشتراه، أعجب به، ووصى عليه امرأته وقال: { أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أي: إما أن ينفعنا كنفع العبيد بأنواع الخدم، وإما أن نستمتع فيه استمتاعنا بأولادنا، ولعل ذلك أنه لم يكن لهما ولد، { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ } أي: كما يسرنا له أن يشتريه عزيز مصر، ويكرمه هذا الإكرام، جعلنا هذا مقدمة لتمكينه في الأرض من هذا الطريق. { وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ } إذا بقي لا شغل له ولا همَّ له سوى العلم صار ذلك من أسباب تعلمه علما كثيرا، من علم الأحكام، وعلم التعبير، وغير ذلك. { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ } أي: أمره تعالى نافذ، لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } فلذلك يجري منهم ويصدر ما يصدر، في مغالبة أحكام الله القدرية، وهم أعجز وأضعف من ذلك.