١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: وجه النظم أن يقال: بين تعالى أن إخوته لما أساؤا إليه، ثم إنه صبر على تلك الشدائد والمحن مكنه الله تعالى في الاْرض، ثم لما بلغ أشده آتاه الله الحكم والعلم، والمقصود بيان أن جميع ما فاز به من النعم كان كالجزاء على صبره على تلك المحن، ومن الناس من قال: إن النبوة جزاء على الأعمال الحسنة، ومنهم من قال: إن من اجتهد وصبر على بلاء الله تعالى وشكر نعماء الله تعالى وجد منصب الرسالة. واحتجوا على صحة قولهم: بأنه تعالى لما ذكر صبر يوسف على تلك المحن ذكر أنه أعطاه النبوة والرسالة. ثم قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } وهذا يدل على أن كل من أتى بالطاعات الحسنة التي أتى بها يوسف، فإن الله يعطيه تلك المناصب، وهذا بعيد لاتفاق العلماء على أن النبوة غير مكتسبة. واعلم أن من قال: إن يوسف ما كان رسولاً ولا نبياً ألبتة، وإنما كان عبداً أطاع الله تعالى فأحسن الله إليه، وهذا القول باطل بالإجماع. وقال الحسن: إنه كان نبياً من الوقت الذي قال الله تعالى في حقه: { أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا } تفسير : [يوسف: 15] وما كان رسولاً، ثم إنه صار رسولاً من هذا الوقت أعني قوله: { أية : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ اتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } تفسير : [يوسف: 22] ومنهم من قال: إنه كان رسولاً من الوقت الذي ألقى في غيابة الجب. المسألة الثانية: قال أبو عبيدة تقول العرب بلغ فلان أشده إذا انتهى منتهاه في شبابه وقوته قبل أن يأخذ في النقصان وهذا اللفظ يستعمل في الواحد والجمع يقال بلغ أشده وبلغوا أشدهم، وقد ذكرنا تفسير الأشد في سورة الأنعام عند قوله: { أية : حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } تفسير : [الأنعام: 152] وأما التفسير فروى ابن جرير عن مجاهد عن ابن عباس، ولما بلغ أشده قال ثلاثاً وثلاثين سنة، وأقول هذه الرواية شديدة الانطباق على القوانين الطبية وذلك لأن الأطباء قالوا إن الإنسان يحدث في أول الأمر ويتزايد كل يوم شيئاً فشيئاً إلى أن ينتهي إلى غاية الكمال، ثم يأخذ في التراجع والانتقاص إلى أن لا يبقى منه شيء، فكانت حالته شبيهة بحال القمر، فإنه يظهر هلالاً ضعيفاً ثم لا يزال يزداد إلى أن يصير بدراً تاماً، ثم يتراجع إلى أن ينتهي إلى العدم والمحاق. إذا عرفت هذا فنقول: مدة دور القمر ثمانية وعشرون يوماً وكسر فإذا جعلت هذه الدورة أربعة أقسام، كان كل قسم منها سبعة أيام، فلا جرم رتبوا أحوال الأبدان على الأسابيع فالإنسان إذا ولد كان ضعيف الخلقة نحيف التركيب إلى أن يتم له سبع سنين، ثم إذا دخل في السبعة الثانية حصل فيه آثار الفهم والذكاء والقوة ثم لا يزال في الترقي إلى أن يتم له أربع عشرة سنة. فإذا دخل في السنة الخامسة عشرة دخل في الأسبوع الثالث. وهناك يكمل العقل ويبلغ إلى حد التكليف وتتحرك فيه الشهوة، ثم لا يزال يرتقي على هذه الحالة إلى أن يتم السنة الحادية والعشرين، وهناك يتم الأسبوع الثالث ويدخل في السنة الثانية والعشرين، وهذا الأسبوع آخر أسابيع النشوء والنماء، فإذا تمت السنة الثامنة والعشرون فقد تمت مدة النشوء والنماء، وينتقل الإنسان منه إلى زمان الوقوف وهو الزمان الذي يبلغ الإنسان فيه أشده، وبتمام هذا الأسبوع الخامس يحصل للإنسان خمسة وثلاثون سنة، ثم إن هذه المراتب مختلفة في الزيادة والنقصان؛ فهذا الأسبوع الخامس الذي هو أسبوع الشدة والكمال يبتدأ من السنة التاسعة والعشرين إلى الثالثة والثلاثين، وقد يمتد إلى الخامسة والثلاثين، فهذا هو الطريق المعقول في هذا الباب، والله أعلم بحقائق الأشياء. المسألة الثالثة: في تفسير الحكم والعلم، وفيه أقوال: القول الأول: أن الحكم والحكمة أصلهما حبس النفس عن هواها، ومنعها مما يشينها، فالمراد من الحكم الحكمة العملية، والمراد من العلم الحكمة النظرية. وإنما قدم الحكمة العملية هنا على العملية، لأن أصحاب الرياضات يشتغلون بالحكمة العملية ثم يترقون منها إلى الحكمة النظرية. وأما أصحاب الأفكار العقلية والأنظار الروحانية فإنهم يصلون إلى الحكمة النظرية أولاً، ثم ينزلون منها إلى الحكمة العملية، وطريقة يوسف عليه السلام هو الأول، لأنه صبر على البلاء والمحنة ففتح الله عليه أبواب المكاشفات، فلهذا السبب قال: {اتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا }. القول الثاني: الحكم هو النبوة، لأن النبي يكون حاكماً على الخلق، والعلم علم الدين. والقول الثالث: يحتمل أن يكون المراد من الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على نفسه الأمارة بالسوء مستعلية عليها قاهرة لها ومتى صارت القوة الشهوانية والغضبية مقهورة ضعيفة فاضت الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس وتحقيق القول في هذا الباب أن جوهر النفس الناطقة خلقت قابلة للمعارف الكلية والأنوار العقلية، إلا أنه قد ثبت عندنا بحسب البراهين العقلية وبحسب المكاشفات العلوية أن جواهر الأرواح البشرية مختلفة بالماهيات فمنها ذكية وبليدة ومنها حرة ونذلة ومنها شريفة وخسيسة، ومنها عظيمة الميل إلى عالم الروحانيات وعظيمة الرغبة في الجسمانيات فهذه الأقسام كثيرة وكل واحد من هذه المقامات قابل للأشد والأضعف والأكمل والأنقص فإذا اتفق أن كان جوهر النفس الناطقة جوهراً مشرقاً شريفاً شديد الاستعداد لقبول الأضواء العقلية واللوائح الإلهية، فهذه النفس في حال الصغر لا يظهر منها هذه الأحوال، لأن النفس الناطقة إنما تقوى على أفعالها بواسطة استعمال الآلات الجسدانية وهذه الآلات في حال الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت، فصارت تلك الآلات البدنية صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية وإذا كانت النفس في أصل جوهرها شريفة فعند كمال الآلات البدنية تكمل معارفها وتقوى أنوارها ويعظم لمعان الأضواء فيها، فقوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: {اتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } إشارة إلى استكمال النفس في قوتها العملية والنظرية، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} «أَشُدَّهُ» عند سيبويه جمع، واحده شِدّة. وقال الكسائي: واحده شَدٌّ؛ كما قال الشاعر:شعر : عَهْدِي به شَدَّ النَّهارِ كأنَّمَا خُضِبَ اللَّبانُ ورأسُه بالعِظْلِمِ تفسير : وزعم أبو عبيد أنه لا واحد له من لفظه عند العرب؛ ومعناه ٱستكمال القوّة ثم يكون النقصان بعد. وقال مجاهد وقَتادة: الأَشُدّ ثلاث وثلاثون سنة. وقال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأَشُدّ بلوغ الحُلُم؛ وقد مضى ما للعلماء في هذا في «النساء» و «الأنعام» مستوفى. {آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} قيل: جعلناه المستولي على الحُكْم، فكان يحكم في سلطان الملك؛ أي وآتيناه عِلماً بالحُكْم. وقال مجاهد: العقل والفهم والنبوة. وقيل: الحُكْم النبوّة، والعِلم عِلم الدين؛ وقيل: علم الرؤيا؛ ومن قال: أوتي النبوّة صبِياً قال: لما بلغ أشدّه زدناه فهماً وعلماً. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} يعني المؤمنين. وقيل: الصابرين على النوائب كما صبر يوسف؛ قاله الضحاك. وقال الطبريّ: هذا وإن كان مخرجه ظاهراً على كل محسِن فالمراد به محمد صلى الله عليه وسلم؛ يقول الله تعالى: كما فعلت هذا بيوسف بعد أن قاسى ما قاسى ثم أعطيته ما أعطيته، كذلك أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة، وأمكّن لك في الأرض.
البيضاوي
تفسير : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} منتهى اشتداد جسمه وقوته وهو سن الوقوف ما بين الثلاثين والأربعين، وقيل سن الشباب ومبدؤه بلوغ الحلم. {آتَيْنَاهُ حُكْمًا} حكمة وهو العلم المؤيد بالعمل، أو حكماً بين الناس. {وَعِلْماً} يعني علم تأويل الأحاديث. {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ} تنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ذلك جزاء على إحسانه في عمله وإتقانه في عنفوان أمره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } وهو ثلاثون سنة أو وثلاث {اتَيْنَاهُ حُكْمًا } حكمة {وَعِلْماً } فقها في الدين قبل أن يبْعَث نَبيَاً {وَكَذَٰلِكَ } كما جزيناه {نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } لأنفسهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَشُدَّهُ} أشد يوسف عشرون سنة، أو ثلاثون سنة، والأشد قوة الشباب وهو الحلم، أو ثماني عشرة سنة "ع"، أو خمس وعشرون أو ثلاثون، أو ثلاث وثلاثون، وآخر الأشد أربعون، أو ستون {حُكْماً} على الناس، أو عقلاً، أو حكمة في أفعاله، أو القرآن، أو النبوة {وَعِلْماً} فقهاً، أو نبوة {الْمُحْسِنِينَ} المطيعين، أو المهتدين "ع".
الخازن
تفسير : {ولما بلغ أشده} يعني منتهى شبابه وشدته وقوته، وقال مجاهد: ثلاثة وثلاثون سنة، وقال الضحاك: عشرون سنة وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال الكلبي: الأشد ما بين ثمان عشرة إلى ثلاثين سنة وسئل مالك عن الأشد فقال: هو الحلم {آتيناه حكماً وعلماً} يعني آتينا يوسف بعد بلوغ الأشد نبوة وفقهاً في الدين وقيل حكماً يعني أصابة في القول وعلماً بتأويل الرؤيا وقيل الفرق بين الحكيم والعالم أن العالم هو الذي يعلم الأشياء بحقائقها والحكيم هو الذي يعمل بما يوجبه العلم وقيل الحكمة حبس النفس عن هواها وصونها عما لا ينبغي والعلم هو العلم النظري {وكذلك} يعني وكما أنعمنا على يوسف بهذه النعم كلها كذلك {نجزي المحسنين} قال ابن عباس: يعني المؤمنين وعنه أيضاً المهتدين، وقال الضحاك: يعني الصابرين على النوائب كما صبر يوسف {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} يعني أن امرأة العزيز طلبت من يوسف الفعل القبيح ودعته إلى نفسها ليواقعها {وغلقت الأبواب} أي أطبقتها وكانت سبعة لأن مثل هذا لفعل لا يكون إلا في ستر وخفية أو أنها أغقلتها لشدة خوفها {وقالت هيت لك} أي هلم وأقبل، قال أبو عبيدة: كان الكسائي يقول هي لغة لأهل حوران رفعت إلى الحجاز معناها تعال، وقال عكرمة أيضاً بالحورانية: هلم، وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية وهي كلمة حث وإقبال على الشيء وقيل هي بالعبرانية وأصلها هيتالج أي تعال فعربت فقيل هيت لك فمن قال إنها بغير لغة العرب يقول إن العرب وافقت أصحاب هذه اللغة فتكلمت بها على وفق لغات غيرهم كما وافقت لغة العرب الروم في القسطاس ولغة العرب الفرس في التنور ولغة العرب الترك في الغساق ولغة العرب الحبشة في ناشئة الليل وبالجملة فإن العرب إذا تكلمت بكلمة صارت لغة لها وقرئ هئت لك بكسر الهاء مع الهمزة ومعناها تهيأت لك {قال} يعني يوسف {معاذ الله} أي أعوذ بالله وأعتصم به وألجأ إليه فيما دعوتني إليه {إنه ربي} يعني أن العزيز قطفير سيدي {أحسن مثواي} أي أكرم منزلتي فلا أخونه وقيل إن الهاء في إنه ربي راجعة إلى الله تعالى والمعنى يقول إن الله ربي أحسن مثواي يعني أنه آواني ومن بلاء الجب نجاني {إنه لا يفلح الظالمون} يعني إن فعلت هذا الفعل فأنا ظالم ولا يفلح الظالمون، وقيل: معناه أنه لا يسعد الزناة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} الآية لما بيَّن ـ تعالى ـ أن إخوته لمَّا أساءوا إليه ثمَّ صبر على تلك الإساءة، والشَّدائد مكَّنهُ اللهُ في الأرض، ثم لما بلغ أشدهُ آتاه اللهُ الحكم، والعلم، والمقصود أن جميع ما قام به من النِّعمِ كان جزاء على صبره. قوله: "أشدَّهُ" فيه ثلاثة أقوال: أحدها: وهو قولُ سيبويه: أنَّهُ جمع مفرده شدَّة، نحو نعمة وأنعم. الثاني: قول الكسائي أنَّ "أشدّه" مفردة: "شدَّ" بزنة "فعل" نحو: "صَكَّ"، وأصكَّ" ويؤيدهُ قول الشاعر: [الكامل] شعر : 3073ـ عَهْدِي بِهَا شدَّ النَّهارُ كأنَّما خُضِبَ البَنَانُ ورَأسهُ بالعِظْلِم تفسير : والثالث: أنه جمعٌ لا واحد له من لفظه، قاله أبو عبيدة، وخالفه الناس في ذلك، وقد سمع "شدَّه وشُدَّ" وهما صالحانِ له، وهو من الشدِّ، وهو الرَّبطُ على الشيء، والعقد عليه. قال الراغب: وقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ}تفسير : [الأحقاف:15] فيه تنبيهٌ على أنَّ الإنسان، إذا بلغ هذا القدر استوى خلقه الذي هو عليه، فلا يكادُ يزايله، ما أحسن ما [نبه له] الشاعر حين قال: [الطويل] شعر : 3074ـ إذَا المَرْءُ وافَي الأرْبعينَ ولمْ يَكُنْ لَهُ دُونَ ما يَهْوَى حَياءٌ و لا سِتْرُ فَدعْهُ ولا تَنفِسْ عَليْهِ الَّذي مَضَى وإنْ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لهُ العُمْرُ تفسير : والأشدَّ: منتهى شبابه، وشدَّته، وقوَّته. قال مجاهدٌ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ثلاثاً وثلاثين سنة. وقال السديُّ: ثلاثين سنة وقال الضحاكُ: "عشرين سنة". وقال الكلبيُّ: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة. وسئل مالكٌ رضي الله عنه عن الأشد قال: هو الحلم، وقد تقدَّم الكلامُ على الأشد في سورة الأنعام عند قوله: {أية : حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}تفسير : [الأنعام:152]. قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} فالحُكْمُ: النبوةُ، والعلمُ: التفقَهُ في الدِّين، وقيل: يعني: إصابة في القول، وعلماً [بتفاصيل] الرُّؤيا. وقيل: الفرقُ بين الحكيمِ والعالمِ: أن العالم هو الذي يعلم الأشياء، والحكيمُ: الذي يَحكمُ بما يوجبه العلمُ. قوله: "وكَذِلكَ" إمَّا نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالٌ من ضمير المصدر، وتقدَّم نظائره. {نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} قال ابنُ عبًّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: المؤمنين، وعنه أيضاً: المهتدين. وقال الضحاك: الصَّابرين على النَّوائب كما صبر يوسفُ.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر تعالى يوسف عما يريد بيوسف عليه الصلاة والسلام بما ختمه بالإخبارعن قدرته، أتبعه الإعلام بإيجاد ذلك الفعل دلالة على تمام القدرة وشمول العلم فقال: {ولما بلغ أشده} أي مجتمع قواه {آتيناه} أي بعظمتنا {حكماً} أي نبوة أو ملكة يكف بها النفس عن هواها، من حكمة الفرس، فلا يقول ولا يفعل إلا أمراً فصلاً تدعو إليه الحكمة؛ قال الرماني: والأصل في الحكم تبيين ما يشهد به الدليل، لأن الدليل حكمة من أجل أنه يقود إلى المعرفة {وعلماً} أي تبييناً للشيء على ما هو عليه جزاء له لأنه محسن {وكذلك} أي ومثل ذلك الجزاء الذي جزيناه به {نجزي المحسنين *} أي العريقين في الإحسان كلهم الذين رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي أسرى به فأعلاه ما لم يعل غيره؛ وعن الحسن: من أحسن عبادة الله في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله، والأشد: كمال القوة، وهو جمع شدة عند سيبوبه مثل نعمة وأنعم، وقال غيره: جمع شد؛ قال ابن فارس في المجمل: وبعضهم يقول: لا واحد لها، ويقال: واحدها شد - انتهى. قيل: وهذا هو القياس نحو ضب وأضب، وصك وأصك، وحظ وأحظ، وضر وأضر، وشر وأشر قال الرماني: قال الشاعر: شعر : هل غير أن كثر الأشرّ وأهلكت حرب الملوك أكاثر الأموال تفسير : انتهى. واختلفوا في حد الأشد فقيل: هو من الحلم، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه من عشرين سنة، وروى غير ذلك، والمادة تدور على الصعوبة، وهي ضد الرخاوة، ويلزمها القوة، فالشد على العدو منها، وشد الحبل وغيره: أحكم فتله، والشديد والمتشدد: البخيل - لصعوبة البذل عليه، والشدة: صعوبة الزمان، وشد النهار: ارتفاعه، وهو قوته، وشددت فلاناً: قويت يده ودبرت أمره، وأشد القوم - إذا كانت دوابهم شداداً فهم مشدون ضد مضعفين. ولما أخبر تعالى أن سبب النعمة عليه إحسانه، أتبعه دليله فقال: {وراودته} أي راجعته الخطاب ودارت عليه بالحيل، فهو كناية عن المخادعة التي هي لازم معنى راد يرود - إذا جاء وذهب {التي} هي متمكنة منه غاية المكنة بكونه {هو في بيتها} وهو في عنفوان الشباب {عن نفسه} أي مراودة لم تكن لها سبب إلا نفسه، لأن المراودة لا يمكن أن تتجاورز نفسه إلاّ بعد مخالطتها - كما تقول: كان هذا عن أمره، وذلك بأن دارت عليه بكل حيلة ونصبت له أشراك الخداع وأقامت حيناً تفتل له في الذروة والغارب، وذلك لأن مادة "راد" واوية ويائية بجميع تقاليبها السبعة: رود، ودور، وورد، "ودير" وردي، وريد، ودري - تدور على الدوران، وهو الرجوع إلى موضع الابتداء، ويلزم منه القصد والإتيان والإقبال والإدبار والرفق والمهلة وإعمال الحيلة وحسن النظر، وربما يكون عن غير قصد فتأتي منه الحيرة فيلزم الفساد والهلاك، يقال: دار فلان يدور - إذا مشى على هيئة الخلقة، والدهر دواري - لدورانه باهله بالرفع والحط، والدوار: شبه دوران في الرأس، ودارة القمر معروفة، والدائرة: الحلقة والدار تجمع العرصة والبناء - لدوران بنائها وللدوران فيها وللذهاب منها والرجوع إليها، والداري: الملاح الذي يلي الشراع، وهو القلع - لأنه يديره على عمود المركب، أو لأنه يلزم دار السفينة؛ والرائد: الذي يرتاد الكلأ، أي يذهب ويجيء في طلبه - لمّا لم يكن له مقصد من الأرض معين كأنه يدور فيها، والذي لا يكذب أهله، وكل طالب حاجة - قاله ابن دريد. وراودت الرجل: أردته على فعل؛ ورائد الرحى: يدها، أي العود الذي تدار به ويقبض عليه الطاحن، والرياد: اختلاف الإبل في المرعى مقبلة ومدبرة، ورادت المرأة - إذا اختلفت إلى بيوت جاراتها، وراد وساده - إذا لم يستقر، والرود: الطلب والذهاب والمجيء، وامش على رود - بالضم، أي مهل، وتصغيره رويد، والمرود: الذي يكتحل به، لأنه يدار في العين، وحديدة تدور في اللجام، ومحور البكرة من حديد، والدير: معروف، ويقال لرجل إذا كان رأس أصحابه: هو رأس الدير - كأنه من إرادة أصحابه به، وترديت الرداء وارتديت - كأنه من الإدارة، والرداء: السيف - لأنه يتقلد به في موضع الردى، والرديان - محركاً: مشى الحمار بين آريه ومتمعكه، وراديت فلاناً، مثل: راودته، وردت الجارية - إذا رفعت إحدى رجليها وقفزت بواحدة، لأت مشيها حينئذٍ يشبه الدوران، والريد - بالكسر: الترب، لأنه يراودك، أي يمشي معك من أول زمانك؛ ومن الإتيان: الورود، وهو إتيان المورد من ماء وطريق، والوارد: الصائر إلى الماء للاستقاء منه، وهو الذي ينزل إلى الماء ليتناول منه، والورد معروف، ونور كل شجرة ورد، لأنه يقصد للشم وغيره، ويخرج هو منها فهو وارد أي آتٍ، وهو أيضاً مع ذلك مستدير، والورد - بالكسر: يوم الحمى إذا أخذت صاحبَها لوقت لأنها تأتيه، وهو من الدوران أيضاً لأنها تدور في ذلك الوقت بعينه، وهذا كله يصلح للإقبال، ومنه: أرنبة واردة، أي مقبلة على السبلة، والريد: أنف الجبل - قاله ابن فارس، وقال ابن دريد: والريد: الحيد الناتىء من الجبل، والجمع ريود؛ وفي القاموس: الحيد من الجبل شاخص كأنه جناح، ويسمى الشجاع الوارد، لإقباله على كل ما يريده واستعلائه عليه، والوريدان: عرقان مكتنفا صفحتي العنق مما يلي مقدمة غليظان، والورد: النصيب من القرآن، لأنه يقصد بالقراءة ويقبل عليه ويدار عليه، ودريت الشيء: علمته، فأنت مقبل عليه وارد إليه، والدرئة - مهموزة: حلقة يتعلم عليها الطعن والرمي، والدرية - مهموزة وغير مهموزة: دابة يستتر بها رامي الصيد فيختله، فهي من الإقبال والخداع، وإن بنى فلان أدورا مكاناً، أي اعتمدوا بالغزو والغارة، والدريّ: شبيه بمدرى الثور وهو قرنه، لأنه يقصد به الشيء ويقبل به على مراده فيصلحه به، وما أدري أين ردي؟ أي أين ذهب؟ والإرواد: المهلة في الشيء؛ وامش رويداً: على مهل، والرادة والريدة: السهلة من الرياح، فكأنها تأتي على مهل؛ ومن الحيرة والفساد والهلاك: ردي الرجل - إذا هللك، وأرداه الله، وتردى في هوة: تهور فيها، ورديته بالحجارة: رميته، والرداة: الصخرة، يكسر بها الشيء، والمرادي: المرامي؛ ومن حسن النظر: أرديت على الخمسين: زدت، لأنه يلزم حسن النظر الزيادة، وأراد الشيء على غيره، أي ربا عليه، وسيأتي بيان المهموز من هذه المادة في {أية : سنراود} تفسير : [يوسف:61] من هذه السورة إن شاء الله تعالى {وغلقت} أي تغليقاً كثيراً {الأبواب} زيادة في المكنة، قالوا: وكانت سبعة؛ والإغلاق: إطباق الباب بما يعسر معه فتحه {وقالت هيت} أي تهيأت وتصنعت {لك} خاصة فأقبل إليّ وامتثل أمري؛ والمادة - على تقدير إصالة التاء وزيادتها بجميع تقاليبها: يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة - تدور على إرادة امتثال الأمر: هيت لك - مثلثة الآخر وقد يكسر أوله، أي هلم، وهيت تهييتاً: صاح ودعاه، وهات - بكسر التاء أعطني - قال في القاموس، والمهاياة مفاعلة منه، والهيت: الغامض من الأرض، كأنه يدعو ذا الهمة إلى الوقوف على حقيقته، والتيه - بالكسر: الكبرياء والصلف، فالتائه داع بالقوة إلى امتثال أمره، والمفازة، فإنها تقهر سالكها، والضلال من المفازة - تسمية للشي باسم موضعه، ومنه: تها - بمعنى غفل، ومنه: مضى تهواء من الليل - بالكسر، أي طائفة، لأنها محل الغفلة، أو لأنها تدعو ساهرها إلى النوم ونائمها إلى الانتباه، هذا على تقدير إصالة التاء، وأما على تقدير أنها زائدة فهاءَ بنفسه إلى المعالي: رفعها، فهو يراه أهلاً لأن يمتثل أمرها، والهوء: الهمة والأمر الماضي، والهوء أيضاً: الظن، ويضم، وهؤت به: فرحت، ولا يكون ذلك إلاّ لفعل ما يشتهي، فكأنه امتثل أمرك، وهوىء إليه - كفرح: همّ، وهاء كجاء: لبى، أي امتثل الأمر، وهاء - بالكسر: هات، وهاء - كجاء، أي هاك، بمعنى خذ، والهيئة: حال الشيء وكيفيته الداعية إلى تركه أو لزومه، وتهايؤوا: توافقوا، وهاء إليه: اشتاق، فكأنه دعاه إلى رؤيته، وتهيأ للشيء: أخذ له هيئته، فكأنه صار قابلاً للأمر، أو لأن يمتثل أمره، وهيأه: أصلحه، والهيء - بالفتح والكسر: الدعاء إلى الطعام والشراب ودعاء الإبل للشرب، وإيه - بكسر الهمزة: كلمة استزاده واستنطاق، وبإسكان الهاء: زجر بمعنى حسبك، وهأهأ: قهقه في ضحكه، ولا يكون ذلك إلا بمن امتثل مراده. ولما قالت ما قالت وفعلت ما فعلت، مع ما هي عليه من القدرة في نفسها ولها عليه من التسلط وهو عليه من الحسن والشباب، كان كأنه قيل: إن هذا لموطن لا يكاد ينجو منه أحد، فماذا كان منه؟ فقيل: {قال} أي يوسف مستعملاً للحكم بالعلم {معاذ} أي أعوذ من هذا الأمر معاذ {الله} أي ألزم حصن الذي له صفات الكمال وهو محيط بكل شيء علماً وقدرة، وملجأة الذي ينبغي الاعتصام به واللجاء إليه؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنه} أي الله {ربي} أي موجدي ومدبري والمحسن إليّ في كل أمر، فأنا أرجو إحسانه في هذا {أحسن مثواي} بأن جعل لي في قلب سيدك مكانة عظيمة حتى خولني في جميع ما يملك وائتمنني على كل ما لديه، فإن خالفت أمر ربي فخنت مَن جعلني موضعاً للأمانة كنت ظالماً واضعاً للشيء في غير موضعه، وهذا التقدير - مع كونه أليق بالصالحين المراقبين - أحسن، لأنه يستلزم نصح العزيز، ولو أعدنا الضمير على العزيز لم يستلزم التقوى. ولما كان من المعلوم أن لسان حالها يقول: وإذا كان ظلماً كان ماذا؟ قال ما تقديره: إني إذن لا أفلح، وعلله بقوله: {أنه لا يفلح} أي لا يظفر بمراده أصلاً {الظالمون *} أي العريقون في الظلم - وهو وضع الشيء في غير موضعه - الذين صرت في عدادهم على تقدير الفعل، فيا له من دليل على إحسانه وحكمه وعلمه، فإنه لما رأى المقام الدحض بادر إلى الاعتصام بمن بيده ملكوت كل شيء، ثم استحضر إحسانه إليه الموجب للشكر عليه المباعد عن الهفوات ثم مقام الظلم وما يوجب لصاحبه من الحزن بعدم الفلاح. ولما كان هذا الفعل لا يتم حسنه إلاّ إذا كان عند غلبة الهوى وترامي الشهوة كما هو شأن الرجولية، قال تعالى رداً على من يتوهم ضد ذلك: {ولقد همت به} أي أوقعت الهم، وهو القصد الثابت والعزم الصادق المتعلق بمواقعته، ولا مانع لها من دين ولا عقل ولا عجز فاشتد طلبها {وهمَّ بها} كما هو شأن الفحول عند توفر الأسباب {لولا أن رَّءَا} أي بعين قلبه {برهان ربه} الذي آتاه إياه من الحكم والعلم، أي لهمّ بها، لكنه لما كان البرهان حاضراً لديه حضور من يراه بالعين، لم يغطه وفور شهوة ولا غلبة هوى، فلم يهم أصلاً مع كونه في غاية الاستعداد لذلك لما آتاه الله من القوة مع كونه في سن الشباب، فلولا المراقبة لهمّ بها التوفر الدواعي غير أن نور الشهود محاها أصلاً، وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه مع أنه هو الذي تدل عليه أساليب هذه الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف عنهم السوء، وأن السجن أحب إليه من ذلك، مع قيام القاطع على كذب ما تضمنه قولها { أية : ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً} تفسير : [يوسف:25] - الآية، من مطلق الإرادة، ومع ما تحتم تقدير ما ذكر بعد "لولا" في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب، فإنه يجب أن يكون المقدر بعد كل شرط من معنى ما دل عليه ما قبله، وهذا مثل قوله تعالى{ أية : إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} تفسير : [ القصص:10] أي لأبدت به، وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك فلم يصح منه شيء عن أحد منهم مع أن الأقوال التي رويت عنهم إذا جمعت تناقضت فتكاذبت، ولا يساعد على شيء منها كلام العرب لأنهم قدروا جواب " لولا" المحذوف بما لا دليل عليه من سابق الكلام ولا لاحقه - نبه على ذلك الإمام أبو حيان، وسبقه إلى ذلك الإمام الرازي وقال: إن هذا قول المحققين من المفسرين، وأشبع في إقامة الدلائل على هذا بما يطرب الأسماع، وقدم ما يدل على جواب الشرط ليكون أول ما يقرع السمع ما يدل على أنه كان في غاية القدرة على الفعل، وأنه ما منعه منه إلاّ العلم بالله، فكأنه قيل: إن هذا التثبيت عظيم، فقيل إشارة إلى أنه لازم له كما هو شأن العصمة: {كذلك} أي مثل ذلك التثبيت نثبته في كل أمر {لنصرف عنه السوء} أي الهمّ بالزنا وغيره {والفحشاء} أي الزنا وغيره، فكأنه قيل: لِمَ فعل به هذا؟ فقيل {إنه من عبادنا} أي الذين عظمناهم بما لنا من العظمة {المخلصين *} أي هو في عداد الذين هم خير صرف، لا يخالطهم غش، ومن ذريتهم أيضاً، وهذا مع قول إبليس { أية : لأغوينهم أجمعين إلاّ عبادك منهم المخلصين} تفسير : [ص:83] شهادة من إبليس أن يوسف عليه الصلاة والسلام بريء من الهمّ في هذه الواقعة؛ قال الإمام: فمن نسبه إلى الهمّ إن كان من أتباع دين الله فليقبل شهادة الله، وإن كان من أتباع إبليس وجنوده فليقبل شهادة إبليس بطهارته، قال: ولعلهم يقولون: كنا تلامذة إبليس ثم زدنا عليه - كما قيل: شعر : وكنت فتى من جند إبليس فارتقى من الأمر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده طراييق فسق ليس يحسنها بعدي
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولما بلغ أشده} قال: ثلاثاً وثلاثين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {بلغ أشده} قال: خمساً وعشرين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله {بلغ أشده} قال: ثلاثين سنة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه {ولما بلغ أشده} قال: عشرين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {بلغ أشده} قال عشر سنين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ربيعة في قوله {بلغ أشده} قال: الحلم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه قال: لأشد الحلم، إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {آتيناه حكماً وعلماً} قال: هو الفقه والعلم والعقل قبل النبوة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {وكذلك نجزي المحسنين} يقول المهتدين.
ابو السعود
تفسير : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي منتهى اشتدادِ جسمه وقوتِه وهو سنُّ الوقوف ما بـين الثلاثين إلى الأربعين، وقيل: سنُّ الشباب ومبدأ بلوغِ الحُلُم والأولُ هو الأظهرُ لقوله تعالى: {آتَيْنَاهُ حُكْمًا} حِكمةً وهو العلم المؤيَّدُ بالعمل أو حكماً بـين الناس وفقهاً أو نبوة {وَعِلْماً} أي تفقهاً في الدين، وتنكيرُهما للتفخيم أي حكماً وعلماً لا يُكتنه كُنهُهما ولا يقادَرُ قدرُهما فهما ما آتاه الله تعالى عند تكاملِ قُواه سواءٌ كانا عبارةً عن النبوة والحُكم بـين الناس أو غيرِهما، كيف لا وقد جُعل إيتاؤهما جزاءً لعمله عليه السلام حيث قيل: {وَكَذٰلِكَ} أي مثلَ الجزاءِ العجيب {نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ} أي كلَّ من يُحسِن في عمله فيجب أن يكون ذلك بعد انقضاءِ أعمالِه الحسنةِ التي من جملتها معاناةُ الأحزان والشدائدِ، وقد فُسّر العلمُ بعلم تأويلِ الأحاديث، ولا صحةَ له إلا أن يُخَصَّ بعلم تأويلِ رؤيا الملِك فإن ذلك حيث كان عند تناهي أيامِ البلاءِ صحّ أن يُعدَّ إيتاؤُه من جملة الجزاء، وأما رؤيا صاحبَـي السجن فقد لبث عليه السلام بعد تعبـيرِها في السجن بضعَ سنين. وفي تعليق الجزاءِ المذكورِ بالمحسنين إشعارٌ بعلّية الإحسان له وتنبـيهٌ على أنه سبحانه إنما آتاه ما آتاه لكونه محسناً في أعماله متّقياً في عنفوان أمرِه {أية : هَلْ جَزَاء ٱلإحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإحْسَـٰنُ}تفسير : [الرحمن: 60 ].
القشيري
تفسير : من جملة الحُكمْ الذي آتاه اللَّهُ نفوذُ حُكْمِه على نَفْسِه حتى غَلَبَ شهوته، وامتنع عما رَاوَدَتْه تلك المرأةُ عن نَفْسِه؛ ومن لا حكم له على نفسه فلا حكْمَ له على غيره. ويقال إنما قال: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي حين استوى شبابُه واكتملت قُوْته، وكان وقت استيلاء الشهوة، وتوفر دواعي مطالبات البشرية آتاه الله الحِكْمَ الذي حبسه على الحقِّ وصَرَفَه عن الباطل، وعَلِمَ أنَّ ما يعقب اتباع اللذاتِ من هواجم النَّدم أشدُّ مقاساةً من كلفة الصبر في حال الامتناع عن دواعي الشهوة... فآثَرَ مَشَقَّةَ الامتناع على لَذَّةِ الاتباع. وذلك الذي أشار إليه الحقُّ - سبحانه - من جميل الجزاء الذي أعطاه هو إمدادُه بالتوفيق حتى استقام في التقوى والورع على سَوَاءِ الطريق، قالَ تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : : [العنكبوت: 69] أي الذين جاهدوا بسلوك طريق المعاملة لنهدينهم سُبَلَ الصبرِ على الاستقامة حتى تتبين لهم حقائقُ المواصلة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما بلغ} يوسف {اشده} قال فى القاموس اى قوته وهو ما بين ثمانى عشرة سنة الى ثلاثين. واحد جاء على بناء الجمع كأنك ولا نظير لهما او جمع لا واحد له من لفظه. وقال اهل التفسير اى منتهى اشتداد جسمه وقوته واستحكام عقله وتمييزه وهو سن الوقوف ما بين الثلاثين الى الاربعين. والعقلاء ضبطوا مراتب اعمار الناس فى اربع. الاولى سن النشور والنماء ونهايته الى ثلاثين سنة. والثانية سن الوقوف وهو سن الشباب ونهايته الى ان تتم اربعون سنة من عمره. والثالثة سن الكهولة وهو سن الانحطاط اليسير الخفى وتمامه الى ستين سنة. والرابعة سن الشيخوخة وهو سن الانحطاط العظيم الظاهر وتمامه عند الاطباء الى مائة وعشرين سنة. والاشد غاية الوصول الى الفطرة الاولى بالتجرد عن غواشى الخلقة التى يسميها الصوفية بمقام الفتوة. قال فى التعريفات الفتوة فى اللغة والسخاء والكرم وفى اصطلاح اهل الحقيقة هى ان تؤثر الخلق على نفسك بالدنيا والآخرة {آتيناه حكما} كمالا فى العلم والعمل استعد به الحكم بين الناس بالحق ورياستهم. قال القشيرى من جملة الحكم الذى آتاه الله نفوذ حكمه على نفسه حتى غلب شهوته فامتنع عما راودته زليخا عن نفسه ومن لا حكم له عل نفسه لم ينفذ حكمه على غيره. قال الامام نقلا عن الحسن كان نبيا من الوقت الذى القى فيه فى غيابة الجب لقوله تعالى {ولما بلغ اشده آتيناه} واذا لم يقل ههنا ولما بلغ اشده واستوى كما قال فى قصة موسى لان موسى اوحى اليه عند منتهى الاشد الاستواء وهو اربعون سن واوحى الى يوسف عند اوله وهو ثمان عشرة سنة {وعلما} قالوا المراد من الحكم الحمكة العملية ومن العلم الحكمة النظرية وذلك لان اصحاب الرياضات والمجاهدات يصلون اولا الى الحكمة العملية ثم يترقون منها الى الحكمة النظرية. واما اصحاب الافكار والانظار العقلية فانهم يصلون اولا الى الحكمة النظرية ثم ينزلون منها الى الحكمة العملية وطريقة يوسف عليه السلام هى الاول لانه صبر على المكاره والبلاء والمحن ففتح الله له ابواب المكاشفات: قال الحافظ شعر : مكن زغصه شكايت طكه در طريق طلب براحتى نرسيد آنكه زحمتى نكشيد تفسير : وقال شعر : جه ورها كه كشيدند بلبلان ازدى ببوى آنكه دكر نوبهار باز آمد تفسير : والحاصل ان طريقة يوسف طريقة السالك المجذوب لا طريقة المجذوب السالك والاولى هى سنة الله الغالبة فى انبيائه واوليائه ففى قوله {حكما وعلما} اشارة الى استكمال النفس فى قوتها العملية والنظرية. وعن الحسن من احسن عبادة ربه فى شبيبته آتاه الله الحكمة فى اكتهاله وفيه اشارة الى ان المطيع تفتح له ينابيع الحكمة وتنبيه على ان العطية الالهية تصل الى العبد وان طال العهد اذا جاء اوانها فلطالب الحق ان ينتظر احسان الله تعالى ولا ييأس منه وفى الحديث "حديث : افضل اعمال امتى انتظارهم فرج الله " تفسير : قال النصر لما عقل يوسف عن الله او امره ونواهيه واستقام معه على شروط الادب اعطاه حكما على الغيب فى تعبير الرؤيا وعلما بنفسه فى مخالفة هواها. قال بعض الاكابر الكمال العلمى افضل من الكمال العملى والتقصير من جهة العلم اشد من التقصير من جهة العمل فان حسن العقيدة وصفاء القريحة بسبب العلم والكمال ولشرفه امر الله تعالى سيد الانبياء صلوات الله عليه وعليهم وسلامة بطلب الزيادة منه فقال {أية : وقل رب زدنى علما} تفسير : وقد ذكر اهل الاشارة ان آدم عليه السلام وصل الى رياسة سجود الملائكة بعلم الاسماء وسليمان الى الملك العظيم بالفهم وعلم منطق الطير ويوسف الى النجاة والشرف والعز بعلم التعبير فالعالم بعلم التوحيد كيف لا ينجو من الجحيم وينال شرف لقاء الله تعالى فى دار النعيم {وكذلك} اى مثل الجزاء العجيب الذى جزينا يوسف {نجزى المحسنين} كل من يحسن فى عمله وفى تعليق الجزاء المذكور وبالمحسنين اشعار بعلية الاحسان له وتنبيه على انه سبحانه انما آتاه الحكم والعلم لكونه محسنا فى اعماله متقيا فى عنفوان امره هل جزاء الاحسان الا الاحسان. قال بعض الاكابر نجزى المحسنين الذين يحسنون لانفسهم فى الطلب والارادة والاجتهاد والرياضة فمن ادخل نفسه فى زمرة اهل الاحسان جزاه الله باحسن الجزاء واحبه كما قال الله تعالى {أية : والله يحب المحسنين} تفسير : فمن احبه الله نال سعادة الدارين وفى الحديث "حديث : اذا احب الله العبد نادى جبريل ان الله يحب فلانا فاحبه فيحبه جبريل فينادى فى اهل السماء ان الله يحب فلانا فاحبوه فيحبه اهل السماء ثم يوضع له القبول فى اهل الارض " تفسير : وفى التأويلات النجمية {ولما بلغ} يوسف القلب {اشده} مبلغ كمالية استعداده لقبول فيض الالوهية {آتيناه حكما وعلما} افضنا عليه سجال الحكمة الآلهية والعلم اللدنى وكما افضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم بفضلنا {و} كرمنا {كذلك نجزى المحسنين} الاعضاء الرئيسة والجوارح اذا احسنوا الاعمال والاخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء وهو التبليغ الى مقام الحقيقة انتهى. ثم ان الجزاء ينبغى ان يكون مترتبا على انقضاء العمل فتارة يظهر بعد تمام الاعمال كلها وتارة يظهر لكل عمل منقض جزاء وهكذا الى الوصول الى غاية الاجزية فعلم تعبير رؤيا الملك وصاحبى السجن اوتى يوسف فى السجن وتمامه مع انضمام العلوم الكلية بعد انتهاء الابتلاء فافهم المقام وكن على بصيرة من ادراك دقائق الكلام
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى ان يوسف لما بلغ أَشده، وهو كمال القوة. وقال قوم هو من ثماني عشرة سنة الى ستين سنة، وقال ابن عباس من عشرين. وقال مجاهد من ثلاث وثلاثين سنة، والاشد جمع، لا واحد له من لفظه مستعمل. وفي القياس واحد شد، كواحد الاضرّ ضرّ، وواحد الاشر شر قال الشاعر: شعر : هل غير ان كثر الاشر واهلكت حرب الملوك اكاثر الاموال تفسير : وقوله {آتيناه حكماً وعلماً} يعني أَعطيناه ذلك، والحكم القول الفصل الذي يدعو الى الحكمة ويقال تقديراً لما يوتى له بعلة: يعلم من دليل الحكم ومن غير دليل الحكم. والاصل في الحكم تبيين ما يشهد به الدليل، لأن الدليل حكمة من اجل أنه يقود الى المعرفة. وقيل: معناه آتيناه الحكم على الناس. وقيل آتيناه الحكمة في فعله بألطافنا له، والحكيم العامل بما يدعو اليه العلم. والعلم ما اقتضى سكون النفس. وقال قوم هو تبيين الشيء على ما هو به، وزاد فيه الرماني: ما يحل في القلب تحرزا من الرؤية، لانها يبين بها الشيء على ما هو به، لكنه معنى يحل في العين. ومن قال الادراك ليس بمعنى لا يحتاج الى ذلك. وقوله {وكذلك نجزي المحسنين} معناه مثل ما جازينا يوسف نجازي كل من أحسن وفعل الافعال الحسنة من الطاعات. والاحسان هوالنفع بالحسن الذي يستحق به الحمد، فعلى هذا يصح أن يحسن الانسان إلى نفسه كما يصح أن يسيء الى نفسه، ولا يصح ان ينعم على نفسه، لأن النعمة تقتضي استحقاق الشكر عليها، ولا يصح ذلك بين الانسان ونفسه.
الجنابذي
تفسير : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} قد سبق تفسيره الاشدّ وانّه اوان كمال جميع القوى وهو سنّ الوقوف بين الثّلاثين والاربعين والحقّ انّ مبدأه الثّامن عشر ومنتهاه الاربعون {آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} نبوّة ورسالة سواء اريد بالحكم كمال القوّة العمليّة بحيث ينقاد له جميع القوى النّفسانيّة او الحكومة والتّسلّط او القوى النّفسانيّة، فانّ الاوّل النّبوّة والثّانى لازمها والعلم وهو الاستبصار بالاشياء على ما هى عليه من لوازم الرّسالة، ويجوز ان يراد بالحكم لازم الولاية من التّسلّط على القوى وبالعلم النّبوّة والرّسالة فانّ النّبوّة ايضاً تستلزم الاستبصار بما فى العالم الصّغير، وعلى اىّ تقدير فتقديم الحكم لتقدّم رتبته على العلم ولمكان هذا الحكم كان ليوسف (ع) كمال العفّة حين تهيّؤ اسباب الشّهوة والشّره ولذا قدّم ذكر اعطاء الحكم على المراودة {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} يعنى كما انّ يوسف (ع) كان محسناً فأعطيناه الحكم لاحسانه كذلك نعطى كلّ محسن لاحسانه، والاحسان قد مضى مراراً انّه الايمان الخاصّ وقبول الاحكام القلبيّة الولويّة بالبيعة الولويّه وقبول الدّعوة الباطنة ودخول الايمان فى القلب فالمراد بالمحسن ههنا هو الّذى صار ذا حسنٍ او الّذى احسن الى نفسه بادخالها تحت ولاية وليّه، والاحسان الى الغير لازم ذلك الاحسان.
اطفيش
تفسير : {ولما بَلَغ} يوسف {أشدَّه} منتهى كمال شدة جسمه وقوته، قال السدى: هو ما بين الثلاثين والأربعين، قال: الجسم يقف فى ذلك لا يزيد قوة لا ينقص غالبا، وقيل: ذلك الوقوف ما بين ثلاثة وثلاثين، وبين أربعين، وكذا حفظت، وبه قال مجاهد، ويسمى أشد كما قال مجاهد، وقال الضحاك: الأشد عشرون سنة، وقال الكلبى: ما بين ثمانى عشرة إلى ثلاثين، وقيل: ما بين خمس عشرة إلى ثلاثين، وقال مالك: الأشد الحلم، وقيل: منتها الأشد اثنتان وستون {آتيْناهُ حُكماً} وحكمة وهى العلم المؤيد بالعمل، وقريب منه قول ابن العربى: العمل بالعلم، وقيل: إصابة فى القول، وفسر بعضهم الحكمة حبس النفس عن هواها، وصون نيتها عمالا ينبغى، وقيل: المراد الحكم بين الناس، وقيل النبوة، وقيل: السلطان، وقال الحسن: الرسالة {وعِلْماً} علم تأويل كتب الله والرأى واللغات وفقها فى الدين. {وكذّلكَ نجْزِى المحْسنينَ} لنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ذلك جزاء على إحسانه فى علمه، إذ عبد الله واتقاه فى أول شبابه، قال الحسن: أعطاه الله الرسالة لما بلغ أشده، وقد أعطاه النبوة قبل ذلك فى الحب، كذلك من أحسن عبادة الله فى شيبته، أتاه الحكمة فى اكتهاله، انتهى، وعن ابن عباس: المحسنون المؤمنون أو المهتدون روايتان عنه، وقال الضحاك: اصابرون على النوائب كما صبر يوسف، وفى ذلك وعد للنبى صلى الله عليه وسلم، أى لا يهولنك فعل الكفرة، فإن الله سبحانه يصنع للمحسنين أجمل صنع.
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا بِلغَ أَشُدَّهُ} زمان أَشده، والأَشد قوة الجسم ما بين الثلاثين والأَربعين، وقيل سن الشباب، وأَوله البلوغ، وقيل ثلاثون سنة، وقيل ثلاث وثلاثون، وقال القاضى النحوى محمد بن على بن على ابن أَبى طالب: خمس وثلاثون وتمامه أَربعون، وقيل سبعة عشر عاما إِلى نحو أَربعين، وقيل ثلاث وعشرون وقيل إِحدى وعشرون وقيل عشرون وقيل ثمان وثلاثون، وعن الحسن: أَربعون، وقيل أَقصى الأَشد ستون، وعن الحسن: يقف الجسم عند الأًربعين، وقيل: يقف عن النمو بين الثلاثة والثلاثين وبين الأَربعين، والأَشد مفرد على وزن الجمع بنقل الضمة من الدال المدغمة إِلى الشين، وعن سيبويه: جمع شدة، الجمع شاد كنعمة وأَنعم وقال الكسائى والفراءُ: جمع شد كصد وأصد، فيجب تأْنيثه على هذا، أَو على قوله أَنه جمع لا واحد له، قال بعض المتأَخرين: لم يقل واستوى كما قال فى موسى لأَنه بلغ الأَربعين ولم يبلغها يوسف حينئذٍ {آتَيْنَاهُ حُكْماً} إيقان العلم ورد النفس عن هواها، وإتقان العمل والحكم والنبوة، والعلم بلا عمل سفه، ولا منتهى للتعلم إِلى الموت، خرج جابر بن زيد - رحمه الله - يتكىءُ وهو ابن سبعين سنة فقيل له: أَين تذهب يا أَبا الشعثاءِ؟ فقال: أَتعلم دينى، أَو المراد الحكم بين الناس كأَن يقتضى بين الخصوم، والأَول أَولى لعدم ظهور إِعطاءِ الحكم بين الناس فى وقت شدة قوته فإِن الأَولى فى هذا عدم التقييد بكمال القوة {وَعِلْماً} تأْويل الرؤْيا وتفسير كتب الله وكلام الأَنبياءِ والفقه فى الدين، وعن ابن عباس: الحكم النبوة، والعلم علم الشريعة، وقيل: الحكمة الحكم بين الناس، والعلم معرفة وجوه المصالح {وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ} يفيد أَن الله - عز وجل - أَعطاه ذلك جزاءً على إِحسانه، أَى نجزى المحسنين مثل ذلك الجزاءِ دون غيره مما يضعف أَو لا يعبأُ به، وإِحسانه عبادته وعصيان نفسه حين كان قوى الشباب واجدا لكل ما يلتذ به وهو شاب نشأَ فى عبادة الله والورع، ومن عمله بما علم أَورثه الله علم ما لم يعلم، كما قال الحسن: من أَحسن عبادة الله تعالى فى شبابه آتاه الله تعالى الحكمة فى اكتهاله.
الالوسي
تفسير : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي بلغ زمان انتهاء اشتداد جسمه وقوته وهو سن الوقوف عن النمو المعتد به أعني ما بين الثلاثين والأربعين، وسئل (الفاضل النحوي مهذب الدين محمد بن علي بن علي بن أبـي طالب الخيمي) عنه، فقال: هو خمس وثلاثون سنة وتمامه أربعون. وقال الزجاج: هو سبعة عشر عاماً إلى نحو الأربعين، وعن مجاهد وقتادة ورواه ابن جبير عن ابن عباس أنه ثلاثة وثلاثون أو ثلاثون أو أحد وعشرون، وقال الضحاك: عشرون، وحكى ابن قتيبة أنه ثمان وثلاثون. وقال الحسن: أربعون، والمشهور أن الإنسان يقف جسمه عن النمو إذا بلغ ذلك، وإذا وقف الجسم وقفت القوى والشمائل والأخلاق ولذا قيل:شعر : إذا المرء وفي الأربعين ولم يكن له دون ما يهوى حياء ولا ستر فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى وإن جر أسباب الحياة له العمر تفسير : وقيل: أقصى الأشد إثنان وستون، وإلى كون الأشد منتهى الشباب والقوة قبل أن يؤخذ في النقصان ذهب أبو عبيدة وغيره من ثقات اللغويين، واستظهره بعض المحققين، وهو عند سيبويه جمع واحده شدة ـ كنعمة وأنعم ـ وقال الكسائي والفراء: إنه جمع شدّ نحو صك وأصك وفلس وأفلس وهذا على ما ذكر أبو حاتم يوجب أن يكون مؤنثاً لأن كل جمع على أفعل مؤنث. وزعم أبو عبيدة أنه لا واحد له من لفظه عند العرب، وقال الفراء: أهل البصرة يزعمون أنه اسم واحد لكنه على بناء ندر في المفردات وقلما رأينا اسماً على أفعل إلا وهو جمع. {ءاتَيْنَـٰهُ حُكْماً} أي حكمة وهي في لسان العشر العلم النافع المؤيد بالعمل لأنه بدونه لا يعتدّ به، والعمل بخلاف العلم سفه، أو حكماً بين الناس {وَعِلْماً} يعني علم تأويل الرؤيا، وخص بالذكر لأنه غير داخل فيما قبله، أو أفرد بالذكر لأنه مما له شأن وليوسف عليه السلام به اختصاص تام كذا قيل، وفسر بعضهم الحكمة بالنبوة والعلم بالتفقه في الدين، وقيل: الحكمة حبس النفس عن هواها وصونها عما لا ينبغي والعلم هو العلم النظري، وقيل: أراد بالحكمة الحكم بين الناس. وبالعلم العلم بوجوه المصالح فإن الناس كانوا إذا تحاكموا إلى العزيز أمره بأن يحكم بينهم لما رأى من عقله وإصابته في الرأي. وعن ابن عباس أن الحكم النبوة. والعلم الشريعة وتنكيرهما للتفخيم أي حكماً وعلماً لا يكتنه كنههما ولا يقادر قدرهما. وتعقب كون المراد بالعلم العلم بتأويل الأحاديث بأن قوله سبحانه: {وَكَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الجزاء العجيب {نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ} أي كل من يحسن في عمله يأباه لأن ذلك لا يصلح أن يكون جزاءً لأعماله الحسنة التي من جملتها معاناة الأحزان والشدائد إلا أن يخص بعلم تأويل رؤيا الملك فإن ذلك / حيث كان عند تناهي أيام البلاء صح أن يعد إيتاءه من جملة الجزاء؛ وأما رؤيا صاحبـي السجن فقد لبث عليه السلام بعد تعبيرها في السجن بضع سنين، وفي تعليق الجزاء المذكور بالمحسنين إشعار بعلية الإحسان له وتنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ما آتاه لكونه محسناً في أعماله متقناً في عنفوان أمره، ومن هنا قال الحسن: من أحسن عبادة الله سبحانه في شبيبته آتاه الله تعالى الحكمة في اكتهاله، واستشكل ما أفاده تعليق الحكم بالمشتق من العلية على تقدير أن يراد من الحكمة العلم المؤيد بالعمل مثلاً بأن إحسان العمل لا يكون إلا بعد العلم به فلو كان العلم المؤيد به مثلاً علة للإحسان بذلك لزم الدور. وأجيب بأن إحسان العمل يمكن أن يكون بطريق آخر كالتقليد والتوفيق الإلۤهي فيكون سبباً للعلم به عن دليل عقلي أو سمعي، أو المراد الأعمال الغير المتوقفة على السمع فيكون ذلك السبب للعلم بما شرع له من الأعمال. وقال بعض المحققين: الظاهر تغاير العلمين كما في الأثر «حديث : من عمل بما علم يسر الله تعالى له علم ما لم يعلم»تفسير : ، وعن الضحاك تفسير (المحسنين) بالصابرين على النوائب.
ابن عاشور
تفسير : هذا إخبار عن اصطفاء ـــ يوسف ـــ عليه السّلام ـــ للنبوءة. ذكر هنا في ذكر مبدأ حلوله بمصر لمناسبة ذكر منّة الله عليه بتمكينه في الأرض وتعليمه تأويل الأحاديث. والأشدُّ: القوة. وفسر ببلوغه ما بين خمس وثلاثين سنة إلى أربعين. والحكم والحكمة مترادفان، وهو: علم حقائق الأشياء والعمل بالصالح واجتناب ضده. وأريد به هنا النبوءة كما في قوله تعالى في ذكر داود وسليمان ـــ عليهما السّلام ـــ { أية : وكلاً آتينا حكماً وعلماً } تفسير : [سورة الأنبياء: 79]. والمراد بالعلم علم زائد على النبوءة. وتنكير {علماً} للنوعية، أو للتعظيم. والمراد: علم تعبير الرؤيا، كما سيأتي في قوله تعالى عنه: { أية : ذلكما ممّا علّمني ربي } تفسير : [سورة يوسف: 37]. وقال فخر الدين: الحكم: الحكمةُ العملية لأنها حكمٌ على هدى النفس. والعلمُ: الحكمةُ النظرية. والقول في {وكذلك نجزي المحسنين} كالقول في نظيره، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً } تفسير : في سورة البقرة (143). وفي ذكر {المحسنين} إيماء إلى أنّ إحسانه هو سبب جزائه بتلك النعمة. وفي هذا الذي دبّره الله تعالى تصريح بآية من الآيات التي كانت في يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وإخوته.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَاهُ} (22) - وَلَمَّا اسْتَكْمَلَ يُوسُفُ عَقْلَهُ، وَتَمَّ خَلْقُهُ (بَلَغَ أَشُدَّهُ)، آتَاهُ اللهُ النُّبُوَّةَ (حُكْماً وَعِلْماً)، وَحَبَاهُ بِهَا، مِنْ بَيْنِ أُولئِكَ القَوْمِ، فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مُحْسِناً فِي عَمَلِهِ، عَامِلاً بِطَاعَةِ رَبِّهِ، وَكَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ المُحْسِنِينَ. بَلَغَ أَشُدَّهُ - بَلَغَ مُنْتَهَى قُوَّةِ جِسْمِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والبلوغ هو الوصول إلى الغاية، وقوله تعالى: {بَلَغَ أَشُدَّهُ ..} [يوسف: 22]. أي: وصل إلى غايته في النُّضْج والاستواء؛ ومن كلمة "بلغ" أخذ مصطلح البلوغ؛ فتكليف الإنسان يبدأ فَوْرَ أن يبلغ أشده؛ ويصير في قدرة أن ينجب إنساناً مثله. وحين يبلغ إنسانٌ مثل يوسف أشده، وهو قد عاش في بيت ممتلىء بالخيرات؛ فهذا البلوغ إنْ لم يكُنْ محروساً بالحكمة والعلم؛ ستتولد فيه رعونة؛ ولهذا فقد حرسه الحق بالحكمة والعلم. والحُكْم هو الفيصل بين قضيتين متعاندتين متعارضتين؛ حق وباطل؛ وما دام قد أعطاه الله الحُكْم، فهو قادر على أن يفصل بين الصواب والخطأ. وقد أعطاه الله العلم الذي يستطيع أن ينقله إلى الغير، والذي سيكون منه تأويل الرُّؤى، وغير ذلك من العلم الذي سوف يظهر حين يُولَّى على خزانة مصر. إذن: فهنا بلغ يوسف أشده وحرسه الحق بالحكمة والعلم. ويُذيِّل الحق سبحانه هذه الآية بقوله: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22]. وكل إنسان يُحسِن الإقامة لِمَا هو فيه؛ يعطيه الله ثمرة هذا الحُسْن، والمثل: حين لا يتأبى فقير على قَدَرِ الله أن جعله فقيراً، ويحاول أن يُحسن ويُتقِن ما يعمل، فيوضح الله بحُسْن الجزاء: أنت قبلت قدري، وأحسنت عملك؛ فخُذْ الجزاء الطيب. وهذا حال عظماء الدنيا كلهم. وهكذا نجد قول الحق سبحانه: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22]. لا ينطبق على يوسف وحده؛ بل على كل مَنْ يحسن استقبال قَدَرِ الله؛ لأنه سبحانه ساعة يأتي بحُكْم من الأحكام؛ وبعد ذلك يعمِّم الحكم؛ فهذا يعني أن هذا الحكم ليس خاصاً بل هو عام. وإذا كان الحق سبحانه يورد هذا في مناسبة بعينها، فإنه يقرر بعدها أن كل مُحْسِن يعطيه الله الحُكْم والعلم. وقول الحق سبحانه: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ..} [يوسف: 22]. يوحي لنا أن يوسف عليه السلام كان قد بلغ مرحلة الفتوة، وهنا بدأت متاعبه في القَصْر، ففي طفولته نظرتْ إليه امرأة العزيز كطفل جميل؛ فلم يكُنْ يملك ملامح الرجولة التي تهيج أنوثتها. أما بعد البلوغ فنجد حالها قد تغيَّر، فقد بدأت تدرك مفاتنه؛ وأخذ خيالها يسرح فيما هو أكثر من الإدراك، وهو التهاب الوجدان بالعاطفة المشبوبة، وما بعد الإدراك والوجدان يأتي النزوع. ولو كانت محجوبة عنه؛ لما حدثت الغواية بالإدراك والوجدان. وهذا يعطينا عِلَّة غَضِّ البصر عن المثيرات الجنسية؛ لأنك إنْ لم تغضّ البصر أدركتَ، وإن أدركتَ وجدتَ، وإن وجدتَ نزعتَ إلى الزواج أو التعفف بالكبْت في النفس، وتعيش اضطراب القلق والتوتر، وإن لم تتعفف عربدتَ في أعراض الناس. وكذلك أمرنا الحق سبحانه ألا تُبدِي النساء زينتهن إلا لأناس حددهم الحق سبحانه في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ ..} تفسير : [النور: 31]. أي: الذي بلغ من العمر والشيخوخة حداً لا يجعله يفكر في الرغبة في النساء. وكانت نظرة امرأة العزيز إلى يوسف عليه السلام وهو في فتوته، بعد أن بلغ أَشُدَّه نظرةً مختلفة، يوضحها الله تعالى في قوله: {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بَلَغَ أَشُدَّهُ} معناه انتِهاءُ سِنّهِ وشَبابِهِ وَقُوتِهِ من قَبلُ أَن يَأَخُذَ فِي النُّقصَانِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي: مبلغ كمالية استعداده لقبول فيض الألوهية، {آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} أفضنا عليه سجال الحكمة الألوهية والعلم اللدني. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22] أي: كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة، والعلم بفضلنا وكرمنا، كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح؛ إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة. {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ} [يوسف: 23] يشير به إلى أن يوسف القلب وإن بلغ أعلى مراتبه على مقام الحقيقة وفنائه عن صفات الأنانية واستغراقه في بحر صفات اللاهوتية لا تنقطع عنه تصرفات زليخاء الدنيا ما دام هو في بيتها وهو الجسد، فإن الجسد للقلب بيت دنيوي، فالمعنى: إن روادت يوسف القلب زليخاء الدنيا التي يوسف القلب في بيتها أي: في الجسد الدنيوي وعن نفسه؛ لما رأت في نفسه تعلقه بالجسد داعية إلى الاحتظاظ من الحظوظ الدنيوية ليحتظ بها وتحتظ به. {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} [يوسف: 23] وهي أبواب أركان الشريعة يعني: إذا فتحت الدنيا على القلب أبواب شهواتها وحظوظها غلقت عليه أبواب الشريعة التي يدخل منها أنوار الرحمة والهداية ونفخات الألطاف والعناية. {وَقَالَتْ} [يوسف: 23] أي: الدنيا، {هَيْتَ لَكَ} [يوسف: 23] أقبل إليّ وأعرض عن الحق، {قَالَ} يعني: القلب الفاني عن نفسه الباقي بربه، {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ} [يوسف: 23] أي: عياذي بالله عمَّا سواه، {إِنَّهُ رَبِّيۤ} [يسوف: 23] رباني بلبان ألطاف ربوبيته، {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف: 23] مقامي في عالم الحقيقة فلا أعرض عنه، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] الذين يقبلون إلى الدنيا ويعرضون عن الولي. {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} [يوسف: 24] أي: همت الدنيا بالقلب لما رأت فيه من الحاجة الضرورية للإنسانية إليها، {وَهَمَّ بِهَا} [يوسف: 24] أي: هم القلب بها فوق الحاجة الضرورية إليها لما ركنت النفس الحريصةعلى الدنيا ولذاتها، {لَوْلاۤ أَن رَّأَى} [يوسف: 24] القلب، {بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] وهو نور القناعة التي في نتائج نظر العناية إلى قلوب الصادقين، {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ} [يوسف: 24] من القلب بنظر العناية {ٱلسُّوۤءَ} [يوسف: 24] وهو الحرص على الدنيا، {وَٱلْفَحْشَآءَ} [يوسف: 24] وهي تصرف حب الدنيا فيه {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا} [يوسف: 24] لا من عباد الدنيا وغيرها، {ٱلْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] مما سوانا أي: المخلصين في جنس الوجود المجازي، الموصلين إلى الوجود الحقيقي، وهذا مقام كمالية القلب أن يكون عبداً لله حرّاً عمَّا سواه، فانياً عن أوصاف وجوده، باقياً بأوصاف ربه. {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ} [يوسف: 25] يشير إلى أن يوسف القلب لما رأى برهان ربه وهو نور نظر العناية التي من نتائجها القناعة هرب من زلخياء الدنيا وما يخدع بزينتها وشهواتها اتبعته زليخاء الدنيا واستبقا الباب وهو الموت، فإن الموت باب بين الدنيا والآخرة وكل الناس داخله فمن خرج من باب دار الدنيا دخل دار الآخرة؛ لأن من مات فقد قامت قيامته، فتعلقت زليخاء الدنيا بيد شهواتها بذيل قميص بشرية يوسف القلب قبل خروجه من باب الموت الحقيقي. {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ} [يوسف: 25] بشريته، {مِن دُبُرٍ} [يوسف: 25] فلمَّا خرج يوسف من باب موت البشرية والصفات الحيوانية واتبعته زليخاء الدنيا، {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ} [يوسف: 25] وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخاء الدنيا، وإنما سمي سيدها؛ لأن أصحاب الولايات هم سادة الدنيا والآخرة، وهم الرجال على الحقيقة يتصرفون في الدنيا كتصرف الرجل في امرأته. {قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا} [يوسف: 25] يشير إلى ما جزاء قلب يتصرف في الدنيا بالسوء وهو على خلاف الشريعة ووفق الطبيعة، {إِلاَّ أَن يُسْجَنَ} [يوسف: 25] في سجن الصفات الذميمة النفسانية، {أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25] أي: يعذب بألم البعد والفراق، {قَالَ} [يوسف: 26] يوسف القلب وأظهر عداوة زليخاء الدنيا بعد أن خرقت قميص بشريته وخرج من باب الموت عن صفاتها، {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} [يوسف: 26] لأنها كانت مأمورة بخدمتي كما قال: "حديث : يادنيا اخدمي من خدمني"تفسير : وإني كنت فاراً منها، لقوله: {أية : فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الذاريات: 50]. {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} [يوسف: 26] أي: حكم بينهما حاكم وهو العقل الغريزي دون العقل المجرد، فإن الغريزي دنيوي والمجرد أخروي، فالمعنى أن حاكم العقل الغريزي الذي هو من أهل زليخاء حكم {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ} [يوسف: 26] أي: إن كان قميص بشرية يوسف القلب قد من قبل يدل على أن التابع كان يوسف القلب على قدمي الهوى والحرص، فعدل عن الصراط المستقيم بالعصمة وقدَّ قميص بشريته من قبل {فَصَدَقَتْ} [يوسف: 26] زليخاء الدنيا أنها متبوعة {وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ} [يوسف: 26] في دعواه إنها راودتني عن نفسي واتبعتني.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَلَمَّا بَلَغَ } يوسف { أَشُدَّهُ } أي: كمال قوته المعنوية والحسية، وصلح لأن يتحمل الأحمال الثقيلة، من النبوة والرسالة. { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } أي: جعلناه نبيا رسولا وعالما ربانيا، { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } في عبادة الخالق ببذل الجهد والنصح فيها، وإلى عباد الله ببذل النفع والإحسان إليهم، نؤتيهم من جملة الجزاء على إحسانهم علما نافعا. ودل هذا، على أن يوسف وفَّى مقام الإحسان، فأعطاه الله الحكم بين الناس والعلم الكثير والنبوة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 391 : 11 : 23 - سفين عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} قال، ثلث وتلثون [الآية 22].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):