Verse. 1619 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَرَاوَدَتْہُ الَّتِيْ ہُوَفِيْ بَيْتِہَا عَنْ نَّفْسِہٖ وَغَلَّقَتِ الْاَبْوَابَ وَقَالَتْ ہَيْتَ لَكَ۝۰ۭ قَالَ مَعَاذَ اللہِ اِنَّہٗ رَبِّيْۗ اَحْسَنَ مَثْوَايَ۝۰ۭ اِنَّہٗ لَا يُفْلِحُ الظّٰلِمُوْنَ۝۲۳
Warawadathu allatee huwa fee baytiha AAan nafsihi waghallaqati alabwaba waqalat hayta laka qala maAAatha Allahi innahu rabbee ahsana mathwaya innahu la yuflihu alththalimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وراودته التي هو في بيتها» هي زليخا «عن نفسه» أي طلبت منه أن يواقعها «وغلَّقت الأبواب» للبيت «وقالت» له «هيْت لك» أي هلم واللام للتبيين وفي قراءة بكسر الهاء وأخرى بضم التاء «قال معاذ الله» أعوذ بالله من ذلك «إنه» الذي اشتراني «ربي» سيدي «أحسن مثواي» مقامي فلا أخونه في أهله «إنه» أي الشأن «لا يفلح الظالمون» الزناة.

23

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن يوسف عليه السلام كان في غاية الجمال والحسن، فلما رأته المرأة طمعت فيه ويقال أيضاً إن زوجها كان عاجزاً يقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل واحد منها الوطء والجماع {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ } والسبب أن ذلك العمل لا يؤتى به إلا في المواضع المستورة لا سيما إذا كان حراماً، ومع قيام الخوف الشديد وقوله: {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ } أي أغلقتها قال الواحدي: وأصل هذا من قولهم في كل شيء تشبث في شيء فلزمه قد غلق يقال: غلق في الباطل وغلق في غضبه، ومنه غلق الرهن، ثم يعدى بالألف فيقال: أغلق الباب إذا جعله بحيث يعسر فتحه. قال المفسرون: وإنما جاء غلقت على التكثير لأنها غلقت سبعة أبواب، ثم دعته إلى نفسها. ثم قال تعالى: {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: هيت لك اسم للفعل نحو: رويداً، وصه، ومه. ومعناه هلم في قول جميع أهل اللغة، وقال الأخفش: {هَيْتَ لَكَ } مفتوحة الهاء والتاء، ويجوز أيضاً كسر التاء ورفعها. قال الواحدي: قال أبو الفضل المنذري: أفادني ابن التبريزي عن أبي زيد قال: هيت لك بالعبرانية هيالح، أي تعال عربه القرآن، وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى بكة فتكلموا بها. قال ابن الأنباري: وهذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في «القسطاس» ولغة العرب والفرس في السجيل ولغة العرب والترك في «الغساق» ولغة العرب والحبشة في «ناشئة الليل». المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان {هَيْتَ } بكسر الهاء وفتح التاء، وقرأ ابن كثير {هَيْتَ لَكَ } مثل حيث، وقرأ هشام بن عمار عن أبي عامر {أَحْلَلْنَا لَكَ } بكسر الهاء وهمز الياء وضم التاء مثل جئت من تهيأت لك، والباقون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء، ثم إنه تعالى قال: إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام قال يوسف عليه السلام: {مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ } فقوله: {مَعَاذَ ٱللَّهِ } أي أعوذ بالله معاذاً، والضمير في قوله: {أَنَّهُ } للشأن والحديث {رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ } أي ربي وسيدي ومالكي أحسن مثواي حين قال لك: أكرمي مثواه، فلا يليق بالعقل أن أجازيه على ذلك الإحسان بهذه الخيانة القبيحة {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } الذين يجازون الإحسان بالإساءة، وقيل: أراد الزناة لأنهم ظالمون أنفسهم أو لأن عملهم يقتضي وضع الشيء في غير موضعه، وههنا سؤالات: السؤال الأول: أن يوسف عليه السلام كان حراً وما كان عبداً لأحد فقوله: {إِنَّهُ رَبّى } يكون كذباً وذلك ذنب وكبيرة. والجواب: أنه عليه السلام أجرى هذا الكلام بحسب الظاهر وعلى وفق ما كانوا يعتقدون فيه من كونه عبداً له وأيضاً أنه رباه وأنعم عليه بالوجوه الكثيرة فعنى بكونه رباً له كونه مربياً له، وهذا من باب المعاريض الحسنة، فإن أهل الظاهر يحملونه على كونه رباً له وهو كان يعني به أنه كان مربياً له ومنعماً عليه. السؤال الثاني: هل يدل قول يوسف عليه السلام: {مَعَاذَ ٱللَّهِ } على صحة مذهبنا في القضاء والقدر. والجواب: أنه يدل عليه دلالة ظاهرة لأن قوله عليه السلام أعوذ بالله معاذاً، طلب من الله أن يعيذه من ذلك العمل، وتلك الإعاذة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل والآلة، وإزاحة الأعذار، وإزالة الموانع وفعل الألطاف، لأن كل ما كان في مقدور الله تعالى من هذا الباب فقد فعله، فيكون ذلك إما طلباً لتحصيل الحاصل، أو طلباً لتحصيل الممتنع وأنه محال فعلمنا أن تلك الإعاذة التي طلبها يوسف من الله تعالى لا معنى لها، إلا أن يخلق فيه داعية جازمة في جانب الطاعة وأن يزيل عن قلبه داعية المعصية، وذلك هو المطلوب، والدليل على أن المراد ما ذكرناه ما نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقع بصره على زينب قال: « حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » تفسير : وكان المراد منه تقوية داعية الطاعة، وإزالة داعية المعصية فكذا ههنا، وكذا قوله عليه السلام: « حديث : قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن » تفسير : فالمراد من الأصبعين داعية الفعل، وداعية الترك وهاتان الداعيتان لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى، وإلا لافتقرت إلى داعية أخرى ولزم التسلسل فثبت أن قول يوسف عليه السلام: {مَعَاذَ ٱللَّهِ } من أدل الدلائل على قولنا والله أعلم. السؤال الثالث: ذكر يوسف عليه السلام في الجواب عن كلامها ثلاثة أشياء: أحدها: قوله: {مَعَاذَ ٱللَّهِ } والثاني: قوله تعالى عنه: {إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ } والثالث: قوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } فما وجه تعلق بعض هذا الجواب ببعض؟ والجواب: هذا الترتيب في غاية الحسن، وذلك لأن الانقياد لأمر الله تعالى وتكليفه أهم الأشياء لكثرة إنعامه وألطافه في حق العبد فقوله: {مَعَاذَ ٱللَّهِ } إشارة إلى أن حق الله تعالى يمنع عن هذا العمل، وأيضاً حقوق الخلق واجبة الرعاية، فلما كان هذا الرجل قد أنعم في حقي يقبح مقابلة إنعامه وإحسانه بالإساءة، وأيضاً صون النفس عن الضرر واجب، وهذه اللذة لذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة، واللذة القليلة إذا لزمها ضرر شديد، فالعقل يقتضي تركها والاحتزاز عنها فقوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } إشارة إليه، فثبت أن هذه الجوابات الثلاثة مرتبة على أحسن وجوه الترتيب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ} وهي ٱمرأة العزيز، طلبت منه أن يواقعها. وأصل المراودة الإرادة والطلب برفق ولين. والرَّوْد والرِّياد طلب الكلأ؛ وقيل: هي من رويد؛ يقال: فلان يمشي رُوَيْداً، أي برفق؛ فالمراودة الرفق في الطلب؛ يقال في الرجل: راودها عن نفسها، وفي المرأة راودته عن نفسه. والرّود التأنِّي؛ يقال: أرْوَدَني أمهلني. {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} غلّق للكثير، ولا يقال: غَلَق البابَ؛ وأَغلقَ يقع للكثير والقليل؛ كما قال الفَرَزْدق في أبي عمرو بن العلاء:شعر : ما زلتُ أُغلق أبواباً وأفتحُهَا حتى أتيتُ أبا عمرو بن عمّارِ تفسير : يقال: إنها كانت سبعة أبواب غلّقتها ثم دعته إلى نفسها. {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} أي هَلُمَّ وأقْبِلْ وتَعالَ؛ ولا مصدر له ولا تصريف. قال النحاس: فيها سبع قراءات؛ فمن أجلّ ما فيها وأصحّه إسناداً ما رواه الأعمش عن أبي وائِل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ «هَيْتَ لَكَ» قال فقلت: إن قوماً يقرؤونها «هِيتَ لك» فقال: إنما أقرأ كما عُلّمت. قال أبو جعفر: وبعضهم يقول عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يبعد ذلك؛ لأن قوله: إنما أقرأ كما علّمت يدلّ على أنه مرفوع، وهذه القراءة بفتح التاء والهاء هي الصحيحة من قراءة ٱبن عباس وسعيد بن جُبير والحسن ومجاهد وعكرمة؛ وبها قرأ أبو عمرو بن العلاء وعاصم والأعمش وحمزة والكسائيّ. قال عبد الله بن مسعود: لا تقطعوا في القرآن؛ فإنما هو مثل قول أحدكم: هَلمّ وتَعالَ. وقرأ ٱبن أبي إسحق النحوي «قَالَتْ هَيْتِ لَكَ» بفتح الهاء وكسر التاء. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميّ وٱبن كثير «هَيْتُ لَكَ» بفتح الهاء وضم التاء؛ قال طَرَفة:شعر : ليس قوميِ بالأبْعَدِين إذا ما قال داعٍ من العَشيرة هَيْتُ تفسير : فهذه ثلاث قراءات الهاء فيهنّ مفتوحة. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع «وَقَالَتْ هِيتَ لَكَ» بكسر الهاء وفتح التاء. وقرأ يحيـى بن وثّاب «وَقَالَت هِيْتُ لَكَ» بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة والتاء مضمومة. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس ومجاهد وعكرمة: «وَقَالَتْ هِئْتُ لَكَ» بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة والتاء مضمومة. وعن ابن عامر وأهل الشام: «وَقَالَتْ هِئْتَ» بكسر الهاء وبالهمزة وبفتح التاء؛ قال أبو جعفر: «هئْتَ لَكَ» بفتح التاء لالتقاء الساكنين، لأنه صوت نحو مَهْ وصَهْ يجب ألاّ يعرب، والفتح خفيف؛ لأن قبل التاء ياء مثل أيْنَ وكيفَ؛ ومَن كسر التاء فإنما كسرها لأن الأصل الكسر؛ لأن الساكن إذا حرّك حرّك إلى الكسر، ومن ضم فلأن فيه معنى الغاية؛ أي قالت: دعائي لك، فلما حذفت الإضافة بني على الضم؛ مثل حيثُ وبعدُ. وقراءة أهل المدينة فيها قولان: أحدهما ـ أن يكون الفتح لالتقاء الساكنين كما مرّ. والآخر ـ أن يكون فعلاً من هَاءَ يَهِيء مثل جاء يجيء؛ فيكون المعنى في «هِئْتَ» أي حسنت هيئتك، ويكون «لَكَ» من كلام آخر، كما تقول: لكَ أعني. ومن همز وضم التاء فهو فعل بمعنى تهيأتُ لك؛ وكذلك من قرأ «هِيتُ لَكَ». وأنكر أبو عمرو هذه القراءة؛ قال أبو عبيدة ـ مُعْمَر بن المُثَنَّى: سئل أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر الهاء وضم التاء مهموزاً فقال أبو عمرو: باطل؛ جعلها من تهيأت! ٱذهب فاستعرِضِ العربَ حتى تنتهي إلى اليمن هل تعرف أحداً يقول هذا؟ٰ وقال الكسائي أيضاً: لم تُحكَ «هِئتُ» عن العرب. قال عِكرمة: «هِئتُ لَكَ» أي تهيأت لك وتزينت وتحسنت، وهي قراءة غير مرضية، لأنها لم تسمع في العربية. قال النحاس: وهي جيِّدة عند البصريين؛ لأنه يقال: هَاءَ الرجلُ يَهاء ويَهِيىء هيأةً فهاء يَهيء مثل جاء يجيء وهِئتُ مثل جئت. وكسر الهاء في «هيت» لغة لقوم يؤثرون كسر الهاء على فتحها. قال الزجاج: أجود القراءات «هَيْتَ» بفتح الهاء والتاء؛ قال طَرَفة:شعر : ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داعٍ من العشيرة هَيْتَ تفسير : بفتح الهاء والتاء. وقال الشاعر في علي بن أبي طالب رضي الله عنه: شعر : أَبلغْ أمير المؤمـ ـنينَ أخا العراقِ إذا أَتيتَا إنّ العراقَ وأهلُه سِلْمٌ إليك فَهَيْتَ هَيْتَا تفسير : قال ابن عباس والحسن: «هيت» كلمة بالسريانية تدعوه إلى نفسها. وقال السُّديّ: معناها بالقبطية هلمّ لك. قال أبو عبيد: كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حَوْران وقعت إلى أهل الحجاز معناه تعالَ؛ قال أبو عبيد: فسألت شيخاً عالماً من حَوْرَان فذكر أنها لغتهم؛ وبه قال عِكْرمة. وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها، وهي كلمة حثّ وإقبال على الأشياء؛ قال الجوهريّ: يقال هَوَّتَ به وهَيَّتَ به إذا صاح به ودعاه؛ قال:شعر : قد رَابَنِي أَنَّ الْكَريَّ أَسْكَتَا لو كان مَعْنِيًّا بها لَهَيَّتَا تفسير : أي صاح؛ وقال آخر:شعر : يَحْـدو بهـا كـلُّ فتًـى هَيَّـاتِ تفسير : قوله تعالى: {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ} أي أعوذ بالله وأستجير به مما دعوتني إليه؛ وهو مصدر، أي أعوذ بالله مَعاذا؛ فيحذف المفعول وينتصب المصدر بالفعل المحذوف، ويضاف المصدر إلى ٱسم الله كما يضاف المصدر إلى المفعول، كما تقول: مررت بزيد مرورَ عمرو أي كمروري بعمرو. {إِنَّهُ رَبِّيۤ} يعني زوجها، أي هو سيّدي أكرمني فلا أخونه؛ قاله مجاهد وابن إسحق والسدّي. وقال الزجاج: أي إن الله ربي تولاني بلطفه، فلا أركب ما حرّمه. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} وفي الخبر أنها قالت له: يا يوسف! ما أحسن صورة وجهك! قال: في الرَّحِم صوّرني رَبِّي؛ قالت: يا يوسف ما أحسن شَعْرك! قال: هو أول شيء يَبْلَى منّي في قبري؛ قالت: يا يوسف! ما أحسن عينيك؟ قال: بهما أنظر إلى ربيّ. قالت: يا يوسف! ٱرفع بصرك فٱنظر في وجهي، قال: إني أخاف العمى في آخرتي. قالت يا يوسف! أدنو منك وتتباعد مني؟ قال: أريد بذلك القرب من ربيّ. قالت: يا يوسف القَيْطون (فرشته لك) فٱدخل معي، قال: القَيْطُون لا يسترني من ربيّ. قالت: يا يوسف فراش الحرير قد فرشته لك، قم فاقض حاجتي، قال: إذًا يذهب من الجنة نصيبي؛ إلى غير ذلك من كلامها وهو يراجعها؛ إلى أن همّ بها. وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يَمِلْن إلى يوسف مَيْل شهوة حتى نبأه الله، فألقى عليه هيبة النبوّة؛ فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه. وٱختلف العلماء في همّه؛ ولا خلاف أن همّها كان المعصية، وأما يوسف فهمّ بها {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} ولكن لما رأى البرهان ما همّ؛ وهذا لوجوب العصمة للأنبياء؛ قال الله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} فإذًا في الكلام تقديم وتأخير؛ أي لولا أن رأى برهان ربه همّ بها. قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} الآية، قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير؛ كأنه أراد ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها. وقال أحمد بن يحيـى: أي همت زليخاء بالمعصية وكانت مصِرّة، وهمّ يوسف ولم يواقع ما همّ به؛ فبين الهمتين فرق، ذكر هذين القولين الهرويّ في كتابه. قال جميل:شعر : هَمَمْتُ بِهَمٍّ من بُثَينةَ لو بَدَا شَفيتُ غَليلاتِ الهوَى من فُؤاديَا تفسير : آخر:شعر : هَمَمْتُ ولم أفعلْ وكدتُ وليتني تَركتُ على عثمان تبكي حلائلهُ تفسير : فهذا كله حديث نفس من غير عزم. وقيل: همّ بها تمنى زوجيتها. وقيل: همّ بها أي بضربها ودفعها عن نفسه، والبرهان كفه عن الضرب؛ إذ لو ضربها لأوهم أنه قصدها بالحرام فامتنعت فضربها. وقيل: إن همّ يوسف كان معصية، وأنه جلس منها مجلس الرجل من امرأته؛ وإلى هذا القول ذهب معظم المفسرين وعامتهم، فيما ذكر القُشيريّ أبو نصر، وٱبن الأنباريّ والنحاس والماورديّ وغيرهم. قال ٱبن عباس: حلّ الهِمْيان وجلس منها مجلس الخاتن، وعنه: ٱستلقت على قفاها وقعد بين رجليها ينزع ثيابه. وقال سعيد بن جُبير: أطلق تِكَّة سراويله. وقال مجاهد: حلّ السراويل حتى بلغ الأليتين، وجلس منها مجلس الرجل من ٱمرأته. قال ٱبن عباس: ولما قال: {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [يوسف: 52] قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف؟ٰ فقال عند ذلك: {أية : وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} تفسير : [يوسف: 53]. قالوا: والانكفاف في مثل هذه الحالة دالٌّ على الإخلاص، وأعظم للثواب. قلت: وهذا كان سبب ثناء الله تعالى على ذي الكِفل حسب ما يأتي بيانه في «صۤ» إن شاء الله تعالى. وجواب «لولا» على هذا محذوف؛ أي لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما همّ به؛ ومثله {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر: 5] وجوابه لم تتنافسوا؛ قال ٱبن عطية: روي هذا القول عن ابن عباس وجماعة من السلف، وقالوا: الحكمة في ذلك أن يكون مثلاً للمذنبين ليروا أن توبتهم ترجع إلى عفو الله تعالى كما رجعت ممن هو خير منهم، ولم يوبقه القرب من الذنب، وهذا كله على أن همّ يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة إلى أن جلس بين رجلي زليخاء وأخذ في حلّ ثيابه وتِكَّته ونحو ذلك، وهي قد ٱستلقت له؛ حكاه الطبريّ. وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: وٱبن عباس ومن دونه لا يختلفون في أنه همّ بها، وهم أعلم بالله وبتأويل كتابه، وأشدّ تعظيماً للأنبياء من أن يتكلموا فيهم بغير علم. وقال الحسن: إن الله عز وجل لم يذكر معاصي الأنبياء ليعيرهم بها؛ ولكنه ذكرها لكيلا تيأسوا من التوبة. قال الغزنويّ: مع أن لزلة الأنبياء حِكَماً: زيادة الوجل، وشدّة الحياء بالخجل، والتخلّي عن عجب العمل، والتلذذ بنعمة العفو بعد الأمل، وكونهم أئمة رجاء أهل الزلل. قال القُشيريّ أبو نصر: وقال قوم جرى من يوسف همّ، وكان ذلك (الهم) حركة طبع من غير تصميم للعقد على الفعل؛ وما كان من هذا القبيل لا يؤخذ به العبد، وقد يخطر بقلب المرء وهو صائم شرب الماء البارد، وتناول الطعام اللذيذ، فإذا لم يأكل ولم يشرب، ولم يصمم عزمه على الأكل والشرب لا يؤاخذ بما هجس في النفس؛ والبرهان صرفه عن هذا الهمّ حتى لم يصر عزماً مصمماً. قلت: هذا قول حسن؛ وممن قال به الحسن. قال ٱبن عطية: الذي أقول به في هذه الآية إن كون يوسف نبياً في وقت هذه النازلة لم يصح، ولا تظاهرت به رواية؛ وإذا كان كذلك فهو مؤمن قد أوتي حُكماً وعلماً، ويجوز عليه الهمّ الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته وأن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة؛ وإن فرضناه نبياً في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهمّ الذي هو خاطر، ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حلّ تِكّته ونحوه؛ لأن العصمة مع النبوّة. وما روي من أنه قيل له: «تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء» فإنما معناه العِدَة بالنبوّة فيما بعد. قلت: ما ذكره من (هذا) التفصيل صحيح؛ لكن قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} يدلّ على أنه كان نبيًّا على ما ذكرناه، وهو قول جماعة من العلماء؛ وإذا كان نبيّا فلم يبق إلاّ أن يكون الهمّ الذي همّ به ما يخطر في النفس ولا يثبت في الصدر؛ وهو الذي رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق، إذ لا قدرة للمكلَّف على دفعه؛ ويكون قوله: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} ـ إن كان من قول يوسف ـ أي من هذا الهمّ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف، لمخالفة النفس لما زكّي به قبل وبريء؛ وقد أخبر الله تعالى عن حال يوسف من حين بلوغه فقال: «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً» على ما تقدّم بيانه، وخبر الله تعالى صدق، ووصفه صحيح، وكلامه حق؛ فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزّنى ومقدماته، وخيانة السيد والجار والأجنبي في أهله؛ فما تعرّض لامرأة العزيز، ولا أجاب إلى المراودة، بل أدبر عنها وفرّ منها؛ حكمة خص بها، وعملاً بمقتضى ما علّمه الله. وفي صحيح مسلم عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ٱرقبوه فإن عملها فٱكتبوها له بمثلها وإن تركها فٱكتبوها له حسنة إنما تركها من جَرَّاي» تفسير : .وقال عليه السلام مخبراً عن ربه:«حديث : إذا همّ عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت حسنة» تفسير : فإن كان ما يهم به العبد من السيئة يكتب له بتركها حسنة فلا ذنب؛ وفي الصحيح: «حديث : إن الله تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تَكلّم به» تفسير : وقد تقدّم. قال ٱبن العربي: كان بمدينة السلام إمام من أئمة الصوفية، ـ وأيّ إمام ـ يعرف بابن عطاء! تكلمّ يوماً على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه؛ فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة فقال: يا شيخ! يا سيدنا فإذًا يوسف همّ وما تَمَّ؟ قال: نعم! لأن العناية من ثَمَّ. فانظر إلى حلاوة العالم والمتعلم، وٱنظر إلى فطنة العامي في سؤاله، وجواب العالم في ٱختصاره وٱستيفائه؛ ولذلك قال علماء الصوفية: إن فائدة قوله: «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلماً» إنما أعطاه ذلك إبان غلبة الشهوة لتكون له سبباً للعصمة. قلت: وإذا تقررت عصمته وبراءته بثناء الله تعالى عليه فلا يصح ما قال مُصْعَب بن عثمان: إن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجهاً، فاشتاقته امرأة فسامته نفسها فامتنع عليها وذكّرها، فقالت: إن لم تفعل لأشهرنك؛ فخرج وتركها، فرأى في منامه يوسف الصديق عليه السلام جالساً فقال: أنت يوسف؟ فقال: أنا يوسف الذي هممتُ، وأنت سليمان الذي لم تهمّ؟ فإن هذا يقتضي أن تكون درجة الولاية أرفع من درجة النبوّة وهو محال؛ ولو قدّرنا يوسف غير نبي فدرجته الولاية، فيكون محفوظاً كهو؛ ولو غلقت على سليمان الأبواب، وروجع في المقال والخطاب، والكلام والجواب مع طول الصحبة لخيف عليه الفتنة، وعظيم المحنة، والله أعلم. قوله تعالى: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} («أن» في موضع رفع أي لولا رؤية برهان ربه) والجواب محذوف لعلم السامع؛ أي لكان ما كان. وهذا البرهان غير مذكور في القرآن؛ فرُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن زليخاء قامت إلى صنم مكلّل بالدرّ والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال: ما تصنعين؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني في هذه الصورة؛ فقال يوسف: أنا أولى أن أستحي من الله؛ وهذا أحسن ما قيل فيه، لأن فيه إقامة الدليل. وقيل: رأى مكتوباً في سقف البيت {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 32]. وقال ابن عباس: بدت كفّ مكتوب عليها {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} تفسير : [الانفطار:10] وقال قوم: تذكر عهد الله وميثاقه. وقيل: نودي يا يوسف أنت مكتوب في (ديوان) الأنبياء وتعمل عمل السفهاء؟! وقيل: رأى صورة يعقوب على الجدران عاضاً على أنملته يتوعده فسكن، وخرجت شهوته من أنامله؛ قاله قَتادة ومجاهد والحسن والضّحاك وأبو صالح وسعيد بن جُبير. وروى الأعمش عن مجاهد قال: حلّ سراويله فتمثل له يعقوب، وقال له: يا يوسف! فولّى هارباً. وروى سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جُبير قال: مثل له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله؛ قال مجاهد: فولد لكل واحد من أولاد يعقوب ٱثنا عشر ذكراً إلا يوسف لم يولد له إلا غلامان، ونقص بتلك الشهوة ولده؛ وقيل غير هذا. وبالجملة: فذلك البرهان آية من آيات الله أراها الله يوسف حتى قوي إيمانه، وٱمتنع عن المعصية. قوله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ} الكاف من «كَذَلِكَ» يجوز أن تكون رفعاً، بأن يكون خبر ٱبتداء محذوف، التقدير: البراهين كذلك، ويكون نعتاً لمصدر محذوف؛ أي أريناه البراهين رؤية كذلك. والسوء الشهوة، والفحشاء المباشرة. وقيل: السوء الثناء القبيح، والفحشاء الزنى. وقيل: السوء خيانة صاحبه، والفحشاء ركوب الفاحشة. وقيل: السوء عقوبة الملك العزيز. وقرأ ٱبن كثير وأبو عمرو وٱبن عامر «المخلِصين» بكسر اللام؛ وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله. وقرأ الباقون بفتح اللام، وتأويلها: الذين أخلصهم الله لرسالته؛ وقد كان يوسف صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين؛ لأنه كان مخلِصاً في طاعة الله تعالى، مستخلَصاً لرسالة الله تعالى.

البيضاوي

تفسير : {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ} طلبت منه وتمحلت أن يواقعها، من راد يرود إذا جاء وذهب لطلب شيء ومنه الرائد. {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} قيل كانت سبعة والتشديد للتكثير أو للمبالغة في الإِيثاق. {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} أي أقبل وبادر، أو تهيأت والكلمة على الوجهين اسم فعل بني على الفتح كأين واللام للتبيين كالتي في سقيا لك. وقرأ ابن كثير بالضم وفتح الهاء تشبيهاً له بحيث، ونافع وابن عامر بالفتح وكسر الهاء كعيط. وقرأ هشام كذلك إلا أنه يهمز. وقد روي عنه ضم التاء وهو لغة فيه. وقرىء {هَيْتَ} كجير و «هئت» كجئت من هاء يهيىء إذا تهيأ وقرىء هيئت وعلى هذا فاللام من صلته. {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ} أعوذ بالله معاذاً. {إِنَّهُ} إن الشأن. {رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ} سيدي قطفير أحسن تعهدي إذ قال لك في {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ} فما جزاؤه أن أخونه في أهله. وقيل الضمير لله تعالى أي إنه خالقي أحسن منزلتي بأن عطف على قلبه فلا أعصيه. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} المجازون الحسن بالسيء. وقيل الزناة فإن الزنا ظلم على الزاني والمزني بأهله.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه، فراودته عن نفسه، أي: حاولته على نفسه، ودعته إليها، وذلك انها أحبته حباً شديداً؛ لجماله وحسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجملت له، وغلقت عليه الأبواب، ودعته إلى نفسها، {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و{قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبِّىۤ أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ} وكانوا يطلقون الرب على السيد الكبير، أي: إن بعلك ربي أحسن مثواي، أي: منزلي، وأحسن إلي، فلا أقابله بالفاحشة في أهله {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}، قال ذلك مجاهد والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وقد اختلف القراء في قوله: {هَيْتَ لَكَ} فقرأه كثيرون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء، وقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: معناه: أنها تدعوه إلى نفسها. وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: هيت لك، تقول هلم لك، وكذا قال زر بن حبيش وعكرمة والحسن وقتادة. قال عمرو بن عبيد عن الحسن: وهي كلمة بالسريانية، أي: عليك. وقال السدي: هيت لك، أي: هلم لك، وهي بالقبطية. وقال مجاهد: هي لغة عربية تدعوه بها. وقال البخاري: وقال عكرمة: هيت لك، أي: هلم لك بالحورانية. وهكذا ذكره معلقاً. وقد أسنده الإمام جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن سُهَيْل الواسطي، حدثنا قرة بن عيسى، حدثنا النضر بن عربي الجزري عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: {هَيْتَ لَكَ} قال: هلم لك، قال: هي بالحورانية، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكان الكسائي يحكي هذه القراءة، يعني: هيت لك، ويقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز، ومعناها: تعال. وقال أبو عبيدة: سألت شيخاً عالماً من أهل حوران، فذكر أنها لغتهم يعرفها، واستشهد الإمام ابن جرير على هذه القراءة بقول الشاعر لعلي ابن أبي طالب رضي الله عنه:شعر : أَبْلِغْ أميرَ المُؤْمِنـ ـينَ أخا العِراق إذا أتينا إنَّ العراقَ وأهلَهُ عُنُقٌ إليكَ فَهَيْتَ هَيْتا تفسير : يقول: فتعال واقترب، وقرأ ذلك آخرون: هئت لك، بكسر الهاء والهمزة وضم التاء، بمعنى تهيأت لك، من قول القائل: هئت بالأمر أهيء هئة، وممن روي عنه هذه القراءة: ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو وائل وعكرمة وقتادة، وكلهم يفسرها بمعنى تهيأت لك. قال ابن جرير: وكان أبو عمرو والكسائي ينكران هذه القراءة، وقرأ عبد الله بن إسحاق: هيت، بفتح الهاء وكسر التاء، وهي غريبة، وقرأ آخرون منهم عامة أهل المدينة: هيت، بفتح الهاء وضم التاء، وأنشد قول الشاعر:شعر : لَيْسَ قَوْمي بالأَبْعَدين إذا ما قالَ داعٍ مِنَ العشيرةِ هَيْتُ تفسير : قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: قال ابن مسعود - وقد سمع القراء -: سمعتهم متقاربين، فاقرؤوا كما علمتم، وإياكم والتنطع والاختلاف، وإنما هو كقول أحدكم: هلم، وتعال. ثم قرأ عبد الله: هَيْتَ لك، فقال: يا أبا عبد الرحمن إن ناساً يقرؤونها هيتُ. قال عبد الله: أن أقرأها كما علمت أحبُّ إليّ. وقال ابن جرير: حدثني ابن وكيع، حدثنا ابن عيينة عن منصور، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: هَيْتَ لك، فقال له مسروق: إن ناساً يقرؤونها: هَيْتُ لك، فقال: دعوني فإني أقرأ كما أُقْرِئْتُ، أحبُّ إليّ، وقال أيضاً: حدثني المثنى، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة عن شقيق، عن ابن مسعود، قال: هَيْتَ لك، بنصب الهاء والتاء، وبلا همز. وقال آخرون: "هِيْتُ لك"، بكسر الهاء، وإسكان الياء، وضم التاء. قال أبو عبيد معمر بن المثنى: هَيْتَ لا تثنى، ولا تجمع، ولا تؤنث، بل يخاطب الجميع بلفظ واحد، فيقال: هيتَ لك، وهيتَ لكم، وهيتَ لكما، وهيت لكن، وهيتَ لهن.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا } هي زليخا {عَن نَّفْسِهِ } أي طلبت منه أن يواقعها {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ } للبيت {وَقَالَتِ } له {هَيْتَ لَكَ } أي هلمّ، واللام للتبيين. وفي قراءة بكسر الهاء وأخرى بضم التاء {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ } أعوذ بِاللّه من ذلك {إِنَّهُ } أي الذي اشتراني {رَبِّى } سيدي {أَحْسَنَ مَثْوَاى } مقامي فلا أخونه في أهله { إَِنَّهُ } أي الشأن {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ } الزناة.

الشوكاني

تفسير : المراودة: الإرادة والطلب برفق ولين وقيل: هي مأخوذة من الرود أي: الرفق والتأني، يقال أرودني: أمهلني. وقيل: المراودة مأخوذة من راد يرود إذا جاء وذهب. كأن المعنى: أنها فعلت في مراودتها له فعل المخادع، ومنه الرائد لمن يطلب الماء والكلأ، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها، وراودته هي عن نفسه: إذا حاول كل واحد منهما الوطء والجماع، وهي مفاعلة، وأصلها أن تكون من الجانبين، فجعل السبب هنا في أحد الجانبين قائماً مقام المسبب، فكأن يوسف عليه السلام لما كان ما أعطيه من كمال الخلق والزيادة في الحسن سبباً لمراودة امرأة العزيز له مراود. وإنما قال: {ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا } ولم يقل: امرأة العزيز، وزليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان التصريح باسم المرأة والمحافظة على الستر عليها {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ } قيل: في هذه الصيغة ما يدلّ على التكثير، فيقال: غلق الأبواب، ولا يقال: غلق الباب، بل يقال: أغلق الباب، وقد يقال: أغلق الأبواب، ومنه قول الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء:شعر : ما زلت أغلق أبواباً وأفتحها حتى أتيت أبا عمرو بن عمار تفسير : قيل: وكانت الأبواب سبعة. قوله: {هَيْتَ لَكَ }. قرأ أبو عمرو، وعاصم، والكسائي، وحمزة، والأعمش بفتح الهاء وسكون الياء وفتح التاء، وبها قرأ ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وعكرمة. قال ابن مسعود: لا تنطعوا في القراءة، فإنما هو مثل قول أحدكم: هلمّ وتعال، وقرأ ابن أبي إسحاق النحوي بفتح الهاء وكسر التاء. وقرأ عبد الرحمٰن السلمي وابن كثير "هيت" بفتح الهاء وضم التاء، ومنه قول طرفة:شعر : كيْسَ قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هَيتُ تفسير : وقرأ أبو جعفر ونافع بكسر الهاء وسكون الياء وفتح التاء. وقرأ عليّ وابن عباس في رواية عنه وهشام بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة وضم التاء. وقرأ ابن عامر وأهل الشام بكسر الهاء وبالهمزة وفتح التاء. ومعنى «هيت» على جميع القراءات معنى هلمّ وتعال؛ لأنها من أسماء الأفعال إلاّ في قراءة من قرأ بكسر الهاء بعدها همزة وتاء مضمومة. فإنها بمعنى: تهيأت لك. وأنكر أبو عمرو هذه القراءة. وقال أبو عبيدة: سئل أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر الهاء والهمزة وضم التاء فقال: باطل جعلها بمعنى تهيأت، اذهب فاستعرض العرب حتى تنتهي إلى اليمن، هل تعرف أحداً يقول هكذا؟ وأنكرها أيضاً الكسائي. وقال النحاس: هي جيدة عند البصريين؛ لأنه يقال: هاء الرجل يهاء ويهيء هيئة، ورجح الزجاج القراءة الأولى، وأنشد بيت طرفة المذكور هيتا بالفتح، ومنه قول الشاعر في عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه:شعر : أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا أن العراق وأهله سلم إليك فهيت هيتا تفسير : وتكون اللام في {لَكَ } على القراءات الأولى التي هي فيها بمعنى اسم الفعل للبيان، أي: لك. أقول هذا كما في هلمّ لك. قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاث: فالفتح للخفة، والكسر لالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث، وإذا بين باللام نحو: {هيت لك} فهو صوت قائم مقام المصدر كأف له، أي: لك أقول هذا، وإن لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر الفعل فيكون اسم فعل، إما خبر أي: تهيأت، وإما أمر أي: أقبل. وقال في الصحاح: يقال: هوّت به وهيت به إذا صاح به ودعاه، ومنه قول الشاعر:شعر : يحدو بها كل فتى هيات تفسير : وقد روي عن ابن عباس والحسن أنها كلمة سريانية معناها أنها تدعوه إلى نفسها. قال أبو عبيدة: كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز معناها تعال. قال أبو عبيدة: فسألت شيخاً عالماً من حوران فذكر أنها لغتهم. {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ } أي: أعوذ بالله معاذاً مما دعوتني إليه، فهو مصدر منتصب بفعل محذوف مضاف إلى اسم الله سبحانه، وجملة {إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ } تعليل للامتناع الكائن منه ببعض الأسباب التي هي أقرب إلى فهم امرأة العزيز، والضمير للشأن أي: إن الشأن ربي، يعني: العزيز أي سيدي الذي رباني وأحسن مثواي حيث أمرك بقوله: {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ }، فكيف أخونه في أهله وأجيبك إلى ما تريدين من ذلك؟ وقال الزجاج: إن الضمير لله سبحانه أي: إن الله ربي تولاني بلطفه فلا أركب ما حرّمه، وجملة {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تعليل آخر للامتناع منه عن إجابتها، والفلاح: الظفر. والمعنى: أنه لا يظفر الظالمون بمطالبهم، ومن جملة الظالمين الواقعون في مثل هذه المعصية التي تطلبها امرأة العزيز من يوسف. قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } يقال: همّ بالأمر إذا قصده وعزم عليه. والمعنى: أنه همّ بمخالطتها كما همت بمخالطته ومال كل واحد منهما إلى الآخر بمقتضى الطبيعة البشرية والجبلة الخلقية، ولم يكن من يوسف عليه السلام القصد إلى ذلك اختياراً كما يفيده ما تقدّم من استعاذته بالله، وإن ذلك نوع من الظلم. ولما كان الأنبياء معصومين عن الهمّ بالمعصية والقصد إليها شطح أهل العلم في تفسير هذه الآية بما فيه نوع تكلف، فمن ذلك ما قاله أبو حاتم قال: كنت أقرأ على أبي عبيدة غريب القرآن، فلما أتيت على {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } قال: هذا على التقديم والتأخير: كأنه قال: ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها. وقال أحمد بن يحيـى ثعلب: أي همت زليخا بالمعصية وكانت مصرّة، وهمّ يوسف ولم يوقع ما همّ به، فبين الهمين فرق، ومن هذا قول الشاعر:شعر : هممت بهم من ثنية لؤلؤ شفيت غليلات الهوى من فؤاديا تفسير : فهذا إنما هو حديث نفس من غير عزم، وقيل همّ بها بمعنى تمنى أن يتزوّجها. وقد ذهب جمهور المفسرين من السلف والخلف إلى ما قدّمنا من حمل اللفظ على معناه اللغوي، ويدل على هذا ما سيأتي من قوله: {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [يوسف: 52]، وقوله: {أية : وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوء }تفسير : [يوسف: 53] ومجرد الهمّ لا ينافي العصمة، فإنها قد وقعت العصمة عن الوقوع في المعصية، وذلك المطلوب، وجواب "لو" في {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } محذوف: أي لولا أن رأى برهان ربه لفعل ما همّ به. واختلف في هذا البرهان الذي رآه ما هو؟ فقيل: إن زليخا قامت عند أن همت به وهمّ بها إلى صنم لها في زاوية البيت فسترته بثوب فقال: ما تصنعين؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني على هذه الصورة، فقال يوسف: أنا أولى أن أستحي من الله تعالى. وقيل: إنه رأى في سقف البيت مكتوباً {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً }تفسير : [الإسراء: 32]. وقيل: رأى كفاً مكتوباً عليها {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ } تفسير : [الانفطار: 10] وقيل إن البرهان هو تذكره عهد الله وميثاقه وما أخذه على عباده. وقيل: نودي يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء؟ وقيل: رأى صورة يعقوب على الجدار عاضاً على أنملته يتوعده، وقيل غير ذلك مما يطول ذكره. والحاصل أنه رأى شيئاً حال بينه وبين ما همّ به. قوله: {كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء وَٱلْفَحْشَاء } الكاف نعت مصدر محذوف، والإشارة بذلك إلى الإراءة المدلول عليها بقوله: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } أو إلى التثبيت المفهوم من ذلك أي: مثل تلك الإراءة أريناه، أو مثل ذلك التثبيت ثبتناه. {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء } أي: كل ما يسوؤه، والفحشاء كل أمر مفرط القبح. وقيل: السوء الخيانة للعزيز في أهله، والفحشاء: الزنا؛ وقيل: السوء الشهوة، والفحشاء: المباشرة؛ وقيل: السوء الثناء القبيح. والأولى الحمل على العموم فيدخل فيه ما يدل عليه السياق دخولاً أولياً، وجملة {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ } تعليل لما قبله. قرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو "المخلصين" بكسر اللام، وقرأ الآخرون بفتحها. والمعنى على القراءة الأولى: أن يوسف عليه السلام كان ممن أخلص طاعته لله، وعلى الثانية أنه كان ممن استخلصه الله للرسالة، وقد كان عليه السلام مخلصاً مستخلصاً. {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ } أي: تسابقا إليه، فحذف حرف الجرّ وأوصل الفعل بالمفعول، أو ضمن الفعل معنى فعل آخر يتعدّى بنفسه كابتدرا الباب، وهذا الكلام متصل بقوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } وما بينهما اعتراض. ووجه تسابقهما أن يوسف يريد الفرار والخروج من الباب، وامرأة العزيز تريد أن تسبقه إليه لتمنعه، ووحد الباب هنا وجمعه فيما تقدّم، لأن تسابقهما كان إلى الباب الذي يخلص منه إلى خارج الدار {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ } أي: جذبت قميصه من ورائه فانشق إلى أسفله، والقدّ: القطع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طولاً، والقط بالطاء يستعمل فيما كان عرضاً، وقع منها ذلك عند أن فرّ يوسف لما رأى برهان ربه، فأرادت أن تمنعه من الخروج بجذبها لقميصه {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَىٰ ٱلْبَابِ } أي: وجدا العزيز هنالك، وعني بالسيد: الزوج لأن القبط يسمون الزوج سيداً، وإنما لم يقل: سيدهما، لأن ملكه ليوسف لم يكن صحيحاً فلم يكن سيداً له. وجملة {قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا } مستأنفة جواب سؤال مقدّر كأنه قيل: فما كان منهما عند أن ألفيا سيدها لدى الباب، و"ما" استفهامية، والمراد بالسوء هنا الزنا. قالت هذه المقالة طلباً منها للحيلة وللستر على نفسها، فنسبت ما كان منها إلى يوسف أيّ: جزاء يستحقه من فعل مثل هذا، ثم أجابت عن استفهامها بقولها: {إِلا أَن يُسْجَنَ } أي: ما جزاؤه إلاّ أن يسجن، ويحتمل أن تكون "ما" نافية أي: ليس جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم. قيل: والعذاب الأليم هو الضرب بالسياط، والظاهر أنه ما يصدق عليه العذاب الأليم من ضرب أو غيره، وفي الإبهام للعذاب زيادة تهويل. وجملة {قَالَ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } مستأنفة كالجملة الأولى. وقد تقدّم بيان معنى المراودة أي: هي التي طلبت مني ذلك ولم أرد بها سوءاً {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا } أي: من قرابتها، وسمي الحكم بينهما شهادة لما يحتاج فيه من التثبت والتأمل، قيل: لما التبس الأمر على العزيز احتاج إلى حاكم يحكم بينهما ليتبين له الصادق من الكاذب. قيل: كان ابن عمّ لها واقفاً مع العزيز في الباب. وقيل: ابن خال لها. وقيل: إنه طفل في المهد تكلم. قال السهيلي: وهو الصحيح للحديث الوارد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر من تكلم في المهد، وذكر من جملتهم شاهد يوسف. وقيل: إنه رجل حكيم كان العزيز يستشيره في أموره، وكان من قرابة المرأة {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ } أي: فقال الشاهد هذه المقالة مستدلاً على بيان صدق الصادق منهما، وكذب الكاذب، بأن قميص يوسف إن كان مقطوعاً من قبل: أي من جهة القبل {فَصَدَقَتْ } أي: فقد صدقت بأنه أراد بها سوءاً {وَهُوَ مِنَ الكَـٰذِبِينَ } في قوله إنها راودته عن نفسه. وقرأ يحيـى بن يعمر وابن أبي إسحاق "من قبل" بضم اللام، وكذا قرأ "من دبر" قال الزجاج: جعلاهما غايتين كقبل وبعد كأنه قيل: من قبله ومن دبره، فلما حذف المضاف إليه: وهو مراد صار المضاف غاية بعد أن كان المضاف إليه هو الغاية. {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ } أي: من ورائه {فَكَذَّبْتَ } في دعواها عليه {وَهُوَ مِن الصَّـٰدِقِينَ } في دعواه عليها، ولا يخفى أن هاتين الجملتين الشرطيتين لا تلازم بين مقدّميهما وتالييهما، لا عقلاً ولا عادة، وليس ها هنا إلاّ مجرد أمارة غير مطردة، إذ من الجائز أن تجذبه إليها وهو مقبل عليها فينقدّ القميص من دبر، وأن تجذبه وهو مدبر عنها فينقدّ القميص من قبل. {فَلَماَّ رَأَى } أي: العزيز {قَمِيصِهِ } أي: قميص يوسف {قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ } أي: هذا الأمر الذي وقع فيه الاختلاف بينكما، أو أن قولك: {مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا } {مِن كَيْدِكُنَّ } أي: من جنس كيدكنّ يا معشر النساء {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } والكيد: المكر والحيلة. ثم خاطب العزيز يوسف عليه السلام بقوله: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا } أي: عن هذا الأمر الذي جرى واكتمه ولا تتحدّث به، ثم أقبل عليها بالخطاب فقال: {وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ } الذي وقع منك {إِنَّكَ كُنتَ } بسبب ذلك {مِنَ ٱلْخَـٰطِئِينَ } أي: من جنسهم، والجملة تعليل لما قبلها من الأمر بالاستغفار ولم يقل من الخاطئات تغليباً للمذكر على المؤنث كما في قوله: {أية : وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَـٰنِتِينَ }تفسير : [التحريم: 12] ومعنى {من الخاطئين} من المتعمدين، يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً، وقيل: إن القائل ليوسف ولامرأة العزيز بهذه المقالة هو الشاهد الذي حكم بينهما. وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ } قال: هي امرأة العزيز. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: راودته حين بلغ مبلغ الرجال. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {هَيْتَ لَكَ } قال: هلمّ لك تدعوه إلى نفسها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: هلم لك بالقبطية، وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: هي كلمة بالسريانية أي: عليك. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: معناها تعال. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد: إنها لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ: (هئت لك) مكسورة الهاء مضمومة التاء مهموزة، قال: تهيأت لك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {إِنَّهُ رَبّى } قال: سيدي، قال: يعني زوج المرأة. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما همت به تزينت ثم استلقت على فراشها، {وهمّ بها} جلس بين رجليها يحلّ ثيابه، فنودي من السماء يا ابن يعقوب لا تكن كطائر نتف ريشه، فبقي لا ريش له، فلم يتعظ على النداء شيئاً حتى رأى برهان ربه جبريل في صورة يعقوب، عاضاً على أصبعه،ففزع فخرجت شهوته من أنامله، فوثب إلى الباب فوجده مغلقاً، فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب الأدنى فانفرج له، واتبعته فأدركته، فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه، فألفيا سيدها لدى الباب. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان فيه من الطمع أن همّ بحل التكة، فقامت إلى صنم لها مكلل بالدرّ والياقوت في ناحية البيت، فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال: أيّ شيء تصنعين؟ فقالت: أستحي من إلهي أن يراني على هذه السوءة، فقال يوسف: تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب، ولا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ ثم قال: لا تناليها مني أبداً، وهو البرهان الذي رأى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } قال: مثل له يعقوب، فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله. وقد أطال المفسرون في تعيين البرهان الذي رآه، واختلفت أقوالهم في ذلك اختلافاً كثيراً. وأخرج ابن جرير عن زيد بن ثابت قال: السيد الزوج، يعني في قوله: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَىٰ ٱلْبَابِ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد نحوه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قال: القيد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا } قال: صبي أنطقه الله كان في الدار. وأخرج أحمد، وابن جرير، والبيهقي، في الدلائل عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا } قال: كان رجلاً ذا لحية. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وأبو الشيخ عنه قال: كان من خاصة الملك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن قال: هو رجل له فهم وعلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: ابن عمّ لها كان حكيماً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال: إنه ليس بإنسيّ ولا جنيّ هو خلق من خلق الله. قلت: ولعله لم يستحضر قوله تعالى: {مّنْ أَهْلِهَا }.

الماوردي

تفسير : {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه}وهي راعيل امرأة العزيز إظفير. قال الضحاك: وكان اسمها زليخا. قال محمد بن إسحاق: وكان إظفير فيما يحكى لنا رجلاً لا يأتي النساء وكانت امرأته حسناء، وكان يوسف عليه السلام قد أُعطي من الحسن ما لم يعطه أحد قبله ولا بعده كما لم يكن في النساء مثل حواء حسناً. قال ابن عباس: اقتسم يوسف وحواء الحسن نصفين. فراودته امرأة العزيز عن نفسه استدعاء له إلى نفسها. {وغلقت الأبواب} فيه وجهان: أحدهما: بتكثير الأغلاق. الثاني: بكثرة الإيثاق. {وقالت هيت لك} فيه وجهان: أحدهما: معناه تهيأت لك، قاله عكرمة وأبو عبد الرحمن السلمي، وهذا تأويل من قرأ بكسر الهاء وترك الهمز، وقال الشاعر: شعر : قد رابني أن الكرى أسكتا لو كان معنياً بها لهيتا تفسير : الثاني: هلم لك، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة: وأنشد أبو عمرو بن العلاء: شعر : أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا أن العراق وأهله عنق إليك، فهيت هيتا تفسير : وهذا تأويل من قرأ هيت لك بفتح الهاء وهي أصح وأفصح، قال طرفة بن العبد: شعر : ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة: هيتا تفسير : ثم اختلف قائلو هذا التأويل في الكلمة فحكى عطية عن ابن عباس أن {هيت لك}كلمة بالقبطية معناها هلم لك، وقال مجاهد بل هي كلمة عربية هذا معناها وقال الحسن: هي كلمة سريانية. {قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي} أي أعوذ بالله. وفي{إنه ربي أحسن مثواي} وجهان: أحدهما: إن الله ربي أحسن مثواي فلا أعصيه، قاله الزجاج. الثاني: أنه أراد العزيز إظفير إنه ربي أي سيدي أحسن مثواي فلا أخونه. قاله مجاهد وابن إسحاق والسدي.

ابن عطية

تفسير : "المراودة" الملاطفة في السوق إلى غرض، وأكثر استعمال هذه اللفظة إنما هو في هذا المعنى الذي هو بين الرجال والنساء؛ ويشبه أن يكون من راد يرود إذا تقدم لاختبار الأرض والمراعي، فكان المراود يختبر أبداً بأقواله وتلطفه حال المراود من الإجابة أو الامتناع. وفي مصحف وكذلك رويت عن الحسن: و {التي هو في بيتها} هي زليخا امرأة العزيز. وقوله {عن نفسه} كناية عن غرض المواقعة. وقوله: {وغلقت} تضعيف مبالغة لا تعدية، وظاهر هذه النازلة أنها كانت قبل أن ينبأ عليه السلام. وقرأ ابن كثير وأهل مكة: "هَيْتُ" بفتح الهاء وسكون الياء وضم التاء وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق وابن محيصن وأبو الأسود وعيسى بفتح الهاء وكسر التاء "هَيتِ"، وقرأ ابن مسعود والحسن والبصريون "هَيْتَ" بفتح الهاء والتاء وسكون الياء، ورويت عن ابن عباس وقتادة وأبي عمرو، قال أبو حاتم: لا يعرف أهل البصرة غيرها وهم أقل الناس غلواً في القراءة، قال الطبري: وقد رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافع وابن عامر "هِيْتَ" بكسر الهاء وسكون الياء وفتح التاء - وهي قراءة الأعرج وشيبة وأبي جعفر - وهذه الأربع بمعنى واحد، واختلف باختلاف اللغات فيها، ومعناه الدعاء أي تعال وأقبل على هذا الأمر، قال الحسن: معناها هلمَّ، ويحسن أن تتصل بها {لك} إذ حلت محل قولها: إقبالاً أو قرباً، فجرت مجرى سقياً لك ورعياً لك، ومن هذا قول الشاعر يخاطب علي بن أبي طالب: [مجزوء الكامل] شعر : أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتينا أن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا تفسير : ومن ذلك على اللغة الأخرى قول طرفة: [الخفيف] شعر : ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هيت تفسير : ومن ذلك أيضاً قول الشاعر: [الرجز] شعر : قد رابني أن الكرى قد أسكتا ولو غدا يعني بنا لهيتا تفسير : أسكت: دخل في سكوت، و"هيت" معناه: قال: هيت، كما قالوا: أقف إذا قال: أف أف، ومنه سبح وكبر ودعدع إذ قال: داع داع. والتاء على هذه اللغات كلها مبنية فهي في حال الرفع كقبل وبعد، وفي الكسر على الباب لالتقاء الساكنين، وفي حال النصب ككيف ونحوها؛ قال أبو عبيدة: و {هيت} لا تثنى ولا تجمع، تقول العرب: {هيت لك}، وهيت لكما، وهيت لكم. وقرأ هشام بن عامر" هِئتُ"، بكسر الهاء والهمز، ضم التاء وهي قراءة علي بن أبي طالب، وأبي وائل، وأبي رجاء ويحيى، ورويت عن أبي عمرو، وهذا يحتمل أن يكون من هاء الرجل يهيء إذا أحسن هيئته - على مثال جاء يجيء - ويحتمل أن يكون بمعنى تهيأت، كما يقال: فئت وتفيأت بمعنى واحد، قال الله عز وجل: {أية : يتفيؤا ظلاله} تفسير : [النحل: 48] وقال: {أية : حتى تفيء إلى أمر الله} تفسير : [الحجرات: 9]. وقرأ ابن أبي إسحاق - أيضاً - "هِيْت" بتسهيل الهمزة من هذه القراءة المتقدمة. وقرأ ابن عباس - أيضاً - "هيت لك". وقرأ الحلواني عن هشام "هِئتِ" بكسر الهاء والهمز وفتح التاء قال أبو علي: ظاهر أن هذه القراءة وهم، لأنه كان ينبغي أن تقول: هئتَ لي، وسياق الآيات يخالف هذا. وحكى النحاس: أنه يقرأ "هِيْتِ" بكسر الهاء وسكون الياء وكسر التاء. و {معاذَ} نصب على المصدر ومعنى الكلام أعوذ بالله. ثم قال: {إنه ربي} فيحتمل أن يعود الضمير في {إنه} على الله عز وجل، ويحتمل أن يريد العزيز سيده، أي فلا يصلح لي أن أخونه وقد أكرم مثواي وائتمنني، قال مجاهد، والسدي {ربي} معناه سيدي، وقاله ابن إسحاق. قال القاضي أبو محمد: وإذا حفظ الآدمي لإحسانه فهو عمل زاك، وأحرى أن يحفظ ربه. ويحتمل أن يكون الضمير للأمر والشأن، ثم يبتدىء {ربي أحسن مثواي}. والضمير في قوله: {إنه لا يفلح} مراد به الأمر والشأن فقط، وحكى بعض المفسرين: أن يوسف عليه الصلاة والسلام - لما قال: معاذ الله ثم دافع الأمر باحتجاج وملاينة، امتحنه الله تعالى بالهم بما هم به، ولو قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ودافع بعنف وتغيير - لم يهم بشيء من المكروه. وقرأ الجحدري "مثواي" وقرأها كذلك أبو طفيل وروي عن النبي عليه السلام: "فمن تبع هداي". وقوله: {ولقد همت به} الآية، لا شك أن "هم" زليخا كان في أن يواقعها يوسف، واختلف في "هم" يوسف عليه السلام، فقال الطبري: قالت فرقة: كان مثل "همها"، واختلفوا كيف يقع من مثل يوسف وهو نبي؟ فقيل ذلك ليريه الله تعالى موقع العفو والكفاية، وقيل الحكمة في ذلك أن يكون مثالاً للمذنبين ليروا أن توبتهم ترجع بهم إلى عفو الله كما رجعت بمن هو خير منهم ولم يوبقه القرب من الذنب، وهذا كله على أن هم يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة إلى أن جلس بين رجلي زليخا وأخذ في حل ثيابه وتكته ونحو هذا، وهي قد استلقت له؛ قاله ابن عباس وجماعة من السلف. وقالت فرقة في "همه" إنما كان بخطرات القلب التي لا يقدر البشر عن التحفظ منها، ونزع عند ذلك ولم يتجاوزه، فلا يبعد هذا على مثله عليه السلام، وفي الحديث: "حديث : إن من هم بسيئة ولم يعملها فله عشر حسنات" تفسير : وفي حديث آخر "حديث : حسنة"تفسير : ، فقد يدخل يوسف في هذا الصنف. وقالت فرقة: كان "هم" يوسف بضربها ونحو ذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف البتة، والذي أقول في هذه الآية: إن كون يوسف نبياً في وقت هذه النازلة لم يصح ولا تظاهرت به رواية، وإذا كان ذلك فهو مؤمن قد أوتي حكماً وعلماً ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته، وأن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة؛ وإن فرضناه نبياً في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو الخاطر، ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حل تكة ونحو ذلك، لأن العصمة مع النبوة، وما روي من أنه قيل له: تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء، فإنما معناه العدة بالنبوة فيما بعد، والهم بالشيء مرتبتان: فالواحدة الأولى تجوز عليه مع النبوة، والثانية الكبرى لا تقع إلا من غير نبي، لأن استصحاب خاطر المعصية والتلذذ به معصية تكتب، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تنطق به أو تعمل" تفسير : . معناه من الخواطر، وأما استصحاب الخاطر فمحال أن يكون مباحاً، فإن وقع فهو خطيئة من الخطايا لكنه ليس كمواقعة المعصية التي فيها الخاطر، ومما يؤيد أن استصحاب الخاطر معصية قول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه . تفسير : وقوله الله تعالى: {أية : إن بعض الظن إثم} تفسير : [الحجرات: 12] وهذا منتزع من غير موضع من الشرع، والإجماع منعقد أن الهم بالمعصية واستصحاب التلذذ بها غير جائز ولا داخل في التجاوز. واختلف في "البرهان" الذي رأى يوسف، وقيل: نودي. واختلف فيما نودي به، فقيل ناداه جبريل: يا يوسف، تكون في ديوان الأنبياء. وتفعل فعل السفهاء؟ وقيل: نودي: يا يوسف، لا تواقع المعصية فتكون كالطائر الذي عصى فتساقط ريشه فبقي ملقى - ناداه بذلك يعقوب -، وقيل غير هذا مما في معناه، وقيل: كان "البرهان" كتاباً رآه مكتوباً، فقيل: في جدار المجلس الذي كان فيه، وقيل: بين عيني زليخا، وقيل: في كف من الأرض خرجت دون جسد؛ واختلف في المكتوب، فقيل: قوله تعالى: {أية : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} تفسير : [الرعد: 33]، وقيل: قوله تعالى: {أية : ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} تفسير : [الإسراء: 32] وقيل غير هذا. وقيل: كان البرهان أن رأى يعقوب عليه السلام ممثلاً معه في البيت عاضاً على إبهامه وقيل: على شفته. وقيل بل انفرج السقف فرآه كذلك. وقيل: إن جبريل قال له: لئن واقعت المعصية لأمحونك من ديوان النبوة، وقيل: إن جبريل ركضه فخرجت شهوته على أنامله. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقيل: بل كان "البرهان" فكرته في عذاب الله ووعيده على المعصية، وقيل: بل كان البرهان الذي اتعظ به أن زليخا قالت له: مكانك حتى أستر هذا الصنم - لصنم كان معها في البيت - فإني أستحيي منه أن يراني على هذه الحال؛ وقامت إليه فسترته بثوب فاتعظ يوسف وقال: من يسترني أنا من الله القائم على كل شيء، وإذا كنت أنت تفعلين هذا لما لا يعقل فإن أولى أن أستحيي من الله. و"البرهان" في كلام العرب الشيء الذي يعطي القطع واليقين، كان مما يعلم ضرورة أم بخبر قطعي أو بقياس نظري، فهذه التي رويت فيما رآه يوسف براهين. و {أن} في قوله: {لولا أن رأى} في موضع رفع، التقدير: لولا رؤيته برهان ربه، وهذه {لولا} التي يحذف معها الخبر، تقديره: لفعل أو لارتكب المعصية. وذهب قوم إلى أن الكلام تم في قوله: {ولقد همت به} وأن جواب {لولا} في قوله: {وهم بها} وأن المعنى: لولا أن رأى البرهان لهمَّ أي فلم يهم عليه السلام، وهذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف. قال الزجّاج: ولو كان الكلام: ولهمَّ بها لولا، لكان بعيداً، فكيف مع سقوط اللام!. والكاف من قوله: {كذلك} متعلقة بمضمر تقديره: جرت أفعالنا وأقدارنا {كذلك لنصرف}، ويصح أن تكون الكاف في موضع رفع بتقدير: عصمتنا له كذلك لنصرف. وقرأ الجمهور "لنصرف" بالنون، وقرأ الأعمش "ليصرف" بالياء - على الحكاية عن الغائب -، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء "المخلِصين" بكسر اللام في كل القرآن، وكذلك {أية : مخلصاً} تفسير : [مريم: 51] في سورة مريم. وقرأ نافع {أية : مخلصاً} تفسير : [الزمر: 2-11-14، مريم: 51] كذلك بكسر اللام، وقرأ سائر القرآن "المخلَصين" بفتح اللام، وقرأ حمزة والكسائي وجمهور من القراء "المخلَصين" بفتح اللام و "مخلصاً" كذلك في كل القرآن. وقوله تعالى: {واستبقا الباب} الآية، {واستبقا} معناه سابق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب، هي لترده إلى نفسها وهو ليهرب عنها؛ فقبضت في أعلى قميصه من خلفه، فتخرق القميص عند طوقه، ونزل التخريق إلى أسفل القميص. و"القد": القطع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طولاً، "والقط" يستعمل فيما كان عرضاً، وكذلك هي اللفظة في قول النابغة: شعر : تقد السلوقي تفسير : فإن قوله: توقد بالصفاح يقتضي أن القطع بالطول. و {ألفيا}: وجدا، و "السيد" الزوج، قاله زيد بن ثابت ومجاهد. فيروى أنهما وجدا العزيز ورجلاً من قرابة زليخا عند الباب الذي استبقا إليه قاله السدي. فلما رأت الفضيحة فزعت إلى مطالبة يوسف والبغي عليه، فأرت العزيز أن يوسف أرادها، وقالت: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم} وتكلمت في الجزاء، أي أن الذنب ثابت متقرر. وهذه الآية تقتضي بعظم موقع السجن من النفوس لا سيما بذوي الأقدار، إذ قرن بأليم العذاب.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا} "راعيل" امرأة العزيز "أطفير" أو زليخة وكان العزيز لا يأتي النساء. قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: اقتسم يوسف وحواء الحسن نصفين. {وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ} بكثرة الأغلاق، أو بشدة الاستيثاق {هَيْتَ لَكَ} هلم لك {هِئتُ لك} تهيأت لك، و "هيت" قبطية "ع"، أو سريانية، أو عربية. {إِنَّهُ رَبَّى} الله {أَحْسَنَ مَثْوَاىَ}، فلا أعصيه، أو العزيز أو أطفير ربي سيدي أحسن مثواي فلا أخونه.

النسفي

تفسير : {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ } أي طلبت يوسف أن يواقعها والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كأن المعنى خادعته عن نفسه أي فعلت فعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التحمل لمواقعته إياها {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ } وكانت سبعة {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } هو اسم لتعال وأقبل وهو مبني على الفتح {هيتُ} مكي بناه على الضم، {هِيتَ} مدني وشامي واللام للبيان كأنه قيل لك أقول هذا كما تقول هلم لك {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ } أعوذ بالله معاذاً {إنَّهُ } أي إن الشأن والحديث {رَبّي } سيدي ومالكي يريد قطفير {أَحْسَنَ مَثْوَايَّ} حين قال لك {أكرمي مثواه} فما جزاؤه أن إخوته في أهله {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } الخائبون أو الزناة، أو أراد بقوله {إنه ربي} الله تعالى لأنه مسبب الأسباب {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } هم عزم {وَهَمَّ بِهَا } هم الطباع مع الامتناع قاله الحسن. وقال الشيخ أبو منصور رحمه الله: وهم بها هم خطرة ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب ولا مؤاخذة عليه، ولو كان همه كهمها لما مدحه الله تعالى بأنه من عباده المخلصين. وقيل: همَّ بها وشارف أن يهم بها، يقال: هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه. وجواب {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } محذوف أي لكان ما كان. وقيل: {وهمّ بها} جوابه ولا يصح، لأن جواب « لولا» لا يتقدم عليها لأنه في حكم الشرط وله صدر الكلام والبرهان الحجة. ويجوز أن يكون {وهم بها} داخلاً في حكم القسم في قوله {ولقد همت به} ويجوز أن يكون خارجاً. ومن حق القارىء إذا قدر خروجه من حكم القسم وجعله كلاماً برأسه أن يقف على {به} ويبتدىء بقوله {وهم بها} وفيه أيضاً إشعار بالفرق بين الهمين. وفسر همَّ يوسف بأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها، وفسر البرهان بأنه سمع صوتاً إياك وإياها مرتين فسمع ثالثاً أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته، وهو باطل، ويدل على بطلانه قوله {هي روادتني عن نفسي} ولو كان ذلك منه أيضاً لما برأ نفسه من ذلك، وقوله {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} ولو كان كذلك لم يكن السوء مصروفاً عنه وقوله {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} ولو كان كذلك لخانه بالغيب، وقوله {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء} {الآن حصص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} ولأنه لو وجد منه ذلك لذكرت توبته واستغفاره كما كان لآدم ونوح وذي النون وداود عليهم السلام، وقد سماه الله مخلصاً فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام وجاهد نفسه مجاهدة أولي العزم ناظراً في دلائل التحريم حتى استحق من الله الثناء. ومحل الكاف في {كَذٰلِكَ } نصب أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه، أو رفع أي الأمر مثل ذلك {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء } خيانة السيد {وَٱلْفَحْشَاء } الزنا {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ } بفتح اللام حيث كان: مدني وكوفي أي الذين أخلصهم الله لطاعته، وبكسرها غيرهم أي الذين أخلصوا دينهم لله. ومعنى {من عبادنا} بعض عبادنا أي هومخلص من جملة المخلصين.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ }: المراودة: الملاطفةُ في السُّوق إِلى غرضٍ، و{ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا } هي زُلَيْخَا امرأةُ العزيز، وقوله: {عَن نَّفْسِهِ }: كنايةٌ عن غرض المواقعة، وظاهرُ هذه النازِلة أنها كانَتْ قبل أنْ ينبَّأ عليه السلام، وقولها: {هَيْتَ لَكَ }: معناه: الدُّعاء، أيْ: تعالَ وأقْبِلْ عَلَى هَذا الأمْرِ، قال الحَسن: معناها: هَلُمَّ، قال البخاريُّ: قال عكرمةُ: {هَيْتَ لَكَ } بالحُورَانِيَّةِ: هَلُمَّ. وقال ابن جُبير: تَعَالَهْ، انتهى. وقرأ هشام عن ٱبْنِ عامرٍ: «هِئْتُ لَكَ» - بكسر الهاءِ والهمزِ وضمِّ التاء -، ورويت عن أبي عَمْرو، وهذا يحتملُ أنْ يكون من هَاءَ الرجُلُ يَهِيءُ، إِذا حَسُن هيئته، ويحتمل أنْ يكون بمعنى: تَهَيَّأَتُ، و{مَعَاذَ }: نصب على المصدر، ومعنى الكلام: أعوذ باللَّهِ، ثم قال: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ }، فيحتمل أن يعود الضمير في «إِنه» على اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ويحتمل أنْ يريد العزيزَ سيِّدَهُ، أي: فلا يصلح لي أنْ أخونه، وقد أكْرَمَ مثواي، وٱئتمنَنِي، قال مجاهد وغيره: «رَبِّي» معناه سَيِّدي وإِذا حفظ الآدميّ لإِحسانه فهو عمل زَاكٍ، وأحرى أن يحفظ ربه، والضمير في قوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ} مرادٌ به الأمر والشأن فقطْ، وحكى بعض المفسِّرين أنَّ يوسُفَ عليه السلام لمَّا قال: مَعَاذَ اللَّهِ، ثم دافَعَ الأمْرَ بٱحتجاجٍ وملاينةٍ، ٱمتحنَهُ اللَّه تعالى بالهَمِّ بما هَمَّ به، ولو قال: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ودافَعَ بِعُنْفٍ وتغييرٍ، لم يَهمَّ بشيء من المَكْروه. وقوله سبحانه: {وَهَمَّ بِهَا }: ٱختلف في هَمِّ يوسُفُ. قال * ع *: والذي أقولُ به في هذه الآية: أَنَّ كَوْنَ يوسُفَ عليه السلام نبيًّا في وقت هذه النازلة لم يصحَّ، ولا تظاهَرَتْ به روايةٌ، فإِذا كان ذلك، فهو مؤمنٌ قد أوتِيَ حكماً وعلماً، ويجوز عَلَيْه الهَمُّ الذي هو إِرادةُ الشيْءِ دون مواقَعَتِهِ، وأنْ يستصحب الخَاطِرَ الرديءَ؛ علَى ما في ذلك من الخطيئة، وإِن فرضْنَاه نبيًّا في ذلك الوقْتِ، فلا يجوز عليه عندي إِلاَّ الهَمُّ الذي هو الخاطرُ، ولا يصحُّ عندي شيْءٌ مما ذكر من حَلِّ تِكَّةٍ، ونحوِ ذلك؛ لأنَّ العِصْمة مع النبوَّة، وللَهمِّ بالشيْءِ مرتبتانِ، فالخاطرُ المجرَّد دون ٱستصحابٍ يجوزُ عليه، ومع استصحابِ لا يَجُوزُ عليه؛ إِذ الإِجماع منعقدٌ أَنَّ الهمَّ بالمعصية واستصحابَ التلذُّذ بها غير جائزٍ، ولا داخِلٍ في التجاوُزِ. * ت *: قال عياضٌ: والصحيحُ إِن شاء اللَّه تنزيهُهُمْ أيضاً قبل النبوَّة مِنْ كُلِّ عيْبٍ، وعصمتُهُم مِنْ كُلِّ ما يوجبُ الرَّيْب، ثم قال عياضٌ بعد هذا: وأما قولُ اللَّه سبحانه: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ }، فعلى طريق كثيرٍ من الفقَهَاء والمحدِّثين؛ أنَّ همَّ النفْس لا يؤاخذ به، وليس بسيِّئة، لقوله عليه السلام عن ربِّه: « حديث : إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ )تفسير : ؛ فَلاَ مَعْصِيَةَ في همه إِذَنْ، وأما علَى مذهب المحقِّقين من الفقهاء والمتكلِّمين، فإِن الهمَّ إِذا وُطِّنَتْ عليه النفْسُ سيئةٌ، وأَما ما لم توطَّن عليه النفس مِنْ همومها وخواطرها، فهو المعفوُّ عنه، وهذا هو الحقُّ، فيكون إِن شاء اللَّه هَمُّ يوسُفَ من هذا، ويكونُ قوله: { أية : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي... } تفسير : [يوسف:53]: أي: مِن هذا الهَمِّ، أو يكون ذلك مِنْهُ على طريق التواضُع. انتهى. واختلف في البُرْهَان الذي رآه يوسُفُ، فقيل: ناداه جبريلُ: يا يوسُفُ، تَكُونُ في ديوانِ الأنبياءِ، وتفعلُ فِعْلَ السفهاءِ، وقيل: رأَى يعقوبَ عَاضًّا علَى إِبهامه، وقيل غير هذا، وقيل: بل كان البرهَانُ فِكْرَتَهُ في عذابِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ على المعصية، والبرهانُ في كلام العرب: الشيء الذي يُعْطِي القطْعِ واليَقِينَ، كان مما يَعلَمُ ضرورةً أو بخبرٍ قطعيٍّ أو بقياسٍ نظريٍّ «وأنْ» في قوله: {لَوْلا أَن رَّأَى } في موضع رفعٍ، تقديره: لولا رؤيته برهانَ رَبِّه، لَفَعَلَ، وذَهَبَ قومٌ إِلى أَنَّ الكلامَ تَمَّ في قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ }، وأن جواب «لولا» في قوله: {وَهَمَّ بِهَا }، وأن المعنى: لولا أنْ رأَى البرهان لَهَمَّ، أي: فلم يهمَّ عليه السلام، وهذا قولٌ يردُّه لسانُ العربِ، وأقوالُ السلَفِ * ت *: وقد ساقَ عيَاضٌ هذا القولَ مساق ٱلاحتجاجِ به متَّصلاً بما نقَلْناه عنْه آنفاً، ولفظه: فكيف، وقَدْ حكَى أبو حاتمٍ عن أبي عُبَيْدة، أن يوسف لم يَهِمَّ، وأنَّ الكلام فيه تقديمٌ وتأخير، أي: ولقد همَّتْ به، ولولا أنْ رأَى برهانَ ربه لَهَمَّ بها، وقد قال اللَّه تعالى عن المرأة: { أية : وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ } تفسير : [يوسف:32]، وقال تعالى: {كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوءَ وَٱلْفَحْشَاءَ}، وقال: {مَعَاذَ ٱللَّهِ...} الآية. انتهى. وكذا نقله الداودي ولفظه: وقد قال سعيدُ بْنَ الحَدَّاد: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، ومعناه: أنه لولا أنْ رأَى برهان ربِّه لَهَمَّ بها، فلمَّا رأى البرهان لم يَهِمَّ، انتهى. قال ابن العربيِّ في «أَحكامه»: وقد أخبر اللَّه سبحانه عن حالِ يوسُفَ من حين بلوغه بأنه آتاه حكماً وعلماً، والحُكْم: هو العمل بالعلم، وكلامُ اللَّه صادِقٌ، وخبره صحيحٌ، ووصفه حَقٌّ، فقد عَمِلَ يوسُفُ بما عَلَّمه اللَّه من تحريم الزنا، وتحريم خيانةِ السيِّد في أهْله، فما تعرَّض لامرأةِ العزيز، ولا أناب إِلى المُرَاودة، بل أَدْبَرَ عنها، وَفَّر منها؛ حِكْمَةٌ خُصَّ بها، وعملٌ بما علَّمه اللَّه تعالى، وهذا يطمس وُجُوهَ الجَهَلَةِ مِنَ النَّاس والغَفَلَةِ من العلماءِ في نسْبتهم إِلى الصِّدِّيقِ ما لا يليقُ، وأقلُّ ما اقتحموا مِنْ ذلك هَتْكُ السراويلِ، والهَمُّ بالفَتْكِ فيما رَأَوْهُ من تأويلٍ، وحاشاه من ذلك، فما لهؤلاء المفسِّرين لا يكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً؛ يقولون: فَعَلَ فَعَلَ، واللَّه تعالى إِنما قال هَمَّ بها، قال علماء الصوفيَّة: إِن فائدة قوله تعالى: { أية : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا... } تفسير : [يوسف:22] أن اللَّه عزَّ وجلَّ أعطاه العلْمَ والحكْمة؛ بأن غلب الشهوة؛ ليكون ذلك سبباً للعصْمَة، انتهى. والكافُ من قوله تعالى: {كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوءَ}: متعلِّقةٌ بمضمرٍ، تقديره: جَرَتْ أفعالنا وأقدارنا كذلك؛ لنصرفَ، ويصحُّ أن تكون الكافُ في موضِعِ رفعٍ بتقديرِ عصمَتَنا له كَذَلك، وقرأ ابن كثير وغيره: «المُخْلِصِينَ» - بكسر اللام - في سائر القرآن، ونافع وغيره بفَتْحها.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ} [الآية:23] أعلم أنَّ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان في غاية الجمال، فلما رأته المرأةُ؛ طمعت فيه. "وَرَاوَدتْهُ"، أي طالبته برفقٍ ولين قول، والمُراودَةُ: المصدرُ، والرِّيادةُ: طلب النِّكاحِ، يقال: رَاوَدَ فلانٌ جاريته عن نفسها، وراودته عن نفسه، إذا حاول كُلُّ واحدٍ منها الوطء، ومشى رويداً، أي: برفقٍ في مِشْيتهِ، والرَّودُ: الرِّفقُ في الأمورِ، والتَّأنِّي فيها، وراودت المرأةُ في مشيها ترودُ رَوَدَاناً من ذلك. والمِرْودةٌ هذه الآية منه، والإرادة منقولة من رَادَ يَرُوُد إذا سعى في طلب حاجة، وتقدَّم ذلك في البقرة:[26]. وتعدى هنا بـ"عَنْ"؛ لأنه ضمن معنى خادعتهُ، أي: خادعته عن نفسه، والمفاعلة هنا من الواحدِ، نحو: داويت المريض، ويحتملُ أن تكون على بابها، فإنَّ كلاًّ منهما كان يطلبُ من صاحبه شيئاً برفق، هي تطلبُ منه الفعل، وهو يطلبُ منها التَّرْكَ. والتشديدُ في "غَلّقتْ" للتكثير لتعدُّدِ المحالِّ، أي: أغلقت الأبواب وكانت سبعةً. قال الواحدي: "وأصل هذا من قولهم في كلِّ فعل تشبث في شيء فلزمه قد غلق، يقال: غلق في الباطل، وغلق في غضبه، ومنه غلق الرهن ثم يعدى بالألف، فيقال: أغلق الباب إذا جعله بحيث يعسر فتحه، والسبب في تغليق الأبواب أنَّ [هذا الفعل] لا يُؤتى به إلاَّ في المواضع المستُورةِ لا سيَّما إذا كان حراماً، ومع الخوف الشديد". قوله: "هَيْتَ لَكَ" اختلف أهلُ النَّحو في هذه اللفظة، هل هي عربيةٌ أم معربةٌ؟. فقيل: معربةٌ من القبطيَّة بمعنى: هلمَّ لك، قاله السديُّ. وقيل: من السِّريانيَّة، قاله ابن عبَّاس، والحسن. وقيل: من العبرانية، وأصلها: هَيْتَلخَ أي: تعاله فعربه القرآن، قاله أبو زيدٍ الأنصاري. وقيل: هي لغة حورانيَّة وقعت [إلى أهل] الحجاز، فتكلموا بها، معناها: تعال، قاله الكسائي والفراء، وهو منقولٌ عن عكرمة. والجمهور على أنَّها عربيةٌ. قال مجاهدٌ: هي كلمةٌ حثِّ، وإقبال. ثمَّ هي في بعض اللغات تتعيَّن فعليتها وفي بعضها اسميتها، وفي بعضها يجوز الأمران كما ستعرفه من القراءات المذكورة فيها. فقرأ نافع، وابن ذكوان: "هِيْتَ" بكسر الهاءِ، وسكون الياءِ، وفتح التَّاء. وقرأ ابن كثير "هَيْتُ" بفتح الهاء، وسكون الياء، وتاء مضمومة. وقرأ هشام "هِئْتُ" بكسر الهاءِ، وهمزة ساكنة، وتاء مفتوحة، أو مضمومة. وقرأ الباقون: "هَيْتَ" بفتح الهاء، وياء ساكنة، وتاء مفتوحة. فهذه خمسُ قراءاتٍ في السَّبعِ. وقرأ ابن عباسٍ، وأبو الأسود، والحسنُ، وابن محيصن بفتح الهاء، وياء ساكنة وتاء مكسورة. وحكى النحاس: أنه قرىء بكسر الهاء والتاء بينهما ياء ساكنة. وقرأ ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أيضاً: "هُيِيْتُ" بضمِّ الهاءِ، وكسر الياء بعدها ياء ساكنة ثم تاء مضمومة بزنة "حُيِيْتُ". وقرأ زيد بن علي، وابن إبي إسحاق: بكسر الهاء، وياء ساكنة، وتاء مضمومة، فهذه أربع قراءات في الشاذ، فصارت تسع قراءات. وقرأ السلمي، وقتادة بكسر الهاء وضم التاء مهموزاً، يعنى تهيأت لك، وأنكره أبو عمرو، والكسائي، ولم يحك هذا عن العربِ، فيتعين كونها اسم فعلٍ في غير قراءة ابن عبَّاسٍ "هُيِيْتُ" بزنة، "حُيِيْتُ" وفي غير قراءة كسر الهاء سواء كمان ذلك بالياء، أم بالهمز، فمن فتح التاء بناها على الفتح تخفيفاً، نحو: أين، وكيف، ومن ضمَّها كابن كثيرٍ شبهها بـ"حَيْثُ"، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين كـ:"جَيْر"، وفتح الهاء، وكسرها لغتان، ويتعيَّن فعليتها في قراءة ابن عبَّاس "هُيِيْتُ" بزنة: "حُيِيْتُ" فإنها فيها فعل ماض مبني للمفعول مسند لضمير المتكلِّم من "هَيَّأتُ الشَّيءَ". ويحتمل الأمرين في قراءة من كسر الهاء، وضمَّ التاء، فتحتمل أن تكون فيه اسم فعل [بنيت على] الضم، كـ"حَيْثُ"، وأن تكون فعلاً مسنداً لضمير المتكلم، من: هاء الرَّجل يَهيءُ، كـ "جَاء يَجِيءُ"، وله حينئذ معنيان: أحدهما: أن يكون بمعنى: حسُنت هيئته. والثاني: أن يكون بمعنى تَهَيَّأ، يقال: "هَيُئْتُ، أي: حَسُنَتْ هَيْئتي، أوْ تَهَيَّأتُ". وجواز أبو البقاءِ: أن تكون "هِئْتَ" هذه من: "هَاءَ يَهَاءُ" كـ "شَاءَ يَشَاءُ". وقد طعن جماعةٌ على قراءة هشام الَّتي بالهمز، وفتح التَّاء، فقال الفارسي: يشبه أن يكون الهمز وفتح التاء وهماً من الراوي؛ لأنَّ الخطاب من المرأة ليوسف، ولم يتهيَّأ لها بدليل قوله: "وَرَاودَتْهُ"، و"أنِّي لَمْ أخُنْهُ بالغَيْبِ"، وتابعه على ذلك جماعة. وقال مكي بنُ أبي طالب: "يجبُ أن يكون اللفظ "هِئْتَ لي" أي: تهَيَّأتْ لِي، ولم يقرأ بذلك أحدٌ، وأيضاً: فإنَّ المعنى على خلافه؛ لأنَّه [لم يزل] يفرُّ منها، ويتباعد عنها، وهي تراوده، وتطلبه، وتقدُّ قميصه، فكيف تخبر أنه تهيأ لها؟". وأجاب بعضهم عن هذين الإشكالين بأن المعنى: تهيأ لي أمرك لأنها لم تكن تقدر على الخلوة به في كل وقت، أو يكون المعنى: حَسُنَتْ هَيْأتُكَ. و "لَكَ" متعلق بمحذوف على سبيل البيانِ، كأنها قالت: القول لك، أو الخطاب لك، كهي في "سَقْياً لَكَ ورَعْياً لَكَ". قال شهابُ الدِّين: "واللاَّم متعلقة بمحذوف على كلِّ قراءة إلاَّ قراءة ثبت فيها كونها فعلاً، فإنَّها حينئذٍ تتعلق بالفعل، إذ لا حاجة إلى تقدير شيء آخر". وقال أبو البقاءِ: "والأشبهُ أن تكون الهمزةُ بدلاً من الياءِ، أو تكون لغة في الكلمة التي هي اسم للفعل، وليست فعلاً، لأنَّ ذلك يوجب أن يكون الخطاب ليوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ". وهو فاسدٌ لوجهين: أحدهما: أنَّهُ لم يَتهيَّأ لها، وإنَّما تَهيَّأتْ لهُ. الثاني: أنه قال: "لَكَ"، ولو أراد الخطاب لقال: "هِئْتَ لي"، وتقدم جوابه وقوله: "إنَّ الهمزة بدلٌ من الياءِ". هذا عكس لغة العرب، إذ قد عهدناهم يبدلون الهمزة السَّاكنة ياء إذا انكسر ما قبلها، نحو: "بِير" و"ذِيب" ولا يقلبون الياء المكسور ما قبلها همزة، نحو: مِيل، ودِيك، وأيضاً: فإنَّ غيرهُ جعل الياء الصَّريحة مع كسر الهاء كقراءة نافع، وابن ذكوان محتملة؛ لأن تكون بدلاً من الهمزة، قالوا فيعودُ الكلامُ فيها، كالكلام في قراءة هشامٍ. واعلم أنَّ القراءة التي استشكلها الفارسي هي المشهورةُ عن هشامٍ، وأمَّا ضمُّ التاء فغير مشهورٍ عنه. ثمَّ إنَّهُ ـ تعالى ـ أخبر أنَّ المرأة لما ذكرت هذا الكلام، قال يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ {مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ} "مَعاذَ اللَّهِ" منصوب على المصدر بفعل محذوفٍ، أي: أعوذُ بالله معاذاً، يقالُ: عَاذَ يعُوذُ عِيَاذاً [وعِيَاذةً]، ومعاذاً، وعوْذاً؛ قال: [الطويل] شعر : 3075ـ مَعاذَ الإلهِ أن تكُونَ كَظبْيةٍ ولا دُمْيةٍ ولا عَقِيلةِ ربْرَبِ تفسير : قوله "إنَّهُ" يجوز أن تكون الهاء ضمير الشَّأن، وما بعده جملة خبرية له، ومراده بربه: سيِّده، ويحتمل أن تكون الهاء ضمير الباري تعالى، و"ربِّي" يحتمل أن يكون خبرها، و"أحسنَ" جملةٌ حاليةٌ لا زمةٌ، وأن تكون مبتدأ، "وأحْسنَ" جملة خبرية له، والجملة خبر لـ"إنَّ" وقرأ الجحدريُّ، وأبو الطفيل الغنوي "مَثْويَّ" بقلب الألف ياء، وإدغامها كـ "بُشْرَيَّ" و"هُدَيَّ". و: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ} هذه الهاء ضمير الشأن ليس إلاَّ؛ فعلى قولنا: إنَّ الضمير في قوله: {إِنَّهُ رَبِّيۤ} يعود إلى زوجها قطفير، أي: إنه ربِّي سيِّدي، ومالكي أحسن مثواي حين قال لها: {أَحْسَنَ مَثْوَايَ}، فلا يليقُ بالعقل أن أجازيه على ذلك الإحسان بهذه الخيانة القبيحة وقيل: إنها راجعةٌ إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ أي: أنَّ الله ربي أحسن مثواي، أي: تولاَّنِي، ومن بلاء الجبّ عافاني: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} يعني: إن فعلتُ هذا فخنته في أهله بعدما أكرم مثواي، فأنا ظالمٌ، ولا يفلحُ الظالمُونَ. وقيل: أراد الزناة؛ لأنهم ظالمون لأنفسهم؛ لأنَّ عملهم يقتضي وضع الشيء في غير موضعه. فصل ذكر ابنُ الخطيبِ هاهنا سؤالات: الأول: أن يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان حراً، وما كان عبداً، فقوله: {إِنَّهُ رَبِّيۤ} يكون كذباً، وذلك ذنبٌ وكبيرة. والجواب: أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أجرى هذا الكلام بحسب الظاهر على وفق ما كانوا يعتقدون فيه من كونه عبداً. وأيضاً: إنَّه ربه، وأنعم عليه بالوجوه الكثيرة، فعنى بقوله: {إِنَّهُ رَبِّيۤ} كونه مربياً وهو من باب المعاريض الحسنةِ، فإنَّ الظَّاهرِ يحملونه على كونه ربًّا، وهو كأنه يعني به أنه كان مربياً له ومنعماً عليه. السؤال الثاني: ذكر يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الجواب في كلامه ثلاثة أشياء: أحدها: قوله: "مَعَاذ اللهِ". والثاني: قوله: {إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ}. والثالث: قوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} فما وجه تعلُّق هذه الجوابات بعضها ببعض؟. والجواب: هذا الترتيب في غاية الحسن؛ لأن الانقياد لأمر الله ـ تعالى ـ وتكاليفه أهم الأشياء لكثرة إنعامه، وألطافه في حق العبدِ، فقوله: {مَعَاذَ ٱللَّهِ} إشارة أنَّ حقَّ اللهِ يمنعُ من هذا العملِ. وأيضاً: حقوق الخلق واجبة الرعاية، فلما كان هذا الرجل قد أنعم في حقّي، فيقبحُ معامله [إنعامه] بالإساءة. وأيضاً: صونُ النَّفسِ عن الضَّرر واجب، وهذه اللذَّة قليلة، ويتبعها خزيٌ في الدُّنيا وعذابٌ في الآخرة، وهذه اللذَّة القليلة إذا تبعها ضررٌ شديدٌ؛ ينبغي تركها والاحتراز عنها، لقوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} فهذه الجواباتُ الثلاثة مرتبة على أحسن وجوه: الترتيب. السؤال الثالث: هل يدلُّ قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ "مَعاذَ اللهِ" على صحَّةِ القضاء والقدر؟. والجوابُ: أنه يدل دلالة ظاهرة؛ لأنه طلب من الله أن يعيذهُ من العمل، وتلك الإعاذة ليست عبارة من لفظ الفعل، والقدرة وإزاحة الأعذار، وإزالة الموانع وفعل الألطاف؛ لأن كل هذا قد فعله الله ـ تعالى ـ، فيكونُ طلبه إمَّا طلباً لتحصيل الحاصل، أو طلباً لتحصيل الممتنع، وأنَّه محالٌ، فعلمنا أنَّ تلك الإعاذة التي طلبها يوسف من الله ـ تعالى ـ لا معنى لها إلا أن يخلق فيه داعية جازمة في جانب الطاعة، وأن يزيل عن قلبه داعية المعصية، وهو المطلوبُ. ويدلُّ على ذلك: حديث : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما وقع بصره على زينب قال: "يا مُقلِّبَ القُلوبِ ثَبِّتْ قَلبِي على دِينِك"تفسير : وكان المراد منه تقوية داعية الطَّاعة، وإزالة داعية المعصية، فكذا هنا. وكذلك قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : قَلْبُ المُؤمنِ بَيْنَ أصْبُعيْنِ من أصَابع الرَّحْمنِ"تفسير : . قال: والمراد من الأصبعين: داعية الفعل وداعية التَّركِ، وهَاتانِ الدَّاعيتانِ لاَ يَحْصُلانِ إلا بِخلْقِ الله ـ تعالى ـ وإلا لافْتقرَتْ إلى داعيةٍ أخرى، ولزم التَّسلسلُ؛ فثبت أن قول يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "مَعَاذَ اللهِ" من أدل الدَّلائلِ على صحَّة القول بالقضاءِ، والقدرِ. قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [الآية:24] جواب "لولاَ" ما تقدَّم عليها، وقوله: "وهَمَّ بِهَا" عند من يجيزُ تقديم جواب أدوات الشرط عليها، وإما محذوف لدلالة هذا عليه عند من لا يرى ذلك، وقد تقدَّم تقريرُ المذهبين مراراً، كقولهم: "أنْتَ ظَالمٌ إنْ فَعلْتَ"، أي: فعلت، فأنت ظالمٌ، ولا تقول: إن "أنت ظَالمٌ" هو الجوابُ، بل دلَّ عليه دليلٌ، وعلى هذا فالوقف عند قوله: "بُرْهَانَ ربِّه" والمعنى: لولا رُؤيته برهان ربه لهمَّ بها، لكنه امتنع همَّهُ بها لوجودِ رُؤية برهانِ ربِّه، فلم يحصل منه همٌّ ألبتَّة، كقولك: لولا زيدٌ لأكرمتك، فالمعنى: إنَّ الإكرام ممتنعٌ لوجود زيد، وبهذا يتخلَّص من الإشكال الذي يورد، وهو: كيف يليقُ بنبي أن يهم بامرأة. قال الزمخشري: "فإن قلت: قوله: "وهمَّ بِهَا" داخل تحت القسم في قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} أم خارج عنه؟. قلت: الأمران جائزان، و من حقِّ القارىء إذا قصد خروجه من حكم القسم، وجعله كلاماً برأسه أن يقف على قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} ويبتدىء قوله: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}، وفيه أيضاً إشعارٌ بالفرقِ بين الهمَّينِ. فإن قلت: لِمَ جعلت جواب "لَوْلاَ" محذوفاً يدلٌّ عليه: "هَمَّ بِهَا"، وهلاَّ جعلته هو الجواب مقدماً؟. قلت: لأن "لوْلاَ" لا يتقدم عليها جوابها من قبل أنَّه في حكم الشرطِ، وللشَّرطِ صدر الكلام، وهو وما في حيِّزهِ مم الجملتين، مثل كلمة واحدة، ولا يجوزُ تقديمُ بعض الكلمة على بعضٍ، وأما حذف بعضها إذا دلَّ عليه دليلٌ؛ فهو جائزٌ". فقوله: "وأما حذف بعضها....إلخ" جواب عن سؤال مقدرٍ، وهو أنَّهُ إذا كان جواب الشَّرط مع الجملتين بمنزلة كلمةٍ؛ فينبغي أن لا يحذف منهما شيء؛ لأنَّ الكلمة لا يحذفُ منها شيء. فأجاب بأنَّهُ يجوز إذا دلَّ دليل على ذلك، وهو كما قال، ثم قال: فإن قلتَ لمَ جعلتَ "لَوْلاَ" متعلقة بـ"هَمَّ بِهَا" وحدة، ولم تجعلها متعلقة بجملة قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا}؛ لأن الهمَّ لا يتعلق بالجواهر، ولكن بالمعاني، ولا بد من تقدير المخالطةِ، والمخالطة لا تكون إلا من اثنين معاً، فكأنه قيل: همَّا بالمخالطة لولا أن منع مانعٌ أحدهما؟ قلتُ: نعم ما قلت: ولكن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل حيث قال: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} اهـ. والزجاج لم يرتض هذه المقالة، أي: كون قوله: "لَوْلاَ" متعلقة بـ"هَمَّ بِهَا" فإنه قال: ولو كان الكلام "لَهمَّ بِهَا" لكان بعيداً، فيكف مع سُقوطِ الكلام؟ [يعني] الزجاج أنه: لا جائز أن يكون "هَمَّ بِهَا" جواباً لـ: "لَوْلاَ"؛ لأنه لو كان جوابها لاقترن باللاَّمِ؛ لأنه مُثبتٌ، وعلى تقدير أنَّهُ كان مقترناً باللاَّم كان يبعد من جهة أخرى، وهي تقديمُ الجواب عليها. وجواب ما قاله الزجاجُ: ما تقدم عن الزمخشري من أن الجواب محذوفٌ مدلولٌ عليه بما تقدَّم. وأما قوله: [ولو كان] الكلام: "ولهمَّ بِهَا" فغيرُ لازم؛ لأنَّه متى كان جواب "لَوْ"، و"لَوْلاَ" مثبتاً جاز فيه الأمران: اللام وعدمها، وإن كان الإتيانُ باللاَّم هو الأكثر. وتابع ابنُ عطيَّة في هذا المعنى فقال: "قول من قال: إنَّ الكلام قد تمَّ في قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ}، وأن جواب "لَوْلاَ" في قوله: "وهَمَّ بَهَا"؛ وأنَّ المعنى: لولا أن رأى البرهان لهم بها، فلم يهمَّ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: وهذا قولٌ يردُّه لسان العرب، وأقوال السَّلف". فقوله: "يردُّه لسانُ العرب" فليس كذلك؛ لأنَّ وزن هذه الآية قوله: {أية : إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا}تفسير : [القصص:10] فقوله: {إِن كَادَتْ} إمَّا أن تكون جواباً عند من يرى ذلك، وإمَّا أن يكون دالاً على الجواب، وليس فيه خروجٌ عن كلامِ العربِ، هذا ما ردَّ عليه أبو حيَّان. وكأن ابن عطيَّة إنما يعني بالخروج عن لسان العرب تجرد الجواب من اللاَّم على تقدير جواز تقديمه، والغرض أن اللاَّم لم توجد. فصل الهمُّ هو المقاربةٌ من الفعل من غير دخولٍ فيه، فهَمُّهَا: عزمُها على المعصية، وأما همُّه: فرُوِيَ عن أبن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ أنه حلَّ الهميان، وجلس منها مجلسَ الخاتنِ. وعن مجاهدٍ ـ رحمه الله ـ أنَّه حلّ سراويله، وجعل يعالجُ ثيابه، وهذا قولُ سعيد بن جبير، والحسن، وأكثر المتقدمين ـ رضي الله عنهم ـ. وقيل غير ذلك. وقال أكثرُ المتأخِّرين: إنَّ هذا لا يليقُ بحال الأنبياء ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقالوا: تم الكلام عند قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ}، ابتدأ الخبر عن يوسف فقال: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} على التَّقديمِ، والتَّأخير، أي: لولا أنه رأى برهان ربِّه لهم بها، لكنه رأى البُرهان، فلم يهمّ. قال البغويُّ: "وأنكره النُّحاة، وقالوا: إنَّ العربَ لا تُؤخِّرُ "لَوْلاَ" عن الفعلِ فلا يقولون: قُمْتُ لولا زيدٌ، وهي تريدُ: لولا زيدٌ لقُمْتُ". وذكر ابنُ الخطيبِ عن الواحديِّ أنه قال في البسيطِ: "قال المفسِّرُون: هم يوسف أيضاً بالمرأة همَّا صحيحاً، وجلس منها مجلس الرجُل من المرأةِ فلمَّا رأى البُرهانَ من ربه؛ زالت كلُّ شهوة عنه. قال أبُو جعفرٍ الباقرُ بإسناده عن عليِّ ـ كرَّم الله وجهه ـ أنه قال: طمعت فيه، وطمع فيها". ثمَّ إنَّ الواحديَّ طول في كلمات عاريةٍ عن الفائدة في هذا الباب، ولم يذكُر فيما احتج به حديثاً صحيحاً يعوَّل عليه في هذه المقالة، ورُويَ أنَّ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ لمَّا قال: {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [يوسف:52] قال له جبريل عليه السلام: ولا حين هممت يَا يوسف فقال عند ذلك: "ومَا أبرِّىءُ نَفْسِي". وقال بعضُ العلماءِ ـ رضي الله عنهم ـ: الهَمُّ همَّان: همٌّ يخطرُ بالبالِ من غير أن يبرز إلى الفعل. وهمٌّ يخطرُ بالبالِ، ويبرز إلى الفعل، فالأوَّلُ مغفورٌ، والثاني: غير مغفورٍ إلا أنْ يشاءَ اللهُ، ويشهدُ لذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا}، فهمُّهُ ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان خُطُوراً بالبال من غير أن يخرج إلى الفعلِ، وهمُّها خرج إلى الفعل بدليل أنَّها {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} [يوسف:23]، {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ} [يوسف:25]. ويشهد للثاني قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ "حديث : إذَا التَقَى المُسْلمَانِ بسيفَيْهِمَا فالقَاتِلُ والمقْتولُ في النَّار، فَقيلَ يا رسُول اللهِ ـ هَذا القَاتِلُ فمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قال: لأنَّه كَانَ حَرِيصاً عَلَى قَتْلِ صَاحِبهِ ". تفسير : قال ابن الخطيب: وقال المُحققُونَ من المُفسِّرين، والمتكلِّمين: إنَّ يُوسفَ ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان بَرِيئاً من العملِ البَاطلِ، والهَمّ المُحرَّم، وبه نقولُ، وعنه نذبُّ، والدلائل الدَّالةُ على وُجوبِ عصمة الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ مذكورة مقرّرة ونزيد هاهنا وجوهاً: الأول: أن الزِّنا من منكراتِ الكبائرِ، والخيانةٌ في معرض الأمانةِ أيضاً من منكرات الذُّنوبِ وأيضاً: الصبيُّ إذا تربَّى في حجر الإنسان، وبقي مكفيَّ المؤنةِ، مصون العرضِ من أوَّلِ صباهُ إلى زمان شبابه، وكما قوَّته، فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم المفضل من منكرات الأعمال، وإذا ثبت هذا فنقول: إن هذه المعصية إذا نسبوها إلى يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ كانت موصوفة بجميع الجهالات، ومثلُ هذه المعصية إذا نسيت إلى أفسقِ خلقِ الله، وأبعدهم من كلِّ حسنٍ، لا ستنكف منه، فكيف يجوز إسنادهُ إلى الرَّسولِ المُؤيّد بالمعجزات الباهرة مع قوله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ} وأيضاً فلا يليق بحكمة الله تعالى وذلك يدلُّ على أنَّ ماهيَّة السُّوء، وماهية الفحشاء مصروفةٌ عنه، والمعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع السوء، والفحشاء، وأيضاً فلا يليق بحكمة الله ـ تعالى ـ أن يحكي عن إنسان إقدامه على معصية، ثم يمدحه، ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية عقيب ما حكى عنه ذلك الذَّنب العظيم، فإنَّ مثاله ما إذا حكى السطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب، وأفحش الأعمال، ثم يذكره بالمدح العظيم، والثناءِ البالغ عقيبه، فإنَّ ذلك مستنكرٌ جدًّا، فكذا هاهنا. وأيضاًَ: فإن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ متى صدرت عنهم زلةٌ، أو هفوةٌ؛ استعظموا ذلك، وأتبعوه بإظهار النَّدامةِ، والتوبة، والتَّواضع، ولو كان يوسف أقدم ههنا على هذه الكبيرة المنكرة، لكان من المحال أن لا يتبعها بالتَّوبةِ، والاستغفار، ولو أتى بالتَّوبةِ لحكى الله ذلك عنه كما في سائر المواضع، وحيثُ لم يقع شيءٌ من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب، ولا معصية. وأيضاً: فكلُّ من كان له تعلق بهذه الواقعة، فقد شهد ببراءة يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن المعصية، والذين لهم تعلق بهذه الواقعة: يوسف والمرأة وزوجها، والنسوة الشهود، ورب العالم، وإبليس. فأمَّا يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فادَّعى أنَّ الذنب للمرأة وقال: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} [يوسف:26] و {أية : قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}تفسير : [يوسف:33] وأما المرأة، فاعترفت بذلك، وقالت للنسوة: {أية : وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ}تفسير : [يوسف:32] وقالت: {أية : الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}تفسير : [يوسف:51] وأمَّا زوج المرأة فقوله: {إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ} [يوسف:28ـ 29]. وأمَّا الشهود فقوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ} [يوسف:26]. وأمَّا شهادة الله ـ تعالى ـ بذلك فقوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} [يوسف:24] فقد شهد الله ـ تعالى ـ في هذه الآية على طهارته أربع مرات: أولها: قوله: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ}. وثانيها: قوله: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ}. والثالث: قوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا} مع أنه تعالى قال: {أية : وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا}تفسير : [الفرقان:63]. والرابع: قوله: "المُخْلصِينَ"، وفيه قراءتان تارة باسم الفاعل، وأخرى باسم المفعول وهذا يدلُّ على أنَّ الله ـ تعالى ـ استخلصه لنفسه، واصطفاه لحضرته، وعلى كل [وجه] فإنَّه أدلُّ الألفاظ على كونه منزهاً عمَّا أضافوه إليه. وأما إقرار إبليس بطهارته فقوله: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص:82ـ83] فهذا إقرارٌ من إبليس بأنه ما أغواهُ، وما أضله عن طريق الهدى، فثبت بهذه الدَّلائل أنَّ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ بريءٌ عمَّا يقوله هؤلاء. وإذا عرفت هذا فنقول: الكلام على ظاهر هذه الآية [يقع] في مقامين: المقام الأول: أن نقول: إنَّ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما همَّ بها، لقوله تعالى: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}، وجواب "لَوْلاَ" ههنا مقدمٌ، وهو كما يقالُ: قد كنت من الهَالكينَ لولا أنَّ فلاناً خلصك، وطعن الزَّجاجُ في هذا الجواب من وجهين: الأول: أن تقديم جواب "لَوْلاَ" شاذٌّ، وغير موجود في الكلامِ الفصيحِ. الثاني: [أنَّ] "لَوْلاَ" يجابُ جوابها باللاَّمِ، فلو كان الأمرُ على ما ذكرتم لقال: ولقد همَّت به، ولهم بها لوْلاَ. وذكر غير الزجاج سؤالاً ثالثاً، وهو: أنَّهُ لو لم يوجد الهمُّ لما كان لقوله: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} فائدة. واعلم أنَّ ما ذكَرهُ الزجاجُ بعيدٌ؛ لأنَّا [لا] نُسلِّم أنَّ تأخير جواب "لَوْلاَ" حسنٌ جائزٌ، إلا أنَّ جوازه لا يمنعُ من جواز تقديم هذا الجواب، فكيف وقد نُقل عن سيبويه أنَّه قال: "إنَّهم يُقدِّمون الأهمَّ فالأهَمَّ"، والذي همَّ بشأنه أعنى؛ فكان الأمر في جواز التقديم، والتَّأخير مربوطاًً بشدَّة الاهتمام، فأمَّا تعيينُ بعض الألفاظِ بالمنع، فذلك ممَّا لا يليقٌ بالحكمةِ، وأيضاً ذكرُ جوابِ "لَوْلاَ" باللاَّم جائزٌ، وذلك يدلُّ على أنَّ ذكره بغير اللاَّم لا يجوزُ، وممَّا يدل على فسادِ قول الزجاجِ قوله تعالى: {أية : إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا}تفسير : [القصص:10]. وأما قوله: لو لم يوجد الهم لم يبق لقوله: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} فائدة. فنقولُ: بل فيه أعظم الفوائدِ: وهو بيان أنَّ ترك الهمِّ بها ما كان لعدم رغبته في النِّساءِ، ولا لعدمِ قدرته عليهنَّ؛ بل لأجلِ أنَّ دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، ثم نقول: الذي يدلُّ على أنَّ جواب: "لَوْلاَ" ما ذكرناه أن "لَوْلاَ" تستدعي جواباً، وهذا المذكور يصلح جواباً له؛ فوجب الحكم بكونه جواباً له لا يقال: إنَّا نضمر له جواباً، وتركُ الجواب ذكر في القرآن، فنقول: لا نزاع أنه ذكر في القرآن، إلا أنَّ الأصل ألاّ يكون محذوفاً. وأيضاً: فالجواب إنَّما يحسن تركه، وحذفه، إذا حصل في الملفوظ ما يدلُّ على تعيينه، وههنا بعيد أن يكون الجواب محذوفاً؛ لأنَّه ليس في اللفظِ ما يدلُّ على تعيين ذلك الجواب، فإن ههنا أنواعاً من الإضمارات، يحسن إضمار كل واحد منها، وليس إظمار بعضها أولى من إضمار البعض الباقي فظهر الفرقُ. المقام الثاني: سلمنا أنَّ الهمّ قد حصل إلاَّ أنّا نقول: إن قوله: "وهمَّ بِهَا" لا يمكنُ حمله على ظاهره؛ لأنَّ تعليق الهمّ بذات المرأة مُحالٌ؛ لأنَّ الهمّ من جنس القصد، والقصدُ لا يتعلق بالذَّوات؛ فثبت أنَّهُ لا بد من إضمار فعلٍ محذوف يجعل متعلق ذلك الفعل غير مذكور، فهم زعموا أنَّ ذلك الفعل المضمر هو إيقاع الفاحشة بها، ونحن نضمر شيئاً آخر يغاير ما ذكروه وهو من وجوه: الأول: المراد أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ همَّ بدفعها عن نفسه، ومنعها من ذلك القبيح؛ لأنَّ الهمَّ هو القصدُ، فوجب أن يحمل في حق كُلِّ واحدٍ على القصدِ الذي يليقُ به، فالأليقُ بالمرأة القصد إلى تحصيل اللَّذة، والتَّمتُّع، وأليق بالرسُولِ المبعوث إلى الخلقِ القصد إلى زَجْرِ العاصي عن معصيته، وإلى الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، يقال: هَمَمْتُ بفلان، أي: قصدته ودفعته. فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} فائدة قلنا: بل فيه أعظمُ الفوائد، وبيانه من وجهين: الأول: أنه ـ تعالى ـ أعلم يوسف أنه لو همَّ بدفعها لقتلته، أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله ـ تعالى ـ أنَّ الامتناع من ضربها أولى، لصون النَّفس عن الهلاك. الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم لو اشتغل بدفعها عن نفسه، فرُبَّما تعلقت به، فكان يتخرق ثوبه من قُدَّام، وكان في علم الله أنَّ الشَّاهد سيشهد أن ثوبه لو خرق من قدام، لكان يوسف هو الخائنُ، ولو كان ثوبه مخرَّقاً من خلفه لكانت المرأة هي الخائنة، والله ـ تعالى ـ أعلمه بهذا المعنى، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه، بل ولَّى هارباً منها حتى صارت شهادةُ الشَّاهد حجَّة له على براءته عن المعصية. الوجه الثاني في الجواب: أن يفسر الهَمُّ بالشَّهوةِ، وهذا مستعملٌ في اللغة الشَّائعة، يقولُ القائلُ فيما لا يشتهيه: لا يهمُّنِي هذا، وفيما يشتهيه: هذا أحبُّ الأشياءِ إليّ، فسمَّى الله شهوة يوسف همًّا. والمعنى: لقد اشتهته، واشتهاها لولا أن رأى برهان ربِّه لدخل ذلك العملُ في الوجود. الثالث: أن يفسر الهمُّ بحديث النَّفس؛ وذلك لأنَّ المرأة الفائقة في الحسن والجمال، إذا تزينت، وتهيّأت للرَّجل الشَّاب القوي، فلا بد أن يقع هناك بين الشهوة والحكمة، وبين النفس، والعقل محادثات، ومنازعات، فتارة تقوى داعيةُ الطبيعة والشهوة، وتارة تقوى داعية العقل والحكمة، والهمُّ عبارة عن محادثات الطبيعة ورؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية، ومثاله: أنَّ الرَّجل الصَّالح الصَّائم في الصيف الصَّائف، إذا رأى الجلاب المبرِّد بالثَّلج، فإن طبيعته تحمله على شربه إلا أنَّ دينه يمنعه منه، فهذا لا يدلُّ على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة في القيام بلوازم العبوديَّة أكمل، فظهر بحمد الله صحَّة القول الذي ذهبنا إليه، ولم يبق في يد الواحدي إلا مجرَّد التَّصلف، وتعديد أسماءِ المفسرين، ولو ذكر في تقرير ذلك القول شبهة لأجبنا عنها إلا أنَّه ما زاد عن الرواية عن بعض المفسِّرين. واعلم أنَّ بعض الحشويَّة روى عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما كَذبَ إبْراهِيمُ إلاَّ ثلاثَ كَذبَاتٍ"تفسير : : فقلت: الأولى ألاَّ تقبل مثل هذه الأخبار فقال على [طريق] الاستنكار: إن لم نقبله لزمنا تكذيبُ الرُّواةِ، فقلت له: يا مسكينُ إن قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة، ولا شك أن صون إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ عن الكذب أولى من صون طائفةٍ من المجاهيل عن الكذب. إذا عرفت هذا الأصل، فنقولُ للواحدي: ومن الذي يضمنُ لنا أنَّ الذين نقلوا هذا القول عن هؤلاء المفسرين كانوا صادقين، أو كاذبين. والله أعلم. فصل اختلفوا في البرهان ما هو؟. فقال المحققون المثبتون للعصمة: رُؤيةُ البُرهانِ على وجوهٍ: الاول: أنه حجَّة الله ـ تعالى ـ في تحريم الزِّنا، والعلمُ بما على الزَّاني من العذاب. الثاني: أن الله تعالى ـ طهَّر نفوس الأنبياء عن الأخلاق الذَّميمة، بل نقول: إنه ـ تعالى ـ، طهر نفوس المتصلين بهم عنها، كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}تفسير : [الأحزاب:33] والمراد برؤية البرهان: هو حصولُ ذلك الإخلاص، وترك الأحوال الدَّاعية به إلى الإقدام على المنكرِات. الثالث: أنه رأى مكتوباً في سقف البيت: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء:32]. الرابع: أنَّهُ النبوة المانعةُ من ارتكابِ الفواحشِ، ويدلُّ عليه أنَّ الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بعثوا لمنع الخلقِ من القبائح، فلو أنَّهم منعوا النَّاس عنها، ثم أقدموا على أقبح أنواعها لدخلوا تحت قوله {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف:2] وايضاً: فإن الله ـ تعالى ـ عيَّر اليهود بقوله {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة:44] وما كان عيباً في حق اليهود، كيف ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بالمعجزات. وأمَّا الذين نسبوا المعصية إلى يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ فذكروا في ذلك البرهان وجوهاً: الأول: أنَّ المرأة قامت إلى صنم مكلَّلٍ بالدُّرِّ، والياقوت في زاوية البيت، فسترته بثوبٍ، فقال يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ، [ولم؟ قالت: أستحي من إلهي أن يراني على المعصية، فقال يوسف:] أتستحين من صنم لايسمعُ، ولا يبصرُ ولا أستحي من إلهي القائمِ على كلِّ نفس بما كسبت، فوالله لا أفعلُ ذلك أبداً، قال هذا هو البُرهَانُ. الثاني: نقلُوا عن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ أنَّهُ تمثَّل له يعقوب، فرآه عاضًّا على أصبعه يقول له: لا تعمل عمل الفُجَّار، وأنت مكتوبٌ في زمرة الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فاستحى منه. قالوا: وهو قول عكرمة، ومجاهدٍ، الحسن، وسعيد بن جبير. وروى سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ تمثَّل له يعقوب، فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله. الثالث: قالوا: إنَّه سمع في الهواء قائلاً: يا بْنَ يعقوب، لا تكن كالطَّير له ريش، فإذا زنا ذهب ريشه. الرابع: نقلوا عن ابن عباس أن يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم ينزجر بكلامِ يعقوب حتى ركضه جبريلُ، فلم يبقَ به شيءٌ من الشَّهوة إلا خرج. قال ابنُ الخطيب: "ولما ذكر الواحديُّ هذه الروايات تصلف وقال: هذا الذي ذكرنا قول أئمَّة التَّفسير الذين أخذوا التَّأويل عمن شاهدوا التنزيل فيقال له: إنَّك لا تأتينا ألبتة إلا بهذه التصلفات التي لا فائدة فيها، فأين هذا من الحجة والدليل الذي ذكرناه، وأيضاً: فإن ترادف الدلائل على الشَّيء الواحد جائزٌ وإنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان ممتنعاً من الزِّنا بحسب الدَّلائل الأصلية، فلما انضاف إليها هذه الزَّواجِر ازدادت قوةً. وأيضاً: روي أن جبريل عليه الصلاة والسلام امتنع من دخول حجرة النبي المختار ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بسبب وقع هناك بغير علمه؛ قالوا: فامتنع جبريل عليه السلام من الدخول [عليه] أربعين يوماً، وههنا زعموا أنَّ يوسف حين اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبريل، والعجب أيضاً أنَّهم زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبريل ـ عليه السلام ـ، ولو أنَّ أفسق الخلق، وأكفرهم كان مشتغلاً بفاحشة، فإذا دخل عليه رجلٌ في زِيّ الصَّالحين استحى منه؛ وترك [ذلك] العمل وهاهنا يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ عضّ على أنامله، فلم يلتفت، ثمَّ إنَّ جبريل ـ عليه الصلاة والسلام ـ على جلالة قدره دخل عليه، فلم يمتنع أيضاً عن ذلك القبيح بدخوله حتى احتاج جبريل إلى أن ركضه على ظهره". فنسأل الله أن يصوننا عن الغي في الدين، والخذلان في طلب اليقين. فصل والفرق بين السوء، والفحشاء من وجهين: الأول: أنَّ السوء: جناية اليد، والفحشاء: الزِّنا. الثاني: السُّوء: مقدمات الفاحشة من القُبلةِ، والنَّظر بالشَّهوة. والفحشاءُ: هو الزنا. قوله: "وكَذلِكَ" في هذه الكاف أوجه: أحدها: أنَّها في محل نصبٍ، وقدَّره الزمخشريُّ مثل ذلك التَّثبيتِ ثبَّتناه. وقدَّرهُ الحرفيُّ أريناه البراهين بذلك، وقدَّره ابنُ عطيَّة: جرت أفعالنا، وأقدارنا كذلك، وقدره أبو البقاء: نراعيه كذلك. الثاني: أن الكاف في محل رفع، فقدَّره الزمخشريُّ، وأبو البقاء: الأمر مثل ذلك، وقدَّره ابنُ عيطة: عصمته كذلك. وقال الحوفيُّ: أمر البراهين بذلك ثمَّ قال: والنصب أجودُ لمطالبة حروف الجرّ للأفعال أو معانيها. الثالث: أنَّ في الكلام تقديماً، وتأخيراً، تقديره: همَّت به، وهمَّ بها كذلك ثم قال: لولا أن رأى برهان ربه، كذلك لنصرف عنه ما هم بها هذا نص ابن عطيَّة. وليس بشيءٍ؛ إذْ مع تسليم جوازِ التَّقديم، والتَّأخير لا معنى لما ذكره. قال أبو حيَّان: وأقولُ: إنَّ التقدير: مثل تِلْك الرُّؤية، أو مثل ذلك الرَّأي نري براهيننا، لنصرف عنه، فتجعل الإشارة إلى الرَّأي، أو الرُّؤيةِ، والنَّاصب الكاف مما دل عليه قوله: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}، و"لِنَصْرفَ" متعلق بذلك الفعل النَّاصب للكاف، ومصدر "رَأى" "رُؤيةٌ ورأيٌ"؛ قال: [الرجز] شعر : 3067ـ ورَأيُ عَيْنَيَّ الفَتَى أبَاكَا [يُعْطِي الجَزيلَ فعَليْكَ ذَاكَا] تفسير : وقرأ الأعمش "ليَصْرِفَ" بياء الغيبةِ، والفاعل هو الله ـ سبحانه وتعالى ـ قوله تعالى: {ٱلْمُخْلَصِينَ} قرأ هذه اللفظة [حيث وردت] إذا كانت معرفة بأل مكسورة اللام: ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر أي: الذين أخلصوا دينهم لله على اسم الفاعلِ، والمفعول محذوفٌ، والباقون بفتحها على أنَّه اسم مفعولٍ من أخلصهم الله، أي: اجتباهم، واختارهم، وأخلصهم من كلِّ سوءٍ، ويحتمل أن يكون لكونه من ذرية إبراهيم قال فيهم: {أية : إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ}تفسير : [ص:46]. وقرأ الكوفيُّون في مريم {أية : إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً}تفسير : [مريم:51] بفتحِ اللاَّم بالمعنى المتقدم والباقون بكسرها بالمعنى المتقدم. قوله تعالى: {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ} [الآية:25] "البَابَ" منصوبٌ إمَّا على إسقاطِ الخافض اتّساعاً، إذ أصلُ "اسْتبَقَ" أن يتعدَّى بـ"إلى"، وإما على تضمين "اسْتَبقَ" معنى ابتدر، فينصب مفعولاً به. قوله تعالى: {وَقَدَّتْ} يحتمل أن تكون الجملة نسقاً على "اسْتبقَا" أي: استبق، وقدت، ويحتمل أن يكون في محل نصب على الحال، أي: وقد قدَّت. والقدّ: الشَّقُّ مطلقاً، قال بعضهم: القدُّ: فيما كان يشقُّ طولاً والقطُّ: فيما كان يشقُّ عَرْضاً. قال ابن عطية "وقرأت فرقة: وقَطّ" قال أبو الفضل بنُ حربٍ: رأيت في مصحف "وقطَّ مِنْ دبُرٍ" أي: شقَّ. قال يعقوب: القطُّ في الجلدِ الصحيح، والثوب الصحيح؛ وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 3077ـ تَقُدُّ السَّلُوقيَّ المُضاعفَ نَسْجهُ وتُوقِدُ بالصفَّاحِ نَارَ الحُباحِبِ تفسير : فصل قال العلماء ـ رضي الله عنهم ـ وهذا الكلامُ من اختصار القرآن المعجز الذي يجتمع فيه المعاني، وذلك أنَّ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما رأى برهان ربِّه، خرج حينئذ هارباً، وتبعته المرأة فتعلقت بقميصه من خلفه، فجذبته إليها حتى لا يخرج "وقدَّتْ قَميصَهُ" [أي]: فشققته المرأة من دبر. والاستباقُ: طلبُ السَّبْق، أي: يجتهدُ كلُّ واحدٍ منهما أن يسبق صاحبهُ فإن سبق يوسف فتح الباب، وخرج، وإن سبقت المرأةُ أمسكتِ الباب لئلا يخرج فسبقها يوسف ـ عليه السلام ـ إلى الباب، والمرأة تعدو خلفه، فلم تصلْ إلا إلى دبر القميص، فتعلقت به فقدته من خلفه، فلمَّا خرجا "ألْفَيَا"، أي: وجدا "سيِّدهَا"، وإنما لم يقل سيدهما؛ لأنَّ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يكن مملوكاً لذلك الرجل حقيقة "لَدى البابِ" أي: عند البابِ، والمرأة تقول لبعلها: سيِّدي. فإن قيل: فالمرأةُ أيضاً ليست مملوكة لبعلها حقيقة. فالجواب: أن الزَّوج لما ملك الانتفاع بالمرأة من الوطء والخلوةِ، والمباشرةِ، والسفر بها من غير اختيارها أشبهت المملوكة، فلذلك حسن إطلاقُ السيِّد عليه. قال القرطبيُّ: "والقبط يسمون الزوج سيداً، ويقال: ألفاه، وصادفهُ، وواله ووَالطَه، ولاطَهُ، كلٌّ بمعنى واحدٍ". فعند ذلك، خافتِ المرأةُ من التُّهمةِ، فبادرت إلى أن رمتْ يوسف ـ عليه السلام ـ بالفعلِ القبيح، {وقالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً} يعنى الزِّنا، ثم خافت عليه أن يقتل فقالت: {إلاَّ أن يُسجنَ}، أي: يحبس، {أوْ عذابٌ أليمٌ} أي: يُعَاقبُ بالضَّربِ. قوله: "مَا جزاءُ" يجوز في "مَا" هذه أن تكون نافية، وأن تكون استفهاميَّة، و"مَنْ" يجوز أن تكون موصولة، أو نكرة موصوفة. قوله: {إلاَّ أن يُسجنَ} خبر المبتدأ، ولما كان "أن يُسْجنَ" في قوَّة المصدر عطف عليه المصدر، وهو قوله: "أوْ عذابٌ". و "أوْ" تحتملُ معانيها، وأظهرها التنويع. وقرأ زيد بن عليّ: (أو عذاباً أليماً) بالنصب، وخرَّجه الكسائي على إضمار فعل، أو أن يعذَّب عذباً أليماً. قوله: "هِيَ"، ولم يقل هذه، ولا تلك، لفرط استحيائه، وهو أدبٌ حسنٌ حيث أتى بلفظ الغيبة دون الحضور. فصل قال ابن الخطيب: في الآية لطائف: إحداها: أن حُبَّها الشَّديد ليوسف، حملها على رعايةِ دقيقتين في هذا الموضع، وذلك لأنَّها بدأت بذكر السِّجن، وأخرت ذكر العذاب؛ لأنَّ المحبَّة لا تسعى في إيلام المحبوب، وأيضاً: لم تقل إنَّ يوسف يجب أن يقابل بهذين الأمرين، بل ذكرت ذلك ذكراً كليًّا صوناً للمحبوب عن الذِّكر بالشر وأيضاً قالت: {إلاَّ أن يُسجنَ} والمرادُ أن يسجن يوماً، أو يومين، أو أقل على سبيل التخفيف، فأمَّا الحبسُ الدَّائمُ فإنَّه لا يعبَّر عنه بهذه العبارة، بل يقال: يجبُ أن يجعل من المسجونين، كما قال فرعون لموسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين هدَّدهُ {أية : لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ}تفسير : [الشعراء:29] وأيضاً: لما شاهدت من يوسف أنه استعصم، مع أنه كان في عنفوان العمر، وكمال القوة، ونهاية الشهوة، وعظم اعتقادها في طهارته، ونزاهته، فاستحيتْ أن تقول: إنَّ يوسف قصدني بالسُّوءِ، ولم تجد من نفسها أن ترميهُ بالكذبِ، وهؤلاء نسبُوا إليه هذا الذَّنب القبيحَ. وأيضاً: يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ أراد أن يضربها، ويدفعها عن نفسه [وكان] ذلك بالنسبة إليها جارياً مجرى السُّوء، فقولها {ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً} له ظاهر وباطن، باطنه أنَّها التي أرادت السُّوء، وظاهره دفعه لها ومنعها، فأرادت بقولها: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً} فعل نفسها بقلبها، أو في ظاهر الأمر، أو همت أنه قصدني بما لا ينبغي، ولما لطَّخت عرض يوسف بهذا الكلام؛ احتاج يوسف إلى إزالة هذه التهمة فقال: {هي راودتني عن نفسي} واعلم أنَّ العلاماتِ الكثيرة دالةٌ على صدق يوسف: منها: أنَّ يوسف ـ عليه السلام ـ في ظاهر الأمر كان عبداً لهم، والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذه الحدّ. ومنها: أنَّهم شاهدوا يوسف هارباً ليخرج، والطالبُ للمرأة لا يخرج من الدَّار على هذا الوجه. ومنها: أنهم رأوا المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه، ويوسف لم يكن عليه أثر من آثار تزيين النَّفس. ومنها: أنَّهم كانوا شاهدوا أحوال يوسف في المُدَّة الطَّويلة، فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر. ومنها: أنَّ المرأة ما نسبته إلى طلب الفاحشة على سبيل التصريح، بل ذكرت كلاماً مجملاً، وأما يوسف فإنَّه صرَّح بالأمر، ولو كان مطاوعاً لها، ما قدر على التَّصريح، فإنَّ الخائنَ خائفٌ. وكلُّ هذه الوجوه مما يقوِّي غلبة الظن ببراءة يوسف في هذه المسألة، ثم إنَّه ـ تعالى ـ أظهر ليوسف دليلاً يقوي تلك الدَّلائل على براءته من الذَّنب، وأن المرأة هي المذنبة، وهو قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} فقوله: "مِنْ أهْلِهَا" صفة لـ: "شَاهِدٌ"، وهو المسوغ لمجيء الفاعل من لفظ الفعل، إذْ لا يجوزُ قام القائم، ولا: قعد القاعدُ، لعدم الفائدةِ. واختلفوا في ذلك الشَّاهد على ثلاثةِ أقوالٍ: الأول: أنه كان ابن عمَّها، وكان رجلاً حكيماً، واتَّفق في ذلك الوقت أنَّهُ كان مع زوجها، يريد أن يدخل عليها، وفقال الحكيمُ: {إنْ كَانَ قَميصهُ قُدَّ مِنْ قُبلِ}، فأت صادقة، والرَّجلُ كاذبٌ، {وإنْ كانَ قَمِيصهُ قُدَّ مِنْ دُبرٍ}، فالرَّجلُ صادقٌ، وأنت كاذبة فلما نظرُوا إلى القميصِ رأوا الشقَّ من خلفه، قال ابن عمِّها: {إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [أي: من عَملكن] ثم قال ليوسف: "أعْرِضْ عَنْ هَذَا" أي اكتمهُ، وقال لها: {وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ}، وهذا قولُ السدي، وطائفة من المفسرين. قال السُّهيلي: وهذا من باب الحكم بالأمارات، وله أصلٌ في الشَّرعِ، قال تعالى: {أية : وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}تفسير : [يوسف:18] حيثُ لا أثر لأنياب الذئب فيه، وقال تعالى: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ} وقال عليه الصلاة والسلام في الحدّ: "حديث : انْظرُوا فإنْ جَاءَتْ بِهِ أبْيضَ خَالياً فَهُو للَّذي رُمِيَتْ بِهِ ". تفسير : قال السهيلي: كان عامر بن الظرب العدوانيُّ لا يكون بين العرب ثائر إلا تحاكموا إليه فيرضون بما يقضي به، فتحاكموا إليه في ميراث خنثى بات ليلة ساهراً يرى ماذا يحكم به؟ فرأته جارية له ترعى، وكان اسمها سخيلة، فقالت له: ما لك، لا أبا لك اللَّيلة ساهِراً؛ فذكر لها ما هو مفكر فيه، وقال: لعلها يكون عندها في ذلك شيء، فقالت له: "اتْبَع القضاء المَبال" فقال: فرجتها والله يا سخيلة، وحكم بذلك القول. القول الثاني: منقولٌ عن ابن عبَّاسٍ، وسعيد بن جبيرٍ، والضحاك ـ رضي الله عنهم ـ أن ذلك الشَّاهد كان صبيًّا في المهد، أنطقه اللهُ. قال ابن عبًّاس ـ رضي الله عنه ـ: تكلَّم في المهدِ ثلاثةُ صغارٍ: شاهدُ يوسف، وعيسى ابن مريم عليه السلام، وصاحبُ جريج الرَّاهب. قال الجبائيُّ: القول الأول أولى لوجوه: الأول: أنَّه ـ سبحانه وتعالى ـ لو أنطق الطفل بهذا الكلام، لكان مجرد قوله: "إنَّها كَاذبةٌ" كافياً، وبرهاناً قاطعاً؛ لأنَّه من المعجزات العجيبة الباهرة والاستدلال بتمزيق القميص من قُبُل ومن دُبُرٍ دليل ظنيّ ضعيف، والعدول عن الحجَّة الواضحة القاطعة حال حصولها إلى الدلالة الظَّنية لا يجوزُ. الثاني: أنه ـ تبارك وتعالى ـ قال: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} يشيرُ بذلك إلى أنَّ شهادة الشَّاهد على قريبه، أولى بالقبولِ من شهادته له؛ لأن الظاهر من حال القريب أن يشهد لقريبه، لا أن يشهد عليه، وهذا التَّرجيحُ إنما يُصَارُ إليه إذا كانت دلالة الشَّهادة ظنية، وذلك إنَّما يكون في شهادة الرجل، ولو كان هذا القول صادراً من الصَّبي الذي كان في المهد، لكان قوله حجَّة قاطعة، ولا يتفاوتُ الحال بين أن يكون من أهلها، وبين ألا يكون، وحينئذٍ لا يبقى لهذا القيد وجه. الثالث: أن لفظ الشَّاهد لا يقعُ في العرف، إلا على من تقدَّمت معرفته بالواقعة، وإحاطته بها. القول الثالث: أن هذا الشاهد هو القميص، قال مجاهد ـ رضي الله عنه ـ الشاهد: "قُدَّ قيمصه من دُبُر"، وهذا في غاية الضعف؛ لأن القميص لا يوصف بهذا ولا ينسب إلى الأهل. واعلم أنَّ القول الأول عليه إشكال، وذلك أنَّ العلامة المذكورة لا تدلُّ قطعاً على براءة يوسف من المعصية؛ لأن من المحتملِ أنَّ الرجل قصد المرأة لطلب الزِّنا، والمرأة غضبت عليه، فهرب الرجل، فعدتِ المرأةُ خلف الرجل، وجذبته لقصد أن تضربه ضرباً وجيعاً، فعلى هذا الوجه يكون قدُّ القميص من دبرٍ، مع أنَّ المرأة تكون بريئة عن [الذنب] وأنَّ الرجل يكون مذنباً. جوابه: أنَّا بيَّنا أنَّ علامات كذب المرأة كانت كثيرة بالغة مبلغ اليقين، فضمّ إليها هذه العلامة الأخرى، لا لأجل أن يُعوِّلُوا في الحكم عليها، بل لأجل أن يكون ذلك جارياً مجرى المقدمات، والمرجّحات. قوله: "إنْ كَانَ..." هذه الجملة الشرطية، إما معمولةٌ لقولٍ مضمر تقديره: "فقال" إن كان عند البصريين، وإمَّا معمولة "لِشَهدِ"؛ لأنه بمعنى القول عند الكوفيين. قوله "مِنْ دُبرٍ.."، و "مِنْ قُبُلٍ..." قرأ العامَّة جميع ذلك بضمتين، والجر والتنوين، بمعنى: من خلف، من قدام، أي: من خلف القميص، وقدامه وقرأ الحسن، وأبو عمرو في رواية بتسكين العين تخفيفاً، وهي لغة الحجاز، وأسد، وقرأ ابن يعمر، وابن أبي إسحاق [والعطاردي والجارود بثلاث ضمات، وروي عن الجارود وابن أبي إسحاق وابن يعمر] أيضاً بسكون العين وبنائهما على الضم ووجه ضمهما: أنَّهم جعلوهما كـ"قَبلُ، وبعْدُ" في بنائها على الضم عند قطعهما عن الإضافة، فجعلوهما غاية، ومعنى الغاية: أن يجعل المضاف غاية نفسه، بعد ما كان المضاف إليه غايته، والأصل إعرابهما؛ لأنَّهما اسمان متمكنان، وليسا بظرفين. قال أبو حاتم: وهذا رديءٌ في العربية، وإنما هذا البناء في الظروف. وقال الزمخشري: "والمعنى: من قبل القميص، ومن دُبرهِ، وأما التنكيرُ فمعناه: من جهةٍ يقال لها قبلٌ، ومن جهة يقال لها دبرٌ" وعن ابن أبي إسحاق: أنَّهُ قرأ "مِنْ قُبْلَ"، و"مِنْ دُبْرَ" بالفتح كأنَّه جعلهما علمين للجهتين، فمنعهما الصرف للعلمية، والتَّأنيث، وقد تقدم [البقرة:235] الخلاف في "كان" الواقعة في حيز الشرط، هل تبقى على معناها من المضي، وإليه ذهب المبرِّدُ، أم تنقلب إلى الاستقبال كسائر الأفعالِ، وأنَّ المعنى على التَّبيينِ؟. قوله: "فَكذَبَتْ"، و"صَدقَتْ" على إضمار"قَدْ"، لأنها تقرب الماضي من الحالِ، هذا إذا كان الماضي متصرِّفاً، فأما إذا كان جامداً، فلا يحتاجُ إلى "قَدْ" لا لفظاً، ولا تقديراً. قوله: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ}: أي: فلمَّا رأى زوجها قميصه قُدّ من دُبُرٍ؛ عرف خيانة امرأته، وبراءة يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قال لها: "إنَّهُ"، هذا الصَّنِيعُ، أو قولك {ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً} {مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} وقيل: هذا من قول الشاهد. فإن قيل: إنه ـ تعالى ـ قال: {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً}تفسير : [النساء:28] فكيف وصف كيد المرأة بالعظيم، وأيضاً: فكيدُ الرِّجال قد يزيدُ على كيد النِّساءِ؟. فالجواب عن الأوَّل: أن خلقة الإنسان بالنِّسبة إلى خلقة الملائكة، والسموات، والكواكب خلقة ضعيفة، وكيد النسوان بالنسبة إلى كيد البشر عظيمٌ؛ ولا منافاة بين القولين، وأيضاً: فالنِّساءُ لهُنَّ من هذا الباب من المكْرِ، والحِيل، ما لا يكون للرجال؛ لأنَّ كيدهنَّ في هذا الباب، يورث من العار ما لا يورثه كيدُ الرَّجال. ولما ظهر للقوم براءةٌ يوسف عن ذلك الفعل قال زوجها ليوسف: "أعْرِضْ عَنْ هَذَا" الحديث، فلا تذكرة لأحدٍ حتى لا ينتشر، ولا يحصلُ العارُ العظيم وقيل: إنَّهُ من قول الشَّاهد. ثم قال للمرأة ["واستغفري لِذنبكِ" إي: إلى الله {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} وقيل هذا من قول الشاهد] "واسْتَغفِري"، أي: اطلبي من زوجك المغفرة، والصَّفح؛ حتَّى لا يعاقبك. قال أبو بكرٍ الأصمُّ: إنَّ ذلك الزوج كان قليل الغيرةِ، فاكتفى منها بالاستغفار وقيل: إنَّ الله ـ تعالى عزَّ وجلَّ ـ سلبه الغيرة لطفاً بيوسف، حتى كفى بادرته وحلم عنها. قال الزمخشري: "وإنما قال: {مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ}؛ تغليباً للذكور على الإناث" ويحتملُ أن يقال: إنك من قبيل الخاطئين، فمن ذلك القبيل جرى ذلك العرفُ فيك. قال البغوي ـ رحمه الله ـ: تقديره: إنَّك من القوم الخاطئين، ولم يقصد به الخبر عن النِّساء؛ بل قصد الخبر عن كُلِّ من يعفعلُ ذلك؛ كقوله تعالى: {أية : وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ}تفسير : [التحريم:12]، بيانه قوله: {أية : إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ}تفسير : [النمل:43]. قوله تعالى: "يُوسُفُ"، منادى محذوفٌ منه حرفُ النداءِ. قال الزمشخريُّ: "لأنه منادى قريب مقاطن للحديث، وفيه تقريبٌ له، وتلطيفٌ بمحله" انتهى. وكُلُّ منادي يجوز حذف حرفُ النِّداء منه، إلا الجلالة المعظمة، واسم الجنس غالباً، والمستغاثَ، والمندوب، واسم الإشارة عند البصريين، وفي المضمر إذا نودِيَ. والجمهورُ على ضمِّ فاءِ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ لكونه مفرداً معرفةً، وقرأ الأعمش بفتحها، وقيل لم تثبت هذه القراءة عنه، وعلى تقدير ثبوتها، فقال أبو البقاء: فيها وجهان: أحدهما: أن يكون أخرجه على أصل المنادى؛ كما جاء في الشِّعر: [الخفيف] شعر : 3078ـ.................. يَا عَدِيًّا لقَدْ وقَتْكَ الأوَاقِي تفسير : يريد بأصلِ المنادى: أنه مفعولٌ به، فحقه النصب؛ كالبيت الذي أنشده، واتفق أن يوسف لا ينصرف، ففتحته فتحةُ إعرابٍ. والثاني، وجعله الأشبه: أن يكون وقف على الكلمة، ثم وصل، وأجرى الوصل مجرى الوقف؛ فألقى حركة الهمزة على الفاء، وحذفها؛ فصار اللفظ بها: "يُوسفَ أعْرض"؛ وهذا كما حكي: "اللهُ أكبرَ، أشْهَدَ ألاّ"، بالوصلِ والفتح في الجلالةِ وفي "أكْبر"، وفي "أشْهد"؛ وذلك أنه قدَّر الوقف على كل كلمة من هذا الكلم، وألقى حركة الهمزة [من] كل من الكلمِ الثَّلاث، على السَّاكن قبله، وأجرى الوصل مجرى الوقف في ذلك. والذي حكوه الناسُ، إنَّما هو في "أكْبَر" خاصَّة؛ لأنَّها مظنة الوقف،و تقدم ذلك في سورة آل عمران [الآية:1]. وقرىء "يُوسفُ أعْرضَ" بضمِّ الفاءِ، و"أعْرضَ" فعلاً ماضياً، وتخريجها أن يكون "يُوسفُ" مبتدأ، و"أعْرضَ" جملة من فعلٍ وفاعلٍ خبره. قال أبو البقاءِ: وفيه ضعفٌ؛ لقوله: "واسْتَغْفرِي"، وكان الأشبه أن يكون بالفاء: "فاسْتَغفِري".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وراودته التي هو في بيتها} قال: هي امرأة العزيز. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} قال: حين بلغ مبلغ الرجال. وأخرج عبد الرزاق والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، عن أبي وائل رضي الله عنه قال: قرأها عبد الله {هيت لك} بفتح الهاء والتاء، فقلنا له: إن ناساً يقرؤونها {هيت لك} فقال: دعوني، فإني أقرأ كما اقرئت أحب إلي. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قرأ {هيت لك} بنصب الهاء والتاء ولا يهمز. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم {هيت لك} يعني "هلم لك". وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان يقرأ كما يقرأ عبد الله {هيت لك} وقال: هلم لك، تدعوه إلى نفسها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {هيت لك} قال: هلم لك، وهي بالحورانية. وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه {هيت لك} قال: هلم لك, وهي بالقبطية هنا. وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله {هيت لك} قال: تعال. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {هيت لك} قال: ألقت نفسها واستقلت له، ودعته إلى نفسها، وهي لغة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {هيت لك} قال: ألقت نفسها واستلقت له، لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ عن يحيى بن وثاب أنه قرأها {هيت لك} يعني بكسر الهاء وضم التاء يعني تهيأت لك. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ {هئت لك} مكسورة الهاء مضمومة التاء مهموزة. قال: تهيأت لك. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنه، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {هيت لك} قال: تهيأت لك. قم فاقض حاجتك. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت أحيحة الأنصاري وهو يقول: شعر : به أحمى المصاب إذا دعال إذا ما قيل للأبطال هيتا تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي وائل رضي الله عنه، أنه كان يقرأ {هئت لك} رفع، أي تهيأت لك. وأخرج ابن جرير عن عكرمة عن زر بن حبيش رضي الله عنه، أنه كان يقرأ {هيت لك} نصباً، أي هلم لك. وقال أبو عبيد كذلك. كان الكسائي يحكيها قال: هي لغة لأهل نجد، وقعت إلى الحجاز معناها: تعال. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن عبد الله بن عامر اليحصبي رضي الله عنه، أنه قرأ {هيت لك} بكسر الهاء وفتح التاء. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إنه ربي} قال: سيدي، يعني زوج المرأة. وأخرج ابن المنذر عن أبي بكر بن عياش رضي الله عنه في قوله {إنه ربي} قال: يعني زوجها.

ابو السعود

تفسير : {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا} رجوعٌ إلى شرح ما جرى عليه في منزل العزيزِ بعد ما أمر امرأتَه بإكرام مثواه. وقوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} تفسير : إلى هنا اعتراضٌ جيء به أُنموذجاً للقصة ليعلم السامعُ من أول الأمر أن ما لقِيه عليه السلام من الفتن التي ستحكىٰ بتفاصيلها له غايةٌ جميلةٌ وعاقبةٌ حميدةٌ وأنه عليه السلام محسِنٌ في جميع أعمالِه لم يصدُر عنه في حالتي السراءِ والضراءِ ما يُخِلُّ بنزاهته، ولا يخفى أن مدارَ حسنِ التخلصِ إلى هذا الاعتراضِ قبل تمام الآيةِ الكريمةِ إنما هو التمكينُ البالغُ المفهومُ من كلام العزيز، فإدراجُ الإنجاءِ السابق تحت الإشارةِ بذلك في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا} تفسير : كما فعله الجمهورُ ناءٍ من التقريب فتأملْ. والمراودةُ المطالبةً من راد يرود إذا جاء وذهب لطلب شيءٍ ومنه الرائدُ لطالب الماءِ والكلأ، وهي مفاعلةٌ من واحد نحوُ مطالبةِ الدائنِ ومماطلةِ المديونِ ومداواةِ الطبـيب ونظائِرها مما يكون من أحد الجانبـين الفعلُ ومن الآخر سببُه فإن هذه الأفعالَ وإن كانت صادرةً عن أحد الجانبـين لكن لما كانت أسبابُها صادرةً عن الجانب الآخر جُعلت كأنها صادرةٌ عنهما وهذا بابٌ لطيفُ المسلك مبنيٌّ على اعتبار دقيقٍ، تحقيقُه أن سببَ الشيء يقام مُقامَه ويطلق عليه اسمُه كما في قولهم: كما تدين تدان أي كما تجزي تُجزىٰ، فإن فعل البادي وإن لم يكن جزاءً لكنه لكونه سبباً للجزاء أُطلق عليه اسمُه وكذلك إرادةُ القيامِ إلى الصلاة وإرادةُ قراءةِ القرآنِ حيث كانتا سبباً للقيام والقراءة عُبّر عنهما بهما فقيل: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ}تفسير : [المائدة: 6] {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ}تفسير : [النحل: 98] وهذه قاعدةٌ مطردةٌ مستمرة، ولمّا كانت أسبابُ الأفعالِ المذكورة فيما نحن فيه صادرةً عن الجانب المقابلِ لجانب فاعلِها فإن مطالبةَ الدائنِ للمماطلة التي هي من جانب الغريم وهي منه للمطالبة التي هي من جانب الدائنِ وكذا مداواةُ الطبـيب للمرض الذي هو من جانب المريض وكذلك مراودتُها فيما نحن فيه لجمال يوسفَ عليه السلام، نُزّل صدورُها عن محالها بمنزلة صدور مسبباتِها التي هي تلك الأفعالُ فبُني الصيغةُ على ذلك وروعيَ جانبُ الحقيقةِ بأن أُسند الفعلُ إلى الفاعل وأُوقع على صاحب السبب فتأملِ، ويجوز أن يراد بصيغة المغالبةِ مجردُ المبالغة، وقيل: الصيغةُ على بابها بمعنى أنها طَلبت منه الفعلَ وهو منها التركَ، ويجوز أن يكون من الرُوَيد وهو الرفقُ والتحمّلُ، وتعديتُها بعن لتضمينها معنى المخادعة فالمعنى خادعته. {عَن نَّفْسِهِ} أي فعلت ما يفعل المخادِع لصاحبه عن شيء لا يريد إخراجَه من يده وهو يحتال أن يأخذه منه وهي عبارةٌ عن التمحّل في مواقعته إياها، والعدولُ عن التصريح باسمها للمحافظة على السر أو للاستهجان بذكره، وإيرادُ الموصول لتقرير المراودةِ فإن كونَه في بـيتها مما يدعو إلى ذلك، قيل لواحدةٍ: ما حملك على ما أنت عليه مما لا خيرَ فيه؟ قالت: قربُ الوساد وطولُ السواد، ولإظهار كمالِ نزاهته عليه السلام فإن عدمَ ميلِه إليها مع دوام مشاهدتِه لمحاسنها واستعصاءه عليها مع كونه تحت ملَكتِها ينادي بكونه عليه السلام في أعلى معارج العفة والنزاهة {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} قيل: كانت سبعةً ولذلك جاء الفعل بصيغة التفعيل دون الإفعال، وقيل: للمبالغة في الإيثاق والإحكام {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} قرىء بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء وبناؤه كبناء أينَ وعيط، وهيتِ كجَيرِ وهَيتُ كحيث اسم فعل معناه أَقبلْ وبادر، واللام للبـيان أي لك أقول هذا كاللام في هلم لك وقرىء هِئتُ لك على صيغة الفعل بمعنى تهيأتُ، يقال: هاء يهيـيءُ كجاء يجيء إذا تهيأ وهُيِّئْتُ لك واللام صلة للفعل {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ} أي أعوذ بالله مَعاذاً مما تدعينني إليه وهذا اجتنابٌ منه على أتم الوجوه وإشارةٌ إلى التعليل بأنه منكَرٌ هائلٌ يجب أن يُعاذ بالله تعالى للخلاص منه وما ذاك إلا لأنه عليه السلام قد شاهده بما أراه الله تعالى من البرهان النيّر على ما هو عليه في حد ذاتِه من غاية القُبح ونهايةِ السوء، وقولُه عز وجل: {إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ} تعليلٌ للامتناع ببعض الأسباب الخارجيةِ مما عسى يكون مؤثراً عندها وداعياً لها إلى اعتباره بعد التنبـيهِ على سببه الذاتي الذي لا تكاد تقبله لما سوّلتْه لها نفسُها، والضميرُ للشأن ومدارُ وضعه موضعَه ادعاءُ شهرتِه المُغْنيةِ عن ذكره، وفائدةُ تصدير الجملةِ به الإيذانُ بفخامة مضمونها مع ما فيه من زيادة تقريرِه في الذهن، فإن الضميرَ لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأنٌ مبهمٌ له خطرٌ فيبقى الذهنُ مترقباً لما يعقُبه فيتمكن عند ورودِه له فضلُ تمكّنٍ، فكأنه قيل: إن الشأنَ الخطيرَ هذا وهو ربـي أي سيدي العزيزُ أحسنَ مثواي أي أحسن تعهّدي حيث أمرك بإكرامي فكيف يمكن أن أُسيء إليه بالخيانة في حَرَمه وفيه إرشادٌ لها إلى رعاية حقِّ العزيزِ بألطف وجهٍ، وقيل: الضميرُ لله عز وجل وربـي خبرُ إن وأحسن مثواي خبرٌ ثانٍ أو هو الخبرُ والأولُ بدلٌ من الضمير، والمعنى أن الحالَ هكذا فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشةِ الكبـيرةِ وفيه تحذيرٌ لها من عقاب الله عز وجل، وعلى التقديرين ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالةِ ـ من غير تعرّضٍ لاقتضائها الامتناعَ عما دعته إليه ـ إيذانٌ بأن هذه المرتبةَ من البـيان كافيةٌ في الدلالة على استحالته وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلاً وقوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} تعليلٌ للامتناع المذكورِ غِبَّ تعليل، والفلاحُ الظفرُ وقيل: البقاءُ في الخير ومعنى أفلح دخل فيه كأصبح وأخواتِه، والمرادُ بالظالم كلُّ من ظلم كائناً من كان فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة والعصاةُ لأمر الله تعالى دخولاً أولياً، وقيل: الزناةُ لأنهم ظالمون لأنفسهم وللمَزْنيِّ بأهله.

القشيري

تفسير : لما غَلَّقَتْ عليه أبوابَ المسكنِ فَتَحَ الله عليه باب العصمة، فلم يُضِرْه ما أُغْلِقَ بعد إكرامه بما فُتِحَ. وفي التفسير أنه حفظ حُرْمةَ الرجل الذي اشتراه، وهو العزيز. وفي الحقيقة أشار بقوله: {إِنَّهُ رَبِّيۤ} إلى ربِّه الحقِّ تعالى: هو مولاي الحق تعالى، وهو الذي خلَّصني من الجُبِّ، وهو الذي جعل في قلب العزيز لي محلاً كبيراً فأكرم مثواي فلا ينبغي أَنْ أُقْدِمَ على عصيانه - سبحانه - وقد غمرني بجميل إحسانه. ويقال إن يوسف عليه السلام قال لها: إن العزيز أمرني أَنْ أنفعَه. {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} فلا أَخُونُه في حُرْمَتِه بظهر الغيب. ويقال لمَّا حفظ حُرْمة المخلوقِ بظهر الغيب أكرمه الحقُّ سبحانه بالإمداد بالعصمة في الحال ومَكَّنَه من مواصلتها في المآل على وجه الحَلاَل.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ} كانت مستغرقة فى العشق الروحانى فغلب عليها شهوة العشق فراودته وذلك ان رعونة سر الطبيعة صارت منجذبة برقة عشق الروحانى الى معدنه فغلطت وصارت محجوبة بالطبيعة من الحقيقة وغلقت الابواب لما كان عشق يوسف فى قلبها وصورته مصورة فى خيالها لا يحتاج الى غلق الابواب فان قيد همتها حكمة همت يوسف حين همت به وهم بها اغلقت ابواب اسرار عشقها على يوسف فصارت فاشية بان العشق لا يبقى التكما الا فاسقنى خمرا وقل لى هى الخمر ولا تسقنى سرا اذا امكن الجهر وبخ بانتم من اهوى ودعنى من الكنى فلا خير فى اللذات من دونها ستر وايضا عارث على يوسف حتى لا يرى احدا اسرارها فغلقت الابواب كذا ينبغى للعاشق قال الشبلى فى قوله وغلقت الابواب قطعت الاسباب وجمعة الهمة عليه ثم غلب على يوسف قدس النبوة فامتنع من مراودتها بقوله {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ} اى ربى سبحانه وتعالى احسن مثواى فى الاسطفائية الازلية واختارنى بالرسالة والنبوة وعلمنى من تاويل الاحاديث والبسنى لباس جماله الذى هو يوجب ان ينظر اليها بنعت الهيبة والاجلال هذا سيد السادات وسيد الظاهر احسن مثواى بان اختارنى لاخرته لا لدنياه واحسن مثواه فى قلبك بنعت محبة الله فلا ينبغى لك ان ينظر === الا بمحبة الله قيل لما نظر فى ترك المعصية الى صاحبه وولى نعمته الادنهى ولم ينظر الى ربه وولى نعمته الاعلى عوقب بالهم حتى قال همت به وهم بها وقال بعضهم برؤية الهمت امتنع من الفتنة قال الاستاد انه اكرمنى مولاى تعالى حيث خلفنى من الحب جعل فى قلب العزيز لى محلا فقال اكرمى مثواه فقال لا ينبغى ان اقدم على عصيانه وقد افردنى بجميل احسانه ثم اخبر سبحانه عن جذب مقناطيس الاهمم بعضها بعضا من سر حقيقة العشق الالهى والروحانى والانسانى والطبيعى والفطرى والجوهرى التى معادنها من عالم الربوبية افعالا وصفاتا وذاتا بقوله {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} خالص الحقيقة فى هذا المعنى فى تلك الهمتين ان همة زليخا سبقت على همت يوسف وحسن يوسف سبق بجذب قلبها زليخا وهمتها الى معدنه لان عشق زليخا وحسن يوسف سبق بجذب قلب زليخا وهمتها الى معدنه لان عشق زليخا وحسن يوسف صفتان صادرتان من المعدنين الازليين وهما صفة جمال القدم ومحبة الازل فلما حاجت همه زليخا بعد انجذاب قلبها الى معدن عشق يوسف وحسن يوسف هاجت ايضا همت يوسف الى اهلية عشقها وحسنها وهمتها فصارت الهمتان بعضها من بعض فهاج همت الجوهر الى الجوهر والفطرة الى الفطرة والطبيعة الى الطبيعة والانسانية الى الانسانية والروحانى الى الروحانى والالهى الى الالهى فصارت جميعها بوصف الهمتين متحيرة حتى صار شخصهما وسوادهما وخيالهما وعقلهما وقلبهما وروحهما وسرهما واحدا فى واحد كما قال الشاعر شعر : والعين كالغضين شقهما الهوى فروحاهما روح وقلباهما قلب تفسير : فكيف نتهم الهمتين واصل الجوهر نور الارادة واصل الفطرة فعل الارادة واصل الطبيعة مباشرة القدرة لكن الصورة واصل الانسان وجود معجون القهر والروحانى مباشرة اللطف والهى تجلى الجمال وظهور الذات فى الصفات وظهور الصفاى فى الافعال فترقى الهمة من اصل الجوهر الى نور الارادة ومن اصل الفطرة الى فعل الارادة ومن اصل الطبيعة الى مباشرة القدرة ومن اصل الانسانى الى وجوج معجون القهر وذلك سر النفس الامارة ومن اصل الروحانى الى مباشرة اللطف ومن اصل الهى الى تجلى الجمال وظهور الذات فى الصفات وظهور الصفات فى الافعال ففى عين الجمع اصل العشقين والهمتين من معنى تجلى الذات والصفات والافعال فاذا علمت ذلك فترى شخصهما شخصا وروحهما روحا وقلبهما قلبا وهمتهما همة وسرهما سرا وكلهما كلا وذلك الكل صدر من الكل وذلك الكل علة العلل ومعلل الاشياء ومكون الكون واصل الاصول فمن يدم وغرائب حقيقة قدس المعرفة فى الاشارة اشارة منه بدأ واليه يعود بينى وبينك اينازعنى فاوقع بلطفك اننى من البين يا صاحب الهمت اذا تجلى من فعله لفعله بوصف الفعل صار العشق مع الشهوة واذا تجلى الصفة الصفة بوصف الصفة صار العشق مع شهوة الروحانى بلا شهوة الانسانى واذا تجلى الذات للذات بوصف الذات صار العشق بوصف العشق الازلى المقدس عن حركان اسرار جميع الشهوات لان عشقه ازلى بلا علة فاول همة حركة الفعل الى الفعل وهناك موضع الامتحان والفتنة المخالفة الامر واوسط الهمت تجلى الصفة الى الصفة وهناك تم مقام الالتباس ونهايتها تجلى الذات للذات وهناك مقام القدس والطهارة من الامتحان فاذا كان يوسف فى بدايتها ووسطها كان فى محل العتاب فاذا تجلى الذات للذات سلبه انوار الذات من المقامين ولولا ذلك لبقى فى بحر الامتحان وعتاب الرحمن تصديق ذلك قوله سبحانه {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ} ظهور البرهان ليوسف ظهور صرف ذات القديم المنزه عن علة الحلول ومباشرة الحدوث وذلك الظهور يوجب افراد القدم عن الحدوث وصرف التجريد والتوحيد والتفريد و الخروج من محل الالتباس وقوله كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ان وضع سمات الفحش والسوء على اسرار تآلف الارواح والاشباح وحركات بعضها الى بعض بنعت المحبة والالفة والمودة والهوة والشهوة انها عالم الامتحان والامر والتكليف والعبودية ومخالفة الامر سوء وفحشاء من حيث العلم والعقل وفى الحقيقة ليس هناك علة الفحش والسوء لانها مواضع المقادير الازلية وايضا اذا بقى العارف فى الترقى والوسائط واللاتباس من توحيد الصرف بقى فى الحجاب عن رؤية كنه القدم وقدس الازل وذلك الاحتجاب سؤ وفحشاء واى سؤ وفحش اعظم من الوقفة فى بعض الطريق والانقطاع عن الوصول الى الكل واصل الاصل واذا ك ان معانى همته العلية علت على جميع المقامات وبلغت الى روية الذات والصفات بنعت الفناء والبقاء ذكر سبحانه امتناءه عليه بعد وصفه بتقديس اخلاصه وقال كذلك لنصرف عنه السؤ والفحشاء اى من اهل الكمال من الموحدين والنبيين والمرسلين قال ابن عطا همت به هم شهوة وهم بها هم موعظة بزجرها عما همت به وقال لولا ان را برهان ربه قال واعظا من قلبه وهو واعظا لله فى قلب كل عبد وقال ايضا همت به وهم بها احتالت زليخا ان ترى نفسها ليوسف فحجب الله نفسها عن يوسف بالبرهان العالى والحق الظاهر حتى لم يشهد فى وقت ذلك غير الحق وقال هم بها نظر اليها لولا ما صده عن ذلك من حجاب البرهان وقال الجنيد يحرك طبع البشرية من يوسف ولم يعاونه طبع العادة والعبد فى تحريك الخلقة فيه غير مذموم وفى هيجان الشهوة مذموم وفى مقاربة المعصية ملوم وذكر الله تعالى عن يوسف همه على طريق المحمدة لا على طريق المذمة وقال ابن عطا قالت زليخا ليوسف اصبر على ساعة حتى اعود اليك فقال ما تفعلى فقالت اعطى وجه الصنم فانى ستحيى منه فتذكر يوسف عند ذلك اطلاع ربه عليه فهرب منها فذلك البرهان قال ايضا السوء الخواطر الرؤية والفحشاء بالاركان قال محملين الفشل السوء بالتفكر والفحشاء بالمباشرة قال ابو عثمان لنصرف عنه سوءاتهم وفحشاء المواقعة قال الجنيد اول ما يبدوا من الاخلاص فى احوال الأولياء خلو من سرائرهم وهمهم وارادتهم ثم خلوص افعالهم فمن لم يخلص سره لا ينال الصفاء فى فعله فلما راى ما راى يوسف لم يبق فى نفسه من شهوة الانسانى اثر من استيلاء انوار التوحيد وفر من موضع الخطر.

اسماعيل حقي

تفسير : {وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه} المراودة المطالبة من راد يرود اذا جاء وذهب لطلب شيء وهى مفاعلة من واحد ولكن لما كان سبب هذا الفعل صادرا من الجانب المقابل لجانب فاعله فان مراودتها انما هى لجمال يوسف كمداواة الطبيب انما هى للمرض الذى هو من جانب المريض عبر عنه بالمسبب وجيء بصيغة المفاعلة وتعديتها بعن لتضمنها معنى المخادعة. فالمعنى خادعت زليخا يوسف عن نفسه لتنال غرضها اى فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن شيء لا يريد اخراجه عن يده وهو يحتال ان يأخذه منه ونهى عبارة عن التمحل فى مواقعته اياها والمحل طلب بحيلة وتكلف كما فى القاموس وايراد الموصول لتقرير المراودة فان كونه فى بيتها مما يدعو الى ذلك. قيل لواحدة ما حملك على ما انت عليه مما لا خير فيه قالت قرب الوساد وطول السواد ولاظهار كمال نزاهته فان عدم ميله اليها مع دوام مشاهدته لمحاسنها وامتناعه منها مع كونه تحت مملكتها ينادى بكونه فى اعلى معارج العفة والنزاهة -حكى- ان زليخا كانت من اجمل النساء وكانت بنت سلطان المغرب واسمه طيموس فرأت ذات ليلة فى المنام غلاما على احسن ما يكون من الحسن والجمال فسألت عنه فقال انا عزيز مصر فلما استيقظت افتتنت بما رأت فى الرؤيا وادى ذلك الى تغير حالها ولكنها كتمت حالها عن الاغيار دهرا شعر : نهان ميداشت رازش دردل تنك جوكان لعلى ولعل اندر دل سنك تفسير : ثم تفطن من فى البيت من الجوارى وغيرها ان بها امرا فقال بعض ما باصابة العين وبعض باصابة السحر وبعض بمس الجن وبعض بالعشق شعر : صح عند الناس انى عاشق غير ان لم يعرفوا عشقى لمن تفسير : ففتش عن امرها فما وجد من غير العشق شعر : زليخا عشق را بوشيده مى داشت بسينه تخم را بوشيده ميكاشت ولى سر ميزد آن هردم زجايى همى كرد از برون نشو ونمايى خوشست از بخردان اين نكته كفتن كه مشك عشق را نتوان نهفتن اكر برمشك كردربرده صد توى كند غمازى ازصد برده اش بوى تفسير : وقد كان خطبها ملوك الاطراف فابت الا عزيز مصر فجهزها ابوها بما لا يحصى من العبيد والجوارى والاموال وارسلها مع حواشيه الى جانب مصر فاستقبلها العزيز بجمع كثير فى زينة عظيمة فلما رأته زليخا علمت انه ليس الذى رأته فى المنام فاخذت تبكى وتتحسر على ما فات من المطلوب شعر : نه آنست آنكه من درخواب ديدم بجست وجويش اين محنت كشيدم خدا را اى فلك بر من ببخشاى برورى من درى از مهر بكشاى مسوز ازغم من بى دست وبارا مده بركنج من اين ازدهارا تفسير : فسمعت من الهاتف لا تحزنى يا زليخا فان مقصودك انما يحصل بواسطة هذا شعر : زليخا جون زغيب اين مرده بشنود بشكرانه سرخود برزمين سود تفسير : ثم لما دخلوا مصرا انزلوا زليخا فى دا العزيز بالعز والاحترام وهى فى نفسها على الفراق والآلام شعر : بظاهر باهمه كفت وشنوداشت ولى دل جاى ديكر دركرو داشت نهى صد دسته ريحان بيش بلبل نخواهد خاطرش جزنكهت كل تفسير : وكانت هذه الحال سنين وبقيت بكرا لان العزيز كان عنينا لا يقدر على المواقعة شعر : بيا جامى كه همت بركماريم ز كنعان ماه كنعانرا بر آريم زليخا بادل اميد وارست نظر برشاهراه انتظارست تفسير : فكان ما كان من حسد الاخوان ووصول يوسف الى مصر بالعبودية فلما رأته زليخا علمت انه الذى رأته فى المنام وقالت شعر : بخوابم روى زيباوى نمودست شكيب ازجان شيداوى ربودست درين كشور زسودايش فتادم بدين شهر از تمنايش فتادم تفسير : [جون يوسف بخانه عزيز درآمد سلطان عشق رخت بخانه زليخا فرستادولشكر حسنش متاع صبر وسكون اورا بيغماداد] شعر : زليخا جون برويش ديده بكشاد بيك ديدارش افتاد آنجه افتاد زحسن صورت ولطف شمائل اسيرش شدبيك دل نى بصددل بمعشوقان جو يوسف كس نبوده جمالش ازهمه حوبان فزوده نبوداز عاشقان كش جون زليخا بعشق از جملة بودافزون زليخا زطفلى تابه بير عشق ورزيد بشاهى واسيرى عشق ورزيد تفسير : [بعد آزانكه عشق بنايت كشيد وشوق بنهايت آنجاميد صورت حال بميان آورد بايوسف] -روى- ان يوسف كان يأوى الى بستان فى قصر زليخا يعبد الله فيه وكان قد قسم نهاره ثلاثة اقسام ثلثا لصلواته وثلثا يبكى فيه وثلثا يسبح الله فيه ويذكره فلما ادرك يوسف مبالغ الرجال جعلت زليخا تراوده عن نفسها وهو يهرب منها الى البستان فلما طال ذلك عليها تغير لونها واصفر وجهها ودخلت عليها داية من داياتها فاخبرتها بذلك فاشارت عليها ان تبنى له بيتا مزينا بكل ما تقدر عليه من الزينة والطيب ليكون وسيلة الى صحبة يوسف ولما فرغ الصناع من عمله دعت العزيز فدخل فاعجبه لكونه على اسلوب عجيب وقال لها سميه بيت السرور ثم خرج فاستدعت يوسف فزينوه بكل ما يمكن من الزينة وتزينت هى ايضا وكانت بيضاء حسناء بين عينيها خال يتلألأ حسنا ولها اربع ذوائب قد نظمتها بالدر والياقوت وعليها سبع خلل وارسلت قلائدها على صدرها شعر : بزيورها نبودش احتياجى ولى افزود ازان خودرا رواجى بخوبى كل بيستانها سمرشد ولى از عقد شبنم خو بترشد تفسير : فجاؤا يوسف شعر : در آمد ناكهان ازدر جوماهى عطارد حشمتى خورشيد جاهى وجودى از خواص آب وكل دور جبين طلعتى نور على نور تفسير : فلما دخل عليها فى القسم الاول من البيت اغفلته واغلقته وراودته عن نفسه بكل حيلة ثم ادخلته فى الذى يليه فاغلقته وراودته بكل ما يمكن فلم يساعدها يوسف فدفعها بما قدر عليه ثم وثم الى ان انتهى الى البيت السابع فاغلقته وذلك قوله تعالى {وغلقت الابواب} عليها وعليه وكانت سبعة ابواب ولذلك جاء الفعل بصيغة التفعيل الدالة على التكثير {وقالت هيت لك} اسم فعل معناه اقبل وبادر. وبالفارسية [بشتاب بيش من آى كه من ترا ام] واللام للبيان متعلقة بمحذوف اى لك اقول هذا -روى- عن ابن عباس انه قال كان يوسف اذا تبسم رأيت النور فى ضواحكه واذا تكلم رأيت شعاع النور فى كرمه يذهب من بين يديه ولا يستطيع آدمى ان ينعت نعته. فقالت له يا يوسف انما صنعت هذا البيت المزين من اجلك. فقال يوسف يا زليخا انما دعيتنى للحرام وحسبى ما فعل بى اولاد يعقوب البسونى قميص الذل والحزن يا زليخا انى اخشى ان يكون هذا البيت الذى سميته بيت السرور بيت الاحزان والثبور وبقعة من بقاع جهنم. فقالت زليخا يا يوسف ما احسن عينيك. قال هما اول شيء يسيلان الى الارض من جسدى. قالت ما احسم وجهك. قال هو للتراب يأكله. قالت ما احسن شعرك. قال هو اول ما ينتشر من جسدى. قالت ان فراش الحرير مبسوط فقم فاقض حاجتى. قال اذا يذهب نصيبى من الجنة. قالت ان طرفى سكران من محبتك فارفع طرفك الى حسنى وجمالى. قال صاحبك احسن بحسنك وجمالك منى قالت هيت لك {قال معاذ الله} هو من جملة المصادر التى ينصبها العرب بافعال مضمرة ولا يستعمل اظهارها كقولهم سبحان الله وغفرانك وعونك اى اعوذ بالله معاذا مما تدعوننى اليه من العصيان والخيانة ثم علل الامتناع بقوله {انه} اى الشأن الخطير هذا وهو {ربى} اى سيد العزيز الذى اشترانى {احسن مثواى} اى احسن تعهدى ورعايتى حيث اكرمك باكرامى فما جزاؤه ان اسيئ اليه بالخيانة فى حرمه وفيه ارشاد لها الى رعاية حق العزيز بالطف وجه {انه لا يفلح الظالمون} اى لا يدخل فى دائرة الفلاح والظفر كل ظالم كائنا من كان فيدخل فى ذلك المجازون للاحسان بالاساءة والعصيان لامر الله تعالى [واز زبان حال يوسف كه بازليخا خطاب مى كرد كفته اند] شعر : زهى خجلت كه در روزقيامت كه افتد برزنا كاران غرامت جزاى آن جفا كيشان نويسند مرا سر دفتر ايشان نويسند تفسير : وفى الآية دليل على ان معرفة الاحسان واجب لان يوسف امتنع لاجل شيئين لاجل المعصية والظلم ولاجل احسان الزوج اليه: قال الجامى شعر : كه جون نوبت بهفتم خانه افتاد زليخا از جان بر خاست فرياد مراتا كى درين محنت بسندى كه جشم رحمت ازرويم ببندى بكفا مانع من اين دو جيزست عتاب ايزد وقهر عزيزست زليخا كفت زان دشمن مينديش كه جون روز طرب بنشسته ام بيش دهم جامى كه با جانش ستيزد زمستى تا قيامت بر نخيزد توميكويى خداى من كريمست هميشه بركنهكاران رحيمست مرا از كوهر وزر صد خزينه درين خلوت سرا باشد دفينه فدا سازم همه بهر كناهت كه تاباشد زايزد عذر خواهت بكفت آنكس نيم كافتد بسندم كه آيد بركس ديكر كزندم خداى من كه نتوان حقكزاريش برشوت كى توان آمرز كاريش زليخا در تقاضا كرم يوسف همى انكيخت اسباب توقف دلش ميخواست درسفتن بالماس ولى ميداشت حكم عصمتش باس

ابن عجيبة

تفسير : قلت: المراودة: المطالبة، من راد يرود: إذا جاء وذهب لطلب الشيء، ومنه الرائد. و(هيت): اسم فعل معناه: تعال، أو أقبل، مبني على الفتح كأين، واللام للتبيين، كالتي في سقيا لك، وقرأ ابن كثير: بالضم، تشبيهاً بحيث، ونافع وابن عامر بالفتح، وهي لغة فيه. وقرئ: "هئْت" بالهمز؛ كجئت، من هَاءَ يهيء: إذا تهيأ. و(معاذ الله): مصدر لمحذوف، أي: أعوذ بالله معاذاً. و(إنه): ضمير الشأن. و(لولا): حرف امتناع، وجوابها محذوف، أي: لخالطها، ولا يجوز أن يكون (وهمَّ بها): جوابها؛ لأن حكمها حكم الشرط، فلا يتقدم عليها جوابها. قاله البيضاوي. قلت: وبهذا يُرد على من وقف على (همت به)، كالهبطى، ومن تبعه، إلا أن يُحمل على أنه ابتداء كلام مع حذف الجواب. واستحسنه البعض؛ ليكون همُّ يوسف خارجاً عن القسم، (وكذلك): في موضع المصدر، أي: ثبتناه مثل ذلك التثبيت لنصرف.. الخ، و(المخلصين) بالفتح: اسم مفعول من: أخلصه الله. وبالكسر: اسم فاعل بمعنى أخلص دينه لله. يقول الحق جل جلاله: {وراودتْه} للفاحشة، أي: تمحلت وطلبت منه أن يوافقها {التي هو في بيتها}؛ وهي زليخا. وترك التصريح بها؛ استهجاناً. فراودته عن نفسه، {وغلقتِ الأبوابَ}، قيل: كانوا سبعة. والتشديد للتكثير، أو للمبالغة في الإيثاق، {وقالت هَيت لك} أي: أقبل وبادر، أو تهيأتُ لك. رُوي أنها تزينت بأحسن ما عندها، وقالت: تعالى يا يوسف، {قال مَعَاذَ الله}؛ أي: أعوذ بالله معاذاً، {إنه} أي: الشأن، {ربي أحسن مثواي}؛ سيدي أحسن إقامتي وتربيتي، إذ قال لك أكرمي مثواي، فما جزاؤه أن أخونه في أهله، أو أنه تعالى ربي أحسن مَنزلي؛ بأن عطف عَلَيَّ قلبَ سيدي، ولطف بي في أموري، فلا أعصيه، {إنه لا يُفلح الظالمون}؛ المجاوزون الإحسان إلى الإساءة، أو الزناة؛ فإن الزنى ظلم على الزاني والمزنيّ بأهله. {ولقد هَمَّتْ به وهمَّ بها}، قال ابن جزي: أكْثََرَ الناسُ الكلامَ في هذه الآية، حتى ألفوا فيها التآليف، فمنهم مفرط ومُفرّط؛ وذلك أن منهم من جعل هَمَّ المرأة وهَمَّ يوسف من حيث الفعل الذي أرادته. وذكروا من ذلك روايات من جلوسه بين رجليها، وحله للتكَّة، وغير ذلك مما لا ينبغي أن يقال به؛ لضعف نقله ولنزاهة الأنبياء عن مثله، ومنهم من قال: همت به لتضربه على امتناعه، وهَمَّ بها ليقتلها أو يضربها؛ ليدفعها. وهذا بعيد يرده قوله: {لولا أن رأى برهان رَبِّهِ}. ثم قال: والصواب ـ إن شاء الله ـ: أنها همت به من حيث مرادُها، وهَمَّ بها كذلك، لكنه لم يعزم على ذلك، ولم يبلغ إلى حد ما ذكر من حل التكَّة، بل كان همه خطرة خطرت على قلبه، ولم يتابِعها، ولكنه بادر إلىالتوبة والإقلاع عن تلك الخطرة، حتى محاها من قلبه، لمَّا رأى برهان ربه. ولا يقدح هذا في عصمة الأنبياء؛ لأن الهم بالذنب لبس بذنب، ولا نقص في ذلك؛ لأنَّ من هَمَّ بذنب ثم تركه كتب له حسنة. هـ. قلت: وكلامه حسن؛ لأن الخطرات لا طاقة للبشر على تركها، وبمجاهدة مخالفتها فُضِّل البشر على جنس الملائكة، وقال البيضاوي: والمراد بهمه: ميل الطبع، ومنازعة الشهوة، لا القصد الاختياري، وذلك مما لا يدخل تحت التكليف، بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل، لمن يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم أو مشارفته، كقوله: قتلته لو لم أخف الله. هـ. ومثله في تفسير الفخر، وأنه مال إليها بمقتضى الطبع، ومُنع منه بصارف العصمة، كالصائم يشتاق الماء البارد ويمنعه منه صومه. ومثله أيضاً في لطائف المنن: همت به هَمَّ إرادة، وهَمَّ بها هَمَّ ميل لا هَمَّ إرادة. قال المحشي الفاسي: وفيه نظر؛ لأن ذلك لا يتصور في النفوس المطمئنة. وإنما ذلك شأن أرباب التلوين والمجاهدة، دون أهل التمكين والمشاهدة، وخصوصاً الأنبياء؛ إذ صارت نفوسهم مشاكلة للروح، مندرجة فيها، ولذلك صارت مطمئنة، وميلها حينئذ إنما يكون للطاعة، وأما غير الطاعة، فهي بمنزلة القذر والنتن تشمئز منه، ولا يتصور بحال ميلها إليه. ثم أطال الكلام في ذلك. قلت: أما تفسير الهم بالميل فلا يليق بالنفس المطمئنة. وأما تفسيره بالخاطر فيتصور في المطمئنة وغيرها. وإنما سماه الله تعالى هماً في حق يوسف عليه السلام؛ لأن الأنبياء ـ عليهم السلام ـ لعلو منصبهم، وشدّة قربهم من الحضرة، يشدد عليهم في مطالبة الأدب، فيجعل الخاطر في حقهم هَمّاً وظناً. كما قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ}تفسير : [يوسف: 110] فيمن خفف الذال، أو كما قال تعالى في حق يونس عليه السلام: {أية : فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْه} تفسير : [الأنبياء: 87]؛ على أحد التفاسير. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: {لولا أن رأى برهانَ ربه} لخالطها. والبرهان الذي رأى: قيل: ناداه جبريل: يا يوسف تكون في ديوان الأنبياء، وتفعل فعل السفهاء. وقيل: رأى يعقوب عاضاً على أنامله، يقول: إياك يا يوسف والفاحشة. وقيل: تفكر في قبح الزنى فاسبتصر. وقيل: رأى زليخا غطت وجه صنمها حياءً منه، فقال: أنا أولى أن أستحي من ربي. {كذلك} أي: مثل ذلك التثبيت ثبتناه؛ {لِنَصْرِِفَ عنه السّوءَ}؛ خيانة السيد، {والفحشاءَ}، الزنى؛ {إنه من عبادنا المخلَصين} الذين أخلصناهم لحضرتنا. أو من الذين أخلصوا وجهتهم إلينا. {واسْتَبَقَا البَابَ} أي: تسابقا إلى الباب، وابتدرا إليه، وذلك أن يوسف عليه السلام فرَّ منها؛ ليخرج حيث رأى البرهان، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج، {وقَدّت قميصَه من دُبُرٍ} أي: شقت قميصه من خلف لما اجتذبته لترده. والقدُّ الشق طولاً، والقَطُّ: الشق عرضاً، {وألفيا سيدها}: وصادفاً زوجها {لدى الباب}؛ وفيه إطلاق السيد على الزوج، وإنما أفرد الباب هنا، وجمعه في قوله: {وغلقت الأبواب} لأن المراد هنا الباب البراني الذي هو المخرج من الدار. {قالتْ} لزوجها: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يَسجن أو عذابٌ أليم}؟ قالته إيهاماً أنها فرت منه؛ تبرئة لساحتها عند زوجها، وإغراء له عليه؛ انتقاماً لنفسها لما امتنع منها. {قال هي راودتني عن نفسي}: طالبتني بالمواقعة بها. قال ذلك تبرئة لساحته، ولو لم تكذب عليه ما قاله. {وَشَهِدَ شاهدٌ من أهلها}، قيل: ابن عمها. وقيل: ابن خالها صبياً في المهد. وكونه من أهلها أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف. وكونه لم يتكلم قط، ثم تكلم كرامة ليوسف عليه السلام، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تكلم في المهد أربعةٌ: ابنُ ماشِطة ابنة فرعَون، وشَاهِدُ يُوسفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْج، وعيسَى"تفسير : . وذكر مسلم في صحيحه ـ في قصة الأخدود ـ: "أن امرأة أتِي بها لتُطْرَح في النار، ومعها صبي يرضع، فقال لها: يا أمه اصبري، لا تجزعي. فأنك على الحق". وعَدَّ بعضهم عشرة تكلموا في المهد، فذكر إبراهيم عليه السلام، ويحيى بن زكريا، ومريم، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وطفلاً في زمنه عليه السلام، وهو: مبارك اليمامة، وقد نظمهم السيوطي، وزاد واحداً، فقال: شعر : تكلم في المَهدِ النَّبيُّ مُحَمدٌ ويحيى وعيسى والخليلُ ومريمُ وصَبِيّ جُريْجٍ ثم شاهِدُ يوسِفُ وطِفلٌ لدى الأُخدود يَرويهِ مُسلِمُ وطفلٌ عَلَيهِ مُرَّ بالأمَةِ الَّتي يُقالُ لَها تَزنِي ولا تَتَكَلَّمُ وماشِطَةٌ فِي عَهدِ فرعون طِفلُها وفي زَمَنِ الهادي المُبَاركُ تُختَمُ تفسير : وذكر ابن وهب عن أبي لهيعة قال: بلغني أن المولود فيما تقدم كان يولد في الليل، فيصبح يمشي مع أمه. هـ. وضعف ابن عطية كون شاهد يوسف صبياً بالحديث "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة"، وبأنه لو كان الشاهد صبياً لكان الدليل نفس كلامه، دون أن يحتاج إلى الاستدلال بالقميص. هـ. وقد يجاب بأن الحصر باعتبار بني إسرائيل، مع أن الوحي يتزايد شيئاً فشيئاً، فأخبر بثلاثة، ثم أخبر بآخرين، وبأن الاستدلال وقع بهما تحقيقاً للقضية. ثم ذكر الحق تعالى ما قاله الشاهد، فقال: {إن كان قميصُه قُدَّ من قُبلٍ فصدقت وهو من الكاذبين}؛ لأنه يدل على أنها قدت قميصه من قُدامه بالدفع عن نفسها. أو لأنه أسرع خلفها فعثر بذيله فانقدَّ جَيبُه. {وإن كان قميصُه قُدَّ من دُبر فكذبت وهو من الصادقين}؛ لأنها جذبته إلى نفسها حين فرَّ منها. والجملة الشرطية محكية بالقول، أي: قال: إن كان... إلخ. وتسميتها شهادة؛ لأنها أدت مؤداها. والجمع بين "إنْ" و"كان" على تأويل: إن يعلم أنه كان، ونحوه، ونظيره: قولك: إن أحسنت إليَّ فقد أحسنت إليك من قبل. فإن معناه: إن تمنن علي بإحسانك امنن عليك بإحساني. ومعناه: إن ظهر أنه كان قميصه... الخ. {فلمّا رأى} زوجُها قميصَ يوسف {قُدَّ من دُبرٍ قال إنه} أي: قَوْلُكِ: {ما جزاء...} الخ. {من كَيدِكُنَّ}؛ من حيلتكن. والخطاب لها ولأمثالها ولسائر النساء. {إنَّ كيدَكُنَّ عَظيم}؛ لأن كيد النساء ألطف وأعلق بالقلب، وأشد تاثيراً من النفس والشيطان؛ لأنهن يواجهن به الرجال، والنفس والشيطان يوسوسان مسارقة. ثم التفت العزيزُ إلى يوسف وقال: {يوسفُ} اي: يا يوسف. وحذف النداء؛ إشارة إلى تقريبه وملاطفته، {أعرضْ عن هذا} الأمر واكتمه، ولا تذكره، {واستغفري} يا زليخا {لذنبك إنك كنت من الخاطئين}؛ من القوم المذنبين من خطأ؛ إذا أذنب متعمداً. والتذكير للتغليب. قاله البيضاوي. الإشارة: إذا أراد الله أن يصافي عبده بخصوصية النبوة، أو الولاية، كلأه بعين الرعاية، وجذبه إليه بسابق العناية؛ فإذا امتحنه أيَّده بعصمته، وسابق حفظه ورعايته، ولا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية؛ فالشهوة في البشر أمر طبيعي وبمجاهدتها ظهر شرفه. لكن النفس المطمئنة لا تحتاج في دفعها إلى كبير مجاهدة. والنفس اللوامة لا بد في دفعها من المكابدة والمجاهدة؛ فالهواجم والخواطر ترد على القلوب كلها، لكن النفس المطمئنة لها قوة على دفعها، وقد تتصرف فيها بإمضاء ما قدره الله الواحد القهار عليها. {وكان أمرالله قدراً مقدوراُ}. وذلك كمال في حقهم لا نقصان؛ إذ بذلك تتميز قهرية الربوبية من ضعف العبودية، فما ظهرت كمالات الربوبية إلا بظهور نقائص العبودية. أما الإصرار على العيوب فلا يوجد مع الخصوصية مطلقاً، وأما هجومها على العبد من غير إصرار فيكون مع وجود خصوصية النبوة والولاية، وقد تقع بها الزيادة إن صحبها الانكسار والإنابة. وفي الحكم: "ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول". والله تعالى أعلم. واعلمْ أن ما امتحن به الصديق عليه السلام مع العصمة، قد وقع مثله كثيراً في هذه الأمة المحمدية مع الحفظ والامتناع؛ ذكر الرصاع في كتاب التحفة: أن بعض الطلبة كان ساكناً في مدرسة فاس، فخرجت امرأة ذات يوم إلى الحمام بابنتها، فَتَلَفتْ البنت وبقيت كذلك إلى الليل، فرأت باباً خلفه ضوء، فأتت إليه، فوجدت فيه رجلاً ينظر في كتاب، فقالت: إن لم يكن الخير عند هذا فلا يكون عند أحد. فقرعت الباب، فخرج الرجل فذكرت له قصتها، وأنها خافت على نفسها، فرأى أنه تَعَيَّنَ عليه حفظها، فأدخلها وجعل حصيراً بينه وبينها، وبقي كذلك ينظر في كتابه، فإذا بالشيطان زين له عمله، فحفظه الله ببركة العلم، فأخذ المصباح، وجعل يحرك أصابعه واحداً بعد واحد حتى أحرقها، والبنت تنظر إليه وتتعجب. ثم خرج ينظر إلى الليل فوجده ما زال، فأحرق أصابع اليد الأخرى، ثم لاح الضوء، فقال: اخرجي، فخرجت إلى دارها سالمة، فذكرت القضية لوالديها، فأتى أبوها إلى مجلس العلم، وذكر القصة للشيخ، فقال للحاضرين: أخرجوا أيديكم وأمنوا على دعائي لهذا الرجل، فأخرجوا أيديهم، وبقي رجل، فعلم الشيخ أنه صاحب القضية، فناداه، فأخبره، فذكر أنه زوجه الأب منها. هـ. مختضراً. فمن ترك شيئاً لله عوضه الله مثله، أو أحسن منه. وكذلك فعل الحق تعالى بيوسف عليه السلام قد زوجه زليخاً على ما يأتي إن شاء الله. وحدثني شيخي مولاي العربي رضي الله عنه، أنه وقف على حكايات تناسب هذا؛ وهو أن رجلاً صالحاً تعلق قلبه بابنة الملك، فلما رأى نفسه أنه لا يقدر على تزوجها تطلف حتى دخل عليها في قبتها ليلاً، فوجدها نائمة على فراشها ملقى على وجهها رداؤها، وشمعة تشعل عند رأسها، وأخرى عند رجلها، وطعام موضوع عندها. فكشف عن وجهها فرأى من الجمال ما أبهر عقله؛ فجعل يتردد في نفسه، ويخاصمها على فعل الفاحشة، فبينما هو كذلك إذ أبصر لوحاً فوق رأسها مكتوباً فيه:{أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}تفسير : [الطلاق: 2]، فتاب الله تعالى عليه، وزجر نفسه عن هواها، فوضع يده في ذلك الطعام ليأكل منه، وترك فيه؟ أثراً، فلما أفاقت البنت رأت أثر اليد في الطعام، فسألت أهل الدار، فكلهم قالوا: ما دخل عليك أحد منا، فتيقنت أن رجلاً دخل عليها، وكان يخطبها كثيرٌ ممن له الرئاسة والجاه، فخافت على نفسها من أن يطرقها أحد منهم فيغضبها، فقالت لأبيها: لا بد أن تروجني، فقال في نفسه: والله لا أزوجها إلا لرجل صالح، فخرج مختفياً إلى المدرسة، فأتى بعض الناس، فقال: سمعت هنا برجل صالح، فأردت أن أزوره، فأشار إلى ذلك الرجل الذي دخل على بنته، ثم سأل ثانياً، وثالثاً، فكلهم أشار إليه، فأتى إليه فقال له: إن لي بنتاً جميلة خطبها مني كثير من الناس، فأردت أن أزوجكها، فجهزها بما يليق بها، وزوجها إياه. هـ. وذكر ابن عرضون: إن رجلاً كان بالقيروان من العلماء الأتقياء، يقال له شقران، وكان جميل الصورة فهوته امرأة، فأرسلت إلى عجوز، وأسرت إليها أمره على أن توصله إليها، فأتت إليه العجوز، وقالت: عندي ابنة مريضة، وأرادت أن توصي، وعسى أن تصل إليها، وتدعو لها، فلبس ثيابه، ومشى معها إلى أن وصلت إلى الدار فأدخلته، فوجد صبية جميلة، فقالت له: هلمّ، فقال: إني أخاف الله رب العالمين. فقالت له العجوز: هيهات شقران، والله لئن لم تفعل لأصيحنَّ، وأقول: إنك دخلت علينا عارضتنا، فقال لها: إن كان ولا بد فدعيني حتى أدخل الحجرة، فقالت له: افعل ما بدا لك، فدخل الحجرة، فقال: اللهم إنها ما هوت مني إلا صورتي فَغَيَّرها، فخرج من الحجرة وقد ظهر عليه الجذام. فلما رأته، قالت: اخرج فحرج سالماً. وهذه الحكاية مشهورة ببلاد القيروان. هـ. قلت: وقد نزل بنا في حال شبابنا كثير مما يشبه هذا، فحفظنا الله بمنّه وكرمه وحسن رعايته. فللَّهِ المنة والحمد، لا أحصي ثناء عليه. ولما شاع خبر زليخا مع يوسف عليه السلام عاب عليها بعض النسوة، كما قال تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو عمرو، وعاصم وحمزة والكسائي {هيت} بفتح الهاء والتاء، وقرأ ابن كثير بفتح الهاء، وضم التاء. وقرأ نافع وابن عامر {هيت} بكسر الهاء وفتح التاء. وروى هشام بن عامر عن ابن عامر (هئت) بالهمز من تهيأت، وكسر الهاء، وضم التاء، وانكر الهمزة أبو عمرو بن العلاء والكسائي، قال طرفة: شعر : ليس قومي بالابعدين إِذا ما قال داع من العشيرة هيت هم يجيبون ذا هلم سراعاً كالابابيل لا يغادر بيت تفسير : فهذا شاهد لابن كثير قال ابو عبيدة: {هيت لك} معناه هلم، قال: وقال: رجل لعلي (ع): شعر : أَبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا ان العراق واهله سلم اليك فهيت هيتا تفسير : قال ابو الحسن: وكسر الهاء لغة، وقال بعضهم بالهمز من تهيأت لك، وهي حسنة إلا ان المعنى الاول أحسن، لانها دعته، والمفتوحة أكثر اللغات، ففيه ثلاث لغات. ومعنى قوله {وراودته} أي طالبته، والمراودة المطالبة بأمر للعمل به، ومنه المرود لانه يعمل به، ولا يقال في المطالبة بدين راوده. ومعنى {التي هو في بيتها} يعني امرأة العزيز {وغلقت الأبواب} فالتغليق اطباق الباب بما يعسر فتحة. وانما قيل {غلقت} لتكثير الاغلاق او المبالغة في الاغلاق، وألف (باب) منقلبة من الواو لقولهم: بويب وأبواب. ومعنى {هيت لك} تعال وهلم الى ما هو لك، أنشد ابو عمرو بن العلاء: شعر : أبلغ أمير المؤمنين اخا العراق اذا اتيت ان العراق واهله سلم اليك فهيت هيت تفسير : ويقال للواحد والاثنين والجمع والذكر والانثى {هيت} بلفظ واحد. وقال ابن عباس والحسن وابن زيد معنى {هيت لك} هلم لك. وقوله {معاذ الله} حكاية عن يوسف أنه قال ذلك. والمعنى أعوذ عياذاً بالله أن أجيب الى هذا أو ان يكون هذا أي اعتصم بالله من هذا. وقوله {إنه ربي أحسن مثواي} معناه ان الملك الذي هو زوجها، مالكي في الحكم {أحسن مثواي} باكرامي وبسط يدي ورفع منزلتي، وهو قول مجاهد وابن اسحاق والسدي والجبائي، وقال الحسن يعني العزيز، وقال الزجاج يجوز ان يكون اراد ان الله ربي احسن مثواي أي في طول مقامي. وقوله {إنه لا يفلح الظالمون} حكاية ان يوسف قال: ان من ظلم نفسه بارتكاب المعاصي لا يفلح ولا يفوز بشيء من الثواب.

الجنابذي

تفسير : {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ} راود ذهب وجاء لطلب شيءٍ ولتضمين معنى الطّلب والسّؤال عدّاه بعن والمقصود تشبيه ملاطفاتها له وفتح ابواب الرّغبة عليه، وانّه كلّما سدّ باباً من ابواب ترغيبها فتحت باباً آخر بالمراودة الصّوريّة، والتّعليق على الموصول للاشعار بكمال قوّتها فى المراودة وعدم عذرٍ له من جهة الاسباب الصّوريّة وارتفاع حجاب الحياء بكثرة المعاشرة ولذلك عقّبه بقوله {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} حتّى يكون تعفّفه فى تلك الحال دالاً على كمال قوّته الآلهيّة وتسلّطه على قواه النّفسانيّة، والتّضعيف للتّكثير فانّ الابواب كما نقل كانت سبعةً وكانا فى البيت السّابع. وقد ذكر فى التّواريخ انّها كانت تعشق يوسف (ع) وهو فى بيتها سبع سنين وكانت تكتم عشقها ولا يعلمه الاّ الله وما اظهرتها على يوسف (ع) ايضاً حتّى ذاب جسمها واصفّر لونها واغورّت عيناها وكانت لها امرأة مربّية كانت صاحبة اسرارها، فسألتها عن حالها فأظهرت حال عشقها وانّ يوسف (ع) لا يلتفت اليها ولا ينظر اليها كلّما تزيّنت له، فأشارت اليها ان تبنى قباباً متزيّنة بأنواع الجواهر وان تنقش فى جوانب كلّ قبّة صورتها وصورة حبيبها متعانقة وتجعل مسكن يوسف (ع) فيها وتظهر عشقها له لعلّه يرغب فيها بعد مشاهدة الصّور المنقوشة المرغّبة؛ ففعلت وأدخلت يوسف (ع) فى القبّة السّابعة وغلّقت الابواب لئلاّ يبقى له عذر فى عدم المخالطة معها. وقيل: انّها بنت قبّة نصبت فى سقفها وجميع جدرانها المرائى بحيث اذا أدخلت يوسف (ع) فيها لا تنظر الى شيءٍ الاّ تشاهد صورة يوسف (ع) ولا ينظر يوسف (ع) الى طرفٍ الاّ يرى صورتها، وذلك انّها كلّما الحّت ودبّرت ان ينظر يوسف (ع) الى صورتها لعلّه يرغب فيها كان لا ينظر اليها فدبّرت ذلك لعلّه يرى صورتها ويرغب فيها وايضاً لغاية محبّتها كانت لا تريد النّظر الاّ الى جمال يوسف (ع) {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} اسم فعل بمعنى أقبل او بمعنى تهيّئت واللاّم لتبيين الفاعل او المفعول وقرئ هيت بضمّ التّاء وهيت بكسرها مثل حيث وجير، وقرئ هيت بكسر الهاء وفتح التّاء، وهئت مثل جئت بضمّ التّاء فعل ماض بمعنى تهيّئت {قَالَ} فى جوابها اعتذاراً من عدم اجابتها مستعيذاً بالله خوفاً من ان يفتتن بصحبتها {مَعَاذَ ٱللَّهِ} عذت بالله معاذاً ولمّا كان فى الاستعاذة اشعار بعدم الاجابة علّله بقوله {إِنَّهُ رَبِّيۤ} انّ العزيز سيّدى اشترانى بثمنٍ غالٍ لا يليق بى الخيانة بأهله وحريمه، او انّ الله ربّى ربّانى من اوّل استقرار نطفتى ومادّة بدنى فى رحم امّى فلا ينبغى مخالفته فيما نهى عنه {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} اظهر وصفاً آخر مقتضياً لقبح الخيانة، ونسبة الاحسان الى المثوى كناية عن اكثار الانعام ووفور الاحسان، ومن أساء الى المحسن فهو ظالم والظّالم لا ينجو من العذاب الاليم {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} ذكر فى الاعتذار ثلاثة اشياء: الرّبوبيّة وكثرة الاحسان وكون الخيانة ظلماً خصوصاً مع المنعم مع عدم فلاح الظّالم تعريضاً بنصحها وردعها عمّا أرادات. بيان العشق ومراتبها ومراتب الحبّ اعلم، انّه لا خلاف ولا شكّ فى انّ زليخا تعشّقت يوسف (ع) ولم يكن مراودتها عن محض شهوة حيوانيّة وسفاد قوّة بهيميّة كما قال من لا خبرة له بالحقائق الآلهيّة والصّفات الرّبوبيّة حيث نظر الى تهديدها له بالسّجن ورضاها بكونه فى السّجن، والحال انّ العاشق لا يمكنه تهديد المعشوق ويعدّ البلاء والملامة فيه من شعار عشقه ومستلذّات لوعته وموجبات ازدياد محبّته واشتعال شوقته، بل الخلاف فى انّ عشقها أكان سفليّاً صارفاً لها عن الجهة الانسانيّة العالية الآلهيّة داعياً لها الى الحيوانيّة البهيميّة المقتضية للسّفاح والفجور لانّ مراودتها كانت لذلك لدلالة هيت وقولها ولقد روادته فاستعصم وقولها لئن لم يفعل ما امره ليسجننّ وقول يوسف (ع) معاذ الله انّه ربّى احسن مثواى ام علويّاً صارفاً عن الجهة الحيوانيّة السّفليّة الى الانسانيّة العالية متقضياً لنزاهة النّفس عن الادناس والارجاس موجباً لقرب الحقّ الاوّل تعالى، لانّ تعشّقها ليوسف انتهى بها الى محبّة الله ومشاهدة جماله والاستغناء عن مشاهدة المظاهر فضلاً عن المواقعة والسّفاح كما ورد انّ يوسف (ع) افتتن بها وهى استغنت عنه بالله تعالى وتحقيق ذلك يستدعى تحقيق معنى العشق والمحبّة وبيان حقيقته ومراتبه؛ فنقول ومنه الاعانة والتّوفيق: العشق من صفات الله العليا وبه دعمت السّماوات والارضون وهو الّذى ملأ اركان كلّ شيءٍ ولولاه لما كان ارض ولا سماء ولا ملك ولا ملكوت وهو يساوق الوجود، حقيقته حقيقة الحقّ الاوّل تعالى وهو باطلاقه غيب مطلق لا اسم له ولا رسم ولا خبر عنه ولا اثر ولذا قيل: شعر : هرجه كويم عشق را شرح وبيان جون بعشق آيم خجل مانم ازان عقل درشرحس جوخردر كل بخفت شرح عشق وعاشقى هم عشق كفت تفسير : لانّ العشق كالوجود لا يكتنه ولا يحاط لانّه عين الواقع وحاقّ التّحقّق فلو ادرك بالكنه لا نقلب الواقع ذهناً والواقعىّ ذهنيّاً. وايضاً حقيقة العشق المطلق كحقيقة الوجود المطلق منزّه عن ادراك الحسّ والخيال والعقل للزوم السّنخيّة بين المدرك والمدرك بل لزوم الاتّحاد بينهما ولا سنخيّة ولا اتّحاد بين المطلق والمقيّد ولذلك ورد هو مع كلّ شيءٍ، هو معكم اينما كنتم وهو حقيقة كلّ شيءٍ وهو بفعله كلّ الاشياء ولا شيء من الاشياء معه: شعر : آنجاكه توئى جو من نباشد كس محرم اين سخن نباشد تفسير : وايضاً العشق المقيّد الّذى هو من اجلّ اوصاف الانسان وبه تميّزه عن سائر الحيوان وفى الحقيقة هو فعليّته وبه تحقّق انسانيّته لا يدرك حاله بالحال والقال ولا بالعقل والخيال لخروجه عن سلطان العقل فكيف بعقال الخيال، فانّه يقتضى الدّهشة والحيرة والاسترسال عن انتظام الحركات وتدبير الامور كالجنون والاختبال ولا يدرك العقل المقتضى للتدّبير وحفظ النّاموس حقيقة تلك الاحوال لتقيّده واسترسال العشق، ولهذا ظنّ العقلاء من الحكماء انّه جنون من اختلال فى الدّماغ او فساد فى المزاج وترقّى بعضهم لانّه لم يدرك له سبباً طبيعيّاً فقال: انّه جنون آلهىّ. فالعشق كالوجود مرتبة منه واجب الوجود وليس لاحدٍ الكلام فيه اذا بلغ الكلام الى الذّات فأمسكوا، ومرتبة منه العشق المطلق والحقّ المضاف الّذى به قوام كلّ شيءٍ وهو اضافة الحقّ تعالى الى الاشياء وهو حقيقة كلّ ذى حقيقة وبه معيّته وقيّوميّته وهو الظّاهر والباطن والاوّل والآخر وهو بكلّ شيءٍ محيط، وبه يقال بسيط الحقيقة كلّ الاشياء وليس شيئاً من الاشياء ولا يبقى معه شيءٍ وان كان هو مع كلّ شيءٍ. ومرتبة منه المجرّدات الصّرفة بسعتها وعدم نهايتها، ومرتبة منه النّفوس، ومرتبة منه الاشباح النّوريّة وعالم المثال وفيه جنان اصحاب اليمين، ومرتبة منه المادّيّات وعالم الطّبع وفيه التّكليف والتّرقّى الى عالم المجرّدات النّوريّة والتّنزّل الى عالم الارواح الخبيثة، ومرتبة منه عالم الارواح الخبيثة وفيه جحيم الاشقياء، وهناك يتمّ نزول العشق ومن هناك ابتداء الصّعود كما اشير اليه فى اخبارنا، بانّ الجنّ منهم مؤمنون اى متصاعدون عن مقام الارواح الخبيثة او ابتداء الصّعود من عالم الطّبع كما عليه معظم اهل النّظر والبيان، ولمّا كان عالم الطّبع مكتنفاً بالاعدام موصوفاً بالتّضادّ والتّعاند ملفوفاً بالغيبة والفقدان، بحيث لا يدرك منه اهل الحسّ والخيال العشق والمحبّة لكونهما مسبوقين بالعلم والحياة ولا يدركون منه حياة ولا شعوراً ما سمّوا ميل الطّبائع الى احيازها ولا عشقها لحفظ موادّها وصورها ولا ميل النّبات فى حركاتها ولا ميل الحيوان فى ارادتها عشقاً، بل فرّقوا بين مراتب الطّلبات فسمّوا طلب الاجرام الثّقال والخفاف لاحيازها عند الخروج عنها ميلاً، وعشق الجماد لبقاء صورته حفظاً، وعشق النّبات للنّمو وتوليد المثل تنمية وتوليداً، وطلبه للغذاء جذباً، وعشق الحيوان للغذاء والسّفاد شهوةً، وعشقها لاولادها من حيث انّه يشبه انس الانسان حبّاً، وسمّوا حبّ الانسان من حيث انّه انسان باعتبار مراتبه من الشّدّة والضّعف وباعتبار متعلّقه بالميل والشّهوة والحبّ والعشق والشّوق؛ فسمّوا اوّل مراتبه ميلاً، واذا اشتدّ بحيث يتمالك معه شهوة وحبّاً، واشدّ مراتبه بحيث لا يتمالك معه عشقاً، اذا كان الحبّ للمحبوب الموجود، واذا كان للمحبوب المفقود يسمّى شوقاً، وقد يطلق كلّ على كلّ. والحبّ على المعنى الاعمّ وعلى مراتب عشق الحيوان والنّبات حقيقة او على سبيل المشاكلة، ويسمّى عشق الانسان من حيث نفسه الحيوانيّة بالهوى والشّهوة، ويطلق الحبّ على جملة المراتب فيكون اعمّ من الكلّ، ولا شكّ انّ الهوى والشّهوة والميل والحبّ والشّوق الغير الشّديد من لوازم وجود الانسان ولا يمكن بقاء الشّخص ولا بقاء النّوع ولا عمارة الدّنيا والآخرة الاّ بها فهى من الكمالات المترتّبة عليها غايات ومصالح عديدة. وامّا العشق والشّوق اللّذان لا يتمالك معهما الانسان ولا يكونان الاّ متعلّقين بصور الحسان وقد يتعلّقان باصوات القيان وتناسب الالحان فقد اختلف كلمات اصحاب البيان وارباب الذّوق والوجدان فى انّهما من الخصائل ام من الرّذائل؟ فقال اكثر العقلاء: انّ العشق رذيلة مستلزمة لرذائل كثيرة واوصاف مذمومة مثل البطالة فى الدّنيا والقلق والدّهشة وسهر اللّيالى واصفرار اللّون واغورار العين وخروج الحركات من ميزان العقل، ولذا قيل: انّه جنون آلهىّ او مرض سوداوىّ وجنون حيوانىّ وعدم الانتزاع بالنّصح والرّدع بل اشتداده به كما قال المولوىّ: شعر : سخت ترشد بند من ازيند تو عشق را نشناخت دانشمند تو تفسير : وعدم الخوف من التّخويف بالحبس والقتل كما قال ايضاً: شعر : تومكن تهديدم از كشتن كه من تشنه زارم بخون خويشتن كر بريزد خون من آن دوست رو ابى كوبان جان برافشانم براو تفسير : والوحشة من ابناء النّوع وطلب العزلة والخلوة عنهم وجعل الهموم مقصورة على لقاء المعشوق نافراً عن كلّ شغلٍ سواه ولو فى ترك العبادات والاعمال المعاديّة كما قال ايضاً: شعر : غير مشعوق ار تماشائى بود عشق نبود هرزه سودائى بود عشق آن شعله است كوجون برفروخت هرجه جز معشوق باقى جمله سوخت تفسير : واقتضاؤه فى بعض الاحيان للفجور واشتداد الشّهوة الحيوانيّة بحيث لا يتمالك عنه ويدخل فيما منعه الشّارع، وهذا كلّه من الرّذائل والمناهى الشّرعيّة التّحريميّة او التّنزيهيّة، وقال بعض اهل النّظر وجملة العرفاء والصّوفيّة: انّه من حيث هو من الفضائل النّفسانيّة وان صار بالنّسبة الى من غلب عليه البهيميّة رذيلة بالعرض بالنّسبة الى من هو مشغول بالله صارفاً عن الاشرف الى الاخسّ. وتحقيق الحقّ فى ذلك ان نقول: شرافة الاوصاف امّا بشرافة مابديها او محالّها او بشرافة لوازمها او متعلّقاتها او غاياتها؛ والكلّ مجموعة فى عشق الانسان للصّور الحسان والحان القيان وتخلّف البعض فى بعض الاحيان بعارض لا ينافى الاقتضاء الّذاتىّ لو لم يعارضه عارض، فانّ مبدأه القريب لطافة النّفس ودقّة الادراك ورقّة القلب، ولذا ترى النّفوس الغليظة والقلوب الجافية منه خالية كالاكراد الّذين لا يعرفون منه الاّ السّفاد ومبدأه البعيد هو الله بتوسّط المبادى العالية باعداد الابصار او السّماع واستحسان شمائل المعشوق، فانّ عشق كلّ عاشق ظلّ ومعلول لعشق الاوّل تعالى لا كمعلوليّة الاوصاف القهريّة له تعالى فانّها معلولة له بالعرض او بتوسّط المبادى القهريّة، فانّ كمال الوجود من حيث هو وجود ينتهى الى الوجوب ومحلّ تحقيقه الحكمة العالية ولا شكّ فى شرافة ذلك كلّه ومحلّه النّفس الانسانيّة الّتى هى الصّراط المستقيم الى كلّ خير وهى الجسر الممدود بين الجنّة والنّار وهى الكتاب الّذى كتبه الرّحمن بيده، ومن لوازمه جعل الهموم همّاً واحداً وكفى العشق فضلاً ان يجعل الهموم هماً واحداً وقد قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : عقل تو قسمت شده برصد سهم بر هزاران آرزو وطمّ ورمٌ جمع بايد كرد اجزا را بعشق تاشوى خوش جون سمرقند ودمشق تفسير : وطهارة النّفس عن جملة الرّذائل كما قال ايضاً: شعر : هركه را جامه زعشقى جاك شد او زحرص وعيب كلى باك شد شاد باش اى عشق خوش سوداى ما واى طبيب جمله علّتهاى ما اى دواى نخوت و ناموس ما اى تو افلاطون وجالينوس ما تفسير : فانّه لا يبقى للعاشق المفتون دواعى الغضب ولا الشّهوة ولذا قيل: العشق يحرق الشّهوة لا انّه يوقدها وما يرى من هيجان الشّهوة فى بعض فانّما هى لبقاء النّفس البهيميّة وغلبتها على النّفس الانسانيّة، او لسعة النّفس الانسانيّة واخذ البهيميّة من العشق حظّها، وقد علمت انّ حظّ البهيميّة من العشق هو قضاء الشّهوة، ومنها رقّة القلب فى كلّ حال والتّواضع لكلّ احد ولا سيّما المنسوب الى المعشوق والقرب من عالم المجرّدات والتّشبّه بالملائكة ولذلك ورد: من عشق وعفّ وكتم ومات مات شهيداً؛ وقد قال المولوىّ بلسانه: شعر : خونبهاى من جمال ذو الجلال خونبهاى خودخورم كسب حلال تفسير : ومنها الزّهد الحقيقىّ فى الدّنيا بلا تكلّفٍ ولا تعبٍ فى الاتّصاف به: شعر : عاشقان رابا سرو سامان جه كار بازن وفرزندو خان ومان جه كار تفسير : والرّغبة فى الآخرة وطلب الخلاص من سجن الدّنيا: شعر : عاشقان را هو زمانى مردنيست مردن عشّاق خوديك نوع نيست او دوصد جان دارد از نور هدى وان دو صد راميكند هردم فدا تفسير : ومتعلّقه بحسب الظّاهر هو الا وجه الحسان باعداد الابصار او السّماع ونغم الالحان باعداد السّماع فقط، وقد يكون تعلّق العشق بالاوجه الحسان باعداد غلبة الشّهوة مع النّظر او السّماع، وشرف حسن الصّورة ثابت بالكتاب والسّنّة والعقل والفطرة والمنكر له خارج عن الكلّ ومن لا يميّز بين الصّور الحسان وغيرها ليس بانسان، ودقيق النّظر يقتضى ان يكون متعلّق العشق امراً غيبيّاً متجلّياً على العاشق من مرآة جمال المعشوق، ولمّا كان ازدياد حسن الصّورة وبهاؤها دليلاً على ازدياد حسن السّيرة وصفاء النّفس وكان ازدياد صفاء النّفس موجباً لاشتداد تجلّى ذلك الامر الغيبىّ، فكلّما كانت الصّورة احسن كان تجلّى الامر الغيبىّ اشدّ وبحسب اشتداده يشتدّ العشق، وممّا يدلّ على انّ متعلّق العشق هو الامر الغيبىّ لا الحسن البشرىّ فقط انّه لو كان المعشوق امراً جسمانياً لانطفى حرارة شوقه وانسلى من حرقة فرقته عند الوصول الى معشوقه والحال انّ العاشق اذا وصل الى المعشوق وحصل له الاتّصال الجسمانىّ ازداد حرقته واشتدّ لوعته كما قيل: شعر : اعانقها والنّفس بعد مشوقة اليها فهل بعد العناق تدانى والثم فاها كى يزول حرارتى فيزداد ما يبقى من الهيجان تفسير : وانّه لو حصل للعاشق اتّصالٌ ملكوتىٌّ بالمعشوق لتسلّى عن صورته الجسمانيّة كما نقل عن المجنون العامرىّ انّه وقفت على رأسه ليلى العامريّة فقالت: يا مجنون انا ليلاك فلم يلتفت اليها وقال: لى منك ما يغنينى، وقد قال المولوىّ قدّس سرّه برهانا على هذا المطلب: شعر : آنجه معشوقست صورت نيست آن خواه عشق اين جهان خواه آن جهان آنجه بر صورت تو عاشق كشته جون برون شد جان جرايش هشته صورتش برجاست ابن زشتى زجيست عاشقا وايين كه مشعوق توكيست آنجه محسوس است اكرمعشوقه است عاشق استى هركه او را حسّ هست جون وفا آن عشق افزون ميكند كى وفا صورت دكركون ميكند تفسير : وغايته قد علم انّها التّجرّد من مقتضيات الشّهوة والغضب ومن ادناس الدّنيا والتّعلّق بالآخرة بل بالله ولا شرف اشرف منها، فعلم انّ المحبّة الّشديدة للاوجه الحسان من الخصائل الشّريفة وقد يعرضها ما تصير بسببه مذمومة كتعشّق المقرّبين وافتتانهم بالصّور الملاح او السّماع، فانّ هذا العشق من اوصاف الاواسط واصحاب اليمين وهو سيّئةٌ بالنّسبة الى المقرّبين. وقد نقل عن بعض الكمّلين من المشايخ افتتانهم بالسّماع او الاوجه الحسان، ومثل تعشّق من اشتدّ بتعشّقه نار الشّهوة سواء كان نفسه البهيميّة غالبة على نفسه الانسانيّة او مغلوبة، فانّه بسبب اشتداد الشّهوة واقتضاء الفجور يصير مذموماً عقلاً وذوقاً وحراماً شرعاً. ولمّا كان عشق اكثر الخلق مورثاً لاشتعال نار الشّهوة ومؤدّياً بهم الى الفجور ورد النّهى عن النّظر الى الامارد والتّشبّب بالاجانبة وذمّ اهل الّذوق ذلك كما قال المولوىّ: شعر : عشقهائى كز يى رنكى بود عشق نبود عاقبت ننكى بود تفسير : ولا يوجد آثار العشق الممدوح فى ذلك بل هو من توابع الشّره المذموم، وعشق زليخا وان كانت البهيميّة اخذت منه حظّها واستدعت الفجور كما يدلّ عليه ظواهر الآيات والاخبار، لكنّ الانسانيّة كانت غالبة والعشق نشأ منها والبهيميّة اخذت حظّاً منه تبعاً ولذا كانت كاتمة له سبع سنين وانتهى العشق بها الى الانسلاخ ممّا كنت مقيّدة به من الافتتان بصورة يوسف (ع) والى الافتتان بالمعشوق والحقيقىّ فارّة من المعشوق المجازىّ.

الأعقم

تفسير : {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} وهي امرأة العزيز {وغلقت الأبواب}، قيل: كانت سبعة أبواب، {وقالت هيت لك} أي هلم لك، وقيل: يعني تعال {قال معاذ الله} استجير به وأعتصم {إنه ربي} رفع محلي وأحسن إليَّ وجعلني نبيَّاً فلا أعصيه، وقيل: أراد العزيز هو مالكي حين قال لامرأته أكرمي مثواه {ولقد همَّت به وهمّ بها} قال الحسن: همّها أخبث الهمّ وأما همّه فما قام عليه طبع الرجال من شهوة النساء، ولم يكن منه عزم على المعصية، وقيل: همّ بضربها وجعل يدفعها عن نفسه، كما يقال: هممت بفلان أي بضربه وإيقاع مكروه منه، ومعنى {لولا أن رأى برهان ربه} أي لولا أن رأى برهان ربه لضربها ولو ضربها لأهلكه أهلها، وكانت تدعي عليه المراودة على القبيح وأنه ضربها لامتناعها، فأراه الله البرهان ليمتنع من الضرب، فأمَّا البرهان الذي رآه فقد اختلف فيه على أقوال: أولها حجة الله تعالى في تحريم الزنا والعلم بما في الزنا من العقاب، وقيل: هو ما أتاه الله سبحانه من آداب أنبيائه في العفاف وصيانة النفس عن الأرجاس، وقيل: هي النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش، وقيل: كان في البيت صنم فسترته بأن ألقت عليه ثوباً فقالت استحيي منه فقال يوسف: تستحي من الصنم وأنا أستحي من الواحد القهّار، وقيل: رأى العزيز، وقيل: رأى جبريل (عليه السلام)، وقيل: رأى يعقوب، روى ذلك جار الله في الحاكم والله أعلم {إنه من عبادنا المخلصين} قرئ بفتح اللام وكسرها {واستبقا الباب} أي وتسابقا إلى الباب فأسرع يريد الباب وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج فنظر يوسف وإذا الأبواب قد انفتحت فأدركته {وقدّت قميصه من دبر} اجتذبته من خلفه فانقدّ أي انشق حين هرب منها {وألفيا سيدها لدا الباب} يعني وصادفها سيدها أي بعلها وهو قطفير تقول المرأة لبعلها سيدي {قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلاَّ أن يسجن أو عذاب أليم} بالسياط ولما أعزت عليه وعرضته للسجن والعذاب وجب عليه الدفع عن نفسه {قال هي راودتني عن نفسي} ولولا ذلك لكتم عليها {وشهد شاهد من أهلها}، قيل: كان ابن عم لها وكان حكيماً يرجع اليه الملك ويستشيره، وقيل: كان ابن خال لها تكلم في المهد، فقال تعالى: {فلما رأى قميصه قُدَّ من دبر} يعني قطفير وعلم براءة يوسف (عليه السلام) وصدقه، قوله تعالى: {قال إنه من كيدكنَّ إن كيدكن عظيم} الخطاب لها ولأمتها وإنما استعظم كيد النساء وإن كان في الرجال، إلا أن النساء ألطف كيداً وأنفذ حيلة {يوسف أعرضْ عن هذا} الأمر واكتمه ولا تحدِّث به {واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} من جملة القوم المعتدين وكانوا يعبدون الله تعالى مع الأصنام.

اطفيش

تفسير : {وَراودَتْه} طلبت منه الجماع بتلطيف وخداع وحرص، مرة بعد أخرى وذلك فى وقت واحد {الَّتى هُو فى بَيْتها} وهى زليخا {عَنْ نَفْسه} كناية عن غرض الجماع وغيره بموصول ليقرر بصلته الغرض المسوق له الكلام، وهو نزاهة يوسف، فإنه إذا كان فى بيتها وتمكن منها ولم يفعل، كان غاية فى النزاهة، ولو قال وراودته امرأة العزيز أو زليخا، أو راعيل لم يفت ذلك إلا بخارج، وقيل: عبر به تقريرا للمراودة، لما فيه من فرط الاختلاط والألفة، وقيل: تقرير المسند إليه لإمكان وقوع الإبهام فى امرأة العزيز أو زليخا، أو راعيل، واشتهر أن ذلك زيادة تقرير، واختير أن ذلك لزيادة تقرير واستقباح التصريح بالاسم. {وغلَّقتِ الأبْوابَ} قيل: كانت سبعة متتابعات، وقيل: كل فى جهته لا متتابعة فى جهة واحدة، وقيل: أربعة: والتشديد المبالغة فى الإثاق لئلا يهرب، ولئلا يطلع عليها أحد، ولشدة الخوف، ولأن هذا لا يقع إلا فى خفية، أو التشديد للتكثير، فإن الأبواب كثيرة فالغلق كثير. {وقَالتْ هِيتَ} بكسر الهاء، وإسكان الياء، وفتح التاء عند نافع، وابن عامر فى رواية ابن ذكوان عنه، وكذا قرأ هشام عنه، لكنه أبهم مكان الباء، وروى عن هشام ضم التاء، وقرأ ابن كثير بفتح الهاء وضم التاء تشبيها بحيث، والباقون بفتحها، وفى رواية عن أبى عمرو بكسر الهاء وبالهمز وضم التاء، وقرئ هيت بكسر الهاء والتاء، وعلى كل حال فهو اسم فعل بمعنى أقبل وبادر، ومثل هذا قول الحسن: إن معناه هلمَّ، وقول عكرمة: هيت بالحورانية هلم، وقول ابن جبير: تعال، وكذلك قال الكسائى: إنها لغة لأهل حوران، رفعت إلى الحجاز، وقيل: هى بالعبرانية فعربت، وعن مجاهد وغير: إنها غربية. واللام فى قوله: {لَكَ} لتبيين الفاعل، فإن يوسف هو المطلوب منه الإقبال، وقيل فى قراءة كسر الهاء بعدها همزة، وضم التاء فعل وفاعل، واللام متعلقة بالفعل من هاء يهئ أى تهيأت لك من هيؤ الرجل بمعنى حسنت حاله، أى قد حسنت حالى وزينته لك يا يوسف. وقال ابن هشام: وأما قوله تعالى: {وقالت هيت لك} فيمن قال بهاء مفتوحة وبياء ساكنة وتاء إما مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، فهيت اسم فعل، ثم قيل: سماه فعل ماض أى تهيأت، فالدم متعلقة به كما تتعلق بمسماه لو صرح به، وقيل: مسماه فعل أمر بمعنى أقبل أو تعال، واللام للتبيين أى إرادتى لك، وأقول لك، وأما من قرأ: هئت كجئت فهى فعل بمعنى تهيأت، واللام متعلقة به، وأما من قرأ كذلك، ولكن جعل التاء ضمير المخاطب فاللام للتبيين مثلها فى اسم الفعل، ومعنى تهيئة تيسيرا تفرادها به، لا أنه قصدها، بدليل {وراودته} ولا وجه لإنكار الفارسى هذه القراءة مع ثبوتها واتجاهها، ويحتمل أنها أصل قراءة هشام بكسر الهاء وبالياء، وبفتح التاء، ويكون على إبدال الهمزة، أى إبدالها ياء ا. هـ. {قالَ مَعَاذَ الله} مفعول مطلق نائب عن عامل محذوف وجوبا كسبحان الله، الأصل أعوذ بالله من موافقتى لك فى معاذا، أى عوذا فهو مصدر ميمى، ولما حذف العامل أضيف المصدر إلى المجرور المتعلق به {إنَّه} أى الله {رَبِّى} خبر أول، وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبى عمر. {أحْسَن مَثْواىَ} هذه الجملة خبر ثان، أو الهاء ضمير الشأن، وربى أى الله مبتدأ، والجملة خبر، وجملة المبتدأ والخبر ضمير الشأن، والمراد أنى لا أعصى خالقى، وقد أحسن منزلتى بأن عطف علىَّ قلب العزيز، ونجانى من الجب، أو الهاء للعزيز وهو قطفير زوج زليخا، وربى بمعنى سيدى خبر، والجملة بعده خبر ثان، أو الهاء للشأن وربى أى سيدى قطفير مبتدأ، والجملة بعده خبر، والمجموع خبر لأن، والمراد أنى لا أخونه فى زوجته وقد ائتمننى وتنزلين منزلة الولد، وأحسن إلىَّ وأمرك بإكرامى، وإذا حفظ حق مخلوق فأحرى أن يحفظ حق الله، قيل: لما لم يدافع إلا بالاحتجاج والملاينة، امتحنه الله بالهم بما هَمَّ به، ولو قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ودافع بعنف، لم يهم بشئ يكره {إنَّه} أى الشأن {لا يُفْلح الظَّالمونَ} أى ظلم كان، ومنه الزنى، وجزاء الإحسان بالإساءة فان الزنى ظلم النفس، والمزنى بأهله، وقيل: الظالمون المجازون المحسن بالسوء، وقيل: الزناة. قال فى زهر الأكمام، عن الحسن: خرج يوسف عن أبيه وهو ابن سبع عشرة سنة، واجتمع به وهو ابن ثمانين، وعن مجاهد: خرج ابن ست، واجتمع ابن أربعين، وعن وهب مكث فى دار العزيز ثلاث سنين، ثم بلغ وكانت زليخا تخدمه بنفسها، وتمشط شعره بيدها، ومالت إليه بالكلية، وتكاثر وجدها، ولا يلتفت إليها فكثر همها، وشجنت ونحلت، ودخلت عليها حاضنتها يوما فقالت: يا سيدتى إن غصنك ذابل: وجسدك ناحل، وقلبك ذاهل. فقالت: كيف لا يكون ذلك وأنا أخدم هذا الغلام العبرانى منذ سبع سنين ألاطفه بلسانى، وأتحبب إليه بإحسانى، فكلما زدت ميلا إليه، زاد إعراضا عنى، وكلما قربت منه، بعد عنى، فقالت: يا سيدتى لو نظر إليك لكان أسرع إليك منك إليه، ولو نظر حسنك وجمالك وصفاء لونك لما قر له قرار دونك، قالت: فيكف ذلك: قالت لها: مكنينى من الأموال، قالت: خزائنى بيدك لا حساب عليك فيها. فدعت أهل البناء والهندسة وقالت: أريد بيتا ترى الوجوه فى حائطه كالمرآة المصقولة، فبنوا لها بيتا تقدم ذكره وسمته القبطون، وصور فيه صورة يوسف وزليخا متعانقين وأمرت بسرير من ذهب مرصع بالجواهر واليواقيت واللآلئ، فوضعته فى وسط البيت، وجعلت عليه أفشة الديباج وألوان الحرير، وفرشت البيت: وأرخت الستور، وألبست زليخا من أنواع الحلل غير قليل، وحلتها بالحلى الكثيرة، وأجلستها على مرتبة عظيمة، وخرجت إلى يوسف مستعجلة وقالت: يا يوسف أجب سيدتك زليخا فإنها تدعوك فى بيتها القبطون. وكان سميعا لها مطيعا، وكان بيده قضيب من ذهب يلعب به، فرمى القضيب من يده، وأسرع لباب البيت ليدخل، فكأن قلبه أحس بالشر فأراد الرجوع، فأسرعت إليه وجذبته إلى السرير وقالت: هيت لك، فأغمض عينيه، وكف يديه، وأدلى رأسه حياء من ربه سبحانه وتعالى. قالت: يا يوسف ما أحسن وجهك! قال: الله صوره فى الأرحام، دعينى يا زليخا. قالت: ما أحر عينيك! قال: هما أول ما يسقط فى قبرى. قالت: ما أحسن شعرك! قال: هو أول ما يبلى منى. قالت: ما أطيب ريحك! قال: لو شممتى رأحتى بعد ثلاثة فى قبرى لفررت منى. قالت: يا يوسف أتقرب إليك وتتباعد منى؟ قال: أرجو بذلك القرب من ربى. قالت: انظر إلىَّ نظرة واحدة. قال: أخشى العمى فى آخرتى. قالت: ضع يدك على فؤادى. قال لها: إذن تغلى فى النار. قالت: اشتريتك بمالى وتخالف أمرى؟ قال: الذنب لإخوتى إذ باعونى حتى ملكتنى. قالت: اصبر معى فى البيت ساعة واحدة. قال لها: ليس فيه شئ يسترنى من ربى. قالت: يا يوسف بأى وجه تخالفنى، وبأى حكم ترجع عن مرادى؟ قال: بحكم إلهى الذى فى السماء عرشه، وفى الأرض سلطانه، وإكرما لسيدى الذى أحسن مثواى. قالت: أما إلهك الذى فى السماء فأنا أفتح بيوت الأموال، وأتصدق عنك بها، وأهديها إليه حتى يرضى عنك، ويغفر لك، ولا أبالى أنا ما فعل بى فى حق مرادى وقضاء إربى. فقال: إن الله لا يقبل الرشاء. قالت: بل يقبل مثقال ذرة. قال: ما يقبل ذلك إلا من المتقين. قالت: أنا أسلم إن شاء الله، وأما سيدك الذى أكرم مثواك فأنا أطعمه السم حتى يسقط لحمه عن عظمه، وأكون أنا وأموالى وما ملكت يداى ملكا لك، وطوع يمينك. قال: فما يكون عذرى عند ربى يوم القيامة.

اطفيش

تفسير : {وَرَاوَدتْهُ} طالبته، من راد يرود إِذا جاءَ وذهب، أَو رفق فى طلب شىءٍ، وكان بصيغةِ المفاعلة بين اثنين مع أَن يوسف لم يطلبها للمبالغة، أَو عبر بصيغة المفاعلة بين اثنين تنزيلا للسبب الذى هو جمال يوسف، وكونه مملوكاً لها أَو لزوجها وكونه فى دارها منزلة المسبب وهو الطلب كمطالبة الدائن ومماطلة المدين؛ فإِنه لا مطالبة للمدين ولا مماطلة للدائن، ومداواة الطبيب للمريض فإنه لا مداواة للمريض، لكن لما كانت دوافع من المدين والدائن، والطبيب والمريض، فنزلت منزلة المفاعلة، أَو ذلك مراعاة لكونها طلبت منه الفعل فطلب منها الترك، أَو المعنى لاينته مخادعة له ليطاوعها والمفاعلة على بابها لأَنه أَيضا لاينها فى الامتناع منها، إذ امتنع بلا ضرب لها أَو للمبالغة {الَّتَى هُوَ} أَى يوسف {فِى بَيْتِهَا} ولم يذكر اسمها كزليخاءَ أَو راعيل ستراً عليها ولاستهجان ذكرها أَو لكراهة جمع الزاى والخاء، وفى قوله: بيتها، إعلان عظيم بنزاهة يوسف وورعه إِذ كان فى بيتها برضاها وخلوه بها مع أَنها المطالبة له، ومع جمالها ولملكها له ولم يوافقها، وأَضاف البيت إِليها مع أَنه للعزيز فيما يظهر لأَن النساءَ يلزمن البيت ويقمن بمصالحه كما قال الله - جل وعلا -: "أية : وقرن فى بيوتكن"تفسير : [الأَحزاب: 33] {عَن نَّفْسِهِ} عدَّى راود بعن لتضمنه معنى المخادعة بمعنى أَنها طالبته بأَن تنتقل عنه إِليها نفسه الأَمارة بالسوءِ، أَو ذاته فيواقعها {وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ} التشديد للمبالغة بأَن أَغلقتها إغلاقا عظيما، أَو للتكثير بأَن قفلتها بقفلين أَو ثلاثة مثلا، أَو أَسندت إِليها من داخل مالا يطاق من خارج، أو لكثرة الأَبواب، وقد قيل: إِنها سبعة وأَغلقتها كلها وذلك كثير، ولو كانت ثلاثة أَو أَكثر مما هو دون جمع القلة، ولا يخفى أَن فى جعل الأَبواب بابا، أَو أَن كل جزءٍ من الباب باب، ودعوى أَن إِغلاقه بأَقفال تنزيل بمنزلة تعدد الباب تكلف كتكلف من قال بزيادة الواو فى ولنعلمه، وقيل: أَغلقت باب الحجرة وباب الدار وهما فى الحجرة، ووجه المبالغة، بالتشديد أَنه يجوز أَغلقت الأَبواب بالهمزة وعدل عنه إِلى التشديد كذا قيل، ولا أَسلم أَن ذلك مبالغة سوى أَنه تشديد كتشديد المبالغة، وإِن صح غلقت الباب بالتخفيف جائز فصحيح، فالمبالغة ظاهرة فى التشديد وإِلا فلا يحمل القرآن على اللغة الرديئة ببناءِ التشديد عليها {وَقَالَتْ هَيْتَ} اسم فعل بمعنى أَقبل مبادرا، أَو تهيأْت، فعلى الأَول اسم فعل الأَمر وعلى الثانى اسم الفعل الماضى، أَخبرت عن نفسها بأَنى قد تهيأْت لك، وهو عربى لا سريانى كما قيل عن ابن عباس، ولا قبطى كما قيل عن السدى {لَكَ} اللام للبيان كأَنه قيل أَمرى بالإِقبال هو لك، أَو خطابى لك، أَو هذا الكلام مقول لك، أَو تهيؤى لك، وحرف الجر لايتعلق باسم الفعل، وقيل يتعلق، فيجوز أَن يعلق لك بهيت، فيجوز أَن تقول صه لى {قَالَ مَعَاذَ اللهِِ} مصدر ميمى بمعنى عياذة الله، وأًصله أَعوذ بالله معاذاً أَى أَعتصم به اعتصاما عن الزنا مطلقا، ولا سيما بزوج سيدى، وحذف الفعل وناب عنه معاذ، وأُخر لفظ الجلالة وأُضيف إِليه {إِنَّهُ} أَى العزيز زوجك دل عليه بالمقام، أَو أَن الشأْن أَو أَن الله {رَبِّى} خبر إِن على أَن الهاءَ للعزيز أَو لله {أَحْسَنَ مَثْواىَ} خبر ثان أَو خبر وربى بدل أَو بيان، وعلى الشأْن فربى مبتدأُ، أَحسن الله مقامى فلا أَعصيه بالزنا، أَو سيدى فلا أَخونه فى زوجه، وقد قال لها أَكرمى مثواه، وكذلك يقول: أَحسن الله مثواى بالعزيز، ويترجح رد الهاءِ لله تعالى، لأَن المتبادر أَنه عليه السلام لا يطلق على مخلوق أَنه ربه، ولو احتمل أَنه أَراد العزيز بمعنى السيد فإنه اشتراه {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} لأَنفسهم بالزنا، أَو لأَصحاب الأَزواج بأَزواجهم، والمزنى بها مظلومة فى حقها عند الله ولو أَباحته، ولو لم يكن لها زوج، أَو الظالمون مطلقا فيدخل الظلم بالزنا بالأَولى، ومن زنا بامرأة ولو مات زوجها عنها فقد ظلمه كرهت أو رضيت،والإفلاح الدخول فى الفلاح، والفلاح دنيوى، وهو البقاءُ والغنى والعز، وأُخروى وهو البقاءُ والغنى والعز والعلم الدائمات، ولذلك قيل: لا عيش إِلآ عيش الآخرة.

الالوسي

تفسير : {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} رجوع إلى شرح ما جرى عليه عليه السلام في منزل العزيز بعدما أمر امرأته بإكرام مثواه، وقوله سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ }تفسير : [يوسف: 21] إلى هنا اعتراض جيء به أنموذجاً للقصة ليعلم السامع من أول الأمر أن ما لقيه عليه السلام من الفتن التي ستحكي بتفاصيلها له غاية جميلة وعاقبة حميدة وأنه عليه السلام محسن في أعماله لم يصدر عنه ما يخل بنزاهته. والمراودة المطالبة برفق من راد يرود إذا ذهب وجاء لطلب شيء، ومنه الرائد لطالب الكلأ والماء، وباعتبار الرفق قيل: رادت الإبل في مشيتها ترود روداناً، ومنه بني المرود؛ ويقال: أرود يرود إذا رفق، ومنه بني رويد، والإرادة منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء وهي مفاعلة من واحد نحو مطالبة الدائن ومماطلة المديون ومداواة الطبيب وغير ذلك مما يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه فإن هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن أحد الجانبين لكن لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما. قال شيخ الإسلام: وهذا باب لطيف المسلك مبني على اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقوم مقامه ويطلق عليه اسمه كما في قولهم: كما تدين تدان أي كما تجزي تجزى، فإن فعل البادىء وإن لم يكن جزاء لكنه لكونه سبباً للجزاء أطلق عليه اسمه، وكذلك إرادة القيام إلى الصلاة وإرادة قراءة القرآن حيث كانتا سبباً للقيام والقراءة عبر عنهما بهما فقيل: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ } تفسير : [المائدة: 6] {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ } تفسير : [النحل: 98] وهذه قاعدة مطردة مستمرة، ولما كانت أسباب الأفعال المذكورة فيما نحن فيه صادرة عن الجانب المقابل لجانب فاعلها فإن مطالبة الدائن للمماطلة التي هي من جانب الغريم وهي منه للمطالبة التي من جانب الدائن، وكذا مداواة الطبيب للمرض الذي هو من جانب المريض، وكذلك مراودتها فيما نحن فيه لجمال يوسف عليه السلام نزل صدورها عن محالها بمنزلة صدور مسبباتها التي هي تلك الأفعال فبنى الصيغة على ذلك وروعي جانب الحقيقة بأن أسند الفعل إلى الفاعل وأوقع على صاحب السبب فتأمل اهـ. وكأنه أشار بالأمر بالتأمل إلى ما فيه مما لا يخفى على ذويه، وفي «الكشف» المراودة منازعة في الرود بأن يكون له مقصد مجيئاً وذهاباً وللمفاعل مقصد آخر يقابله فيهما، ومعنى المفاعلة هٰهنا إما المبالغة في رودها أو الدلالة على اختلافهما فيه فإنها طلبت منه الفعل وهو طلب منها الترك وهذا أبلغ ولما كان منازعة جيء ـ بعن ـ في قوله / تعالى: {عَن نَّفْسِهِ} كما تقول: جاذبته عن كذا دلالة على الأبعاد وتحصيل الجذب البالغ، ولهذا قال في «الأساس»: ومن المجاز راوده عن نفسه خادعه عنها. وقال الزمخشري هنا: أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، ولا شك أن هذا إنما يحصل من المنازعة في الرود، ولهذه النكتة جعل كناية عن التمحل لمواقعته إياها، والعدول عن التصريح باسمها للمحافطة على الستر ما أمكن. أو للاستهجان بذكره، وإيراد الموصول دون امرأة العزيز مع أنه أخصر وأظهر لتقرير المراودة فإن كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك ولإظهار كمال نزاهته عليه السلام فإن عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لمحاسنها واستعصائه عليها مع كونه تحت يدها ينادي بكونه عليه السلام في أعلى معارج العفة، وإضافة البيت إلى ضميرها لما أن العرب تضيف البيوت إلى النساء باعتبار أنهن القائمات بمصالحه أو الملازمات له، وخرج على ذلك قوله تعالى: {أية : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ }تفسير : [الأحزاب: 33] وكثر في كلامهم صاحبة البيت. وربة البيت للمرأة، ومن ذلك: شعر : يا ربة البيت قومي غير صاغرة تفسير : </td><td> {وَغَلَّقَتِ ٱلاْبْوَٰبُ} أي أبواب البيت، وتشديد الفعل للتكثير في المفعول إن قلنا: إن الأبواب كانت سبعة كما قيل، فإن لم نقل به فهو لتكثير الفعل فكأنه غلق مرة بعد مرة أو بمغلاق بعد مغلاق، وجمع {ٱلاْبْوَٰبُ} حينئذٍ إما لجعل كل جزء منه كأنه باب أو لجعل تعدد إغلاقه بمنزلة تعدده، وزعم بعضهم أنه لم يغلق إلا بابان: باب الدار، وباب الحجرة التي هما فيها. وادعى بعض المتأخرين أن التشديد للتعدية وأن كونه للتكثير وهم معللاً ذلك بأن غلقت الأبواب غلقاً لغة رديئة متروكة حسبما ذكره الجوهري، ورد بأن إفادة التعدية لا تنافي إفادة التكثير معها فإن مجرد التعدية يحصل بباب الأفعال فاختيار التفعيل عليه لأحد الأمرين، ولذا قال الجوهري أيضاً: {وَغَلَّقَتِ ٱلاْبْوَٰبُ} شدد للتكثير اهـ. وفي «الحواشي الشهابية» أنه لم يتنبه الراد لأن ما نقله عليه لا له لأن الردىء الذي ذكره اللغويون إنما هو استعمال الثلاثي منه لا أن له ثلاثياً لازماً حتى يتعين كون التفعيل للتعدية فتعديه لازم في الثلاثي وغيره سواء كان رديئاً أو فصيحاً فتعين أنه للتكثير، وقد قال بذلك غير واحد، فالواهم ابن أخت خالة الموهم فافهم. {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} أي أسرع فهي اسم فعل أمر مبني على الفتح كأين، وفسرها الكسائي والفراء بتعال، وزعما أنها كلمة حورانية وقعت إلى أهل الحجاز فتكلموا بها؛ وقال أبو زيد: هي عبرانية، وعن ابن عباس والحسن هي سريانية، وقال السدي: هي قبطية. وقال مجاهد وغيره هي عربية تدعوه بها إلى نفسها وهي كلمة حث وإقبال، واللام للتبيين كالتي في سقيا لك فهي متعلقة بمحذوف أي إرادتي كائنة لك أو أقول لك، وجوز كونها اسم فعل خبري كهيهات، واللام متعلقة بها والمعنى تهيأت لك، وجعلها بعضهم على هذا للتبيين متعلقة بمحذوف أيضاً لأن اسم الفعل لا يتعلق به الجار، والتاء مطلقاً من بنية الكلمة، وليس تفسيرها بتهيأت لكون الدال على التكلم التاء ليرد أنها / إذا كانت بمعنى تهيأت لا تكون اسم فعل بل تكون فعلاً مسنداً إلى ضمير المتكلم بل لأنه لما بينت التهيؤ بأنه له لزم كونها هي المتهيأة كما إذا قيل لك: قربني منك فقلت: هيهات فإنه يدل على معنى بعدت بالقرينة. وقرأ ابن كثير وأهل مكة {هيت} بفتح الهاء وسكون الياء وضم التاء تشبيهاً له بحيث. وقرأ أبو الأسود وابن أبـي إسحاق وابن محيصن وعيسى البصرة وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {هيت} بفتح الهاء وسكون الياء وكسر التاء تشبيهاً له بجير، والكلام فيها على هاتين القراءتين كالكلام فيها على القراءة السابقة. وقرأ نافع وابن عامر وابن ذكوان والأعرج وشيبة وأبو جعفر {هيت} بكسر الهاء بعدها ياء ساكنة وتاء مفتوحة، وحكى الحلواني عن هشام أنه قرأ كذلك إلا أنه همز، وتعقب ذلك الداني تبعاً لأبـي علي الفارسي في الحجة، وقد تبعه أيضاً جماعة بأن فتح التاء فيما ذكر وهم من الراوي لأن الفعل حينئذٍ من التهيؤ، ويوسف عليه السلام لم يتهيأ لها بدليل {وَرَاوَدَتْهُ} الخ فلا بدّ من ضم التاء، ورد ذلك صاحب النشر بأن المعنى على ذلك تهيأ لي أمرك لأنها لم يتيسر لها الخلوة به قبل أو حسنت هيئتك، و {لَكَ} على المعنيين للبيان، والرواية عن هشام صحيحة جاءت من عدة طرق، وروي عنه أيضاً أنه قرأ بكسر الهاء والهمزة وضم التاء، وهي رواية أيضاً عن ابن عباس وابن عامر وأبـي عمرو أيضاً، وقرأ كذلك أبو رجاء وأبو وائل وعكرمة ومجاهد وقتادة وطلحة وآخرون. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وابن أبـي إسحاق كذلك إلا أنهما سهلا الهمزة، وذكر النحاس أنه قرىء بكسر الهاء بعدها ياء ساكنة وكسر التاء، وقرىء أيضاً (هيا) بكسر الهاء وفتحها وتشديد الياء، وهي على ما قال ابن هشام: لغة في {هَيْتَ}، وقال بعضهم: إن القراءات كلها لغات وهي فيها اسم فعل بمعنى هلم، وليست التاء ضميراً؛ وقال آخر: إنها لغات والكلمة عليها اسم فعل إلا على قراءة ضم التاء مع الهمز وتركه فإن الكلمة عليها تحتمل أن تكون فعلاً رافعاً لضمير المتكلم من هاء الرجل يهيء كجاء يجيء إذا حسنت هيئته أو بمعنى تهيأت، يقال: هئت وتهيأت بمعنى، وإذا كانت فعلاً تعلقت اللام بها، ونقل عن ابن عباس أيضاً أنه قرأ هييت مثل حببت وهي في ذلك فعل مبني للمفعول مسهل الهمزة من هيأت الشيء كأن أحداً هيأها له عليه السلام. {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ} نصب على المصدر يقال: عذت عوذاً وعياذاً وعياذة ومعاذاً أي أعوذ بالله عز وجل معاذاً مما تريدين مني، وهذا اجتناب منه عليه السلام على أتم الوجوه وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله جل وعلا للخلاص منه، وما ذلك إلا لأنه قد علم بما أراه الله تعالى ما هو عليه في حد ذاته من غاية القبح ونهاية السوء. وقوله تعالى: {إِنَّهُ رَبّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} تعليل ببعض الأسباب الخارجية مما عسى يكون مؤثراً عندها وداعياً لها إلى اعتباره بعد التنبيه على سببه الذاتي التي لا تكاد تقبله لما سولته لها نفسها، والضمير للشأن، وفي تصدير الجملة به من الإيذان بفخامة مضمونها ما فيه مع زيادة تقريره في الذهن أي إن الشأن الخطير هذا أي هو ربـي أي سيدي العزيز أحسن تعهدي حيث أمرك بإكرامي على أكمل وجه فكيف يمكن أن أسيء إليه بالخيانة في حرمه؟! وفيه إرشاد لها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه، وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد والسدي / وابن أبـي إسحاق، وتعقب بأن فيه إطلاق الرب على غيره تعالى فإن أريد به الرب بمعنى الخالق فهو باطل لأنه لا يمكن أن يطلق نبـي كريم على مخلوق ذلك، وإذا أريد به السيد فهو عليه السلام في الحقيقة مملوك له، ومن هنا ـ وإن كان فيما ذكر نظر ظاهر ـ اختار في «البحر» أن الضمير لله تعالى، و {رَبّي} خبر إن، و {أَحْسَنَ مَثْوَايَّ} خبر ثان، أو هو الخبر، والأول بدل من الضمير أي إنه تعالى خالقي أحسن مثواي بعطف قلب من أمرك بإكرامي علي فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشة الكبيرة؟! وفيه تحذير لها عن عقاب الله تعالى، وجوز على تقدير أن يكون الرب بمعنى الخالق كون الضمير للشأن أيضاً، وأياً مّا كان ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة من غير تعرض لاقتضائها الامتناع عما دعته إليه إيذان بأن هذه المرتبة من البيان كافية في الدلالة على استحالته وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلاً. وقوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} تعليل غب تعليل للامتناع المذكور، والفلاح الظفر وإدراك البغية، وذلك ضربان: دنيوي وأخروي، فالأول: الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا وهو البقاء والغنى والعز، والثاني: أربعة أشياء: بقاء بلا فناء وغنى بلا فقر وعز بلا ذل وعلم بلا جهل، ولذلك قيل: لا عيش إلا عيش الآخرة، ومعنى أفلح دخل في الفلاح كأصبح وأخواته، ولعل المراد به هنا الفلاح الأخروي، وبالظالمين كل من ظلم كائناً من كان فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة والعصاة لأمر الله تعالى دخولاً أولياً، وقيل: الزناة لأنهم ظالمون لأنفسهم، وللمزني بأهله، وقيل: الخائنون لأنهم ظالمون لأنفسهم أيضاً ولمن خانوه.

ابن عاشور

تفسير : عطف قصة على قصة، فلا يلزم أن تكون هذه القصة حاصلة في الوجود بعد التي قبلها. وقد كان هذا الحادث قبل إيتائه النبوءة لأن إيتاء النبوءة غلب أن يكون في سن الأربعين. والأظهر أنه أوتي النبوءة والرسالة بعد دخول أهله إلى مصر وبعد وفاة أبيه. وقد تعرضت الآيات لتقرير ثبات يوسف ـــ عليه السّلام ـــ على العفاف والوفاء وكرم الخلق. فالمراودة المقتضية تكرير المحاولة بصيغة المفاعلة، والمفاعلة مستعملة في التكرير. وقيل: المفاعلة تقديرية بأن اعتبر العمل من جانب والممانعة من الجانب الآخر من العمل بمنزلة مقابلة العمل بمثله. والمراودة: مشتقة من راد يرود، إذا جاء وذهب. شبه حال المحاول أحداً على فعل شيء مكرراً ذلك. بحال من يذهب ويجيء في المعاودة إلى الشيء المذهوب عنه، فأطلق راود بمعنى حاول. و{عن} للمجاوزة، أي راودته مباعدة له عن نفسه، أي بأن يجعل نفسه لها. والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن، فالنفس هنا كناية عن غرض المواقعة، قاله ابن عطية، أي فالنفس أريد بها عفافه وتمكينها منه لما تريد، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه في نفسه. وأما تعديته بـــ (على) فذلك إلى الشيء المطلوب حصوله. ووقع في قول أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم يراود عمه أبا طالب على الإسلام: وفي حديث الإسراء «فقال له موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه». والتعبير عن امرأة العزيز بطريق الموصولية في قوله: {التي هو في بيتها} لقصد ما تؤذن به الصلة من تقرير عصمة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ لأن كونه في بيتها من شأنه أن يطوّعه لمرادها. و{بيتها} بيت سكناها الذي تبيت فيه. فمعنى {هو في بيتها} أنه كان حينئذٍ في البيت الذي هي به، ويجوز أن يكون المراد بالبيت: المنزل كله، وهو قصر العزيز. ومنه قولهم: ربة البيت، أي زوجة صاحب الدار ويكون معنى {هو في بيتها} أنه من جملة أتباع ذلك المنزل. وغلق الأبواب: جَعْل كل باب سادّاً للفرجة التي هو بها. وتضعيف {غلّقت} لإفادة شدة الفعل وقوته، أي أغلقت إغلاقاً محكماً. والأبواب: جمع باب. وتقدم في قوله تعالى: { أية : ادخلوا عليهم الباب } تفسير : [سورة المائدة: 23]. و{هَيتَ} اسم فعل أمر بمعنى بَادرْ. قيل أصلها من اللغة الحَوْرانية، وهي نبطية. وقيل: هي من اللغة العبرانية. واللام في {لك} لزيادة بيان المقصود بالخطاب، كما في قولهم: سقياً لك وشكراً لك. وأصله: هيتَك. ويظهر أنها طلبت منه أمراً كان غير بدع في قصورهم بأن تستمتع المرأة بعبدها كما يستمتع الرجل بأمته، ولذلك لم تتقدم إليه من قبل بترغيب بل ابتدأته بالتمكين من نفسها. وسيأتي لهذا ما يزيده بياناً عند قوله تعالى: {قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً}. وفي {هيت} لغات. قَرأ نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو جعفر ـــ بكسر الهاء وفتح المثناة الفوقية ـــ. وقرأه ابن كثير ـــ بفتح الهاء وسكون التحتية وضم الفوقية ـــ. وقرأه الباقون ـــ بفتح الهاء وسكون التحتية وضم التاء الفوقية، والفتحة والضمة حركتا بناء. و{مَعاذ} مصدر أضيف إلى اسم الجلالة إضافة المصدر إلى معموله. وأصله: أعوذ عَوذاً بالله، أي أعتصم به مما تحاولين. وسيأتي بيانه عند قوله: { أية : قال معاذ الله أن نأخذ } تفسير : [سورة يوسف: 79] في هذه السورة. و(إنّ) مفيدة تعليل ما أفاده {معاذ الله} من الامتناع والاعتصام منه بالله المقتضي أن الله أمر بذلك الاعتصام. وضمير {إنه} يجوز أن يعود إلى اسم الجلالة، ويكون {ربي} بمعنى خالقي. ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام وهو زوجها الذي لا يرضى بأن يمسها غيره، فهو معلوم بدلالة العرف، ويكون {ربي} بمعنى سيدي ومالكي. وهذا من الكلام الموجّه توجيهاً بليغاً حكي به كلام يوسف ـــ عليه السّلام ـــ إمّا لأن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ أتى بمثل هذا التركيب في لغة القِبط، وإما لأنه أتى بتركيبين عُذرين لامتناعه فحكاهما القرآن بطريقة الإيجاز والتوجيه. وأياً ما كان فالكلام تعليل لامتناعه وتعريض بها في خيانة عهدها. وفي هذا الكلام عبرة عظيمة من العفاف والتقوى وعصمة الأنبياء قبل النبوءة من الكبائر. وذُكِرَ وصف الرب على الاحتمالين لما يؤذن به من وجوب طاعته وشكره على نعمة الإيجاد بالنسبة إلى الله، ونعمة التربية بالنسبة لمولاه العزيز. وأكدَ ذلك بوصفه بجملة {أحسن مثواي}، أي جعل آخرتي حسنى، إذ أنقذني من الهلاك، أو أكرم كفالتي. وتقدم آنفاً تفسير المثوى. وجملة {إنه لا يفلح الظالمون} تعليل ثان للامتناع. والضمير المجعول اسماً لـــ (إن) ضميرُ الشأن يفيد أهمية الجملة المجعولة خبراً عنه لأنها موعظة جامعة. وأشار إلى أن إجابتها لما راودته ظلم، لأن فيها ظلم كليهما نفسه بارتكاب معصية مما اتفقت الأديان على أنها كبيرة، وظلم سيده الذي آمنه على بيته وآمنها على نفسها إذ اتخذها زوجاً وأحصنها. والهم: العزم على الفعل. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وهمّوا بما لم ينالوا } تفسير : في سورة براءة (74). وأكد همّها بـــ {قد} ولام القسم ليفيد أنها عزمت عزماً محققاً. وجملة {ولقد همت به} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. والمقصود: أنها كانت جادة فيما راودته لا مختبرة. والمقصود من ذكر هَمّها به التمهيد إلى ذكر انتفاء همه بها لبيان الفرق بين حاليهما في الدين فإنه معصوم. وجملة {وهَمّ بها لولا أن رأى برهان ربه} معطوفة على جملة {ولقد همت به} كلها. وليست معطوفة على جملة {همت} التي هي جواب القسم المدلول عليه باللام، لأنه لما أردفت جملة {وهمّ بها} بجملة شرط {لولا} المتمحض لكونه من أحوال يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وحْده لا من أحوال امرأة العزيز تعين أنه لا علاقة بين الجملتين، فتعين أن الثانية مستقلة لاختصاص شرطها بحال المسند إليه فيها. فالتقدير: ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها، فقدم الجواب على شرطه للاهتمام به. ولم يقرن الجواب باللاّم التي يكثر اقتران جواب {لولا} بها لأنه ليس لازماً ولأنه لمّا قُدم على {لولا} كُره قرنه باللام قبل ذكر حرف الشرط، فيحسن الوقف على قوله: {ولقد همت به} ليظهر معنى الابتداء بجملة {وهَمّ بها} واضحاً. وبذلك يظهر أن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ لم يخالطه همّ بامرأة العزيز لأن الله عصمه من الهمّ بالمعصية بما أراه من البرهان. قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله: {ولقد همّت به وهمّ بها} الآية قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير، أي تقديم الجواب وتأخير الشرط، كأنه قال: ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها. وطعن في هذا التأويل الطبري بأن جواب {لولا} لا يتقدم عليها. ويدفع هذا الطعن أن أبا عبيدة لما قال ذلك علمنا أنه لا يرى منع تقديم جواب {لولا}، على أنه قد يجعل المذكور قبل {لولا} دليلاً للجواب والجواب محذوفاً لدلالة ما قبل {لولا} عليه. ولا مفرّ من ذلك على كل تقدير فإن {لولا} وشرطها تقييد لقوله: {وهمّ بها} على جميع التأويلات، فما يقدّر من الجواب يقدّر على جميع التأويلات. وقال جماعة: هَمّ يوسف بأن يجيبها لما دعته إليه ثم ارعوى وانكفّ على ذلك لما رأى برهان ربه. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن أبي مليكة، وثعْلب. وبيان هذا أنه انصرف عمّا همّ به بحفظ الله أو بعصمته، والهمّ بالسيئة مع الكف عن إيقاعها ليس بكبيرة فلا ينافي عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوءة على قول من رأى عصمتهم منها قبل النبوءة، وهو قول الجمهور، وفيه خلاف، ولذلك جوز ابن عباس ذلك على يوسف. وقال جماعة: هَمّ يوسف وأخذ في التهيّؤ لذلك فرأى برهاناً صرفه عن ذلك فأقلع عن ذلك. وهذا قول السديّ، ورواية عن ابن عباس. وهو يرجع إلى ما بيناه في القول الذي قبله. وقد خبط صاحب «الكشاف» في إلصاق هذه الروايات بمن يسميهم الحشوية والمجْبرة، وهو يعني الأشاعرة، وغض بصره عن أسماء من عزيت إليهم هذه التّأويلات (رمتني بدائها وانسلت) ولم يتعجب من إجماع الجميع على محاولة إخوة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ قتلَه والقتلُ أشد. والرؤية: هنا عِلمية لأن البرهان من المعاني التي لا ترى بالبصر. والبرهان: الحجة. وهذا البرهان من جملته صرفهُ عن الهمّ بها، ولولا ذلك لكان حال البشرية لا يسلم من الهمّ بمطاوعتها في تلك الحالة لتوفّر دواعي الهمّ من حسنها، ورغبتها فيه، واغتباط أمثاله بطاعتها، والقرب منها، ودواعي الشباب المسولة لذلك، فكان برهان الله هو الحائل بينه وبين الهمّ بها دون شيء آخر. واختلف المفسرون في ما هو هذا البرهان، فمنهم من يشير إلى أنه حجة نظرية قبّحت له هذا الفعل، وقيل: هو وحي إلهي، وقيل: حفظ إلهي، وقيل: مشاهدات تمثلت له. والإشارة في قوله: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} إلى شيء مفهوم مما قبله يتضمنه قوله: {رأى برهان ربّه}، وهو رأي البرهان، أي أريناه كذلك الرأي لنصرف عنه السوء. والصرف: نقل الشيء من مكان إلى مكان، وهو هنا مجاز عن الحفظ من حلول الشيء بالمحل الذي من شأنه أن يحل فيه. عبر به عن العصمة من شيء يوشك أن يلابس شيئاً. والتعبير عن العصمة بالصرف يشير إلى أن أسباب حصول السوء والفحشاء موجودة ولكن الله صرفهما عنه. والسوء: القبيح، وهو خيانة من ائتمنه. والفحشاء: المعصية، وهي الزنى. وتقدم السوء والفحشاء عند قوله تعالى: { أية : إنما يأمركم بالسوء والفحشاء } تفسير : في سورة البقرة (169). ومعنى صرفهما عنه صرف ملابسته إياهما. وجملة {إنه من عبادنا المخلصين} تعليل لحكمة صرفه عن السوء والفحشاء الصرف الخارق للعادة لئلا ينتقص اصطفاء الله إياه في هذه الشدة على النفس. قرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف {المخلَصين} ـــ بفتح اللام ـــ أي الذين أخلصهم الله واصطفاهم. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب ـــ بكسر اللام ـــ على معنى المخلصين دينهم لله. ومعنى التعليل على القراءتين واحد. والاستباق: افتعال من السبْق. وتقدم آنفاً، وهو هنا إشارة إلى تكلفهما السبق، أي أن كل واحد منهما يحاول أن يكون هو السابق إلى الباب. وانتصب {الباب} على نزع الخافض. وأصله: واستبقا إلى الباب، مثل { أية : واختار موسى قومَه سبعين رجلاً } تفسير : [سورة الأعراف: 155]، أي من قومه، أو على تضمين {استبقا} معنى ابتدرا. والتعريف في (الباب) تعريف الجنس إذ كانت عدة أبواب مغلقة. وذلك أن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ فرّ من مراودتها إلى الباب يريد فتحه والخروج وهي تريد أن تسبقه إلى الباب لتمنعه من فتحه. وجملة {وقدّت قميصه} في موضع الحال. و{قدت} أي قطعت، أي قطعت منه قداً، وذلك قبل الاستباق لا محالة. لأنه لو كان تمزيق القميص في حال الاستباق لم تكن فيه قرينة على صدق يوسف ـــ عليه السّلام ـــ أنها راودته، إذ لا يدل التمزيق في حال الاستباق على أكثر من أن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ سبقها مسرعاً إلى الباب، فدل على أنها أمسكته من قميصه حين أعرض عنها تريد إكراهه على ما راودته فجذب نفسه فتخرق القميص من شدة الجذبة. وكان قطع القميص من دبر لأنه كان مولياً عنها معْرضاً فأمسكته منه لرده عن إعراضه. وقد أبدع إيجاز الآية في جمع هذه المعاني تحت جملة {استبقا الباب وقَدت قميصه}. وصادف أن ألفيا سيدها، أي زوجها، وهو العزيز، عند الباب الخارجي يريد الدخول إلى البيت من الباب الخارجي. وإطلاق السيد على الزوج قيل: إن القرآن حكى به عادة القبط حينئذٍ، كانوا يدعون الزوج سيداً. والظاهر أنه لم يكن ذلك مستعملاً في عادة العرب، فالتعبير به هنا من دقائق التاريخ مثل قوله الآتي { أية : ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } تفسير : [سورة يوسف: 76]. ولعل الزواج في مصر في ذلك العهد كان بطريق الملك غالباً. وقد علم من الكلام أن يوسف عليه السّلام فتح الأبواب التي غَلّقتها زليخا باباً باباً حتى بلغ الخارجي، كل ذلك في حال استبَاقهما، وهو إيجاز. والإلفاء: وجدان شيء على حالة خاصة من غير سعي لوجدانه، فالأكثر أن يكون مفاجئاً، أو حاصلاً عن جهل بأول حصول، كقوله تعالى: { أية : قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا } تفسير : [سورة البقرة: 170]. وجملة {قالت ما جزاء} الخ مستأنفة بيانياً، لأن السامع يسأل: ماذا حدث عند مفاجأة سيدها وهما في تلك الحالة. وابتدرته بالكلام إمعاناً في البهتان بحيث لم تتلعثم، تخيل له أنها على الحق، وأفرغت الكلام في قالب كلي ليأخذ صيغة القانون، وليكون قاعدة لا يعرف المقصود منها فلا يسع المخاطب إلا الإقرار لها. ولعلها كانت تخشى أن تكون محبة العزيز ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ مانعة له من عقابه، فأفرغت كلامها في قالب كلي. وكانت تريد بذلك أن لا يشعر زوجها بأنها تهوى غير سيدها، وأن تخيف يوسف ـــ عليه السّلام ـــ من كيدها لئلا يمتنع منها مرة أخرى. ورددت يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بين صنفين من العقاب، وهما: السجن، أي الحبس. وكان الحبس عقاباً قديماً في ذلك العصر، واستمر إلى زمن موسى ـــ عليه السّلام ـــ، فقد قال فرعون لموسى ـــ عليه السّلام ـــ: { أية : لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين } تفسير : [سورة الشعراء: 29]. وأما العذاب فهو أنواع، وهو عقاب أقدمُ في اصطلاح البشر. ومنه الضرب والإيلام بالنار وبقطع الأعضاء. وسيأتي ذكر السجن في هذه السورة مراراً. وجملة {قال هي راودتني عن نفسي} من قول يوسف ـــ عليه السّلام ـــ، وفصلت لأنها جاءت على طريقة المحاورة مع كلامها. ومخالفة التعبير بين {أن يسجن أو عذابٌ} دون أن يقول: إلا السجنُ أو عذاب، لأن لفظ السجن يطلق على البيت الذي يوضع فيه المسجون ويطلق على مصدر سجن، فقوله: {أن يسجن} أوضح في تسلط معنى الفعل عليه. وتقديم المبتدأ على خبره الذي هو فعل يفيد القصر، وهو قصر قلب للرد عليها. وكان مع العزيز رجل من أهل امرأته، وهو الذي شهد وكان فطناً عارفاً بوجوه الدلالة. وسمي قوله شهادة لأنه يؤول إلى إظهار الحق في إثبات اعتداء يوسف ـــ عليه السّلام ـــ على سيدته أو دحضه. وهذا من القضاء بالقرينة البينة لأنها لو كانت أمسكت ثوبه لأجل القبض عليه لعقابه لكان ذلك في حال استقباله له إياها فإذا أراد الانفلات منها تخرق قميصه من قُبُل، وبالعكس إن كان إمساكه في حال فرار وإعراض. ولا شك أن الاستدلال بكيفية تمزيق القميص نشأ عن ذكر امرأة العزيز وقوع تمزيق القميص تحاول أن تجعله حجة على أنها أمسكته لتعاقبه، ولولا ذلك ما خطر ببال الشاهد أن تمزيقاً وقع وإلا فمن أين علم الشاهد تمزيق القميص. والظاهر أن الشاهد كان يظن صدقها فأراد أن يقيم دليلاً على صدقها فوقع عكس ذلك كرامة ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ. وجملة {إن كان قميصه} مبينة لفعل {شهد}. وزيادة {وهو من الكاذبين} بعد {فصدقت}، وزيادة {وهو من الصادقين} بعد {فكذبت} تأكيد لزيادة تقرير الحق كما هو شأن الأحكام. وأدوات الشرط لا تدل على أكثر من الربط والتسبب بين مضمون شرطها ومضمون جوابها من دون تقييد باستقبال ولا مضي. فمعنى {إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت} وما بعدها: أنه إن كان ذلك حصل في الماضي فقد حصل صدقها في الماضي. والذي رأى قميصه قدّ من دبر وقال: إنه من كيدكن، هو العزيز لا محالة. وقد استبان لديه براءة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ من الاعتداء على المرأة فاكتفى بلوم زوجه بأن ادّعاءها عليه من كيد النساء؛ فضمير جمع الإناث خطاب لها فدخل فيه من هن من صنفها بتنزيلهن منزلة الحواضر. والكيد: فعل شيء في صورة غير المقصودة للتوصل إلى مقصود. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : إن كيدي متينٌ } تفسير : في سورة الأعراف (183). ثم أمر يوسفَ ـــ عليه السّلام ـــ بالإعراض عما رمتْه به، أي عدم مؤاخذتها بذلك، وبالكف عن إعادة الخوض فيه. وأمر زوجه بالاستغفار من ذنبها، أي في اتهامها يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بالجرأة والاعتداء عليها. قال المفسرون: وكان العزيز قليل الغيرة. وقيل: كان حليماً عاقلاً. ولعله كان مولعاً بها، أو كانت شبهة المِلك تخفف مؤاخذة المرأة بمراودة مملوكها. وهو الذي يؤذن به حال مراودتها يوسف ـــ عليه السّلام ـــ حين بادرته بقولها: {هِيتَ لك} كما تقدم آنفاً. والخاطىء: فاعل الخطيئة، وهي الجريمة. وجَعَلَها من زمرة الذين خَطِئوا تخفيفاً في مؤاخذتها. وصيغة جمع المذكر تغليب. وجملة {يوسف أعرض عن هذا} من قول العزيز إذ هو صاحب الحكم. وجملة {واستغفري لذنبك} عطف على جملة {يوسف أعرض} في كلام العزيز عطف أمر على أمر والمأمور مختلف. وكاف المؤنثة المخاطبة متعين أنه خطاب لامرأة العزيز، فالعزيز بعد أن خاطبها بأن ما دبّرته هو من كيد النساء وجه الخطاب إلى يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بالنداء ثم أعاد الخطاب إلى المرأة. وهذا الأسلوب من الخطاب يسمى بالإقبال، وقد يسمى بالالتفات بالمعنى اللغوي عند الالتفات البلاغي، وهو عزيز في الكلام البليغ. ومنه قول الجَرمي من طي من شعراء الحماسة: شعر : إخَالكَ مُوعدي ببني جفَيْف وهالةَ إنني أنْهَاكِ هَالا تفسير : قال المرزوقي في «شرح الحماسة»: والعرب تجمع في الخطاب والإخبار بين عدة ثم تقبل أو تلتفت من بينهم إلى واحد لكونه أكبرهم أو أحسنهم سماعاً وأخصّهم بالحال.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 23- وأرادت التى هى كان هو يعيش فى بيتها، ويشعر بسلطانها، أن تغريه بنفسها، لتصرفه عن نفسه الطاهرة إلى مواقعتها، فأخذت تذهب وتجئ أمامه، وتعرض عليه محاسنها ومفاتنها، وأوصدت الأبواب الكثيرة، وأحكمت إغلاقها، وقالت: أقبل علّى فقد هيأت لك نفسى، قال: إنى ألجأ إلى الله ليحمينى من الشر، وكيف أرتكبه معك وزوجك العزيز سيدى الذى أحسن مقامى؟ إنه لا يفوز الذين يظلمون الناس بالغدر والخيانة فيوقعون أنفسهم فى معصية الزنى. 24- ولقد عزمت أن تخالطه ونازعته نفسه إليها، لولا أن رأى نور الله الحق نُصْبَ عينيه قد استضاء به، ولم يطاوع ميل النفس، وارتفع عن الهوى، فامتنع عن المعصية والخيانة وثبت على طهره وعفته. وهكذا ثبتنا يوسف على الطهر والعفاف لنصرف عنه سوء الخيانة ومعصية الزنى، إنه من عباد الله الذين أخلصوا دينهم لله. 25- وأسرع يوسف إلى الباب يريد الخروج منه، فأسرعت تحاول أن تسبقه إليه، لتحول دون خروجه، وجذبت قميصه من خلفه تمنعه، وقطعته.. ووجدا عند الباب زوجها، قالت تثيره عليه: لا جزاء لمن أراد بزوجك ما يسوؤك إلا السجن يوضع فيه، أو عذاب مؤلم يقع عليه. 26- قال يوسف يدافع عن نفسه: هى طلبتنى، وحاولت أن تخدعنى عن نفسى، وتخاصما فى الاتهام، فحكم حكَم من أهلها فقال: إن كان قميصه شق من أمام، فقد صدقت فى ادعائها، وهو من الكاذبين فيما أخبر به. 27- وإن كان قميصه شق من خلف، فقد كذبت فى قولها، وهو من الصادقين فيما قال.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: راودته: أي طالبته لحاجتها تريد أن ينزل عن إرادته لإِرادتها وهو يأبى. التي هو في بيتها: أي زليخا امرأة العزيز. وغلّقت الأبواب: أغلقتها بالمغّاليق. هيت لك: أي تعال عندي. معاذ الله: أي أعوذ بالله أي أتحصن وأحتمي به من فعل ما لا يجوز. أحسن مثواي: أي إقامتي في بيته. همت به: أي لتبطش به ضربا. وهم بها: أي ليدفع صولتها عليه. برهان ربّه: ألهمه ربّه أن الخير في عدم ضربها. السوء والفحشاء: السوء ما يسوء وهو ضربها، والفحشاء الخصلة القبيحة. المخلصين: أي الذين استخلصناهم لولايتنا وطاعتنا ومحبتنا. وقدت قميصه: أي قطعته من وراء. وألفيا سيدها: أي وَجَدَا العزيز زوجها وكانوا يطلقون على الزوج لفظ السيد لأنه يملك المرأة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وما جرى له من أحداث في بيت العزيز الذي اشتراه إنه ما إن أوصى العزيز امرأته بإِكرام يوسف حتى بادرت إلى ذلك فأحسنت طعامه وشرابه ولباسه وفراشه، ونظراً إلى ما تجلبه الخلوة بين الرجل والمرأة من إثارة الغريزة الجنسية لا سيما إذا طالت المدة، وأمن الخوف وقلت التقوى حتى راودته بالفعل عن نفسه أي طلبت منه نفسه ليواقعها بعد أن اتخذت الأسباب المؤمنّة حيث غلّقت أبواب الحجرة والبهو والحديقة، وقالت تعال إليّ. وكان رد يوسف على طلبها حازماً قاطعا للطمع وهذا هو المطلوب في مثل هذا الموقف قال تعالى مخبراً عما جرى في القصر حيث لا يعلم أحدٌ من الناس ما جرى وما تم فيه من أحداث. {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ}. إنها بعد أن اتخذت كل ما يلزم للحصول على رغبتها منه أجابها قائلا {إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ} يريد العزيز أحسن إقامتي فكيف أخونه في أهله. وفي نفس الوقت أن سيده الحق الله جل جلاله قد أحسن مثواه بما سخّر له فكيف يخونه فيما حرم عليه. وقوله إنه لا يفلح الظالمون تعليل ثان فالظالم بِوَضْع الشيء في غير موضعه يخيب في سعيه ويخسر في دنياه وأُخراه فكيف أرضى لنفسي ولَكَ بذَلك وقوله تعالى {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} أي همت بضربه لامتناعه عن إجابتها لطلبها بعد مراودات طالت مدتها، وهم هو بها أي بضربها دفعاً لها عن نفسه إلا إنه أراه الله برهاناً في نفسه فلم يضربها وآثر الفرار إلى خارج البيت، ولحقته تجري وراءه لترده خشية أن يعلم أحد بما صنعت معه. واستبقا الباب هو يريد الخروج وهي تريد رده إلى البيت خشية الفضيحة وأخذته من قميصه فقدته أي شقته من دُبر أي من وراء لأنه أمامها وهي وراءه. وقوله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ} أي هكذا نصرف عن يوسف السوء فلا يفعله والفحشاء فلا يقربها، وعلل لذلك بقوله إنه من عبادنا المخلصين أي الذين استخلصناهم لعبادتنا ومحبتنا فلا نرضى لهم أن يتلوثوا بآثار الذنوب والمعاصي. وقوله تعالى {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ} أي ووجدا زوجها عند الباب جالساً في حال هروبه منها وهي تجري وراءه حتى انتهيا إلى الباب وإذا بالعزيز جالس عنده فخافت المعرة على نفسها فبادرت بالاعتذار قائلة ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أي يوما أو يومين، أو عذاب أليم يكون جزاءاً له كأن يضرب ضرباً مبرحا.

القطان

تفسير : وراودته: طلبت منه برفق ولين ومخادعة. هيت لك: هلم اقبل وأسرع. قال معاذ الله: قال اعوذ بالله. انه ربي: انه سيدي. احسن مثواي: احسن معاملتي فلا اخونه. وراودته امرأة سيِّده عن نفسه، (وانه لتعبير لطيف محتشَم) وغلّقت أبواب قصرها وقالت: هلمّ، أقبلْ عليّ يا يوسف، فقد هيأت لك نفسي. فقال يوسف: معاذ الله أن اخون ربّي وسيّدي ومالك نفسي.. لقد أحسنَ إليّ غاية الاحسان، فكيف أخونه بعد كل هذا الاكرام!!. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ}. الذين يخونون من أحسن اليهم بالتعدي على اعراض الناس. قراءات: قرأ ابو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: "هَيْتَ لك" كما هي في المصحف. وقرأ ابن كثير: "هيت" بفتح الهاء وضم التاء مثل حَيْثُ. وقرأ نافع وابن عامر: "هيت" بكسر الهاء وفتح التاء. وروى هشام ابن عامر: "هِيئْتُ" يعني تهيأت لك.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَرَاوَدَتْهُ} {ٱلأَبْوَابَ} {ٱلظَّالِمُونَ} (23) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ مُحَاوَلَةِ امْرَأَةِ العَزِيزِ - التِي أَوْصَاهَا زَوْجُهَا بِيُوسُفَ - اسْتِغَوَاءَهُ، وَطَلَبِهَا مِنْهُ فِعْلَ الفَاحِشَةِ، بَعْدَ أَنْ أَحَبَّتْهُ حُبّاً شَدِيداً، لِجَمَالِهِ وَبَهَائِهِ، فَحَمَلَهَا ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَجَمَّلَتْ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَغْلَقَتِ الأَبْوَابَ، وَدَعَتْهُ إِلى نَفْسِهَا، قَائِلَةً لَهُ: (هِيتَ لَكَ - أَيْ هَلُمَّ إِلَيَّ)، فَامْتَنَعَ يُوسُفُ عَنِ الاسْتِجَابَةِ إِلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا إِنَّ بَعْلَكِ هُوَ سَيِّدُ البَيْتِ الذِي أُقِيمُ فِيهِ (رَبِّي)، وَقَدْ أَحْسَنَ إِلَيَّ، فَلاَ يَنْبَغِي لِي أَنْ أُقَابِلَهُ عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلِ الفَاحِشَةِ مَعْ أَهْلِهِ. وَالظَّالِمُونَ النَّاكِرُونَ لِلْجَمِيلِ لاَ يُفْلِحُونَ أَبَداً. رَاوَدَتْهُ - تَمَحَّلَتْ لِمُوَاقَعَتِهِ إِيَّاهَا. هِيتَ لَكَ - هَلُمَّ إِلَيَّ، أَسْرِعْ. مَعَاذَ اللهِ - أَعُوذُ بِاللهِ مَعَاذاً مِمَّا دَعَوْتِنِي إِليهِ.

الثعلبي

تفسير : {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} يعني امرأة العزيز، وطلبت منه أن يواقعها {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} وكانت سبعة. {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ}، اختلف القراء فيه، فقرأ ابن عباس والسلمي وأبو وائل وقتادة: هِئتُ لك بكسر الهاء وضم التاء مهموزاً، بمعنى تهيأتُ لك، وأنكرها أبو عمرو، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: سمعت أبا عمرو وسئل عن قراءة من قرأ: هِئتُ لك بكسر الهاء وهمز الياء فقال أبو عمرو: باطل، جعلها من تهيأت، اذهب واستعرض العرب حتى تنتهي إلى اليمن، هل تعرف أحداً يقول هذا؟ وقال الكسائي أيضاً: لم يُحكَ هئت عن العرب، وقال عكرمة: هِئتُ لك: أي زيّنت لك وحسنت وهي قراءة غير مرضية، وقرأ نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر وعبدالله بن أبي إسحاق: هيت لك بفتح الهاء وكسر التاء، وقرأ يحيى بن وثاب: هِيتُ بكسر الهاء وضم التاء، وقرأ ابن كثير بفتح الهاء وضم التاء، وأنشد طرفة: شعر : ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هَيتَ هم يجيبون إذا هم سراعا كالأبابيل لا يغادر بيت تفسير : وقرأ أهل المدينة والشام بكسر الهاء وفتح التاء، وقرأ الباقون بفتح الهاء والتاء، وهي لغة النبي صلى الله عليه وسلم واللغة المعروفة عند العرب، الشعبي عن عبد الله بن مسعود: أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم هَيتَ لك. وروى الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه قرأ هيت لك، فقيل له: هيت لك، فقال ابن مسعود: إنما نقرأها كما تعلّمناها وسمعناها جميعاً هلُمَّ وأقبل وادنُ، قال الشاعر [يخاطب] أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه): شعر : أَبلغْ أمير المؤمنين اهل العراق إذا أتيتا أن العراق وأهله سلم [إليك] فهيت هيتا تفسير : قال السّدّي: هي بالقبطيّة هلمّ لك، وقال الحسين: هيت لك كلمة بالسريانية أي عليك، قال أبو عُبيد: كان الكسائي يقول هي لغة لأهل حوران وقعت إلى الحجاز معناها تعالَ، قال أبو عبيد: سألتُ شيخاً عالماً من حوران فذكرَ أنها لغُتهم، وكذا قال عكرمة، وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها وهي كلمة حَثّ وإقبال على الشيء، وأصلهما من [الدعوة] والصياح تقول العرب: هيّتَ فُلان بفلان إذا دعاهُ وصاحَ به، قال الشاعر: شعر : قَدْ رابني أنّ الكريّ أسكتا لو كان مَعْنيّاً بها لهَيَّتا تفسير : أي صاح به، والكريّ المكاريّ. وقال أُستاذنا أبو االقاسم بن حبيب: رأيتُ في بعض التفاسير هيتَ لك يقول: هل لك رغبة في حُسني وجمالي، وذكر أبو عبيدة أن العرب لاتُثنّي هَيتَ ولا تجمع ولا تؤنّث، وإنّها بصورة واحدة في كلّ حال وإنّما تتميّز بما بَعدها وبما قبلها. قال يوسف (عليه السلام) عندَ ذلك: {مَعَاذَ ٱللَّهِ} أعتصمُ وأستجيرُ بالله ممّا دعوتِني إليه وهو مصدر تقديره: عياذاً بالله. {إِنَّهُ رَبِّيۤ} يعني إنّ زَوجكِ قطفير سيديّ، {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} أي منزلتي، وعلى هذا أكثر المفسّرين، قال بعضهم: إنّها مردودة الى الله {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} أي آواني ومن بلاء الحب عافاني. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} يعني إن فعلتُ، وأْتَمنني هذا فخنتُه في أهلهِ بعدما أكرمني وأْتمَنني وأحسنَ مثواي فأنا ظالم ولا يُفلح الظالمون، وقيل الزناة. {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} يعني الهَمُّ بالشيء: حَديث المرء نفسَهُ به، ولمّا يفعل ذلك. يقول الشاعر: شعر : هممتُ وَلمْ أفعلْ وكِدتُ وليتني تركتُ على عثمان تبكي حَلائلهُ تفسير : فأما ما كان من همّ يوسف (عليه السلام) بالمرأة وهمتها بهِ، فإنّ أهل العلم (اختلفوا) في ذلك، فروى سفيان بن عُيينة عن عُبيد الله بن أبي يزيد قال: سَمِعتُ ابن عباس سُئِلَ: ما بلغَ من همّ يوسف قال: حَلَّ الهميان وجلس منها مجلس المُجامع. وروى ابن جريح عن ابن أبي عطية، قال: سألتُ ابن عباس (رضي الله عنه): ما بلغَ من همّ يوسف، قال: استلقتْ له على قفاها وقعد بين رجليها لينزع ثيابَهُ. سعيد بن جُبير: أطلق تكة سراويله، مُجاهد: حَلَ السراويل حَتّى بلغَ الثفن، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته. الضحاك: جرى الشيطان فيما بينهما فضرب بيده إلى جيد يوسف، وباليد الأخرى إلى جيد المرأة حتّى جمع بينهما. قال السَديّ وابن اسحاق: لمّا أرادت امرأة العزيز مُراودة يوسف عن نفسه جعلت تذكر لهُ محاسن نفسه وتُشوّقه إلى نفسها فقالت له: يا يوسف ما أحسن شعرك قال: هو أوّل ما ينتثر من جسدي، قالت: يا يوسف ما أحسنَ عينك قال: هي أوّل ما تسيلُ إلى الأرض من جسدي، قالت: ما أحسن وجهك قال: هو للتُراب يأكله، فلم تزل تُطيعه مرّة وتخيفه أُخرى وتدعوه إلى اللذّة، وهو شاب مستقبل بجد من شبق الشباب ما يجد الرجل، وهي حسناء جميلة حتى لانَ لها ممّا يرى من كلفها به ولما يتخوف منها حتى خليا في بعض البيوت وهمَّ بها، فهذه أقاويل المفسّرين من السلف الصالحين. وقالت جماعة من المتأخرين: لا يليق هذا بالأنبياء [:] فأوّلوا الآية بضروب من التأويل، وقال بعضهم: وهمَّ بالفرار منها، وهذا لا يصحّ لأنّ الفرار مذكور وليس له في الآية ذكر، وقيل: هَمَّ بضربها ودفعها، وقيل: هَمَّ بمخاصمتها ومرافعتها إلى زوجها، وقيل: وهَمَّ بها هو كناية عن غير مذكور، وقيل: تَمَّ الكلام عند قوله: ولقد همّت به ثمّ ابتدأ الخبر عن يوسف وقال: وهمَّ بها. {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}: على التقديم والتأخير تقديرها: لولا أن رأى برهان ربّه لهمَّ بها ولكنّه رأى البرهان فلم يهمّ كقوله: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ}تفسير : [النساء: 83] وهذا فاسدٌ عند أهلِ اللغة لأنّ العرب لا تُقدّم جواب (لولا) قبلها، لا يقول: لقد قمت لولا زيد، وهو يُريد، لولا زيد لقمتُ، جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس قال: همّت بيوسف أن يفترشها وهمّ بها يوسف يعني تمنّاها أن تكون له زوجة. وهذه التأويلات التي حكيناها كلها غير قوّية ولا مُرضية لمخالفتها أقوال القُدماء من العلماء الذين يؤخذ عنهم التأويل، وهم قد أخذوا عن الذين شهدوا التنزيل. وكما روي في الخبر الصحيح أنّ يوسف لما دخل على الملك وأقرّت المرأة، وقال يوسف: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} قال له جبرئيل عليه السلام: ولا حين هَمَمت بها يا يوسف؟ فقال يوسف عند ذلك {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ}. وأما أهل الحقائق فإنّهم قالوا في وجه هذه الآية: إنّ الهمّ همّان: همٌّ مُقيمٌ ( ثابت) وهو إذا كان مع عزيمة وعقد ونيّة ورضى مثل همّ امرأة العزيز فالعهد مأخوذ. وهمٌّ عارض وارد وهو الخطرة والفكرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزيمة مثل همّ يوسف (عليه السلام)، والعهد غير مأخوذ ما لم يتكلّم به أو يفعله، يدلّ عليه ما روي عن ابن (المبارك) قال: قلتُ لسفيان: أيؤخذ العهد بالهمّة؟ قال: إذا كان عزماً أُخذ بها. وروي عن أبي هُريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يقول الله عزّ وجل: "إذا همّ عبدي بالحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، وإن عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا هَمَّ عبدي بالسيّئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإنْ عملها كتبتها عليه سيّئة واحدة، فإنْ تركها من أجلي كتبتها له حسنة" . تفسير : والقول بإثبات مثل هذه: الزلاّت والصغائر على الأنبياء (عليهم السلام) غير محظور لضرب من الحكمة: أحدها: ليكونوا من الله تعالى على وجل إذا ذكروها فيجدّون في طاعته إشفاقاً منها ولا يتّكلون على سعة رحمة الله. والثاني: ليُعرّفهم موقع نعمته وامتنانه عليهم بصرفه عنهم. والثالث: ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء رحمة الله وترك اليأس من عفوه وفضله. وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما من أحد إلاّ يلقى الله عزّ وجل قد هَمّ بخطيئة أو عملها إلاّ يحيى بن زكريا فإنّه لم يهم ولم يعملها ". تفسير : وعن مصعب بن عبدالله قال: حدّثني مصعب بن عثمان قال: كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجهاً، فدخلت عليه امرأة تستفتيه: (فتأمنته) بنفسه فامتنع عليها وذكّرها، فقالت له: إن لم تفعل لأشهّرنَّ بك ولأصيحنَّ بك، قال: فخرج وتركها، فرأى في منامه يوسف النبي (عليه السلام)، فقال له: أنت يوسف؟ قال: أنا يوسف النبي هممتُ وأنت سُليمان الذي لم تَهمّ. وأمّا البرهان الذي رآه يوسف (عليه السلام) فإنّ العلماء اختلفوا فيه، فأخبرنا أبو الحسن عبدالرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى عن أبي العباس الأصمّ عن الحسن بن علي، عن الحسين بن عطية عن إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد عن ابن عباس {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} قال: مثل له يعقوب فضرب يده في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. وقال الحسن وسعيد بن جُبير وحميد بن عبد الرحمن ومجاهد وعكرمة وابن سيرين وأبو صالح وشمر بن عطية والضحّاك: انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عاضاً على إصبعه. وقال ابن جبير: فكل ولد يعقوب ولِدَ له اثنا عشر ولداً إلاّ يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً من أجل نقص من شهوته حين رأى صورة أبيه فاستحياهُ. قُتادة: رأى صورة يعقوب فقال: يا يوسف تعمل عمل السُّفهاء وأنت مكتوبٌ من الأنبياء؟ ابن أبي مليكه: عن ابن عباس قال: نودي: يا يوسف أتزني فتكون كالطير وقع ريشه فذهب يطير فلا ريش له؟ السدّي: نودي يا يوسف تواقعها؟ إنّما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يُطلق، ومثلُكَ إنْ واقعتها مثل [الطير] إذا مات وقع في الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يُعمل عليه، ومثلك إنْ واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه، فلا يستطع أن يدفع عنه نفسه. أبو مردود عن محمّد بن كعب القرضي: قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين همّ فرأى كتاباً في حائط البيت {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 32] . أبو معشر عنه: لولا ما رأى بالقرآن من تعظيم الزنا وتحريمه، وزاد القرضي: بالقرآن وصحف إبراهيم (عليه السلام). ليث عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} قال: حَلّ سراويله وقعد منها مقعد الرجل من امرأته وإذا بكفّ قد مُدّت فيما بينهما ليس فيها عضد ولا معصم مكتوب فيها: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}تفسير : [الإنفطار: 10-12]. قال: فقام هارباً وقامت، فلمّا ذهب عنهما الرُعب عادت وعاد، فلمّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته فإذا بكف قد مدّتْ فيما بينهما ليس فيها عضد ولا معصم مكتوب فيها {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 281]، فقام هارباً وقامت فلمّا ذهب عنهما الرُعب عادت وعاد، فلمّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته، قال الله تعالى لجبريل (عليه السلام): يا جبرئيل أدرك عبدي قبل أن يُصيب الخطيئة، فرأى جبريل عاضّاً على أصبعه أو كفّه وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء؟ فذلك قوله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ}. قتادة عن عطية عن وهب بن مُنبه، إنّه قال: لمّا همّ يوسف وامرأة العزيز بما همّا خرجت كفّ بلا جسد بينهما مكتوبٌ عليها بالعبرانية {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}تفسير : [الرعد: 33] ثُمّ انصرفت الكفّ وقاما مقامهما، ثُمّ رجعت الكفّ بينهما مكتوبٌ عليها بالعبرانية {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}تفسير : [الإنفطار: 10-12]، ثمّ انصرفت الكفّ وقاما مقامهما، فعادت الكفّ بالعبرانية مكتوب عليها: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 32] فانصرفت الكفّ وقاما مقامهما، فعادت الكفّ رابعة مكتوبٌ عليها بالعبرانية:{أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 281] فولّى يوسف هارباً. وروى عطية عن ابن عباس، أنّ البرهان الذي رآه يوسف أنّه أُرِيَ تمثال الملك، وروى عمر بن اسحاق عن بعض أهل العلم أنّه قطفير سيّده حين دنا من الباب في ذلك الحين، إنّه لما هرب منها واتّبعته ألفاه لدى الباب. روى علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر الصادق ج قال: حدّثني أبي عن أبيه علي ابن الحسين، في قوله تعالى: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} قال: قامت امرأة العزيز إلى الصنم فاظلت دونه بثوب فقال لها يوسف: ما هذا؟ فقالت: أستحيي من الصنم أن يرانا، فقال يوسف: أتستحيين ممَّن لا يسمع ولا يُبصر ولا يفقه ولا يشهد ولا أستحيي ممّن خلق الأشياء وعلّمها؟ وقال جعفر بن محمد: البرهان النبوّة التي: أودع الله صدره هي التي حالت بينه وبين ما يسخط الله. وقيل: هو ما آتاه الله من العلم والحكمة، وقال أهل الإشارة: إنّ المؤمن له بُرهان من ربّه في سرّه من معرفته فرأى ذلك البُرهان وهو زاجره. فالبرهان الآية والحجّة، وجواب (لولا) محذوف تقديره لولا أن رأى برهان ربّه لزنا، وحقّق الهمّة الغريزية بهمّة الكسب، لقوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}تفسير : [النور: 10] [النور: 20] {أية : وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ}تفسير : [النور: 10] {أية : وأَنّ اللهَ رَؤُوفٌ رَحِيْم}تفسير : [النور: 20] مجازه لهلكتم، وقال امرؤ القيس: شعر : فلو أنّها نفس تموت سوية ولكنّها نفسٌ تساقط أنفسنا تفسير : أراد [بسقطت] فنيت ولهان عليَّ، ونحوها. قال الله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ} الإثم {وَٱلْفَحْشَآءَ} الزنا. {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} قرأ أهل مكّة والبصرة بكسر اللام أي المُخلِصين التوحيد والعبادة لله، وقرأ الآخرون بفتح اللام أي المختارين للنبوّة، دليلها قوله {أية : إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ}تفسير : [ص: 46]. وروى الزهري عن حمزة بن عبيدالله بن عمران بن عمر قال: قال: حديث : لمّا اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم الألم الذي توفّي فيه، قال صلى الله عليه وسلم: يصلّي بالناس أبو بكر"،قالت عائشة: يا رسول الله إنّ أبا بكر رجل رقيق، وإنّه لا يملك نفسه حين يقرأ القُرآن، فَمُره عمر يصلّي بالناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يصلّي بالناس أبو بكر" فراجعته، فقال "ليصلِّ بالناس أبو بكر فإنّكن صويحبات يوسف"، قالت عائشة: والله ما حملني في ذلك الأمر عليهم أن يكون أوّل رجل قام مقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ). تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبدالله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي قال: حدّثنا بعض أصحابنا قال: قال جعفر بن سليمان: سمعتُ امرأة في بعض الطرق وهي تتكلّم ببعض الرفث فقلت لها [....] إنّكن صويحبات يوسف، فقالت له المرأة: واعجباً نحنُ دعوناه إلى اللذّة، وأنتم أردتم قتله، فمن أصحابه نحن أو أنتم، وقتل النفس أعظم ممّا أردناه؟ {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ} وذلك أنّ يوسف لمّا رأى البُرهان قامَ مُبادراً إلى باب البيت،هارباً ممّا أرادته منه، واتبعته المرأة فذلك قوله تعالى. {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ}: يعني بادر يوسف وراحيل إلى الباب، أمّا يوسف ففراراً من ركوب الفاحشة، وأمّا المرأة فطلبها ليوسف لتقضي حاجتها أيّ راودته عليها، فأدركته فتعلّقت بقميصه من خلفه فجذبته إليها مانعة له من الخروج. {وَقَدَّتْ} أي خرّقتْ وشقّت {قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ}: من خلف لا من قُدّام، لأنّ يوسف كان الهارب والمرأة الطالبة، فلمّا خرجا {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ}، أي وجدا زوجها قطفير عند الباب جالساً مع ابن عمّ لراحيل، فلمّا رأته هابته فقالت: سابقة بالقول لزوجها: {قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا} يعني الزنا، {إِلاَّ أَن يُسْجَنَ} يُحبس، {أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني الضرب بالسياط، قاله ابن عباس: {قَالَ} يُوْسِف: بل {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ}، اختلفوا في هذا الشاهد، قال سعيد بن جُبير وهلال بن يسار والضحّاك: كان صبيّاً في المهد أنطقه الله بقدرته. وحدّثنا العوفي عن ابن عباس وشهر بن حوشب عن أبي هريرة، ويدلّ عليه ما روى عطاء ابن السائب عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : تكلّم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب بن جُريج، وعيسى ابن مريم (عليه السلام). تفسير : وقيل: كان ذلك الصبيّ ابن خال المرأة، وقال الحسن: غلامه، قتادة والضحّاك ومجاهد برواية [...]: ما كان بصبي ولكنه كان رجلا حكيماً ذا لحية، له رأي ومقال وآية، وهو رواية ابن أبي مليكة عن ابن عباس، قال: وكان من خاصّة الملك. وقال السدي: هو ابن عمّ راحيل، وكان جالساً مع زوجها على الباب فحُكِّم وأخبر الله تعالى عنه: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ} الآية. قال عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إنّ الشاهد قميصه المقدود من دُبر، ومعنى شَهِد شاهد حَكم حاكم من أهلها، قال مجاهد: قال الشاهد: تبيان هذا الأمر في القميص. {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ} {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ} أي قدام {فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ} وخفّف ابن أبي إسحاق القُبل والدُبر وثقّلهما الآخرون وهما لغتان. فجيء بالقميص فإذا هو قُدّ من دُبر، فلمّا رأى قطفير قميصه قُدّ من دُبر عرف خيانة امرأته وبراءة يوسف فَ{قَالَ} لها {إِنَّهُ} أي إنّ هذا الصنيع {مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}، وقيل: إنّ هذا من قول الشاهد. ثمّ أقبل قطفير على يوسف فقال: {يُوسُفُ} يعني يا يوسف، لفظ مفرد {أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} الحديث فلا تذكره لأحد، وقيل: معناه لا تكترث له فقد كان عفوك لبراءتك، ثمّ قال لامرأته: {وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ} وقيل: هو من الشاهد ليوسف والراحيل، وأراد بقوله: استغفري لذنبك، يقول: سلي زوجك ألاّ يعاقبكَ على ذنبك ويصفح عنك، وهذا معنى قول ابن عباس. {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} من المذنبين حين راودت شابّاً عن نفسه وخُنتِ زوجك، فلمّا استعصم كذبت عليه، يقال خطأ يخطأ خطأً، وخِطأً، وخطاً وخِطاءً، إذا أذنب والاسم منه الخطيئة، قال الله تعالى: {أية : إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً}تفسير : [الإسراء:31] وقال أُميّة: شعر : عبادك يخطأون وأنتَ ربٌّ بكفّيك المنايا والحتومُ تفسير : أيّ يُذنبون؛ فإذا أرادوا التعمّد قيل: خَطأ خطأْ هنا لأنّ الفعل بالألف قال الله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً}تفسير : [النساء: 92]، وإنّما قال {مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} ولم يقل: الخاطئات لأنّه لم يقصد بذلك قصد الخبر عن النساء، وإنّما قصد به الخبر عمّن يفعل ذلك، وتقديره: من القوم الخاطئين. ومثله قوله: {أية : وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ}تفسير : [التحريم: 12]، بيانه قوله: إنّها كانت من قوم كافرين.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة تسمع "راود" فافهم أن الأمر فيه منازعة مثل: "فَاعَل" أو "تَفاعل" ومثل: "شارك محمد علياً" أي: أن علياً شارك محمداً؛ ومحمد شارك علياً؛ فكل منهم مفعول مرة، وفاعل مرة أخرى. والمُرَاودة مطالبةٌ برفق ولين بستر ما تريده مِمَّنْ تريده؛ فإنْ كان الأمر مُسهَّلاً، فالمُراودة تنتهي إلى شيء ما، وإنْ تأبَّى الطرف الثاني بعد أن عرفَ المراد؛ فلن تنتهي المراودة إلى الشيء الذي كنت تصبو إليه. وهكذا راودتْ امرأة العزيز يوسف عليه السلام، أي: طالبته برفق ولين في أسلوب يخدعه لِيُخرِجه عمَّا هو فيه إلى ما تطلبه. ومن قبْل كان يوسف يخدمها، وكانت تنظر إليه كطفل، أما بعد أن بلغ أَشُده فقد اختلف الأمر، ولنفرض أنها طالبته أن يُحضر لها شيئاً؛ وحين يقدمه لها تقول له "لماذا تقف بعيداً؟" وتَدعوه ليجلس إلى جوارها، وهو لن يستطيع الفكاك؛ لأنه في بيتها؛ وهي مُتمكِّنة منه؛ فهي سيدة القصر. وهكذا نجد أن المسألة مجموعة عليه من عدة جهات؛ فهو قد تربَّى في بيتها؛ وهي التي تتلطف وترقُّ معه، وفَهِم هو مرادها. وهكذا شرح الحق سبحانه المسألة من أولها إلى آخرها بأدب رَاقٍٍ غير مكشوف، فقال تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ ..} [يوسف: 23]. وكلمة: {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ ..} [يوسف: 23]. توضح المبالغة في الحدث؛ أو لتكرار الحَدث، فهي قد أغلقت أكثرَ من باب. ونحن حين نحرك المزلاج لنؤكد غَلْق الباب، ونحرك المفتاح، ونديره لتأكيد غَلْق الباب. فهذه عملية أكبر من غَلْق الباب؛ وإذا أضفنا مِزْلاجاً جديداً نكون قد أكثرنا الإغلاق لباب واحد؛ وهكذا يمكن أن نَصِفَ ما فعلنا أننا غلّقنا الباب. وامرأة العزيز قامت بأكثر من إغلاق لأكثر من باب، فَقُصور العظماء بها أكثر من باب، وأنت لا تدخل على العظيم من هؤلاء في بيته لتجده في استقبالك بعد أول باب، بل يجتاز الإنسان أكثر من باب لِيَلقى العظيم الذي جاء ليقابله. ويحمل لنا التاريخ قصة ذلك الرجل الذي رفض أن يبايع معاوية في المدينة، فأمر معاوية باستدعائه إلى قصر الحكم في دمشق. هذا القصر الذي سبق أن زاره عمر بن الخطاب؛ ووجد فيه أبهة زائدة بررها له معاوية بحيلة الأريب أنها أُبهة ضرورية لإبراز مكانة العرب أمام الدولة الرومانية المجاورة، فسكتَ عنها عمر. وحين استدعى معاوية الرجل، دخل بصحبة الحرس من باب، وظن أنه سوف يلقى معاوية فَوْر الدخول؛ لكن الحرس اصطحبه عبر أكثر من باب؛ فلم ينخلع قلب الرجل، بل دخل بثبات على معاوية وضَنَّ عليه بمناداته كأمير المؤمنين، وقال بصوت عال: "السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم". ففطن معاوية إلى أن الرجل يرفض مبايعته. ونعود إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ فنجد أن امرأة العزيز قد غلَّقتْ الأبواب؛ لأن مَنْ يفعل الأمر القبيح يعلم قُبْح ما يفعل، ويحاول أن يستر فِعْله، وهي قد حاولتْ ذلك بعيداً عن مَنْ يعملون أو يعيشون في القصر، وحدثتْ المراودة وأخذتْ وقتاً، لكنه فيما يبدو لم يَستجِبْ لها. {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ..} [يوسف: 23]. أي: أنها انتقلتْ من مرحلة المُراودة إلى مرحلة الوضوح في طلب الفعل؛ بأن قالت: تهيأتُ لك؛ وكان ردُّه: {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ..} [يوسف: 23]. والمَعَاذ هو مَنْ تستعيذ به، وأنت لا تستعيذ إلا إذا خارتْ أسبابك أمام الحدث الذي تمرُّ به عَلَّك تجد مَنْ ينجدك؛ فكأن المسألة قد عَزَّتْ عليه؛ فلم يجد مَعَاذاً إلا الله. ولا أحد قادر على أن يتصرف هكذا إلا مَنْ حرسه الله بما أعطاه له من الحكمة والعلم؛ وجعله قادراً على التمييز بين الحلال والحرام. ولبيان خطورة وقوة الاستعاذة نذكر ما ترويه كتب السيرة من حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على ابنة ملكٍ؛ كانت شديدة الجاذبية، وشعرت بعض من نساء النبي بالغيرة منها، وقالت واحدة منهن لعلها عائشة رضي الله عنها: إن تزوجها ودخل بها قد يفضلها عنَّا. وقالت للعروس: إن النبي يحب كلمة ما، ويحب مَنْ يقولها. فسألت الفتاة عن الكلمة، فقالت لها عائشة: إن اقترب منك قولي "أعوذ بالله منكِ". فغادرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "قد عُذْتِ بمعاذ" وسرَّحها السراح الجميل . تفسير : وهناك في قضية السيدة مريم عليها السلام، نجدها قد قالت لحظة أن تمثَّل لها الملاك بشراً سوياً: {أية : إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} تفسير : [مريم: 18]. فهي استعاذت بمَنْ يقدر على إنقاذها. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} [يوسف: 23]. وأعطانا هذا القول معنيين اثنين: الأول: أنه لم يوافق على طلبها بعد أن أوضحتْ ما تريد. والمعنى الثاني: أنه طلب المعونة من الله، وهو سبحانه مَنْ أنجاه من كيد إخوته؛ ونجَّاه من الجُبِّ؛ وهيَّأ له أفضل مكان في مصر، ليحيا فيه ومنحه العلم والحكمة مع بلوغه لأشُدَّه. وبعد كل هذا أيستقبل كل هذا الكرم بالمعصية؟ طبعاً لا. أو: أنه قال: {أَحْسَنَ مَثْوَايَ ..} [يوسف: 23]. ليُذكِّر امرأة العزيز بأن لها زوجاً، وأن هذا الزوج قد أحسن ليوسف حين قال لها: {أية : أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ..} تفسير : [يوسف: 21]. فالصعوبة لا تأتي فقط من أنها تدعوه لنفسها؛ بل الصعوبة تزداد سوء لأن لها زوجاً فليست خالية، وهذا الزوج قد طلب منها أن تُكرِم يوسف، وتختار له مكانَ إقامةٍ يليق بابن، ولا يمكن أن يُستَقبل ذلك بالجحود والخيانة. وهكذا يصبح قول يوسف: {إِنَّهُ رَبِّيۤ ..} [يوسف: 23]. قد يعود على الله سبحانه؛ وقد يعود على عزيز مصر. وتلك مَيْزة أسلوب القرآن؛ فهو يأتي بعبارة تتسع لكل مناطات الفهم، فما دام الله هو الذي يُجازي على الإحسان، وهو مَنْ قال في نفس الموقف: {أية : وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 22]. فمعنى ذلك أن مَنْ يسيء يأتي الله بالضد؛ فلا يُفلح؛ لأن القضيتين متقابلتان: {أية : وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 22]. و {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} [يوسف: 23]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى ما أكرم به يوسف من الإِقامة في القصر مع عزيز مصر، ذكر هنا ما تعرّض له عليه السلام من أنواع الفتنة والإِغراء من زوجة العزيز، وصموده أمام تلك الفتنة العارمة، وما ظهر منه من العفة والنزاهة حتى آثر دخول السجن على عمل الفاحشة، وكفى بذلك برهاناً على عفته وطهارته. اللغَة: {وَرَاوَدَتْهُ} المراودة: الطلب برفقٍ ولين مأخوذة من راد يرود إذا جاء وذهب ومنه الرائد لطلب الكلأ، يقال في الرجل: راودها عن نفسها، وفي المرأة راودته عن نفسه أي طلبت منه مضاجعتها {هَيْتَ} اسم فعل أمر بمعنى تعال وهلُمّ {مَثْوَايَ} مقامي، والثواء الإِقامة مع الاستقرار {هَمَّتْ} الهمُّ يأتي بمعنى العزم والقصد، ومنه {أية : وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} تفسير : [غافر: 5] ويأتي بمعنى الخاطر وحديث النفس دون عزم قال الشاعر: شعر : هممتُ بهمٍّ من بثينةَ لو بدا شفيتُ غليلاتِ الهوى من فؤاديا تفسير : فالهمُّ من امرأة العزيز كان هم عزمٍ وتصميم، والهمُّ من يوسف كان مجرد حديث نفس {ٱلسُّوۤءَ} المنكر، والفجور، والمكروه {وَٱلْفَحْشَآءَ} ما تناهى قبحه والمراد به الزنى {قَدَّتْ} القدُّ: الشق والقطع وأكثر ما يستعمل في الطول، والقطُّ يستعمل في العرض {أَلْفَيَا} وجدا {كَيْدِكُنَّ} الكيد: المكر والحيلة {ٱلْخَاطِئِينَ} المتعمدين للذنب قال الأصمعي: خطئ الرجل فهو خاطئ إذا تعمد الذنب، وأخطأ يخطئ إذا غلط ولم يتعمد {شَغَفَهَا حُبّاً} وصل حبه إلى سويداء قلبها قال الزجاج: الشغاف سويداء القلب {أَصْبُ} أملْ يقال: صبا إلى اللهو إذا مال إليه. التفسِير: {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ} هذه هي المحنة الثالثة بعد محنة الجب والاسترقاق، والمراودةُ الطلبُ برفقٍ ولين كما يفعل المخادع بكلامه المعسول المعنى: طلبت امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها منه أن يضاجعها، ودعته برفق ولين أن يواقعها، وتوسَّلت إليه بكل وسيلةٍ {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} أي غلّقت أبواب البيوت عليها وعلى يوسف وأحكمت إغلاقها قال القرطبي: كانت سبعة أبواب غلّقتها ثم دعته إلى نفسها {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} أي هلُمَّ وأسرع إلى الفراش فليس ثمة ما يُخشى قال في البحر: أمرته بأن يسرع إليها {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ} أي عياذاً بالله من فعل السوء قال أبو السعود: وهذا إشارة إلى أنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه، لما أراه الله من البرهان النيِّر على ما فيه من غاية القبح ونهاية السوء {إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ} أي إن زوجك هو سيدي العزيز الذي أكرمني وأحسن تعهدي فكيف أسيء إليه بالخيانة في حَرَمه؟ {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} أي لا يظفر الظالمون بمطالبهم، ومنهم الخائنون المُجازون الإِحسانَ بالسوء، ثم أخبر تعالى ان امرأة العزيز حاولت إيقاعه في شراكها، وتوسَّلت إليه بكل وسائل الإِغراء، ولولا أنَّ الله جلَّ وعلا حفظه من كيدها لهلك فقال {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} أي همَّت بمخالطته عن عزمٍ وقصدٍ وتصميم، عزماً جازماً على الفاحشة لا يصرفها عنها صارف، وقصدت إجباره على مطاوعتها بالقوة، بعد أن استحكمت من تغليق الأبواب، ودعوته إلى الإِسراع، مما اضطره إلى الهرب إلى الباب {وَهَمَّ بِهَا} أي مالت نفسه إليها بمقتضى الطبيعة البشرية، وحدثته نفسُه بالنزول عند رغبتها حديث نفسٍ، دون عزمٍ وقصد، فبين الهمين فرق كبير قال الإِمام الفخر: الهمُّ خطورُ الشيء بالبال أو ميلُ الطبع، كالصائم في الصيف يرى الماء البارد فتحمله نفسُه على الميل إليه وطلب شربه، ولكنْ يمنعه دينُه عنه {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} جوابه محذوفٌ أي لولا حفظ الله ورعايتُه ليوسف، وعصمتُه له لخالطها وأمضى ما حدثته نفسه به، ولكنَّ الله عصمه بالحفظ والتأييد فلم يحصل منه شيءٌ البتَّة قال في البحر: نسب بعضُهم ليوسف ما لا يجوز نسبتُه لآحاد الفُسَّاق، والذي أختاره أن "يوسف" عليه السلام لم يقع منه همٌّ البتَّة، بل هو منفيٌّ لوجود رؤية البرهان كما تقول: "قارفتَ الذنبَ لولا أن عصمك الله" وكقول العرب: "أنتَ ظالمٌ إن فعلتَ" وتقديره: إن فعلتَ فأنتَ ظالم وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها ولكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهمُّ، وأمّا أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحدٍ منهم شيءٌ من ذلك، لأنها أقوالٌ متكاذبة يناقضُ بعضُها بعضاً مع كونها قادحة في بعض فساق الملل فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة وقال أبو السعود: إن همَّه بها بمعنى ميله إليها بمقتضى الطبيعة البشرية، ميلاً جبلياً، لا أنه قصدها قصداً اختيارياً، ألا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له ونفرته عنه، وحكمه بعدم إفلاح الظالمين، وهل هو إلا تسجيلٌ باستحالة صدور الهمّ منه تسجيلاً محكماً؟ وما قيل: إنه حلَّ الهميان، وجلس مجلس الختان، فإنما هي خرافاتٌ وأباطيل، تمجها الآذان، وتردّها العقول والأذهان {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ} أي ثبتناه على العفة أمام دوافع الفتنة والإِغراء لنصرف عنه المنكر والفجور، وهذه آيةٌ بيِّنة، وحجةٌ قاطعة على أنه عليه السلام لم يقع منه همٌّ بالمعصية، ولو كان كما زعموا لقال "لنصرفه عن السوء والفحشاء" فلما قال {لِنَصْرِفَ عَنْهُ} دلَّ على أن ذلك شيء خارج عن الإرادة فصرفه الله عنه، بما منحه من موجبات العفة والعصمة {وَٱلْفَحْشَآءَ} أي لنصرف عنه الزنى الذي تناهى قبحُه {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} بفتح اللام أي الذين أخلصهم الله لطاعته، واصطفاهم واختارهم لوحيه ورسالته، فلا يستطيع أن يغويهم الشيطان .. ثم أخبر تعالى بما حصل من المفاجأة العجيبة بقدوم زوجها وهما يتسابقان نحو الباب، ولا تزال هي في هياجها الحيواني {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ} أي تسابقا نحو باب القصر، هو للهرب، وهي للطلب {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ} أي شقت ثوبه من خلف لأنها كانت تلحقه فجذبته فشقت قميصه {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ} أي وجدا العزيز عند باب القصر فجأة وقد حضر في غير أوان حضوره، وبمهارة فائقة تشبه مهارة إبليس انقلب الوضع فأصبح الظالم مظلوماً، والبريء متهماً {قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي ما جزاؤه إلا السجن أو الضرب ضرباً مؤلماً وجيعاً {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} أي قال يوسف مكذباً لها: هي التي دعتني إلى مقارفة الفاحشة لا أني أردت بها السوء {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} قال ابن عباس: كان طفلاً في المهد أنطقه الله، وكان ابن خالها قال في البحر: وكونُه من أهلها أوجب للحجة عليها، وأوثقُ لبراءة يوسف، وأنفى للتهمة {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ} أي إن كان ثوبُه قد شُقَّ من أمام فهي صادقة وهو كاذب {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ} أي وإن كان ثوبه قد شُقَّ من الوراء فهي كاذبة وهو صادق، لأن الأمر المنطقي أن يُشق الثوب من خلف إن كانت هي الطالبة له وهو الهارب {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ} أي فلما رأى زوجها أن الثوب قد شُقَّ من الوراء {قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ} أي إن هذا الأمر من جملة مكركن واحتيالكنَّ أيتها النسوة {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} تأكيد لما سبق ذكره أي مكركنَّ معشر النسوة واحتيالكنَّ للتخلص مما دبرتُنَّ شيءٌ عظيم {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} أي يا يوسف أكتم هذا الأمر ولا تذكره لأحد، يقول سيد قطب عليه الرحمة والرضوان: وهنا تبدو صورةٌ من "الطبقة الراقية" في المجتمع الجاهلي، رخاوةٌ في مواجهة الفضائح الجنسية، وميلٌ إلى كتمانها عن المجتمع، فيلتفت العزيز إلى يوسف البريء ويأمره بكتم الأمر وعدم إظهاره لأحد، ثم يخاطب زوجُه الخائن بأسلوب اللباقة في مواجهة الحادث الذي يثير الدم في العروق {وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ} أي توبي واطلبي المغفرة من هذا الذنب القبيح، وكأن هذا هو المهم محافظة على الظواهر {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} أي من القوم المتعمدين للذنب، وفي هذا إشارة إلى أن العزيز كان قليل الغَيْرة حيث لم ينتقم ممن أرادت خيانته، وتدنيس فراشه بالإِثم والفجور قال ابن كثير: كان زوجها ليِّن العريكة سهلاً، أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ} أي قال جماعة من النساء في مدينة مصر، روي أنهن خمس نسوة: امرأة ساقي العزيز، وامرأة الحاجب، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن قاله ابن عباس وغيره، والأظهر أن تلك الواقعة شاعت في البلد، واشتهرت وتحدث بها النساء {ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ} أي امرأة عزيز مصر تطلب من خادمها وعبدها أن يواقعها وتخادعه وتتوسل إليه لقضاء وطرها منه قال أبو حيان: وتصريحهن بإضافتها إلى العزيز مبالغة في التشنيع، لأن النفوس أميل لسماع أخبار ذوي الجاه، وعبَّرن بـ {تُرَاوِدُ} للدلالة على أن ذلك صار سجيَّةً لها فهي دائماً تخادعه عن نفسه لأن المضارع يفيد التجدد والاستمرار {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} أي بلغ حبُّه شَغَاف قلبها - وهو حجابه - وشقَّه حتى وصل إلى فؤادها {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي إنا لنعتقد أنها في ضلال عن طريق الرشد واضح بسبب حبها إيّاه {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} أي فلما سمعت بحديثهن، وسماه مكراً لأنه كان في خفية، كما يخفي الماكر مكره {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} أي أرسلت إليهنَّ تدعوهنَّ إلى منزلها لحضور وليمة قال المفسرون: دعت أربعين امرأةً من الذوات منهن النساء الخمس المذكورات {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} أي هيأت لهنَّ ما يتكئن عليه من الفرش والوسائد {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً} في الكلام محذوف أي قدمت لهن الطعام وأنواع الفاكهة ثم أعطت كل واحدةٍ منهنَّ سكيناً لتقطع به {وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} أي وقالت ليوسف وهنَّ مشغولات بتقشير الفاكهة والسكاكين في أيديهن: اخرجْ عليهنَّ فلم يشعرن إلا ويوسف يمرُّ من بينهن {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} أي فلما رأين يوسف أعظمنْه وأجللنْه، وبُهتن من جماله ودُهشن {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي جرحن أيديهن بالسكاكين لفرط الدهشة المفاجئة {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ} أي تنزَّه الله عن صفات العجز، وتعالت عظمته في قدرته على خلق مثله {مَا هَـٰذَا بَشَراً} أي ليس هذا من البشر {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} أي ما هو إلا مَلَك مِن الملائكة، فإن هذا الجمال الفائق، والحسن الرائع مما لا يكاد يوجد في البشر {قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} صرَّحت عند ذلك بما في نفسها من الحب ليوسف لأنها شعرت بأنها انتصرت عليهن فقالت قولة المنتصرة: هذا الذي رأيتموه هو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتُنَّني في محبته، فانظرن ماذا لقيتنَّ منه من الافتتان والدهش والإِعجاب!! {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ} أي أردت أن أنال وطري منه، وأن أقضي شهوتي معه، فامتنع امتناعاً شديداً، وأبى إباءً عنيفاً قال الزمخشري: والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} أي ولئن لم يطاوعني ليعاقبنَّ بالسجن والحبس وليكوننَّ من الأذلاء المهانين قال القرطبي: عاودته المراودة بمحضر منهنَّ، وهتكتْ جلباب الحياء، وتوعدتْ بالسجن إن لم يفعل، ولم تعد تخشى لوماً ولا مقالاً، خلاف أول أمرها إذ كان ذلك سراً بينها وبينه {قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} لجأ يوسف إلى ربه وجعل يناجيه في خشوع وتضرع فقال: ربّ السجن آثرُ عندي وأحبُّ إلى نفسي من اقتراف الفاحشة، وأسند الفعل إليهن لأنهن جميعاً مشتركات في الدعوة بالتصريح أو التلويح، وقيل إنها لما توعدته نصحته وزيَّن له مطاوعتها، ونهينه عن إلقاء نفسه في السجن {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} أي وإن لم تدفع عني شرهن وتعصمني منهن {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} أي أملْ إلى إجابتهن بمقتضى البشرية {وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أي بسبب ما يدعونني إليه من القبيح، وهذا كله على سبيل التضرع والاستغاثة بجناب الله تعالى كعادة الأنبياء والصالحين {فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} أي أجاب الله دعاءه فنجّاه من مكرهن، وثبَّته على العصمة والعفة {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} أي لدعاء الملتجئين إليه {ٱلْعَلِيمُ} بأحوالهم وما انطوت عليه نياتهم .. وهكذا اجتاز يوسف محنته الثالثة بلطف الله ورعايته {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ} هذه بداية المحنة الرابعة وهي الأخيرة من محن الشدة في حياة يوسف الصّديق وهي "محنة السجن" وكل ما بعدها فرخاء والمعنى ثم ظهر للعزيز وأهله ومن استشارهم بعد الدلائل القاطعة على براءة يوسف، سجنه إلى مدة من الزمن غير معلومة، روي ان امرأة العزيز لما استعصى عليها يوسف وأيست منه، احتالت بطريق آخر، فقالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يقول لهم: إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإما أن تحبسه، فعند ذلك بدا له سجنه قال ابن عباس: فأمر به فحمل على حمار، وضُرب بالطبل، ونُودي عليه في أسواق مصر، إن يوسف العبراني أراد سيدته فجزاؤه أن يسجن، قال أبو صالح ما ذكر ابن عباس هذا الحديث إلى بكى {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ} أي أُدخل يوسف السجن واتفق أنه أُدخل حينئذٍ آخران من خدم الملك الخاص أحدهما خبازه، والآخر ساقيه، أُتهما بأنهما أرادا أن يسماه فحبسهما {قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً} أي قال الساقي إني رأيت في المنام أني أعصر عنباً يئول إلى خمر وأسقي منه الملك {وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ} أي وقال الخباز: إني رأيت في منامي أني أحمل على رأسي طبقاً فيه خبز، والطيرُ تأكل من ذلك الخبز {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي أخبرنا بتفسير ما رأينا إنا نراك من الذين يحسنون تفسير الرؤيا، أخبراه عن رؤياهما لما علما أنه يجيد تفسير الرؤيا {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا} أي لا يأتيكما شيء من الطعام إلا أخبرتكما ببيان حقيقته وماهيته وكيفيته قبل أن يصل إليكما، أخبرهما بمعجزاته ومنها معرفة "المغيبات" توطئةً لدعائهما إلى الإِيمان قال البيضاوي: أراد أن يدعوهما إلى التوحيد ويرشدهما إلى الدين القويم قبل أن يسعفهما إلى ما سألاه عنه، كما هو طريقة الأنبياء في الهداية والإِرشاد، فقدَّم ما يكون معجزة له من الإِخبار بالغيب ليدلهما على صدقه في الدعوة والتعبير {ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ} إن ذلك الإِخبار بالمغيبات ليس بكهانة ولا تنجيم، وإنما هو بإلهامٍ ووحيٍ من الله {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} أي خصني ربي بذلك العلم لأني من بيت النبوة وقد تركت دين قومٍ مشركين لا يؤمنون بالله {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} أي يكذبون بيوم القيامة، نبّه على أصلين عظيمين: الإِيمان بالله، والإِيمان بدار الجزاء، إذ هما أعظم أركان الإيمان، وكرر لفظه {هُمْ} على سبيل التأكيد {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} أي اتبعت دين الأنبياء، لا دين أهل الشرك والضلال، والغرضُ إظهار أنه من بيت النبوة، لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه والوثوق بكلامه {مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي ما ينبغي لنا معاشر الأنبياء أن نشرك بالله شيئاً مع اصطفائه لنا وإنعامه علينا {ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ} أي ذلك الإيمان والتوحيد من فضل الله علينا حيث أكرمنا بالرسالة، وعلى الناس حيث بعث الرسل لهدايتهم وإرشادهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي لا يشكرون فضل الله عليهم فيشركون به غيره ... ولما ذكر عليه السلام ما هو عليه من الدين الحنيف الذي هو دين الرسل، تلطَّفَ في حسن الاستدلال على فساد ما عليه قوم الفتيين من عبادة الأصنام فقال {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} أي يا صاحبيَّ في السجن أآلهة متعددة لا تنفع ولا تضر ولا تستجيب لمن دعاها كالأصنام، خيرٌ أم عبادة الواحد الأحد، المتفرد بالعظمة والجلال؟! {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ} أي ما تعبدون يا معشر القوم من دون الله إلا أسماءً فارغة سميتموها آلهة وهي لا تملك القدرة والسلطان لأنها جمادات {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي ما أنزل الله لكم في عبادتها من حجة أو برهان {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} أي ما الحكم في أمر العبادة والدين إلا لله رب العالمين {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} أي أمر سبحانه بإفراد العبادة له، لأنه لا يستحقها إلا من له العظمة والجلال {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي ذلك الذي أدعوكم إليه من إخلاص العبادة لله هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي يجهلون عظمة الله فيعبدون ما لا يضر ولا ينفع .. تدرّج عليه السلام في دعوتهم وألزمهم الحجة بأن بيَّن لهم أولاً رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة المتعددة، ثم برهن على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها من دون الله لا تستحق الألوهية والعبادة، ثم نصَّ على ما هو الحق القويم والدين المستقيم وهو عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد، وذلك من الأسلوب الحكيم في الدعوة إلى الله، حيث قدَّم الهداية والإِرشاد، والنصيحة والموعظة، ثم شرع في تفسير رؤياهما فقال {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ} أي يا صاحبيَّ في السجن أمّا الذي رأى أنه يعصر خمراً فيخرج من السجن ويعود إلى ما كان عليه من سقى سيده الخمر، وأمّا الآخر الذي رأى على رأسه الخبز فيُقتل ويُعلَّق على خشبة فتأكل الطير من لحم رأسه، قال المفسرون: روى أنه لما أخبرهما بذلك جحدا وقالا ما رأينا شيئاً فقال {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} أي انتهى وتمَّ قضاء الله صدقتما أو كذبتما فهو واقع لا محالة {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا} أي قال يوسف للذي اعتقد نجاته وهو الساقي {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} أي اذكرني عند سيّدك وأخبره عن أمري لعلّه يخلصني ممّا ظُلمتُ به {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر أمر يوسف للملك {فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} أي مكث يوسف في السجن سبع سنين، قال المفسرون: وإنما لبث في السجن بضع سنين، لأنه اعتمد ووثق بالمخلوق، وغفل أن يرفع حاجته إلى الخالق جل وعلا قال القرطبي: قال وهب ابن منبه: أقام أيوب في البلاء سبع سنين، وأقام يوسف في السجن سبع سنين. البَلاَغة: 1- بين {صَدَقَتْ} و{كَذَبَتْ} و{الصَّادِقِينَ} و{الكَاذِبِينَ} طباقٌ وهو من المحسنات البديعية. 2- {مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} من باب تغليب الذكور على الإِناث. 3- {سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} استعير المكر للغيبة لشبهها له في الإِخفاء. 4- {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} كذلك فيه استعارة حيث استعار لفظ القطع عن الجرح أي جرحن أيديهن. 5- {أَعْصِرُ خَمْراً} مجاز مرسل باعتبار ما يكون أي عنباً يئول إلى خمر. فَائِدَة: روي أن جبريل جاء إلى يوسف وهو في السجن معاتباً له فقال له: يا يوسف من خلصك من القتل من أيدي إخوتك؟ قال: الله تعالى، قال: فمن أخرجك من الجب؟ قال: الله تعالى، قال: فمن عصمك من الفاحشة؟ قال: الله تعالى، قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف تركتَ ربك فلم تسأله ووثقت بمخلوق!؟ قال: يا رب كلمةٌ زلَّتْ مني أسألك يا إله إبراهيم وآله والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ترحمني فقال له جبريل: فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين. تنبيه: قال العلماء في قوله تعالى {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ} هذا من اختصار القرآن المعجز، الذي يجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، وذلك أنها لما راودته عن نفسه وأبى، عزمت على أن تجبره بالقسر والإِكراه، فهرب منها فتسابقا نحو الباب هي لترده إلى نفسها وهو يهرب منها فاختصر القرآن ذلك كله بتلك العبارة البليغة {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ}. (شطحات بعض المفسرين في تفسير الهمّ) لقد شطَّ القلم، وزلقت القدم ببعض المفسرين حين زعموا أن يوسف عليه السلام قد همَّ بمقارفة الفاحشة، وشُحنت بعضُ كتب التفسير بكثير من الروايات الإِسرائيلية الواهية، بل المنكرة الباطلة في تفسير "الهمّ" و "البرهان" حتى زعم بعضهم أن يوسف حلَّ رباط السروال، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته، ثم رأى صورة أبيه "يعقوب" عاضاً على أصبعه، فقام عنها وتركها خجلاً من أبيه إلى غير ما هنالك من أقوال واهية، لا زمام لها ولا خطام. ولستُ أدري كيف دخلت تلك الروايات المنكرة إلى بعض كتب التفسير، وتقبّلها بعضهم بقبول حسن، وكلُّها - كما يقول العلامة أبو السعود - خرافات وأباطيل، تمجّها الآذان، وتردها العقول والأذهان!؟ ثم كيف غاب عن أولئك المفسرين أن "يوسف الصدّيق" نبيٌ كريم، ابن نبيٍ كريم، وأن العصمة من صفات الأنبياء!! يا قوم اعقلوا وفكروا، ونزّهوا هذه الكتب عن أمثال هذه التَّرهات والأباطيل، فإن الزنى جريمة من أبشع الجرائم فكيف يرتكبها نبيٌ من الأنبياء المكرمين؟ وهاكم الأدلة أسوقها من كتاب الله فقط على عصمته عليه السلام من عشرة وجوه: الأول: امتناعه الشديد ووقوفُه أمامها بكل صلابه وعزم {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ..}. الثاني: فراره منها بعد أن غلَّقت الأبواب وشدّدت عليه الحصار {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ...}. الثالث: إيثاره السجن على الفاحشة {قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ...}. الرابع: ثناء الله تعالى عليه في مواطن عديدة {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} {أية : آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} تفسير : [يوسف: 22] فهل يكون مخلصاً لله من همَّ بفاحشة الزنى؟. الخامس: شهادة الطفل الذي أنطقه الله وهو في المهد بالحجة الدامغة {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ...} الآية. السادس: اعتراف امرأة العزيز ببراءته وعفته {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ...}. السابع: استغاثته بربه لينجيه من كيد النساء {فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ..}. الثامن: ظهور الأمارات الواضحة والبراهين الساطعة على براءته وإِدخالِهِ السجن لدفع مقالة الناس {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ}. التاسع: عدم قبوله الخروج من السجن حتى تبرأ ساحته من التهمة {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ...}؟. العاشر: الاعتراف الصريح من امرأة العزيز والنسوة ببراءته {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ}. وكفى بذلك برهاناً على عفته ونزاهته!! والله يقول الحقَّ وهو يهدي السبيل.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {هَيْتَ لَكَ} معناه هَلَّم إِلى فِعَالِهِ وهي بالحُورانيةِ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل اتقاء يوسف الصديق من الله وقت اشتعال نار الشهوة في عنفوان الشباب، حين {رَاوَدَتْهُ} أي: خادعته وألحت عليه بالوقاع {ٱلَّتِي} أي: الأمرأة التي {هُوَ} اي: يوسف {فِي بَيْتِهَا} وهي سيدته له حاكمة عليه، وهي زليخا امرأة العزيز واحتالت عليه أن يخرجه {عَن} نزاهة {نَّفْسِهِ} ونجابة فطرته، وهي العصمة والعفاف إلى ما تهوى نفسها وهو الوقاع والسفاح {وَ} بالغتت في ذلك المكر والاحتيال إلى أن {غَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} السبعة يوماً عليه وخلت معه في بيته {وَقَالَتْ} متحننة عليه معرضة نفسها إليه: {هَيْتَ لَكَ} أي: بادر يا يوسف إلى التعانق والجمع معي {قَالَ} يوسف على مقتضى نجابة النبوة وطهارة الفطرة بإلهام الله إياه مع سورة شهوته ووفور أمن ميله؛ اتقاءً من محارم الله ورعاية لحق من أحسن إليه: {مَعَاذَ ٱللَّهِ} أي: أعوذ بالله معاذاً وألوذ نحوه أن يعصمني عن أمثال هذه الغفلة الذميمة والديدنة القبيحة سيما مع من يربيني {إِنَّهُ} أي: زوجك سيدي {رَبِّيۤ} يربيني بأنواع اللطف والكرم، سيما {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} وأوصى لك بإحساني، فكيف أسيء في مقابلة إحسان محسني، ومولي أمري ومولي نعمي {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ} ويفوز {ٱلظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] بالخير والحسنى، لو خرجوا من مقتضى الأمر الإلهي، سيما بالإساءة في معاملة الإحسان. {وَ} بعدما رد يوسف عليها أمرها {لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} أي: قصدت زليخا وتعلقت به إرادة واختياراً لتصل إلى مرادها منه {وَهَمَّ} يوسف أيضاً {بِهَا} على مقتضى بشريته مع أنه لا إرادة له لمرادها ولا اختيار؛ إذا الكف عن المنهي لا بدَّ وأن يكون عند القدرة عليه وإلا لم يكن ممدوحاً ولا مستوجباً للمثوبة والقربة {لَوْلاۤ أَن} أي: أنه {رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} أي: دليله الواضح الدال على قبح الزنا وإساءة المسحن بإقاء الله إياه وإلهامه في قلبه، لهلك بنيران طغيان القوة الشهوية، لكن رآه بإراءة الله إياه، فأبى وامتنع {كَذَلِكَ} فعلنا معه وألهمنا إليه {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ} في مقابلة الإحسان والفحشاء بدل العصمة والعفاف {إِنَّهُ} إي: يوسف الصديق {مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] الخالصين عن رين البشرية وشين شهوتها وغضبيتها، المنزهين عن مقتضيات القوى مطلقاً. وبعدما غلب على يوسف الاتقاء عن محارم الله على مقتضى البرهان الذي رأه بإراءة الله إياه، بادر إلى الفرار منها، وقصد أن يخرج وقصدت أيضاً أن تمنعه عن الخروج {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ} أي: تسابقاً نحوه يسبقها يوسف فأخذت ذيل قيمصه {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ} أي: شقت ذيله {مِن دُبُرٍ} لأنها في عقبه، ففتح يوسف الباب، فخرجا متعاقبين مضطرين {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا} أي: صادفا زوجها {لَدَى ٱلْبَابِ} وعنده {قَالَتْ} مسرعة باكية على سبيل الشكاية: {مَا جَزَآءُ} أي: أي شيء مكافأة {مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا} أي: قصد الزنا معها مكرهاً {إِلاَّ أَن يُسْجَنَ} أي: غير أن يقيد ويدخل في السجن {أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25] مؤلم أشد من السجن. وإنما فعلتها وبادرت إلى الشكوى متباكية؛ لتظهر براءتها وعصمتها عند زوجها وتحمل الخطأ على يوسف؛ لتنتقم عنه أو تلينه وتضطره على نجاح مرادها، مع أنها قد شغفها حباً ولم تصبر عنه لحظة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظم أجرا، لأنه صبر اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة، لوقوع الفعل، فقدم محبة الله عليها، وأما محنته بإخوته، فصبره صبر اضطرار، بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا الصبر عليها، طائعا أو كارها، وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام بقي مكرما في بيت العزيز، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك، أن { رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ } أي: هو غلامها، وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد، ولا إحساس بشر. { وَ } زادت المصيبة، بأن { غَلَّقَتِ الأبْوَابَ } وصار المحل خاليا، وهما آمنان من دخول أحد عليهما، بسبب تغليق الأبواب، وقد دعته إلى نفسها { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } أي: افعل الأمر المكروه وأقبل إليَّ، ومع هذا فهو غريب، لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسير تحت يدها، وهي سيدته، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وهو شاب عزب، وقد توعدته، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن، أو العذاب الأليم. فصبر عن معصية الله، مع وجود الداعي القوي فيه، لأنه قد هم فيها هما تركه لله، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء، ورأى من برهان ربه - وهو ما معه من العلم والإيمان، الموجب لترك كل ما حرم الله - ما أوجب له البعد والانكفاف، عن هذه المعصية الكبيرة، و { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ } أي: أعوذ بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح، لأنه مما يسخط الله ويبعد منه، ولأنه خيانة في حق سيدي الذي أكرم مثواي. فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلة، وهذا من أعظم الظلم، والظالم لا يفلح، والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل تقوى الله، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح من تعاطاه، وكذلك ما منَّ الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه، يقتضي منه امتثال الأوامر، واجتناب الزواجر، والجامع لذلك كله أن الله صرف عنه السوء والفحشاء، لأنه من عباده المخلصين له في عباداتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم، واختصهم لنفسه، وأسدى عليهم من النعم، وصرف عنهم من المكاره ما كانوا به من خيار خلقه. ولما امتنع من إجابة طلبها بعد المراودة الشديدة، ذهب ليهرب عنها ويبادر إلى الخروج من الباب ليتخلص، ويهرب من الفتنة، فبادرت إليه، وتعلقت بثوبه، فشقت قميصه، فلما وصلا إلى الباب في تلك الحال، ألفيا سيدها، أي: زوجها لدى الباب، فرأى أمرا شق عليه، فبادرت إلى الكذب، أن المراودة قد كانت من يوسف، وقالت: { مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا } ولم تقل "من فعل بأهلك سوءا" تبرئة لها وتبرئة له أيضا من الفعل. وإنما النزاع عند الإرادة والمراودة { إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: أو يعذب عذابا أليما. فبرأ نفسه مما رمته به، وقال: { هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي } فحينئذ احتملت الحال صدق كل واحد منهما ولم يعلم أيهما. ولكن الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدل عليه، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها، فمنَّ الله في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما، تبرئة لنبيه وصفيه يوسف عليه السلام، فانبعث شاهد من أهل بيتها، يشهد بقرينة من وجدت معه، فهو الصادق، فقال: { إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل عليها، المراود لها المعالج، وأنها أرادت أن تدفعه عنها، فشقت قميصه من هذا الجانب. { وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ } لأن ذلك يدل على هروبه منها، وأنها هي التي طلبته فشقت قميصه من هذا الجانب. { فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ } عرف بذلك صدق يوسف وبراءته، وأنها هي الكاذبة. فقال لها سيدها: { إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } وهل أعظم من هذا الكيد، الذي برأت به نفسها مما أرادت وفعلت، ورمت به نبي الله يوسف عليه السلام، ثم إن سيدها لما تحقق الأمر، قال ليوسف: { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا } أي: اترك الكلام فيه وتناسه ولا تذكره لأحد، طلبا للستر على أهله، { وَاسْتَغْفِرِي } أيتها المرأة { لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ } فأمر يوسف بالإعراض، وهي بالاستغفار والتوبة.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 392 : 12 : 25 - سفين عن الأعمش عن أبي وايل قال، قرأها عبد الله {هيت لك}، قال، ان اقرأها كما سمعت أحب الي. [الآية 23]. 393 : 12 : 26 - سفين قال، تفسير {هيتُ لك} تهيأت لك و{هَيت لك} هلم لك.

همام الصنعاني

تفسير : 1291- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ}: [الآية: 23]، قال: يقول: بعضهم: هلمَّ لَك. 1292- قال عبد الرزاق، قال معمر، قال قتادة، قال عكرمة: تهيأت لَك. 1293- عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال، قال ابن مسعود: وقد تسمعت القَرَأَةَ فسمعتهم مقاربين فَاقْرَأُوا كما علمتم وإياكم والتنطع والاخْتِلاَف، فإنما هو كقول أحدهم: هَلُمَّ وتعال، ثم قرأ عبد الله: {هَيْتَ لَكَ}: [الآية: 23]، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إن ناساً يقرأُونَها: {هَيْتَ لَكَ} فقال عبد الله: إني أقرؤها كما علمت أحبّ إليَّ.