Verse. 1620 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَلَقَدْ ہَمَّتْ بِہٖ۝۰ۚ وَہَمَّ بِہَا لَوْلَاۗ اَنْ رَّاٰ بُرْہَانَ رَبِّہٖ۝۰ۭ كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْہُ السُّوْۗءَ وَالْفَحْشَاۗءَ۝۰ۭ اِنَّہٗ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِيْنَ۝۲۴
Walaqad hammat bihi wahamma biha lawla an raa burhana rabbihi kathalika linasrifa AAanhu alssooa waalfahshaa innahu min AAibadina almukhlaseena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد همَّت به» قصدت منه الجماع «وهمَّ بها» قصد ذلك «لولا أن رأى برهان ربه» قال ابن عباس مَثُل له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله وجواب لولا لجامعها «كذلك» أريناه البرهان «لنصرف عنه السوء» الخيانة «والفحشاء» الزنا «إنه من عبادنا المخلصين» في الطاعة وفي قراءة بفتح اللام أي المختارين.

24

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الآية من المهمات التي يجب الاعتناء بالبحث عنها وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: في أنه عليه السلام هل صدر عنه ذنب أم لا؟ وفي هذه المسألة قولان: الأول: أن يوسف عليه السلام هم بالفاحشة. قال الواحدي في كتاب «البسيط» قال المفسرون: الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم هم يوسف أيضاً بهذه المرأة هما صحيحاً وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه. قال جعفر الصادق رضي الله عنه بإسناده عن علي عليه السلام أنه قال: طمعت فيه وطمع فيها فكان طمعه فيها أنه هم أن يحل التكة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حل الهميان وجلس منها مجلس الخائن وعنه أيضاً أنها استلقت له وجلس بين رجليها ينزع ثيابه، ثم إن الواحدي طول في كلمات عديمة الفائدة في هذا الباب، وما ذكر آية يحتج بها ولا حديثاً صحيحاً يعول عليه في تصحيح هذه المقالة، وما أمعن النظر في تلك الكلمات العارية عن الفائدة روي أن يوسف عليه السلام لما قال: { أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [يوسف: 52] قال له جبريل عليه السلام ولا حين هممت يا يوسف فقال يوسف عند ذلك: { أية : وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } تفسير : [يوسف: 53] ثم قال والذين أثبتوا هذا العمل ليوسف كانوا أعرف بحقوق الأنبياء عليهم السلام وارتفاع منازلهم عند الله تعالى من الذين نفوا لهم عنه، فهذا خلاصة كلامه في هذا الباب. والقول الثاني: أن يوسف عليه السلام كان بريئاً عن العمل الباطل، والهم المحرم، وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين، وبه نقول وعنه نذب. واعلم أن الدلائل الدالة على وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام كثيرة، ولقد استقصيناها في سورة البقرة في قصة آدم عليه السلام فلا نعيدها إلا أنا نزيد ههنا وجوهاً: فالحجة الأولى: أن الزنا من منكرات الكبائر والخيانة في معرض الأمانة أيضاً من منكرات الذنوب، وأيضاً مقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموجبة للفضيحة التامة والعار الشديد أيضاً من منكرات الذنوب، وأيضاً الصبي إذا تربى في حجر إنسان وبقي مكفي المؤنة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه وكما قوته فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم المعظم من منكرات الأعمال. إذا ثبت هذا فنقول: إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربع ومثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه، فكيف يجوز إسنادها إلى الرسول عليه الصلاة والسلامٰ المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة. ثم إنه تعالى قال في غير هذه الواقعة: {كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء وَٱلْفَحْشَاء } [يوسف: 24] وذلك يدل على أن ماهية السوء والفحشاء مصروفة عنه، ولا شك أن المعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع وأفحش أقسام الفحشاء فكيف يليق برب العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئاً من السوء مع أنه كان قد أتى بأعظم أنواع السوء والفحشاء. وأيضاً فالآية تدل على قولنا من وجه آخر، وذلك لأنا نقول هب أن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه، إلا أنه لا شك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم الدمائح والأثنية عقيب أن حكى عنه ذلك الذنب العظيم، فإن مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب وأفحش الأعمال ثم إنه يذكره بالمدح العظيم والثناء البالغ عقيبه، فإن ذلك يستنكر جداً فكذا ههنا والله أعلم. الثالث: أن الأنبياء عليهم السلام متى صدرت منهم زلة، أو هفوة استعظموا ذلك وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة والتواضع، ولو كان يوسف عليه السلام أقدم ههنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار ولو أتى بالتوبة لحكى الله تعالى عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع وحيث لم يوجد شيء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ولا معصية. الرابع: أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف عليه السلام من المعصية. واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة يوسف عليه السلام، وتلك المرأة وزوجها، والنسوة والشهود ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب، وإبليس أقر ببراءته أيضاً عن المعصية، وإذا كان الأمر كذلك، فحينئذ لم يبق للمسلم توقف في هذا الباب. أما بيان أن يوسف عليه السلام ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله عليه السلام: { أية : هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } تفسير : [يوسف: 26] وقوله عليه السلام: { أية : رَبّ ٱلسّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ } تفسير : [يوسف: 33] وأما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة: { أية : وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ } تفسير : [يوسف: 32] وأيضاً قالت: { أية : قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ } تفسير : [يوسف: 51] وأما بيان أن زوج المرأة أقر بذلك، فهو قوله: { أية : إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ } تفسير : [يوسف: 28، 29] وأما الشهود فقوله تعالى: { أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَـٰذِبِينَ } تفسير : [يوسف: 26] وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله: {كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء وَٱلْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ } [يوسف: 24] فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات: أولها: قوله: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء } واللام للتأكيد والمبالغة. والثاني: قوله: {وَٱلْفَحْشَاء } أي كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء. والثالث: قوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا } مع أنه تعالى قال: { أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلاْرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } تفسير : [الفرقان: 63] والرابع: قوله: {ٱلْمُخْلَصِينَ } وفيه قراءتان: تارة باسم الفاعل وأخرى باسم المفعول فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتياً بالطاعات والقربات مع صفة الأخلاص. ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه واصطفاه لحضرته، وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهاً عما أضافوه إليه، وأما بيان أن إبليس أقر بطهارته، فلأنه قال: { أية : فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين } تفسير : [صۤ: 82، 83] فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ } فكان هذا إقراراً من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريقة الهدى، وعند هذا نقول هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام هذه الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلى أن تخرجنا عليه فزدنا عليه في السفاهة كما قال الخوارزمي: شعر : وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى بي الدهر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدي تفسير : فثبت بهذه الدلائل أن يوسف عليه السلام برىء عما يقوله هؤلاء الجهال. وإذا عرفت هذا فنقول: الكلام على ظاهر هذه الآية يقع في مقامين: المقام الأول: أن نقول لا نسلم أن يوسف عليه السلام هم بها. والدليل عليه: أنه تعالى قال: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } وجواب {لَوْلاَ } ههنا مقدم، وهو كما يقال: قد كنت من الهالكين لولا أن فلاناً خلصك، وطعن الزجاج في هذا الجواب من وجهين: الأول: أن تقديم جواب {لَوْلاَ } شاذ وغير موجود في الكلام الفصيح. الثاني: أن {لَوْلاَ } يجاب جوابها باللام، فلو كان الأمر على ما ذكرتم لقال: ولقد همت ولهم بها لولا. وذكر غير الزجاج سؤالاً ثالثاً وهو أنه لو لم يوجد الهم لما كان لقوله: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } فائدة. واعلم أن ما ذكره الزجاج بعيد، لأنا نسلم أن تأخير جواب {لَوْلاَ } حسن جائز، إلا أن جوازه لا يمنع من جواز تقديم هذا الجواب، وكيف ونقل عن سيبويه أنه قال: إنهم يقدمون الأهم فالأهم، والذي هم بشأنه أعنى فكان الأمر في جواز التقديم والتأخير مربوطاً بشدة الاهتمام. وأما تعيين بعض الألفاظ بالمنع فذلك مما لا يليق بالحكمة، وأيضاً ذكر جواب {لَوْلاَ } باللام جائز. أما هذا لا يدل على أن ذكره بغير اللام لا يجوز، ثم إنا نذكر آية أخرى تدل على فساد قول الزجاج في هذين السؤالين، وهو قوله تعالى: { أية : إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا } تفسير : [القصص: 10]. وأما السؤال الثالث: وهو أنه لو لم يوجد الهم لم يبق لقوله: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } فائدة. فنقول: بل فيه أعظم الفوائد، وهو بيان أن ترك الهم بها ما كان لعدم رغبته في النساء، وعدم قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، ثم نقول: إن الذي يدل على أن جواب {لَوْلاَ } ما ذكرناه أن {لَوْلاَ } تستدعي جواباً، وهذا المذكور يصلح جواباً له، فوجب الحكم بكونه جواباً له لا يقال إنا نضمر له جواباً، وترك الجواب كثير في القرآن، لأنا نقول: لا نزاع أنه كثير في القرآن، إلا أن الأصل أن لا يكون محذوفاً. وأيضاً فالجواب إنما يحسن تركه وحذفه إذا حصل في اللفظ ما يدل على تعينه، وههنا بتقدير أن يكون الجواب محذوفاً فليس في اللفظ ما يدل على تعين ذلك الجواب، فإن ههنا أنواعاً من الإضمارات يحسن إضمار كل واحد منها، وليس إضمار بعضها أولى من إضمار الباقي فظهر الفرق. والله أعلم. المقام الثاني: في الكلام على هذه الآية أن نقول: سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا نقول: إن قوله: {وَهَمَّ بِهَا } لا يمكن حمله على ظاهره لأن تعليق الهم بذات المرأة محال لأن الهم من جنس القصد والقصد لا يتعلق بالذوات الباقية، فثبت أنه لا بد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهم وذلك الفعل غير مذكور فهم زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة بها ونحن نضمر شيئاً آخر يغاير ما ذكروه وبيانه من وجوه: الأول: المراد أنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح لأن الهم هو القصد، فوجب أن يحمل في حق كل أحد على القصد الذي يليق به، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتنعيم والتمتع واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته وإلى الأمر بالمعروف النهي عن المنكر، يقال: هممت بفلان أي بضربه ودفعه. فإن قالوا: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } فائدة. قلنا: بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين: الأول: أنه تعالى أعلم يوسف عليه السلام أنه لو هم بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صوناً للنفس عن الهلاك، والثاني: أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به، فكان يتمزق ثوبه من قدام، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن، ولو كان ثوبه ممزقاً من خلف لكانت المرأة هي الخائنة، فالله تعالى أعلمه بهذا المعنى، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هارباً عنها، حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية. الوجه الثاني: في الجواب أن يفسر الهم بالشهوة، وهذا مستعمل في اللغة الشائعة. يقول القائل: فيما لا يشتهيه مايهمني هذا، وفيما يشتهيه هذا أهم الأشياء إلي، فسمى الله تعالى شهوة يوسف عليه السلام هماً، فمعنى الآية: ولقد اشتهته واشتهاها لولا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل في الوجود. الثالث: أن يفسر الهم بحديث النفس، وذلك لأن المرأة الفائقة في الحسن والجمال إذا تزينت وتهيأت للرجل الشاب القوي فلا بد وأن يقع هناك بين الحكمة والشهوة الطبيعية وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات، فتارة تقوى داعية الطبيعة والشهوة وتارة تقوى داعية العقل والحكمة. فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية، ومثال ذلك أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف، إذا رأى الجلاب المبرد بالثلج فإن طبيعته تحمله على شربه، إلا أن دينه وهداه يمنعه منه، فهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة في القيام بلوازم العبودية أكمل، فقد ظهر بحمد الله تعالى صحة هذا القول الذي ذهبنا إليه ولم يبق في يد الواحدي إلا مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين، ولو كان قد ذكر في تقرير ذلك القول شبهة لأجبنا عنها إلا أنه ما زاد على الرواية عن بعض المفسرين. واعلم أن بعض الحشوية روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : ما كذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات » تفسير : فقلت الأولى أن لا نقبل مثل هذه الأخبار فقار على طريق الاستنكار فإن لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة فقلت له: يا مسكين إن قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم عليه السلام وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة ولا شك أن صون إبراهيم عليه السلام عن الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب. إذا عرفت هذا الأصل فنقول للواحدي: ومن الذي يضمن لنا أن الذين نقلوا هذا القول عن هؤلاء المفسرين كانوا صادقين أم كاذبين، والله أعلم. المسألة الثانية: في أن المراد بذلك البرهان ما هو أما المحققون المثبون للعصمة فقد فسروا رؤية البرهان بوجوه: الأول: أنه حجة الله تعالى في تحريم الزنا والعلم بما على الزاني من العقاب والثاني: أن الله تعالى طهر نفوس الأنبياء عليهم السلام عن الأخلاق الذميمة. بل نقول: إنه تعالى طهر نفوس المتصلين به عنها كما قال: { أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً } تفسير : [الأحزاب: 33] فالمراد برؤية البرهان هو حصول تلك الأخلاق وتذكير الأحوال الرادعة لهم عن الإقدام على المنكرات. والثالث: أنه رأى مكتوباً في سقف البيت { أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً } تفسير : [الإسراء: 32] والرابع: أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش، والدليل عليه أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا لمنع الخلق عن القبائح والفضائح فلو أنهم منعوا الناس عنها، ثم أقدموا على أقبح أنواعها وأفحش أقسامها لدخلوا تحت قوله تعالى: { أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } تفسير : [الصف: 2، 3] وأيضاً أن الله تعالى عير اليهود بقوله: { أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 44] وما يكون عيباً في حق اليهود كيف ينسب إلى الرسول المؤيد بالمعجزات. وأما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف عليه السلام فقد ذكروا في تفسير ذلك البرهان أموراً: الأول: قالوا إن المرأة قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب فقال يوسف: لم فعلت ذلك؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني على معصية، فقال يوسف: أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت فوالله لا أفعل ذلك أبداً قالوا: فهذا هو البرهان. الثاني: نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تمثل له يعقوب فرآه عاضاً على أصابعه ويقول له: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء فاستحى منه. قال وهو قول عكرمة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين قال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله. والثالث: قالوا إنه سمع في الهواء قائلاً يقول يا ابن يعقوب لا تكن كالطير يكون له ريش فإذا زنا ذهب ريشه. والرابع: نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لم ينزجر برؤية صورة يعقوب حتى ركضه جبريل عليه السلام فلم يبق فيه شيء من الشهوة إلا خرج، ولما نقل الواحدي هذه الروايات تصلف وقال: هذا الذي ذكرناه قول أئمة التفسير الذين أخذوا التأويل عمن شاهد التنزيل فيقال له: إنك لا تأتينا ألبتة إلا بهذه التصلفات التي لا فائدة فيها فأين هذا من الحجة والدليل، وأيضاً فإن ترادف الدلائل على الشيء الواحد جائز، وأنه عليه الصلاة والسلام كان ممتنعاً عن الزنا بحسب الدلائل الأصلية، فلما انضاف إليها هذه الزواجر قوي الانزجار وكمل الاحتراز والعجب أنهم نقلوا أن جرواً دخل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم وبقي هناك بغير عمله قالوا: فامتنع جبريل عليه السلام من الدخول عليه أربعين يوماً، وههنا زعموا أن يوسف عليه السلام حال اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبريل عليه السلام، والعجب أنهم زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبريل عليه السلام، ولو أن أفسق الخلق وأكفرهم كان مشتغلاً بفاحشة فإذا دخل عليه رجل على زي الصالحين استحيا منه وفر وترك ذلك العمل، وههنا أنه رأى يعقوب عليه السلام عض على أنامله فلم يلتفت إليه، ثم إن جبريل عليه السلام على جلالة قدره دخل عليه فلم يمتنع أيضاً عن ذلك القبيح بسبب حضوره حتى احتاج جبريل عليه السلام إلى أن يركضه على ظهره فنسأل الله أن يصوننا عن الغي في الدين، والخذلان في طلب اليقين فهذا هو الكلام المخلص في هذه المسألة والله أعلم. المسألة الثالثة: في الفرق بين السوء والفحشاء وفيه وجوه: الأول: أن السوء جناية اليد والفحشاء هو الزنا. الثاني: السوء مقدمات الفاحشة من القبلة والنظر بالشهوة والفحشاء هو الزنا. أما قوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ } أي الذين أخلصوا دينهم لله تعالى ومن فتح اللام أراد الذين خلصهم الله من الأسواء، ويحتمل أن يكون المراد أنه من ذرية إبراهيم عليه السلام الذي قال الله فيهم: { أية : إِنَّا أَخْلَصْنٰهُمْ بِخَالِصَةٍ } تفسير : [صۤ: 46]. المسألة الرابعة: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو {ٱلْمُخْلَصِينَ } بكسر اللام في جميع القرآن والباقون بفتح اللام.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} وقصدت مخالطته وقصد مخالطتها، والهم بالشيء قصده والعزم عليه ومنه الهمام وهو الذي إذا هم بالشيء أمضاه، والمراد بهمه عليه الصلاة والسلام ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري، وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم، أو مشارفة الهم كقولك قتلته لو لم أخف الله. {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } في قبح الزنا وسوء مغبته لخالطها لشبق الغلمة وكثرة المغالبة، ولا يجوز أن يجعل {وَهَمَّ بِهَا } جواب {لَوْلاَ } فإنها في حكم أدوات الشرط فلا يتقدم عليها جوابها، بل الجواب محذوف يدل عليه. وقيل رأى جبريل عليه الصلاة والسلام. وقيل تمثل له يعقوب عاضاً على أنامله. وقيل قطفير. وقيل نودي يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء. {كَذٰلِكَ } أي مثل التثبيت ثبتناه، أو الأمر مثل ذلك. {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء } خيانة السيد. {وَٱلْفَحْشَاء } الزنا. {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ } الذين أخلصهم الله لطاعته. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بالكسر في كل القرآن إذا كان في أوله الألف واللام أي الذين أخلصوا دينهم لله.

ابن كثير

تفسير : اختلفت أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام، وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وطائفة من السلف في ذلك ما رواه ابن جرير وغيره، والله أعلم. وقيل: المراد بهمه بها خطرات حديث النفس، حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق، ثم أورد البغوي ههنا حديث عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله تعالى: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإن هم بسيئة فلم يعملها، فاكتبوها حسنة، فإنما تركها من جرائي، فإن عملها فاكتبوها بمثلها»تفسير : ، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وله ألفاظ كثيرة، هذا منها. وقيل: هم بضربها. وقيل: تمناها زوجة. وقيل: هم بها لولا أن رأى برهان ربه، أي: فلم يهم بها، وفي هذا القول نظر من حيث العربية، حكاه ابن جرير وغيره. وأما البرهان الذي رآه، ففيه أقوال أيضاً، فعن ابن عباس وسعيد ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة وأبي صالح والضحاك ومحمد بن إسحاق وغيرهم: رأى صورة أبيه يعقوب عليه السلام عاضاً على أصبعه بفمه. وقيل عنه في رواية: فضرب في صدر يوسف. وقال العوفي عن ابن عباس: رأى خيال الملك، يعني: سيده، وكذا قال محمد بن إسحاق فيما حكاه عن بعضهم: إنما هو خيال قطفير سيده حين دنا من الباب. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن أبي مودود، سمعت من محمد بن كعب القرظي قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت، فإذا كتاب في حائط البيت {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 32]، وكذا رواه أبو معشر المدني عن محمد بن كعب. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع ابن يزيد، عن أبي صخر، قال: سمعت القرظي يقول في البرهان الذي رآه يوسف: ثلاث آيات من كتاب الله {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ } تفسير : [الانفطار: 10] الآية، وقوله: {أية : وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ} تفسير : [يونس: 61] الآية، وقوله: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} تفسير : [الرعد: 33]. قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي، وزاد آية رابعة: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 32]. وقال الأوزاعي رأى آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك. قال ابن جرير: والصواب أن يقال: إنه رأى آية من آيات الله تزجره عما كان هم به، وجائز أن يكون صورة يعقوب، وجائز أن يكون صورة الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوباً من الزجر عن ذلك، ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك، فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى. وقوله: {كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ} أي: كما أريناه برهاناً صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره، {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} أي: من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار، صلوات الله وسلامه عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } قصدت منه الجماع {وَهَمَّ بِهَا } قصد ذلك {لَوْلآ أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبّهِ } قال ابن عباس:( مَثَلَ له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله) وجواب «لولا» لجامعها {كَذٰلِكَ } أريناه البرهان {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوءَ } الخيانة {وَٱلْفَحْشَآءَ } الزنا {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ } في الطاعة. وفي قراءة بكسر اللام: أي المختارين.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى بُرهان ربه} أما همها به ففيه قولان: أحدهما: أنه كان هَمَّ شهوة. الثاني: أنها استلقت له وتهيأت لمواقعته. وأما همّه بها ففيه ستة أقاويل: أحدها: أنه همّ بها أن يضربها حين راودته عن نفسه ولم يهم بمواقعتها قاله بعض المتأخرين. الثاني: أن قوله ولقد همت به كلام تام قد انتهى، ثم ابتدأ الخبر عن يوسف فقال{وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} ومعنى الكلام لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، قاله قطرب. الثالث: أن همها كان شهوة، وهمه كان عفة. الرابع: أن همه بها لم يكن عزماً وإرادة وإنما كان تمثيلاً بين الفعل والترك، ولا حرج في حديث النفس إذا لم يقترن به عزم ولا فعل، وأصل الهم حديث النفس حتى يظهر فيصير فعلاً، ومنه قول جميل: شعر : هممت بهمِّ من بثينة لو بدا شفيت غليلات الهوى من فؤاديا تفسير : الخامس: أنه همه كان حركة الطباع التي في قلوب الرجال من شهوة النساء وإن كان قاهراً له وهو معنى قول الحسن. السادس: أنه هم بمواقعتها وعزم عليه. قال ابن عباس: وحل الهميان يعني السراويل وجلس بين رجليها مجلس الرجل من المرأة، وهو قول جمهور المفسرين. فإن قيل: فكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا الفعل وهو نبي الله عز وجل؟ قيل: هي منه معصية، وفي معاصي الأنبياء ثلاثة أوجه: أحدها: أن كل نبي ابتلاه الله بخطيئة إنما ابتلاء ليكون من الله تعالى على وجل إذا ذكرها فيجدّ في طاعته إشفاقاً منها ولا يتكل على سعة عفوه ورحمته. الثاني: أن الله تعالى ابتلاهم بذلك ليعرفهم موقع نعمته عليهم بصفحه عنهم وترك عقوبتهم في الآخرة على معصيتهم. الثالث: أنه ابتلاهم بذلك ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء رحمة الله وترك الإياس في عفوه عنهم إذا تابوا. وفي قوله تعالى{لولا أن رأى برهان ربه}ستة أقاويل: أحدها: أن برهان ربه الذي رآه أن نودي بالنهي عن مواقعة الخطيئة، قال ابن عباس: نودي اي ابن يعقوب تزني فيكون مثلك مثل طائر سقط ريشه فذهب يطير فلم يستطع. الثاني: أنه رأى صورة يعقوب وهو يقول: يا يوسف أتهمُّ بفعل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء؟ فخرجت شهوته من أنامله، قاله قتادة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير. قال مجاهد: فولد لكل واحد من أولاد يعقوب اثنا عشر ذكراً إلا يوسف فلم يولد له إلا غلامان ونقص بتلك الشهوة ولده. الثالث: أن البرهان الذي رآه ما أوعد الله تعالى على الزنى، قال محمد بن كعب القرظي: رأى كتاباً على الحائط: {أية : ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} تفسير : [الإسراء:32]. الرابع: أن البرهان الذي رآه. الملك إظفير سيده، قاله ابن إسحاق. الخامس: أن البرهان الذي رآه هو ما آتاه الله تعالى من آداب آبائه في العفاف والصيانة وتجنب الفساد والخيانة، قاله ابن بحر. السادس: أن البرهان الذي رآه أنه لما همت به وهم بها رأى ستراً فقال لها: ما وراء هذه الستر؟ فقالت: صنمي الذي أعبده أستره استحياء منه. فقال: إذا استحيت مما لا يسمع ولا يبصر فأنا أحق أن أستحي من إلهي وأتوقاه، قاله الضحاك. {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} فيها وجهان: أحدهما: أن السوء الشهوة، والفحشاء المباشرة. الثاني: أن السوء عقوبة الملك العزيز. والفحشاء مواقعة الزنى. {إنه من عبادنا المخلصين} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر المخلصين بكسر اللام، وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله تعالى. وقرأ الباقون بفتح اللام، وتأويلها الذين أخلصهم الله برسالته، وقد كان يوسف عليه السلام بهاتين الصفتين لأنه كان مخلصاً في طاعة الله تعالى، مستخلصاً لرسالة الله.

ابن عبد السلام

تفسير : {هَمَّتْ بِهِ} شهوة، أو استلقت له وتهيأت لوقاعه {وَهَمَّ} بضربها، أو التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، أو كان همه عظة، أو كان همه حديث نفس من غير عزم، أو همه ما في طباع الرجال من شهوة النساء وإن كان قاهراً له، أو عزم على وقاعها فحل الهميان وهو السراويل وجلس منها مجلس الرجل من المرأة "ع"، وجمهور المفسرين، وابتلاء الأنبياء بالمعاصي ليكونوا على وجل ويجدُّوا في الطاعة، أو ليعرفهم نعمته عليهم بالصفح والغفران، أو ليقتدي بهم المذنبون في الخوف والرجاء عند التوبة. {بُرهَانَ رَبِّهِ} نودي أتزني فتكون كطائر وقع ريشه فذهب يطير فلم يستطع، أو رأى صورة أبيه يقول أتهم بفعل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء فخرجت شهوته من أنامله، وولد لكل من أولاد يعقوب اثنا عشر ذكراً إلا يوسف لم يولد له إلا غلامين ونقص بتلك الشهوة ولده، أو رأى مكتوباً على الحائط {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 32]، أو رأى أطفير سيده، أو ما أتاه الله ـ تعالى ـ من العفاف والصيانة وترك الفساد والخيانة، أو رأى ستراً فقال: ما وراء هذا فقالت: صنمي الذي أعبده سترته حياء منه فقال: إذا استحييت ممن لا يسمع ولا يبصر فأنا أحق أن أستحي من إلهي وأتوقاه. {السُّوءَ} الشهوة {وَالْفَحْشَآءَ} المباشرة، أو {السُّوءَ} الثناء القبيح {وَالْفَحْشَآءَ} الزنا. {الْمُخْلَصِينَ} للطاعة و {الْمُخْلَصِينَ} للرسالة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ولقد همَّت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} الآية، هذه الآية الكريمة مما يجب الاعتناء بها والبحث عنها والكلام عليها في مقامين الأول في ذكر أقوال المفسرين في هذه الآية قال المفسرون: الهمّ هم المقاربة من الفعل من غير دخول فيه، وقيل: الهم مصدر هممت بالشيء إذا أردته وحدثتك نفسك به وقاربته من غير دخول فيه فمعنى قوله ولقد همَّت به أي أرادته وقصدته فكان همها به عزمها على المعصية والزنا، وقال الزمخشري: همَّ بالأمر إذا قصده وعزم عليه قال الشاعر وهو عمرو بن ضابئ البرجمي: شعر : هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله تفسير : وقوله: ولقد همَّت به: معناه ولقد همت بمخالطته وهم بها أي وهم بمخالطتها لولا أن رأى برهان ربه جوابه محذوف تقديره لولا أن رأى برهان ربه لخالطها قال البغوي وأما همه بها فروي عن ابن عباس أنه قال حلّ الهميان وجلس منها مجلس الخائن، وقال مجاهد: حل سراويله وجعل يعالج ثيابه، وهذا قول أكثر المفسرين منهم سعيد بن جبير والحسن وقال الضحاك: جرى الشيطان بينهما فضرب بيده إلى جيد يوسف وبيده الأخرى إلى جيد المرأة حتى جمع بينهما، قال أبو عبيده القاسم بن سلام: وقد أنكر قوم هذا القول قال البغوي: والقول ما قاله قدماء هذه الأمة وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء من غير علم، قال السدي وابن إسحاق: لما أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف عن نفسه جعلت تذكر له محاسن نفسه وتشوقه إلى نفسها فقالت: يا يوسف ما أحسن شعرك، قال: هو أول ما ينتثر عن جسدي، قالت: ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل على خدي في قبري، قالت: ما أحسن وجهك، قال: هو للتراب يأكله. وقيل: إنها قالت له إن فراش الحرير مبسوط قم فاقض حاجتي قال: إذن يذهب نصيبي من الجنة. فلم تزل تطمعه وتدعوه إلى اللذة وهو شاب يجد من شبق الشباب ما يجده الرجل وهي امرأة حسناء جميلة حتى لان لها لما يرى من كلفها به فهم بها ثم إن الله تدارك عبده يوسف بالبرهان الذي ذكره وسيأتي الكلام على تفسير البرهان الذي رآه يوسف عليه الصلاة والسلام فهذا ما قاله المفسرون في هذه الآية أما المقام الثاني في تنزيه يوسف عليه الصلاة والسلام عن هذه الرذيلة وبيان عصمته من هذه الخطيئة التي ينسب إليها. قال بعض المحققين: الهم همان فهم ثابت وهو ما كان معه عزم وقصد وعقيدة رضا مثل هم امرأة العزيز فالعبد مأخوذ به وهم عارض وهو الخطرة في القلب وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل هم يوسف فالعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل به ويدل على صحة هذا ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يقول الله تبارك وتعالى: "إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة واحدة وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له عشرة"تفسير : لفظ مسلم وللبخاري بمعناه (ق). عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل قال"حديث : إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة فإن هم بها وعملها كتبها الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ومن همّ بسيئة ولم يعملها كتبها الله له عنده حسنة وإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عليه سيئة واحدة"تفسير : زاد في رواية أو محاها"حديث : ولن يهلك على الله إلا هالك"تفسير : قال القاضي عياض في كتابه الشفاء فعلى مذهب كثير من الفقهاء المحدثين إن هم النفس لا يؤاخذ به وليس سيئة وذكر الحديث المتقدم فلا معصية في هم يوسف إذن وأما على مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين فإن الهم إذا وطنت عليه النفس كان سيئة وأما مالم توطن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو المعفو عنه هذا هو الحق فيكون إن شاء الله هم يوسف من هذا ويكون قوله وما أبرئ نفسي الآية أي ما أبرئها من هذا الهم أو يكون ذلك على طريق التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لما زكي قبل وبرئ فكيف وحكى أبو حاتم عن عبيدة أن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يهم وأن الكلام فيه تقديم وتأخير أي ولقد همت به ولولا أن أري برهان ربه لهمّ بها وقال تعالى حاكياً عن المرأة ولقد راودته عن نفسه فاستعصم وقال تعالى: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء، وقال تعالى: وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله الآية وقيل في قوله وهم بها أي بزجرها ووعظها وقيل هم بها أي همه امتناعه وقيل هم بها أي نظر إليها وقيل هم بضربها ودفعها وقيل هذا كله كان قبل نبوته وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة زليخا حتى نبأه الله فألقى عله هيبة النبوة فشغلت هيبته كل من رآه عن حسه هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله، وأما الإمام فخر الدين فذكر في هذا المقام كلاماً طويلاً مبسوطاً وأنا أذكر بعضه ملخصاً، فأقول قال الإمام فخر الدين الرازي: إن يوسف عليه الصلاة والسلام كان بريئاً من العمل الباطل والهم المحرم وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين وبه نقول وعنه نذب فإن الدلائل قد دلت على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا يلتفت إلى ما نقله بعض المفسرين عن الأئمة المتقدمين فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متى صدرت منهم زلة أو هفوة استعظموها وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة والاستغفار كما ذكر عن آدم عليه السلام في قوله ربنا ظلمنا أنفسنا الآية وقال في حق داود عليه الصلاة والسلام فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب وأما يوسف عليه الصلاة والسلام فلم يحك عنه شيئاً من ذلك في هذه الواقعة لأنه لو صدر منه شيء لأتبعه بالتوبة والاستغفار ولو أتى بالتوبة لحكى الله ذلك عنه في كتابه كما ذكر عن غيره من الأنبياء وحيث لم يحك عنه شيئاً علمنا براءته مما قيل فيه ولم يصدر عنه شيء كما نقله أصحاب الأخبار ويدل على ذلك أيضاً أن كل من كان له تعلق بهذه الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف عليه السلام عما نسب إليه واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة يوسف والمرأة وزوجها والنسوة واللاتي قطعن أيديهن والمولود الذي شهد على القميص شهدوا ببراءته والله تعالى شهد ببراءته من الذنب أيضاً. أما بيان أن يوسف ادعى براءته مما نسب إليه فقوله هي راودتني عن نفسي، وقوله: رب السجن أحبّ إليّ مما يدعونني إليه. وأما بيان أن المرأة اعترفت ببراءة يوسف ونزاهته فقولها: أنا راودته عن نفسه فاستعصم، وقولها: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين. وأما بيان أن زوج المرأة اعترف أيضاً ببراءة يوسف فقوله: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين. وأما شهادة المولود ببراءته فقوله: وشهد شاهد من أهلها الآية وأما شهادة الله له بذلك فقوله تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ومن كان كذلك فليس للشيطان عليه سلطان بدليل قوله لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين وبطل بهذا قول من قال إن الشيطان جرى بينهما حتى أخذ بجيده وجيد المرأة حتى جمع بينهما فإنه قول منكر لا يجوز لأحد أن يقول ذلك. وأما ما روي عن ابن عباس: إنه جلس منها مجلس الخائن فحاش ابن عباس أن يقول مثل هذا عن يوسف عليه الصلاة والسلام ولعل بعض أصحاب القصص وأصحاب الأخبار وضعوه عن ابن عباس، وكذلك ما روي عن مجاهد وغيره أيضاً فإنه لا يكاد يصح بسند صحيح وبطل ذلك كله وثبت ما بيناه من براءة يوسف عليه الصلاة والسلام من هذه الرذيلة والله أعلم بمراده وأسرار كتابه وما صدر من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام. فإن قلت: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله عز وجل لولا أن رأى برهان ربه فائدة. قلت: فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين أحدهما: أنه تعالى أعلم يوسف أنه لو همّ بدفعها لقتلته فأعلمه بالبرهان أن الامتناع من ضربتها أولى صوناً للنفس عن الهلاك الوجه الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه لتعلقت به فكان في ذلك أن يتمزق ثوبه من قدام وكان في علم الله أن الشاهد يشهد بأنه ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن وإذا تمزق من خلف كانت هي الخائنة فأعلمه الله بالبرهان هذا المعنى فلم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هارباً فأثبت بذلك الشاهد حجة له لا عليه وأما تفسير البرهان على ما ذكره المفسرون في قوله تعالى {أية : لولا أن رأى برهان ربه}تفسير : [يوسف: 24] فقال قتادة وأكثر المفسرين: إن يوسف رأى صورة يعقوب عليه السلام وهو يقول له يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب من الأنبياء. وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك: انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عاضاً على أصبعه، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: مثل له يعقوب فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله وقال السدي نودي يا يوسف أتواقعها إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق عليه وإن مثلك إن واقعتها كمثله إذا وقع على الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شيئاً ومثلك ما لم يتواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يطاق ومثلك إن واقعتها كمثله إذا مات ودخل النمل في قرنه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه وقيل إنه رأى معصماً بلا عضد عليه مكتوب {أية : وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون}تفسير : [الإِنفطار: 10-12] فولى هارباً ثم رجع فعاد المعصم وعليه مكتوب {أية : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا}تفسير : [الإِسراء: 32] فولى هارباً ثم عاد فرأى ذلك الكف وعليه مكتوب {أية : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله}تفسير : [البقرة: 281] الآية ثم عاد فقال الله تعالى لجبريل عليه السلام أدرك عبدي يوسف قبل ان يصيب الخطيئة فانحط جبريل عاضاً على أصبعه يقول يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله من الأنبياء وقيل إنه مسه بجناحه فخرجت شهوته من أنامله قال محمد بن كعب القرظي رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت فرأى كتاباً في حائط فيه {أية : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا}تفسير : [الإِسراء: 32] وفي رواية عن ابن عباس أن رأى مثال ذلك الملك، وعن علي بن الحسين قال: كان في البيت صنم فقامت المرأة إليه وسترته بثوب فقال لها يوسف عليه السلام لم فعلت هذا قالت استحييت منه أن يراني على معصية فقال لها يوسف أتستحيين مما لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه شيئاً فأنا أحق أن أستحيي من ربي فهرب فذلك قوله لولا أن رأى برهان ربه أما المحققون فقد فسروا البرهان بوجوه الأول، قال جعفر بن محمد الصادق: البرهان هو النبوة التي جعلها الله تعالى في قلبه حالت بينه وبين ما يسخط الله عز وجل الثاني البرهان حجة الله عز وجل على العبد في تحريم الزنا والعلم بما على الزاني من العقاب الثالث إن الله عز وجل طهر نفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الأخلاق الذميمة والأفعال الرذيلة وجبلهم على الأخلاق الشريفة الطاهرة المقدسة فتلك الأخلاق الطاهرة الشريفة تحجزهم عن فعل ما لا يليق فعله {كذلك} يعني كما رأيناه البرهان كذلك {لنصرف عنه السوء} يعني الإثم {والفحشاء} يعني الزنا، وقيل: السوء مقدمات الفحشاء وقيل السوء الثناء القبيح فصرف الله عنه ذلك كله وجعله من عباده المخلصين وهو قوله {إنه} يعني يوسف {من عبادنا المخلصين} قرئ بفتح اللام ومعناه أنه من عبادنا الذين اصطفيناهم بالنبوة واخترناهم على غيرهم وقرئ بكسر اللام ومعناه أنه من عبادنا الذين أخلصوا الطاعة لله عز وجل.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما همت به، تزينت ثم استلقت على فراشها، وهم بها وجلس بين رجليها يحل تبانه، نودي من السماء: يا بن يعقوب، لا تكن كطائر ينتف ريشه، فبقي لا ريش له، فلم يتعظ على النداء شيئاً حتى رأى برهان ربه جبريل عليه السلام في صورة يعقوب عاضاً على اصبعيه، ففزع فخرجت شهوته من أنامله، فوثب إلى الباب فوجده مغلقاً، فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب الأدنى فانفرج له، واتبعته فأدركته، فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه، فألفيا سيدها لدى الباب. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه سئل عن هم يوسف عليه السلام، ما بلغ؟ قال: حل الهميان - يعني السراويل - وجلس منها مجلس الخاتن، فصيح به يا يوسف، لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله {ولقد همت به وهم بها} قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان من الطمع أن هم بحل التكة، فقامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت، فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال: أي شيء تصنعي؟! فقالت: استحي من الهي أن يراني على هذه الصورة. فقال يوسف عليه السلام: تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب، ولا استحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟!... ثم قال: لا تنالينها مني أبداً. وهو البرهان الذي رأى. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وهم بها} قال: حل سراويله حتى بلغ ثنته، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته، فمثل له يعقوب عليه السلام، فضرب بيده على صدره فخرجت شهوته من أنامله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لولا أن رأى برهان ربه} قال: رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضاً على ابهامه، فأدبر هارباً وقال: وحقك يا أبت لا أعود أبداً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة وسعيد بن جبير في قوله {لولا أن رأى برهان ربه} قال: حل السراويل وجلس منها مجلس الخاتن، فرأى صورة فيها وجه يعقوب عاضاً على أصابعه، فدفع صدره فخرجت الشهوة من أنامله، فكل ولد يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولداً، إلا يوسف عليه السلام فإنه نقص بتلك الشهوة ولداً ولم يولد له غير أحد عشر ولداً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {لولا أن رأى برهان ربه} قال: تمثل له يعقوب عليه السلام فضرب في صدر يوسف عليه السلام، فطارت شهوته من أطراف أنامله، فولد لكل ولد يعقوب اثنا عشر ذكراً، غير يوسف لم يولد له إلا غلامان. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله {لولا أن رأى برهان ربه} قال: رأى يعقوب عاضاً على أصابعه يقول: يوسف يوسف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: رأى آية من آيات ربه، حجزه الله بها عن معصيته. ذكر لنا أنه مثل له يعقوب عاضاً على أصبعيه وهو يقول له: يا يوسف، أتهم بعمل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء؟ فذلك البرهان، فانتزع الله كل شهوة كانت في مفاصله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين رضي الله عنه في قوله {لولا أن رأى برهان ربه} قال: مثل له يعقوب عليه السلام عاضاً على أصبعيه يقول: يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الرحمن، اسمك في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء؟!... وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: رأى صورة يعقوب عليه السلام في الجدار. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: زعموا أن سقف البيت انفرج، فرأى يعقوب عاضاً على أصبعيه. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن الحسن رضي الله عنه في قوله {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} قال: إنه لما هم قيل له: يوسف، ارفع رأسك. فرفع رأسه فإذا هو بصورة في سقف البيت تقول: يا يوسف، أنت مكتوب في الأنبياء، فعصمه الله عز وجل. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه قال: رأى صورة يعقوب في سقف البيت تقول: يوسف، يوسف. وأخرج ابن جرير من طريق الزهري، أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن البرهان الذي رأى يوسف عليه السلام، هو يعقوب. وأخرج ابن جرير عن القاسم بن أبي بزة قال: نودي: يا ابن يعقوب، لا تكونن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش. فلم يعرض للنداء، وقعد فرفع رأسه فرأى وجه يعقوب عاضاً على أصبعه، فقام مرعوباً استحياء من أبيه. وأخرج ابن جرير عن علي بن بديمة قال: كان يولد لكل رجل منهم اثنا عشر، اثنا عشر، إلا يوسف عليه السلام ولد له أحد عشر، من أجل ما خرج من شهوته. وأخرج ابن جرير عن شمر بن عطية قال: نظر يوسف إلى صورة يعقوب عاضاً على أصبعه يقول: يا يوسف، فذاك حيث كف وقام. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: يزعمون أنه مثل له يعقوب عليه السلام، فاستحيا منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال: كان ابن عباس. رضي الله عنهما يقول: في قوله {لولا أن رأى برهان ربه} قال: رأى آية من كتاب الله فنهته، مثلت له في جدار الحائط. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: البرهان الذي رأى يوسف عليه السلام، ثلاث آيات من كتاب الله {أية : وإن عليكم لحافظين. كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون} تفسير : [الانفطار: 10-11-12] وقول الله {أية : وما تكون في شأن وما تتلواْ منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه ...}تفسير : [يونس: 61] وقول الله {أية : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ...} تفسير : [الرعد: 33]. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب قال: رأى في البيت في ناحية الحائط مكتوباً {أية : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً}تفسير : [الإسراء: 32]. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لما خلا يوسف وامرأة العزيز، خرجت كف بلا جسد بينهما، مكتوب عليه بالعبرانية {أية : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ....} تفسير : [الرعد: 33] ثم انصرفت الكف وقاما مقامهما، ثم رجعت الكف بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية {أية : وإنَّ عليكم لحافظين. كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون} تفسير : [الانفطار: 10-11-12] ثم انصرفت الكف وقاما مقامهما، فعادت الكف الثالثة، مكتوب عليها {أية : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} تفسير : [الإسراء: 32] وانصرفت الكف وقاما مقامهما، فعادت الكف الرابعة، مكتوب عليها بالعبرانية {أية : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} تفسير : [البقرة: 281] فولى يوسف عليه السلام هارباً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله {لولا أن رأى برهان ربه} قال: آيات ربه، رأى تمثال الملك. وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد رضي الله عنه قال: لما دخل يوسف عليه السلام معها البيت، وفي البيت صنم من ذهب قالت: كما أنت، حتى أغطي الصنم، فإني أستحي منه. فقال يوسف عليه السلام: هذه تستحي من الصنم، أنا أحق أن أستحي من الله. فكف عنها وتركها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر رضي الله عنه في قوله {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} قال: الزنا والثناء القبيح. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه {إنه من عبادنا المخلصين} قال: الذين لا يعبدون مع الله شيئاً.

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} بمخالطته إذِ الهمُّ لا يتعلق بالأعيان أي قصدتْها وعزمت عليها عزماً جازماً لا يَلويها عنه صارفٌ بعد ما باشرت من مباديها وفعلت ما فعلت من المراودة وتغليقِ الأبواب ودعوتِه عليه السلام إلى نفسها بقولها: هيتَ لك، ولعلها تصدّت هنالك لأفعال أُخَرَ من بسط يدِها إليه وقصدِ المعانقة وغير ذلك مما يَضْطره عليه السلام إلى الهرب نحوَ الباب، والتأكيدُ لدفع ما عسى يُتوهم من احتمال إقلاعِها عما كانت عليه بما في مقالته عليه السلام من الزواجر {وَهَمَّ بِهَا} بمخالطتها أي مال إليها بمقتضى الطبـيعةِ البشرية وشهوةِ الشباب وكونه ميلاً جبلياً لا يكاد يدخل تحت التكليفِ لا أنه قصدها قصداً اختيارياً، ألا يُرى إلى ما سبق من استعصامه المُنْبىءِ عن كمال كراهيتِه له ونفرتِه عنه وحُكمه بعدم إفلاح الظالمين وهل هو إلا تسجيلٌ باستحالة صدور الهمِّ منه عليه السلام تسجيلاً محكماً وأنه عبر عنه بالهمّ لمجرد وقوعِه في صحبة همِّها في الذكرِ بطريق المشاكلة لا لشَبَهه به كما قيل، ولقد أشير إلى تباينهما حيث لم يُلَزّا في قَرن واحد من التعبـير بأن قيل: ولقد همّا بالمخالطة أو همّ كلٌّ منهما بالآخر، وصُدّر الأولُ بما يقرر وجودَه من التوكيد القسمي وعُقّب الثاني بما يعفو أثرَه من قوله عز وجل: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ} أي حجتَه الباهرةَ الدالة على كمال قبحِ الزنى وسوءِ سبـيله، والمرادُ برؤيته لها كمالُ إيقانِه بها ومشاهدتِه لها مشاهدةً واصلة إلى مرتبة عينِ اليقين الذي تتجلى هناك حقائقُ الأشياء بصورها الحقيقيةِ وتنخلع عن صورها المستعارة التي بها تظهر في هذه النشأة على ما نطق به قولُه عليه السلام: «حديث : حُفّت الجنةُ بالمكاره وحفت النار بالشهوات»تفسير : وكأنه عليه السلام قد شاهد الزنىٰ بموجب ذلك البرهانِ النيّر على ما هو عليه في حد ذاتِه أقبحَ ما يكون وأوجبَ ما يجب أن يُحذر منه ولذلك فعل ما فعل من الاستعصام والحُكمِ بعدم إفلاحِ من يرتكبه، وجوابُ لولا محذوفٌ يدل عليه الكلام أي لولا مشاهدتُه برهانَ ربه في شأن الزنىٰ لجَرى على موجب ميلِه الجِبليِّ ولكنه حيث كان مشاهداً له من قبلُ استمر على ما هو عليه من قضية البرهان، وفائدةُ هذه الشرطيةِ بـيانُ أن امتناعَه عليه السلام لم يكن لعدم مساعدةٍ من جهة الطبـيعة بل لمحض العفةِ والنزاهة مع وفور الدواعي الداخلية وترتبِ المقدّمات الخارجيةِ الموجبةِ لظهور الأحكام الطبـيعية. هذا وقد نص أئمةُ الصناعة على أن لولا في أمثال هذه المواقعِ جارٍ من حيث المعنى لا من حيث الصيغةُ مَجرى التقيـيدِ للحُكم المطلقِ كما في مثل قوله تعالى: {أية : إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } تفسير : [الفرقان: 42] فلا يتحقق هناك همٌّ أصلاً. وقد جوز أن يكون (وهم بها) جوابَ لولا جرياً على قاعدة الكوفيـين في جواز التقديم فالهمُّ حينئذ على معناه الحقيقي، فالمعنى لولا أنه قد شاهد برهانَ ربه لهمَّ بها كما همت به ولكن حيث انتفى عدم المشاهدة بدليل استعصامِه وما يتفرع عليه انتفى الهمُّ رأساً، هذا وقد فُسّر همُّه عليه السلام بأنه عليه السلام حلّ الهَمَيان وجلس مجلسَ الخِتان وبأنه حل تِكّة سراويلِه وقعد بـين شُعَبها، ورؤيتُه للبرهان بأنه سمع صوتاً: إياك وإياها فلم يكترثْ ثم وثم إلى أن تمثّل له يعقوبُ عليه السلام عاضًّا على أنملته وقيل: ضرب على صدره فخرجت شهوتُه من أنامله، وقيل: بدت كفٌّ فيما بـينهما ليس فيها عضُدٌ ولا مِعصمٌ مكتوبٌ فيها: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ كِرَاماً كَـٰتِبِينَ} تفسير : [الانفطار: 10] فلم ينصرف، ثم رأى فيها: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً }تفسير : [الإسراء: 32] فلم ينتهِ ثم رأى فيها: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 281] فلم يَنْجَع، فقال الله عز وجل لجبريل: «أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة» فانحط جبريل عليه السلام وهو يقول: يا يوسفُ أتعملُ عملَ السفهاء وأنت مكتوبٌ في ديوان الأنبـياء؟ وقيل: رأى تمثال العزيزِ، وقيل: إنْ كلَّ ذلك إلا خرافاتٌ وأباطيلُ تمجُّها الآذانُ وتردُّها العقول والأذهانُ ويلٌ لمن لاكها ولفّقها أو سمعها وصدّقها. {كَذٰلِكَ} الكافُ منصوبُ المحلِّ وذلك إشارةٌ إلى الإراءة المدلولِ عليها بقوله تعالى: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ} أي مثلَ ذلك التبصيرِ والتعريفِ عرفناه برهاننا فيما قبل، أو إلى التثبـيت اللازمِ له أي مثلَ ذلك التثبـيتِ ثبتناه {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء} على الإطلاق فيدخل فيه خيانةُ السيِّد دخولاً أولياً {وَٱلْفَحْشَاء} والزنىٰ لأنه مفْرِطٌ في القبح وفيه آيةٌ بـينةٌ وحجةٌ قاطعةٌ على أنه عليه السلام لم يقع منه همٌّ بالمعصية ولا توجَّه إليها قط، وإلا لقيل: لنصرِفَه عن السوء والفحشاء، وإنما توجه إليه ذلك من خارجٍ فصرَفه الله تعالى عنه بما فيه من موجبات العفةِ والعصمةِ فتأمل. وقرىء ليَصرِف على إسناد الصرْف إلى ضمير الرب {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} تعليلٌ لما سبق من مضمون الجملةِ بطريق التحقيقِ، والمخلصون هم الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته بأن عصمهم عما هو قادحٌ فيها، وقرىء على صيغة الفاعل وهم الذين أخلصوا دينهم لله سبحانه وعلى كلا المعنيـين فهو منتظَمٌ في سلكهم داخلٌ في زمرتهم من أول أمره بقضية الجملةِ الاسميةِ لا أن ذلك حدث له بعد أن لم يكن كذلك فانحسم مادةُ احتمالِ صدورِ الهمِّ بالسوء منه عليه السلام بالكلية.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}[24] يعني همَّ بنفسه الطبيعية إلى الميل إليها، وهمَّ بنفس التوفيق والعصمة الفرار منها ومخالفتها. ومعناه أنه عصمه ربه، ولولا عصمة ربه لهمَّ بها ميلاً إلى ما دعته نفسه إليه، وعصمه ما عاين من برهان ربه عزَّ وجلَّ، هو أنه جاءه جبريل صلوات الله عليه في سورة يعقوب عليه السلام عاضاً إصبعه، فولى عند ذلك نحو الباب مستغفراً.

القشيري

تفسير : ما ليس بفعل الإنسان مما يعتريه - بغير اختياره ولا بِكَسْبِه - كان مرفوعاً لأنه لا يدخل تحت التكليف، فلم يكن "الهمُّ" منه ولا منها زَلَّةً، وإنما الزّلَّةُ من المرأة كانت من حيث عَزَمَتْ على ما هَمَّتْ، فأمّا نفسُ الهمّ فليس مما يَكْسِبُه العبد. ويقال اشتركا في الهمِّ وأُفْرِد - يوسف عليه السلام - بإشهاده البرهان. وفي تعيين ذلك البرهان - ما الذي كان؟ - تكلُّفٌ غيرُ محمودٍ إذ لا سبيل إليه إلا بالخَبَرِ المقطوع به. وفي الجملة كان البرهانُ تعريفاً من الحقِّ إياه بآية من آيات صُنْعِه، قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ}تفسير : [فصلت: 53]. وقوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ} صَرَفَ عنه السُّوءَ حتى لم يوجَد منه العزمُ على ذلك الفعل - وإنْ كان منه همٌّ - إلا أن ذلك لم يكن جُرْماً كما ذكرنا. والصَّرْفُ عن الطريق بعد حصول الهمِّ - كشفٌ، والسوءُ المصروفُ عنه هو العزمُ على الزنا والفحشاء أو نفْسُ الزنا، وقد صرفهما الله تعالى عنه. قوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ}: لم تكن نجاتُه في خلاصه، ولكن في صرفِ السوء عنه واستخلاصه.

اسماعيل حقي

تفسير : كما قال تعالى {ولقد همت به} الهم عقد القلب على فعل شيء قبل ان يفعل من خير او شر وهو القصد والمراد همت بمخالطته ومجامعته اذ الهم لا يتعلق بالاعيان اى قصدتها وعزمت عليها عزما جازما بعد ما باشرت مباديها وفعلت ما فعلت من المراودة وتغليق الابواب ودعوته الى نفسها بقولها هيت لك ولعلها تصدت هنالك لافعال اخر من بسط يدها اليه وقصد المعانقة وغير ذلك مما يضطره الى الهرب نحو الباب والتأكيد لدفع ما عسى يتوهّم من اختصاص اقلاعها عما كانت عليه بما فى مقالته من الزواجر {وهمّ بها} بمخالطتها اى مال اليها بمقتضى الطبيعة البشرية وشهوة الشباب ميلا جبليا لا يكاد يدخل تحت التكليف لا قصدا اختياريا لانه كما انه بريء من ارتكاب نفس الفاحشة والعمل الباطل كذلك بريء من الهمّ المحرم وانما عبر عنه بالهمّ لمجرد وقوعه فى صحبة همها فى الذكر بطريق المشاكلة لا لشبهة به ولقد اشير الى تباينهما بانه لم يقل ولقد هما بالمخالطة او هم كل منهما بالآخر. قال حضرة الشيخ افتاده قدس سره {وهمّ بها} اى هجم للطبيعة فقمع مقتضاها ولم يعط حكمها فان عدم تقاضيها نقصان بل الكمال ان لا يعطى لها حكمها مع غاية التوقان فيترقى به الانسان وينال المراتب العالية عند الرحمن الا ترى ان العنين لا يمدح على ترك الجماع: وفى المثنوى شعر : هين مكن خودرا خصى رهبان مشو زانكه عفت هست شهوترا كرو بى هوا نهى ازهوا ممكن نبود هم غزابا مرد كان نتوان نمود تفسير : قال الشافعى اربعة لا يعبأ الله بهم يوم القيامة زهد خصى وتقوى جندى وامانة امرأة وعبادة صبى وهو محمول على الغالب كما فى المقاصد الحسنة -وروى- فى الخبر انه ليس من نبى الا وقد اخطأ وهم بخطيئة غير يحيى بن زكريا ولكنهم كانوا معصومين من الفواحش. فمن نسب الى الانبياء الفواحش كالعزم على الزنى ونحوه الذى يقوله الحشوية فى يوسف كفر لانه شتم لهم كذا فى القنية. قال بعض ارباب الاحوال كنت بمجلس بعض القصاص فقال ما سلم احد من هوى ولا فلان وسمى من لا يليق ذكره فى هذا المقام العظم الشأن فقلت اتق الله فقال ألم يقل (حبب الىّ) فقلت ويحك قال حبب ولم يقل احببت ثم قال خرجت بالهمّ فرأيت النبى عليه السلام فقال لا تهتم فقد قتلناه قال فخرج ذلك القاص الى بعض القرى فقتله بعض قطاع الطريق {لولا ان رأى برهان ربه} اى حجته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنى. والمراد برؤيته لها كمال ايقانه ومشاهدته لها مشاهدة واصلة الى مرتبة عين اليقين التى تتجلى هناك حقائق الاشياء بصورها الحقيقة وتنخلع عن صورها المستعارة التى بها تظفر فى هذه النشأة على ما نطق به قوله عليه السلام "حديث : حفت الجنة بالمكاره وخفت النار بالشهوات" تفسير : وكأنه قد شاهد الزنى بموجب ذلك البرهان النير على ما هو عليه فى حد ذاته اقبح ما يكون. وجواب لولا محذوف يدل عليه الكلام اى لولا مشاهدته برهان ربه فى شأن الزنى لجرى على موجب ميله الجبلى لعدم المانع الظاهر ولكنه حيث كان شاهدا له من قبل استمر على ما هو عليه من قضية البرهان وفائدته هذه الشرطية بيان ان امتناعه لم يكن لعدم مساعدة من جهة الطبيعة بل بمحض العفة والنزاهة مع وفور الدواعى الداخلية وترتب المقدمات الخارجية الموجبة لظهور الاحكام الطبيعية هذ.ا وقد نص ائمة الصناعة على ان لو فى امثال هذه المواقع جار من حيث المعنى لا من حيث الصيغة مجرى التقييد للحكم المطلق كما فى مثل قوله تعالى {أية : ان كاد ليضلنا عن الهتنا لولا ان صبرنا عليها} تفسير : فلا تتحقق هناك همّ اصلا وقالوا البرهان ما رأى فى جانب البيت مكتوبا ولا تقربوا الزنى او قال له ملك تهمّ بفعل السفهاء وانت مكتوب فى ديوان الانبياء او انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عاضا على يديه وبه كان يخوف صغيرا او رأى شخصا يقول له يا يوسف انظر الى يمينك فنظر فرأى ثعبانا اعظم ما يكون فقال هذا يكون فى بطن الزانى غدا {كذلك} الكاف منصوب المحل وذك اشارة الى الاراءة المدلول عليها بقوله تعالى {لولا ان رأى برهان ربه} اى مثل ذلك التبصير والتعريف عرفناه برهاننا فيما قبل {لنصرف عنه السوء} خيانة السيد {والفحشاء} والزنى لانه مفرط فى القبح. وفيه آية بينة وحجة قاطعة على انه لم يقع منه هم بالمعصية ولا توجه اليها قط والا لقيل لنصرفه عن السوء والفحشاء وانما توجه اليه ذلك من خارج فصرفه تعالى عنه بما فيه من موجبات العفة والعصمة كما فى الارشاد {انه من عبادنا المخلصين} الذين اخلصهم الله لطاعة بان عصمهم مما هو قادح فيها وفيه دليل على ان الشيطان لم يجد الى اغوائه سبيلا ألا يرى الى قوله {أية : فبعزتك لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين } تفسير : قال فى بحر العلوم واعلم انه تعالى شهد ببراءته من الذنب ومدحه بانه من المحسنين وانه من عباده من المخلصين فوجب على كل احد ان لا يتوقف فى نزاهته وطهارة ذيله وعفته وتثبته فى مواقع العثار. قال الحسن لم يقص الله عليكم ما حكى من اخبار الانبياء تعبيرا لهم لكن لئلا تقنطوا من رحمته لان الحجة للانبياء الزم فاذا اقبلت توبتهم كان قبولها من غيرهم اسرع وعدم ذكر توبة يوسف دليل على عدم معصيته لانه تعالى ما ذكر معصية عن الانبياء وان صغرت الا وذكر توبتهم واستغفارهم منها كآدم ونوح وداود وابراهيم وسليمان عليهم السلام والاشارة ان يوسف القلب وان بلغ اعلى مراتبه فى مقام الحقيقة وفنائه عن صفات الانانية واستغراقه فى بحر صفات الهوية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا مادام هو فى بيتها وهو الجسد فان الجسد للقلب بيت دنيوى. فالمعنى انه {وراودته} يوسف القلب زليخا الدنيا {التى هو} يوسف القلب {فى بيتها} اى فى الجسد الدنيوى اى {عن نفسه} لما رأت فى نفسه لتعلقه بالجسد داعية الاحتظاظ من الحظوظ الدنيوية ليحتظ منها وتحتظ منه {وغلقت الابواب} وهى ابواب اركان الشريعة يعنى اذا فتحت الدنيا على القلب ابواب شهواتها وحظوظها غلقت عليه ابواب الشريعة التى تدخل منها انوار الرحمة والهداية ونفحات الالطاف والعناية {وقالت} اى الدنيا {هيت لك} اقبل الى واعرض عن الحق {قال} يعنى القلب الفانى عن نفسه الباقى بربه {معاذ الله} اى فياذى بالله مما سواه {انه ربى} الذى ربانى بلبان الطاف ربوبيته {احسن مثواى} اى مقامى فى عالم الحقيقة فلا اعرض عنه {انه لا يفلح الظالمون} الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى {ولقد همت به} اى همت الدنيا بالقلب لما ترى فيه من الحاجة الضرورية الانسانية اليها {وهم بها} اى هم القلب بها فوق الحاجة الضرورية اليها لمشاركة النفس الحريصة على الدنيا ولذاتها {لولا ان رأى} القلب {برهان ربه} وهو نور القناعة التى من نتائج نظر العناية الى قلوب الصادقين {كذلك لنصرف عنه} عن القلب بنظر العناية {السوء} هو الحرص على الدنيا {والفحشاء} وهو لصرف حب الدنيا فيه {انه} قلب كامل {من عبادنا} لا من عباد الدنيا وغيرها {المخلصين} مما سوانا اى المخلصين من جنس الوجود المجازى الموصلين الى الوجود الحقيقى وهذا مقام كمالية القلب ان يكون عبد الله حرا عما سواه فانيا عن اوصاف وجوده باقيا باوصاف ربه كذا فى التأويلات النجمية ـ حكى ـ عن على بن الحسن انه كان فى البيت صنم فقامت زليخا وسترته بثوب فقال لها يوسف لم فعلت هذا قالت استحييت منه ان يرانى على المعصية شعر : دورن برده كرم جايكاهش كه تانبود بسوى من نكاهش زمن آيين بى دينى نبيند درين كارم كه مى بينى نبيند تفسير : فقال يوسف أتستحيين ممن لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه وانا احق ان استحيى من ربى الذى خلقنى فاحسن خلقى. قال فى التبيان ان يوسف لما رأى البرهان قام هاربا مبادرا الى الباب فتبعته زليخا وذلك قوله تعالى

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة، ونافع {المخلصين} بفتح اللام. الباقون بكسرها. قال أبو علي حجة من كسر اللام قوله {أية : أخلصوا دينهم}تفسير : ومن فتح اللام، فيكون بنى الفعل للمفعول به، ويكون معناه ومعنى من كسر اللام واحد، فاذا أَخلصوا هم دينهم فهم مخلصون، واذا أُخلصوا فهم مخلصون. ومعنى (الهمّ) في اللغة على وجوه، منها: العزم على الفعل، كقوله {أية : إذ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم}،تفسير : أي أرادوا ذلك وعزموا عليه. ومثله قول الشاعر: شعر : هممت ولم افعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله تفسير : وقال حاتم طي: شعر : ولله صعلوك تساور همه ويمضي على الأيام والدهر مقدما تفسير : ومنها: خطور الشيء بالبال، وان لم يعزم عليه. كقوله {أية : اذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما}تفسير : والمعنى ان الفشل خطر ببالهم، ولو كان الهم ها هنا عزماً لما كان الله وليهما، لأنه قال {أية : ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال او متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله}،تفسير : وارادة المعصية والعزم عليها معصية بلا خلاف، وقال قوم: العزم على الكبير كبير، وعلى الكفر كفر، ولا يجوز أن يكون الله وليّ من عزم على الفرار عن نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم ويقوى ذلك ما قال كعب ابن زهير: شعر : فكم فيهم من سيد متوسع ومن فاعل للخير إن هم أو عزم تفسير : ففرق بين الهم والعزم وظاهر التفرقة يقتضي اختلاف المعنى، ومنها المقاربة يقولون: هم بكذا، وكذا أي كاد يفعله قال ذو الرّمة: شعر : أقول لمسعود بجرعاء مالك وقد هم دمعي ان تسيح اوائله تفسير : والدمع لا يجوز عليه العزم، وانما أراد كاد، وقارب، وقال ابو الاسود الدؤلي: شعر : وكنت متى تهمم يمينك مرة لتفعل خيراً يعتقبها شمالكا تفسير : وعلى هذا قوله تعالى {أية : جداراً يريد ان ينقض}تفسير : أي يكاد وقال الحارثي: شعر : يريد الرمح صدر ابي براءٍ ويرغب عن دماء بني عقيل تفسير : ومنها الشهوة وميل الطباع، يقول القاتل فيما يشتهيه ويميل طبعه ونفسه اليه هذا من همي، وهذا أهم الاشياء الي. وروي هذا التأويل في الآية عن الحسن. وقال: اما همها وكان اخبث الهم، واما همه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء، واذا احتمل الهم هذه الوجوه نفينا عنه (ع) العزم على القبيح واجزنا باقي الوجوه، لان كل واحد منها يليق بحال، ويمكن ان يحمل الهم في الآية على العزم، ويكون المعنى، وهم بضربها ودفعها عن نفسه، كما يقول القائل كنت هممت بفلان اي بأن اوقع به ضرباً او مكروهاً, وتكون الفائدة على هذا الوجه في قوله {لولا أن رأى برهان ربه} مع ان الدفع عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها، إنه لما هم بدفعها اراه الله برهاناً على انه ان اقدم على ما يهم به، اهلكه اهلها وقتلوه، وانها تدّعي عليه المراودة لها على القبيح وتقذفه بأنه دعاها اليه وضربها لامتناعها منه، فأخبر تعالى انه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشا اللذين هما القتل والمكروه او ظن القبيح واعتقاده فيه. فان قيل هذا يقتضي ان جواب {لولا} تقدمها في ترتيب الكلام، ويكون التقدير: لولا ان رأى برهان ربه لهمّ بضربها، وتقدم جواب {لولا} قبيح او يقتضي ان تكون {لولا} بغير جواب!. قلنا: اما تقدم جواب {لولا} فجائز مستعمل وسنذكر ذلك فيما بعد، ولا نحتاج اليه في هذا الجواب، لان العزم على الضرب والهم به وقعا إِلا انه انصرف عنها بالبرهان الذي رآه، ويكون التقدير ولقد همت به، وهم بدفعها لولا ان رأى برهان ربه، لفعل ذلك، فالجواب المتعلق بـ {لولا} محذوف في الكلام، كما حذف في قوله {أية : ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم}تفسير : معناه، ولولا فضل الله عليكم لهلكتم ومثله {أية : كلا لو تعلمون علم اليقين}تفسير : لم تنافسوا في الدنيا وتحرصوا على حطامها، وقال امرؤ القيس: شعر : فلو انها نفس تموت سوّية ولكنها نفس تساقط انفسا تفسير : والمعنى فلو انها نفس تموت سوية لنقصت وفنيت، فحذف الجواب تعويلاً على ان الكلام يقتضيه، ولا بد لمن حمل الآية على انه هم بالفاحشة ان يقدر الجواب، لان التقدير، ولقد همت بالزنا وهم بمثله، و {لولا أن رأى برهان ربه} لفعله. وانما حمل همّها على الفاحشة وهمّه على غير ذلك، لأن الدليل دل من جهة العقل والشرع على ان الانبياء، لا يجوز عليهم فعل القبائح، ولم يدل على انه لا يجوز عليها ذلك بل نطق القرآن بأنها همت بالقبيح، قال الله تعالى {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه}. وقوله حاكياً عنها {الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإِنه لمن الصادقين} وقال {قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} واجمعت الأمة من المفسرين واصحاب الاخبار على انها همت بالمعصية، وقد بين الله تعالى ذلك في مواضع كثيرة ان يوسف لم يهم بالفاحشة. ولا عزم عليها منها قوله {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} وقوله {إنه من عبادنا المخلصين} ومن ارتكب الفاحشة لا يوصف بذلك وقوله {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} ولو كان الأمر على ما قاله الجهال من جلوسه مجلس الخائن وانتهائه الى حل السراويل، لكان خائناً، ولم يكن صرف عنه السوء والفحشاء. وقال ايضاً {ولقد راودته عن نفسه، فاستعصم} وفي موضع آخر حكاية عنها {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} وقوله حكاية عن العزيز حين رأى القميص قد من دبر {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم} فنسب الكيد اليها دونه، وقوله ايضاً {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} فخصها بالخطاب وأمرها بالاستغفار دونه. وقوله {رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه. وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن} والاستجابة تقتضي براءة ساحته من كل سوء، ويدل على انه لو فعل ما ذكروه، لكان قد صبا ولم يصرف عنه كيدهن. وقوله {قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء} والعزم على المعصية من اكبر السوء. وقوله حاكياً عن الملك {ائتوني به استخلصه لنفسي، فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} ومن فعل ما قاله الجهال لا يقال له ذلك. ووجه آخر في الآية: إذا حمل الهم على ان المراد به العزم، وهو ان يحمل الكلام على التقديم والتأخير، ويكون التقدير ولقد همت به ولولا ان رأى برهان ربه لهم بها ويجري ذلك مجرى قولهم: قد كنت هلكت، لولا اني تداركتك، وقتلت لولا اني خلصتك، والمعنى لولا تداركي لك لهلكت ولولا تخليصي لك لقتلت، وان لم يكن وقع هلاك ولا قتل قال الشاعر: شعر : فلا يدعني قومي صريحاًً لحرة لئن كنتُ مقتولاً ويسلم عامر تفسير : وقال آخر: شعر : فلا يدعني قومي صريحاً لحرَّة لئن لم أُعجل طعنة أو اعجل تفسير : فقدم جواب (لئن) في البيتين جميعاً. وقال قوم: لو جاز هذا لجاز أَن تقول: قام زيد لولا عمرو، وقصد زيد لولا بكر، وقد بينا ان ذلك غير مستبعد، وان القائل قد يقول: قد كنت قمت لولا كذا، وكذا، وقد كنت قصدتك لولا ان صدني فلان، وان لم يقع قيام ولا قصد. على ان في الكلام شرطاً، وهو قوله {لولا أن رأى برهان ربه} فكيف يحمل على الاطلاق. والبرهان الذي رآه، روي عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد: انه رأى صورة يعقوب عاضّاً على أنامله. وقال قتادة: انه نودي يا يوسف أنت مكتوب في الانبياء وتعمل عمل السفهاء. وروي في رواية أخرى عن ابن عباس: انه رأى الملك. وهذا الذي ذكروه كلّه غير صحيح، لان ذلك يقتضي الالجاء وزوال التكليف، ولو كان ذلك لما استحق يوسف على امتناعه من الفاحشة مدحاً ولا ثواباً، وذلك ينافي ما وصفه الله تعالى. من انه صرف عنه السوء والفحشاء، وانه من عبادنا المخلصين. ويحتمل ان يكون البرهان لطفاً لطف الله تعالى له في تلك الحال او قبلها، اختار عنده الامتناع من المعاصي، وهو الذي اقتضى كونه معصوماً ويجوز ان تكون الرؤية بمعنى العلم، وقال قوم: البرهان هو ما دل الله تعالى يوسف على تحريم ذلك الفعل، وعلى ان من فعله استحق العقاب، لان ذلك صارف عن الفعل ومقوِّي لدواعي الامتناع، وهذا ايضا جائز، وهو قول محمد بن كعب القرطي واختيار الجبائي.

الجنابذي

تفسير : بيان البرهان الّذى رآه يوسف (ع) {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} بمخالطته وقصدت الفجور {وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} همّ بها فى المعنى جزاء للولا كأنّه قال: لولا ان رآى برهان ربّه لهمّ بها يعنى انّ ترك الهمّة منه كان مسبّباً عن رؤية برهان الرّبّ لا عن امرٍ آخر من عننٍ وضعفٍ او مانعٍ، وتقديم الجزاء لايهام تحقّق الهمّة اشعاراً بقوّة المقتضى من حيث بشريّته وعدم المانع من قبلها بل شدّة الاقتضاء منها وعدم مانع آخر لكونهما فى بيتٍ خالٍ من الاغيار وعدم احتمال دخول النّظّار وهذا غاية المدح له (ع) وقيل: الكلام ليس على تقدير التّقديم والتّأخير والمعنى وهمّ بها لولا ان رآى برهان ربّه لعزم على المخالطة او لفعل، لكنّ الهمّة عبارة عن الشّهوة الفطريّة والرّغبة الاضطراريّة والخطرة القلبيّة الّتى لا مدخليّة للاختيار فيها وهو بعيد عن مفهوم الهمّة لغة وعرفاً، فان المتبادر من الهمّة هيجان النّفس للفعل بعد تصوّره والرّغبة فيه اختياراً وهو بعيد عن عصمة الانبياء وحرمتهم (ع). وورد فى الاخبار ما يشعر بعدم تقدير التّأخير لكن فرّق بين الهمّتين وانّ المعنى ولقد همّت بمخالطته وهمّ بالفرار او بقتلها لو الجأتها او بدفعها او بوعظها لولا ان رأى برهان ربّه لهمّ بمخالطتها بحسب بشريّته. وقالت جماعة من المعترفين بجواز الخطاء على الانبياء (ع): انّه همّ بمخالطتها وقالوا ما لا يليق بادنى عبدٍ من عباد الله ممّا لا ينبغى ذكره. ونسبوا الى الباقر (ع) انّه نقل عن امير المؤمنين (ع) انّه همّ ان يحلّ التّكّة، وذكر انّ يوسف (ع) حين قال اظهاراً لطهارته ذلك ليعلم انّى لم اخنه بالغيب نزل جبرئيل (ع) وقال: ولا حين هممت يا يوسف؟ فقال يوسف (ع) وما ابرّئ نفسى انّ النّفس لامّارة بالسّوء، وحاشا مقام النّبوّة عن التّلوّث بامثال هذه الخطايا، والعجب انّهم يذكرون انّ الله تعالى أخذ يوسف (ع) حين قال: ربّ السّجن احبّ الىّ، بالسّجن بسبب توجّهه الى السّجن وغفلته عن العصمة واخذه (ع) حين قال اذكرنى عند ربّك، بتوسّله الى المخلوق باللبّث فى السّجن بضع سنين ولم يذكروا انّه تعالى أخذه بتلك المعصية العظيمة كأنّهم سفّهوا الحقّ تعالى بالمؤاخذة على الالتفات الى الغير فى محضر حضوره وعدم المؤاخذة على المخالفة وارتكاب معصية عظيمة فى حضوره بل ذكروا انّ الآية فى مدحه (ع) بطهارة ذيله، ولو كانت كما ذكروها لكانت غاية الذّمّ له (ع)، وقد ذكر انّ كلّ من كان له ارتباط بتلك الواقعة شهد بطهارته وهم اغمضوا عن ذلك ونسبوه الى التّلوّث، فانّ الله تعالى قال كذلك لنصرف عنه السّوء والفحشاء، والعزيز قال انّه من كيدكنّ والشّاهد الصّبىّ قال: ان كان قميصه قدّ من قبل الى الآخر والنّسوة قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوءٍ وزليخا قالت الآن حصحص الحق انا راودته عن نفسه وانّه لمن الصّادقين وابليس قال: {أية : وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر:39] وقد كان بنصّ الآية من المخلصين. والمراد بالبرهان هو السّكينة الّتى كانت تنزل على الانبياء (ع) والمؤمنين وبها كانت نصرتهم على الاعداء فى العالم الكبير والصّغير، وقد مضى انّها تجلّى ملكوت الشّيخ على صدر السّالك وانّها الاسم الاعظم الّذى يفرّ منه الشّيطان، وقد كان شيخ يوسف (ع) الّذى تاب على يده وبايعه البيعتين اباه يعقوب (ع)، وبرهان الرّبّ هو صورته الملكوتيّة النّازلة على صدره، وذكر الرّؤية يشعر بها وفى الاخبار ما يدلّ عليه نصّاً او اشعاراً، واختلاف الاخبار فى تفسير البرهان يمكن رفعه بما ذكر، فقد ورد انّ البرهان كان جبرئيل (ع) لانّه نزل حين همّتها وقال: يا يوسف (ع) اسمك فى الانبياء مكتوب فلا يكوننّ عملك عمل الفجّار، وورد انّه رأى صورة يعقوب (ع)، ونقل انّه رأى يداً بينه وبين زليخا، وفى اخبارنا انّ البرهان ما قاله لها حين سترت الصّنم: انت تستحيين من صنمٍ لا يبصر ولا يسمع وانا لا استحيى ممّن خلق الانسان وعلّمه؟! ونقل انّ البرهان اسم ملك او انّ طيراً ظهر عليه او انّ حوراء من حور الجنّة ظهرت عليه او انّه ايّد بالنّبوّة حين مراودتها، وقد قيل فيه اشياء اخر لا ينبغى ذكرها، والحقّ انّ البرهان هو ما ذكرنا انّه لغاية الانزجار عن مراودتها والدّهشة عن محادثتها انسلخ عن البشريّة واتّصل بعالم الملكوت وفاز بشهود الملكوت وانوارها واستلذّ بجمال شيخه بحيث لم يبق له حالة توجّه والتفات الى زليخا ومحادثتها، وما ورد فى الاخبار من انكار ظهور يعقوب (ع) او جبرئيل (ع) او غيرهما فانّما هو باعتبار ما يذكره العامّة من انّه ظهر حين اراد يوسف (ع) الفجور ومنعه عن الفجور فالانكار فى الحقيقة راجع الى ما يستفاد من قولهم من الاشعار بهمّة يوسف (ع) للفجور {كَذَلِكَ} امّا متعلّق بقوله تعالى همّ بها اى همّ بها مثل همّها به، وتخلّل لولا ان رأى بينهما لئلاّ يتوهّم تحقّق همّه مثل همّها وانقطاع لولا ان رأى عمّا قبله وقوله {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ} جواب سؤالٍ بتقدير اريناه وهذا اوفق بما ورد من تفاسير ائمّتنا (ع) من جعل همّ بها جزاء للولا فى المعنى او هو مع عامله المحذوف جملة مستقلّة ولنصرف متعلّق به اى كذلك عصمناه لنصرف عنه الّسوء اى الخيانة فى حقّ من اكرم مثواه والفحشاء اى الزّنا {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} فى موضع التّعليل وقرئ بفتح اللاّم وكسرها.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} أي: ما أرادته به على نفسها حين اضطجعت له. {وَهَمَّ بِهَا} أي: حلّ سراويله. قال: { لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}. ذكروا عن الحسن أنه قال: زعموا أنه رأى يعقوب في صورته قد فرج عنه سقف البيت عاضاً على إصبعه. وكذلك قال غيره. قال مجاهد: مثل له يعقوب فاستحيى منه. وقال بعضهم: قد مثل له يعقوب، قد فرج سقف البيت، مشرفاً عليه، فصرف الله عند وأذهب كل شهوة كانت في مفاصله. وفي تفسير الكلبي: إنه ملك تشبه بيعقوب. قال الله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ} يعني أنه نبي أخلص بالنبوة. قال بعضهم: فولّى هارباً فاتبعته {وَاسْتَبَقَا البَابَ} فسبقها إلى الباب ليخرج { وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ} أي: شقّته من خلفه. {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا} أي زوجها. ولو لم يعلم حق الزوج وحرمته، إلا أن الله سمّاه سيداً، أي: سيداً للمرأة. قال: وألفينا سيّدها. { لَدَا الْبَابِ} أي: عند الباب. { قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً} تعني الفاحشة { إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع.

اطفيش

تفسير : {وَلقدْ هَمَّت بهِ} قصدت منه الجماع، {وَهمَّ بها} قصد ذلك فيما قيل. وروى أنها همت به حتى اضطجعت له، وهم بها فحل سراويله، قلت: هذا لا يصح فى جنبه، وأما الأول فإن كان هم عزم فالواجب أن ننزهه عنه، وإن كان هم طبع ضروريا، فلا إِشكال بل بمدافعته يقوى الأجر له لشدة مكابدته بالدفع، ولا وزر فى الهم ما لم توطن عليه النفس، وإن وطنت ولم تعمل كتبت عليها خطيئة الهم وهى أدنى من خطيئة العمل، وبهذا يجمع بين حديث: لا تكتب خطيئة على الهم، وحديث: تكتب عليه. قال عياض: والصحيح تنزيههم قبل النبوة أيضا من كل عيب، قيل: لو كان همه كهمها عن عزيمة لما مدحه الله بأنه من المخلصين، وقيل: هم بضربها ودفعها، وقيل: بالنظر إليها، وهذا أيضا لا يجوز أن يعتقد فيه، فإن كان هم عزم، والنظر نظر شهوة وإلا فلا بأس. قال فى زهر الأكمام: ليس كما يقول القصاص والمكذبون والمتشدقون أنه حل العقد وهمّ بها حتى صرفه الله عز وجل بالبرهان ا هـ. وقد زعموا عن ابن عباس: أنه حل العقد، وقعد بين شُعَبها الأربع مستلقية على قفاها، إن ذلك قبل النبوة غير قادح، وذلك زعم باطل وكذب، عن ابن عباس، عن مجاهد: حل سراويله وجعل يعالج ثيابه، قيل: هذا قول الأكثر، ونسب لابن جبير والحسن، وذلك كذب وضع على مجاهد، ومن ذكرهما قال الفخر. وعن الضحاك: جرى الشيطان بينهما وضرب بيده إلى عنق المرأة حتى جمع بينهما، وهذا ضعيف لا يعتقد، وعن ابن عباس: هم بها تمنى أن تكون له زوجة. وفى عرائس القرآن: وأما ما كان من هم يوسف بها وهمها به فقال السدى، وابن إسحاق: لما أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف، جعلت تذكر محاسنه وتشوقه إلى نفسها، فقالت: يا يوسف ما أحسن شعرك! قال: هو أول ما يبلى منى بعد موتى، وأول ماينتثر من جسدى، قالت: يا يوسف ما أحسن عينيك! قال: هما أول ما يسيل، قالت: يا يوسف ما أحسن وجهك! قال: ربى تعالى صورة فى الرحم، قالت: يا يوسف صورة وجهك قد أنحلت جسمى، قال: الشيطان يعينك على ذلك، قالت: يا يوسف الحبيبة قد التهبت ناراً قم فأطفها، قال: إن أطفأتها ففيها إحراقى، قالت: يا يوسف الحبيبة قد عطشت قم فاسقها، قال: من كان المفتاح بيده هو أحق بسقيها، قالت: يا يوسف فراش الحرير قد بسطته قم فاقض حاجتى، قال: إذن يذهب نصيبى من الجنة. قالت: يا يوسف ادخل تحت الستر منى فأسترك به، قال: لا ساتر عن الله إن عصيته، قالت: يا يوسف ضع يدك على صدرى أشتف بذلك، قال: سيدى أحق بذلك منى، قالت: أسقيه سما ويموت، قال: لا أنجو يوم القيامة إن أطعتك. وقيل: معنى همَّ بها هم بالفرار عنها ا هـ. ويجوز أن يكون معنى وهم بها شارف وقارب الهم بها، وعانى هذا فلم يهم أصلا، قال ابن هشام: يعبرون بالفعل عن وقوعه وهو الأصل، وعن مشارفته نحو: {فبلغن أجلهن} أى شارفن انقضاء أجلهن {والذين يتوفون منكم} الآية أى شارفوا التوفى بدليل قوله: {وصية لأزواجهم} {وليخش الذين لو تركوا} أى شارفوا الترك، بدليل، خافوا، وعن القدرة عليه نحو: {إنا كنا فاعلين} أى قادرين على الإعادة. {لَوْلا أنْ رَأى بُرهَانَ ربِّه} جواب لولا محذوف، أى لطاوعها وقضى حاجتها، ويجوز أن يقدر لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، وعلى هذا يكون قوله: {لولا أن رأى برهان ربه} مرتبطا بقوله: {وهمَّ بها} هو دال على جوابها، فيكون لم يهم بها أصلا، كقولك: قام زيد لو قام عمر، فإن زيدا لم يقم لعدم قيام عمرو، وحين كونه بمعنى أنه دليل الجواب، وليس جوابا مقدما، لأن الجواب لا يتقدم خلافا لبعض، إذ الشرط وأداته والجواب ككلمة، وبعض الكلمة لا يتقدم. وأما قول الحسن بن الفضل: أن فى الكلام تقديما وتأخير معناه: ولقد همت به لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، فتقدير معنى، وإن أراد تقدير إعراب فمن القول الضعيف، ورأى فى تأويل مصدر مبتدأ محذوف الخبر، أى لولا لرؤيته لبرهان ربه موجودة، وذلك البرهان مختلف فيه. قال فى عرائس القرآن: عن ابن عباس أنه مثل له يعقوب فضربه بيده على صدره، فخرجت شهوته من أنامله، وعن الحسن، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك: انفرج ليوسف سقف البيت، فرأى أباه عاضا على أصبعه، وكان قد ولد كل واحد من أولاد يعقوب اثنى عشر ولدا إلا يوسف، فإنه ولد له أحد عشر ولدا من أجل ما نقص من شهوته، حين رأى صورة أبيه وقت همَّ بها استحياء منه. وقال قتادة: رأى صورة يعقوب قال له: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب فى ديوان الأنبياء، وعن السدى: نودى: يا يوسف أتواقعها إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير الذى فى جو السماء لا يطاق، ومثلك إذا واقعتها مثله إذ مات ووقع فى الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. وعن مجاهد، عن ابن عباس: حل سراويله، وقعد منها مقعد الرجل من امرأته، وهو كذب كما مر، فإن بكفّ قد بدت فيما بينهما لا عضد ولا معصم لها، مكتوب فيها {أية : وإن عليكم لحافظين * كرام كاتبين * يعلمون ما تفعلون}تفسير : فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته: إذا بكف كذلك مكتوب فيها: {واتقوا يوما ترجعون فيه} إلى {يظلمون} فقام وقامت، ولما ذهب الروع عادت وعاد، فلما قعد منها كذلك قال الله جل وعلا: أدرك عبدى قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل عليه السلام عاضا على أصبعه يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء، وأنت عند الله مكتوب من الأنبياء، وفى رواية: أتعمل عمل الأشقياء وأنت مكتوب فى ديوان الأنبياء، وإن فى الكف فى المرة الأولى:{أية : وإن عليكم لحافظين}تفسير : الخ، وفى الثانية:{أية : ولا تقربوا الزنى}تفسير : الخ، وفى الثالثة:{أية : واتقوا يوما ترجعون}تفسير : ولم يؤثر ذلك فيه حتى نزل جبريل فقال ذلك. وذلك كله خطأ فى حق نبى، كيف ينهاه ربه ثلاث مرات ولا يؤثر فيه ذلك، ولو أن أقبح الزناة وأوقحهم رأى تلك الكف أو نحوها لم يبق فيه عضو يتحرك، فضلا عن أن ينتشر له ذكر، ولو صدر منه حاشاه لتاب عقب ذلك، فيذكر الله توبته بعد ذكر ما صدر منه، فإنه ما ذكر عن نبى زلة إلا عقبها بذكر توبته كآدم ونوح وداود وأيوب وذى النون، وقد وصفه الله تعالى بصرف السوء عنه، وذلك من جملة السوء لو فعله. وقد جزم بعض بأن همه إنما هو بضربها ودفعها، وأن فائدة البرهان مع هذا الامتناع من ضربها، إذ لو ضربها لقتلته، فالبرهان إعلامه بأن لا يضربها، وحرفه عن ضربها، وأنه لو اشتغل بدفعها وضربها لتعلقت به، فيتمزق القميص من قبل، وكان فى علم الله أنه يتمزق من دبر، فتتم به شهادة الشاهد. وعن الكلبى: انفرج سقف البيت، وتمثل له ملك بيعقوب، وذلك البرهان، وعن السدى: مثلك ما لم تواقعها كالطائر فى الجو، وكالثور الصعب، ومثلك إذا واقعتها مثلهما إذا ماتا ووقعا فى الأرض، فتعلق النمل بأذن الثور وبالطائر، ولا يدفعان عن نفسهما. وعن محمد بن كعب: رأى فى حائط بعد ما رفع رأسه للسقف مكتوبا: {ولا تقربوا الزنى} إلى: {سبيلا} وكذا عن ابن عباس. وقال على بن الحسن: كان لها صنم فسترته، فقال: لمه؟ فقالت: وقد استحييته أن يرانى على ذلك، فقال: هو لا يسمع ولا يبصر ولا وقد استحييت منه، فكيف لا تستحين ممن يرى ويسمع، فهرب. وقال جعفر بن محمد: البرهان النبوة، وقيل: علمه بتحريم الزنى من قبل ذلك، وهو حجة الله عليه، وعلمه بالعقاب، وقيل تطهير الله جل وعلا نفوس الأنبياء عن الدنس، وقد أعطاه العلم والحكمة، ليغلب شهوته، ويكون سببا للعصمة، وقيل: تمثل له قطفير فاستحى، وقيل: البرهان كف بلا ذراع مكتوب فيها:{أية : ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه}تفسير : وقيل هو طائر وقع بكتفه وقال فى أذنه: لا تفعل، فإن فعلت سقطت عن درجة النبوة. {كذلك} خبر لمحذوف، أى الأمر ثابت كذلك، أو الأمر مثل ذلك أو نعت لمصدر محذوف مع عامله، أى ثبتناه تثبيتا كاتبا كذلك، أو تثبيتا مثل ذلك، والإشارة لما يتضمنه قوله: {لولا أن رأى برهان ربه} من امتناعه من موافقتها، أو لما يتضمنه قوله: {معاذ الله} الآية من ذلك، أو قوله: {آتيناه حكما وعلما} ويجوز أن يقدر عصمتنا له كذلك، أو أريناه البرهان كذلك، أو جرت أقدارنا كذلك. {لِنصْرفَ} متعلق بما يقدر للكاف على الأوجه المذكورة {عَنْه السُّوءَ} خيانة السيد {والفَحْشاءَ} الزنى، وقيل: السوء مقدمات الزنى من نظر ومس وقبلة، والفحشاء الزنى {إنَّه مِنْ عِبادِنا المخْلَصِينَ} بفتح اللام أى الذين أخلصهم الله لطاعته، واصطفاهم للنبوة، قال أبو عمر والدانى: الكوفيون: ونافع المخلصين بفتح اللام حيث واقع إذا كان فيه ألف ولام، والباقون بكسرها، ا هـ. وكذا يعقوب يكسر إذا كان أل والمعنى على الكسر الذين أخلصوا دينهم لله، والمراد بالمخلصين بفتح أو كسر العموم فى الأنبياء، وقيل: العموم مطلقا وهو أصح، وقيل آباء يوسف أى هو متولد وناشئ منهم لأنه من ذرية إبراهيم.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} قصدت منه المباشرة بعزم قوى حتى أَنها مدت يدها وقصدت المعانقة، ويوقف هنا ويبدأُ بقوله: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ ربِّهِ} فهو لم يهم بها لأنه رأَى برهان ربه، ولولا للامتناع وهو نفى كأَنه قيل لولا أَن رأى برهان ربه لهمَّ بها، وربه الله، وقوله ربى بمعنى الله فالمعرفة عين الأُولى وإن كان ربى بمعنى العزيز زوج زليخا فمن المعرفة المعادة مغايرة للأُولى؛ إِلا أَن يراد مطلق الملك والسيادة ولو كانت لله حقيقة ولغيره توسعا، فالأَولى أَن يجعل ربى بمعنى الله لبعد أَن يقر نبى الله بأَنه عبد لمخلوق أَو تحت حكمه، وقيل: إِن يوسف هم بها بالطبع ولا يكلف عليه لأَنه ضرورى فلا عقاب عليه ولا ذم بل مدح لكونه عصى هذا الهم لله عز وجل أَو شارف الهم بها بأَن يميل، ولم يمل كمن صام رمضان واشتد عليه العطش فنفسه يعجبها الشرب ولم يقصد أَن يشرب، وسمى ما ليس هما بهم للمشاكلة، وعلى هذين فجواب لولا محذوف لم يتقدم ما يغنى عنه، أًى لولا أَن رأى برهان ربه لفعل، وعلى هذين يوقف على هم بها لا على همت به، وما ذكرته أَولى، ولا يقال لو كان البدء بهمَّ بها لقرن بلام الجواب إِذ كان مغنيا عن جوابها؛ لأَنا نقول: إٍنما يقرن جوابها المتأَخر لا مغن عنه متقدم، مع أَن قرن جوابها باللام غير واجب، ولسنا نقول إِنه جواب مقدم وجواب لولا لا يقدم، ولما كان مغنيا عن جوابها صح له الاستقبال، كما تقول: زيد إٍن قمت تريد يقوم زيد إن قمت، وحرم ما قيل إِنه همَّ بها وحل سراويله، وما قيل إنه قعد بين رجليها، والقول بذاك فى نبى فسق، والحجة فى ذلك عصمة الأَنبياءِ قبل البعثة وبعدها، لا قوله: هى راودتنى بل قوله: {لنصرف عنه السوءً} لأًن ذلك سوءٌ، وقوله: {أية : لم أَخنه بالغيب} تفسير : [يوسف: 52]؛ لأَن ذلك خيانة، ولا قوله: "أية : الان حصحص الحق"تفسير : [يوسف: 51] إِلخ، ولا قوله: "أية : ما علمنا عليه من سوءِ"تفسير : [يوسف: 51] لأَنها قد لا تعد حل السراويل والقعود بين الرجلين سوءاً، لأَنه ترك ذلك، وبرهان ربه أًنه مثل له يعقوب فضرب بيده صدره فخرجت شهوته من أَنامله، أَو قال له: أَتعمل عمل السفهاءِ وأَنت مكتوب فى الأَنبياءِ، أَو انفرج سقف البيت فرآه عاضّاً على أُصبعيه، أَو رأَى مكتوبا فى حائط: " أية : ولا تقربوا الزنى إِنه كان فاحشة وساءَ سبيلا" تفسير : [الإِسراء: 32] وإنها سترت حينئِذ صنما لها، فقال: لم؟ فقالت: حياءً منه، فقال: أَنا أَحق بالحياءِ من ربى، ففر، أَو نودى: أَتواقعها، مثلك ما لم يواقعها كطائِر فى الجو لا يطاق وكثور صعب لا يطاق وإِن واقعتها فكطائر على الأًرض مكسور الجناح لا يدفع عن نفسه، وكبقرة ذبحت لا تدفع عن نفسها، أَو أَنه رأَى معصما بلا كف كتب عليه: "أية : وإن عليكم لحافظين، كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون"تفسير : [الإِنفطار: 10 - 12] فهرب ثم رجع فعاد المعصم، وعليه: "أية : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله"تفسير : [البقرة: 281] فهرب ثم رجع فعاد فأًوحى الله إلى جبريل أَدرك عبدى قبل أَن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل عاضا على أُصبعه يقول: يا يوسف أَتعمل عمل السفهاءِ وأَنت مكتوب عند الله من الأًنبياءِ، وقيل: انحط فمسه بجناحيه فخرجت شهوته من أَنامله، وما ذكر من الذهاب إِليها لا يصح عندنا ولو عقبه الرجوع {كَذَلِكَ} أًريناه البرهان إِراءَةَ مثل ذلك أًو عصمناه مثل ذلك وهى نفس ذلك فهذا تأْكيد، ويجوز فى مثل ذلك أَن يشبه شأْن الإِخبار بشأْن ما عنه الإِخبار، ويجوز أَن يراد الأَمر كذلك أو العصمة كذلك، ويجوز كون الكاف فى ذلك ونحوة صلة أَى الأَمر ذلك، أَو أَثبتنا ذلك، أَو جرت أَفعالنا أًو أَقدارنا، والفعل أَولى لأَنه أَشد مناسبة لتعليق اللام به من قوله: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} والإِشارة إِلى الرأْى مصدر رأى وهو مذكر؛ لا إٍلى الرؤْية بتأْويل ما ذكر، ولم يقل لنصرفه عن السوءِ للدلالة على كمال عصمته عليه السلام حيث لم يتوجه إِلى السوءِ والفحشاءِ قط، ولا تأَهل للتوجه إِليهما أَو للقرب إِليهما، وإِنما توجه إِليها ذلكَ من خارج فصرف منه، ولكن المتعارف الصرف عن العقلاءِ لا صرفهم عن غيرهم، غير أَنه قد ورد مثل ذلكَ كما يقال: كفه الله عن المعصية وأَخلصه منها، والسوءُ خيانة الزوج، والفحشاءُ الزنا، أَو السوءُ مقدمات الزنا من نظر والقبلة والمس، وذلكَ مناسب للحال والمقام، ويجوز أَن يراد مطلق السوءِ والفحشاءِ فيدخل ما ذكر فى العموم أَو هما واحد، سمى سوءاً من حيث إِنه ضار وفحشاء من حيث قبحه، ويناسب هذا قولها "أية : من أَراد بأَهلك سوءاً"تفسير : [يوسف: 25] {إِنَّهُ} تعليل جملى أَى لأَنه {مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} الذين اصطفيناهم للعبادة على الإِطلاق، وهو أًيضاً من ذرية إِبراهيم،ومن قوله: "أية : إِلا عبادك منهم المخلصين"تفسير : [الحجر: 40] ومن قوله تعالى: "أية : إِنا أَخلصناهم" تفسير : [ص: 46].

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} أي بمخالطته إذ الهم سواء استعمل بمعنى القصد والإرادة مطلقاً أو بمعنى القصد الجازم والعقد الثابت كما هو المراد هٰهنا لا يتعلق بالأعيان. والمعنى أنها قصدت المخالطة وعزمت عليها عزماً جازماً لا يلويها عنه صارف بعد ما باشرت مباديها وفعلت ما فعلت مما قص الله تعالى، ولعلها تصدت هنالك لأفعال أخر من بسط يدها إليه وقصد المعانقة وغير ذلك مما اضطره عليه السلام إلى الهرب نحو الباب، والتأكيد لدفع ما عسى يتوهم من احتمال إقلاعها عما كانت عليه بما في مقالته عليه السلام من الزواجر {وَهَمَّ بِهَا} أي مال إلى مخالطتها بمقتضى الطبيعة البشرية كميل الصائم في اليوم الحار إلى الماء البارد، ومثل ذلك لا يكاد يدخل تحت التكليف لا أنه عليه السلام قصدها قصداً اختيارياً لأن ذلك أمر مذموم تنادي الآيات على عدم اتصافه عليه السلام به، وإنما عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر بطريق المشاكلة لا لشبهه به كما قيل، وقد أشير إلى تغايرهما كما قال غير واحد: حيث لم يلزا في قرن واحد من التعبير بأن قيل: ولقد هما بالمخالطة أو هم كل منهما بالآخر وأكد الأول دون الثاني. {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَٰنَ رَبِّهِ} أي حجته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنا وسوء سبيله، والمراد برؤيته لها كمال إيقانه بها ومشاهدته لها مشاهدة واصلة إلى مرتبة عين اليقين، وقيل: المراد برؤية البرهان حصول الأخلاق وتذكر الأحوال الرادعة عن الإقدام على المنكر، وقيل: رؤية {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 32] مكتوباً في السقف، وجواب {لَوْلاَ} محذوف يدل عليه الكلام أي لولا مشاهدته البرهان لجرى على موجب ميله الجبلي لكنه حيث كان مشاهداً له استمر على ما هو عليه من قضية البرهان، هذا ما ذهب إليه بعض المحققين في معنى الآية وهو قول بإثبات هم له عليه السلام إلا أنه هم غير مذموم. وفي «البحر» ((أنه لم يقع منه عليه السلام هم بها ألبتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول: قارفت الذنب / لولا أن عصمك الله تعالى ولا نقول: إن جواب {لَوْلاَ} متقدم عليها وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد ذهب إلى الجواز الكوفيون ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري وأبو العباس المبرد بل نقول: إن جواب {لَوْلاَ} محذوف لدلالة ما قبله عليه كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت كذا فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم، ولا يدل قولهم: أنت ظالم على ثبوت الظلم بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هٰهنا التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بها فكان موجد الهمّ على تقدير انتفاء رؤية البرهان لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم، والمراد بالبرهان ما عنده عليه السلام من العلم الدال على تحريم ما همت به وأنه لا يمكن الهم فضلاً عن الوقوع فيه، ولا التفات إلى قول الزجاج: ولو كان الكلام ولهم بها كان بعيداً فكيف مع سقوط اللام لأنه يوهم أن قوله تعالى: {هُمْ بِهَا} هو جواب {لَوْلاَ} ونحن لم نقل بذلك، وإنما قلنا إنه دليل الجواب على أنه على تقدير أن يكون نفس الجواب قد يقال: إن اللام ليست بلازمة بل يجوز أن يأتي جواب {لَوْلاَ} إذا كانت بصيغة الماضي باللام وبدونها فيقال: لولا زيد لأكرمتك ولولا زيد أكرمتك، فمن ذهب إلى أن المذكور هو نفس الجواب لم يبعد، وكذا لا التفات أيضاً لقول ابن عطية: إن قول من قال إن الكلام قد تم في قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} وأن جواب {لَوْلاَ} في قوله سبحانه: {وَهَمَّ بِهَا} وأن المعنى {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ} لهمّ بها فلم يهم يوسف عليه السلام [قال وهذا قول] يرده لسان العرب وأقوال السلف لما في قوله: يرده لسان العرب من البحث. وقد استدل من ذهب إلى الجواز بوجوده في لسان العرب فقد قال سبحانه: {أية : إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا }تفسير : [القصص: 10] فقوله سبحانه: {إِن كَادَتْ} الخ إما أن يكون هو الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يكون دليل الجواب على ما قررناه، وأما أقوال السلف فالذي نعتقده أنه لم يصح منها شيء عنهم لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضاً مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة على أن ما روي لا يساعد عليه كلام العرب لأنه يقتضي كون الجواب محذوفاً لغير دليل لأنهم لم يقدروا بناءاً على ذلك لهمّ بها وكلام العرب لا يدل إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط لأنه الدليل عليه)). هذا وممن ذهب إلى تحقق الهمّ القبيح منه عليه السلام الواحدي فإنه قال في كتاب «البسيط»: قال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم الآخذون للتأويل عمن شاهد التنزيل: هم يوسف عليه السلام أيضاً بهذه المرأة هما صحيحا وجلس منها مجلس الرجل من المرأة فلما رأى البرهان من ربه زال كل شهوة عنه. قال أبو جعفر الباقر رضي الله تعالى عنه بإسناده عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: طمعت فيه وطمع فيها وكان طمعه فيها أن هم أن يحل التكة. وعن ابن عباس أنه حل الهميان وجلس منها مجلس الخاتن، وعنه أيضاً أنها استلقت له وقعد بين رجليها ينزع ثيابه، ورووا في البرهان روايات شتى: منها ما أخرجه أبو نعيم في «الحلية» عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال عليه السلام: أي شيء تصنعين؟ فقالت: أستحي من إلۤهي أن يراني على هذه السوأة فقال: تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب ولا أستحي أنا من إلۤهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟! ثم قال: لا تناليها مني أبداً وهو البرهان الذي رأى، ومنها ما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنه عليه السلام مثل له يعقوب عليه السلام فضرب / بيده على صدره، ومنها ما أخرجه عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنه مثل له يعقوب عاضاً على إصبعيه وهو يقول: يا يوسف أتهم بعمل السفهاء وأنت مكتوب من الأنبياء، ومنها ما أخرجه عن القاسم بن أبـي بزة قال: نودي يا ابن يعقوب لا تكونن كالطير له ريش فإذا زنى قعد ليس له ريش فلم يعرض للنداء وقعد فرفع رأسه فرأى وجه يعقوب عاضاً على إصبعه فقام مرعوباً استحياءاً من أبيه إلى غير ذلك. وتعقب الإمام الرازي ما ذكر بأن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف ـ وحاشاه ـ من أقبح المعاصي وأنكرها، ومثلها لو نسب إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه، فكيف يجوز إسناده إلى هذا الصديق الكريم؟ وأيضاً إن الله سبحانه شهد بكون ماهية السوء وماهية الفحشاء مصروفتين عنه، ومع هذه الشهادة كيف يقبل القول بنسبة أعظم السوء والفحشاء إليه عليه السلام، وأيضاً إن هذا الهم القبيح لو كان واقعاً منه عليه السلام كما زعموا وكانت الآية متضمنة له لكان تعقيب ذلك بقوله تعالى: {كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء وَٱلْفَحْشَاء} خارجاً عن الحكمة لأنا لو سلمنا أنه لا يدل على نفي المعصية فلا أقل من أن يدل على المدح العظيم، ومن المعلوم أنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية، وأيضاً إن الأكابر كالأنبياء متى صدرت عنهم زلة أو هفوة استعظموا ذلك وأتبعوه بإظهار الندامة والتوبة والتخضع والتنصل فلو كان يوسف عليه السلام أقدم على هذه الفاحشة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بذلك، ولو كان قد أتبعها لحكى وحيث لم يكن علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب أصلاً، وأيضاً جميع من له تعلق بهذه الواقعة قد أفصح ببراءة يوسف عليه السلام عن المعصية كما لا يخفى على من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومن نظر في قوله سبحانه: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} رآه أفصح شاهد على براءته عليه السلام، ومن ضم إليه قول إبليس: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ }تفسير : [ص:82-83] وجد إبليس مقراً بأنه لم يغوه ولم يضله عن سبيل الهدى كيف وهو عليه السلام من عباد الله تعالى المخلصين بشهادة الله تعالى، وقد استثناهم من عموم {لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} وعند هذا يقال للجهلة الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام تلك الفعلة الشنيعة: إن كانوا من أتباع الله سبحانه فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته عليه السلام، وإن كانوا من أتباع إبليس فليقبلوا شهادته، ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر من تلامذته إلى أن تخرجنا فزدنا عليه في السفاهة كما قال الحريري: شعر : وكنت امرءاً من جند إبليس فانتهى بـي الحال حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدي تفسير : ومن أمعن النظر في الحجج وأنصف جزم أنه لم يبق في يد الواحدي ومن وافقه إلا مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين ولم يجد معهم شبهة في دعواهم المخالفة لما شهد له الآيات البينات سوى روايات واهيات. وقد ذكر الطيبـي طيب الله تعالى ثراه بعد أن نقل ما حكاه محي السنة عن بعض أهل الحقائق من أن الهم همان: هم ثابت وهو ما كان معه عزم وعقد ورضا مثل هم امرأة العزيز وهم عارض وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل هم يوسف عليه السلام أن هذا التفسير هو الذي يجب أن نذهب إليه ونتخذه مذهباً، وإن نقل المفسرون ما نقلوا لأن متابعة النص القاطع وبراءة المعصوم عن تلك الرذيلة وإحالة التقصير على الرواة أولى بالمصير إليه على أن أساطين النقل المتقنين لم يرووا في ذلك شيئاً مرفوعاً في كتبهم، وجل تلك الروايات بل كلها مأخوذ من مسألة أهل الكتاب اهـ، نعم قد صحح الحاكم بعضاً من الروايات التي استند إليها / من نسب تلك الشنيعة إليه عليه السلام لكن تصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار عند ذوي الاعتبار. وفي «إرشاد العقل السليم» بعد نقل نبذة منها إن كل ذلك إلا خرافات وأباطيل تمجها الآذان وتردها العقول والأذهان ويل لمن لاكها ولفقها أو سمعها وصدقها. ثم إن الإمام عليه الرحمة ذكر في تفسير الآية الكريمة بعد أن منع دلالتها على الهم ما حاصله: إنا سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا نقول: لا بد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق الهم إذ الذوات لا تصلح له ولا يتعين ما زعموه من إيقاع الفاحشة بها بل نضمره شيئاً آخر يغاير ما أضمروه، فنقول: المراد هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح لأنه الذي يستدعيه حاله عليه السلام، وقد جاء هممت بفلان أي قصدته ودفعته ويضمر في الأول المخالطة والتمتع ونحو ذلك لأنه اللائق بحالها، فإن قالوا: لا يبقى حينئذٍ لقوله سبحانه: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ} فائدة؟ قلنا: بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين: الأول: أنه تعالى أعلم يوسف أنه لو هم بدفعها لفعلت معه ما يوجب هلاكه فكان في الامتناع عن ذلك صون النفس عن الهلاك، الثاني: أنه لو اشتغل بدفعها فلربما تعلقت به فكان يتمزق ثوبه من قدام؛ وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو كان متمزقاً من قدام لكان هو الجاني ولو كان متمزقاً من خلف لكانت هي الجانية فأعلمه هذا المعنى فلا جرم لم يشتغل بدفعها وفرعنها حتى صارت الشهادة حجة له على براءته عن المعصية. وإلى تقدير الدفع ذهب بعض السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم ففي «الجواهر والدرر» للشعراني: سألت شيخنا عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} ما هذا الهم الذي أبهم فقد تكلم الناس فيه بما لا يليق برتب الأنبياء عليهم السلام؟ فقال: لا أعلم، قلت: قد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن مطلق اللسان يدل على أحدية المعنى، ولكن ذلك أكثري لا كلي فالحق أنها همت به عليه السلام لتقهره على ما أرادته منه، وهم هو بها ليقهرها في الدفع عما أرادته منه فالاشتراك في طلب القهر منه ومنها والحكم مختلف، ولهذا قالت: {أية : أَنَاْ رٰوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ }تفسير : [يوسف: 51] وما جاء في السورة أصلاً أنه راودها عن نفسها اهـ. وجوز الإمام أيضاً تفسير الهم بالشهوة، وذكر أنه مستعمل في اللغة الشائعة فإنه يقول القائل فيما لا يشتهيه: لا يهمني هذا، وفيما يشتهيه: هذا أهم الأشياء إليّ، وهو ما أشرنا إليه أولاً إلا أنه عليه الرحمة حمل الهم في الموضعين على ذلك فقال بعد: فمعنى الآية ولقد اشتهته واشتهاها ولولا أن رأى برهان ربه لفعل وهو مما لا داعي إليه إذ لا محذور في نسبة الهم المذموم إليها، والظاهر أن الهم بهذا المعنى مجاز كما نص عليه السيد المرتضى في «درره» لا حقيقة كما يوهمه ظاهر كلام الإمام، وقد ذهب إلى هذا التأويل أبو علي الجبائي وغيره، وروي ذلك عن الحسن، وبالجملة لا ينبغي التعويل على ما شاع في الأخبار والعدول عما ذهب إليه المحققون الأخيار، وإياك والهم بنسبة تلك الشنيعة إلى ذلك الجناب بعد أن كشف الله سبحانه عن بصر بصيرتك فرأيت برهان ربك بلا حجاب. {كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء} قيل: خيانة السيد {وَٱلْفَحْشَاء} الزنا لأنه مفرط القبح، وقيل: السوء مقدمات الفحشاء من القبلة والنظر بشهوة. وقيل: هو الأمر السيء مطلقاً فيدخل فيه الخيانة المذكورة وغيرها، والكاف على ما قيل: في محل نصب، والإشارة إلى التثبيت اللازم للإراءة المدلول عليها بقوله سبحانه: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ} أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه لِنَصْرِفَ الخ. وقال ابن عطية: إن الكاف متعلقة بمضمر تقديره جرت أفعالنا وأقدارنا كذلك لنصرف، وقدر أبو البقاء نراعيه كذلك، والحوفي أريناه البراهين كذلك، وجوز الجميع كونه في موضع رفع فقيل: أي الأمر أو عصمته مثل ذلك / لكن قال الحوفي: إن النصب أجود لمطالبة حروف الجر للأفعال أو معانيها، واختار في «البحر» كون الإشارة إلى الرؤية المفهومة من رأى أو الرأي المفهوم، وقد جاء مصدر الرأي كالرؤية كما في قوله: شعر : ورأى عيني الفتى أباكا يعطي الجزيل فعليك ذاكا تفسير : والكاف في موضع نصب بما دل عليه قوله سبحانه: {لَوْلا أَن رَّأَى} الخ، وهو أيضاً متعلق {لِنَصْرِفَ} أي مثل الرؤية أو الرأي يرى براهيننا لنصرف الخ، وقيل غير ذلك. ومما لا ينبغي أن يلتفت إليه ما قيل: إن الجار والمجرور متعلق بهم، وفي الكلام تقديم وتأخير وتقديره ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه لنصرف عنه الخ، ولا يخفى ما في التعبير بما في النظم الجليل دون لنصرفه عن السوء والفحشاء من الدلالة على رد من نسب إليه ما نسب والعياذ بالله تعالى. وقرأ الأعمش ـ ليصرف ـ بياء الغيبة وإسناد الصرف إلى ضمير الرب سبحانه. {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} تعليل لما سبق من مضمون الجملة بطريق التحقيق، والمخلصون هم الذين أخلصهم الله تعالى واختارهم لطاعته بأن عصمهم عما هو قادح فيها، والظاهر أن المراد الحكم عليه بأنه مختار لطاعته سبحانه، ويحتمل على ما قيل: أن يكون المراد أنه من ذرية إبراهيم عليه السلام الذين قال فيهم جل وعلا: {أية : إِنَّا أَخْلَصْنٰهُمْ بِخَالِصَةٍ}تفسير : [ص: 46]. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (المخلصين) إذا كان فيه أل حيث وقع بكسر اللام وهم الذين أخلصوا دينهم لله تعالى، ولا يخفى ما في التعبير بالجملة الاسمية من الدلالة على انتظامه عليه السلام في سلك أولئك العباد الذين هم هم من أول الأمر لا أنه حدث له ذلك بعد أن لم يكن، وفي هذا عند ذوي الألباب ما ينقطع معه عذر أولئك المتشبثين بأذيال هاتيك الأخبار التي ما أنزل الله تعالى بها من كتاب.

الشنقيطي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} الآية. ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هم بأن يفعل مع تلك المرأة مثل ما همت هي به منه. ولكن القرآن العظيم بين براءته عليه الصلاة والسلام من الوقوع فيما لا ينبغي حيت بين شهادة كل من له تعلق بالمسألة ببراءته، وشهادة الله له بذلك واعتراف إبليس به. أما الذين لهم تعلق بتلك الواقعة فهم: يوسف، والمرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود. أما حزم يوسف بأنه بريء من تلك المعصية فذكره تعالى في قوله: {أية : هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي}تفسير : [يوسف: 26] وقوله {أية : قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} تفسير : [يوسف: 33] الآية. وأما اعتراف المرأة بذلك ففي قولها للنسوة: {أية : وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ}تفسير : [يوسف: 32] وقولها: {أية : ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [يوسف:51]. وأما اعتراف زوج المرأة ففي قوله: {أية : قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} تفسير : [يوسف: 28-29]. وأما اعتراف الشهود بذلك ففي قوله: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ}تفسير : [يوسف: 26] الآية. وأما شهادة الله جل وعلا ببراءته ففي قوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]. قال في الفخر الرازي في تفسيره: قد شهد الله تعالى في هذه الآية الكريمة على طهارته أربع مرات: أولها - {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ} [يوسف: 24] واللام للتأكيد والمبالغة. والثاني - قوله: {وَٱلْفَحْشَآءَ} [يوسف: 24] أي وكذلك لنصرف عنه الفحشاء. والثالث - قوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَاَ} [يوسف: 24] مع أنه تعالى قال: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} [الفرقان: 63]. والرابع - قوله: {ٱلْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 23] وفيه قراءتان: قراءة باسم الفاعل. وأخرى باسم المفعول. فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتياً بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص. ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه، واصطفاه لحضرته. وعلى كلا الوجهين: فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهاً عما أضافوه إليه. اهـ من تفسير الرازي. ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أية : مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [يوسف: 23]. وأما إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته ففي قوله تعالى: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 82 - 83] فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ولا شك أن يوسف من المخلصين، كما صرح تعالى به في قوله: {أية : إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [يوسف: 24] فظهرت دلالة القرآن من جهات متعددة على براءته مما لا ينبغي. وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية ما نصه: وعند هذا نقول: هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام هذه الفضيحة، إن كانوا من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته، وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته. ولعلهم يقولون: كنا في أول الأمر تلامذة إبليس، إلى أن تخرجنا عليه فزدنا في السفاهة عليه. كما قال الخوارزمي: شعر : وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى بي الدهر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدي تفسير : فثبت بهذه الدلائل: أن يوسف عليه السلام بريء مما يقول هؤلاء الجهال. اهـ كلام الرازي. ولا يخفى ما فيه من قلة الأدب مع من قال تلك المقالة من الصحابة وعلماء السلف الصالح! وعذر الرازي في ذلك هو اعتقاده أن ذلك لم يثبت عن أحد من السلف الصالح. وسترى في آخر هذا المبحث أقوال العلماء في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. فإن قيل: قد بينتم دلالة القرآن على براءته عليه السلام مما لا ينبغي في الآيات المتقدمة. ولكن ماذا تقولون في قوله تعالى: {وَهَمَّ بِهَا}؟ فالجواب من وجهين: الأول - إن المراد بهم يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى. وقال بعضهم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه. لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف. كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك"تفسير : يعني ميل القلب الطبيعي. ومثال هذا ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد، مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة" تفسير : لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفاً من الله، وامتثالاً لأمره، كما قال تعالى: {أية : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات: 40 - 41]. وهم بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحد، كهم يوسف هذا، بدليل قوله: {أية : إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا} تفسير : [الأعراف: 122] لأن قوله: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا} يدل على أن ذلك الهم ليس معصية، لأن اتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية. والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: هذا ما يهمني، ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي، بخلاف هم امرأة العزيز، فإنه هم عزم وتصميم، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه. ومثل هذا التصميم على المعصية: معصية يؤاخذ بها صاحبها، بدليل الحديث الثابت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي بكرة: "حديث : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"تفسير : قالوا يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "حديث : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه"تفسير : فصرح صلى الله عليه وسلم بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصيه أدخله الله بسببها النار. وأما تأويلهم هم يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل، كقول العرب: قتلته لو لم أخف الله، أي قاربت أن اقتله، كما قاله الزمخشري. وتأويل الهم بأنه هم بضربها، أو هم بدفعها عن نفسه، فكل ذلك غير ظاهر، بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه. والجواب الثاني - وهو اختيار أبي حيان: أن يوسف لم يقع منه هم أصلاً، بل هو منفى عنه لوجود البرهان. قال مقيدة عفا الله عنه: هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية، لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب: أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله: {أية : فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} تفسير : [يونس: 84] أي إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، فالأول: دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب، لأن جواب الشروط وجواب {لَوْلاَ} لا يتقدم، ولكن يكون المذكور قبله دليلاً عليه كالآية المذكورة. وكقوله: {أية : قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [البقرة: 111] أي إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم. وعلى هذا القول: فمعنى الآية، وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، أي لولا أن رآه هم بها. فما قبل {لولا} هو دليل الجواب المحذوف، كما هو الغالب في القرآن واللغة. ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} تفسير : [القصص: 10] فما قبل {لَوْلاَ} دليل الجواب. أي لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به. واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب {لولا} وتقديم الجواب في سائر الشروط: وعلى هذا القول يكون جواب {لَوْلاَ} في قوله: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} هو ما قبله من قوله: {وَهَمَّ بِهَا}. وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري. وقال الشيخ أبو حيان في البحر المحيط ما نصه: والذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها ألبتة، بل هو منفى لوجود رؤية البرهان. كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله. ولا نقول: إن جواب {لولا} متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشروط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها. وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس المبرد. بل نقول: إن جواب {لَولاَ} محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت. فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم. ولا يدل قوله أنت ظالم على ثبوت الظلم. بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فكان وجود الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان، لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم، ولا التفات إلى قول الزجاج. ولو كان الكلام: ولهم بها كان بعيداً، فكيف مع سقوط اللام؟ لأنه يوهم أن قوله: {وَهَمَّ بِهَا} هو جواب {لَوْلاۤ} ونحن لم نقل بذلك، وإنما هو دليل الجواب. وعلى تقدير أن يكون نفس الجواب فاللام ليست بلازمة، لجواز أن يأتي جواب {لَوْلاۤ} إذا كان بصيغة الماضي باللام. وبغير لام تقول: لولا زيد لأكرمتك. ولولا زيد أكرمتك. فمن ذهب إلى أن قوله: {هَمَّ بِهَا} نفس الجواب لم يبعد. ولا التفات لقول ابن عطية: إن قول من قال: إن كلام قد تم في قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} وإن جواب {لولا} في قوله: {وَهَمَّ بِهَا} وإن المعنى: لولا أن راى برهان ربه لهم بها، فلم يهم يوسف عليه السلام. قال: وهذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف اهـ. أما قوله: يرده لسان العرب فليس كما ذكر وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب، قال الله تعالى: {أية : إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [القصص: 10] فقوله: {أية : إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِه} تفسير : [القصص: 10]: إما أن يتخرج على أن الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به. وأما أقوال السلف: فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك، لأنها اقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضاً، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة. والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب. لأنهم قدروا جواب {لَوْلاَ} محذوفاً ولا يدل عليه دليل. لأنهم لم يقدروا لهم بها ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط. لأن ما قبل الشرط دليل عليه اهـ. محل الغرض من كلام أبي حيان بلفظه. وقد قدمنا أن هذا القول هو أجرى الأقوال على لغة العرب، وإن زعم بعض العلماء خلاف ذلك. فبهذين الجوابين نعلم أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بريء من الوقوع فيما لا ينبغي، وأنه إما أن يكون لم يقع منه أصلاً بناء على أن الهم معلق بأداة الامتناع التي هي {لَوْلاَ} على انتفاء رؤية البرهان، وقد رأى البرهان فانتفى المعلق عليه، وبانتفائه ينتفي المعلق الذي هو همه بها كما تقدم إيضاحه في كلام أبي حيان. وإما أن يكون همه خاطراً قلبياً صرف عنه وازع التقوى، أو هو الشهوة والميل الغريزي المزموم بالتقوى كما أوضحناه. فيهذا يتضح لك أن قوله: {وَهَمَّ بِهَا} لا يعارض ما قدمنا من الآيات على براءة يوسف من الوقوع فيما لا ينبغي. فإذا علمت مما بينا دلالة القرآن العظيم على براءته مما لا ينبغي، فسنذكر لك أقوال العلماء الذين قالوا: إنه وقع منه بعض ما لا ينبغي، وأقوالهم في المراد (بالبرهان) فنقول: قال صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور: اخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما همت به تزينت ثم استلقت على فراشها، وهم بها جلس بين رجليها يحل تبانه نودي من السماء "يا ابن يعقوب، لا تكن كطائر ينتف ريشه فيبقى لا ريش له" فلم يتعظ على النداء شيئاً، حتى رأى برهان ربه جبريل عليه السلام في صورة يعقوب عاضاً على أصبعيه. ففزع فخرجت شهوته من أنامله، فوثب إلى الباب فوجده مغلقاً، فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب الأدنى فانفرج له، واتبعته فأدركته، فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه، فألفيا سيدها لدى الباب. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه سئل عن هم يوسف عليه السلام ما بلغ؟ قال: حل الهميان - يعني السراويل - وجلس منها مجلس الخاتن، فصيح به، يا يوسف لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش!! وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان من الطمع أن هم بحل التكة، فقامت إلى صنم مكلل بالدر واليواقيت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال: أي شيء تصنعين؟ فقالت: استحيي من إلهي أن يراني على هذه الصورة. فقال يوسف عليه السلام: تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب، ولا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت! ثم قال: لا تنالينها مني أبداً - وهو البرهان الذي رأى. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {وَهَمَّ بِهَا} قال: حل سراويله حتى بلغ ثنته، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته، فمثل له يعقوب عليه السلام فضرب بيده على صدره فخرجت شهوته من أنامله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} قال: رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضاً على إبهامه، فأدبر هارباً وقال: وحقك يا أبت لا أعود أبداً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة، وسعيد بن جبير في قوله: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} قالا: حل السراويل وجلس منها مجلس الخاتن، فرأى صورة فيها وجه يعقوب عاضاً على أصابعه، فدفع صدره فخرجت الشهوة من أنامله، فكل ولد يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولداً إلا يوسف عليه السلام، فإنه نقص بتلك الشهوة ولداً فلم يولد له غير أحد عشر ولداً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} قال: تمثل له يعقوب عليه السلام فضرب في صدر يوسف فطارت شهوته من أطراف أنامله، فولد لكل ولد يعقوب اثنا عشر ذكراً، غير يوسف لم يولد له إلا غلامان. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه، في قوله: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} قال: رأى يعقوب عاضاً على أصابعه يقول: يوسف! يوسف!. وأخرج ابن جرير، وابن أبي جاتم، وأبي الشيخ عن قتادة رضي الله عنه، في الآية قال: رأى آية من آيات ربه حجزه الله بها عن معصيته. ذكر لنا أنه مثل له يعقوب عاضاً على أصبعيه، وهو يقول له: يا يوسف! أتهم بعمل السفهاء، وأنت مكتوب في الأنبياء! فذلك البرهان. فانتزع الله كل شهوة كانت في مفاصله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن محمد بن سرين رضي الله عنه، في قوله: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}. قال: مثل له يعقوب - عليه السلام - عاضاً على أصبعيه يقول: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، اسمك مكتوب في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه، قال: رأى صورة يعقوب - عليه السلام - في الجدار. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه، قال: زعموا أن سقف البيت انفرج، فرأى يعقوب عاضاً على أصبعيه. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن الحسن رضي الله عنه، في قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}. قال: إنه لما هم قيل له ارفع رأسك يا يوسف، فرفع رأسه فإذا هو بصورة في سقف البيت تقول: يا يوسف! يا يوسف! أنت مكتوب في الأنبياء: فعصمه الله عز وجل. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه، قال: رأى صورة يعقوب في سقف البيت تقول: يوسف! يوسف!. وأخرج ابن جرير من طريق الزهري: ان حميد بن عبد الرحمن أخبره أن البرهان الذي رأى يوسف - عليه السلام - هو يعقوب. وأخرج ابن جرير، عن القاسم بن ابي بزة، نودي: يا ابن يعقوب! لا تكونن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش! فلم يعرض للنداء وقعد، فرفع راسه، فرأى وجه يعقوب عاضاً على أصبعه. فقام مرعوباً استحياء من أبيه. وأخرج ابن جرير، عن علي بن بذيمة قال: كان يولد لكل رجل منهم اثنا عشر إلا يوسف - عليه السلام - ولد له أحد عشر من أجل ما خرج من شهوته. وأخرج ابن جرير، عن شمر بن عطية قال: نظر يوسف إلى صورة يعقوب عاضاً على أصبعه يقول: يا يوسف! فذاك حين كف وقام. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك رضي الله عنه، قال: يزعمون أنه مثل يعقوب - عليه السلام - فاستحيا منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزعي قال: كان ابن عباس رضي الله عنهما، يقول في قوله: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} قال: رأى آية من كتاب الله فنهته، مثلت له في جدار الحائط. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه، قال: البرهان الذي رأى يوسف - عليه السلام - ثلاث آيات من كتاب الله: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} تفسير : [الانفطار: 10- 12]، وقول الله تعالى: {أية : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} تفسير : [يونس: 61]، وقول الله تعالى: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} تفسير : [الرعد: 33]. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب قال: رأى في البيت في ناحية الحائط مكتوباً {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 32] وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه رضي الله عنه، قال: لما خلا يوسف وامرأة العزيز خرجت كف بلا حسد بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية، {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} تفسير : [الرعد: 33]، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، ثم رجعت الكف مكتوباً عليها بالعبرانية، {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} تفسير : [الإنفطار: 10 - 12]، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، فعادت الكف الثالثة مكتوباً عليها {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 32] وانصرفت الكف، وقاما مقامهما، فعادت الكف الرابعة مكتوباً عليها بالعبرانية {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 182] فولى يوسف - عليه السلام - هارباً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} قال: آيات ربه، أرى تمثال الملك. وأخرج أبو الشيخ، وأبو نعيم في الحلية، عن جعفر بن محمد رضي الله عنه، قال: لما دخل يوسف معها البيت - وفي البيت صنم من ذهب - قالت: كما أنت، حتى أغطى الصنم. فإني استحي منه. فقال يوسف: هذه تستحي من الصنم! أنا أحق أن أستحيي من الله؟ فكف عنها وتركها. اهـ من الدر المنثور في التفسير بالمأثور. قال مقيدة - عفا الله عنه: - هذه الأقوال التي رأيت نسبتها إلى هؤلاء العلماء منقسمة إلى قسمين: قسم لم يثبت نقله عمن نقله عنه بسند صحيح، وهذا لا إشكال في سقوطه. وقسم ثبت عن بعض من ذكر، ومن ثبت عنه منهم شيء من ذلك، فالظاهر الغالب على الظن، المزاحم لليقين: أنه إنما تلقاه عن الإسرائيليات. لأنه لا مجال للرأي فيه، ولم يرفع منه قليل ولا كثير إليه صلى الله عليه وسلم. وبهذا تعلم أنه لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي الله يوسف بأنه جلس بين رجلي كافرة أجنبية، يريد أن يزني بها. اعتماداً على مثل هذه الروايات. مع أن في الروايات المذكورة ما تلوح عليه لوائح الكذب. كقصة الكف التي خرجت له أربع مرات، وفي ثلاث منهن لا يبالي بها، لأن ذلك على فرض صحته فيه أكبر زاجر لعوام الفساق. فما ظنك بخيار الأنبياء! مع أنا قدمنا دلالة القرآن على براءته من جهات متعددة، وأوضحنا أن الحقيقة لا تتعدى أحد أمرين. إما أن يكون لم يقع منه هم بها أصلاً، بناء على تعليق همه على عدم رؤية البرهان، وقد رأى البرهان. وإما أن يكون همه الميل الطبيعي المزموم بالتقوى، والعلم عند الله تعالى. واختلف العلماء في المراد بالسوء والفحشاء، اللذين ذكر الله في هذه الآية أنه صرفهما عن نبيه يوسف. فروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر رضي الله عنه، في قوله {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ} قال: الزنى. والثناء القبيح اهـ. وقال بعض العلماء: السوء مقدمات الفاحشة، كالقبلة، والفاحشة الزنى. وقيل: السوء جناية اليد، والفاحشة الزنى. وأظهر الأقوال في تقارير متعلق الكاف في قوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ}، أي فعلنا له ذلك من إراءة البرهان، كذلك الفعل {لِنَصْرِفَ} واللام لام كي. {ٱلْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] قرأه نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، بفتح اللام بصيغة اسم المفعول. وقرأه ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو، بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل - والعلم عند الله تعالى اهـ .

القطان

تفسير : وهذه محنة يوسف الثانية: لقد افتتنت امرأة العزيز بجماله، فأَشعل ذلك في نفسها جذوة الحب، فراودته عن نفسه، فأبى، وحاولت اغراءه بشتّى الطرق، حتى همت بمخالطته، ومال اليها بمقتضى الطبيعة البشرية - ولكنه رأى في سريرة نفسه ما جعله يمتنع عن المعصية والخيانة، وثبت على طُهره وعفافه. بذلك صرف الله عنه سوء الخيانة والمعصية، وظل هو من عباد الله الذين أخلصوا دينهم له. وهرب منها.. فلحقت به عند الباب، وتعلقت بقميصه فشقته من خَلف. وفي تلك الأثناء جاء سيّدها. وصادف الحادث وهو يهمُّ بالدخول ومعه ابن عمها. فلما رأت زوجها ارادت ان تشفيَ غُلَّ صدرها وحنقها على يوسف لما فاتها من التمتع به، فقالت لزوجها: {مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. لقد ارادت ان توهم زوجَها أن يوسف قد اعتدى علهيا، وطلبت منه ان يسجِنه أو يعذّبه عذابا اليما. وهنا وقف يوسف وجهر بالحقيقة في وجه الاتهام الباطل، فقال: {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي}، لا أنا الذي فعلت. لقد حاولتْ ان تخدعني وتوقعني في المعصية. فقال ابن عمها: ان كان قميصه شُقّ من أمام، فقد صدقت وهو من الكاذبين، وان كان فميصه شُقّ من الخلف، فقد كذبت في قولها، وهو من الصادقين. فلما رأى الزوج قميص يوسف تمزّقَ من خلْفٍ، قال لزوجته: ان اتهامك له باطل، وما الأمر الا من كيدكن معشر النساء، إن كيدَكن عظيم. ثم التفت الى يوسف، وقال له: يا يوسف، أعرِض عن هذا الأمر، اكتمه ولا تذكره أبداً. وقال لزوجته: اما انتِ فاستغفري لذنبك من هذا العمل الخطأ. وانتهى الامر الى هنا، ولم يوقع العزيزُ أية عقوبة على يوسف، لتأكده من براءته. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر ويعقوب: "المخلصين" بكسر اللام والباقون: "المخلَصين" بفتح اللام كما هو في المصحف.

د. أسعد حومد

تفسير : {رَّأَى} (24) - وَيَقُولُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إِنَّ نَفْسَ يُوسُفَ حَدَّثَتْهُ بِالمَرْأَةِ فَرَأَى شَيْئاً مِنْ آيَاتِ اللهِ أَعَادَهُ إِلَى عَقْلِهِ، وَتَرَاجَعَ عَمَّا هَمَّتْ بِهِ نَفْسُهُ، وَبِذَلِكَ صَرَفَ اللهُ عَنهُ السُّوءَ، وَعَمَلَ الفَاحِشَةِ، لأَِنَّهُ مِنْ عِبَادِ اللهِ المُخْلَصِينَ. (وَاخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ الآيَاتِ التِي رَآهَا يُوسُفُ فَأَيْقَظَتْهُ، فَقِيلَ إِنَّهُ رَأَى صُورَةَ أَبِيهِ يَعْقُوبَ يُحَذِّرُهُ، وَقِيلَ إِنَّهُ رَأَى صُورَةَ رَبِّ البَيْتِ، وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّهُ رَأَى بَعْضَ آيَاتِ اللهِ مَكْتُوباً عَلَى الجِدَارِ...). وَلكِنَّ أَكْثَرَ المُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ يُوسُفَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ هَمٌّ بِهَا وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى مَا يَذْهَبُونَ إِلَيهِ مِنِ اسْتِعْمَالِ النَّصِّ (لَوْلا) التِي هِيَ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ حَرْفُ امْتَنِاعٍ لِوُجُودٍ، وِبِذلِكَ يَكُونُ مَعْنَى الآيَةِ: (وَلَوْلا أَنْ رَأَى يُوسُفُ بُرْهَانَ رَبَّهُ لَهَمَّ بِهَا، فَوُجُودُ الهَمِّ مِنْهُ يَقُومُ عَلَى انْتِفَاءِ رُؤْيَةِ البُرْهَانِ وَلكِنْ وُجِدَتْ رُؤْيَةُ البُرْهَانِ فَانْتَفَى الهَمُّ مِنْ جَانِبِهِ). وَقَدْ بَرَّأَ اللهُ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فِي الآيةِ نَفْسِها وَقَالَ إِنَّهُ صَرَفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاءَ لأَِنَّهُ مِنْ عِبَادِ اللهِ الذِينَ أَخْلَصَهُمْ رَبُّهُمْ لِطَاعَتِهِ عَنْ فِعْلِ مَا يَشِينُهُمْ مِنَ المَعَاصِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والهَمُّ هو حديث النفس بالشيء؛ إما أن يأتيه الإنسان أو لا يأتيه. ومن رحمة ربنا بخلْقه أن مَنْ هَمَّ بسيئة وحدَّثتْه نفسه أن يفعلها؛ ولم يفعلها كُتِبتْ له حسنة. وقد جاءت العبارة هنا في أمر المراودة التي كانت منها، والامتناع الذي كان منه، واقتضى ذلك الأمر مفاعلة بين اثنين يصطرعان في شيء. فأحد الاثنين امرأة العزيز يقول الله في حقها: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ..} [يوسف: 24]. وسبق أن أعلن لنا الحق سبحانه في الآية السابقة موقفها حين قالت: "هيت لك" وكذلك بيَّن موقف يوسف عليه السلام حين قال يوسف "معاذ الله". وهنا يبين لنا أن نفسه قد حدثته أيضاً؛ وتساوى في حديث النفس؛ لكن يوسف حدث له أن رأى برهان ربه. ويكون فَهْمُنا للعبارة: ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمَّ بها؛ لأننا نعلم أن "لولا" حرف امتناع لوجود؛ مثلما نقول: لولا زيد عندك لأتيتك. ولقائل أن يقول: كيف غابت قضية الشرط في الإيجاد والامتناع عن الذين يقولون: إن الهم قد وُجِد منه؟ ولماذا لم يَقُل الحق: لقد همَّتْ به ولم يهم بها؛ حتى نخرج من تلك القضية الصعبة؟ ونقول: لو قال الحق ذلك لما أعطانا هذا القولُ اللقطةَ المطلوبة؛ لأن امرأة العزيز هَمَّتْ به لأن عندها نوازع العمل؛ وإنْ لم يَقُلْ لنا أنه قد هَمَّ بها لظننا أنه عِنِّين أو خَصَاه موقف أنها سيدته فخارتْ قواه. إذن: لو قال الحق سبحانه: إنه لم يَهِمّ بها؛ لكان المانع من الهَمِّ إما أمر طبيعي فيه، أو أمر طارىء لأنها سيدته فقد يمنعه الحياء عن الهَمِّ بها. ولكن الحق سبحانه يريد أن يوضح لنا أن يوسف كان طبيعياً وهو قد بلغ أشُدَّه ونُضْجه؛ ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمَّ بها. وهكذا لم يَقُمْ يوسف عليه السلام بما يتطلبه ذلك لنقص فيه؛ ولا لأن الموقف كان مفاجأة ضَيَّعَتْ رجولته بغتة؛ مثل ما يحدث لبعض الشباب في ليلة الزفاف، حين لا يستطيع أن يَقربَ عروسه؛ وتمر أيام إلى أن يستعيد توازنه. ويقرب عروسه. إذن: لو أن القرآن يريد عدم الهَمِّ على الإطلاق؛ ومن غير شيء، لَقَال: ولقد هَمَّتْ به ولم يَهِم بها. ولكن مثل هذا القول هو نَفْيٌ للحدث بما لا يستلزم العفة والعصمة، لجواز أن يكون عدم الهَمِّ راجعاً إلى نقص ما؛ وحتى لا يتطرق إلينا تشبيهه ببعض الخدم؛ حيث يستحي الخادم أن ينظر إلى البنات الجميلات للأسرة التي يعمل عندها؛ ويتجه نظره إلى الخادمة التي تعمل في المنزل المجاور، لأن للعواطف التقاءات. ومن لُطْفِ الله بالخلق أنه يُوجِد الالتقاءات التفاعلية في المتساويات، فلا تأتي عاطفة الخادم في بعض الأحيان ناحية بنات البيت الذي يعمل عنده؛ وقد يطلب من أهل البيت أن يخرج لشراء أي شيء من خارج المنزل، لعله يحظى بلقاء عابر من خادمة الجيران. ويجوز أن الخادم قد فكر في أنه لو هَمَّ بواحدة من بنات الأسرة التي يعمل لديها؛ فقد تطرده الأسرة من العمل؛ بينما هو يحيا سعيداً مع تلك الأسرة. وهكذا يشاء الحق سبحانه أن يوزع تلك المسائل بنظام وتكافؤات في كثير من الأحيان. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قال الحق سبحانه: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ..} [يوسف: 24]. إذن: فبرهان ربه سابق على الهَمِّ، فواحد هَمّ ولم يرتكب ما يتطلبه الهمّ؛ لأن برهان ربه في قلبه، وقد عرف يوسف برهان ربه من البداية. وبذلك تنتهي المسألة، ولذلك فلا داعي أن يدخل الناس في متاهات أنه هَمّ وجلس بين شعبتيها، ولم يرتعد إلا عندما تمثِّل له وجه والده يعقوب ونهاه عن هذا الفعل؛ فأفسقُ الفُسّاق ولو تمثَّل له أبوه وهو في مثل هذا الموقف لأصيب بالإغماء. وحين تناقش مَنْ رأى هذا الرأي؛ يردّ بأن هدفه أن يثبت فحولة يوسف؛ لأن الهمّ وجد وأنه قد نازع الهمّ. ونقول لصاحب هذا الرأي: أتتكلم عن الله، أم عن الشيطان؟ أنت لو نظرتَ إلى أبطال القصة تجدهم: امرأة العزيز؛ ويوسف والعزيز نفسه؛ والشاهد على أن يوسف قد حاول الفِكَاك من ذلك الموقف، ثم النسوة اللاتي دَعتْهُنَّ امرأة العزيز ليشاهدوا جماله؛ والله قد كتب له العصمة. فكُلُّ هؤلاء تضافروا على أن يوسف لم يحدث منه شيء. وقال يوسف نفسه: {أية : هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ..}تفسير : [يوسف: 26] وامرأة العزيز نفسها قالت مُصدِّقة لِمَا قال: {أية : وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ ..} تفسير : [يوسف: 32]. وقالت: {أية : ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ * ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ..} تفسير : [يوسف: 51-52]. وعن النسوة قال يوسف: {أية : مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}تفسير : [يوسف: 50]. وقال يوسف لحظتها: {أية : وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [يوسف: 33]. والصَّبْوة هي حديث النفس بالشيء؛ وهو ما يثبت قدرة يوسف عليه السلام على الفعل، وحماه الله من الصبوة؛ لأن الحق سبحانه قد قال: {أية : فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ..} تفسير : [يوسف: 34]. وانظر إلى لقطة النسوة اللاتي تهامسْنَ بالنميمة عن امرأة العزيز وحكايتها مع يوسف، ألم يَقُلْنَ: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ..} تفسير : [يوسف: 31]. فحين دخل عليهن اتجهت العيون له، وللعيون لغات؛ وللانفعال لغات؛ وإلا لماذا قال يوسف: {أية : وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ..} تفسير : [يوسف: 33]. وهكذا نعلم أنه قد حدثت مُقدِّمات تدل على أن النسوة نَويْنَ له مثل ما نَوَتْه امرأة العزيز؛ وظَننَّ أن امرأة العزيز سوف تطرده؛ فيتلقفنه هُنَّ؛ وهذا دَأب البيوت الفاسدة. وهل هناك أفسد من بيت العزيز نفسه، بعد أن حكم الشاهد أنها هي التي راودتْ يوسف عن نفسه؛ فيدمدم العزيز على الحكاية، ويقول: {أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} تفسير : [يوسف: 29]. وكان هدف العزيز أن يحفظ مكانته من القيل والقال. وحين سأل الشاهد النسوة، بماذا أَجبْنَ؟ يقول الحق سبحانه أن النسوة قُلْنَ: {أية : مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ..} تفسير : [يوسف: 51]. وقد صرف الله عنه الشيطان الذي يتكفل دائماً بالغُواية، وهو لا يدخل أبداً في معركة مع الله؛ ولكنه يدخل مع خَلْق الله؛ لأن الحق سبحانه يورد على لسانه: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 82-83]. فالشيطان نفسه يُقِرُّ أن مَنْ يستخلصه الله لنفسه من العباد إنما يعجز - هو كشيطان - عَن غوايته، ولا يجرؤ على الاقتراب منه. والشاهد الذي من أهل امرأة العزيز، واستدعاه العزيز ليتعرف على الحقيقة قال: {أية : وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ} تفسير : [يوسف: 27]. وبعد كل هذه الأدلة فليس من حَقِّ أحد أن يتساءل: هل هَمَّ يوسف بامرأة العزيز، أم لم يَهِمّ؟ وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، يقول الحق سبحانه: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ..} [يوسف: 24]. والبرهان هو الحجة على الحكم. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ..} تفسير : [النساء: 165]. أي: لا بُدَّ أن يبعث الحقُّ رسولاً للناس مُؤيداً بمعجزة تجعلهم يُصدِّقون المنهج الذي يسيرون عليه؛ كي يعيشوا حياتهم بانسجام إيماني، ولا يعذبهم الله في الآخرة. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية بقوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]. والفحشاء هي الزنا والإتيان؛ والسوء هي فكرة الهَمِّ، وبعض المعتدلين قالوا: إنها بعد أن راودتْه عن نفسه؛ وخرجت بالفعل إلى مرحلة السُّعَار لحظة أن سبقها إلى الباب؛ فكَّرتْ في أن تقتله؛ وحاول هو أن يدافع عن نفسه وأن يقتلها، ولو قتلها فلسوف يُجازى كقاتل. فصرف الحق عنه فكرة القتل؛ وعنى بها هنا قوله الحق "السوء"؛ ولكني اطمئن إلى أن السوء هو فكرة الهَمِّ، وهي مُقدِّمات الفعل. ويقرر الحق سبحانه أن يوسف عليه السلام من عباده المُخْلصين، وفي هذا رد على الشيطان؛ لأن الشيطان قال: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص: 83]. وقوله الحق هنا: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]. يؤكد إقرار الشيطان أنه لن يَقْرب عباد الله المخلصين. وهناك "مُخْلِصِين". و"مُخْلَصِين" والمخلِص هو مَنْ جاهد فكسب طاعة الله، وَالمُخْلَص هو مَنْ كسَب فجاهد وأَخلصه الله لنفسه. وهناك أُناس يَصِلُون بطاعة الله إلى كرامة الله، وهناك أُناس يكرمهم الله فيطيعون الله - ولله المثل الأعلى - مُنزَّه عن كل تشبيه، أنت قد يطرق بابك واحد يسألك من فضل الله عليك؛ فتستضيفه وتُكرمه، ومرة أخرى قد تمشي في الشارع وتدعو واحداً لتعطيه من فضل الله عليك، أي: أن هناك مَنْ يطلب فتأذن له، وهناك مَنْ تطلبه أنت لتعطيه. وبعد الحديث عن المراودة بما فيها من لين وأَخْذٍ ورَد؛ ينتقل بنا الحق سبحانه إلى ما حدث من حركة، فيقول تعالى: {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ ...}.

الأندلسي

تفسير : {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} الذي نقوله ان يوسف عليه الصلاة والسلام لم يقع منه هم بها البتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، كما تقول: قارنت لولا أن عصمك الله. قال ابن عطية: قول من قال ان الكلام قد تم في قوله: ولقد همت به وان جواب لولا في قوله: وهمّ بها، وان المعنى لولا ان رأى البرهان لهمّ بها فلم يهُمَّ يوسف عليه السلام يرده لسان العرب وأقوال السلف. "انتهى". أما قوله: يرده لسان العرب فليس كما ذكر وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب. قال تعالى: {أية : إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [القصص: 10] فقوله: ان كادت لتبدي به اما أن يتخرج على أنه الجواب على ما ذهب إليه القائل، واما أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به. وأما أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك، لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضاً مع كونها قادحة في بعض المسلمين فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة. والذي رووا عن السلف لا يساعد عليهم كلام العرب، لأنهم قدروا جواب لولا محذوفاً. ولا يدل عليه دليل لأنهم لم يقدروا والهمّ بها ولا يدل كلام العرب إلا أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط لأن ما قبل الشرط دليل عليه، ولا يحذف الشىء لغير دليل والبرهان الذي رآه هو ما آتاه الله من العلم الدال على تحريم ما حرمه الله تعالى، ولا يمكن الهم به فضلاً عن الوقوع به. {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ} التقدير مثل تلك الرؤية، أو مثل ذلك الرأي براهيننا لنصرف عنه فتجعل الإِشارة إلى الرؤية أو الرأي والناصب للكاف مما دل عليه قوله: لولا أن رأى برهان ربه، ولنصرف متعلق بذلك الفعل الناصب للكاف. {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ} الآية، أي واستبق يوسف وامرأة العزيز إلى الباب هذا للخروج والهروب منها وهذه لمنعه ومراودته. وأصل استبق أن يتعدى بإِلى فحذف اتساعاً. "وقدت قميصه"، أي قطعته، والقد: القطع والشق وأكثر استعماله فيما كان طولاً. {مِن دُبُرٍ} أي من وراء. {وَأَلْفَيَا} أي وجدا وصادفا زوجها والمرأة تقول لبعلها سيدي، ولم يضف إليهما، لأن زوجها ليس سيداً ليوسف على الحقيقة. {مَا جَزَآءُ} ما: نافية. وبدأت بالسجن إبقاء على محبوبها ثم ترقت إلى العذاب الأليم، قيل: وهو الضرب بالسوط، وقولها ما جزاء، أي أن الذنب ثابت متقرر في حقه وأتت بلفظة سوء، أي مما يسوؤها وليس نصاً في معصية كبرى، إذ يحتمل خطابه لها بما يسوؤها أو ضربه إياها. وقولها إلا أن يسجن أو عذاب أليم يدل على عظم موقع السجن من ذوي الأقدار حيث قرنته بالعذاب الأليم ولما أغرت بيوسف عليه السلام وأظهرت تهمته احتاج إلى إزالة التهمة عن نفسه. فقال: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} ولم يستو أولاً إلى القول ستراً عليها فلما خاف على نفسه وعلى عرضه الطاهر قال: هي راودتني، وأتى بضمير الغيبة إذ كان غلب عليه الحياء أن يشير إليها ويعنيها بالإِشارة فيقول: هذه راودتني أو تلك روادتني لأن في المواجهة بالقبيح ما ليس في الغيبة، ولما تعارض قولاهما عند العزيز وكان رجلاً فيه إناءة ونصفة طلب الشاهد من كلٍ منهما فشهد شاهد من أهلها فقيل: كان ابن خالتها طفلاً في المهد أنطقه الله ليكون أدل على الحجة، وجواب الشرط فصدقت وفكذبت وهو على إضمار قد، أي فقد صدقت وفقد كذبت. {فَلَمَّا رَأَى} أي زوجها. {قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ} أي ان قولك ما جزاء إلى آخره أو ان هذا الأمر وهو طمعها في يوسف. والخطاب في: {كَيْدِكُنَّ} لها ولجواريها أو لها وللنساء، ووصف كيد النساء بالعظم وان كان قد يوجد في الرجال لأنهن ألطف كيداً مما جُبلن عليه وبما تفرغن له واكتسب بعضهن من بعض وهنا أنفذ حيلة. وقال تعالى: {أية : وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ}تفسير : [الفلق: 4]. وأما اللواتي في القصور فمعهن من ذلك ما لا يوجد لغيرهن لكونهن أكثر تفرغاً في غيرهن وأكثر تأنساً بأمثالهن. {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} أي هذا الأمر واكتمه ولا تتحدث به. وفي ندائه باسمه تقريب له وتلطيف، ثم أقبل عليها فقال: {وَٱسْتَغْفِرِي} ثم ذكر سبب الاستغفار، وهو قوله: {لِذَنبِكِ}، ثم أكد ذلك بقوله: {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} ولم يقل من الخاطئات لأن الخاطئين أعم لأنه ينطلق على الذكور والإِناث بالتغليب خطىء إذ أذنب متعمداً. وقال الزمخشري: وما كان العزيز إلا حليماً، وروي أنه كان قليل الغيرة. "انتهى". وتربة إقليم مصر اقتضت هذا وأين هذا مما جرى لبعض ملوكنا أنه كان مع ندمائه المختصين به في مجلس انس وجارية تغنيهم من وراء ستر فاستعاد بعض خلصائه بيتين من الجارية كانت قد غنت بهما فما لبث أن جاء برأس الجارية مقطوعاً في طشت وقال له الملك استعد البيتين من هذا الرأس فسقط في يد ذلك المستعيد ومرض مدة حياة ذلك الملك.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 394 : 14 : 5 - سفين عن بن جريج وسالم، أو أحدهما، عن بن أبي مليكة عن بن عباس في قوله {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} قال، أسلمت له، وحل التبان وقعد بين فخذيها. فنادى منادٍ: "يا يوسف، لا تكن كالطاير. إذا دما، ذهب ريشه". فلم يعظ عن الندا شياً. فنودي الثانية. فلم يعظ عن الندا شياً. فتمثل له يعقوب، فضرب صدره، فقام، فخرجت الشهوة من أنامله. [الآية 24]. 395 : 15 : 6 - سفين عن بن جريج أو بن أبي نجيح. شك أبو جعفر. عن بن أبي مليكة عن بن عباس قال، كان يولد لإِخوته إثنا عشر ذكراً. يولد له أحد عشر ولداً من أجل الشهوة التي خرجت. 396 : 16 : 7 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد قال، تمثل له يعقول عاضاً على أصابعه. 397 : 17 : 8 - سفين عن أبي حصين عن سعيد بن جبير {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} قال، يعقوب. [الآية 24].

همام الصنعاني

تفسير : 1294- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا}: [الآية: 24]، قال: جلس منها مجلس الرجُلِ من امرأته حتى رأى صورة يعقوب في الجدار. 1295- قال معمر، قال قتادة: بل رأى صورة يعقوب في الجدار فقال: يا يوسف أتعمل عمل الفجار، وأنت مكتوب في الأنبياء، فَاسْتَحْيَا منه. 1296- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}: [الآية: 24]، قال: يعقوب ضرب بيده على صدره، فخرجت شهوة يوسف من أنامله. 1297- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: يعقوب مثل له. 1298- حدثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن يونس، عن الحسن، قال: رأى يعقوب عاضاً على يديه. 1299- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَةَ عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي مليكة، قال: شهدتُ ابنَ عباس وهُوَ يُسْأَلُ عن هم يوسف ما بلغ؟ قال: حَل الهميان وجلس مِنْهَا مجلس الخاتن، فنودي: يا ابنَ يعقوب أتَزْني فتكون كالطائر وقع ريشه فذهب يطير فلا ريش له.