١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عنها أنها {هَمَّتْ } أتبعه بكيفية طلبها وهربه فقال: {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ } والمراد أنه هرب منها وحاول الخروج من الباب وعدت المرأة خلفه لتجذبه إلى نفسها، والاستباق طلب السبق إلى الشيء، ومعناه تبادر إلى الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه فإن سبق يوسف فتح الباب وخرج، وإن سبقت المرأة أمسكت الباب لئلا يخرج، وقوله: {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ } أي استبقا إلى الباب كقوله: { أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً } تفسير : [الأعراف: 155] أي من قومه. واعلم أن يوسف عليه السلام سبقها إلى الباب وأراد الخروج والمرأة تعدو خلقه فلم تصل إلا إلى دبر القميص فقدته، أي قطعته طولاً، وفي ذلك الوقت حضر زوجها وهو المراد من قوله {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَىٰ ٱلْبَابِ } أي صادفا بعلها تقول المرأة لبعلها سيدي، وإنما لم يقل سيدهما لأن يوسف عليه السلام ما كان مملوكاً لذلك الرجل في الحقيقة، فعند ذلك خافت المرأة من التهمة فبادرت إلى أن رمت يوسف بالفعل القبيح، وقالت: {مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } والمعنى ظاهر. وفي الآية لطائف: إحداها: أن «ما» يحتمل أن تكون نافية، أي ليس جزاؤه إلا السجن، ويجوز أيضاً أن تكون استفهامية يعني أي شيء جزاؤه إلا أن يسجن كما تقول: من في الدار إلا زيد. وثانيها: أن حبها الشديد ليوسف حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضع وذلك لأنها بدأت بذكر السجن، وأخرت ذكر العذاب، لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب، وأيضاً أنها لم تذكر أن يوسف يجب أن يعامل بأحد هذين الأمرين، بل ذكرت ذلك ذكراً كلياً صوناً للمحبوب عن الذكر بالسوء والألم، وأيضاً قالت: {إِلا أَن يُسْجَنَ } والمراد أن يسجن يوماً أو أقل على سبيل التخفيف. فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر بهذه العبارة، بل يقال: يجب أن يجعل من المسجونين ألا ترى أن فرعون هكذا قال حين تهدد موسى عليه السلام في قوله: { أية : لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى لاجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } تفسير : [الشعراء: 29] وثالثها: أنها لما شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم منها أنه كان في عنفوان العمر وكمال القوة ونهاية الشهوة، عظم اعتقادها في طهارته ونزاهته فاستحيت أن تقول إن يوسف عليه السلام قصدني بالسوء، وما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا التعريض، فانظر إلى تلك المرأة ما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب وأن هؤلاء الحشوية يرمونه بعد قريب من أربعة آلاف سنة بهذا الذنب القبيح. ورابعها: أن يوسف عليه السلام أراد يضربها ويدفعها عن نفسه، وكان ذلك بالنسبة إليها جارياً مجرى السوء فقولها: {مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ } جارياً مجرى التعريض فلعلها بقلبها كانت تريد إقدامه على دفعها ومنعها وفي ظاهر الأمر كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي. واعلم أن المرأة لما ذكرت هذا الكلام ولطخت عرض يوسف عليه السلام احتاج يوسف إلى إزالة هذه التهمة فقال: {هي راودتني عن نفسي}، وأن يوسف عليه السلام ما هتك سترها في أول الأمر إلا أنه لما خاف على النفس وعلى العرض أظهر الأمر. واعلم أن العلامات الكثيرة كانت دالة على أن يوسف عليه السلام هو الصادق: فالأول: أن يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد والثاني: أنهم شاهدوا أن يوسف عليه السلام كان يعدو عدواً شديداً ليخرج والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من الدار على هذا الوجه، والثالث: أنهم رأوا أن المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه، وأما يوسف عليه السلام فما كان عليه أثر من آثار تزيين النفس فكان إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى، الرابع: أنهم كانوا قد شاهدوا أحوال يوسف عليه السلام في المدة الطويلة فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر، وذلك أيضاً مما يقوي الظن، الخامس: أن المرأة ما نسبته إلى طلب الفاحشة على سبيل التصريح بل ذكرت كلاماً مجملاً مبهماً، وأما يوسف عليه السلام فإنه صرح بالأمر ولو أنه كان متهماً لما قدر على التصريح باللفظ الصريح فإن الخائن خائف؛ السادس: قيل: إن زوج المرأة كان عاجزاً وآثار طلب الشهوة في حق المرأة كانت متكاملة فإلحاق هذه الفتنة بها أولى، فلما حصلت هذه الأمارات الكثيرة الدالة على أن مبدأ هذه الفتنة كان من المرأة استحيا الزوج وتوقف وسكت لعلمه بأن يوسف صادق والمرأة كاذبة، ثم إنه تعالى أظهر ليوسف عليه السلام دليلاً آخر يقوي تلك الدلائل المذكورة ويدل على أنه بريء عن الذنب وأن المرأة هي المذنبة، وهو قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا } وفي هذا الشاهد ثلاثة أقوال: الأول: أنه كان لها ابن عم وكان رجلاً حكيماً واتفق في ذلك الوقت أنه كان مع الملك يريد أن يدخل عليها فقال قد سمعنا الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة والرجل كاذب وإن كان من خلفه فالرجل صادق وأنت كاذبة فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه، قال ابن عمها: {إِنَّهُ مِنَ كَيْدَكُن إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } أي من عملكن. ثم قال ليوسف أعرض عن هذا واكتمه، وقال لها استغفري لذنبك، وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين. والثاني: وهو أيضاً منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والضحاك: إن ذلك الشاهد كان صبياً أنطقه الله تعالى في المهد، فقال ابن عباس: تكلم في المهد أربعة صغار شاهد يوسف، وابن ماشطة بنت فرعون، وعيسى بن مريم، وصاحب جريج الراهب قال الجبائي: والقول الأول أولى لوجوه: الأول: أنه تعالى لو أنطق الطفل بهذا الكلام لكان مجرد قوله إنها كاذبة كافياً وبرهاناً قاطعاً، لأنه من البراهين القاطعة القاهرة، والاستدلال بتمزيق القميص من قبل ومن دبر دليل ظني ضعيف والعدول عن الحجة القاطعة حال حضورها وحصولها إلى الدلالة الظنية لا يجوز. الثاني: أنه تعالى قال: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا } وإنما قال من أهلها ليكون أولى بالقبول في حق المرأة لأن الظاهر من حال من يكون من أقرباء المرأة ومن أهلها أن لا يقصدها بالسوء والإضرار، فالمقصود بذكر كون ذلك الرجل من أهلها تقوية قول ذلك الرجل وهذه الترجيحات إنما يصار إليها عند كون الدلالة ظنية، ولو كان هذا القول صادراً عن الصبي الذي في المهد لكان قوله حجة قاطعة ولا يتفاوت الحال بين أن يكون من أهلها، وبين أن لا يكون من أهلها وحينئذ لا يبقى لهذا القيد أثر. والثالث: أن لفظ الشاهد لا يقع في العرف إلا على من تقدمت له معرفة بالواقعة وإحاطة بها. والقول الثالث: أن ذلك الشاهد هو القميص، قال مجاهد: الشاهد كون قميصه مشقوقاً من دبر، وهذا في غاية الضعف لأن القميص لا يوصف بهذا ولا ينسب إلى الأهل. واعلم أن القول الأول عليه أيضاً إشكال وذلك لأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف عليه السلام عن المعصية لأن من المحتمل أن الرجل قصد المرأة لطلب الزنا فالمرأة غضبت عليه فهرب الرجل فعدت المرأة خلف الرجل وجذبته لقصد أن تضربه ضرباً وجيعاً فعلى هذا الوجه يكون القميص متخرقاً من دبر مع أن المرأة تكون برية عن الذنب والرجل يكون مذنباً. وجوابه: أنا بينا أن علامات كذب المرأة كانت كثيرة بالغة مبلغ اليقين فضموا إليها هذه العلامة الأخرى لا لأجل أن يعولوا في الحكم عليها، بل لأجل أن يكون ذلك جارياً مجرى المقويات والمرجحات. ثم إنه تعالى أخبر وقال: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ } وذلك يحتمل السيد الذي هو زوجها ويحتمل الشاهد فلذلك اختلفوا فيه، قال: {إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ } أي أن قولك ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً من كيدكن إن كيدكن عظيم. فإن قيل: إنه تعالى لما خلق الإنسان ضعيفاً فكيف وصف كيد المرأة بالعظم، وأيضاً فكيد الرجال قد يزيد على كيد النساء. والجواب عن الأول: أن خلقة الإنسان بالنسبة إلى خلقة الملائكة والسموات والكواكب خلقة ضعيفة وكيد النسوات بالنسبة إلى كيد البشر عظيم ولا منافاة بين القولين وأيضاً فالنساء لهن في هذا الباب من المكر والحيل ما لا يكون للرجال ولأن كيدهن في هذا الباب يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال. واعلم أنه لما ظهر للقوم براءة يوسف عليه السلام عن ذلك الفعل المنكر حكى تعالى عنه أنه قال: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا } فقيل: إن هذا من قول العزيز، وقيل: إنه من قول الشاهد، ومعناه: أعرض عن ذكر هذه الواقعة حتى لا ينتشر خبرها ولا يحصل العار العظيم بسببها، وكما أمر يوسف بكتمان هذه الواقعة أمر المرأة بالاستغفار فقال: {وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ } وظاهر ذلك طلب المغفرة، ويحتمل أن يكون المراد من الزوج ويكون معنى المغفرة العفو والصفح، وعلى هذا التقدير فالأقرب أن قائل هذا القول هو الشاهد، ويحتمل أن يكون المراد بالاستغفار من الله، لأن أولئك الأقوام كانوا يثبتون الصانع، إلا أنهم مع ذلك كانوا يعبدون الأوثان بدليل أن يوسف عليه السلام قال: { أية : مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ } تفسير : [يوسف: 39] وعلى هذا التقدير: فيجوز أن يكون القائل هو الزوج. وقوله: {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَـٰطِئِينَ } نسبة لها إلى أنها كانت كثيرة الخطأ فيما تقدم، وهذا أحد ما يدل على أن الزوج عرف في أول الأمر أن الذنب للمرأة لا ليوسف، لأنه كان يعرف عنها إقدامها على ما لا ينبغي. وقال أبو بكر الأصم: إن ذلك لزوج كان قليل الغيرة فاكتفى منها بالاستغفار. قال صاحب «الكشاف»: وإنما قال من الخاطئين بلفظ التذكير، تغليباً للذكور على الإناث، ويحتمل أن يقال: المراد إنك من نسل الخاطئين، فمن ذلك النسل سرى هذا العرق الخبيث فيك. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ}. فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ} قالت العلماء: وهذا من ٱختصار القرآن المعجز الذي يجتمع فيه المعاني؛ وذلك أنه لما رأى برهان ربه هرب منها فتعاديا، هي لتردّه إلى نفسها، وهو ليهرب عنها، فأدركته قبل أن يخرج. {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ} أي من خَلْفه؛ قبضت في أعلى قميصه فتخرّق القميص عند طوقه، ونزل التخريق إلى أسفل القميص. والاستباق طلب السّبق إلى الشيء؛ ومنه السّباق. والقدّ القطع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طولاً؛ قال النابغة:شعر : تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُ وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُبَاحِبِ تفسير : والقَطُّ بالطاء يستعمل فيما كان عَرْضاً. وقال المفضّل بن حرب: قرأت في مصحف «فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ عُطَّ مِنْ دُبُرٍ» أي شُقّ. قال يعقوب: العَطّ الشّق في الجلد الصحيح والثوب الصحيح. وحذفت الألف من «ٱسْتَبَقَا» في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها؛ كما يقال: جاءني عبدَ الله في التثنية؛ ومن العرب من يقول: جاءني عبدا الله بإثبات الألف بغير همز، يجمع بين ساكنين؛ لأن الثاني مدغم، والأوّل حرف مدّ ولين. ومنهم من يقول: عبدا الله بإثبات الألف والهمز، كما تقول في الوقف. الثانية: في الآية دليل على القياس والاعتبار، والعمل بالعرف والعادة؛ لما ذكر من قدّ القميص مقبلاً ومدبراً، وهذا أمر ٱنفرد به المالكية في كتبهم؛ وذلك أن القميص إذا جُبِذ من خلف تمزّق من تلك الجهة، وإذا جُبِذ من قدّام تمزق من تلك الجهة، وهذا هو الأغلب. قوله تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ} أي وجدا العزيز عند الباب، وعُنِيَ بالسيّد الزوج؛ والقبط يسّمون الزوج سيّداً. يقال: ألفاه وصادفه ووارطه ووالطه ولاطه كله بمعنى واحد؛ فلما رأت زوجها طلبت وجهاً للحيلة وكادت فـ {قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا} أي زنًى. {إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تقول: يُضرب ضرباً وجيعاً. و «مَا جَزَاءُ» ابتداء، وخبره «أَنْ يُسْجَنَ». «أَوْ عَذَابٌ» عطف على موضع «أَنْ يُسْجَنَ» لأن المعنى: إلا السّجن. ويجوز أو عذاباً أليماً بمعنى: أو يعذّب عذاباً أليماً؛ قاله الكسائي.
البيضاوي
تفسير : {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ } أي تسابقا إلى الباب، فحذف الجار أو ضمن الفعل معنى الابتدار. وذلك أن يوسف فرَّ منها ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج. {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ } اجتذبته من ورائه فانقد قميصه والقد الشق طولاً والقط الشق عرضاً. {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا } وصادفا زوجها. {لَدَىٰ ٱلْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } إيهاماً بأنها فرت منه تبرئة لساحتها عند زوجها وتغييره على يوسف وإغراءه به انتقاماً منه، و {مَا } نافية أو استفهامية بمعنى أي شيء جزاءه إلا السجن.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب: يوسف هارب، والمرأة تطلبه ليرجع إلى البيت، فلحقته في أثناء ذلك، فأمسكت بقميصه من ورائه، فقدَّتْه قداً فظيعاً، يقال: إنه سقط عنه، واستمر يوسف هارباً ذاهباً، وهي في أثره، فألفيا سيدها، وهو زوجها، عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها: { مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا} أي: فاحشة {إِلاَ أَن يُسْجَنَ} أي: يحبس، {أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: يضرب ضرباً شديداً موجعاً. فعند ذلك انتصر يوسف عليه السلام بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة، و{قَالَ} باراً صادقاً: {هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى} وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ} أي: من قدامه، {فَصَدَقَتْ} أي: في قولها: إنه راودها عن نفسها؛ لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه، دفعته في صدره، فقدّت قميصه،فيصح ما قالت، { وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّـٰدِقِينَ} وذلك يكون كما وقع، لما هرب منها وتطلبته، أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها، فقدت قميصه من ورائه، وقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغير أو كبير؟ على قولين لعلماء السلف، فقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} قال: ذو لحية، وقال الثوري: عن جابر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: كان من خاصة الملك، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم: إنه كان رجلاً. وقال زيد بن أسلم والسدي: كان ابن عمها. وقال ابن عباس: كان من خاصة الملك. وقد ذكر ابن إسحاق أن زليخا كانت بنت أخت الملك الريان بن الوليد. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} قال: كان صبياً في المهد، وكذا روي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم: أنه كان صبياً في الدار، واختاره ابن جرير، وقد ورد فيه حديث مرفوع، فقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا حماد، هو ابن سلمة، أخبرني عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تكلم أربعة وهم صغار» تفسير : فذكر فيهم شاهد يوسف، ورواه غيره عن حماد بن سلمة، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس: أنه قال: «حديث : تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم»تفسير : . وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: كان من أمر الله تعالى، ولم يكن إنسياً، وهذا قول غريب. وقوله: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ} أي: لما تحقق زوجها صدق يوسف، وكذبها فيما قذفته ورمته به، {قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ} أي: إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن، {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}، ثم قال آمراً ليوسف عليه السلام بكتمان ما وقع: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} أي: اضرب عن هذا صفحاً، أي: فلا تذكره لأحد. {وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ} يقول لامرأته، وقد كان لين العريكة سهلاً، أو أنه عَذَرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه، فقال لها: استغفري لذنبك، أي: الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب، ثم قذفه بما هو بريء منه، {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَـٰطِئِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ } بادرا إليه يوسف للفرار وهي للتشبث فيه، فأمسكت ثوبه وجذبته إليها {وَقَدَّتْ } شقت {قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا } وجدا {سَيِّدَهَا } زوجها {لَدَىٰ ٱلْبَابِ } فنزّهت نفسها، ثم {قَالَتْ مَا جَزآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً } زناً {إِلاَّ أَن يُسْجَنَ } يحبس في سِجْن {أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم بأن يضرب.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {واستبقا الباب}أي أسرعا إليه، أما يوسف فأسرع إليه هرباً، وأما امرأة العزيز فأسرعت إليه طلباً. {وقَدت قميصه من دبر}لأنها أدركته وقد فتح بعض الأغلاق فجذبته من ورائه فشقت قميصه إلى ساقه، قال ابن عباس: وسقط عنه وتبعته. {وألفيا سيدها لَدى الباب} أي وجدا زوجها عند الباب. قال أبو صالح: والسيد هو الزوج بلسان القبط. {قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلاّ أن يسجن أو عذابٌ أليمٌ} هذا قولها لزوجها لتدفع الريبة عن نفسها بإلقائها على يوسف، ولو صدق حبها لم تفعل ذلك به ولآثرته على نفسها، ولكنها شهوة نزعت ومحبة لم تصف. وذلك أنه لما اقترن شدة حبها بالشهوة طلبت دفع الضرر بالتكذيب عليه، ولو خلص من الشهوة لطلبت دفع الضرر عنه بالصدق. {قال هي راودتني عن نفسي}لأنها لما برأت نفسها بالكذب عليه احتاج أن يبرىء نفسه بالصدق عليها، ولو كفت عن الكذب عليه لكف عن الصدق عليها. {وشهد شاهد من أهلها} لأنهما لما تعارضا في القول احتاج الملك إلى شاهد يعلم به صدق الصادق منهما من الكاذب، فشهد شاهد من أهلها، أي حكم حاكم من أهلها لأنه حكم منه وليس شهادة. وفيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه صبي أنطقه الله تعالى في مهده، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وسعيد بن جبير والضحاك. الثاني: أنه خلق من خلق الله تعالى ليس بإنس ولا جن، قاله مجاهد. الثالث: أنه رجل حكيم من أهلها، قاله قتادة. قال السدي وكان ابن عمها. الرابع: أنه عنى شهادة القميص المقدود، قاله مجاهد أيضاً. {إن كان قميصُه قد مِن قُبل فصدقت وهو من الكاذبين} {وإن كان قميصه قد من دُبر فكذبت وهو من الصادقين} لأن الرجل إذا طلب المرأة كان مقبلاً عليها فيكون شق قميصه من قبله دليلاً على طلبه. وإذا هرب من المرأة كان مدبراً عنها فيكون شق قميصه من دبره دليلاً على هربه. وهذه إحدى الآيات الثلاث في قميصه: إن كان قُدَّ من دبر فكان فيه دليل على صدقه، وحين جاءوا على قميصه بدم كذب، وحين ألقي على وجه أبيه فارتدّ بصيراً. {فلما رأى قميصه قُدَّ من دُبُرٍ قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم}علم بذلك صدق يوسف فصدّقه وقال إنه من كيدكن. وفي الكيد هما وجهان: أحدهما: يعني به كذبها عليه. الثاني: أنه أراد السوء الذي دعته إليه. وفي قائل ذلك قولان: أحدهما: أنه الزوج، قاله محمد بن إسحاق. الثاني: أنه الشاهد، حكاه علي بن عيسى. قوله عزوجل: {يوسف أعرض عن هذا} فيه وجهان: أحدهما: أعرض عن هذا الأمر، قال قتادة: على وجه التسلية له في ارتفاع الإثم. الثاني: أعرض عن هذا القول، قاله ابن زيد على وجه التصديق له في البراءة من الذنب. {واستغفري لذنبك} هذا قول الملك لزوجه وهو القائل ليوسف أعرض عن هذا. وفيه قولان: أحدهما: أنه لم يكن غيوراً فلذلك كان ساكتاً. الثاني: أن الله تعالى سلبه الغيرة وكان فيه لطف بيوسف حتى كفى بادرته وحلم عنها فأمرها بالاستغفار من ذنبها توبة منه وإقلاعاً عنه. {إنك كنت من الخاطئين} يعني من المذنبين، يقال لمن قصد الذنب خَطِىءَ، ولمن لم يقصده أخطأ، وكذلك في الصوب والصواب، قال الشاعر: شعر : لعمرك إنما خطئي وصوبي عليّ وإنما أهلكت مالي تفسير : وقال من الخاطئين ولم يقل من الخاطئات لتغليب المذكر على المؤنث.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} ليخرج منه هرباً وأسرعت إليه طلباً {وَقَدَّتْ} أدركته وقد فتح بعض الأغلاق فجذبته فشقت قميصه إلى ساقه فسقط عنه وتبعته. {وَالْفَيَا} وجدا {سَيِّدَهَا} زوجها بلسان القبط.
النسفي
تفسير : {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ } وتسابقا إلى الباب، هي للطلب وهو للهرب، على حذف الجار وإيصال الفعل كقوله {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ }تفسير : [الأعراف: 155] أو على تضمين {استبقا} معنى ابتدارا ففر منها يوسف فأسرع يريد الباب ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج ووحد الباب وإن كان جمعه في قوله {أية : وغلقت الأبواب}تفسير : لأنه أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار ولما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ } اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق حين هرب منها إلى الباب وتبعته تمنعه {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لُّدّاً ٱلْبَابَ } وصادفا بعلها قطفير مقبلاً يريد أن يدخل، فلما رأته احتالت لتبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة ولتخويف يوسف طمعاً في أن يواطئها خيفة منها ومن مكرها حيث {قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } «ما» نافيه أي ليس جزاؤه إلا السجن أو عذاب أليم وهو الضرب بالسياط، ولم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءً لأنها قصدت العموم أي كل من أراد بأهلك سوءاً فحقه أن يسجن أو يعذب، لأن ذلك أبلغ فيما قصدت من تخويف يوسف. ولما عرضته للسجن والعذاب ووجب عليه الدفع عن نفسه.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {واستبقا الباب} وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام لما رأى البرهان قام هارباً مبادراً إلى الباب وتبعته المرأة لتمسك عليه الباب حتى لا يخرج والمسابقة طلب السبق فسبق يوسف وأدركته المرأة فتعلقت بقميصه من خلفه وجذبته إليها حتى لا يخرج فذلك قوله عز وجل: {وقدت قميصه من دبر} يعني شقته من خلف فغلبها يوسف فخرج وخرجت معه {وألفيا سيدها لدى الباب} يعني فلما خرجا وجدا زوج المرأة قطفير وهو العزيز عند الباب جالساً مع ابن عم المرأة فلما رأته المرأة هابته وخافت التهمة فسبقت يوسف بالقول {قالت} يعني لزوجها {ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً} يعني الفاحشة ثم خافت عليه أن يقتله وذلك لشدة حبها له فقالت {إلا أن يسجن} أي يحبس في السجن ويمنع التصرف {أو عذاب أليم} يعني الضرب بالسياط وإنما بدأ بذكر السجن دون العذاب لأن الحب لا يشتهي إيلام المحبوب وإنما أرادت أن يسجن عندها يوماً أو يومين ولم ترد السجن الطويل وهذه لطيفة فافهمها فلما سمع يوسف مقالتها أراد أن يبرهن عن نفسه {قال} يعني يوسف {هي راودتني عن نفسي} يعني طلبت مني الفحشاء فأبيت وفررت وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام ما كان يريد أن يذكر هذا القول ولا يهتك سترها ولكن لما قالت هي ما قالت ولطخت عرضه احتاج إلى إزالة هذه التهمة عن نفسه فقال هي راودتني عن نفسي {وشهد شاهد من أهلها} يعني وحكم حاكم من أهل المرأة واختلفوا في ذلك الشاهد، فقال سعيد بن جبير والضحاك: كان صبياً في المهد فأنطقه الله عز وجل وهو رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة وابنة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم"تفسير : ذكره البغوي بغير سند والذي جاء في الصحيحين "حديث : ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وابن المرأة" تفسير : وقصتهم مخرجة في الصحيح قيل كان هذا الصبي شاهد يوسف ابن خال المرأة. وقال الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: لم يكن صبياً ولكنه كان رجلاً حكيماً ذا رأي، وقال السدي: هو ابن عم المرأة فحكم فقال {إن كان قميصه قد من قبل} أي من قدام {فصدقت وهو من الكاذبين}.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ...} الآية: معناه: سَابَقَ كُلُّ واحدٍ منهما صاحبه إِلى البابِ، هي لتردَّه إِلى نفسها، وهو ليهرُبَ عنها، فقبضَتْ في أعلى قميصِهِ، فتخرَّق القميصُ عند طَوْقِهِ، ونَزَلَ التخريقُ إِلى أسفلِ القميصِ، قال البخاريُّ: {وَأَلْفَيَا }: أي: وَجَدَا؛ { أية : أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ } تفسير : [الصافات:69] وجدوهم. انتهى، و«القَدُّ»: القطْع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طُولاً، والقَطُّ: يستعمل فيما كان عَرْضاً، و{أَلْفَيَا}: وجَدَا، والسيِّد: الزوْج؛ قاله زيد بن ثابتٍ ومجاهدٌ. وقوله سبحانه: {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا...} الآية: قال نَوْفٌ الشاميُّ: كان يوسُفُ عليه السلام لم يُبِنْ على كشف القصَّة، فلما بَغَتْ عليه، غَضِبَ، فقال الحقَّ، فأخبر أنها هي راوَدَتْه عَنْ نفسه، فرُوِيَ أن الشاهد كان ٱبْنَ عَمِّها، قال: انظروا إِلى القميص، وقال ابن عباس: كان رجلاً من خاصَّة الملك؛ وقاله مجاهد وغيره، والضمير في «رأَى» هو للعزيز، وهو القائلُ: {إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ }؛ قاله الطبريُّ، وقيل: بل الشاهدُ، قال ذلك، ونَزَعَ بهذه الآية مَنْ يرى الحُكْم بالإِمارة من العلماء؛ فإِنها معتمدهم، و«يوسُفُ» في قوله: {يُوسُفُ أَعْرِضُ عَنْ هَـٰذَا}: منادًى، قال ابن عباس: ناداه الشاهدُ، وهو الرجلُ الذي كان مَعَ العزيزِ، و{أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا}: معناه: عن الكلامِ بِهِ، أي: ٱكتمه، ولا تتحدَّث به، ثم رَجَعَ إِليها، فقال: {وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ }، أي: ٱستغفري زَوْجَكَ وسيِّدَكَ، وقال: {مِنَ ٱلْخَـاطِئِينَ}، ولم يقل «من الخاطئات»؛ لأن الخاطئين أعمُّ.
البقاعي
تفسير : ثم ذكر سبحانه وتعالى مبالغته في الامتناع بالجد في الهرب دليلاً على إخلاصه وأنه لم يهمّ أصلاً فقال: {واستبقا الباب} أي أوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منهما، هذا للهرب منها، وهذه لمنعه، فأوصل الفعل إلى المفعول بدون "إلى"، دليلاً على أن كلا منهما بذل أقصى جهده في السبق، فلحقته عند الباب الأقصى مع أنه كان قد سبقها بقوة الرجولية وقوة الداعية إلى الفرار إلى الله، ولكن عاقة إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة، فكان يشتغل بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه، وهو ما كان من ورائه خوف فواته، فاشتد تعلقها به مع إعراضه هو عنها وهربه منها، ففتحه وأراد الخروج فمنعته {و} لم تزل تنازعه حتى {قدت قميصه} وكان القد {من دبر} أي الناحية الخلف منه، وانقطعت منه قطعة فبقيت في يدها {وألفيا} أي وجدا مع ما بهما من الغبار والهيئة التي لا تليق بهما {سيدها} أي زوجها، ولم يقل: سيدهما، لأن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يدخل في رق - كما مضى - لأن المسلم لا يملك وهو السيد {لدا} أي عند ذلك {الباب} أي الخارج، على كيفية غريبة جداً، هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام لأن السيد لا يقدر على فتحه فضلاً عن الوصول إلى غيره لتغليق الجميع. ولما علم السامع أنهما ألفياه وهما على هذه الحالة كان كأنه قيل: فما اتفق؟ فقيل: {قالت} مبادرة من غير حياء ولا تلعثم {ما} نافية، ويجوز أن تكون استفهامية {جزاء من أراد} أي منه ومن غيره كائناً من كان، لما لك من العظمة {بأهلك سوءاً} أي ولو أنه غير الزنا {إلا أن يسجن} أي يودع في السجن إلى وقت ما، ليحكم فيه بما يليق {أو عذاب أليم} أي دائم ثابت غير السجن؛ والجزاء: مقابلة العمل بما هو حقه، هذا كان حالها عند المفاجأة، وأما هو عليه الصلاة والسلام فجرى على سجايا الكرام بأن سكت ستراً عليها وتنزهاً عن ذكر الفحشاء، فكأنه قيل: فماذا قال حين قذفته بهذا؟ فقيل {قال} دافعاً عن نفسه لا هاتكاً لها {هي} بضمير الغيبة لاستيحائه عن مواجهتها بإشارة أو ضمير خطاب {راودتني عن نفسي} وما قال ذلك إلا حين اضطرته إليه بنسبته إلى الخيانة، وصدقه لعمري فيما قال لا يحتاج إلى بيان أكثر من الحال الذي كانا فيه، وهو أنهما عند الباب، ولو كان الطلب منه لما كانا إلا في محلها الذي تجلس فيه، وهو صدر البيت وأشرف موضع فيه {وشهد} ولما كان كل صالح للشهادة كافياً، فلم تدع ضرورة إلى تعيينه، قال: {شاهد} أي عظيم {من أهلها} لأن الأهل أعظم في الشهادة، رضيع ببراءته - نقله الرماني عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما وسعيد ابن جبير، كما شهد للنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع صبي من أهل اليمامة يوم ولد بأنه رسول الله، فكان يدعي: مبارك اليمامة. فقال ذلك الشاهد {إن كان} أي حال المراوغة {قميصه} أي فيما يتبين لكم {قدَّ} أي شق شقاً مستأصلاً {من قبل} أي من جهة ما أقبل من جسده {فصدقت} ولا بد من تقدير فعل التبين، لأن الشروط لا تكون معانيها إلا مستقبلة ولو كانت ألفاظها ماضية. ولما كان صدقها ليس قاطعاً في منع صدقه، قال: {وهو من الكاذبين *} لأنه لولا إقباله - وهي تدفعه عنها أو تهرب منه وهو يتبعها ويعثر في قميصه - ما كان القد من القبل {وإن كان} أي فيما يظهر لكم {قميصه} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {قدَّ من دبر} أي من جهة ما أدبر منه، وبنى " قُدَّ" للمجهول للنزاع في القادّ {فكذبت} ولما كان كذلك كذبُها في إرادته السوء لا يعين صدقه في إرادتها له، قال: {وهو من الصادقين *} لأنه لولا إدباره عنها وإقبالها عليه لما وقع ذلك، فعرف سيدها صحة ذلك بلا شبهة، لأن معنى "إن" هنا الشرط في جهة التقرير للمعنى الذي يوجب غيره لا على الشك، وقدم أمارة صدقها لأنه مما يحبه سيدها، فهو في الظاهر اهتمام بها، وفي الحقيقة تقرير لكذبها مرتين: الأولى باللزوم، والثانية بالمطابقة. ولما كان المعنى: فنظر، بنى عليه قوله: {فلما رءا} أي سيدها {قميصه} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {قدَّ من دبر قال} لها وقد قطع بصدقه وكذبها، مؤكداً لأجل إنكارها {إنه} أي هذا القذف له {من كيدكن} معشر النساء؛ والكيد: طلب الإنسان بما يكرهه {إن كيدكن عظيم *} والعظيم: ما ينقص مقدار غيره عنه حساً أو معنى، فاستعظمه لأنه أدق من مكر الرجل وألطف وأخفى، لأن الشيطان عليهن لنقصهن أقدر، وكيدهن الذي هو من كيد الشيطان أضعفُ ضعيف بالنسبة إلى ما يدبره الله عز وجل في إبطاله؛ ثم قال العزيز آمراً له عليه السلام مسقطاً لحرف النداء دلالة على أن قربه من قلبه على حاله: {يوسف أعرض} أي انصرف بكليتك مجاوزاً {عن هذا} أي اجعله بمنزلة ما تصرف وجهك عنه إلى جهة العرض بأن لا تذكره لأحد ولا تهتم به، فإني لم أتأثر منك بوجه، لأن عذرك قد بان، وأقبل إليها فقال: {واستغفري} أي اطلبي الغفران {لذنبك} في أن لا يحصل لك عقوبة مني ولا من الله؛ واستأنف بيان ما أشار إليه بقوله: {إنك كنت} أي كوناً جبلياً {من الخاطئين} أي العريقين في الخطأ بغاية القوة، يقال: خطىء يخطأ - إذا أذنب متعمداً.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {واستبقا الباب} قال: استبق هو والمرأة الباب. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة رضي الله عنه قال: في قراءة عبد الله [ووجدا سيدها]. وأخرج ابن جرير عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: السيد، الزوج. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وألفيا سيدها} قال: زوجها. {لدى الباب} قال: عند الباب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن نوف الشامي رضي الله عنه قال: ما كان يوسف عليه السلام يريد أن يذكره، حتى {قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ...} فغضب يوسف عليه السلام وقال {هي راودتني عن نفسي ...}. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إلا أن يسجن أو عذاب أليم} قال: القيد. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: عثر يوسف عليه السلام ثلاث عثرات: حين هم بها فسجن، وحين قال: اذكرني عند ربك، فلبث في السجن بضع سنين فأنساه الشيطان ذكر ربه، وحين قال: إنكم لسارقون. قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل.
ابو السعود
تفسير : {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ} متصلٌ بقوله: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ} تفسير : وقولُه: كذلك إلى آخره، اعتراضٌ جيء به بـين المعطوفَيْن تقريراً لنزاهته عليه السلام كقوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض } تفسير : [الأنعام: 75] والمعنى لقد همت به وأبىٰ هو واستبقا الباب أي تسابقا إلى الباب البراني الذي هو المخلص، ولذلك وُحّد بعد الجمعِ فيما سلف وحُذف حرفُ الجر وأوصل الفعلُ إلى المجرور نحو وإذا كالوهم، أو ضُمِّن الاستباقُ معنى الابتدارِ، وإسناد السبق في ضمن الاستباق إليها مع أن مرادَها مجردُ منعِ يوسف وذا لا يوجب الانتهاء إلى الباب لأنها لما رأته يسرع إلى الباب ليتخلص منها أسرعت هي أيضاً لتسبِقَه إليه وتمنعه عن الفتح والخروج، أو عبر عن إسراعها إثْرَه بذلك مبالغة. {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ} اجتذبتْه من ورائه فانشق طولاً وهو القَدُّ كما أن الشقّ عرضاً هو القَطُّ، وقد قيل في وصف عليّ رضي الله عنه: «إنه كان إذا اعتلى قدّ وإذا اعترض قطّ» وإسنادُ القدِّ إليها خاصة مع أن لقوة يوسفَ أيضاً دخلاً فيه إما لأنها الجزءُ الأخيرُ للعلة التامةِ وإما للإيذان بمبالغتها في منعه عن الخروج وبذلِ مجهودِها في ذلك لفَوْت المحبوب أو لخوف الافتضاح {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا} أي صادفا زوجَها وإذْ لم يكن مُلكُه ليوسف عليه السلام صحيحاً لم يقل سيدهما. قيل: ألفياه مقبلاً وقيل: كان جالساً مع ابن عمَ للمرأة {لَدَىٰ ٱلْبَابِ} أي البراني كما مر. روى كعب رضي الله عنه أنه لما هرب يوسفُ عليه السلام جعل فَراشُ القُفلِ يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب {قَالَتْ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال سائل يقول: فماذا كان حين ألفَيا العزيزَ عند الباب؟ فقيل: قالت: {مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} من الزنىٰ ونحوه {إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ما نافية أي ليس جزاؤُه إلا السجنُ أو العذابُ الأليم، قيل: المرادُ به الضربُ بالسياط، أو استفهاميةٌ أي أيُّ شيءٍ جزاؤُه غيرُ ذاك أو ذلك، ولقد أتت في تلك الحالةِ التي تُدهش فيها الفَطِنَ حيث شاهدها العزيزُ على تلك الهيئة المُريبة بحيلة جمعت فيها غرضيها وهما تبرئةُ ساحتِها مما يلوح من ظاهر الحالِ واستنزالُ يوسف عن رأيه في استعصائه عليها وعدمِ مواتاتِه على مرادها بإلقاء الرعبِ في قلبه من مكرها طمعاً في مواقعته لها كرهاً عند يأسِها عن ذلك اختياراً كما قالت: {أية : وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلْيَكُوناً مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ} تفسير : [يوسف: 32] ثم إنها جعلت صدورَ الإرادة المذكورةِ عن يوسف عليه السلام أمراً محققاً مفروغاً عنه غنياً عن الإخبار بوقوعه وأن ما هي عليه من الأفاعيل لأجل تحقيق جزائِها فهي تريد إيقاعَه حسبما يقتضيه قانونُ الإيالة، وفي إبهام المُريد تهويلٌ لشأن الجزاء المذكورِ بكونه قانوناً مطرداً في حق كل أحدٍ كائناً من كان، وفي ذكر نفسها بعنوان أهلية العزيزِ إعظامٌ للخطب وإغراءٌ له على تحقيق ما تتوخاه بحكم الغضب والحمية.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ}. استبقا، هذا ليَهْرَبَ، وهذه للفعلة التي كانت تطلب. ولم يضر يوسفَ - عليه السلام - أَنْ قَدَّتْ قميصه وهو لِبَاسُ دنياه بعد ما صحَّ عليه قميصُ تقواه. ويقال لم تَقْصِدْ قَدَّ القميصِ وإنما تَعَلَّقَتْ به لتَحْبِسَه على نفسها، وكان قصدُها بقاءَ يوسف - عليه السلام - معها، ولكن صار فعلُها وَبالاً على نَفْسِها، فكان بلاؤها من حيث طَلَبَتْ راحتهَا وشفاءَها. ويقال تولَّد انخراقُ القميصِ من قبضها عليه وكان في ذلك افتضاح أمرها؛ لأن قَبْضَها على قميصه كان مزجوراً عنه.. ليُعْلَمَ أنَّ الفاسِدَ شَجُّه فاسدٌ. ويقال لشدة استيلاء الهوى عليها لم تعلم في الحالِ أنها تقدُّ قميصه من ورائه أو من قُدَّامِه.. كذلك صاحبُ البلاءِ في الهوى مسلوبُ التمييز. ويقال لمّا لم تَصِلْ ولم تتمكن من مرادها من يوسف خَرَقَتْ قميصَه ليكونَ لها في إلقائها الذَّنْبَ على يوسف - عليه السلام - حُجَّةٌ، فَقَلَبَ اللَّهُ الأمرَ حتى صار ذلك عليها حجة، وليوسف دلالة صدق، قال تعالى: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}تفسير : [فاطر: 43]. قوله تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ}: لمَّا فَتَحَا البابَ وجدا سيدها لدى الباب، والإشارة فيه إلى أن ربك بالمرصاد؛ إذا خَرَجَ العبدُ عن الذي هو عليه من التكليف في الحال وقع في ضِيق السؤال. ويقال قال: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا} ولم يقل سيدهما لأن يوسف في الحقيقة كان حراً ولم يكن العزيزُ له سيداً. قوله جلّ ذكره: {قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. شَغَلَتْهُ بإغرائها إياه بيوسف عن نَفْسِها بأن سَبَقَتْ إلى هذا الكلام. ويقال لقنته حديث السجن أو العذاب الأليم لئلا يقصد قتلَه؛ ففي عين ما سَعَتْ به نظرت له وأَبْقتْ عليه. ويقال قالت ما جزاء من فعل هذا إلا السجن فإن لم ترضَ بذلك، وستزيد؛ فالعذاب الأليم يعني الضّرب المُبَرِّح..كأنما ذكرت حديث العقوبة بالتدريج. ويقال أوقعت السجن الذي يبقى مؤجَّلاً في مقابلة الضرب الأليم المعجل ليُعْلَم أَنّ السجنَ الطويل - وإنْ لم يكن فيه في الظاهر ألم - فهو في مقابلة الضرب الشديد الموجِع؛ لأنه - وإنْ اشتدّ فلا يقابله. ويقال قالت: {مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا} فذِكْرُ الأهل ها هنا غايةُ تهييج الحميّة وتذكيرُ بالأَنَفَةِ.
البقلي
تفسير : قال الله تعالى {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ} لما بدأ ليوسف اوايل سطوات الازل وانوار كشف تجلى الابد لم يحتمل اوايلها وعجل سره فى اول بديهة التوحيد فر من اماكن الخطر ولو صبر حتى غاص فى بحر الوحدانية لم يحتج الى الفرار الى الباب وان يمكن فى رؤية الحق وبرهانه وسكن ونظر الى مزليخا بنظر التوحيد لتذوب زليخا بنظره اليها والتقديس من شهواتها لان حقيقة التوحيد اذا غلبت نادى الى فناء ما دون الله وتاثر فى كل ناظر الى صاحبها بان لا يبقى فيه اثر للشهوة الانسانية ولما لم يكن كذلك ما اثر فى زليخا حتى عدت خلقه الى الباب وقدت قميصه ولو كان يوسف مستقرقا فى اواخر التوحيد لاحترقت زليخا وما قدرت ان تعد وخلقه وتمزق قميصه كان يوسف فى اوايل لتوحيد وزليخا فى اواخر العشق فلم يوثر التوحيد فى العشق وتخريقها ثوب يوسف من غلبة عشق الانسانى على عشق الروحانى ولما خرقت قميصه من عشق الانسانى صار تخريق القميص برهان ليوسف شاهدا على صدقه قال بعضهم لو فر الى الله والتجا اليه لكفى لكنه لما هرب منهما وفر بنفسه اكمل نفسه محل التهمة حتى قالت ما جزاء من اراد باهلك سوءا فلما نصب الله البرهان وطرد الشيطان فدخل عليها زوج زليخا وراى حالهما العيان قال تعالى {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ} اضاف اسم السيد الى زليخا لان الله سيد يوسف حقيقة لانه كان حرا بالتوحيد وحرا بالتفريد وكذا على ظاهر الشريعة وما اطيب العشق الى ان يوول الى الشناعة فان عيش العاشق فى الملامة اطيب قيل فى قوله والفيا سيدها لدى الباب لم تقل سيدهما لان يوسف كان فى الحقيقة حرا ولم يكن العزيز له سيدا فلما افشى سر العشق بينهما واطلع زوجها على سرها نفت عن نفسها الحرم لانها علمت ان لو بين جرمها عند زوجها لقتلها وابقت من حلاوة محبة يوسف والنظر الى وجهه كذلك اوقعت الحرم على يوسف شعر : بحبك احببت البقاء لمهجتى فلا طال ان اعرضت عنى بقاؤها تفسير : ولعلمها بان يوسف لم يبق فى الضر ولابوس والمواخذة ولا يقدر احد ان يوذيه ومن يقدر ان يضره ووجهه سالب القلوب وجالب الارواح اغار العالم بعينيه سبى الارواح والاشباح بحسنه وجماله شعر : لها فى طرفها لحظات سحر تحيت بها وتحيى من تريد تفسير : وتسبى العالمين بمقلتيها وتعللت فى كلامها حيث قالت {إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ذكرت حديث السجن ثم ذكر العذاب الاليم تقيا للتهمة عن نفسها حتى لا يعرف زوجها شانها وعلتها وحيلتها وايضا ذك رالشجن والتاديب والتعذيب لئلا يبادر بشئ اخراه يوهم بقتل يوسف كانت زليخا متمكنة فى عشق يوسف فتصرفت فى حالها بنعت الاستقامة ولو كانت فى فوز عشقها ما اوقعت الجرم على يوسف لان المهتدى لم يعرف فى بدايته مال الاشياء ولم يبال بها فحكم بحكم الوقت ولم يبال بقتل نفسه وقوف معشوقه منه حتى ان لو كان الجرم لمعشوقه لا وقع على نفسه قال ابن عطا وقالت الصدق واثرت نفسه على نفسها فقالت الان حصحص الحق وانا راودته ولما وضعت زليخا الجرم على يوسف {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} كان الكرم والرضا يقتضيان السكوت عن جوابها حتى لا === ويكون الى التسليم وترك التدابير اقرب فى التوحيد افضل حيث اهل الطرف يرون الاشياء على روية مقادير الازلية لكن اعلمهم مكان طهارة النبوة وقدس الرسالة وبيان الحجة لذلك نطق الصبى فى المهد وتشهد بصدقه اظهارا لمعجزته وطهارته عما لا يليق بالانبياء ولطيف الاشارة فيه انها ادعت محبة يوسف وتبرات منها عند نزول البلاء فاراد يوسف ان يلزم عليها ملامة المحبة فان الملامة شعار المحبين فمن لم يكن ملوما فى العشق لم يكن متحققا فى العشق اراد يوسف كونها عاشقا جلد اليزيد عشقا على عشقها لان الملامة للعاشق زيادة ذكر املعشوق فاذا استقامت يزيد حرقة العشاق والهيجان هم الى رؤية المعشوق والخروج من موضع التهمة ودفعها داب المعشوقين ايضا لزيادة عشق العاشقين فلما بات جرمها بالبرهان الواضح قال زوجها {مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} اراد بالكيد ههنا التجمش والفتج والدلال وتقليب طرفهن وكشف === وخضاب اطراف بنائهن ولطافة حركاتهن والقائهن التفاح والسفرجل الى معشوقهن وتزيين لباسهن ولطافة كلامهن وحيث يحتكن بهذه الرعونات على من له لطافة وظرافة ورقة طبع واهلية للعشق فاين ابليس منهن وهو هناك اجيرهن عظم الله كيدهن واضعف كيد الشيطان بقوله ان كيد الشيطان كان ضعيفا سبب ضعف كيد الشيطان ههنا انه قبيح الصورة شنيع المنظر لا يقدر على الرجال الا بالوسوسة وهنا بحسنهن حوليات الشهوات يجرون بها الجبال وقال صلى الله عليه وسلم ما تركت من بعدى فتنة اضر على الرجال من النساء قوله عليه السلام النساء حبائل الشيطان اى اعظم معاملة ابليس النساء بالرجال اطلق حبال ذكرهن من الف فرسخ يقيد بها اعناق الرجال ولولاهن === الملعون من وساوس الخلق فان اعظم الفتنة فى العالم النساء وقد سمى كيدهن عظيما وذالك الكيد قيدهن الرجال بلطائف ما ذكرنا من شمائلهن وذلك من اصل وهوان حسنهن وجمالهن وظرافتهن من حسن فعل الله فى وجوههن وذلك الفعل مرآة تجلى حسن الازل لذلك سماه عظيما وهذا اشارة لا يعرفها الا صاحب واقعة واين الابله والغبى والبليد من فهم هذه المعنى قال بعض الحكماء انا اخاف من النساء اكثر مما اخاف من الشيطان لان الله يقول ان كيد الشيطان كان ضعيفا وقال للنساء ان كيدكن عظيم وقال الشبلى ان كيدكن عظيم على من لم يصحبه من ربه بتوفيق الرعاية فلما من كان بعين الحق كيف يلحقه كيد كايد فلما فشى الخبر وكثرت الملامة وسمعت نساء البلد هاجت سرهن لان ازواجهن كانت متالفة بروح زليخا وهن جميعا مع روح يوسف فتقاضى سرهن حقائق الخبر وتفتيش الامر ليذقن ما ذاقت زليخا فاحتلن وقلن ذكر ملامتها بقوله سبحانه {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} ذكرهن لملامة اشتهاءهن رؤية يوسف وحكمن بحكم الفراسة ان حب يوسف بلغ حبة قلبها وصورة شغاف القلب سجف لطيف رفيق وبراءةُ عالم الكثافة وبعده عالم اللطافة مقام النفس والهوى والوسواس والاخر مقام العقل والروح والملك ومقام الكثافة مقام شهوة الانسانى ومقام اللطافة مقام شهوة الروحانى وليس فى الروحانى علة الهوة والنفس والشيطان فاذا وصل الحب الى منظر الروح واتصل بروح الروح بلغ الى عالم الرحمانى فاذا تمكن الحب هناك تخلص من الوسائط وصار حب الله فكل محبة وصلت الى هنا فقد وصلت شغاف القلبو اتصلت بمحبة الله كانهن === محبة يوسف وصلت فى قلبها الى محبة الله وهناك استغراق الحب حيث بقيت الاشباح فى سورة الوسايط بمحتبها وبقيت الارواح فى مشاهدة الحق للارواح قرار والاشباح قرار وهذا وصفهن زليخا بهذه الصفة بقوله {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} اى فى غيبوبة من استغراق الحق وتمكين العشق بحيث لا تخاف من الملامة ولا تلتفت الى السلامة ويمكن ان اشارتهن الى ضلالها الى انها ارادت من يوسف وحبه ان يكون يوسف من غاية حبها صورة وروحا اتحادا فهن فى منزل العقل والعلم يقين من مباشرة الجمال يعلموا ان ذلك مستحيل من حيث العقل لا من حيث العشق ومباشرة الحال قال الجنيد وسئل ما علامة المحبة قال ذكر الله فى كتابه قد شغفها حبا قال ان لا يرى جفاء الحبيب له جفاء بل يرى جفاء الحبيب له وفاء قال سمنون الشغاف فى المحبة امتلاء القلب منه حتى لا يكون لشئ غيره فيه مكان قال الشبلى الشغاف نهاية العشق وقال بعضهم الشغاف فى المحبة حال الخمود حين لا عبارة عما به ولا اخبار كما قال الله ويضيق صدرى ولا ينطلق لسانى وقال السرى ادهلها حبه حتى لم تكن تعرف سواه ولم يكن للملامة عليه من الغير اثر وذلك صدق المحبة وقال جعفر الشغاف مثل الغيم اظلم قلبه عن التفكر فى غيره والاشتغال بسواه وقال ابن عطا فى قوله انا لنرها فى ضلال مبين اى فى وجد ظاهر ومحبة بينة وشوق مزعج سئل جعفر بن محمد من العشق فقال ضلال ثم قرأنا لنراها فى ضلال مبين قال معناه فى عشق ظاهر وقال بعضهم فى غلبة من العشق ضل فيه عقلها وبصيرتها فلم يبق عليها محل الكتمان من غلبة الشوق للما وصلها خير ملامة النسوة واحتيالهن فى طلبهن رؤية معشوقها بلطف المكر ارادت ان يلقيهن فى بحر البلاء الذى لا ينجوا منه احد.
اسماعيل حقي
تفسير : {واستبقا الباب} بحذف حرف الجر اى تسابقا الى الباب البرانى الذى هو من المخرج من الدار ولذلك وحد بعد الجمع فيما سلف اما يوسف فللفرار منها واما هى فلتصده عن الخروج والفتح {وقدت قميصه من دبر} اى اجتذبته من ورائه وخلفه فانشق طولا نصفين وهو القد كما ان الشق عرضا هو القط {والفيا} وجدا وصادفا {سيدها} زوجها وهو قطفير تقول المرأة لزوجها سيدى ولم يقل سيدهما لان ملك يوسف لم يصح فلم يكن له سيداه على الحقيقة {لدى الباب} اى عند الباب البرانى مقبلا ليدخل او كان جالسا مع ابن عم لزليخا يقال له يمليخا - روى - عن كعب انه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناسر ويسقط حتى خرج من الابواب كما قال المولى الجامى شعر : جوكش اندر دويدن كام تيزش كشاد ازهر درى راه كريزش بهر دركامدى بى در كشايى بريدى قفل جايى بره جايى زليخا جون بديدان از عقب جست بوى در آخرين دركاه بيوست نى باز آمدن دامن كشيدش زسوى بشت بيراهن در يدش برون رفت از كف آن غم رسيده بسان غنجه بيراهن دريده برون آمد بيش آمد عزيزش كروهى از خواص خانه نيزش تفسير : {قالت} كانه قيل فماذا كان حين الفيا العزيز عند الباب فقيل قالت منزهة نفسها {ما جزاء من اراد باهلك سوأ} من الزنى ونحوه وما نافية اى ليس جزاؤه {الا ان يسجن او عذاب اليم} الا السجن او العذاب الاليم مثل الضرب بالسوط ونحوه او استفهامية اى اى شيء جزاؤه غير ذلك كما تقول من فى الدار الازيد قال العزيز من اراد باهلى سوأ قالت زليخا كنت نائمة فى الفراش فجاء هذا الغلام العبرانى وكشف عن ثيابى وراودنى عن نفسى شعر : جو دزدان بر سربالينم آمد بقصد حرمن نسرينم آمد خيالش آنكه من ازوى ته آكاه بحرم كلستانم آورد راه باذن باغبان نا كشته محتاج برد تا سنبل وكل رابتاراج تفسير : فالتفت العزيز اليه وقال يا غلام هذا جزائى منك حيث احسنت اليك وانت تحزننى شعر : ثمى شايد درين دبر برآفات جز احسان اهل احسانرا مكافاة زكوى حقزارى رخت بستى نمك خودردى نمكدانرا شكستى تفسير : كأنه قيل فماذا قال يوسف حينئذ فقيل
الطوسي
تفسير : معنى قوله {واستبقا الباب} اي طلب كل واحد من يوسف وامرأَة العزيز السبق الى الباب، والسبق تقدم الشيء لصاحبه في مجيئه. وقوله {وقدت قميصه من دبر} اي شقته طولاً، والقد شق الشيء طولاً، ومنه: قد الاديم يقده قدّاً، فهو مقدود، إِذا كان ذاهبا في جهة الطول على استواء. وقوله {من دبر} اي من جهة الخلف. والقبل جهة القدام، يقال اتاه قبلاً، ودبراً، اذا أَتاه من الجهتين ومعنى {ألفيا سيدها} صادفاه، أَلفى يلفي الفاً قال ذو الرمة: شعر : ومطعم الصيد هبّال لبغيته الفى اباه بذاك الكسب يكتسب تفسير : وقوله {قالت ما جزاء من أَراد بأهلك سوءاً} حكاية ما قالت المرأة للملك، وما في مقابلة من اراد باهلك سوءاً، والجزاء مقابلة العمل بما هو حقه من خير او شر يقال: جازاه يجازيه مجازاة، وجزاءاً {إلا أن يسجن أو عذاب أَليم} معناه انه ليس مقابلته إِلاّ سجنه أو يعذب على فعله عذاباً مؤلماً موجعاً. وعطف العذاب - وهو إسم - على الفعل، وهو قوله {أن يسجن} لأن تقديره إلا السجن أو عذاب اليم.
الجنابذي
تفسير : {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ} تسابقا؛ بقصده الفرار منها وقصدها منعه {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ} اى وصلت اليه تمسّكت بقميصه لتمنعه من الخروج فقدّته {مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا} زوجها العزيز {لَدَى ٱلْبَابِ قَالَتْ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ اى بعد ما رأت العزيز واستحيت منه ورأت افتضاحها وانّه لا يمكن لها انكار الفضحية قالت دفعاً للتّهمة عن نفسها ورمياً بها غيرها لايهام انّها فرّت منه كما هو شأن كلّ خائنٍ بعد الافتضاح بخيانته {مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} لفظة ما استفهاميّة انكاريّة او نافية اخباريّة.
اطفيش
تفسير : {واسْتَبقَا} أى تسابقا، فإن الافتعال يأتى بمعنى التفاعل كاجتوروا بمعنى تجاوروا، وازدوجوا بمعنى تزاوجوا، والألف المحذوف نطقا لالتقاء الساكنين الثابت فى الخط ليوسف عليه السلام، والتى هو فى بيتها. {البابَ} الأخير الذى يلى خارج البيت، ولذا أفرد الباب بعد جمعه فى قوله: {وغلقت الأبواب} أو جمعه نظر إلى أبواب كل باب فى جهة، وأفرد هنا لأنه كل باب تلك الأبواب إن خرج منه تخلص ولم يحبسه آخر إذا لم تجعل بابا خلف باب، والنصب على نزع الخافض، أى تسابقا إلى الباب، أو على المفعولية لتضمين استبق بمعنى تبادر، هرب يوسف منها وتبعته مسرعة لتمنعه من الخروج، وعن كعب الأخبار رضى الله عنه أنه جعلت أبوابا متتابعة واحدا بعد واحدا، ولما هرب تساقطت الأقفال حتى خرج من الأبواب كلها. {وقَدَّت قميصهُ مِنْ دُبُرٍ} قطعته باجتذابه من ورائه والمراد، والله أعلم، الإخبار بأنها جذبته، فذكر القدر وهو القطع، ولم يذكر الاجتذاب، لأنه سبب القد وملزومه، وأكثر ما يستعمل القد فى القطع طولا، وأما القطع عرضا فهو القط، وذكر بعضهم أنها قبضت بأعلى قميصه حيث تخرج العنق فتخرق، نزل التخريق إلى أسفل القميص، وهو قميص ألبسته إياه، وتحته القميص الذى ألبسه يعقوب فيما زعم بعض. {وألْفَيا} وجدا {سَيِّدهَا} زوجها، لم يقل سيدهما لأن ملك قطفير وهو العزيز جرى عليها بالزوجية، ولم يجر على يوسف بالشراء، لأن شراءه مفسوخ غير منعقد فى الحقيقة، لأنه حر، بخلاف المرأة فإن تزويجها لرجل تمليكها له، وذلك يقول الولى: أملكتكها وملكتكها بالتشديد، ويقال فى زوج ملكها بالتخفيف ومالك لها، ولو كان ملك الزوج الزوجة غير ملك الرجل العبد، ولو لم يكن فى تعظيم شأن الرجل على زوجته إلا تسميته فى الآية سيداً لها لكفى. {لَدَى} عند {البَابِ} قيل: صادفاه مقبلا يريد أن يدخل وقيل: جالسا مع ابن عمها عند الباب، ولما رأته هابته وكذا تهاب ابن عمها، وخافت أن يتهماها،احتالت على يوسف بما ترئ نفسها وتنتقم به من يوسف، إذ لم يوافقها، وتخوِّفه لعله يوافقها مما يفضح به قولها: {أية : ولئن لم يفعل ما أمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين}تفسير : فقالت: ما حكى الله عنها بقوله: {قالَتْ} لسيدها {ما جَزاءُ مَنْ أراد بأهْلكَ} زوجتك {سُوءاً} أى فاحشة فتعنى الزنى، لم تصرح بيوسف لأن العموم أبلغ، فإنها قالت: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً} كائنا ما كان لا كذا وكذا، فإن هذه العبارة آكد فى أن يوسف لا يخلصه مخلص من الجزاء إذا أراد بها سوءاً فيما زعمت، وهو برئ وما نافية، وتجوز أن تكون للاستفهام الإنكارى، وهو نفى أى أى شئ جزاء {إلاَّ أنْ يُسجَن} أى إلا سجنه {أو عَذابٌ أليمٌ} موجع كما قال الله تعالى:{أية : هل يهلك إلا القوم الفاسقون}تفسير : أو العذاب معطوف على المصدر المسبوق من الفعل قبله كما رأيت، وهو الضرب بالسياط أو غيره من سائر التعذيب، لكنها مشفقة عليه جدا، ولذلك لم تذكر القتل مع أنه أسبق شئ إذا غضب من له بطش وتمكن بهتك الستر العظيم، حاشاه عليه السلام، بل ابتدأت بذكر السجن، وأخرت العذاب، لأن المحب لا يشتهى إيلام المحبوب، ولم ترد السجن الطويل بل أرادت ما يعطفه عليها ويلين عريكته، مثل أن يسجن عبدها يوما أو يومين، ومثل أن يضرب ضربتين أو ثلاثا. وهذا كالمثل السائر خذ اللص قبل أن يأخذك، إذ سابقت بالشكوى لما تبادر الباب توافق أن العزيز بالباب فى بعض حوائجه فإذا الصوت من وراء الباب، فرأى ما هما عليه، وأصابها الخجل، ولكن لم ترد عليه أن يفلت من يدها فنظر إليهما متسائلا: ما هذا الذى أرى فقال يوسف: {قالَ هى رَاودَتْنى عن نَفْسى...}
اطفيش
تفسير : {وَاسْتَبَقَا البَابَ} تسابقا إِليه فهو من الافتعال المراد به التفاعل، أَرادت السبق لتجبذه وتمنعه من الخروج وفتح الباب، وأَراد السبق للفتح والخروج وعدى لتضمن معنى قصد، وبادر، أَو يقدر إِلى والمراد الباب الواحد لأَنه قال:{ وأَلفيا سيدها لدى الباب}فبقى أًن يقال كيف يلفى لدى الباب الأَول إٍلى جهة البيت مع أًنها أَغلقت أَبواباً أَو بابين بعده، ولعله كان لها مفاتيح من خارج وداخل ففتحها من خارج حتى وصل بابا يلى البيت فأَلفياه عنده، أَو الأَبواب واحد سمى أَبوابا لتعدد أَقفاله مجازا، أَو فتحها كلها لقوة الرجولة وإِعانة الله حتى لم يبق إِلآ الأَخير فأَلفاه عنده، أَو كل باب فى جهة لا مترادفة، وعن كعب - رحمه الله :- لما هرب يوسف عليه السلام تناثرت أَقفال الأَبواب له، والجملة عطفت على همت به {وَقَدَّتْ} قطعت بإِمساكها وجذبه نفسه، ويقال: القد القطع طولا والقط القطع عرضاً، وقيل: هما سواءٌ عرضاً وطولا، ويدل له قراءَة بعض: وقطعت قميصه، وكذا وجد فى مصحف المفضل ابن حرب، وأَما قول بعض فى الإِمام على: إِذا اعتل قد وإِذا اعترض قط فلا حجة فيه لاحتمال أَن يكون قائله ممن لا يحتج بكلامه فى العربية {قًمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ} من خلفه، والقفا إِلى العقب دبر، وصادفت القد من خلفه لأَنه أَدبر عنها وفر وغلبها وخرج وخرجت خلفه {وَألْفَيا} وجدا {سَيِّدَهَا} زوجها وهو العزيز قطفير، لم يقل - الله عز وجل - سيدهما؛ لأَن يوسف حر لم يجر عليه قيام أحد، وذكره بالسيد لا بالزوج يشير إِلى أًنه سيد لها لا له، وهى أَيضاً حرة لأًن عرفهم أًن الزوج سيد زوجته {لَدَى الْبَابِ} عند الباب مقابلا يريد الدخول أًو قاعداً جانبا، كل ذلك مع ابن عمها أَو ابن عم له، أَو منصتاً لما يكون من كلام أَو صوت هروب وتجاذب فى الجرى، وخافت التهمة فسبقت بالشكوى كاذبة كما قال الله عز وجل {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً} زنا ولم تقل هذا أَو يوسف أََراد الزنا بى إِكراماً له وإِبقاءً عليه لشدة حبها إِياه، وأَيضاً قد يصعب عليها بالطبع أَن تصرح به مع بعده من السوءِ عند الناس كما عندها وكمال عفته، أًو أَراد ضربها دفعا لها فعدت الضرب سوءاً. {إلاَّ أَنْ يُسْجَنَ} مدة يسيرة فى حبس فى بيتها أَو فى غيره يوماً أَو يومين أَو ساعة أًو دقائق، ولو أَرادت طول السجن لقالت إلاَّ أَن يكون من المسجونين، كما قال فرعون {أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ضرب مرجع، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قيد، وبدأَت بالسجن لأَن المحب لا يحب إِيلام حبيبه، وبادرت بما يعاقب به أَنه السجن أَو الضرب وعينته لئَلا يقتله، تحرزت عن قتله بذكر غيره، وعذاب أَليم، معطوف على مصدر يسجن؛ أَى إِلا سجنه بفتح السين، أَو عذاب أَليم وأَما بالكسر فموضع الحبس، وما نافية أَو استفهامية إِنكارية، ومن اسم موصول أَو نكرة موصوفة.
الالوسي
تفسير : {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ} متصل بقوله سبحانه: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } تفسير : [يوسف: 24] الخ، وقوله تعالى: {أية : كَذٰلِكَ} تفسير : [يوسف: 24] الخ اعتراض جيء به بين المعطوفين تقريراً لنزاهته عليه السلام، والمعنى لقد همت به وأبى هو واستبقا أي تسابقا إلى الباب على معنى قصد كل من يوسف عليه السلام وامرأة العزيز سبق الآخر إليه فهو ليخرج وهي لتمنعه من الخروج؛ وقيل: المراد من السبق في جانبها الإسراع إثره إلا أنه عبر بذلك للمبالغة، ووحد (الباب) هنا مع جمعه أولاً لأن المراد الباب البراني الذي هو المخلص؛ واستشكل بأنه كيف يستبقان إليه ودونه أبواب جوانيه بناءاً على ما ذكروا من أن الأبواب كانت سبعة. وأجيب بأنه روي عن كعب أن أقفال هاتيك الأبواب كانت تتناثر إذا قرب إليها يوسف عليه السلام وتتفتح له؛ ويحتمل أنه لم تكن تلك الأبواب المغلقة على الترتيب باباً فباباً بل كانت في جهات مختلفة كلها منافذ للمكان الذي كانا فيه فاستبقا إلى باب يخرج منه، ونصب (الباب) على الاتساع لأن أصل استبق أن يتعدى بإلى لكن جاء كذلك على حد {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ}تفسير : [المطففين: 3] {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} تفسير : [الأعراف: 155]، وقيل: إنه ضمن الاستباق معنى الابتدار فعدى تعديته. {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ} يحتمل أن يكون معطوفاً على {استبقا}، ويحتمل أن يكون في موضوع الحال كما قال أبو حيان أي وقد قدت. والقدّ القطع والشق وأكثر استعماله فيما كان طولاً وهو / المراد هنا بناءً على ما قيل: إنها جذبته من وراء فانخرق القميص إلى أسفله، ويستعمل القط فيما كان عرضاً، وعلى هذا جاء ما قيل في وصف علي كرم الله تعالى وجهه: إنه كان إذا اعتلى قدّ وإذا اعترض قط، وقيل، القدّ هنا مطلق الشق، ويؤيده ما نقل عن ابن عطية أنه قرأت فرقة ـ وقط ـ وقد وجد ذلك في مصحف المفضل بن حرب. وعن يعقوب تخصيص القدّ بما كان في الجلد والثوب الصحيحين. والقميص معروف، وجمعه أقمصة وقمص وقمصان، وإسناد القدّ بأي معنى كان إليها خاصة مع أن لقوة يوسف عليه السلام أيضاً دخلاً فيه إما لأنها الجزء الأخير للعلة التامة، وإما للإيذان بمبالغتها في منعه عن الخروج وبذل مجهودها في ذلك لفوت المحبوب أو لخوف الافتضاح. {وَأَلْفَيَا} أي وجدا، وبذلك قرأ عبد الله {سَيِّدَهَا} أي زوجها وهو فيعل من ساد يسود، وشاع إطلاقه على المالك وعلى الرئيس، وكانت المرأة إذ ذاك على ما قيل: تقول لزوجها سيدي، ولذا لم يقل سيدهما، وفي «البحر» إنما لم يضف إليهما لأنه لم يكن مالكاً ليوسف حقيقة لحريته {لُّدّاً ٱلْبَابَ} أي عند الباب البراني، قيل: وجداه يريد أن يدخل مع ابن عمر لها {قَالَتْ} استئناف مبني على سؤال يقول؛ فماذا كان حين ألفيا السيد عند الباب؟ فقيل. قالت: {مَا جَزَآء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} من الزنا ونحوه {إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الظاهر أن {مَا} نافية، و {جَزَآءُ} مبتدأ، و {مِنْ} موصولة أو موصوفة مضاف إليه، والمصدر المؤول خبر، و {أَوْ} للتنويع خبر المبدأ وما بعد معطوف على ذلك المصدر أي ليس جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم، والمراد به على ما قيل: الضرب بالسوط، وعن ابن عباس أنه القيد، وجوز أن تكون {مَا} استفهامية ـ فجزاء ـ مبتدأ أو خبر أي أي شيء جزاؤه غير ذاك أو ذلك، ولقد أتت في تلك الحالة التي يدهش فيها الفطن اللوذعي حيث شاهدها زوجها على تلك الهيئة بحيلة جمعت فيها غرضيها وهما تبرئة ساحتها مما يلوح من ظاهر الحال واستنزال يوسف عليه السلام عن رأيه في استعصائه عليها وعدم مواتاته لها على مرادها بإلقاء الرعب في قلبه من مكرها طمعاً في مواقعته لها مكرهاً عند يأسها عن ذلك مختاراً كما قالت: {أية : لَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وليكونًا مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ}تفسير : [يوسف: 32] ثم إنها جعلت صدور الإرادة المذكورة عن يوسف عليه السلام أمراً محققاً مفروغاً عنه غنياً عن الأخبار بوقوعه وإن ما هي عليه من الأفاعيل لأجل تحقيق جزائها. ولم تصرح بالاسم بل أتت بلفظ عام تهويلاً للأمر ومبالغة في التخويف كأن ذلك قانون مطرد في حق كل أحد كائناً من كان، وذكرت نفسها بعنوان أهلية العزيز إعظاماً للخطب وإغراءاً له على تحقيق ما يتوخاه بحكم الغضب والحمية كذا قرره غيره واحد. وذكر الإمام في تفسيره ما فيه نوع مخالف لذلك حيث قال: إن في الآية لطائف: أحدها: أن حبها الشديد ليوسف عليه السلام حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضوع وذلك لأنها بدأت بذكر السجن وأخرت ذكر العذاب لأن المحب لا يسعى في إسلام المحبوب، وأيضاً إنها لم تذكر أن يوسف عليه السلام يجب أن يقابل بأحد هذين الأمرين بل ذكرت ذلك ذكراً كلياً صوناً للمحبوب عن الذكر بالشر والألم، وأيضاً قالت: {إِلا أَن يُسْجَنَ} والمراد منه أن يسجن يوماً أو أقل على سبيل التخفيف، فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر عنه بهذه العبارة بل يقال: يجب أن يجعل من المسجونين، ألا ترى أن فرعون كيف قال حين هدد موسى عليه السلام: {أية : لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً / غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} تفسير : [الشعراء: 29]. وثانيها: أنها لما شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم منها مع أنه كان في عنفوان الشباب وكمال القوة ونهاية الشهوة عظم اعتقادها في طهارته ونزاهته فاستحيت أن تقول: إن يوسف قصدني بسوء وما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا التعريض، وليت الحشوية كانوا يكتفون بمثل ما اكتفت به، ولكنهم لم يفعلوه ووصفوه بعد قريب من أربعة آلاف سنة بما وصفوه من القبيح وحاشاه. وثالثها: أن يوسف عليه السلام أراد أن يضربها ويدفعها عن نفسه وكان ذلك بالنسبة إليها جارياً مجرى السوء فقولها {مَا جَزَآء} الخ جار مجرى التعريض فلعلها بقلبها كانت تريد إقدامه على دفعها ومنعها، وفي ظاهر الأمر كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي انتهى المراد منه، وفيه من الانظار ما فيه. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما (أو عذاباً أليماً) بالنصب على المصدرية كما قال الكسائي: أي أو يعذب عذاباً أليماً إلا أنه حذف ذلك لظهوره، وهذه القراءة أوفق بقوله تعالى: {أَن يُسْجَنَ} ولم يظهر لي في سر اختلاف التعبير على القراءة المشهورة ما يعول عليه، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه فتدبر.
د. أسعد حومد
تفسير : {لَدَى} (25) - وَهَرَبَ يُوسُفُ مِنَ المَرْأَةِ نَحْوَ البَابِ لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ مِنْهَا، فَلَحِقَتْ بِهِ لِتُرْجِعَهُ إِلَيْهَا، وَأَمْسَكَتْ بِهِ مِنْ قَمِيصِهِ مِنْ خَلْفِهِ فَقَدَّتْهُ وَمَزَّقَتْهُ، وَوَجَدا (أَلْفَيَا) زَوْجَ المَرْأَةِ عِنْدَ البَابِ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ هذا المَوْقِفِ المُحْرِجِ بِكَيْدِهَا وَمَكْرِهَا، فَاتَّهَمَتْ يُوسُفَ بِأَنَّهُ رَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِها، فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: مَا جَزَاءُ الذِي يُرِيدُ بِزَوْجَتِكَ السُّوءَ وَالفَاحِشَةَ، إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ فِي السِّجْنِ، أَوْ أَنْ يُوقَعَ عَلَيْهِ عَذابٌ أَلِيمٌ، عُقُوبَةً لَهُ عَلَى مَا جَنَتْهُ يَدَاهُ؟ اسْتَبَقَا البَابَ - تَسَابَقَا إِلَيهِ هُوَ يُرِيدُ الخُرُوجَ وَهِيَ تُرِيدُ مَنْعَهُ. قَدَّتْ قَمِيصَهُ - مَزَّقَتْهُ وَشَقَّتْهُ. أَلْفَيَا سَيِّدَهَا - وَجَدَا زَوْجَهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وعرفنا أن كلاهما حاول الوصول إلى الباب قبل الآخر؛ وتسابقا في هذا الاستباق، ونلحظ أن الحق سبحانه يذكر هنا باباً واحداً؛ وكانت امرأة العزيز قد غلَّقَتْ من قبل أكثر من باب. لكن قول الحق سبحانه: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ..} [يوسف: 25]. يدلنا على أنها لحقتْ بيوسف عند الباب الأخير؛ وهي قد استبقتْ مع يوسف إلى الأبواب كلها حتى الباب الأخير؛ لأنها تريد أن تغلق الباب لتسد أمامه المنفذ الأخير، وهذا الاستباق يختلف باختلاف الفاعل فهي تريده عن نفسه، وهو يريد الفرار من الموقف، ثم قدَّتْ قميصه من دُبر. هذا دليل على أنه قد سبقها إلى الباب؛ فشدَّته من قميصه من الخلف، وتمزَّق القميص في يدها، وقد محَّص الشاهد - الذي هو من أهلها - تلك المسألة ليستنبط من الأحداث حقيقة ما حدث. وقوله تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ..} [يوسف: 25]. أي: حدثت لهما المفاجأة، وهي ظهور عزيز مصر أمامهما؛ وصار المشهد ثلاثياً: امرأة العزيز؛ ويوسف؛ وزوجها. وهنا ألقت المرأة الاتهام على يوسف عليه السلام في شكل سؤال تبريري للهروب من تبعية الطلب، وإلقاء التهم على يوسف: {قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا ..} [يوسف: 25]. ثم حددت العقاب: {إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25]. ويأتي الحق سبحانه بقول يوسف عليه السلام: {أية : قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ} تفسير : [يوسف: 26]. وهنا وجد عزيز مصر نفسه بين قوليْنِ مختلفين؛ قولها هي باتهام يوسف؛ وقوله هو باتهامها، ولا بُدَّ أن يأتي بمَن يفصِل بين القولين، وأن يكون له دِقَّة استقبال وفَهْم الأحداث. ويتابع الحق سبحانه: {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 398 : 18 : 31 - سفين {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ} فقال، وجد سيدها لدى الباب. [الآية 25].
همام الصنعاني
تفسير : 1300- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ}: [الآية: 25]، قال: استبق هُوَ والمَرْأة {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):