١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّـٰدِقِينَ} لأنه يدل على أنها تبعته فاجتذبت ثوبه فقدته. والشرطية محكية على إرادة القول أو على أن فعل الشهادة من القول، وتسميتها شهادة لأنها أدت مؤداها والجمع بين إن وكان على تأويل أن يعلم أنه كان ونحوه ونظيره قولك: إن أحسنت إلى اليوم فقد أحسنت إليك من قبل، فإن معناه أن تمنن علي بإحسانك أمنن عليك بإحساني لك السابق. وقرىء {مِن قَبْلُ } {وَمِنْ دُبُرٍ} بالضم لأنهما قطعا عن الإِضافة كقبل وبعد، وبالفتح كأنهما جعلا علمين للجهتين فمنعا الصرف وبسكون العين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ } خلف {فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّٰدِقِينَ }.
الخازن
تفسير : {وإن كان قميصه قد من دبر} أي من خلف {فكذبت وهو من الصادقين} وإنما كان هذا الشاهد من أهل المرأة ليكون أقوى من نفي التهمة عن يوسف عليه الصلاة والسلام ونفي التهمة عنه من وجوه منها أنه كان في الظاهر مملوك هذه المرأة والمملوك لا يبسط يديه إلى سيدته ومنها أنهم شاهدوا يوسف يعدو هارباً منها والطالب لا يهرب ومنها أنهم رأوا المرأة قد تزينت بأكمل الوجوه فكان إلحاق التهمة بها أولى ومنها أنهم عرفوا يوسف في المدة الطويلة فلم يروا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذه الحالة فكان مجموع هذه العلامات دلالة على صدقه مع شهادة الشاهد له بصدقه أيضاً {فلما رأى قميصه قد من دبر} يعني فلما رأى قطفير زوج المرأة قميص يوسف عليه الصلاة والسلام قد من خلفه عرف خيانة امرأته وبراءة يوسف عليه الصلاة والسلام {قال} يعني قال لها زوجها قطفير {إنه} يعني هذا الصنيع {من كيدكن} يعني من حيلكن ومكركن {إن كيدكن عظيم} فإن قلت كيف وصف كيد النساء بالعظيم مع قوله تعالى وخلق الإنسان ضعيفاً وهلا كان مكر الرجال أعظم من مكر النساء. قلت أما كون الإنسان خلق ضعيفاً فهو بانسبة إلى خلق ما هو أعظم منه كخلق الملائكة والسموات والأرض والجبال ونحو ذلك وأما عظم كيد النساء ومكرهن في هذا الباب فهو أعظم من كيد جميع البشر لأن لهن من المكر والحيل والكيد في إتمام مرادهن ما لا يقدر عليه الرجال في هذا الباب، وقيل: إن قوله إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم من قول الشاهد وذلك أنه لما ثبت عنده خيانة المرأة وبراءة يوسف عليه الصلاة والسلام قال هذه المقالة {يوسف} يعني يا يوسف {أعرض عن هذا} يعني اترك هذا الحديث فلا تذكره لأحد حتى لا يفشو ويشيع وينتشر بين الناس وقيل معناه يا يوسف لا تكترث بهذا الأمر ولا تهتم به فقد بان عذرك وبراءتك ثم التفت إلى المرأة فقال لها {واستغفري لذنبك} يعني توبي إلى الله مما رميت يوسف به من الخطيئة وهو بريء منها وقيل إن هذا من قول الشاهد يقول للمرأة سلي زوجك أن يصفح عنك ولا يعاقبك بسبب ذنبك {إنك كنت من الخاطئين} يعني من المذنبين حين خنت زوجك ورميت يوسف بالتهمة وهو بريء وإنما قال من الخاطئين ولم يقل من الخاطئات تغليباً لجنس الرجال على النساء وقيل إنه لم يقصد به الخبر عن النساء بل قصد الخبر عن كل ما يفعل هذا الفعل تقديره إنك كنت من القوم الخاطئين فهو كقوله وكانت من القانتين. قوله عز وجل: {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه} يعني وقال جماعة من النساء وكنَّ خمساً وقيل كن أربعاً وذلك لما شاع خبر يوسف والمرأة في مدينة مصر وقيل هي مدينة عين الشمس وتحدثت النساء فيما بينهن بذلك وهن امرأة حاجب الملك وامرأة صاحب دوابه وامرأة خبازه وامرأة ساقيه وامرأة صابح سجنه وقيل نسوة من أشراف مصر امرأة العزيز يعني زليخا تراود فتاها عن نفسه يعني تراود عبدها الكنعاني عن نفسه لأنها تطلب منه الفاحشة وهو يمتنع منها والفتى الشاب الحديث السن {قد شغفها حباً} يعني قد علقها حباً والشغاف جلدة محيطة بالقلب يقال لها غلاف القلب والمعنى أن حبه دخل الجلدة حتى أصاب القلب وقيل إن حبه قد أحاط بقلبها كإحاطة الشغاف بالقلب قال الكلبي حجب حبه قلبها حتى لا تعقل شيئاً سواه {إنا لنراها في ضلال مبين} يعني في خطأ بيّن ظاهر حيث تركت ما يجب على أمثالها من العفاف والستر وأحبت فتاها.
ابو السعود
تفسير : {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّـٰدِقِينَ} إلى التسليم والقَبول عند السامع لكونه أقربَ إلى الوقوع وأدلَّ على المطلوب وإن لم يكن بـين طرفيها أيضاً ملازمةٌ، وحكايةُ الشرطيةِ بعد فعل الشهادةِ لكونها من قبـيل الأقوال أو بتقدير القول. أي شهد قائلاً الخ وتسميتُها شهادةً مع أنه لا حكمَ فيها بالفعل بالصدق والكذب لتأديتها مؤداها، بل لأنها شهادةٌ على الحقيقة، وحُكمٌ بصدقه وكذبها أما على تقدير كونِ الشاهدِ هو الصبـيُّ فظاهرٌ إذ هو إخبارٌ بهما من قِبَل علامِ الغيوب، والتصويرُ بصورة الشرطية للإيذان بأن ذلك ظاهرٌ من العلائم أيضاً وأما على تقدير كونِه غيرَه فلأن الظاهرَ أن صورةَ الحالِ معلومةٌ له على ما هي عليه إما مشاهدةً أو إخباراً فهو متيقّنٌ بعدم مقدَّم الشرطيةِ الأولى، وبوجود مقدمِ الشرطيةِ الثانية ومن ضرورته الجزمُ بانتفاء تالي الأولى وبوقوع تالي الثانية، فإذن هو إخبارٌ بكذبها وصدقِه عليه السلام ولكنه ساق شهادتَه مساقاً مأموناً من الجَرْح والطعن حيث صورها بصورة الشرطية المترددةِ ظاهراً بـين نفعها ونفعِه، وأما حقيقةً فلا تردد فيها قطعاً. لأن الشرطية الأولى تعليقٌ لصدقها بما يستحيل وجودُه من قدّ القميص من قُبُل فيكون مُحالاً لا محالة، ومن ضرورته تقررُ كذبها، والثانية تعليقٌ لصدقه عليه السلام بأمر محققِ الوجود وهو القدُّ من دبر فيكون محققاً البتةَ، وهذا كما قيل فيمن قال لامرأة: زوجيني نفسك، فقالت: لي زوجٌ فكذبها في ذلك فقالت: إن لم يكن لي زوجٌ فقد زوجتُك نفسي، فقبل الرجلُ فإذا لا زوج لها فهو نكاحٌ، إذ تعليقُ الشيء بأمر مقرَّرٍ تنجيزٌ له. وقرىء منْ قُبلُ ومن دُبرُ بالضم لأنهما قطعا عن الإضافة كقبلُ وبعدُ وبالفتح كأنهما جعلا علمين للجهتين فمنعا الصرفَ للتأنيث والعلمية وقرىء بسكون العين. {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ} كأنه لم يكن رأى ذلك بعدُ أو لم يتدبَّرْه فلما تنبه له وعلم حقيقةَ الحال {قَالَ إِنَّهُ} أي الأمرَ الذي وقع فيه التشاجرُ وهو عبارةٌ عن إرادة السوءِ التي أُسندت إلى يوسف وتدبـيرِ عقوبته بقولها: ما جزاءُ من أراد بأهلك سوءاً إلى آخره لكن لا من حيث صدورُ تلك الإرادةِ والإسنادُ عنها بل مع قطع النظرِ عن ذلك لئلا يخلُوَ قوله تعالى {مِن كَيْدِكُنَّ} ـ أي من جنس حيلتِكن ومكرِكن أيتها النساءُ لا من غيركن ـ عن الإفادة وتدبـيرِ العقوبة وإن لم يمكن تجريدُه عن الإضافة إليها إلا أنها لما صوّرته بصورة الحق أفاد الحكمَ بكونه من كيدهن إفادةً ظاهرةً فتأمل. وتعميمُ الخطاب للتنبـيه على أن ذلك خُلُق لهن عريق: شعر : ولا تحسَبا هنداً لها الغدرُ وحدها سجيةُ نفسٍ، كلُّ غانيةٍ هندُ تفسير : ورجْعُ الضميرِ إلى قولها: ما جزاءُ من أراد بأهلك سوءاً فقط عدولٌ عن البحث عن أصل ما وقع فيه النزاعُ من أن إرادةَ السوءِ ممن هي إلى البحث عن شُعبة من شُعَبه، وجعلُه للسوء أو للأمر المعبّر به عن طمعها في يوسف عليه السلام يأباه الخبرُ فإن الكيدَ يستدعي أن يعتبر مع ذلك هَناتٌ أُخرُ من قِبلها كما أشرنا إليه {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} فإنه ألطفُ وأعلقُ بالقلب وأشدُّ تأثيراً في النفس. وعن بعض العلماء إني أخاف من النساء ما لا أخاف من الشيطان فإنه تعالى يقول: {أية : إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء: 76] وقال للنساء: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} ولأن الشيطان يوسوس مُسارقةً وهن يواجِهْن به الرجال.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان كان قميصه قد من قبل} الشرطية محكية على ارادة القول كأنه قيل وشهد شاهد من اهلها فقال ان كان قميصه وجمع بين ان الذى هو للاستقبال وبين كان لان المعنى ان يعلم ان قميصه قد من قبل اى من قدام فالشرط وان كان ماضيا بحسب اللفظ لكنه فى تأويل المضارع فان فلت كيف اطلق الشهادة على تقوّل هذه الشرطية مع ان الشهادة فى عرف الشرع عبارة عن الاخبار بثبوت حق الغير على غيره بلفظ اشهد قلت هذه الشرطية تقوم مقام الشرطية وتؤدى مؤداها من حيث انها ثبت به صدق يوسف وبطل قولها {فصدقت} اى فقد صدقت زليخا فى قولها {وهو من الكاذبين} فى قوله لانه اذا طلبها دفعته عن نفسها فشقت قميصه من قدام او يسرع خلفها ليدركها فيتعثر بذيله فينشق جيبه {وان كان قميصه قد من دبر} من خلف {فكذبت} فى قولها {وهو من الصادقين} لانه يدل على انها تبعته فاجتذبت ثوبه فقدته
اطفيش
تفسير : {وإنْ كانَ قَميصُهُ قُدّ مِنْ دُبُرٍ} خلف، وقرئ من قُبُل ومن دُبُر بإسكان الباء تخفيفا، وقرأ أبو إسحاق بفتح اللام والراء، كأنه جعلهما علمين للجملتين فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث، وقرئ بضمهما قطعا من الإضافة لفظا لا معنى. {فَكَذَبتْ وهُوَ مِنَ الصَّادِقينَ} لأنه لا يقدّ من دبر لو لم يهرب فتمسكت به، وفى رواية عن مجاهد، أن الشاهد فى قوله تعالى: {وشهد شاهد} وهو القميص المقدود من بدر عليه، فمعنى كون القميص من أهلها أنه من مال زوجها الذى بين يديها، فيكون الشرطان والجوابان تفصيلا وبيانا لشهادة القميص، وقد أجاز بعض العلماء الحكم إذا عدم سواها اعمادا على هذه الآية.
الالوسي
تفسير : {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ} أي من خلف يوسف عليه السلام أو خلف القميص {فَكَذَّبْتَ} في دعواها {وَهُوَ مِن الصَّـٰدِقِينَ} في دعواه، والشرطيتان محكيتان: إما بقول مضمر أي شهد قائلاً أو فقال إِن كان الخ كما هو مذهب البصريين، وإما يشهد لأن الشهادة قول من الأقوال فجاز أن تعمل في الجمل كما هو مذهب الكوفيين، والإظهار في موضع الإضمار في الشرطية الثانية ليدل على الاستقلال مع رعاية زيادة الإيضاح، وجملتا {أية : وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ}تفسير : .[يوسف: 26] {وهو من الصادقين} مؤكدتان لأن من قوله: {أية : فَصَدَقَتْ }تفسير : [يوسف: 26] يعلم كذبه، ومن قوله: {فَكَذَّبْتَ} يعلم صدقه، ووجه دلالة قدّ القميص من دبر على كذبها أنها تبعته وجذبت ثوبه فقدته، وأما دلالة قده من قبل على صدقها فمن وجهين: أحدهما: أنه إذا كان تابعها وهي دافعته عن نفسه قدت قميصه من قدام بالدفع، وثانيهما: أن يسرع إليها ليلحقها فيتعثر في مقام قميصه فيشقه كذا في «الكشاف». / وتعقب ابن المنير الوجه الأول ((بأن ما قرر في اتباعه لها يحتمل مثله في اتباعها له فإنها إنما تقد قميصه من قبل بتقدير أن يكون عليه السلام أخذ بها حتى صارا متقابلين فدفعته عن نفسها، وهذا بعينه يحتمل إذا كانت هي التابعة بأن تكون اجتذبته حتى صارا متقابلين ثم جذبت قميصه إليها من قبل بل هذا أظهر لأن الموجب لقدّ القميص غالباً الجذب لا الدفع، والوجه الثاني بأن ما ذكر بعينه محتمل لو كانت هي التابعة وهو فار منها بأن ينقدّ قميصه في إسراعه للفرار)) اهـ. وأجيب عما ذكره أولاً: بأنه غير وارد لأن تلك الحالة السريعة لا تحتمل إلا أيسر ما يمكن وأسرعه، وعلى تقدير اتباعها له تعين القدّ من دبر لأنه أهون الجذبين، ثم لا نفرض كر الفار ليدفعها أو كما لحقت جذبت فهذا الفرض لا وجه له هنالك فإذا ثبت دلالته في الجملة على هذا القسم تعينت، وعما ذكره ثانياً: بأن الظاهر على تقدير أن تكون تابعة أنه إذا تعثر الفار يتعلق به التابع متشبثاً وإذا كانا منفلتين بعد ذلك الاحتمال. وذكر الفاضل المتعقب أن الحق في هذا الفصل أن يقال: إن الشاهد المذكور إن كان صبياً أنطقه الله تعالى في المهد كما ورد في بعض الأحاديث فالآية في مجرد كلامه قبل أوانه حتى لو قال صدق يوسف وكذبت لكفى برهاناً على صدقه عليه السلام كما كان مجرد إخبار عيسى عليه السلام في المهد برهاناً على صدق مريم، فلا تنبغي المناسبة بين الأمارة المنصوبة وما رتب عليها لأن العمدة في الدلائل نصبها لا مناسبتها، وإن كان قريباً لها قد بصر بها من حيث لا تشعر فهذا ـ والله تعالى أعلم ـ كان من حقه أن يصرح بما رأى فيصدق يوسف عليه السلام ويكذبها ولكنه أراد أن لا يكون هو الفاضح لها، ووثق بأن قدّ قميصه إنما كان من دبر فنصبه أمارة لصدقه وكذبها، ثم ذكر القسم الآخر وهو قده من قبل على علم بأنه لم ينقد كذلك حتى ينفي عن نفسه التهمة في الشهادة وقصد الفضيحة وينصفهما جميعاً فلذا ذكر أمارة على صدقها المعلوم نفيه كما ذكر أمارة على صدقه المعلوم وجوده، وأخرجهما مخرجاً واحداً وبنى {قَدْ} لما لم يسم فاعله في الموضعين ستراً على من قدّه، وقدم أمارة صدقها في الذكر إزاحة للتهمة ووثوقاً بأن الأمارة الثانية هي الواقعة فلا يضره تأخيرها. والحاصل أن عمدة هذا الشاهد الأمارة الأخير فقط والمناسبة فيها محققه، وأما الأمارة الأولى فليست مقصودة وإنما هي كالغرض ذكرت توطئة للثانية فلم يلتمس لها مناسبة مثل تلك المناسبة، وأما إن كان الحكيم الذي كان الملك يرجع إلى رأيه فلا بد من التماس المناسبة في الطرفين لأنها عمدة الحكيم، وأقرب وجه في المناسبة أن قدّ القميص من دبر دليل على إدباره عنها، وقدّه من قبل دليل على إقباله عليها بوجهه، ولا يخفى أن مثل هذا الوجه لا يصلح أن يكون مطمح نظر الحكيم الذي لا يلتفت إلا لليقينيات، فالأولى أن يقال: يحتمل أن ذلك الحكيم كان واقفاً على حقيقة الحال بطريق من الطرق الممكنة، ويسهل أمر ذلك إذا قلنا: إنه كان ابن عم لها فهو متيقن بعدم مقدم الشرطية الأولى وبوجود مقدم الشرطية الثانية، ومن ضروريات ذلك الجزم بانتفاء تالي الأولى ووقوع تالي الثانية فإذا هو إخبار بكذبها وصدقه عليه السلام لكنه ساق شهادته مساقاً مأموناً من الجرح والطعن حيث صورها بصورة الشرطية المترددة ظاهراً بين نفعها ونفعه، وأما حقيقة فلا تردد فيها قطعاً كما أشير إليه وإلى كون الشرطية الأولى غير مقصودة بالذات ذهب العلامة ابن الكمال معرضاً بغفلة القاضي البيضاوي حيث قال: إن قوله تعالى: {أية : إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ }تفسير : [يوسف: 26] الخ من قبيل المسامحة في أحد شقي الكلام لتعين الآخر / عند القائل تنيزلاً للمحتمل منزلة الظاهر لأن الشق بالجذب في هذا الشق أيضاً محتمل، ومن غفل عن هذا قال: لأنه يدل على أنه قصدها فدفعت عن نفسها إلى آخر عبارة البيضاوي، وحاصل ذلك على ما قرره بعض مشايخنا عليهم الرحمن أن القائل يعلم يقيناً وقوع الشق من دبر لكنه ذكر الشق من القبل مع أنه محتمل أن يكون بجذبها إياه إلى طرفها كما أن كونه من دفعها إياه من بعض محتملاته تنزيلاً لهذا المحتمل منزلة الظاهر تأكيداً ومبالغة لثبوت ما دلت عليه الشرطية الثانية من صدقه وكذبها يعني أنا نحكم بصدقها وكذبه بمجرد وقوع الشق في القبل، وإن كان محتملاً لأسباب أخر غير دفعها لكنه ما وقع هذا الشق أصلاً فلا صدق لها وذلك كما إذا قيل لك: بلغت إلى زيد الكلام الفلاني في هذا اليوم؟ فقلت: إن كنت تكلمت في هذا اليوم مع زيد فقولكم هذا صادق مع أن تكلمك معه في هذا اليوم مطلقاً لا يدل على صدق دعواهم لاحتمال أنك تكلمت معه بكلام غير ذلك الكلام لكنك قلت ذلك تحقيقاً لعدم تبليغك ذلك الكلام إليه. هذا وذكر شيخ مشايخنا العلامة صبغة الله الحيدري طيب الله تعالى ثراه أن الظاهر أن دلالة كل من الشقين في الشقين على ما يدل عليه من حيث موافقته لما ادعاه صاحبه فإنها كانت تقول: هو طلبني مقبلاً عليّ فخلصت نفسي عنه بالدفع أو الفرار وهو كان يقول: هي الطالبة ففرت منها وتبعتني واجتذبت ثوبـي فقدته فوقوع الشق في شق الدبر يدل على كونه مدبراً عنها لا مقبلاً عليها وعكسه على عكسه، ثم فرع على هذا أن ما ذكره ابن الكمال غفلة عن المخاصمة بالمقاولة وهو توجيه لطيف للآية الكريمة، بيد أن دعوى وقوع المخاصمة بالمقاولة على الطرز الذي ذكره رحمه الله تعالى مما لا شاهد لها، وعلى المدعي البيان على أنه يبعد عقلاً أن تقول هو طلبني مقبلاً فخلصت نفسي منه فانقدّ قميصه من قبل وهو الذي تقتضيه دعواه أن الظاهر أن دلالة كل من الشقين الخ لظهور أن ظهور كذبها حينئذ أسرع ما يكون، وبالجملة قيل: إن الاحتمالات المضعفة لهذه المشاهدة كثيرة: منها ما علمت ومنها ما تعلمه بأدنى التفات، ومن هنا قالوا: إن ذلك من باب اعتبار الأمارة، ولذلك احتج بالآية كما قال ابن الفرس: من يرى الحكم من العلماء بالأمارات والعلامات فيما لا تحضره البينات كاللقطة والسرقة والوديعة ومعاقد الحيطان والسقوف وغير ذلك. وذكر الإمام أن علامات كذب المرأة كانت كثيرة بالغة مبلغ اليقين فضموا إليها هذه العلامة الأخرى لا لأجل أن يعوّلوا في الحكم عليها بل لأجل أن يكون ذلك جارياً مجرى المقويات والمرجحات والله تعالى أعلم. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية {مِن قَبْلُ} و{وَمِن دُبُرٍ} بسكون الباء فيهما والتنوين وهي لغة الحجاز وأسد، وقرأ أبو يعمر وابن أبـي إسحاق والعطاردي وأبو الزناد وآخرون {من قبل} و {من دبر} بثلاث ضمات، وقرأ الأولان والجارود في رواية عنهم بإسكان الباء فيهما مع بنائهما على الضم جعلوهما كقبل وبعد بعد حذف المضاف إليه ونية معناه، وتعقب ذلك أو حاتم بأن هذا رديء في العربية وإنما يقع بعد البناء في الظروف، وهذان اللفظان اسمان متمكنان وليسا بظرفين، وعن ابن إسحاق أنه قرأ (من قبل) و (من دبر) بالفتح قيل: كأنه جعلهما علمين للجهتين فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث باعتبار الجهة.
الواحدي
تفسير : {وإن كان قميصه قُدَّ من دبرٍ فكذبت وهو من الصادقين}. {فلما رأى قميصه قُدَّ من دبرٍ} من حكم الشَّاهد وبيانِه ما يُوجب الاستدلال على تمييز الكاذب من الصَّادق، فلمَّا رأى زوج المرأة قميص يوسف قدَّ من دبرٍ {قال: إنَّه من كيدكنَّ} أَيْ: قولِك: {ما جزاء مَنْ أراد بأهلك سوءاً...} الآية. {يوسف} يا يوسف {أعرض عن هذا} اترك هذا الأمر فلا تذكره {واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} الآثمين، ثمَّ شاع ما جرى بينهما في مدينة مصر حتى تحدَّثت بذلك النِّساء، وخضن فيه وهو قوله: {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها} غلامها {عن نفسه قد شغفها حُبَّاً} قد دخل حبُّه في شغاف قلبها، وهو موضع الدَّم الذي يكون داخل القلب {إنا لنراها في ضلالٍ} عن طريق الرُّشد بحبِّها إيَّاه. {فلما سمعت} امرأة العزيز {بمكرهنَّ} مقالتهنَّ، وسمِّيت مكراً لأنهنَّ قصدْنَ بهذه المقالة أن تُريهنَّ يوسف، ليقوم لها العذر في حبِّه إذا رأين جماله، وكنَّ مشتهين ذلك؛ لأنَّ يوسف وُصف لهنَّ بالجمال {أرسلت إليهن} تدعوهنَّ {وأعتدت} وأعدَّت {لهنَّ مُتّكَأً} طعاماً يقطع بالسِّكين. قيل: هو الأترج {وآتت} وناولت {كلَّ واحدةٍ منهن سكيناً وقالت} ليوسف: {اخرج عليهنَّ فلما رأينه أكبرنه} أعظمنه وهَالَهُنَّ أمره وبُهتن {وقطعن أيديهنَّ} حَززْنَها بالسَّكاكين، ولم يجدن الألم لشغل قلوبهنَّ بيوسف {وقلن حاشَ لِلَّه} بَعُدَ يوسف عن أن يكون بشراً {إنْ هذا} ما هذا {إلاَّ ملك كريم} فلمَّا رأت امرأة العزيز ذلك قالت: {فذلكنَّ الذي لُمْتُنَّنِي فيه} في حبِّه والشَّغف فيه، ثم أقرَّّت عندهنَّ بما فعلت فقالت: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} فامتنع وأبى، وتوعَّدته بالسِّجن فقالت: {ولئن لم يفعل...} الآية؛ فأمرنه بطاعتها، وقلن له: إنَّك الظَّالم وهي المظلومة، فقال يوسف: {ربِّ السجن أحبُّ إلي ممَّا يدعونني إليه} من معصيتك {وإلاَّ تصرف عني كيدهنَّ} كيد جميع النِّساء {أصبُ إليهنَّ} أمل إليهنَّ {وأكن من الجاهلين} المذنبين.
د. أسعد حومد
تفسير : {الصَّادِقِينَ} (27) - وَإِنْ كَانَ قَمِيصُ يُوسُفَ تَمَزَّقَ مِنَ الخَلْفِ (مِنْ دُبُرٍ) فَيَكُونُ هُوَ الصَّادِقَ وَهِيَ الكَاذِبَةَ، لأَِنَّهَا تَكُونُ هِيَ التِي لَحِقَتْ بِهِ، وَهُوَ هَارِبٌ مِنْهَا، فَجَذَبَتْهُ مِنْ قَمِيصِهِ مِنَ الخَلْفِ فَتَمَزَّقَ، فَيَصِحُّ مَا قَالَهُ يُوسُفُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أن قميص يوسف عليه السلام إن كان قُدَّ من الخلف؛ فيوسف صادق، وامرأة العزيز كاذبة. ونلحظ أن الشاهد هنا قال هذا الرأي قبل أن يشاهد القميص؛ بل وضع في كلماته الأساس الذي سينظر به إلى الأمر، وهو إطار دليل الإثبات. وهذا ما تشرحه الآية التالية، فيقول سبحانه: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} [يوسف: 27] زليخاء الدنيا أنها متبوعة {وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ} [يوسف: 27]؛ يعني: يوسف القلب، وإن زليخاء الدنيا راودته عن نفسه واتبعته وإنه متبوع، {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ} [يوسف: 28] حكم حاكم العقل أن يد تصرف زليخاء الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته، {قَالَ إِنَّهُ} [يوسف: 28] أي: تعلق قميص بشرية يوسف القلب. {مِن كَيْدِكُنَّ} [يوسف: 28] أي: من كيد الدنيا وشهواتها، {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 28] لا تكن تكيدن في أمر عظيم وهو قطع طريق الوصول إلى الله العظيم على القلب السليم، {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} [يوسف: 29] أي: يا يوسف القلب أعرض عن زليخاء الدنيا، فإن كثكرة الذكر تورث المحبة وحب الدنيا رأس كل خطيئة، {وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ} [يوسف: 29] أي: استغفر يا زليخاء الدنيا، {إِنَّكِ كُنتِ} [يوسف: 29] بزينتك وشهواتك قاطعة عن طريق الله تعالى على يوسف القلب وأنت في ذلك، {مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} [يوسف: 29] الذين ظلوا عن الطريق وأضلوا كثيراً. {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ} [يوسف: 30] يشير بالنسوة: إلى صفات البشرية النفسانية من البيهيمة والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد، {ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ} [يوسف: 30] وهي الدنيا، {تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ} [يوسف: 30] تطالب عبدها وهو القلب كان عبد الدنيا في البداية لحاجته إليها للتربية، فلمَّا كمل القلب وصفا وصقل عن دنس البشرية استأهل المنظر الإلهي فتجلى له الرب تبارك وتعالى فتنور القلب بنور جماله وجلاله احتاج إليه كل شيء وسجد له حتى الدنيا {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} [يوسف: 30] أي: أحبته الدنيا غاية الحب لما ترى عليه آثار جمال الحق، ولمَّا لم يكن لنسوة صفات البشرية اطلاع على جمال يوسف القلب كن يلمن الدنيا على محبته، فقلن، {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 30] {فَلَمَّا سَمِعَتْ} [يوسف: 31] أي: زليخاء الدنيا، {بِمَكْرِهِنَّ} [يوسف: 31] في ملامتها، {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} [يوسف: 31] أي: الصفات، {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} [يوسف: 31] أي: تهيأت طعمة مناسبة لكل صفة منها، {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً} [يوسف: 31] وهي سكين الذكر، {وَقَالَتِ} [يوسف: 31] زليخاء الدنيا ليوسف القلب، {ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} [يوسف: 31] وهو إشارة إلى غلبة أحوال القلب على صفات البشرية. {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ} [يوسف: 31] أي: وقفن على جماله وكماله، {أَكْبَرْنَهُ} [يوسف: 31] أي: أكبرن جماله أن يكون جمال البشر {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 31] بسكين الذكر عن تعلق ما سوى الله تعالى، {وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً} [يوسف: 31] أي: جماله بشر، {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31] ما هذا إلا جمال ملك كريم، وهو الله تعالى بقراءة من قرأ (ملك) بكسر اللام.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):