١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لم لم يقل: {وَقَالَت نِسْوَةٌ } قلنا لوجهين: الأول: أن النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي فلذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث، الثاني: قال الواحدي تقديم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع. المسألة الثانية: قال الكلبي: هن أربع، امرأة ساقي العزيز. وامرأة خبازه وامرأة صاحب سجنه. وامرأة صاحب دوابه، وزاد مقاتل وامرأة الحاجب. والأشبه أن تلك الواقعة شاعت في البلد واشتهرت وتحدث بها النساء. وامرأة العزيز هي هذه المرأة المعلومة {تُرَاوِدُ فَتَـٰهَا عَن نَّفْسِهِ } الفتى الحدث الشاب والفتاة الجارية الشابة {قَدْ شَغَفَهَا حُبّا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الشغاف فيه وجوه: الأول: أن الشغاف جلدة محيطة بالقلب يقال لها غلاف القلب يقال شغفت فلاناً إذا أصبت شغافه كما تقول كبدته أي أصبت كبده فقوله: {شَغَفَهَا حُبّا } أي دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب. والثاني: أن حبه أحاط بقلبها مثل إحاطة الشغاف بالقلب، ومعنى إحاطة ذلك الحب بقلبها هو أن اشتغالها بحبه صار حجاباً بينها وبين كل ما سوى هذه المحبة فلا تعقل سواه ولا يخطر ببالها إلا إياه. والثالث: قال الزجاج: الشغاف حبة القلب وسويداء القلب. والمعنى: أنه وصل حبه إلى سويداء قلبها، وبالجملة فهذا كناية عن الحب الشديد والعشق العظيم. المسألة الثانية: قرأ جماعة من الصحابة والتابعين {شعفها} بالعين. قال ابن السكيت: يقال شعفه الهوى إذا بلغ إلى حد الاحتراق، وشعف الهناء البعير إذا بلغ منه الألم إلى حد الاحتراق، وكشف أبو عبيدة عن هذا المعنى فقال: الشعف بالعين إحراق الحب القلب مع لذة يجدها، كما أن البعير إذا هنىء بالقطران يبلغ منه مثل ذلك ثم يستروح إليه. وقال ابن الأنباري: الشعف رؤوس الجبال، ومعنى شعف بفلان إذا ارتفع حبه إلى أعلى المواضع من قلبه. المسألة الثالثة: قوله: {حبها} نصب على التمييز. ثم قال: {حُبّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي في ضلال عن طريق الرشد بسبب حبها إياه كقوله: { أية : إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [يوسف: 8]. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المراد من قوله: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } أنها سمعت قولهن وإنما سمي قولهن مكراً لوجوه: الأول: أن النسوة إنما ذكرت ذلك الكلام استدعاء لرؤية يوسف عليه السلام والنظر إلى وجهه لأنهن عرفن أنهن إذا قلن ذلك عرضت يوسف عليهن ليتمهد عذرها عندهن. الثاني: أن امرأة العزيز أسرت إليهن حبها ليوسف وطلبت منهن كتمان هذا السر، فلما أظهرن السر كان ذلك غدراً ومكراً. الثالث: أنهن وقعن في غيبتها، والغيبة إنما تذكر على سبيل الخفية فأشبهت المكر. المسألة الثانية: أنها لما سمعت أنهن يلمنها على تلك المحبة المفرطة أرادت إبداء عذرها فاتخذت مائدة ودعت جماعة من أكابرهن وأعتدت لهن متكأ، وفي تفسيره وجوه: الأول: المتكأ النمرق الذي يتكأ عليه. الثاني: أن المتكأ هو الطعام. قال العتبي والأصل فيه أن من دعوته ليطعم عندك فقد أعددت له وسادة تسمى الطعام متكأ على الاستعارة، والثالث: متكأ أترجاً، وهو قول وهب وأنكر أبو عبيد ذلك ولكنه محمول على أنها وضعت عندهن أنواع الفاكهة في ذلك المجلس. والرابع: متكأ طعاماً يحتاج إلى أن يقطع بالسكين، لأن الطعام متى كان كذلك احتاج الإنسان إلى أن يتكأ عليه عند القطع. ثم نقول: حاصل ذلك أنها دعت أولئك النسوة وأعدت لكل واحدة منهن مجلساً معيناً وآتت كل واحدة منهن سكيناً أي لأجل أكل الفاكهة أو لأجل قطع اللحم ثم إنها أمرت يوسف عليه السلام بأن يخرج إليهن ويعبر عليهن وأنه عليه السلام ما قدر على مخالتها خوفاً منها {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: في {أَكْبَرْنَهُ } قولان: الأول: أعظمنه. والثاني: {أكبرن} بمعنى حضن. قال الأزهري والهاء للسكت يقال أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر وفيه وجه آخر، وهو أن المرأة إذا خافت وفزعت فربما أسقطت ولدها فحاضت، فإن صح تفسير الإكبار بالحيض فالسبب فيه ما ذكرناه وقوله: {قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } كناية عن دهشتهن وحيرتهن، والسبب في حسن هذه الكناية أنها لما دهشت فكانت تظن أنها تقطع الفاكهة وكانت تقطع يد نفسها، أو يقال: إنها لما دهشت صارت بحيث لا تميز نصابها من حديدها وكانت تأخذ الجانب الحاد من ذلك السكين بكفها فكان يحصل الجراحة في كفها. المسألة الثالثة: اتفق الأكثرون على أنهن إنما أكبرنه بحسب الجمال الفائق والحسن الكامل قيل: كان فضل يوسف على الناس في الفضل والحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : مررت بيوسف عليه السلام ليلة عرج بي إلى السماء فقلت لجبريل عليه السلام من هذا؟ فقال هذا يوسف فقيل يا رسول الله كيف رأيته؟ قال: كالقمر ليلة البدر » تفسير : وقيل: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس من السماء عليها، وقيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه، وهذا القول هو الذي اتفقوا عليه، وعندي أنه يحتمل وجهاً آخر وهو أنهن إنما أكبرنه لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة، وآثار الخضوع والاحتشام، وشاهدن منها مهابة النبوة، وهيئة الملكية وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح، وعدم الاعتداد بهن، وكان الجمال العظيم مقروناً بتلك الهيبة والهيئة فتعجبن من تلك الحالة فلا جرم أكبرنه وعظمنه، ووقع الرعب والمهابة منه في قلوبهن، وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه أولى. فإن قيل: فإذا كان الأمر كذلك فكيف ينطبق على هذا التأويل قولها: {فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ } وكيف تصير هذه الحالة عذراً لها في قوة العشق وإفراط المحبة؟ قلنا: قد تقرر أن الممنوع متبوع فكأنها قالت لهن مع هذا الخلق العجيب وهذه السيرة الملكية الطاهرة المطهرة فحسنه يوجب الحب الشديد وسيرته الملكية توجب اليأس عن الوصول إليه فلهذا السبب وقعت في المحبة، والحسرة، والأرق والقلق، وهذا الوجه في تأويل الآية أحسن والله أعلم. المسألة الثالثة: قرأ أبو عمرو {وَقُلْنَ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } بإثبات الألف بعد الشين وهي رواية الأصمعي عن نافع وهي الأصل لأنها من المحاشاة وهي التنحية والتبعيد، والباقون بحذف الألف للتخفيف وكثرة دورها على الألسن اتباعاً للمصحف «وحاشا» كلمة يفيد معنى التنزيه، والمعنى ههنا تنزيه الله تعالى من المعجز حيث قدر على خلق جميل مثله. أما قوله: {حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله. المسألة الرابعة: قوله: {مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } فيه وجهان: الوجه الأول: وهو المشهور أن المقصود منه إثبات الحسن العظيم له قالوا: لأنه تعالى ركز في الطباع أن لا حي أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا حي أقبح من الشيطان، ولذلك قال تعالى في صفة جهنم { أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوسُ ٱلشَّيـٰطِينِ } تفسير : [الصافات: 65] وذلك لما ذكرنا أنه تقرر في الطباع أن أقبح الأشياء هو الشيطان فكذا ههنا تقرر في الطباع أن أحسن الأحياء هو الملك، فلما أرادت النسوة المبالغة في وصف يوسف عليه السلام بالحسن لا جرم شبهنه بالملك. والوجه الثاني: وهو الأقرب عندي أن المشهور عند الجمهور أن الملائكة مطهرون عن بواعث الشهوة، وجواذب الغضب، ونوازع الوهم والخيال فطعامهم توحيد الله تعالى وشرابهم الثناء على الله تعالى، ثم إن النسوة لما رأين يوسف عليه السلام لم يلتفت إليهن ألبتة ورأين عليه هيبة النبوة وهيبة الرسالة، وسيما الطهارة قلن إنا ما رأينا فيه أثراً من أثر الشهوة، ولا شيئاً من البشرية، ولا صفة من الإنسانية، فهذا قد تطهر عن جميع الصفات المغروزة في البشر، وقد ترقى عن حد الإنسانية ودخل في الملكية. فإن قالوا: فإن كان المراد ما ذكرتم فكيف يتمهد عذر تلك المرأة عند النسوة؟ فالجواب قد سبق. والله أعلم. المسألة الخامسة: القائلون بأن الملك أفضل من البشر احتجوا بهذه الآية فقالوا: لا شك إنهن إنما ذكرت هذا الكلام في معرض تعظيم يوسف عليه السلام. فوجب أن يكون إخراجه من البشرية وإدخاله في الملكية سبباً لتعظيم شأنه وإعلاء مرتبته، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان الملك أعلى حالاً من البشر، ثم نقول: لا يخلو إما أن يكون المقصود بيان كمال حاله في الحسن الذي هو الخلق الظاهر، أو كمال حاله في الحسن الذي هو الخلق الباطن، والأول باطل لوجهين: الأول: أنهم وصفوه بكونه كريماً، وإنما يكون كريماً بسبب الأخلاق الباطنة لا بسبب الخلقة الظاهرة، والثاني: أنا نعلم بالضرورة أن وجه الإنسان لا يشبه وجوه الملائكة ألبتة. أما كونه بعيداً عن الشهوة والغضب معرضاً عن اللذات الجسمانية متوجهاً إلى عبودية الله تعالى مستغرق القلب، والروح فيه فهو أمر مشترك فيه بين الإنسان الكامل وبين الملائكة. وإذا ثبت هذا فنقول: تشبيه الإنسان بالملك في الأمر الذي حصلت المشابهة فيه على سبيل الحقيقة أولى من تشبيهه بالملك فيما لم تحصل المشابهة فيه ألبتة، فثبت أن تشبيه يوسف عليه السلام بالملك في هذه الآية إنما وقع في الخلق الباطن، لا في الصورة الظاهرة، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب أن يكون الملك أعلى حالاً من الإنسان من هذه الفضائل، فثبت أن الملك أفضل من البشر والله أعلم. المسألة السادسة: لغة أهل الحجاز إعمال «ما» عمل ليس وبها ورد قوله: {مَا هَـٰذَا بَشَرًا } ومنها قوله: { أية : مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ } تفسير : [المجادلة: 2] ومن قرأ على لغة بني تميم. قرأ {مَا هَـٰذَا بَشَرًا } وهي قراءة ابن مسعود وقرىء {مَا هَـٰذَا بَشَرًا } أي ما هو بعبد مملوك للبشر {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } ثم نقول: ما هذا بشراً، أي حاصل بشراً بمعنى هذا مشترى، وتقول: هذا لك بشراً أم بكراً، والقراءة المعتبرة هي الأولى لموافقتها المصحف، ولمقابلة البشر للملك.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ} ويقال: «نُسوة» بضم النون، وهي قراءة الأعمش والمفضّل والسُّلَميّ، والجمع الكثير نساء. ويجوز: وقالت نسوة، وقال نسوة، مثل قالت الأعراب وقال الأعراب؛ وذلك أن القصة ٱنتشرت في أهل مصر فتحدّث النساء. قيل: ٱمرأة ساقي العزيز، وٱمرأة خبازه، وٱمرأة صاحب دوابه، وٱمرأة صاحب سجنه. وقيل: ٱمرأة الحاجب؛ عن ٱبن عباس وغيره. {تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ} الفتى في كلام العرب الشاب، والمرأة فتاة. {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} قيل: شغفها غلبها. وقيل: دخل حبه في شغافها؛ عن مجاهد وغيره. وروى عمرو بن دينار عن عِكرمة عن ٱبن عباس قال: دخل تحت شَغافها. وقال الحسن: الشّغف باطن القلب. السديّ وأبو عبيد: شغاف القلب غلافه، وهو جلدة عليه. وقيل: هو وسط القلب؛ والمعنى في هذه الأقوال متقارب، والمعنى: وصل حبه إلى شَغافها فغلب عليه؛ قال النابغة:شعر : وقد حال هَمٌّ دون ذلك داخلٌ دخولَ الشّغافِ تبتغيه الأصابعُ تفسير : وقد قيل: إن الشّغاف داء؛ وأنشد الأصمعي للراجز:شعر : يتبعـها وهي له شَغـافُ تفسير : وقرأ أبو جعفر بن محمد وٱبن محيصن والحسن «شَعَفَها» بالعين غير معجمة؛ قال ٱبن الأعرابي: معناه أحرق حبه قلبها؛ قال: وعلى الأوّل العمل. قال الجوهريّ: وشَعفه الحب أحرق قلبه. وقال أبو زيد: أمرضه. وقد شُعِف بكذا فهو مشعوف. وقرأ الحسن «قَدْ شَعَفَهَا» قال: بَطَنها حبًّا. قال النحاس: معناه عند أكثر أهل اللغة قد ذهب بها كل مذهب؛ لأن شِعَاف الجبال: أعاليها؛ وقد شُغِف بذلك شُغْفاً بإسكان الغين إذا أُولِع به؛ إلا أن أبا عبيدة أنشد بيت ٱمرىء القيس:شعر : لتقتلني وقد شَعَفْتُ فؤادَها كَمَا شَعَفَ الْمَهْنُوءَةَ الرّجُل الطَّالِي تفسير : قال: فشبهت لوعةُ الحبّ وجَوَاه بذلك. ورُوي عن الشَّعْبي أنه قال: الشّغف بالغين المعجمة حُبّ، والشّعف بالعين غير المعجمة جنونٌ. قال النحاس: وحكي «قد شَغِفَها» بكسر الغين، ولا يعرف في كلام العرب إلا «شَغَفها» بفتح الغين، وكذا «شَعَفها» أي تركها مشعوفة. وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن الحسن: الشَّغاف حجاب القلب، والشَّعاف سويداء القلب، فلو وصل الحبّ إلى الشّعاف لماتت؛ وقال الحسن: ويقال إن الشَّغاف الجلدة اللاصقة بالقلب التي لا ترى، وهي الجلدة البيضاء، فلصق حبُّه بقلبها كلصوق الجلدة بالقلب. قوله تعالى: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي في هذا الفعل. وقال قَتَادَة: «فَتَاهَا» وهو فتى زوجها، لأن يوسف كان عندهم في حكم المماليك، وكان ينفذ أمرُها فيه. وقال مقاتل عن أبي عثمان النَّهْديّ عن سلمان الفارسيّ قال: إن ٱمرأة العزيز ٱستوهبت زوجها يوسف فوهبه لها، وقال: ما تصنعين به؟ قالت: أتخذه ولداً؛ قال: هو لك؛ فربته حتى أَيْفع وفي نفسها منه ما في نفسها، فكانت تنكشف له وتتزيّن وتدعوه من وجه اللطف فعصمه الله. قوله تعالى: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} أي بغيبتهنّ إياها، وٱحتيالهنّ في ذمها. وقيل: إنها أطلعتهنّ وٱستأمنتهنّ فأفشين سرها، فسمى ذلك مكراً. وقوله: {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} في الكلام حذف؛ أي أرسلت إليهن تدعوهنّ إلى وَليمة لتُوقِعهنّ فيما وقعت فيه؛ فقال مجاهد عن ٱبن عباس: إن ٱمرأة العزيز قالت لزوجها إني أريد أن أتخذ طعاماً فأدعو هؤلاء النّسوة؛ فقال لها: افعلي؛ فاتخذت طعاماً، ثم نَجَّدت لهن البيوت؛؛ نَجَّدت أي زيَّنت؛ والنَّجْد ما يُنْجَد به البيت من المتاع أي يُزيَّن، والجمع نُجُود عن أبي عُبيد؛ والتّنجيد التزيين؛ وأرسلت إليهنّ أن يحضُرن طعامها، ولا تتخلف منكنّ ٱمرأة ممن سميتُ. قال وهب بن مُنبِّه: إنهنّ كنّ أربعين ٱمرأة فجئن على كَرْه منهنّ، وقد قال فيهنّ أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت:شعر : حتى إذا جئنها قسراً ومهدت لهن أنضاداً وكبابا تفسير : ويُروى: أنماطاً. قال وهب بن (مُنَبِّه): فجئن وأخذن مجالسهنّ. {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} أي هيأت لهنّ مجالس يتكئن عليها. قال ٱبن جُبير: في كل مجلس جَامٌ فيه عسل وأُتْرُجّ وسكِّين حاد. وقرأ مجاهد وسعيد بن جُبير: «مُتْكاً» مخففاً غير مهموز، والمُتْك هو الأُتْرُجّ بلغة القبط، وكذلك فسره مجاهد. روى سفيان عن منصور عن مجاهد قال: المُتَّكأ مثقّلاً (هو) الطعام، والمُتْك مخفّفاً (هو) الأتْرُجّ؛ وقال الشاعر:شعر : نَشْربُ الإثْمَ بالصُّواعِ جِهَاراً وتَرَى المُتْك بَيْنَنَا مُسْتَعَارَا تفسير : وقد تقول أَزْدُ شَنُوءَة: الأُترجّة المُتْكَة؛ قال الجوهريّ: المُتْك ما تُبقيه الخاتنة. وأصل المُتْك الزُّماوَرْد. والمَتْكَاء من النّساء التي لم تُخْفَض. قال الفرّاء: حدثني شيخ من ثقات أهل البصرة أن المُتْك مخففاً الزُّماوَرْد. وقال بعضهم: إنه الأترجّ؛ حكاه الأخفش. ٱبن زيد: أترجًّا وعسلاً يؤكل به؛ قال الشاعر:شعر : فَظِلْنا بنعمة وٱتَّكَأْنَا وشَرِبْنا الحلالَ من قُللِه تفسير : أي أكلنا. النحاس: قوله تعالى: «وَأَعْتَدَتْ» من العَتَاد؛ وهو كل ما جعلته عُدّة لشيء. «مُتَّكَأً» أصح ما قيل فيه ما رواه عليّ بن أبي طلحة عن ٱبن عباس قال: مجلساً، وأما قول جماعة من أهل التفسير إنه الطعام فيجوز على تقدير: طعام متكأ، مثل: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]؛ ودلّ على هذا الحذف «وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً» لأن حضور النساء معهن سكاكين إنما هو لطعام يُقطع بالسكاكين؛ كذا قال في كتاب «إعراب القرآن» له. وقال في كتاب «معاني القرآن» (له): وروى مَعْمَر عن قَتَادة قال: «المتكأ» الطعام. وقيل: «المتكأ» كل ما ٱتكىء عليه عند طعام أو شراب أو حديث؛ وهذا هو المعروف عند أهل اللغة، إلا أن الروايات قد صحت بذلك. وحكى القُتبيّ أنه يقال: ٱتكأنا عند فلان أي أكلنا، والأصل في «متكأ» موتكأ، ومثله مُتَّزن ومُتَّعد؛ لأنه من وزنت ووعدت ووكأت، ويقال: ٱتَّكأَ يَتَّكىء ٱتِّكاء. {كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً} مفعولان؛ وحكى الكسائي والفراء أن السِّكين يذكر ويؤنث، وأنشد الفراء:شعر : فَعَيّثَ فِي السَّنَامِ غَدَاةَ قُرٍّ بسكِّينٍ مُوَثَّقةَ النِّصَاب تفسير : الجوهريّ: والغالب عليه التذكير، وقال:شعر : يُرى ناصحاً فيما بَدَا فإذا خَلاَ فذلك سكِّينٌ على الحَلْقِ حَاذِقُ تفسير : الأصمعي: لا يعرف في السكين إلا التذكير. قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} بضم التاء لالتقاء الساكنين؛ لأن الكسرة تَثْقل إذا كان بعدها ضمة، وكسرت التاء على الأصل. قيل: إنها قالت لهن: لا تقطعن ولا تأكلن حتى أعلمكن، ثم قالت لخادمها: إذا قلت لك ٱدع لي إيلا فٱدع يوسف؛ وإيل: صنم كانوا يعبدونه، وكان يوسف عليه السلام يعمل في الطين، وقد شدّ مِئزره، وحسَرَ عن ذراعيه؛ فقالت للخادم: ٱدع لي إيلاً؛ أي ٱدع لي الربّ؛ وإيل بالعبرانية الربّ؛ قال: فتعجب النسوة وقلن: كيف يجيء! فصعدت الخادم فدعت يوسف، فلما ٱنحدر قالت لهن: ٱقطعن ما معكن. {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} بالمُدَى حتى بلغت السكاكين إلى العظم؛ قاله وهب بن مُنَبِّه. سعيد بن جُبير: لم يخرج عليهن حتى زينته، فخرج عليهن فجأة فدهشن فيه، وتحيّرن لحسن وجهه وزينته وما عليه، فجعلن يقطعن أيديهن، ويحسبن أنهن يقطعن الأتْرجّ؛ وٱختلف في معنى «أَكْبَرْنَهُ» فروى جُوَيبر عن الضّحاك عن ٱبن عباس: أعظمنه وهِبْنه؛ وعنه أيضاً أَمْنَين وَأَمْذَين من الدَّهش؛ وقال الشاعر:شعر : إذا ما رأين الفحلَ من فوق قَارةٍ صَهَلْنَ وأَكْبَرْنَ المنيَّ المدفقَا تفسير : وقال ٱبن سمعان عن عدة من أصحابه: إنهم قالوا أمذين عشقاً؛ وهب بن مُنبّه: عشقنه حتى مات منهن عشرة في ذلك المجلس دَهَشا وحيرة ووَجْداً بيوسف. وقيل: معناه حضْن من الدَّهش؛ قَاله قتادة ومقاتل والسُّديّ؛ قال الشاعر:شعر : نأتي النساءَ على أطهارهنّ ولا نأتي النّساءَ إذا أَكْبَرَن إِكْبَارَا تفسير : وأنكر ذلك أبو عبيدة وغيره وقالوا: ليس ذلك في كلام العرب، ولكنه يجوز أن يكنّ حضن من شدّة إعظامهن له، وقد تفزع المرأة فتسقط ولدها أو تحيض. قال الزجاج: يقال أكبرنه، ولا يقال حِضْنه، فليس الإكبار بمعنى الحيض؛ وأجاب الأزهري فقال: يجوز أَكْبرت بمعنى حاضت؛ لأن المرأة إذا حاضت في الابتداء خرجت من حَيِّز الصغر إلى الكبر؛ قال: والهاء في «أَكْبَرَنْهُ» يجوز أن تكون هاء الوقف لا هاء الكناية؛ وهذا مزيَّف، لأن هاء الوقف تسقط في الوصل، وأمثل منه قول ٱبن الأنباري: إن الهاء كناية عن مصدر الفعل، أي أكبرن إكباراً، بمعنى حِضْن حَيْضاً. وعلى قول ٱبن عباس الأول تعود الهاء إلى يوسف؛ أي أعظمن يوسف وأجْلَلْنه. قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} قال مجاهد: قطّعنها حتى ألقينها. وقيل: خَدشْنها. وروى ٱبن أبي نجيح (عن مجاهد) قال: حَزًّا بالسكّين، قال النحاس: يريد مجاهد أنه ليس قطعاً تَبِينِ منه اليد، إنما هو خَدْش وحزّ، وذلك معروف في اللغة أن يقال إذا خدش الإنسان يد صاحبه قطع يده. وقال عِكرمة: «أَيْدِيهُنّ» أكمامهنّ، وفيه بُعْد. وقيل: أناملهنّ؛ أي ما وجدن ألَماً في القطع والجرح، أي لشغل قلوبهن بيوسف، والتقطيع يشير إلى الكثرة، فيمكن أن ترجع الكثرة إلى واحدة جرحت يدها في مواضع، ويمكن أن يرجع إلى عددهنّ. قوله تعالى: {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ} أي معاذ الله. وروى الأصمعيّ عن نافع أنه قرأ كما قرأ أبو عمرو بن العلاء. «وَقُلْنَ حَاشَا لِلَّهِ» بإثبات الألف وهو الأصل، ومن حذفها جعل اللام في «لله» عوضاً منها. وفيها أربع لغات؛ يقال: حَاشَاكَ وحَاشَا لَكَ وحاشَ لَكَ وحَشَا لَكَ. ويقال: حَاشَا زيدٍ وحاشا زيداً؛ قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: النصب أولى؛ لأنه قد صحّ أنها فعلٌ لقولهم حاش لزيد، والحرف لا يحذف منه؛ وقد قال النابغة:شعر : وَلاَ أحاشِي مـن الأقـوام مـن أَحَـدِ تفسير : وقال بعضهم: حاشَ حرف، وأُحاشي فعل. ويدلّ على كون حاشا فعلاً وقوع حرف الجر بعدها. وحكى أبو زيد عن أعرابيّ: اللهم ٱغفر لي ولمن يَسمع، حاشَا الشيطانَ وأبا الأصبغ؛ فنصب بها. وقرأ الحسن «وَقُلْنَ حَاشْ لِلَّهِ» بإسكان الشين، وعنه أيضاً «حاش الإله». ابن مسعود وأُبَيّ: «حَاشَ اللَّهِ» بغير لام، ومنه قول الشاعر:شعر : حاشا أبي ثَوْبَانَ إنّ بهِ ضَنًّا عنِ الْمَلْحَاةِ والشَّتْمِ تفسير : قال الزجاج: وأصل الكلمة من الحاشية، والحَشَا بمعنى الناحية، تقول: كنت في حَشَا فلانٍ أي في ناحيته؛ فقولك: حاشا لزيدٍ أي تَنحَّى زيدٌ من هذا وتباعد عنه، والاستثناء إخراج وتنحية عن جملة المذكورين. وقال أبو علي: هو فاعل من المحاشاة؛ أي حاشا يوسف وصار في حاشية وناحية مما قُرِف به، أو من أن يكون بشراً؛ فحاشا وحاش في الاستثناء حرف جرّ عند سيبويه، وعلى ما قال المبرّد وأبو عليّ فعل. قوله تعالى: {مَا هَـٰذَا بَشَراً} قال الخليل وسيبويه: «ما» بمنزلة ليس؛ تقول: ليس زيد قائماً، و«ما هذا بشراً» و{أية : مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} تفسير : [المجادلة:2] وقال الكوفيون: لما حذفت الباء نصبت؛ وشرح هذا ـ فيما قاله أحمد بن يحيـى ـ أنك إذا قلت: ما زيد بمنطلق، فموضع الباء موضع نصب، وهكذا سائر حروف الخفض؛ فلما حذفت الباء نصبت لتدلّ على محلها، قال: وهذا قول الفرّاء، قال: ولم تعمل «ما» شيئاً؛ فألزمهم البصريون أن يقولوا: زيد القمرَ؛ لأن المعنى كالقمر! فردّ أحمد بن يحيـى بأن قال: الباء أدخل في حروف الخفض من الكاف؛ لأن الكاف تكون ٱسماً. قال النحاس: لا يصح إلا قول البصريين؛ وهذا القول يتناقض؛ لأن الفرّاء أجاز نصًّا ما بمنطلق زيدٌ، وأنشد: شعر : أَمَا واللَّهِ أَنْ لو كنتَ حُرًّا وما بالحُرِّ أنتَ ولا العَتِيق تفسير : ومنع نصًّا النصب؛ ولا نعلم بين النحويين اختلافاً أنه جائز: ما فيك براغب زيدٌ، وما إليك بقاصدٍ عمرٌو، ثم يحذفون الباء ويرفعون. وحكى البصريون والكوفيون ما زيدٌ منطلقٌ بالرفع، وحكى البصريون أنها لغةُ تميم، وأنشدوا:شعر : أَتيماً تَجعلون إليّ نِدًّا وما تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدٌ تفسير : النِّد والنَّديد والنَّدِيدةُ المِثْل والنَّظير. وحكى الكسائي أنها لغة تِهامة ونَجْد. وزعم الفراء أن الرفع أقوى الوجهين: قال أبو إسحاق: وهذا غلط؛ كتاب الله عز وجلّ ولغة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى وأولى. قلت: وفي مصحف حَفْصة رضي الله عنها «مَا هَذَا بِبَشَرٍ» ذكره الغَزْنويّ. قال القُشَيْريّ أبو نصر: وذكرت النّسوة أن (صورة) يوسف أحسن من صورة البشر، بل هو في صورة مَلَك؛ وقال الله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4] والجمع بين الآيتين أن قولهن: «حَاشَ لِلَّهِ» تبرئة ليوسف عمَّا رمته به ٱمرأة العزيز من المراودة، أي بعد يوسف عن هذا؛ وقولهنّ: «لله» أي لخوفه، أي براءة لله من هذا؛ أي قد نجا يوسف من ذلك، فليس هذا من الصورة في شيء؛ والمعنى: أنه في التبرئة عن المعاصي كالملائكة؛ فعلى هذا لا تناقض. وقيل: المراد تنزيهه عن مشابهة البشر في الصورة، لفرط جماله. وقوله: «لله» تأكيد لهذا المعنى؛ فعلى هذا المعنى قالت النسوة ذلك ظناً منهن أن صورة المَلَك أحسن، وما بلغهنّ قوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4] فإنه من كتابنا. وقد ظنّ بعض الضَّعفة أن هذا القول لو كان ظناً باطلاً منهنّ لوجب على الله أن يردّ عليهنّ، ويبيّن كذبهنّ، وهذا باطل؛ إذ لا وجوب على الله تعالى، وليس كل ما يخبر به الله سبحانه من كفر الكافرين وكذب الكاذبين يجب عليه أن يقرن به الردّ عليه؛ وأيضاً أهل العرف قد يقولون في القبيح كأنه شيطان، وفي الحسَن كأنه مَلَك؛ أي لم ير مثله، لأن الناس لا يرون الملائكة؛ فهو بناء على ظنّ في أن صورة الملَك أحسن، أو على الإخبار بطهارة أخلاقه وبعده عن التّهَم. {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ} أي ما هذا إلا مَلَك؛ وقال الشاعر:شعر : فلستَ لأِنْسِيٍّ ولكن لِمَلأَكٍ تَنزَّلَ من جَوِّ السماءِ يَصُوبُ تفسير : وروي عن الحسن: «مَا هَذَا بِشِرًى» بكسر الباء والشين، أي ما هذا عبداً مُشترًى، أي ما ينبغي لمثل هذا أن يباع، فوضع المصدر موضع اسم المفعول، كما قال: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} أي مصيده، وشبهه كثير. ويجوز أن يكون المعنى: ما هذا بثمن، أي مثله لا يثمن ولا يقوّم؛ فيراد بالشراء على هذا الثمن المشترى به: كقولك: ما هذا بألفٍ إذا نفيت قول القائل: هذا بألف. فالباء على هذا متعلقة بمحذوف هو الخبر، كأنه قال: ما هذا مقدراً بشراء. وقراءة العامة أشبه؛ لأن بعده «إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَك كَرِيمٌ» مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة تعظيماً لشأنه، ولأن مثل «بِشرًى» يكتب في المصحف بالياء. قوله تعالى: {قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} لما رأت ٱفتتانهن بيوسف أظهرت عذر نفسها بقولها: «لُمْتُنَّنِي فِيهِ» أي بحبه، و«ذلك» بمعنى «هذا» وهو اختيار الطَّبريّ. وقيل: الهاء للحب، و«ذلك» على بابه، والمعنى: ذلكن الحُب الذي لمتنني فيه، أي حبّ هذا هو ذلك الحب. واللوم الوصف بالقبيح. ثم أقرّت وقالت: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسْتَعْصَمَ} أي ٱمتنع؛ وسميت العصمة عصمة لأنها تمنع من ارتكاب المعصية. وقيل: «ٱستعصم» أي ٱستعصى، والمعنى واحد. {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ} عاودته المراودة بمحضر منهن، وهتكت جِلباب الحياء، ووعدت بالسجن إن لم يفعل، وإنما فعلت هذا حين لم تخش لَوْماً ولا مقالاً خلافَ أوّل أمرها إذ كان ذلك بينه وبينها. {وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} أي الأذلاء. وخط المصحف «وليكوناً» بالألف وتقرأ بنون مخففة للتأكيد؛ ونون التأكيد تثقّل وتخفّف والوقف على قوله: «لَيُسْجَنَنَّ» بالنون لأنها مثقلة، وعلى «ليكوناً» بالألف لأنها مخففة، وهي تشبه نون الإعراب في قولك: رأيت رجلاً وزيداً وعمراً، ومثله قوله: «أية : لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ» تفسير : ونحوها الوقف عليها بالألف، كقول الأعشى:شعر : وَلاَ تَعبدِ الشيطان واللَّهَ فاعبدا تفسير : أي أراد فاعبداً، فلما وقف عليه كان الوَقف بالألف.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى: أن خبر يوسف وامرأة العزيز شاع في المدينة، وهي مصر، حتى تحدث به الناس {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ} مثل نساء الكبراء والأمراء، ينكرن على امرأة العزيز، وهو الوزير، ويعبن ذلك عليها {ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَـٰهَا عَن نَّفْسِهِ} أي: تحاول غلامها عن نفسه، وتدعوه إلى نفسها {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} أي: قد وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهو غلافه. قال الضحاك عن ابن عباس: الشغف: الحب القاتل، والشعف دون ذلك، والشغاف حجاب القلب {إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} أي: في صنيعها هذا؛ من حبها فتاها، ومراودتها إياه عن نفسه، {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} قال بعضهم: بقولهن: ذهب الحب بها، وقال محمد بن إسحاق: بل بلغهن حسن يوسف، فأحببن أن يرينه، فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته، فعند ذلك {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} أي: دعتهن إلى منزلها لتضيفهن، {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا}. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والسدي وغيرهم: هو المجلس المعد فيه مفارش، ومخاد، وطعام فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه، ولهذا قال تعالى: {وَءَاتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مَّنْهُنَّ سِكِّينًا} وكان هذا مكيدة منها، ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته {وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر {فَلَمَّآ} خرج و{رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} أي: أعظمنه، أي: أعظمن شأنه، وأجللن قدره، وجعلن يقطعن أيديهن دهشاً برؤيته، وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج بالسكاكين، والمراد أنهن حززن أيديهن بها، قاله غير واحد، وعن مجاهد وقتادة: قطعن أيديهن حتى ألقينها، فالله أعلم. وقد ذكر غير واحد: أنها قالت لهن بعد ما أكلن وطابت أنفسهن، ثم وضعت بين أيديهن أترجاً، وآتت كل واحدة منهن سكيناً: هل لكن في النظر إلى يوسف؟ قلن: نعم، فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهن، فلما رأينه، جعلن يقطعن أيديهن، ثم أمرته أن يرجع؛ ليرينه مقبلاً ومدبراً، فرجع وهن يحززن في أيديهن، فلما أحسسن بالألم، جعلن يولولن، فقالت: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هذا، فكيف ألام أنا؟ {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} ثم قلن لها: وما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا؛ لأنهن لم يرين في البشر شبيهه، ولا قريباً منه، فإنه عليه السلام كان قد أعطي شطر الحسن، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بيوسف عليه السلام في السماء الثالثة، قال: «حديث : فإذا هو قد أعطي شطر الحسن»تفسير : وقال حماد بن سلمة: عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أعطي يوسف وأمه شطر الحسن»تفسير : . وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن. وقال أبو إسحاق أيضاً: عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كان وجه يوسف مثل البرق، وكانت المرأة إذا أتته لحاجة، غطى وجهه مخافة أن تفتتن به. ورواه الحسن البصري مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا، وأعطي الناس الثلثين»تفسير : ، أو قال: «حديث : أعطي يوسف وأمه الثلثين، والناس الثلث»تفسير : .وقال سفيان: عن منصور، عن مجاهد عن ربيعة الجرشي قال: قسم الحسن نصفين، فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن، والنصف الآخر بين سائر الخلق. وقال الإمام أبو القاسم السهيلي: معناه أن يوسف عليه السلام كان على النصف من حسن آدم عليه السلام، فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها، ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله، وكان يوسف قد أعطي شطر حسنه، فلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته: {حَاشَ للَّهِ}. قال مجاهد وغير واحد: معاذ الله، {مَا هَـٰذَا بَشَرًا}، وقرأ بعضهم: ما هذا بشري، أي: بمشترى بشراء {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ} تقول هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق أن يحب لجماله وكماله، {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ} أي: فامتنع. قال بعضهم: لما رأين جماله الظاهر، أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن، وهي العفة مع هذا الجمال، ثم قالت تتوعده: {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّن ٱلصَّـٰغِرِينَ} فعند ذلك استعاذ يوسف عليه السلام من شرهن وكيدهن، و{قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىۤ إِلَيْهِ} أي: من الفاحشة {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} أي: إن وكلتني إلى نفسي، فليس لي منها قدرة، ولا أملك لها ضراً ولا نفعاً، إلا بحولك وقوتك، أنت المستعان، وعليك التكلان، فلا تكلني إلى نفسي {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن منَ ٱلْجَـٰهِلِينَ فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ} الآية، وذلك أن يوسف عليه السلام عصمه الله عصمة عظيمة، وحماه، فامتنع منها أشد الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقامات الكمال؛ أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك، ويختار السجن على ذلك؛ خوفاً من الله، ورجاء ثوابه. ولهذا ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ } مدينة مصر عبدها {عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً } تمييز أي دخل حبه شغاف قلبها أي غلافه {إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضَلَٰلٍ }أي في خطأ {مُّبِينٍ } بيّن بحبها إياه.
الشوكاني
تفسير : يقال: "نُسوة" بضم النون، وهي قراءة الأعمش، والمفضل والسُّلَمىّ، ويقال: {نسوة} بكسر النون، وهي قراءة الباقين، والمراد جماعة من النساء، ويجوز التذكير في الفعل المسند إليهنّ كما يجوز التأنيث. قيل: وهي امرأة ساقي العزيز وامرأة خبازه، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة صاحب سجنه، وامرأة حاجبه. والفتى في كلام العرب: الشاب، والفتاة: الشابة، والمراد به هنا: غلامها، يقال: فتاي وفتاتي أي: غلامي وجاريتي، وجملة {قَدْ شَغَفَهَا حُبّا } في محل رفع على أنها خبر ثانٍ للمبتدأ، أو في محل نصب على الحال، ومعنى {شغفها حباً}: غلبها حبه، وقيل: دخل حبه في شغافها. قال أبو عبيدة: وشغاف القلب غلافه وهو جلدة عليه. وقيل: هو وسط القلب، وعلى هذا يكون المعنى: دخل حبه إلى شغافها فغلب عليه، وأنشد الأصمعي قول الراجز:شعر : يتبعها وهي له شغاف تفسير : وقرأ جعفر بن محمد، وابن محيصن، والحسن "شعفها" بالعين المهملة. قال ابن الأعرابي: معناه أجرى حبه عليها. وقرأ غيرهم بالمعجمة. قال الجوهري: شغفه الحبّ: أحرق قلبه. وقال أبو زيد: أمرضه. قال النحاس: معناه عند أكثر أهل اللغة: قد ذهب بها كل مذهب؛ لأن شغاف الجبال: أعاليها، وقد شغف بذلك شغفاً بإسكان الغين المعجمة: إذا ولع به، وأنشد أبو عبيدة بيت امرىء القيس:شعر : أتقتلني وقد شغفت فؤادها كما شغف المهنوءَة الرجل الطالي تفسير : قال: فشبهت لوعة الحب بذلك. وقرأ الحسن: "قد شغفها" بضم الغين. قال النحاس: وحكي قد شغفها بكسر الغين، ولا يعرف ذلك في كلام العرب إلاّ شغفها بفتح الغين. ويقال: إن الشغاف الجلدة اللاصقة بالكبد التي لا ترى، وهي الجلدة البيضاء، فكأنه لصق حبه بقلبها كلصوق الجلدة بالكبد، وجملة {إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } مقرّرة لمضمون ما قبلها. والمعنى: إنا لنراها، أي: نعلمها في فعلها هذا، وهو المراودة لفتاها في ضلال عن طريق الرشد والصواب المبين: واضح لا يلتبس على من نظر فيه. {فَلَمَّا سَمِعَتْ } امرأة العزيز {بِمَكْرِهِنَّ } أي: بغيبتهنّ إياها، سميت الغيبة مكراً لاشتراكهما في الإخفاء، وقيل: أردن أن يتوسلن بذلك إلى رؤية يوسف، فلهذا سمي قولهنّ مكراً. وقيل: إنها أسرّت عليهنّ فأفشين سرّها فسمي ذلك مكراً، {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ } أي: تدعوهنّ إليها لينظرن إلى يوسف حتى يقعن فيما وقعت فيه {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ} أي: هيأت لهن مجالس يتكئن عليها، وأعتدت من الاعتداد، وهو كل ما جعلته عدّة لشيء. وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير {متكأ} مخففاً غير مهموز، والمتك: هو الأترج بلغة القبط، ومنه قول الشاعر:شعر : نشرب الإثم بالصواع جهاراً وترى المتك بيننا مستعارا تفسير : وقيل: إن ذلك هو لغة أزد شنوءة. وقيل: حكي ذلك عن الأخفش. وقال الفراء: إنه ماء الورد. وقرأ الجمهور {متكأ} بالهمز والتشديد، وأصح ما قيل فيه: إنه المجلس، وقيل: هو الطعام، وقيل: المتكأ: كل ما اتكىء عليه عند طعام أو شراب أو حديث. وحكى القتيبي أنه يقال: اتكأنا عند فلان، أي: أكلنا، ومنه قول الشاعر:شعر : فظللنا بنعمةٍ واتكأنا وشربنا الحلال من قلله تفسير : ويؤيد هذا قوله: {وآتت كل واحدة منهن سكيناً} فإن ذلك إنما يكون لشيء يأكلنه بعد أن يقطعنه، والسكين تذكر وتؤنث، قاله الكسائي والفراء. قال الجوهري: والغالب عليه التذكير، والمراد من إعطائها لكل واحدة سكيناً: أن يقطعن ما يحتاج إلى التقطيع من الأطعمة، ويمكن أنها أرادت بذلك ما سيقع منهنّ من تقطيع أيديهنّ وقالت ليوسف {ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ } أي: في تلك الحالة التي هنّ عليها من الاتكاء والأكل وتقطيع ما يحتاج إلى التقطيع من الطعام. قوله: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } أي: عظمنه، وقيل: أمذين، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا ما رأين الفحل من فوق قلة صهلن وأكبرن المنيّ المقطرا تفسير : وقيل: حضن. قال الأزهري: "أكبرن" بمعنى حضن، والهاء للسكت، يقال: أكبرت المرأة أي: دخلت في الكبر بالحيض، وقع منهنّ ذلك دهشاً وفزعاً لما شاهدنه من جماله الفائق، وحسنه الرائق، ومن ذلك قول الشاعر:شعر : نأتي النساء على أطهارهنّ ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا تفسير : وأنكر ذلك أبو عبيدة وغيره، قالوا: ليس ذلك في كلام العرب. قال الزجاج: يقال: أكبرنه ولا يقال: حضنه، فليس الإكبار بمعنى الحيض. وأجاب الأزهري فقال: يجوز أن تكون هاء الوقف لا هاء الكناية. وقد زيف هذا بأن هاء الوقف تسقط في الوصل. وقال ابن الأنباري: إن الهاء كناية عن مصدر الفعل أي: أكبرن إكباراً بمعنى حضن حيضاً {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } أي: جرحنها، وليس المراد به القطع الذي تبين منه اليد، بل المراد به: الخدش والحزّ، وذلك معروف في اللغة كما قال النحاس، يقال: قطع يد صاحبه إذا خدشها. وقيل: المراد بأيديهنّ هنا: أناملهنّ، وقيل: أكمامهنّ. والمعنى: أنه لما خرج يوسف عليهنّ أعظمنه ودهشن، وراعهنّ حسنه حتى اضطربت أيديهنّ فوقع القطع عليها، وهنّ في شغل عن ذلك، بما دهمهنّ، مما تطيش عنده الأحلام، وتضطرب له الأبدان، وتزول به العقول "وقلن حاشا لله" كذا قرأ أبو عمرو بن العلاء بإثبات الألف في حاشا. وقرأ الباقون بحذفها. وقرأ الحسن "حاش لله" بإسكان الشين. وروي عنه أنه قرأ "حاش الإله". وقرأ ابن مسعود وأبي "حاشا لله". قال الزجاج: وأصل الكلمة من الحاشية بمعنى الناحية، تقول كنت في حاشية فلان: أي في ناحيته، فقولك حاشا لزيد من هذا أي: تباعد منه. وقال أبو عليّ: هو من المحاشاة: وقيل: إن حاش حرف، وحاشا فعل، وكلام أهل النحو في هذه الكلمة معروف، ومعناها هنا التنزيه، كما تقول: أسى القوم حاشا زيداً، فمعنى {حاشا لله}: براءة لله وتنزيه له. قوله: {مَا هَـٰذَا بَشَرًا } إعمال "ما" عمل ليس هي لغة أهل الحجاز، وبها نزل القرآن كهذه الآية، وكقوله سبحانه: {أية : مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ }تفسير : [المجادلة: 2]. وأما بنو تميم فلا يعملونها عمل ليس. وقال الكوفيون: أصله ما هذا ببشر، فلما حذفت الباء انتصب. قال أحمد بن يحيـى ثعلب: إذا قلت ما زيد بمنطلق، فموضع الباء موضع نصب، وهكذا سائر حروف الخفض. وأما الخليل، وسيبويه، وجمهور النحويين فقد أعملوها عمل ليس، وبه قال البصريون والبحث مقرّر في كتب النحو بشواهده وحججه، وإنما نفين عنه البشرية؛ لأنه قد برز في صورة قد لبست من الجمال البديع ما لم يعهد على أحد من البشر، ولا أبصر المبصرون ما يقاربه في جميع الصور البشرية، ثم لما نفين عنه البشرية لهذه العلة أثبتن له الملكية وإن كن لا يعرفن الملائكة لكنه قد تقرّر في الطباع أنهم على شكل فوق شكل البشر في الذات والصفات، وأنهم فائقون في كل شيء، كما تقرّر أن الشياطين على العكس من ذلك، ومن هذا قول الشاعر:شعر : فلست لإنسيٍّ ولكن لملاكٍ تنزل من جوّ السماء يُصوب تفسير : وقرأ الحسن "ما هذا بشراء"، على أن الباء حرف جرّ، والشين مكسورة: أي ما هذا بعبد يشترى، وهذه قراءة ضعيفة لا تناسب ما بعدها من قوله: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ }. واعلم أنه لا يلزم من قول النسوة هذا أن الملائكة صورهم أحسن من صور بني آدم، فإنهنّ لم يقلنه لدليل، بل حكمن على الغيب بمجرد الاعتقاد المرتكز في طباعهن وذلك ممنوع، فإن الله سبحانه يقول: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }تفسير : [التين: 4]. وظاهر هذا أنه لم يكن شيء مثله من أنواع المخلوقات في حسن تقويمه وكمال صورته. فما قاله صاحب الكشاف في هذا المقام هو من جملة تعصباته لما رسخ في عقله من أقوال المعتزلة، على أن هذه المسألة أعني: مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر ليست من مسائل الدين في ورد ولا صدر، فما أغنى عباد الله عنها وأحوجهم إلى غيرها من مسائل التكليف. {قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ } الإشارة إلى يوسف، والخطاب للنسوة أي: عيرتنني فيه. قالت لهنّ هذا لما رأت افتتانهنّ بيوسف إظهاراً لعذر نفسها، ومعنى {فيه} أي: في حبه. وقيل: الإشارة إلى الحب، والضمير له أيضاً، والمعنى: فذلك الحب الذي لمتنني فيه هو ذلك الحب، والأول أولى. ورجحه ابن جرير. وأصل اللوم: الوصف بالقبيح. ثم لما أظهرت عذر نفسها عند النسوة بما شاهدته مما وقعن فيه عند ظهوره لهنّ ضاق صدرها عن كتم ما تجده في قلبها من حبه، فأقرّت بذلك وصرّحت بما وقع منها من المراودة له، فقالت: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ } أي: استعف وامتنع مما أريده طالباً لعصمة نفسه عن ذلك، ثم توعدته إن لم يفعل ما تريده كاشفة لجلباب الحياء، هاتكة لستر العفاف، فقالت: {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن ٱلصَّـٰغِرِينَ } أي: لئن لم يفعل ما قد أمرته به فيما تقدّم ذكره عند أن غلقت الأبواب، وقالت: هيت لك {ليسجنن} أي: يعتقل في السجن {وليكونن من الصاغرين} الأذلاء لما يناله من الإهانة، ويسلب عنه من النعمة والعزّة في زعمها، قرىء "ليكوننّ" بالتثقيل والتخفيف، قيل: والتخفيف أولى لأن النون كتبت في المصحف ألفاً على حكم الوقف. وذلك لا يكون إلاّ في الخفيفة، وأما {ليسجنن} فبالتثقيل لا غير. فلما سمع يوسف مقالها هذا، وعرف أنها عزمة منها مع ما قد علمه من نفاذ قولها عند زوجها العزيز قال مناجياً لربه سبحانه: {رَبّ ٱلسّجْنُ } أي: يا ربّ السجن الذي أوعدتني هذه به {أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ } من مؤاتاتها والوقوع في المعصية العظيمة التي تذهب بخير الدنيا والآخرة. قال الزجاج: أي دخول السجن، فحذف المضاف. وحكى أبو حاتم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ "السجن" بفتح السين، وقرأ كذلك ابن أبي إسحاق وعبد الرحمٰن الأعرج، ويعقوب، وهو مصدر سجنه سجناً، وإسناد الدعوة إليهنّ جميعاً، لأن النسوة رغبنه في مطاوعتها وخوّفنه من مخالفتها، ثم جرى على هذا في نسبة الكيد إليهن جميعاً؛ فقال: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ } أما الكيد من امرأة العزيز فما قد قصه الله سبحانه في هذه السورة، وأما كيد سائر النسوة فهو ما تقدّم من الترغيب له في المطاوعة والتخويف من المخالفة. وقيل: إنها كانت كل واحدة تخلو به وحدها وتقول له: يا يوسف اقض لي حاجتي فأنا خير لك من امرأة العزيز، وقيل: إنه خاطب امرأة العزيز بما يصلح لخطاب جماعة النساء تعظيماً لها، أو عدولاً عن التصريح إلى التعريض. والكيد: الاحتيال. وجزم {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } على أنه جواب الشرط أي: أمل إليهنّ، من صبا يصبو: إذا مال واشتاق، ومنه قول الشاعر:شعر : إلى هند صبا قلبي وهند حبها يصبي تفسير : {وَأَكُن مّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } معطوف على {أصب} أي: أكن ممن يجهل ما يحرم ارتكابه ويقدم عليه، أو ممن يعمل عمل الجهال. قوله: {فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ } لما قال: {وإلاّ تصرف عني كيدهنّ} كان ذلك منه تعرضاً للدعاء، وكأنه قال: اللهمّ اصرف عني كيدهنّ، فالاستجابة من الله تعالى له هي بهذا الاعتبار؛ لأنه لم يتقدّم دعاء صريح منه عليه السلام، والمعنى: أنه لطف به وعصمه عن الوقوع في المعصية؛ لأنه إذا صرف عنه كيدهنّ لم يقع شيء مما رمنه منه، ووجه إسناد الكيد قد تقدّم، وجملة {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل لما قبلها من صرف كيد النسوة عنه أي: إنه هو السميع لدعوات الداعين له، العليم بأحوال الملتجئين إليه. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {قَدْ شَغَفَهَا } غلبها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه {قَدْ شَغَفَهَا } قال: قتلها حب يوسف. الشغف: الحبّ القاتل، والشعف: حبّ دون ذلك، والشغاف: حجاب القلب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {قَدْ شَغَفَهَا } قال: قد علقها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } قال: بحديثهنّ. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } قال: بعملهن، وكل مكر في القرآن فهو عمل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في قوله: {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ} قال: هيأت لهن مجلساً، وكان سنتهم إذا وضعوا المائدة أعطوا كل إنسان سكيناً يأكل بها {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ} قال: فلما خرج عليهن يوسف {أَكْبَرْنَهُ } قال: أعظمنه ونظرن إليه، وأقبلن يحززن أيديهنّ بالسكاكين وهنّ يحسبن أنهن يقطعن الطعام. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ} قال: أعطتهنّ أترنجا، وأعطت كل واحدة منهنّ سكيناً، فلما رأين يوسف أكبرنه، وجعلن يقطعن أيديهنّ وهن يحسبن أنهنّ يقطعن الأترنج. وأخرج مسدد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عنه: المتكأ: الأترنج، وكان يقرأها خفيفة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد {متكأ} قال: طعاماً. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر عنه قال: هو الأترنج. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: هو كل شيء يقطع بالسكين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن الضحاك مثله. وأخرج أبو الشيخ من طريق عبد العزيز بن الوزير بن الكميت بن زيد قال: حدّثني أبي، عن جدّي يقول في قوله: { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} قال: أمنين. وأنشد:شعر : ولما رأته الخيل من رأس شاهق صهلن وأمنين المنى المدفقا تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده ابن عباس في قوله: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } قال: لما خرج عليهنّ يوسف حضن من الفرح، وذكر قول الشاعر الذي قدّمنا ذكره: شعر : نأتي النساء لدى أطهارهنّ ولا نأتي النساء إذ أكبرنَ إكباراً تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {أَكْبَرْنَهُ } قال: أعظمنه {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } قال: حزّا بالسكين حتى ألقينها {وَقُلْنَ حاشا لِلَّهِ } قال: معاذ الله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } قال: قلن ملك من الملائكة من حسنه. وأخرج أبو الشيخ عن منبه، عن أبيه قال: مات من النسوة التي قطعن أيديهنّ تسع عشرة امرأة كمداً. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم عن أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعطي يوسف وأمه شطر الحسن»تفسير : ، وقد وردت روايات عن جماعة من السلف في وصف حسن يوسف، والمبالغة في ذلك، ففي بعضها أنه أعطي نصف الحسن، وفي بعضها ثلثه، وفي بعضها ثلثيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس {فَٱسَتَعْصَمَ } قال: امتنع. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة {فَٱسَتَعْصَمَ } قال: فاستعصى. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ } قال: إن لا تكن منك أنت القوي والمنعة لا تكن مني ولا عندي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } قال: أتبعهنّ. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: أطاوعهنّ.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وقال نسوة في المدينة} قال جويبر: كن أربعاً: امرأة الحاجب وامرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة القهرمان. قال مقاتل: وامرأة صاحب السجن وفي هذه المدينة قولان: أحدهما: مصر. الثاني: عين شمس. {امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه} قلن ذلك ذماً لها وطعناً فيها وتحقيقاً لبراءة يوسف وإنكاراً لذنبه. والعزيز اسم الملك مأخوذ من عزته، ومنه قول أبى داؤد: شعر : درة غاص عليها تاجر جلبت عند عزيز يوم طل تفسير : {قد شغفها حبّاً} أي قد دخل حبه من شغاف قلبها. وفي شغاف القلب خمسة أقاويل: أحدها: أنه حجاب القلب، قاله ابن عباس. الثاني: أنه غلاف القلب وهو جلدة رقيقة بيضاء تكون على القلب وربما سميت لباس القلب، قاله السدي وسفيان. الثالث: أنه باطن القلب، قاله الحسن، وقيل هو حبة القلب. الرابع: أنه ما يكون في الجوف، قاله الأصمعي. الخامس: هو الذعر والفزع الحادث عن شدة الحب، قاله إبراهيم. وقد قرىء في الشواذ عن ابن محيصن: قد شعفها حباً (بالعين غير معجمة) واختلف في الفرق بينهما على قولين: أحدهما: أن الشغف بالغين معجمة هو الجنون وبالعين غير معجمة هو الحب، قاله الشعبي. والثاني: أن الشغف بالإعجام الحب القاتل، والشعف بغير إعجام دونه، قاله ابن عباس وقال أبو ذؤيب: شعر : فلا وجْدَ إلا دُون وجْدٍ وجَدته أصاب شغافَ القلب والقلبُ يشغف تفسير : {إنا لنراها في ضلال مبين} فيه وجهان: أحدهما: في ضلال عن الرشد وعدول عن الحق. الثاني: معناه في محبة شديدة. ولما اقترن شدة حبها بالشهوة طلبت دفع الضرر عن نفسها بالكذب عليه، ولو خلص من الشهوة طلبت دفع الضرر عنه بالصدق على نفسها. قوله عز وجل: {فلما سمعت بمكرهن} فيه وجهان: أحدهما: أنه ذمهن لها وإنكارهن عليها. الثاني: أنها أسرت إليهن بحبها له فأشعْن ذلك عنها. {أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ} وفي {أعتدت} وجهان: أحدهما: أنه من الإعداد. الثاني: أنه من العدوان. وفي (المُتْكَأ) ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه المجلس، قاله ابن عباس والحسن. والثاني: أنه النمارق والوسائد يتكأ عليها، قاله أبو عبيدة والسدي. الثالث: أنه الطعام مأخوذ من قول العرب اتكأنا عند فلان أي طعمنا عنده، وأصله أن من دعي إلى طعام أُعد له متكأ فسمي الطعام بذلك متكأ على الاستعارة. فعلى هذا أي الطعام هو؟ فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه الزُّماورد، قاله الضحاك وابن زيد. الثاني: أنه الأترج، قاله ابن عباس ومجاهد وهو وتأويل من قرأها مخففة غير مهموزة، والمتْك في كلامهم الأترج، قال الشاعر: شعر : نشرب الإثم بالصُّواع جهارا وترى المتك بيننا متسعارا تفسير : والإثم: الخمر، والمتك: الأترج. الثالث: أنه كل ما يجز بالسكين وهو قول عكرمة لأنه في الغالب يؤكل على متكأ. الرابع: أنه كل الطعام والشراب على عمومه، وهو قول سعيد بن جبير وقتادة. {وآتت كلَّ واحدة منهن سكيناً وقالت اخرج عليهن} وإنما دفعت ذلك إليهن في الظاهر معونة على الأكل، وفي الباطن ليظهر من دهشتهن ما يكون شاهداً عليهن. قال الزجاج: كان كالعبد لها فلم تمكنه أن يخرج إلا بأمرها. {فلما رأينه أكبرنه} وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه أعظمنه، قاله ابن عباس. الثاني: معناه وجدن شأنه في الحسن والجمال كبيراً، قال ابن بحر. الثالث: معناه: حضن عند رؤيته، وهو قول رواه عبد الصمد بن علي الهاشمي عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس. وقيل: إن المرأة إذا جزعت أو خافت حاضت، وقد يسمى الحيض إكباراً، قال الشاعر: شعر : نأتي النساء على أطهارهن ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكباراً تفسير : {وقطعن أيديهن} دهشاً ليكون شاهداً عليهن على ما أضمرته امرأة العزيز فيهن. وفي قطع أيديهن وجهان: أحدهما: أنهن قطعن أيديهن حتى بانت. الثاني: أنهن جرحن أيديهن حتى دميت، من قولهم قطع فلان يده إذا جرحها. {وقلن حاش لله} بالألف في قراءة أبي عمرو ونافع في رواية الأصمعي وقرأ الباقون حاش لله بإسقاط الألف، ومعناهما واحد. وفي تأويل ذلك وجهان: أحدهما: معاذ الله، قاله مجاهد. الثاني: معناه سبحان الله، قاله ابن شجرة. وفي أصله وجهان: أحدهما: أنه مأخوذ من قولهم كنت في حشا فلا أي في ناحيته. والثاني: أنه مأخوذ من قولهم حاش فلاناً أى اعزله في حشا يعني في ناحية. {ما هذا بشراً} فيه وجهان: أحدهما: ما هذا أهلاً للمباشرة. الثاني: ما هذا من جملة البشر. وفيه وجهان: أحدهما: لما علمهن من عفته وأنه لو كان من البشر لأطاعها. الثاني: لما شاهدن من حسنه البارع وجماله البديع {إن هذا إلا ملك كريم} وقرىء ما هذا بشراً (بكسر الباء والشين) أى ما هذا عبداً مشترى إن هذا إلا ملك كريم، مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة تعظيماً لشأنه. قوله عزوجل{قال رب السجن أحب إلىَّ مما يدعونني إليه}وهذا يدل على أنها دعته إلى نفسها ثانية بعد ظهور حالهما، فقال: {رب السجن أحب إلىَّ} يعني الحبس في السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه. ويحتمل وجهين: أحدهما: أنه أراد امرأة العزيز فيما دعته إليه من الفاحشة وكنى عنها بخطاب الجمع إما تعظيماً لشأنها في الخطاب وإما ليعدل عن التصريح إلى التعريض. الثاني: أنه أراد بذلك جماعة النسوة اللاتي قطعن أيديهن حين شاهدنه لاستحسانهن له واستمالتهن لقلبه. {وإِلاَّ تصرف عني كيدهن} يحتمل وجهين: أحدهما: ما دعي إليه من الفاحشة إذا أضيف ذلك إلى امرأة العزيز. الثاني: استمالة قلبه إذا أضيف ذلك إلى النسوة. {أصْبُ إِليهن}فيه وجهان: أحدهما: أتابعهن، قاله قتادة. الثاني: أمل إليهن، ومنه قول الشاعر: شعر : إلى هند صبا قلبي وهند مثلها يصبي
ابن عطية
تفسير : ذكر الفعل المسند إلى "النسوة" لتذكير اسم الجمع و {نسوة} جمع قلة لا واحد له من لفظه، وجمع التكثير نساء، و {نسوة} فعلة، وهو أحد الأبنية الأربعة التي هي لأدنى العدد، وقد نظمها القائل ببيت شعر: [البسيط] شعر : بأفعل وبأفعال وأفعلة وفعلة يعرف الأدنى من العدد تفسير : ويروى أن هؤلاء النسوة كن أربعاً: امرأة خبازة، وامرأة ساقية، وامرأة بوابة، وامرأة سجانة. و {العزيز}: الملك ومنه قول الشاعر: [الرمل] شعر : درة غاص عليها تاجر جلبت عند عزيز يوم طل تفسير : و"الفتى" الغلام، وعرفه في المملوك - وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي" تفسير : ، ولكنه قد يقال في غير المملوك، ومنه {أية : إذ قال موسى لفتاه} تفسير : [الكهف: 60] وأصل "الفتى" في اللغة الشاب، ولكن لما كان جل الخدمة شباباً استعير لهم اسم الفتى. و {شغفها} معناه: بلغ حتى صار من قلبها موضع الشغاف، وهو على أكثر القول غلاف من أغشية القلب، وقيل: "الشغاف": سويداء القلب، وقيل: الشغاف: داء يصل إلى القلب. وقرأ أبو رجاء والأعرج وعلي بن أبي طالب والحسن بخلاف ويحيى بن يعمر وقتادة بخلاف وثابت وعوف ومجاهد وغيرهم: "قد شعفها" بالعين غير منقوطة، ولذلك وجهان: أحدهما أنه علا بها كل مرقبة من الحب، وذهب بها كل مذهب، فهو مأخوذ - على هذا - من شعف الجبال وهي رؤوسها وأعاليها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ". تفسير : والوجه الآخر أن يكون الشعف لذة بحرقة يوجد من الجراحات والجرب ونحوها ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : أيقتلني وقد شعفت فؤادها كما شَعَفَ المهنوءةَ الرجلُ الطالي تفسير : والمشعوف في اللغة الذي أحرق الحب قلبه، ومنه قول الأعشى: شعر : تعصي الوشاة وكان الحب آونة مما يزين للمشعوف ما صنعا تفسير : وروي عن ثابت البناني وأبي رجاء أنهما قرآ: "قد شعِفعما" بكسر العين غير منقوطة. قال أبو حاتم: المعروف فتح العين وهذا قد قرىء به. وقرأ ابن محيصن: {قد شغفها} أدغم الدال في الشين. وروي أن مقالة هؤلاء النسوة إنما قصدن بها المكر بامرأة العزيز ليغضبنها حتى تعرض عليهن يوسف ليبين عذرها أو يحق لومها. وقد قال ابن زيد الشغف في الحب والشغف في البغض، وقال الشعبي: الشغف والمشغوف بالغين منقوطة في الحب والشعف الجنون والمشعوف المجنون، وهذان القولان ضعيفان. وقوله تعالى: {فلما سمعت بمكرهن} الآية، إنما سمي قولهن مكراً من حيث أظهرن إنكار منكر وقصدن إثارة غيظها عليهن، وقيل: {مكرهن} انهن أفشين ذلك عنها وقد كانت أطلعتهن على ذلك واستكتمتهن أياه، وهذا لا يكون مكراً إلا بأن يظهرن لها خلاف ذلك ويقصدن بالإفشاء أذاها. ومعنى {أرسلت إليهن} أي ليحضرن، و {أعتدت} معناه: أعدت ويسرت، و {متكأ} ما يتكأ عليه من فرش ووسائد، وعبر بذلك عن مجلس أعد لكرامة، ومعلوم أن هذا النوع من الكرامات لا يخلو من الطعام والشراب، فلذلك فسر مجاهد وعكرمة "المتكأ" بالطعام؛ قال ابن عباس: {متكأ} معناه مجلساً، ذكره الزهراوي. وقال القتبي: يقال: اتكأنا عند فلان أي أكلنا. وقوله: {وآتت كل واحدة منهن سكيناً} يقتضي أنه كان في جملة الطعام ما يقطع بالسكاكين، فقيل كان لحماً، وكانوا لا ينتهسون اللحم وإنما كانوا يأكلونه حزاً بالسكاكين؛ وقيل: كان أترجاً، وقيل: كان زماورد، وهو من نحو الأترج موجود في تلك البلاد، وقيل: هو مصنوع من سكر ولوز وأخلاط. وقرأ ابن عباس ومجاهد والجحدري وابن عمر وقتادة والضحاك والكلبي وأبان بن تغلب "تُكاً" بضم الميم وتنوين الكاف. واختلف في معناه، فقيل: هو الأترنج، وقيل: هو اسم يعم ما يقطع بالسكين من الفواكه كالأترنج والتفاح وغيره، وأنشد الطبري: شعر : نشرب الإثم بالصواع جهاراً وترى المتك بيننا مستعارا تفسير : وقرأ الجمهور: "متَّكأ" بشد التاء المفتوحة والهمز والقصر، وقرأ الزهري: "متّكا" مشدد التاء من غير همز - وهي قراءة أبي جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح، وقرأ الحسن "متكاء" بالمد على إشباع الحركة. و"السكين" تذكر وتؤنث، قاله الكسائي والفراء، ولم يعرف الأصمعي إلا التذكير. وقولها: {اخرج} أمر ليوسف، وأطاعها بحسب الملك، وقال مكي والمهدوي: قيل: إن في الآية تقديماً وتأخيراً في القصص، وذلك أن قصة النسوة كانت قبل فضيحتها في القميص للسيد، وباشتهار الأمر للسيد انقطع ما بينها وبين يوسف. قال القاضي أبو محمد: وهذا محتمل إلا أنه لا يلزم من ألفاظ الآية، بل يحتمل أن كانت قصة النساء بعد قصة القميص وذلك أن العزيز كان قليل الغيرة بل قومه أجمعين، ألا ترى أن الإنكار في وقت القميص إنما كان بأن قيل: {أية : إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم} تفسير : [يوسف: 28] وهذا يدل على قلة الغيرة، ثم سكن الأمر بأن قال: {أية : يوسف أعرض عن هذا} تفسير : [يوسف: 29] وأنت {أية : استغفري} تفسير : [يوسف: 29] وهي لم تبق حينئذ إلا على إنكارها وإظهار الصحة، فلذلك تغوفل عنها بعد ذلك، لأن دليل القميص لم يكن قاطعاً وإنما كان أمارة ما؛ هذا إن لم يكن المتكلم طفلاً. وقوله: {أكبرنه} معناه: أعظمنه واستهولن جماله، هذا قول الجمهور، وقال عبد الصمد بن علي الهاشمي عن أبيه عن جده: معناه: حضن، وأنشد بعض الناس حجة لهذا التأويل: [البسيط] شعر : يأتي النساء على أطهارهنّ ولا يأتي النساءَ إذا أكبرن إكبارا تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف من معناه منكور، والبيت مصنوع مختلف - كذلك قال الطبري وغيره من المحققين، وليس عبد الصمد من رواة العلم رحمه الله. وقوله: {وقطّعن أيديهن} أي كثرن الحز فيها بالسكاكين، وقال عكرمة: "الأيدي" هنا الأكمام، وقال مجاهد هي الجوارح، وقطعنها حتى ألقينها. قال القاضي أبو محمد: فظاهر هذا أنه بانت الأيدي، وذلك ضعيف من معناه، وذلك أن قطع العظم لا يكون إلا بشدة، ومحال أن يسهو أحد عنها، والقطع على المفصل لا يتهيأ إلا بتلطف لا بد أن يقصد، والذي يشبه أنهن حملن على أيديهن الحمل الذي كن يحملنه قبل المتك فكان ذلك حزاً، وهذا قول الجماعة. وضوعفت الطاء في {قطّعن} لكثرتهن وكثرة الحز فربما كان مراراً. وقرأ أبو عمرو وحده "حاشى لله" وقرأ أبيّ وابن مسعود "حاشى الله"، وقرأ سائر السبعة "حاش لله، وفرقة "حشى لله" وهي لغة، وقرأ الحسن "حاش لله" بسكون الشين وهي ضعيفة وقرأ الحسن - أيضاً - "حاش الإلاه" محذوفاً من "حاشى". فأما "حاش" فهي حيث جرت حرف معناه الاستثناء، كذا قال سيبويه، وقد ينصب به، تقول: حاشى زيد وحاشى زيداً، قال المبرد: النصب أولى إذ قد صح أنها فعل بقولهم: حاش لزيد، والحرف لا يحذف منه. قال القاضي أبو محمد: يظهر من مجموع كلام سيبويه والمبرد أن الحرف يخفض به لا غير، وأن الفعل هو الذي ينصب به، فهذه اللفظة تستعمل فعلاً وحرفاً، وهي في بعض المواضع فعل وزنه فاعل، وذلك في قراءة من قرأ "حاشى لله" معناه مأخوذ من معنى الحرف، وهو إزالة الشيء عن معنى مقرون به، وهذا الفعل مأخوذ من الحشا أي هذا في حشى وهذا في حشى، ومن ذلك قول الشاعر: [المعطل الهذلي]. شعر : يقول الذي يمسي إلى الحرز أهله بأي الحشى صار الخليط المباين تفسير : ومنه الحاشية كأنها مباينة لسائر ما هي له، ومن المواضع التي حاشى فيه فعل هذه الآية، يدل على ذلك دخولها على حرف الجر، والحروف لا تدخل بعضها على بعض، ويدل على ذلك حذف الياء منها في قراءة الباقين "حاش" على نحو حذفهم من لا أبال ولا أدر ولو تر، ولا يجوز الحذف من الحروف إلا إذا كان فيها تضعيف مثل: لعل، فيحذف، ويرجع عل، ويعترض في هذا الشرط بمنذ وفد حذف دون تضعيف فتأمله. قال القاضي أبو محمد: ومن ذلك في حديث خالد يوم مؤتة: فحاشى بالناس، فمعنى "حاشى لله" أي حاش يوسف لطاعة الله أو لمكان من الله أو لترفيع الله له أن يرمي بما رميته به، أو يدعى إله مثله لأن تلك أفعال البشر، وهو ليس منهم إنما هو ملك - هكذا رتب أبو علي الفارسي معنى هذا الكلام، على هاتين القراءتين اللتين في السبع - وأما قراءة أبي بن كعب وابن مسعود، فعلى أن "حاشى" حرف استثناء - كما قال الشاعر [ابن عطية]: [الكامل] شعر : حاشى أبي ثوبان إنَّ به ضنّاً عن الملحاة والشتم تفسير : وتسكين الشين في إحدى قراءتي الحسن، ضعيف، جمع بين ساكنين، وقراءته الثانية محذوفة الألف من "حاشى". قال القاضي أبو محمد: والتشبيه بالملك هو من قبيل التشبيه بالمستعظمات وإن كانت لا ترى. وقرأ أبو الحويرث الحنفي والحسن "ما هذا بشر إن هذا إلا ملِك كريم" بكسر اللام في "ملِك"، وعلى هذه القراءة فالكلام فصيح لما استعظمن حسن صورته قلن: ما هذا إلا مما يصلح أن يكون عبد بشراء، إن هذا مما يصلح أن يكون ملكاً كريماً. ونصب "البشر" من قوله: {ما هذا بشراً} هو على لغة الحجاز شبهت {ما} بليس، وأما تميم فترفع، ولم يقرأ به. وروي أن يوسف عليه السلام أعطي ثلث الحسن، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أعطي نصف الحسن، ففي بعض الأسانيد هو وأمه، وفي بعضها هو وسارة جدة أبيه. قال القاضي أبو محمد: وهذا على جهة التمثيل، أي لو كان الحسن مما يقسم لكان حسن يوسف يقع في نصفه، فالقصد أن يقع في نفس السامع عظم حسنه على نحو التشبيه برؤوس الشياطين وأنياب الأغوال.
ابن عبد السلام
تفسير : {نِسْوَةٌ} أربع، امرأة الحاجب، وامرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة القهرمان، أو الخامسة امرأة السجان. {فِى الْمَدِينَة} مصر، أو عين شمس {تُرَاوِدُ فَتَاهَا} بَرَّأْن يوسف وذممنها وطعنَّ فيها {شَغَفَهَا} ولج حبه شغاف قلبها وهو حجابه، أو غلافه: جلدة رقيقة بيضاء تكون عليه وتسمى لباس القلب، أو باطن القلب، أو حبته، أو داء يكون في الجوف، أو الذعر والفزع الحادث عن شدة الحب، والشغف: الحب القاتل والشعف دونه "ع"، أو الشغف الجنون والشعف الحب {ضَلالٍ} عن الرشد، أو محبة شديدة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَـٰهَا عَن نَّفْسِهِ }: {نِسْوَةٌ }: جمع قلَّة، وجمعُ التكثير نساءٌ، ويروَى أنَّ هؤلاء النسوة كُنَّ أربعاً: ٱمرأةٌ خبَّازَة، وٱمرأةٌ ساقية، وٱمرأةٌ بَوَّابة، وٱمرأةٌ سَجَّانة، والعزيزُ: المَلِك، والفَتَى: الغلام، وعُرْفُه في المملوك، ولكنَّه قد قيل في غير المملوك؛ ومنه: { أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَـٰهُ } تفسير : [الكهف:60]، وأصل الفتى، في اللغة: الشَّابُّ، ولكن لما كان جُلُّ الخَدَمَةِ شَبَاباً، ٱستعير لهم ٱسْمُ الفتَى، و{شَغَفَهَا }: معناه بَلَغَ حتَّى صار مِنْ قلبها موضِعَ الشِّغافِ، وهو؛ على أكثر القولِ: غِلاَفٌ من أغشية القَلْبِ. وقيل: الشِّغاف: سويداءُ القَلْبِ. وقيل: الشِّغَافُ: داءٌ يصلُ إِلى القلب. {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ }؛ ليحضُرْن. {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَكَأً}: أي: أعَدَّتْ ويَسَّرت ما يُتَّكَأُ عليه من فُرُشٍ ووسَائِد وغَيْرِ ذلك، وقرأ ابن عباس وغيره: «مُتْكاً» - بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف -، واختلف في معناها، فقيل: هو الأُتْرُنْجَ، وقيل: هو اسمٌ يعمُّ جميع ما يُقْطَعُ بالسِّكِّين، وقولها: {ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ }: أمر ليوسف، وأطاعها بحسب المُلْك. وقوله: {أَكْبَرْنَهُ }: معناه: أعظمنْهُ وٱستهْوَلْنَ جَمَاله، هذا قولُ الجمهور. {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ }: أي: كَثَّرْنَ الحَزَّ فيها بالسَّكَاكين، وقرأ أبو عمرو وحده: «حاشَى للَّهِ»، وقرأ سائر السبعة: {حَاشَ لِلَّهِ }، فمعنى «حَاشَ للَّهِ»: أي: حاشَى يوسُفَ؛ لطاعته للَّه، أو لمكانه من اللَّهِ أنْ يرمَى بِمَا رَمَيْتِهِ به، أوْ يدعَى إِلى مثله، لأَنَّ تلْكَ أفعال البشر، وهو لَيْسَ منهم، إِنما هو مَلَكٌ، هكذا رتَّب بعضهم معنَى هذا الكلامِ على القراءَتَيْنِ، وقرأ الحسنُ وغيره: «مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلِكٌ كَرِيمٌ» - بكسر اللام من «مَلِك»؛ وعلى هذه القراءة، فالكلامُ فصيحٌ: لَمَّا ٱسْتَعْظَمْنَ حُسْنَ صورته، قُلْنَ ما هذا مما يَصْلُح أنْ يكون عبداً بشَراً، إِنْ هذا إِلا مما يَصْلُح أنْ يكون مَلِكاً كريماً. * ت *: وفي «صحيح مسلم» من حديث الإِسراء: « حديث : ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِيُوسُفَ صلى الله عليه وسلم، وإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ » تفسير : انتهى. وقولها: {فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ }: المعنى: فهذا الذي لُمْتُنَّنِي فيه، وقطعتُنَّ أيديَكُنَّ بسببه: هو الذي جَعَلَنِي ضالَّةً في هواه، ثم أقرَّت ٱمرأة العزيزِ للنِّسوة بالمراودة، وٱستأمنتْ إِليهن في ذلك؛ إِذْ عَلِمَتْ أَنهنَّ قد عَذَرْنَهَا. و{ٱسَتَعْصَمَ} معناه طلب العِصْمة، وتمسَّك بها، وعَصَاني، ثم جعلَتْ تتوعَّده، وهو يسمع بقولها. {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءَامُرُهُ...} إِلى آخر الآية. * ت *: واعترض * ص *: بأنَّ تفسيرُ «ٱستعصم» بـــ «اعتصم» أولى من جعله للطَّلبِ، إِذ لا يلزم من طلب الشيء حصُولُه. انتهى، واللام في «لَيُسْجَنَنَّ»: لام قَسَمٍ، واللام الأولَى هي المؤذنَةُ بالمجيء بالقَسَمِ، و«الصاغرون»: الأذلاَّء، وقَوْلُ يوسُفَ عليه السلام: {رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} إِلى قوله: {مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ}، كلامٌ يتضمَّن التشكِّيَ إِلى اللَّه تعالى من حاله معهن، و{أَصْبُ}: مأخوذ من الصَّبْوَة، وهي أفعالُ الصِّبا، ومن ذلك قولُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: [الطويل] شعر : صَبَا مَا صَبَا حَتَّى عَلاَ الشَّيْبُ رَأْسَه فَلَمَّا عَلاَهُ قَالَ لِلْبَاطِلِ ٱبْعَدِ تفسير : قال * ص *: «أصْبُ» معناه: أَمِلْ، وهو جوابُ الشرطِ، والصَّبابة: إِفراط الشوْقِ. انتهى. {فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ} أي: أجابه إِلى إِرادته، وصَرَفَ عنه كَيْدُهِنَّ؛ في أنْ حال بيْنَه وبين المَعْصية.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ} الآية، النسوة فيها أقوالٌ: [أشهرها]: أنه جمعُ تكسير للقلَّة، على فعلة؛ كالصبية والغلمة، ونصَّ بعضهم على عدم أطَّرادها، وليس لها واحدٌ من لفظها. الثاني: أنها اسمٌ مفردٌ، لجمع المرأة قاله الزمخشريُّ. الثالث: أنَّها اسم جمعٍ؛ قاله أبو بكرِ بنُ السَّراج ـ رحمه الله ـ، وكذلك أخواتها، كالصِّبيةِ، والفِتْيَةِ. وقيل: على كُلِّ قولٍ، فتأنيثها غير حقيقي، باعتبارِ الجماعةِ؛ ولذلك لم يلحق فعلها تاء التأنيث. وقال الواحديُّ: تقديمُ الفعل يدعُو إلى إسقاطِ علامةِ التأنيثِ، على قياس إسقاط علامة التَّثنية، والجمع. والمشهورُ: كسر نونها، ويجوز ضمُّها في لغةٍ، ونقلها أبو البقاءِ عن قراءة، قال القرطبي: وهي قراءة الأعمش، والمفضل والسلمي. وإذا ضُمَّتْ نونه، كان اسم جمع بلا خلافٍ، ويكسَّرُ في الكثرة على نسوانٍ، والنساءُ: جمعٌ كثرةٍ أيضاً، ولا واحدَ لَهُ مِنْ لفظه، كذا قالهُ أبو حيَّان. ومقتضى ذلك ألاَّ يكون النساءُ جمعاً لنسوةٍ؛ لقوله: لا واحِدَ له من لفظه. و"فِي المَدينَةِ" يجوزُ تعلُّقه بمحذوفٍ، صفةٍ لـ "نِسْوةٌ"، وهو ظاهرٌ، ويقال: ليس بظاهرٍ. فصل في عدد النسوة في: إنَّهن خمسُ: امرأة حاجب الملك، وامرأةُ صاحب دوابه، وامرأةُ الخازن، وامرأة السَّاقي، وامرأة صاحب السِّجن، قاله مقاتل. وقال الكلبيُّ: أربعٌ؛ فأسقط امرأة الحاجب. والأشبه أنَّ تلك الواقعة شاعت في البلد، واشتهرت، وتحدث بها النساء، والمراد بالمدينة: مِصْرُ، وقيل: مدينة عَين شَمْسٍ. قوله: "تُراودُِ" خبرُ "امْرأةُ العَزيزِ"، وجيءَ بالمضارع، تنبيهاً على أنَّ المراودة صارت سجيةً لها، ودَيْدناً، دون الماضي فلم يقلْ: رَاودتْ، ولامُ الفتى ياءٌ؛ لقولهم: الفتيان، وفتى، وعلى هذا؛ فقولهم: الفُتُوَّة في المصدر شاذٌّ. قال: "فَتَاهَا"، وهو فتى زوجها؛ لأن يوسف كان عندهم في حكم المماليك، وكان ينفذُ أمرها فيه. وروى مقاتلٌ، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ قال: "إنَّ امرأة العزيز استوهبتْ يوسف من زوجها، فوهبهُ لها، وقال: ما تصنعين به؟ قالت: أتخذه ولداً، قال: هو لك؛ فربَّتُهُ حتى [أيفع]، وفي نفسها منه ما في نفسها، فكانت تتكشَّف له، وتتزيَّن، وتدعوه من وجه اللُّطفِ؛ فعصمه الله". قوله: {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً}، وهذه الجملة يجوز أن تكمون خبراً ثانياً، وأن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً؛ إمَّا من فاعل "تُرَاوِدُ"، , وإمَّا من مفعوله، و"حُبًّا" تمييزٌ؛ وهو منقولٌ من الفاعليَّة، وإذ الأصل: قد شغفها حبُّه. والعامةُ على "شَغَفَهَا" بالغين المعجمة المفتوحةِ، بمعنى: خَرقَ شِغافَ قلبها، وهو مأخوذٌ من الشِّغاف، والشِّغاف: حجابُ القلب، جليدةٌ رقيقةٌ، وقيل: سويداءُ القلبِ. فعلى الأول، يقال: شَغفتُ فلاناً، إذا أصبت شِغافهُ؛ كما تقولُ: كبدتهُ إذا أصبتَ كبدَه، فمعنى: "شَغَفَهَا حُبّاً" أي: خرق الحبُّ الجلدَ؛ حتَّى أصاب القلب، أي: أنَّ حبَّه أحاط بقلبها، مثل إحاطةِ الشِّغاف بالقلبِ، ومعنى إحاطة ذلك الحبِّ بقلبها: هو أنَّ اشتغالها بحبه صار حجاباً بينها، وبين كلِّ ما سوى هذه المحبَّة، فلا يخطر ببالها سواه، وإن قلنا: إنَّ الشِّغاف سويداءُ القلبِ، فالمعنى: أنَّ حبُّهُ وصل إلى سويداءِ قلبها. وقيل: الشِّغافُ داء يصلُ إلى القلب مِنْ أجل الحبِّ، وقيل: جليدةٌ رقيقةٌ يقال لها: لسانُ القلبِ، ليست محيطةً به. ومعنى: "شَغَفَ قلبَهُ" أي: خرق حجابهُ، إذا أصابه؛ فأحرقه بحرارةِ الحبِّ، وهو من شغف البعير بالهِناءِ، إذا طلاهُ بالقطرانِ، فأحرقهُ. [والمشغوف من وصل الحب لقلبه] قال الأعشى: [البسيط] شعر : 3079ـ يَعْصِي الوُشَاةَ وكَانَ الحُبُّ آونَةٌ مِمَّا يُزيِّنُ للمَشْغُوفِ ما صَنَعَا تفسير : وقال النابغةُ الذبيانيُّ: [الطويل] شعر : 3080ـ وقَدْ حَالَ هَمٌّ دُونَ ذلِكَ والِجٌ مَكَانَ الشِّغافِ تَبْتغيِهِ الأصَابعُِ تفسير : وقرأ ثابت البناني: بكسر الغين، وقيل: هي لغة تميم، وقرأ أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ، وعليُّ بن الحسين، وابنه محمدٌ، وابنه جعفر والشعبي، وقتادة ـ رضي الله عنهم ـ بتفحِ العين المهملةِ. وروي عن ثابت البناني، وأبي رجاء: كسر العين المهملة أيضاً، واختلف الناسُ في ذلك: فقيل: هو من شعف البعير، إذا هنأهُ، فأحرقه بالقطرانِ، قاله الزمخشريُّ؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 3081ـ...................... كَمَا شَعَفَ المَهْنُوءةَ الرَّجلُ الطَّالِي تفسير : وهذا البيتُ لامرىء القيس: [الطويل] شعر : 3082ـ أتَقْتُلنِي وقدْ شَعَفْتُ فُؤادهَا كَما شَعَفَ المَهْنُوءةَ الرَّجلُ الطَّالِي تفسير : والناسُ إنما يروونهُ بالمعجمة، ويفسرونه بأنه أصاب حبُّه شغاف قلبها، أي: أحرقَ حجابهُ، وهي جليدةٌ رقيقةٌ دونه، كما شغف، أي: كما أحرق، وأراد بالمَهْنُوءةِ: المطليَّة بالهناءِ، أي: القطران، ولا ينشدونه بالمهملة، وكشف أبو عبيدة عن هذا المعنى؛ فقال: "الشَّغف: إحراقُ الحُبِّ للقلب مع لذة يجدها؛ كما أنَّ البعير إذا طُلِيَ بالقطرانِ، بلغ منه مثل ذلك، ثم يَسْتَرْوحُ إليه". وقال أبو البقاء ـ رحمه الله ـ لما حكى هذه القراءة: "مِن قولِكَ: فلانٌ مشغوفٌ بكذا، أي: مغرمٌ به". وقال ابنُ الأنباريِّ: "الشَّغفُ: رُءوسُ الجبالِ، ومعنى شغف بفلانٍ: إذا ارتفع حبُّه إلى أعْلَى موضعٍ من قلبهِ". وعلى هذه الأقوال فمعناهما متقاربٌ، وفرق بعضهم بينهما، فقال ابنُ زيدٍ: "الشَّغفُ ـ يعني بالمعجمة ـ في الحبِّ، والشعف: في البغضِ". وقال الشعبيُّ: الشَّغَفُ، والمشغوفُ ـ بالغينِ ـ منقوطة ـ في الحبِّ، والشَّعفُ: الجنونُ، والمَشْعُوفُ: المَجْنونُ. قوله: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}، أي: خطأ مبين ظاهر، وقيل: معناه: إنَّها تركت ما يكون عليه أمثالها من العفاف والستر. "فلَّما سَمِعَتْ" راعيلُ "بِمكْرهِنَّ"؛ بقولهنَّ، وسمى قولهنَّ مكراً؛ لوجوه: الأول: أنَّ النسوة، إنما قلن ذلك؛ مكراً بها؛ لتُريهنَّ يوسف، كان يوصف لهن حسنهُ وجماله؛ لأنَّهن إذا قلن ذلك، عرضتْ يوسف عليهنَّ؛ ليتمهد عذرها عندهن. الثاني: أنَّها أسرَّت إليهنَّ حبَّها ليوسف واستكتمتهُنَّ، فأفشين ذلك السرَّ؛ فلذلك سمَّاه مكراً. الثالث: أنهن وقعن في الغيبة، والغيبة إنما تذكر على سبيل الخفيةِ، فأشبهت المكر. {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ}: قال المفسرون: اتخذت مأدبة، ودعت جماعة من أكابرهن، "وأعْتدَتْ" أي: أعدَّت "لهُنَّ مُتَّكئاً". قرأ العامة: "مُتَّكئاً" بضم الميم، وتشديد التاءِ، وفتح الكاف والهمز، وهو مفعولٌ به، بـ"أعْتَدتْ" أي: هيَّأتْ، وأحضَرتْ. والمُتَّكأ: الشيءُ الذي يتكأ عليه، من وسادةٍ ونحوها، والمُتَّكأ: مكان الاتِّكاءِ، وقيل: طعام يُجَزُّ جزًّا. قال ابن عباسٍ، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومجاهد ـ رضي الله عنهم ـ: "مُتَّكَئاً، أي: طعاماً، سمَّاه "مُتَّكَئاً"؛ لأنَّ أهل الطعامِ إذا جلسوا، يتكئُون على الوسائدِ، فسمى الطعامُ متكئاً؛ على الاستعارة". وقيل: "مُتَّكئاً"، طعام يحتاج إلى أن يقطع بالسكِّين؛ لأنه إذا كان كذلك، احتاج الإنسانُ إلى أن يتكىء عليه عند القطع. وقال القتبي: يقالُ: اتكأنا عند فلانٍ، أي أكلنا. وقال الزمخشري: من قولك: اتكأنا عند فلانٍ، طعمنا على سبيل الكناية؛ لأنه من دعوتهُ ليطعمَ عندك اتخذت له تكأةً يتكىءُ عليها؛ قال جميلٌ: [الخفيف] شعر : 3083ـ فَظَلِلْنَا بنِعْمَةٍ واتَّكأنَا وَشَرِبْنَا الحلالَ مِنْ قُلَلِهْ تفسير : فقوله: "وشَرِبْنَا" مرشحٌ لمعنى "اتَّكأنَا": أكلنا. وقرأ أبو جعفر، والزهريُّ ـ رحمهما الله ـ: "مُتَّكأً" مشددة التاء، دون همزٍ، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون أصله: "متكأ" كقراءة العامَّة، وإنما خفف همزهُ؛ كقولهم: "تَوضَّيْتُ" في توضَّأتُ، فصار بوزن "مُتَّقى". والثاني: أن يكون "مُفْتَعَلاً" من أوكيتُ القِربَة، إذا شدَدْتَ فَاهَا بالوكاءِ. فالمعنى: أعْتدَتْ شيئاً يَشْتدِدْنَ عليه؛ إمَّا بالاتِّكاءِ، وإمَّا بالقطْعِ بالسكِّين، وهذا الثاني تخريجُ أبي الفتحِ. وقرأ الحسن، وابن هرمز: "مُتَّكاءً" بالتشديد والمد، وهي كقراءةِ العامة، إلاََّ أنه أشبع الفتحة؛ فتولدت منها الألفُ؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3084ـ................. ومِنْ ذمِّ الرِّجالَ بمُنْتزَاحِ تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 3085ـ يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى أسيلٍ جَسْرَةٍ ........................ تفسير : وقوله: [الرجز] شعر : 3086ـ أعُوذُ باللهِ من العَقرَابِ الشَّائِلاتِ عُقدَ الأذْنَابِ تفسير : بمعنى: بِمُنتزحٍ، وينبع، والعقرب الشَّائلة. وقرأ ابن عباسٍ، وابن عمر، ومجاهدٌ، وقتادة، والضحاك، والجحدري، وأبان بن تغلب ـ رحمهم الله ـ: "مُتْكاً" بضمِّ الميم، وسكون التاء، وتنوين الكافِ، وكذلك قرأ ابن هرمزٍ، وعبد الله، ومعاذ؛ إلاَّ أنهما فتحا الميم. والمُتْكُ: بالضم والفتح: الأترجُّ، ويقال: الأترنج، لغتان؛ وأنشدوا: [الوافر] شعر : 3087ـ فأهْدَتْ مُتْكَةً لِبَنِي أبيها تَخُبُّ بِهَا العَثَمْثَمَةُ الوَقَاح تفسير : وقيل هو اسمٌ لجميع ما يقطع بالسكين، كالأترجِّ، وغيره من الفواكه، وأنشدوا: [الحفيف] شعر : 3088ـ نَشْرَبُ الإثْمَ بالصُّواعِ جِهَارَا وتَرَى المُتْك بَيْنَنا مُسْتَعَارَا تفسير : قيل:هو من متك، بمعنى بَتَكَ الشيء، أي: قطعه، فعلى هذا يحتمل أن تكون الميم بدلاً من الباء، وهو بدلٌ مطردٌ في لغة قومٍ، ويحتمل أن تكون مادة أخرى وافقت هذه. وقيل: بالضمِّ: العسلُ الخالصُ عند الخليل، والأترجُّ عند الأصمعيِّ، ونقل أبو عمرو فيه اللغات الثلاث؛ أعني: ضمَّ الميم، وفتحها، وكسرها، قال: وهو الشرابُ الخالصُ. وقال المفضلُ: هو بالضم: المائدة، أو الخمر، في لغة كندة، وقال ابن عباس: هو الأترجُّ بالحبشة، وقال الضحاك: الزَّمَاوْرَد، وقال عكرمة: كل شيء يقطع بالسكين. وقوله: "لهُنَّ مُتَّكَئاً" إما أن يريد: كُلَّ واحدةٍ متكئاً؛ ويدلُّ له قوله: {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً}، وإما أن يريد: الجِنْسَ. والسِّكينُ: تذكرُ وتؤنث، قاله الكسائي: والفراء، وأنكر الأصمعي تأنيثه، والسكِّينةُ: فعيلة من السكون، قال الراغب: سُمي به لإزالة حركةِ المذبُوحِ بهِ، فقوله: "وأتتْ"، أي: أعطتْ {كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً}، إما لأجل الفواكه، أو لأجل قطع اللحم، ثم أمرت يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ بأن يخرج عليهن، وأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما قدر على مخالفتها؛ خوفاً منها. {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ}، الظاهرُ أنَّ الهاء ضميرُ يوسف، ومعنى "أكْبَرنَهُ": أعظمنهُ، ودهشن من حسنه، وقيل: هي هاءُ السكتِ؛ قال الزمخشري. وقيل: "أكْبَرْنَ" بمعنى: حِضْنَ، والهاءُ للسَّكتِ؛ يقال: أكبرت المرأةُ: إذا حاضتْ، وحقيقته: دخلت في الكبرِ؛ لأنها بالحيض تخرج عن حدِّ الصِّغر إلى الكبرِ؛ فإنَّ أبا الطَّيب ـ رحمه الله ـ أخذ من هذا التفسير قوله: [الطويل] شعر : 3089ـ خَفِ الله واسْترْ ذَا الجَمالَ بِبُرقُعٍ فإنْ لُحْتَ حاضتْ في الخُدورِ العَواتِق تفسير : وكون الهاء للسَّكتِ، يردُّه ضم الهاءِ، ولو كانت للسكتِ، لسكنت، وقد يقال: إنه أجراها مجرى هاء الضمير، وأجرى الوصل مجرى الوقف في إثباتها. قال أبو حيَّان رحمه الله: "وإجماع القراء على ضم الهاء في الوصل، دليلٌ على أنها ليست هاء السَّكت، إذا لو كانت هاء السَّكت، فكان من أجرى الوصل مجرى الوقف لم يضمّ الهاء". قال شهابُ الدِّين: "وهاءُ السَّكت قد تحرك بحركةِ هاء الضمير؛ إجراءً لها مجراها"، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في الأنعامِ، وقد قالوا ذلك في قول المتنبيّ أيضاً: [البسيط] شعر : 3090ـ واحَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّنْ قَلْبهُ شَبِمُ تفسير : قإنه رُوي بضم الهاء في "قَلْبَاهُ"، وجعلوها هاء السَّكت، ويمكن أن يكون "أكْبَرْنَ" بمعنى حضن، ولا تكون الهاء للسكت؛ بل تجعل ضميراً للمصدر المدلول عليه بفعله، أي: أكبرن الإكبار، وأنشدوا على أنَّ الإكبار بمعنى الحيضِ، قوله [البسيط] شعر : 3091ـ يَأتِي النِّساءَ على أطْهَارِهنَّ وَلاَك يَأتِي النِّساءَ إذَا أكْبَرْنَ إكْبَارَا تفسير : قال الطبريُّ: البيت مصنوعٌ. فصل في صفة يوسف الخلقية روى أبو سعيد الخدريُّ رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رَأيْتُ ليلةُ أسْرِيَ بِي إلى السَّماء يُوسفَ، كالقَمرِ ليْلةَ البَدْرِ ". تفسير : وقال إسحاقُ بنُ أبي فروة: "كان يوسفُ ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا سَار في أزِقََّةِ مِصر يُرى تَلألُؤ وجْههِ على الجُدرانِ، كمَا يُرَى نُورُ الشَّمس في الماءِ عَليْهَا". وقال عليه الصلاة والسلام ـ في حديث الإسراء: "حديث : فَمَررْتُ بيُوسفَ فإذَا هُوَ قَدْ أعْطِي شَطْرَ الحُسنِ ". تفسير : قال العلماءُ ـ رضي الله عنهم ـ: معناه أنه كان على النِّصفِ من حسن آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ــ؛ لأنَّ الله تعالى ـ خلقه بيده؛ فكان في غايةِ الحسنِ البشريّ؛ ولهذا يدخل أهل الجنة على صورته، وكان يوسف على النصفِ، ولم يكن بينهما أحسنُ منهما، كما أنَّهُ لم يكن بعد حوَّاء ـ عليها السلام ـ أشبهُ بها من "سارَّة" امرأة الخليل ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ. قال أبو العالية: "هَالهُنّ أمره إنَّهُن من دهْشتهِنَّ، وحيْرتِهنَّ؛ قطَّعنَ أيْديهُنَّ، وهُنَّ يَحْسبنَ أنَّهن يقطِّعْنَ الأترجَ، ولم يجدن الألَم؛ لشغلِ قلوبهنَّ بيوسف". وقال مجاهدٌ: ما أحْسَسْنَ إلا بالدَّمِ، وذلك كنايةٌ عن الجرحِ، لا أنَّهن ابنَّ أيديهنَّ، كما قال قتادة. وقيل: إنهن لما دهشن، صارت المرأةُ منهن بحيثُ لا تميز نصاب السِّكين من حديدها؛ فكانت تأخذُ الجانب الحادِّ من تلك السكين بكفِّها؛ فكانت تحصل تلك الجراحةُ بكفها. قال وهبٌ: ماتت جماعةٌ منهن. قال ابن الخطيب: وعندي أنَّهُ يحتملُ وجهاً آخر، وهو أنهنَّ إنَّما أكبرنه؛ لأنَّهن رأين عليه نُور النبوَّة، وبهاء الرِّسالة وآثار الخضوع، والإنابة، وشاهدنَ منه معاني الهيْبَة، والسكينة، وهي عدمُ الالتفاتِ إلى المطعُومِ المنكُوحِ، وعدم الاعتدادِ بهنَّ، واقرانِ هذه الهيبة الإلهية، بذلك الجمال العظيم، فَتعجبن من تلك الحالةِ، فلا جرم أكبرنه، وعظمنهُ، ووقع الرُّعبُ والمهابة في قلوبهن، وهذا عندي أولى. فإن قيل: كيف يطابقُ على هذا التَّأويل قولها: "فَذلكُنَّ الَّذي لمتنَّني فيه"؟ وكيف تصير هذه الحالة عذراً لها في قوَّة العشق، وإفراط المحبَّة؟. قلت: تقرر أن المحبُوب متبوع، فكأنَّها قالت لهُنَّ: هذا الخلق العجيب انضمَّ إليه هذه السيرةُ الملكية الطَّاهرة المطهرة. فحسنه يوجب الحب الشَّديد، والسِّيرة الملكية توجب اليأسَ عن الوصول إليه، فلهذا وقعت في المحبَّة والحسرةِ، وهذا التأويل أحسنُ، ويؤيده قولهم: {مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}. قوله: "حَاشَا للهِ" عدَّها النحويون من الأدواتِ المترددة بين الحرفية والفعلية، فإن جرَّت، فهي حرفٌ، وإن نصبت، فهي فعلٌ، هي من أدوات الاستثناء، ولم يعرف سيبويه فعليَّتها، وعرفها غيره، وحكوا عن العرب: "غَفَرَ اللهُ لِي، ولِمَنْ سَمِعَ دُعائِي، حَاشَا الشَّيطانَ، وابن أبي الأصْبَعِ" بالنصب، وأنشدوا: [الوافر] شعر : 3092ـ حَشَا رَهْطَ النبيِّ فإنَّ مِنهُمْ بُحُوراً لا تُكدِّرُها الدِّلاءُ تفسير : بنصب "رَهْطَ"، و"حَشَا" لغة في "حَاشَا" كما سيأتي. قال الزمخشري: "حَاشَى" كلمةٌ تفيد التنزيه، في باب الاستثناء، تقول: أساء القوم حَاشَى زَيدٍ، وقال: [الكامل] شعر : 3093ـ حَاشَى أبِي ثَوْبَانَ إنَّ بهِ ضَنًّا عَنِ المَلْحَاةِ والشَّتْمِ تفسير : وهي حرفٌ من حروف الجرِّ؛ فوضعت موضع التنزيه، والبراءةِ، فمعنى حاشا للهِ: براءة الله، وتنزيه الله، وهي قراءة ابن مسعودٍ. قال أبو حيَّان: وما ذكر أنها تفيد التنزيه في باب الاستثناء، غير معروفٍ عند النحويين، لا فرق في قولك: قَامَ القومُ إلاَّ زيداً، وقَامَ القوْمُ حَاشَا زيْد ولمَّا مثل بقوله: أساء القوم حاشا زيد، وفهم من هذا التمثيل براءة زيدٍ من الإساءةِ، جعل ذلك مستفاداً منها في كل موضعٍ، وأما ما أنشده من قوله: [الكامل] شعر : حَاشَا أبِي ثَوْبانَ تفسير : البيت. فهكذا ينشدهُ ابن عطيَّة، وأكثر النحاة، وهو بيتٌ ركَّبوا فيه صدر بيتٍ على عجز آخر من بيتين، وهما: [الكامل] شعر : 3094ـ حَاشَى أبِي ثَوْبانَ إنَّ أبَا ثَوْبانَ لَيْسَ بِبَكْمَةٍ فَدْمِ عَمرو بنِ عَبْدِ اللهِ إنَّ بِهِ ضنًّا عن المَلْحَاةِ والشَّتْمِ تفسير : قال شهابُ الدِّين: "قوله: "إنَّ المعنى الذي ذكره الزمخشريُّ لا يعرفه النحاة" ولم ينكروه؛ وإنما لم يذكروه في كتبهم؛ لأنَّ غالب:فَنِّهِمْ" صناعة الألفاظ دون المعاني، ولما ذكروا مع أدوات الاستنثاءِ "لَيْسَ"، و"لا يكُونُ" و"غَيْر"، لم يذكروا معانيها. إذ مرادهم مساواتها لـ "إلاَّ" في الإخراج، وذلك لا يَمْنَع من زيادة معنى في تلك الأدوات". وزعم المبردُ، وغيره كابن عطيَّة: أنَّها تتعينُ فعليتها، إذا وقع بعدها حرف جرٍّ كالآية الكريمة، قالوا: لأن حرف الجرِّ لا يدخل على مثله إلا تأكيداً؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3095ـ...................... وَلا لِمَا بِهِمْ أبَداً دَواءُ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 3096ـ فأصْبَحْنَ لا يَسْألنَهُ عَن بِمَا بِهِ ...................... تفسير : فيتعيَّن أن يكون فعلاً فاعله ضمير يوسف، أي: حَاشَى يوسف، و"للهِ" جارٌّ ومجرورٌ، متعلق بالفعل قبله، واللام تفيد العلَّة، أي: حاشا يوسف أن يُقارِفَ ما رمته به؛ لطاعة الله، ولمكانه منه، أو لترفيع الله أن يرمى بما رمتهُ به، أي: جَانَبَ المعصية؛ لأجل الله. وأجاب النَّاسُ عن ذلك: بأنَّ "حَاشَا" في الآية الكريمة، ليست حرفاً ولا فعلاً وإنَّما هي اسم مصدر بدلٌ من اللفظِ بفعله؛ كأنه قيل: تنزيهاً للهِ، وبراءة له، وإنما لم ينون؛ مراعاة لأصله الذي نقل منه، وهو الحرف، ألا تراهم قالوا: "مِنْ عَنْ يَمِينه" فجعلوا "عَنْ" اسماً، ولم يعربوه، وقالوا: "مِن عليه" فلم يثبتوا ألفه مع الضمر بل أبقوا "عَنْ" على بنائه، وقلبوا ألف "عَلى" مع المضمر؛ مراعاة لأصلها، كذا أجاب الزمخشريُّ، وتابعه أبو حيَّان، ولم يَعزُ لهُ الجواب، وفيه نظرٌ؛ أما قوله: "مراعاة لأصله" فيقتضي أنه نقل من الحرفيَّة، إلى الاسمية، وليس ذلك إلاَّ في جانب الأعلام، يعني أنهم يُسمّون الشَّخص بالحرفِ، ولهم ذلك مذهبان: الإعرابُ، والحكايةٌ. أما أنهَم ينقلون الحرف إلى الاسم، أي: يجعلونه اسماً، فهذا غير معروف. وأما استشهاده بـ "عَنْ"، و"عَلَى" فلا يفيده ذلك؛ لأنَّ "عَنْ" حال كونها اسماً بنيت، لشبهها بالحرف في الوضع على حرفين، لا أنَّها باقيةٌ على بنائها، وأما قلب ألف "عَلَى" مع الضمير، فلا دلالة فيه؛ لأنَّا عهدنا ذلك، فيما هو ثابتُ الاسمية بالاتفاق كالذي، والأولى أن يقال: الذي يظهرُ في الجواب عن قراءة العامَّة، أنها اسمٌ منصوبٌ كما تقدم، ويدلُّ عليه قراءة أبي السَّمال: "حَاشاً للهِ" منصوباً منوناً، ولكنهم أبدلوا التنوين ألفاً؛ كما يبدلونه في الوقف، ثم إنهم أجروا الوصل مجرى الوقف، كما فعلوا ذلك في مواضع كثيرةٍ، تقدم منها جملةٌ، وسيأتي مثلها، إن شاء الله تعالى. وقيل: في الجواب عن ذلك: بل بُنِيَتْ "حَاشَا" في حال اسميتها؛ لشبهها بـ "حَاشَا" في حالِ حرفيَّتها، لفظاً ومعنى، كما بُنِيَتْ "عَنْ"، و"عَلَى" لما ذكرناه. وقال بعضهم: إنَّ اللام زائدة، وهذا ضعيف جدًّا بابه الشِّعر. واستدلَّ المبرد وأتباعه على فعليتها، بمجيء المضارع منها؛ قال النَّابغة الذبيانيُّ: [البسيط] شعر : 3097ـ وَلا أرَى فَاعِلاً في النَّاسِ يُشْبِههُ وَلا أحَاشِى من الأقْوامِ من أحَدِ تفسير : قالوا: تصرف الكلمةِ من الماضي إلى المستقبل، دليلٌ على فعليتها، لا محالة. وقد أجاب الجمهور عن ذلك: بأنَّ ذلك مأخوذٌ من لفظ الحرف؛ كما قالوا: سوَّفت بزيدٍ، ولو كيت له، أي: قلت له: سوف أفعل، وقلت له: لو كان، ولو كان، وهذا من ذلك، وهو محتملٌ. وممن رجح جانب الفعلية، أبو علي الفارسي ـ رحمه الله ـ قال: "لا تَخْلُوا حَاشَى في قوله "حَاشَى للهِ" من أن يكون الحرف الجارُّ في الاستثناءِ، أو يكون فعلاً على فاعل، ولا يجوز أن يكون الحرف الجار؛ لأنه لا يدخل على مثله؛ ولأن الحروف لا يحذف منها، إذا لم يكن فيها تضعيفٌ، فثبت أنه فاعلٌ من "الحَشَا" الذي يراد به الناحية. والمعنى: أنه صار في حشا، أي: في ناحية، وفاعل "حَاشَى" يوسف، والتقدير: بعد من هذا الأمر؛ لله، أي: لخوفهِ". فقوله: "حرفُ الجرِّ لا يدخل على مثله" مُسلَّمٌ، ولكن ليس هو ـ هنا ـ حرفُ جرِّ، كما تقدم تقريره. وقوله: "لا يحذفُ من الحرفِ إلا إذا كان مُضَعَّفاً"، ممنوعٌ، ويدل له قولهم: "مُذْ" في "مُنْذُ" إذا جُرَّ بها، فحذفوا عينها ولا تضعيف، قالوا: ويدلُّ على أنَّ أصلها: "منذ" بالنون، تصغيرها على "مُنَيْذ" وهذا مقررٌ في بابه. وقرأ أبو عمرو وحده: "حَاشَا" بألفين ألفٌ بعد الحاءِ، وألفٌ بعد الشين، في كلمتي هذه السورة وصلاً، ويحذفها وقفاً؛ اتباعاً للرسم، كما سيأتي، والباقون بحذف الألف الأخيرة؛ وصلاً، ووقفاً. فأما قراءة أب عمرو، فإنه جاء فيها بالكلمةِ على أصلها، وأما الباقون: فإنهم ابتعوا في ذلك الرسم، ولما طال اللفظُ، حسن تخفيفه بالحذف، ولا سيَّما على قول من يدَّعي فعليتها، كالفارسيّ. قال الفارسي: "وأما حذفُ الألف، فعلى: لمْ يَكُ، وَلا أدْرِ، وأصَابَ النَّاس جهدٌ، ولو تَرَ ما أهْلَ مَكَّة، وقوله: [الرجز] شعر : 3098ـ وصَّانِي العَجَّاجُ فِيمَا وَصَّني تفسير : في شعر رُؤبة، يريد: لَمْ يكن، ولا أدْرِي، ولو ترى، ووصَّاني". وقال أبو عبيدة: رأيتها في الذي يقال له إنه الإمامُ ـ مصحف عثمان ـ رضي الله عنه ـ "حَاشَ لله" بغير ألف، والآخرى مثلها. وحكى الكسائيُّ: أنه رآها في مصحف عبد الله، كذلك. قالوا: فعلى ما قال أبُو عبيد، والكسائي: تُرجَّح هذه القراءةُ، ولأن عليها ستةٌ من السبعةِ. ونقل الفراء: أن الإتمام لغةُ بعض العرب، والحذف لغة أهل الحجاز، قال: ومِنَ العرب من يقول "حَاشَى زَيْداً" أراد "حَشَى لزيدٍ"، فقد نقل الفراء: أنَّ اللغات الثلاث مسموعةٌ ولكنَّ لغة أهل الحجازِ مُرجحةٌ عندهم. وقرأ الأعمش، في طائفة "حَشَى للهِ" بحذف الألفين، وقد تقدم أنَّ الفراء حكاها لغة عن بعض العرب؛ وعليه قوله: [الوافر] شعر : 3099 ـ حَشَى رَهْطَ النَّبيِّ......... ........................ تفسير : البيت. وقرأ أبي، وعبد الله: "حَاشَى اللهِ" بجر الجلالةِ، وفيها وجهان: أحدهما: أن تكون اسماً مضافاً للجلالة، نحو سبحان الله، وهو اختيارُ الزمخشريِّ. والثاني: أنه حرف استنثاءٍ، جر به ما بعده؛ وإليه ذهب الفارسيُّ. وفي جعله: "حَاشَا" حرف جرِّ مُراداً به الاستثناء، نظرٌ، إذْ لم يتقدم في الكلام شيءٌ يستثنى منه الاسم المعظَّم، بخلاف: قام القومُ حَاشَا زيدٍ، واعلم أنَّ النحويين لما ذكروا هذا الحرف، جعلوه من المتردِّد بين الفعلية، والحرفية كما عند من أثبت فعليّته، وجعله في ذلك كـ "خَلاَ" و"عَدَا"، وهذا عند من أثبت حرفيته، وكان ينبغي أن يذكروه من المتردد بين الاسمية، والفعلية، والحرفية، كما فعلوا ذلك في "عَلَى" فقالوا: تكون حرف جرٍّ في "عَليْكَ"، واسماً في قوله: "مِنْ عَليْه"، وفعلاً في قوله: [الطويل] شعر : 3100ـ عَلاَ زَيْدُنَا يوْمَ النَّقَا....... ......................... تفسير : وإن كان فيه نظرٌ، تلخيصه: أنَّ "عَلاَ" حال كونها فعلاً غيرُ "عَلَى"، حال كونها غير فعلٍ؛ بدليل أنَّ الألف الفعلية منقلبةٌ عن واوٍ، ويدخلها التصريفُ، والاشتقاقُ دون ذينك. وقد يتعلق من ينتصر للفارسي بهذا، فيقول: لو كان "حَاشَا" في قراءة العامَّة اسماً، لذكر ذلك النحويون عند ترددها بين الحرفية، والفعلية، فلمَّا لم يذكروه، دلَّ على عدم اسميتها. وقرأ الحسن: "حَاشْ" بسكون الشين، وصلاً ووقفاً، كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ونقل ابن عطية عن الحسن أنه قرأ: "حَاشَ الإله" قال محذوفاً من "حَاشَا" يعني أنه قرأ بحذف الألف الأخيرةِ، ويدلُّ على ذلك، ما صرَّح به صاحبُ اللوامح، فإنه قال: "بحذف الألف" ثم قال: وهذا يدلُّ على أنه حرف جرٍّ، يجر به ما بعده. فأما الإله: فإنه فكَّه عن الإدغام، وهو مصدرٌ أقيم مقام المفعول، ومعناه: المبعودُ، وحذف الألف من "حَاشَ"؛ للتخفيف. قال أبو حيَّان: "وهذا الذي قاله ابن عطية، وصاحب اللوامح: من أنَّ الألف في "حَاشَا" في قراءة الحسنِ، محذوفةٌ، لا يتعيَّن إلاَّ أن ينقل عنه أنه يقف في هذه القراءة بسكون الشِّين، فإنه لم ينقل عنه في ذلك شيء، فاحتمل أن تكون الألف حذفت؛ لالتقاء الساكنين، والأصل: حاشا الإله، ثم نقل فحذف الهمزة، وحرَّك اللام بحركتها، ولم يعتدَّ بهذا التحريك؛ لأنه عارضٌ، كما تحذف في نحو "يخشى الإله" ولو اعتد بالحركة لم يحذف الألف". قال شهابُ الدِّين ـ رحمه الله ـ: الظاهر أن الحسن يقف في هذه القراءة بسكون الشِّين، ويستأنس له، بأنه سكَّن الشين في الرواية الآخرى عنه، فلما جيء بشيءٍ محتمل، ينبغي أن يحمل على ما خرج به، وقول صاحب اللّوامح: وهذا يدلُّ على أنه حرف جرٍّ يجرُّ به ما بعده، لا يصحُّ؛ لما تقدم من أنَّه لو كان حرف جرٍّ، لكان مُستثنى به، ولم يتقدم ما يُسْتثنى منه بمجروره. واعلم أنَّ اللام الداخلة على الجلالة، متعلقةٌ بمحذوفٍ على سبيل البيانِ، كهي في "سَقْياً لَكَ"، و"رَعْياً لزيد" عند الجمهور، وأما عند المبرد، والفارسي: فإنها متعلقةٌ بنفس "حَاشَى"؛ لأنها فعلٌ صريحٌ، وقد تقدَّم أن بعضهم يرى زيادتها. قال المفسِّرون: معنى قوله: "حَاشَى لله" أي: تنزَّه الله تعالى عن العجز، حيث قدر على خلق جميلٍ مثله، وقيل: معاذ الله أن يكون هذا بشراً. قوله: "مَا هَذا بشراً" العامة على إعمال "ما" على اللغة الجازيَّة وهي اللغة الفُصْحَى، ولغة تميم الإهمالُ، وقد تقدَّم تخفيف هذا، أول البقرة [البقرة:8]، وما أنشده عليه من قوله: [الكامل] شعر : 3101ـ وأنا النَّذيرُ بحَرَّةٍ مُسْودًّةٍ ................. تفسير : البيتين. ونقل ابن عطيَّة: أنه لم يقرأ أحدٌ إلاَّ بلغة الحجاز، وقال الزمخشري: ومن قرأ على سليقته من بني تميمٍ، قرأ "بشرٌ" بالرفع، وهي قراءة ابن مسعودٍ. فادعاءُ ابن عطية، أنه لم يقرأ به، غير مسلم. وقرأ العامة: "بَشَراً" بفتح الباءِ على أنها كلمةٌ واحدةٌ، ونصب بنزع حرفِ الخفض، أيّ: بِبشَرٍ. وقرأ الحسن، وأبو الحويرث الحنفي: "بِشرَى" بكسر الباء، وهي باءُ جرَّ، دخلت على "شِرَى" فهما كلمتان، جارٌّ ومجرورٌ، وفيها تأويلات: أحدهما: ما هذا بمُشْتَرَى، فوضع المصدر موضع المفعول به، كـ "ضَرَبَ الأميرِ". الثاني: ما هذا بمباع، فهو ـ أيضاً ـ مصدرٌ واقعٌ موقع المفعول به، إلاَّ أنَّ المعنى مختلفٌ. الثالث: ما هذا بثمنٍ، يعنين أنه أرفعُ من أن يجري عليه شيءٌ من هذه الأشياء، وروى عبدُ الوارث، عن أبي عمرو كقراءة الحسن، وأبي الحويرث، إلاَّ أنه قرأ عنه إلا "مَلِك" بكسر اللام، واحد الملوكِ، نفوا عنه ذُلَّ المماليك، وأثبتوا له عزَّ المُلوكِ، وذكر ابنُ عطية: كسْرَ اللام عن الحسنِ، وأبي الحُوَيْرث. وقال أبو البقاءِ: وعلى هذا قُرىء "مَلِك" بكسر اللام، كأنه فهم أنَّ من قرأ بكسرِ الباءِ، وقرأ بكسرِ اللام أيضاً؛ للمناسبة بين المعنيين، ولم يذكر الزمخشريُّ هذه القراءة مع كسر الباء ألبتة؛ بل يفهم من كلامه أنَّه لم يطلعْ عليها، فإنه قال: وقُرِىء ما هذا بِشِرَى أي: ما هو بعبدٍ مملوكٍ لئيمٍ، {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}، تقول: "هذا بِشرَى"، أي: حاصلٌ بِشرَى، بمعنى مُشْترَى، وتقول: هذا لك بِشرَى، أو بِكِرَى والقراءةُ هي الأولى؛ لموافقتها المصحف، ومطابقة "بَشَر" لـ "مَلِك". قوله "لموافقتها المصحف" يعني أنَّ الرَّسم: "بَشَراً" بالألفِ، لا بالياءِ، ولو كان المعنى على "بُشْرَى" لرسم بالياءِ، وقوله: "ومُطابَقة بشراً الملك"، دليلٌ على أنه لم يطلع على كسرِ اللامِ، فضلاً عمن قرأ بكسرِ الباءِ. فصل في معنى قوله: {مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} وجهان: أشهرهما: أن المقصود منه إثباتُ الحسن العظيم له، قالوا: لأنه ـ تعالى ـ ركب في الطبائع أنَّ لا حيَّ أحسنُ من الملكِ، كما ركَّب فيها أنَّ لا حيَّ أقبحُ من الشَّيطان، ولذلك قال في صفة شجرةٍ جهنَّم: {أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ}تفسير : [الصافات:65] وذلك لما تقرَّر في الطبائع، أنَّ أقبح الأشياءِ، هو الشيطانُ، فكذا هاهنا، تقرَّر في الطبائع أنَّ أحسن الأشياءِ، هو الملكُ، فلما أرادت النسوةُ المبالغة في وصفِ يوسف في الحسنِ، لا جرم شبَّهنهُ بالملك، وقلن: "إنْ هَذَا إلاَّ مَلكٌ كَرِيمٌ" على الله من الملائكة. والوجه الثاني: قال ابنُ الخطيب: وهو الأقربُ عندي، أن المشهور عند الجمهور، أنَّ الملائكة مطهَّرون عن بواعثِ الشهوةِ، وحوادث الغضب، ونوازع الوهم، والخيال، فطعامهم توحيد الله، وشرابهم الثناءُ على الله، ثم إنَّ النسوة لما رأين يوسف، لم يلتفتْ إليهن، ورأين عليه هيبة النُّبوةِ، وهَيْبة الرسالةِ، وسيما الطَّهارة، قلن: ما رأينا فيه أثراً من الشَّهوة، ولا شيئاً من البشرية، ولا صفة من الإنسانيةِ، ودخل في الملائكة، فإن قالوا: فإن كان المرادُ ما ذكرتم، فكيف يتمهدُ عُذْرٌ المرأةِ عند النسوةِ؟ فالجواب قد سبق. فصل فيمن احتج بالآية على أن الملك أفضل من البشر احتج القائلون بأن الملك أفضلُ من البشر بهذه الآية فقالوا: لا شك أنهن إنما ذكرن هذا الكلام في معرض تعظيم يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، فوجب أن يكون إخراجه من البشرية، وإدخاله في الملكيِّة، سبباً لتعظيم شأنه، وإعلاء مرتبته، وإنما يكون كذلك، إذا كان الملك أعلى حالاً من البشر. ثم نقول: لا يخلُوا إما أن يكون المقصودُ بيان كماله في الحسنِ الظاهر، أو بيان كمال حُسْنِ الباطنِ الذي هو الخلق الباطن، والأول باطلٌ لوجهين: الأول: أنهن وصفنه بكونه كريماً؛ بحسب الأخلاق الباطنة، لا بحسب الخلقةِ الظاهرة. والثاني: أنا نعلمُ بالضرورة أنَّ وجه الإنسان لا يشبه وجوه الملائكةِ ألبتة، وأما كونه بعيداً عن الشهوة، والغضب، معرضاً عن اللَّذات الجسمانية، مُتوجِّهاً إلى عبوديةِ الله، مستغرق القلبِ والرُّوحِ، فهو مشتركٌ فيه بين الإنسان الكاملِ، وبين الملائكةِ. إذا ثبت هذا فنقول: تشبيه الإنسانِ بالملكِ، في الأمرِ الذي حصلت المشابهةُ فيه على سبيلِ الحقيقة، أولى من تشبيهه بالملك فيما لم تحصل فيه المشابهة ألبتة؛ فثبت أن تشبيه يوسف بالملك في هذه الآية، إنَّما وقع في الخُلق الباطن، لا في الصُّورة الظاهرةِ، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الملك أعلى حالاً من الإنسان في هذه الفضائل. قوله: "فَذلِكُنَّ" مبتدأ، والموصول خبره، أشارت إليه إشارة البعيد، وإن كان حاضراً؛ تعظيماً له، ورفعاً منه لتُظهرَ عذرها في شغفها. وجوَّز ابنُ عطية: "أن يكون "ذَلِكَ" إشارةً إلى حبِّ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ والضمير في "فِيهِ" عائدٌ على الحبِّ، فيكون "ذَلِكَ" إشارةً إلى غَائبٍ على بابه". يعنى بالغائب: البَعيِدَ، وإلا فالإشارةُ لا تكون إلاَّ لحاضرٍ مُطلقاً. وقال ابن الأنباري: "أشارت بصيغةِ "ذَلِكَ" إلى يوسف بعد انصرافه من المجلسِ". وقال الزمخشريُّ: "إنَّ النسوة كُنَّ قلن: إنها عَشقَتْ عبْدَها الكنْعَانيَّ، فلمَّا رأينه، وقعن في تلك الدَّهشة، قالت: هذا الذي رأيتموهُ، هو العبد الكنعاني الذي لُمتُنَّنِي فيه، يعني: أنكنَّ لم تصورنه بحقِّ صورته، فلو حصلت في خيالكُنَّ صُورتهُ، لتركتن هذه الملامةَ". واعلم أنها لما أظهرت عذرها عند النسوة، في شدَّة محبَّتها له، كشف عن حقيقة الحال؛ فقالت: {ولقَدْ رَاوَدتُهُ عَنْ نَفسِهِ فاسْتَعْصمَ} وهذا تصريحٌ بأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان بريئاً من تلك التُّهمةِ. وقال السديُّ: "فاسْتَعْصمَ" بعد حلِّ السَّراويل. قال ابن الخطيب: "وما أدري ما الذي حمله على إلحاقِ هذه الزيادةِ الفَاسدةِ الباطلةِ بنص الكتاب؟! وذل أنَّها صرَّحتْ بما فعلت، فقالت: {ولقَدْ رَاوَدتُهُ عَنْ نَفسِهِ فاسْتَعْصمَ} أي: فامتنع، وإنما صرَّحت به؛ لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهنَّ، وقد أصابهنَّ ما أصابها، من رُؤيته. قوله: "فاسْتَعْصمَ" في هذه السين وجهان: أحدهما: أنها ليست على بابها من الطلب، بل "اسْتَفْعَل" هنا بمعنى "افْتَعَل" فاستعصم و"اعْتصَمَ" واحدٌ وقال الزمخشريُّ: "الاستعصام بناءُ للمبالغة يدلُّ على الامتناع البليغ، والتحفُّظ الشَّديد، كأنه في عصمةٍ، وهو مجتهدٌ في الزيادة فيها، والاستزادة منها، ونحوه: اسْتمْسَكَ، واسْتوْسَعَ الفتقُ، واسْتجْمَعَ الرَّأيُ، واستفحل الخَطْبُ" فردّ السين إلى بابها من الطلبِ، وهو معنًى حسنٌ، ولذلك قال ابن عطية: "معناه طَلبَ العِصْمَةَ، واسْتمْسَكَ بها وعصاني" قال أبو حيان: ذكره التَّصريفيُّون في "اسْتَعْصَم": أنه موافقٌ لـ "اعْتَصَم"، و"اسْتَفْعَلَ" فيه: موافق لـ "افتعل" وهذا أجودُ من جعل "استعفل" فيه للطلبِ؛ لأن "اعْتَصَمَ" يدلُّ على اعتصامه، وطلبُ العصمةِ لا يدلُّ على حصولها، وأما أنه بناءُ مبالغةٍ يدلُّ على الاجتهادِ في الاستزادة من العصمة، فلم يذكر التصريفيون هذا المعنى لـ"اسْتَفْعَلَ"، وأما "اسْتَمْسكَ، واسْتَجْمَعَ الرأي، واسْتوْسَعَ الفَتْقُ، فـ "اسْتَفْعَل" فيه لموافقةِ "افْتَعَلَ"، والمعنى: امتسك، واتسع، واجتمع، وأما "اسْتَفْحَلَ الخَطْبُ" فـ "فاستَفْعَلَ" فيه موافقة لـ "تَفعَّل" أي: تفَحَّل الخطب نحو "اسْتَكْبرَ وتَكبَّرَ". قوله: "مَا آمُرُهُ" في "مَا" وجهان: أحدهما: مصدريةٌ. والثاني: أنها موصولةٌ، وهي مفعولٌ بها بقوله: "يَفْعَل"، والهاءُ في "آمُرُهُ" تحتمل وجهين: أحدهما: العودُ على "مَا" الموصولة، وإذا جعلناها بمعنى الذي. الثاني: العودُ على يوسف. ولم يجوِّز الزمخشريُّ عودها على يوسف إلا إذا جعلت "ما" مصدرية، فإنه قال: فإنْ قلت: الضميرُ في: "مَا آمُرُهُ" راجعٌ إلى الموصول أم إلى يوسف؟ قلتُ: بل إلى الموصول، والمعنى: ما آمرُ به، فحذف الجار؛ كما في قوله: [البسيط] شعر : 3102ـ أمَرْتُكَ الخَيْرَ........... ......................... تفسير : ويجوز أن تجعل "ما" مصدرية، فيعود على يوسف، ومعناه: ولئنْ لم يفعل أمري إيَّاه، أي: موجبُ أمري، ومُقْتَضَاهُ". وعلى هذا، فالمفعولُ الأول محذوفٌ، تقديره: ما آمره به، وهو ضمير يوسف عليه السلام. قوله: {وَلَيَكُوناً} قرأ العامة بتخفيف نون "وليَكُوناً"، ويقفون عليها بالألف؛ إجراءً لها مجرى التنوين، ولذلك يحذفونها بعد ضمةٍ، أو كسرةٍ، نحو: هل تقومون؛ وهل تقومين؟ في: هل تقومن؟ والنونُ الموجودة في الوقف، نونُ الرفع، رجعوا بها عند عدم ما يقتضي حذفها، وقد تقرر فيما تقدَّم أنَّ نون التوكيدِ تثقَّل، وتخفف، والوقفُ على قوله: "ليُسْجَنَنَّ" بالنُّونِ؛ لأنَّها مشددةٌ، على قوله: "وليَكُوناً" بالألف؛ لأنها مخففةٌ، وهي شبيهةٌ بنون الإعراب في الأسماءِ؛ كقولك: رأيتُ رجلاً، وإذا وقفت قلت: رجلا، بالألف، ومثله: {أية : لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ}تفسير : [العلق:15]. و"مِنَ الصَّاغرينَ" من الأذلاَّءِ، وقرأت فرقة بتشديدها وفيها مخالفةٌ لسوادِ المصحف؛ لكتبها فيه ألفاً؛ لأن الوقف عليها كذلك؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3103ـ وإيَّاكَ والمَيْتَاتِ لا تَقْربنَّهَا ولا تَعْبُدِ الشَّيطانَ واللهَ فاعْبُدَا تفسير : أي: فاعْبُدنْ، فأبدلها ألفاً، وهو أحدُ الأقوالِ في قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 3104ـ قِفَا نَبْكِ........ ................... تفسير : وأجرى الوصل مجرى الوقف.
البقاعي
تفسير : ولما كان في هذا من شرف العفة ما يدل على كمال العصمة، وأكده تعالى بما يدل على تسامي حسنه وتعالي جماله ولطفه، لأن العادة جرت بأن ذلك كان بعضه لأحد كان مظنة لميله، لتوفير الدواعي على الميل إليه، فقال تعالى: {وقال نسوة} أي جماعة من النساء لما شاع الحديت؛ ولما كانت البلدة كلما عظمت كان أهلها أعقل وأقرب إلى الحكمة، قال: {في المدينة} أي التي فيها امرأة العزيز ساكنة {امرأت العزيز} فأضفنها إلى زوجها إرادة الإشاعة للخبر، لأن النفس إلى سماع أخبار أولى الأخطار أميل؛ والعزيز: المنيع بقدرته من أن يضام، فالعزة أخص من مطلق القدرة، وعبرن بالمضارع في {تراود فتاها} أي عبدها نازلة من افتراش العزيز إلى افتراشه {عن نفسه} إفهاماً لأن الإصرار على المراودة صار لها كالسجية؛ والفتى: الشاب، وقيده الرماني بالقوي، قال: وقال الزجاج: وكانوا يسمون المملوك فتى شيخاً كان أو شاباً، ففيه اشتراك على هذا {قد شغفها} ذلك الفتى {حباً} أي من جهة الحب، قال الرماني: شغاف القلب غلافه، وهو جلدة عليه، يقال: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب، عن السدى وأبي عبيدة وعن الحسن أنه باطن القلب، وعن أبي علي: وسط القلب -انتهى. والذي قال في المجمل وغيره أنه غلاف القلب، وأحسن من توجيه أبي عبيدة له أن حبه صار شغافاً لها، أي حجاباً، أي ظرفاً محيطاً بها، وأما " شعفها" - بالمهملة فمعناه: غشى شعفة قلبها، وهي رأسه عند معلق النياط، وقال الرماني: أي ذهب بها كل مذهب، من شعف الجبال، وهي رؤوسها. ولما قيل ذلك، كان كأنه قد قيل: فكان ماذا؟ فقيل - وأكد لأن من رآه عذرها وقطع بأنهن لو كن في محلها عملن عملها ولم يضللن فعلها: {إنا لنراها} أي نعلم أمرها علماً هو كالرؤية {في ضلال} أي محيط بها {مبين} لرضاها لنفسها بعد عز السيادة بالسفول عن رتبة العبد، ودل بالفاء على أن كلامهن نقل إليها بسرعة فقال: {فلما سمعت} أي امرأة العزيز {بمكرهن} وكأنهن أردن بهذا الكلام أن يتأثر عنه ما فعلت امرأة العزيز ليرينه، فلذلك سماه مكراً {أرسلت إليهن} لتريهن ما يعذرنها بسببه فتسكن قالتُهن {وأعتدت} أي هيأت وأحضرت {لهن مُتَّكَئاً} أي ما يتكئن عليه من الفرش اللينة والوسائد الفاخرة، فأتينها فأجلستهن على ما أعدته لهن {وءاتت كل واحدة} على العموم {منهن سكيناً} ليقطعن بها ما يحتاج إلى القطع مما يحضر من الأطعمة في هذا المجلس؛ قال أبو حيان: فقيل: كان لحماً، وكانوا لا ينهشون اللحم، إنما كانوا يأكلونه حزاً بالسكاكين. وقال الرماني: ليقطعن فاكهة قدمت إليهن - انتهى. هذا الظاهر من علة إتيانهن وباطنه إقامة الحجة عليهن بما لا يجدن له مدفعاً مما يتأثر عن ذلك {وقالت} ليوسف فتاها عليه الصلاة والسلام {اخرج عليهن} فامتثل له ما أمرته به كما هو دأبه معها في كل ما لا معصية فيه، وبادر الخروج عليهن {فلما رأينه} أي النسوة {أكبرنه} أي أعظمن يوسف عليه الصلاة والسلام جداً إعظاماً كربّهن {وقطعن} أي جرحن جراحات كثيرة {أيديهن} وعاد لومهن عذراً، والتضعيف يدل على التكثير، فكأن السكين كانت تقع على يد إحداهن فتجرحها فترفعها عن يدها بطبعها، ثم يغلبها الدهش فتقع على موضع آخر وهكذا {وقلن حاش} أي تنزيهاً عظيماً جداً {لله} أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال التي خلق بها مثل هذا. ولما كان المراد بهذا التنزيه تعظيمه، بينه بقولهن: {ما هذا بشراً} لأنه فاق البشر في الحسن جداً، وأعرض عن الشهوة من غير علة، نراها مانعة له لأنه في غاية القوة والفحولية، فكأنه قيل: فما هو؟ فقلن: {إن} أي ما {هذا} أي في هذا الحسن والجمال، وأعدن الإشارة دفعاً لإمكان الغلط {إلا ملك كريم *} وذلك لما ركز في الطباع من نسبة كل معنى فائق إلى الملائكة من الحسن والعفة وغيرهما وإن كانوا غير مرئيين، كما ركز فيها نسبة ضد ذلك إلى الجن والشياطين، فكأنه قيل: فما قالت لهن امرأة العزيز؟ فقيل: {قالت فذالكن} أي الفتى العالي الرتبة جداً {الذي لمتنني فيه}. ولما علمت أنهن عذرنها، قالت مؤكدة استلذاذاً بالتهتك في حبه: {ولقد} أي أقول هذا والحال أني والله لقد تحقق أني {راودته عن نفسه} أي لأصل إليه بما أريد {فاستعصم} أي فأوجد العصمة والامتناع عليّ فاشتد اعتصامه، وما أنا براجعة عنه؛ ثم توعدته وهو يسمع لِيَلين، فقالت لهن مؤكدة لأن حال حبها يوجب الإنكار لأن تفعل ما يؤذي المحبوب: {ولئن لم يفعل} أي هذا الفتى الذي قام عذرى عندكن فيه {ما ءامُرُهُ} أي أمري {ليسجنن} أي ليمنعن من التصرف بالحبس بأيسر سعي مني. ولما كان عزمها على السجن أقوى من العزم على إيقاع الصغار به، أكدته بالنون الثقيلة وقالت: {وليكوناً} بالنون الخفيفة {من الصاغرين *} أي الأذلاء، أو أن الزيادة في تأكيد السجن لأنه يلزم منه إبعاده، وإبعاد الحبيب أولى بالإنكار من إهانته، فقال له النسوة: أطعها لئلا تسجنك وتهينك، فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: {قال} يهتف بمن فنى بشهوده عن كل مشهود، دافعاً عن نفسه ما ورد عليه من وسوسة الشيطان في أمر جمالها وأمر رئاستها ومالها، ومن مكر النسوة اللاتي نوّعن له القول في الترغيب والترهيب عالماً بأن القوة البشرية تضعف عن حمل مثل هذا إلا بتأييد عظيم، مسقطاً للأداة على عادة أهل القرب: {رب السجن} وهو محيط مانع من الاضطراب فيما خرج عنه {أحب إليّ} أي أقل بغضاً {مما يدعونني} أي هؤلاء النسوة كلهن {إليه} لما علم من سوء عاقبة المعصية بعد سرعة انقضاء اللذة، وهذه العبارة تدل على غاية البغض لموافقتها، فإن السجن لا يتصور حبه عادة، وإنما المعنى أنه لو كان يتصور الميل إليه كان ميلي إليه أكثر، لكنه لا يتصور الميل إليه لأنه شر محض، ومع ذلك فأنا أوثره على ما دعونني إليه، لأنه أخف الضررين، والحاصل أنه أطلق المحبة على ما يضادها في هذا السياق من البغض بدلالة الالتزام، فكأنه قيل: السجن أقل بغضاً إلى ما تدعونني إليه، وذلك هو ضد " أحب" الذي معناه أكثر حباً، ولكن حولت العبارة ليكون كدعوى الشيء مقروناً بالدليل، وذلك أنه لما فوضل في المحبة بين شيئين أحدهما مقطوع ببغضه، فُهم قطعاً أن المراد إنما هو أن بغض هذا البغيض دون بغض المفضول، فعلم قطعاً أن ذلك يظن حبه أبغض من هذا المقطوع ببغضه، وكذا كل ما فوضل بينهما في وصف يمنع من حمله على الحقيقة كون المفضل متحققاً بضده - والله الموفق؛ والدعاء: طلب الفعل من المدعو،وصيغته كصيغة الأمر إلا أن الدعاء لمن فوقك، والأمر لمن دونك {وإلا تصرف} أي أنت يا رب الآن وفيما يستقبل من الزمان، مجاوزاً {عني كيدهن} أي ما قد التبس من مكرهن وتدبيرهن الذي يردن به الخبث احتيالاً على الوصول إلى قصدهن خديعة وغروراً {أصب} أي أمل ميلاً عظيماً {إليهن} لما جبل الآدمي عليه من الميل النفساني إلى مثل ذلك، ومتى انخرق سياج صيانته بواحدة تبعها أمثالها، واتسع الخرق على الراقع، ولذلك قال: {وأكن } أي كونا هو كالجبلة {من الجاهلين} أي الغريقين في الجهل بارتكاب مثل أفعالهم {فاستجاب له ربه} أي أوجد المحسن إليه إيجاداً عظيماً إجابة دعائه الذي تضمنه هذا الثناء، لأن الكريم يغنيه التلويح عن التصريح - كما قيل: شعر : إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرّضه الثناءُ تفسير : وفعل ذلك سبحانه وتعالى إكراماً له وتحقيقاً لما سبق من وعده في قوله: { أية : كذلك لنصرف عنه السوء} تفسير : [يوسف: 24] الآية {فصرف عنه كيدهن} ثم علل ذلك بقوله: {إنه هو السميع} أي للأقوال {العليم *} بالضمائر والنيات، فيجيب ما صح فيه القصد وطاب منه العزم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {قد شغفها حباً} قال غلبها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {قد شغفها} قال: قتلها حب يوسف. الشغف، الحب القاتل، والشغف، حب دون ذلك. والشغاف، حجاب القلب. وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {قد شغفها حباً} قال: الشغاف في القلب في النياط، قد امتلأ قلبها من حب يوسف. قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يقول: شعر : وفي الصدر حب دون ذلك داخل وحول الشغاف غيبته الأضالع تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {قد شغفها حباً} قال: قد علقها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه أنه كان يقرؤها {قد شغفها حباً} قال: بطنها حباً. قال: وأهل المدينة يقولون بطنها حباً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه في قوله {قد شغفها حباً} قال: الشغوف، المحب. والمشغوف، المحبوب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه أنه كان يقرؤها {قد شغفها حباً} ويقول: الشغف، شغف الحب. والشغف، شغف الداب حين تذعر. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية رضي الله عنه أنه قرأ {قد شعفها حباً} بالعين المهملة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {قد شغفها حباً} قال: هو الحب اللازق بالقلب. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه قال: الشغاف، جلدة رقيقة تكون على القلب بيضاء، حبه خرق ذلك الجلد حتى وصل إلى القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد قال: إن الشعف والشغف يختلفان، فالشغف في البغض. والشغف في الحب. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد العباداني قال: قال رجل ليوسف عليه السلام: إني أحبك. فقال له يوسف: لا أريد أن يحبني أحد غير الله، من حب أبي ألقيت في الجب، ومن حب امرأة العزيز ألقيت في السجن. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه {قد شغفها حباً} قال: دخل حبه في شغافها. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {قد شغفها حباً} قال: دخل حبه تحت الشغاف. وأخرج ابن جرير عن الضحاك {قد شغفها حباً} يقول: هلكت عليه حباً. وأخرج ابن جرير، عن الأعرج رضي الله عنه أنه قرأ {قد شعفها حباً} بالعين المهملة، وقال {شغفها حباً} يعني بالغين معجمة، إذا كان هو يحبها.
القشيري
تفسير : إنَّ الهوى لا ينكتم، ولا تكون المحبة إلا وأبيح لها لسان عذول، فلما تحققت محبتها ليوسف بسطت النِّسوةُ فيها لسانَ الملامة. ولما كانت أحسن منهن قيمةً - فقد كُنَّ من جملة خَدَمِها - كانت أسرعَ إلى الملامة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال نسوة} اى جماعة من النساء وكن خمسا امرأة الخباز وامرأة الساقى وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب. والنسوة اسم مفرد لجميع المرأة وتأنيثه غير حقيقى ولذا لم يلحق فعله تاء التأنيث. وقال الرضى النسوة جمع لانها على وزن فعلة فيقدر لها مفرد وهو نشاء كغلام وغلامة لا انها اسم جمع [آورده اندكه اكرجه عزيز اين قصه را تسكين داد اما سخن عشق نهان كى ميماند شمه ازين واقعه در السنة عوام افتاد] شعر : زليخا جو بشكفت آن كل راز جهانى شد بطغش بلبل آواز تفسير : [وبعض از خواتين مصر زبان ملامت برزليخا دراز كردند وهر آيينه عشق را غوغاى ملامت دركارست نه سوداى سلامت]: قال الحافظ شعر : من ازان حسن روزا فزون كه يوسف داشت دانستم كه عشق ازبرده عصمت برون آرد زليخارا تفسير : وقال الجامى شعر : نسازد عشق راكنج سلامت خوشا رسوايى وكويى ملامت غم عشق ازملامت تازه كردد وزين غوغا بلند آوازه كردد تفسير : {فى المدينة} ظرف لقال اى اشعن الامر فى مصر اوصفة للنسوة. وقال الكاشفى [بايكديكر نشسته كفتند در شهر مصر بموضعى كه عين الشمس مضمون سخن ايشان آنكه] {امرأة العزيز} والعزيز بلسان العرب الملك والمراد به قطفير وزير الريان بامرأته زليخا ولم يصرحن باسمها على ما عليه عادة الناس عند ذكر السلطان والوزير ونحوهما وذكر من يتبعهم من خواص حرمهم. وقال سعدى المفتى صرحن باضافتها الى العزيز مبالغة للتشنيع لان النفوس اقبل الى سماع اخبار ذوى الاخطار وما يجرى لهم {تراود فتيها} اى تطالب غلامها بمواقعته لها وتحتال فى ذلك وتخادعه {عن نفسه} والفتى من الناس الشاب ويستعان للملوك وان كان شيخا كالغلام وهو المراد هنا وفى الحديث "حديث : لا يقول احدكم عبدى وامتى كلكم عبيد الله وكل نسائكم اماء الله ولكن ليقل غلامى وجاريتى وفتاى وفتاتى" تفسير : قال ابن الملك انما كره النبي عليه السلام ان يقول السيد عبدى لان فيه تعظيما لنفسه ولان العبد فى الحقيقة انما هو لله قيل انما يكره اذا قاله على طريق التطاول على الرقيق والتحقير لشأنه والا فقد جاء القرآن به قال الله تعالى {أية : والصالحين من عبادكم وامائكم} تفسير : {قد شغفها حبا} [بدرستى كه بشكافته است غلاف دل اواز جهت دوستى يعنى محبت يوسف بدرون او در آمده] وهو بيان لاختلال احوالها القلبية كاحوالها القالبية خبر ثان وحبا تمييز منقول من الفاعلية اى شق حبه شغاف قلبها حتى وصل الى فؤادها. والشغاف حجاب القلب وقرئ شعفها بالعين المهملة يقال شعفة الحب احرق قلبه كما فى الصحاح. اعلم ان المحبة هوة الميل الى امر جميل وهو اذا كان مفرطا يسمى عشقا وهو اذا كان مفرطا يسمى سكر او هيمانا وصاحب العشق المفرط معذور غير ملوم لانه آفة سماوية كالجنون والمرض مثلا والمحبة اصل الايجاد وسببه كما قال تعالى "حديث : كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف ". تفسير : قال القاشانى العشق اخص لانه محبة مفرطة ولذلك لا يطلق على الله لانتفاء الافراط عن صفاته انتهى. قال الجنيد قالت النار يا رب لو لم اطعك ها كنت تعذبنى بشيء هو اشد منى قال نعم كنت اسلط عليك نارى الكبرى قالت وهل نار اعظم منى قال نعم نار محبتى اسكنها قلوب اوليائى المؤمنين كذا فى فتح القريب. قال يحيى بن معاذ لو وليت خزائن العذاب ما عذبت عاشقا قط لانه ذنب اضطرار لا ذنب اختيار وفى الحديث "حديث : من عشق فعف وكتم ثم مات مات شهيدا"تفسير : : قال الحافظ شعر : عاشق شوارنه روزى كارجهان سرآيد ناخوانده نقش از كاركاه هستى تفسير : وعشق زليخا وان كان عشقا مجازيا لكن لما كان تحققها به حقيقة وصدقا جذبها الى المقصود وآل الامر من المجاز الى الحقيقة لانه قنطرتها: قال العطار فى منطق الطير شعر : هركه او درعشق صادق آمدست بر سرش معشوق آمدست كر بصدقى عشق بيش آيد ترا عاشقت معشوق خويش آيد ترا تفسير : {انا لنراها} اى نعلمها علما مضاهيا للمشاهدة والعيان فيما صنعت من المراودة والمحبة المفرطة مستقرة {فى ضلال} فى خطأ وبعد عن طريق الرشد والصواب {مبين} واضح لا يخفى كونه ضلالا على احد او مظهر لامرها فيما بين الناس وانما لم يقلن انها لفى ضلال مبين اشعارا بان ذلك الحكم غير صادر عنهن مجازفة بل عن علم ورأى مع التلويح بانهن متنزهات عن امثال ما هى عليه ولذا ابتلاهن الله تعالى بما رمين به الغير لانه ما عير احد اخاه بذنب الا ارتكبه قبل ان يموت وهذه اعنى ملامة الخلق وتضليلهم علامة كمال المحبة ونتيجته لان الله تعالى اذا اصطفى عبدا لجنابه رفع محبته الذاتية عن قلوب الاغيار غيرة منه عليه ولذا ترى ارباب الاحوال واصحاب الكشوف مذكورين غالبا بلسان الذم والتعبير اذ هم قد تجاوزوا احد الجمهور فكانوا كالمسك بين الدماء فكما ان المسك خرج بذلك الوصف الزائد عن كونه جنس الدم فكذا العشاق خرجوا بما هم عليه من الحالة الجمعية الكمالية عن كونهم من جنس العباد ذوى التفرقة والنقصان والجنس الى الجنس يميل لا الى خلافه فافهم حقيقة الحال وهو اللائح بالبال تفسير : {فلما سمعت بمكرهن} باعتيابهن وسوء قولهن وقولهن امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعانى وهو مقتها وتسميته مكرا لكونه خفية منها كمكر الماكر وان كان ظاهرا لغيرها {ارسلت اليهن} تدعوهن للضيافة اكراما لهن ومكرا بهن ولتعذر فى يوسف لعلمها انهن اذا رأينه دهشن وافتتن به. قيل دعت اربعين امرأة منهن الخمس المذكورات {واعتدت} اى احضرت وهيأت {لهن متكئا} اى ما يتكئن عليه من النمارق والوسائد وغيرها عند الطعام والشراب كعادة المترفهين ولذلك نهى عن الاكل بالشمال او متكأ. وقرئ متكأ وهو الاترج او الزماورد بالضم وهو طعام من البيض واللحم معرب والعامة تقول البزماورد كما فى القاموس {وآتت كل واحدة منهن} بعد الجلوس على المتكأ {سكينا} لتستعمله فى قطع ما يعهد فيما تقدم بين ايديهن وقرب اليهن من اللحوم والفواكه ونحوها وقصدت بتلك الهيئة وهى قعودهن متكئات والسكاكين فى ايديهن ويبهتن عند رؤيته ويشغلن عن نفوسهن فيقع ايديهن على ايديهن فيقطعنها لان المتكئ اذا بهت لشيء وقعت على يده -روى- انها اتخذت لهن ضيافة عظيمة من الوان الاطعمة وانواع الاشربة بحيث لا توصف شعر : روان هر سو كنيزان وغلامان بخدمت همجو طاوسان خرامان برى رويان مصرى حلقه بسته بمسندهاى زركش خوش نشسته جوخوان برداشتند از بيش آنان زليخا شكر شكويان مدح خوانان نهاد از طبع حيلت ساز برفن ترنج وكزلكى بردست هر زن تفسير : {وقالت} ليوسف وهن مشغولات بمعالجة السكاكين واعمالها فيما بايديهن من الفواكه واضرابها {اخرج} يا يوسف {عليهن} اى ابرز لهن: قال المولى الجامى شعر : بباى خود زليخا سوى او شد دران كاشانه هم زنواى اوشد بزارى كفت كاى نور دو ديده تمناى دل محنت رسيده فتادم در زبان مردم از تو شدم رسوا ميان مردم از تو كرفتم آنكه درجشم تو خوارم بنزديك تو بس بى اعتبارم مده زين خوارى وبى اعتبارى زخاتونان مصرم شر مسارى شد ازافسون آن افسونكركرم دل يوسف به بيرون آمدن نرم بى تزيين او جون باد برخاست جوسر وازحله سبزش بياراست فرود آويخت كيسوى معنبر به بيش حله اش جون عنبر تر ميانش راكه بامو همسرى كرد ززرين منطقه زيور كرى كرد بسر تاج مرصع از جواهر زهر جوهر هزارش لطف ظاهر بيا نعلينى از لعل وكهر بر برو بسته دوال از رشته در تفسير : {فلما رأينه} عطف على مقدر فحرج عليهن شعر : ز خلوت خانه آن كنج نهفته برون آمد كلزار شكفنه تفسير : فرأينه فلما رأينه {اكبرنه} عظمنه وهبن حسنه الفائق وجماله الرائق فان فضل جماله على جمال كل جميل كان كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وسيأتى مزيد البيان فى هذا الشأن او حضن ليوسف من شدة الشبق على حذف اللام. والشبق شدة شهوة الضراب والمرأة اذا اغتلمت واشتدت شهوتها سال دم حيضها من اكبرت المرأة اذا حاضت لانها تدخل الكبر بالحيض او امنين لتوقهن اليه كما فى الكواشى. وفى الشرعة ويستحب من اخلاق الزوجة ما قال على بن ابى طالب "خير نساؤكم العفيفة الغليمة المطيعة لزوجها" {وقطعن ايديهن} اى جرحنها بالسكاكين لفرط وحشتهن وخروج حركات جوارحهن عن منهج الاختيار والاعتياد حتى لم يعلمن ما فعلن أو ابنها كما فى التبيان. وقال وهب ماتت جماعة منهن كما قال المولى الجامى شعر : جوهر يك را دران ديدار ديدن تمنا شد ترنج خود بريدن نداسته ترنج از دست خود باز زدست خود بريدن كرد آغار يكى از تيغ انكشتان قلم كرد بدل حرف وفاى او رقم كرد يكى برساخت از كف صفحة سيم كشيدش جدول از سرخى حو تقويم بهر جدول روانه سيلى از خون ز حد خود نهاده باى بيرون كروهى زان زنان كف بريده زعقل وصبر وهوش ودل رميده زتيغ عشق يوسف جان نبردند ازان مجلس نرفته جاد سبردند كروهى از خرد بيكانه كشتتند زعشق آن يرى ديوانه كشتتند كروهى آمدند آخر بخود باز ولى با ددر وسوز عشق دمساز جمال يوسف آمد خمى از مى بقدر خود نصيب هركس ازوى تفسير : {وقطعن ايديهن} لدهشتهن والمدهوش لا يدرك ما يفعل ولم تقطع زليخا يديها لان حالها انتهت الى التمكين فى المحبة كاهل النهايات وحال النسوة كانت فى مقام التلوين كاهل البدايات فلكل مقام تلون وتمكن وبداية ونهاية. قال القاشانى خرج يوسف بغتة على النسوة فقطعن ايديهن لما اصابهن من الحيرة لشهود جماله والغيبة عن اوصافهن كما قيل شعر : غابت صفات القاطعات اكفها فى شاهد هو فى البرية ابدع تفسير : ولا شك ان زليخا كانت ابلغ فى محبته منهن لكنها لم تغب عن التمييز بشهود جماله لتمكن حال الشهود فى قلبها انتهى. در حقائق سلمى [مذكوراست كه حق تعالى بدين آيت مدعيان محبت را سرزنش ميكندكه مخلوقى دررؤيت مخلوقى بدان مرتبه ميرسدكه احساس الم قطع نميكند شمادر شهود بذير جمال خالق بايدكه بهرهيج كس ازبلا وعنا متألم نشويد] شعر : كربا تودمى دست دراغوش توان كرد بيداد توسهلست فراموش توان كرد تفسير : وقال فى شرح الحكم العطائية ما تجده القلوب من الهموم والاحزان يعنى عند فقدان مرادها وتشويش معتادها فلاجل ما منعت من وجود العيان اذ لو عاينت جمال الفاعل جمل عليها الم البعد كما اتفق فى قصة النسوة اللاتى قطعن ايديهن انتهى {وقلن حاش لله} [با كست خداى تعالى از صفت عجز درآ فريدن جنين مخلوقى] واصله حاشا حذفت الالف الاخيرة تخفيفا وهو حرف جر يفيد معنى التنزيه فى باب الاستثناء تقول اساء القوم حاشا زيد فوضع موضع التنزيه والبراءة فمعناه تنزيه الله وبراءة الله واللام لبيان المبرأ والمنزه كما فى سقيا لك والدليل فى وضعه موضع المصدر قراءة ابى السماك حاشاً لله بالتنوين {ما هذا بشرا} اى آدميا مثلنا لان هذا الجمال غير معهود للبشر {ان} نافية بمعنى ما {هذا الا ملك كريم} يعنى على ربه فى تفسير ابى الليث وهو من باب قصر القلب لقلبه حكم السامعين حيث اعتقدوا انه بشر لا ملك وقصرنه على الملكية مع علمهن انه بشر لانه ثبت فى النفوس لا اكمل ولا احسن خلقا من الملك يعنى ركز فى العقول من ان لاحى احسن من الملك كما ركز فيها ان لا اقبح من الشيطان ولذلك لا يزال يشبه بهما كل متناه فى الحسن والقبح وغرضهن وصفه باقصى مراتب الحسن والجمال شعر : جوديد ندش كه جز زالا كهرنيست برآمد بانك كين هذا بشر نيست نه جون آدم زآب وكل سرشتست زبالا آمده قدسى فرشتست تفسير : قال بعضهم ان من لطف الله بنا عدم رؤيتنا للملائكة على الصورة التى خلقوا عليها لانهم خلقوا على احسن صورة فلو كنا نراهم لطارت اعيننا وارواحنا لحسن صورهم ولذا ابتدئ رسول الله بالرؤيا تأنيسا له اذ القوى البشرية لا تتحمل رؤية الملك فجأة وقد رأى جبريل فى اوائل البعثة على صورته الاصلية فخر مغشيا عليه فنزل اليه فى صورة الآدميين كما فى انسان العيون. قالوا كان يوسف اذا سار فى ازقة مصريرى تلألؤ وجهه كما يرى نور الشمس من السماء عليها وكان يشبه آدم يوم خلقه ربه وكانت امه راحيل وجدته سارة جميلتين جدا شعر : جه كويم كان جه حسن ودلبرى بود كه بيرون ازحد حور وبرى بود مقدس نورى ازقيد جه وجون سر از جلباب جون آورده بيرون جون آل بيجون درين جون كرد آرام بى رو بوش كرده يوسفش نام زليخايى كه رشك حور عين بود بمغرب برده عصمت نشين بود ز خورشيد رحمش ناديده تابى كرفتار جمالش شد بخوانى تفسير : قال الكاشفى فى تفسيره الفارسى صاحب وسيط باسناد خود از جابر انصارى نقل ميكندكه حضرت رسالت صلى الله عليه وسلم فرمود كه جبرائيل بر من فرود آمد وكفت خداى تعالى ترا سلام ميرساند وميكويد حبيب من حسن روى يوسف را ازنو كرسى كنوت دادم وكسوت حين ترا ازنور عرش مقدرّر كردم وما خلقت خلقا احسن منك يوسف را جمال بود وان حضت را كمال در شهود جمال يوسف دستها بريده شد در ظهور كمال محمدى زنارها قطع يافت شعر : از حسن روى يوسف دست بريده سهلست ددباى دلبر من سرها بريده باشد تفسير : [از عايشة صديقه نقل ميكنندكه درصفت جمال حضرت رسالت بناه فرمودكه] شعر : لوائم زليخا لورأين جبينه لآثرن فى القطع القلوب على اليد زنان مصر بهنكام جلوه يوسف زروى بيخودى ازدست خويش ببريدند مقر راست كه دل باره ميكردند اكر جمال تواى نورديده ميديدند تفسير : وفى الحديث "حديث : ما بعث الله نبيا الا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم احسنهم وجها واحسنهم صوتا ". تفسير : يقول الفقير ايده الله القدير الظاهر ان بعض الانبياء مفصل على البعض فى بعض الامور وان الحسن بمعنى بياض البشرة مختص بيوسف وان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اسمر اللون لكن مع الملاحة التامة وهو لا ينافى الحسن واليه يشير قول الحافظ شعر : آن سيه جرده كه شيرينى عالم با اوست جشم ميكون لب خندان رخ خرم با اوست تفسير : وقول المولى الجامى شعر : دبير صنع نوشتست كرد عارض تو بمشكناب كه الحسن والملاحة لك تفسير : فالحسن امر والملاحة امر آخر وبالملاحة يفضل النبى عليه السلام على يوسف وعليه يحمل قول الجامى شعر : ز خوبئ توبهرجا حكايتى كفتند حديث يوسف مصرى فسانه باشد تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لى جبريل ان اردت ان تنظر من اهل الارض شبيها بيوسف فانظر الى عثمان بن عفان" وجاء "هو اشبه الناس بجدك ابراهيم وابيك محمد" تفسير : والخطاب لرقية بنت رسول الله زوجة عثمان وكانت رقية ذات جمال بارع ايضا ومن ثم كان النساء تغنيهما بقولهن احسن شيء يرى انسان رقية وبعلها عثمان وجاء فى حق رومان ام عائشة رضى الله عنها بضم الراء وفتحها "حديث : من اراد ان ينظر الى امرأة من الحور العين فلينظر الى رومان" تفسير : وفيه بيان حسنها وكونها من اهل الجنة كما لا يخفى والاشارة {وقال نسوة} صفات البشرية النفسانية من البهيمة والسبعية والشيطانية {فى المدينة} فى مدينة الجسد {امرأة العزيز} وهى الدنيا {تراود فتاها عن نفسه} تطالب عبدها وهو القلب كان عبدا للدنيا فى البداية للحجة اليها فى التربية فلما كمل القلب وصفا وصقل عن دنس البشرية واستاهل للنظر الالهى فتجلى له الرب تعالى فتنور القلب بنور جماله وجلاله احتاج اليه كل شيء وسجد له حتى الدنيا {قد شغفها حبا} اى احبته الدنيا غاية الحب لما ترى عليه آثار جمال الحق ولما لم يكن لنسوة صفات البشرية اطلاع على جمال يوسف القلب كن يلمن الدنيا على محبته فقلن {انا لنراها فى ضلال مبين فلما سمعت} زليخا الدنيا {بمكرهن} فى ملامتها {ارسلت} الى الصفات وهيأت اطعمة مناسبة لكل صفة منها {وآتت كل واحدة منهن سكينا} سكين الذكر {وقالت} زليخا الدنيا ليوسف القلب {اخرج عليهن} وهو اشارة الى غلبات احوال القلب على الصفات البشرية {فلما رأينه} فلما وقفن على جماله وكماله {اكبرنه} اكبرن جماله ان يكون جمال البشر {وقطعن ايديهن} بسكين الذكر عن تعلق ما سوى الله {وقلن حاش لله ما هذا بشرا} اى جمال بشر {ان هذا الا} جمال {ملك كريم} وهو الله تعالى بقراءة من قرأ ملك بكسر اللام
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (نسوة): اسم جمع لامرأة. وتأنيثه غير حقيقي، ولذلك جرد فعله من التاء. و(في المدينة) متعلق بقال، أي: أشعن الخبر في المدينة، أو: صفة لنسوة، فيتعلق بالاستقرار. و(حباً): تمييز. و(حاشَ لله): قال أبو علي الفارسي: هي هنا فعل، والدليل على ذلك من وجهين، أحدهما: أنها دخلت على لام الجر، ولا يدخل حرف على حرف. والآخر: أنها حذف منها الألف، على قراءة الجماعة، والحروف لا يحذف منها شيء، وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل، والفاعل بحاش ضميرُ يوسف، أي: بعد يوسف عن الفاحشة لخوف الله. وقال الزمخشري: حاش، وضع موضع المصدر، كأنه قال: تنزيهاً لله. وحذف منه التنوين؛ مراعاة لأصله من الحرفية. وقال البيضاوي: هو حرف يفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء، فوضع موضع التنزيه. واللام للبيان، كما في قولك: سقيا لك. هـ. و(ليكونن): نون التوكيد الخفيفة كتبت بالألف؛ لشبهها بالتنوين. يقول الحق جل جلاله: {وقال نسوة في المدينة}: مصر، وكانوا خمساً: زوجة الحاجب، والساقي، والخباز، والسجان، وصاحب الدواب. قلن: {امرأةُ العزيزُ تُراودُ فتاها}: خادمها {عن نفسه} أي: تطلب مواقعه غلامهِا إياها، {قد شَغَفَها حُبَّاً}؛ قد دخل شغاف قلبها حُبُّه، وهو غلافه، {إنا لنراها في ضلالٍ مبين}؛ في خطأ عن الرشد بيِّن ظاهر. {فلما سمعتْ بمكرهنّ}؛ باغتيابهن. وسماه مكراً؛ لأنهن أخفينَه كما يخفي الماكر مكره. وقيل: كانت اسْتَكتَمَتهن سرها فأفشينه. فلما بلغها إفشاؤه {أرسلتْ إليهن} تدعوهن. قيل: دعت أربعين امرأة فيهن الخمس. {وأعتدتْ}: أعدت {لهن مُتكأ}؛ ما يتكئن عليه من الوسائد ونحوها. وقيل: المتكأ: طعام، فإنهم كانوا يتكئون للطعام عند أكله، وقرئ في الشاذ: "مَتْكاً"، بسكون التاء وتنوين الكاف، وهو الأترج. {وآتتْ كل واحدةٍ منهن سكّيناً} ليقطعن به. وهذا يدل على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج. وقيل: كان لحماً. {قالت اخْرُجْ عليهن}، فأسعفها؛ لأنه كان مملوك زوجها، فخرج عليهن، {فلما رأينه أكْبَرْنَهُ}: عظمن شأنه وجماله الباهر، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : رأيتُ يُوسفَ لَيلَةَ المعراج كالقَمَر لَيلَةَ البَدْرِ" تفسير : .وقيل: كان يُرى تلألؤ وجهه على الجدران. {وقطّعن أيديَهُنَّ}، جرحنها بالسكين؛ لفرط الدهشة، اشتغلن بالنظر إليه، وبُهتْن من جماله حتى قطعن أيديهن، وهُنَّ لا يشعرن، كما يقطع الطعام. {وقُلْنَ حاشَ لله}؛ تنزيهاً له عن صفات العجز عن أن يخلق مثله. أو تنزيهاً له أن يجعل هذا بشراً. اعتقدوا أن الكمال خصاص بالملائكة، وكونه في البشر في حيز المحال، أو تعجباً من قدرته على خلق مثله. {ما هذا بشراً}؛ لأن هذا الجمال غير معهود للبشر. {إن هذا إلا مَلَكٌ كَريمُ} على الله؛ لأن الجمع بين الجمال الرائق، والكمال الفائق، والعصمة البالغة، من خواص الملائكة. {قالت} لهن: {فذلِكُنَّ الذي لُمتنَّني فيه}؛ توبيخاً لهن على اللوم، أي: فهو ذلك الغلام الكنعاني، الذي لمتنني في الافتتان به قبل أن ترونه. ولو كنتن رَأَيْتُنَّهُ لعذرتُنَّنِي، {ولقد راودتُه عن نفسه فاستعصم}: فامتنع طلباً للعصمة. أقرت لهن حين عرفت أنهن يعذرنها؛ كي يعاونها على إلانة عريكته، {ولئن لم يفعلْ ما آمُرُهُ} به {ليُسَبِّحنَ وليكونا من الصاغرين} الأذلاء، وهو من صِغَر، بالكسر يَصغَر صغاراً. فقلن له: أطع مولاتك. {قال ربّ السجنُ أحبُّ إليَّ مما يدعونني إليه} من فعل الفاحشة؛ بالنظر إلى العاقبة. وإن كان مما تشتهيه النفس. لكن رُبَّ شَهوةَ ساعة أورَثَتْ حُزْناً طويلاً. قيل: إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا، وإنما كان اللائق به أن يسأل الله العافية، فالاختيار لنفسه أوقعه في السجن، ولو ترك الاختيار لكان معصوماً من غير امتحان بالسجن، كما كان معصوماً وقت المراودة، {وإلا تَصْرِف عني}: وإن لم تصرف عني {كيدَهُنَّ} من تحبيب ذلك إليَّ، وتحسينه عندي بالتثبيت على العصمة، {أَصْبُ إليهن}؛ أًمِلْ إلى جانبهن بطبعي ومقتضى شهوتي، {وأكن من الجاهلين}؛ من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه، فإن الحكيم لا يفعل ما هو قبيح. أو من الذين لا يعملون بما يعلمون، فإنهم جهال، وكلامه هذا: تضرع إلى الله تعالى، واستغاثة به. {فاستجاب له ربه}: أجاب دعاءه الذي تضمنه كلامه، {فصرفَ عنه كيدهنَّ} حيث ثبته على العصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن، وآثرها على اللذة الفانية؛ {إنه هو السميعُ} لدعاء الملتجئين إليه، {العليم} بإخلاصهم أو بما يصلح بهم. الإشارة: الحب إذا كان على ظاهر القلب، ولم يخرق شغافه، كان العبد مع دنياه، وآخرته، بين ذكر، وغفلة. فإذا دخل سويداء القلب، وخرق شغافه نسي العبد دنياه وأخراه، وغاب عن نفسه وهواه، وضل في محبة مولاه. ولذلك قيل لعاشقة يوسف: {إنا لنراها في ضلال مبين} أي: في استغراق في المحبة حتى ضل عنها ما دون محبوبها. ومنه قوله تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}تفسير : [الضحى: 7] أي: وجدك ضالاً في محبته، فهداك إلى حضرى مشاهدته ومقام قربه، فكان قاب قوسين أو أدنى. وعلامة ودخول المحبة شغاف القلب أربعة أشياء: الاستيحاش، والإيناس، وذكر الحبيب مع الأنفاس، وحضوره مع الحواضر والوسواس. وأنشدوا: شعر : تَاللَّهِ مَا طَلَعت شَمسٌ ولا غربت إلاَّ وَذكْرُكَ مَقرُونٌ بِأَنفَاسِي وَلاَ جَلَسْتُ إلى قوْمٍ أُحدّثُهُم إلاَّ وأَنتَ حَدِيثِي بَينَ جُلاّسي ولا شربتُ لَذيذ الماء مِنْ ظَمَإِ إلا رَأيتُ خَيَالاً مَنكَ في الكاسِ إن كَانَ للنَّاسِ وسوَاسٌ يُوسوِسُهُم فَأَنتَ واللَّهِ وَسواسِي وخَنَّاسِي لَولا نَسيمٌ بِذكراكُم أَفيقُ بهِ لكُنتُ مُحتَرِقاً من حرِّ أَنفَاسي تفسير : وقال آخر: شعر : خَيَالُك في وَهمِي، وذَكرُكَ في فَهمِي ومَثواكَ فِي قَلبِي، فَأَين تَغِيب؟ تفسير : قوله تعالى: {فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن...} الآية: أدهشتهم طلعة يوسف، وجماله الباهر، وزليخا لما استمرت معه لم تفعل شيئاً من ذلك. كذلك المريد إذا استشرف على أنوارالحضرة وجمالها، أدهشته وحيرته، فلولا التأييد الإلهي ما أطاقها، فإذا صبر على صدماتها، واستمر مع تجليات أنوارها ذهب دهشه. واطمأن قلبه بشهود محبوبه من وراء أردية العز والكبرياء، وهذه هي الطمأنينة الكبرى والسعادة العظمى. وقوله تعالى: {قال رب السجن أحب إليَّ}، هكذا ينبغي للعبد أن يكون؛ يختار ما يبقى على ما يفنى؛ فرب شهوة ساعة أورثت حزناً، ورب صبر ساعة أورثت نعيماً جزيلاً. وبالله التوفيق. ثم ذكر سجن يوسف، وما يتبعه من إخراجه، وتمليكه، وتمكينه، فقال: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى انه {قال نسوة في المدينة} التي كان فيها الملك وزوجته ويوسف إن امرأة العزيز تطلب فتاها عن نفسه، والعزيز المنيع بقدرته عن ان يضام في أمره وسمي بذلك لانه كان ملكاً ممتنعا بملكه واتساع قدرته قال أبو داود: شعر : درة غاص عليها تاجر حليت عند عزيز يوم ظل تفسير : والفتى الغلام الشاب والمرأة فتاة قال الشاعر: شعر : كأنا يوم فريّ انما يقتل ايانا قتلنا منهم كل فتى ابيض حسانا تفسير : ومعنى {شغفها حباً} بلغ الحب شغاف قلبها، وهو داخله. وقوله {إنا لنراها في ضلال مبين} معناه إِنا لنعلمها في عدول عن طريق الرشد، فعابوها بذلك وذلك ان تصير الى ما يذهلها ويبلغ صميم قلبها بحب إنسان. وإنما حذف حرف التأنيث في قوله {وقال نسوة} لانه تأنيث جمع قدم عليه الفعل، وتأنيث الجمع تأنيث لفظ يبطل تأنيث المعنى، لانه لا يجتمع في اسم واحد تأنيثان، وكما يبطل تذكير المعنى في رجال، فاذا صار كذلك جاز فيه وجهان، ان حمل على اللفظ انث، وان حمل على المعنى ذكر. وقيل في معنى الشغاف ثلاثة اوجه: شغاف القلب غلافه، وهو جلدة عليه تقول دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب - في قول السدي وابي عبيدة - الثاني - قال الحسن: هو باطن القلب. الثالث - قال ابو علي الجبائي: هو وسط القلب قال النابغة: شعر : وقد حال همّ دون ذلك داخل مكان الشغاف تبتغيه الاصابع تفسير : وروي شعفها بالعين اي ذهب بها الحب كل مذهب من شعف الجبال وهي رؤسها قال امرؤ القيس: شعر : اتقتلني وقد شعفت فؤادها كما شغف المهنؤة الرجل الطالي تفسير : قال ابو زيد هما مختلفان فالشعف بالعين في البغض وبالغين في الحب.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ نِسْوَةٌ} اتى بالفعل بدون التّاء مع نسبته الى المؤنثّ الحقيقىّ الغير المفصول نظراً الى صورة الجمع المكسّر؛ على ان يكون جمعاً للنّساء الّذى هو جمع للمرأة وقيل: النّسوة بكسر النّون وضمّها والنّساء والنّسوان والنّسون بكسرهنّ كلّها اسم جمع للمرأة، وقيل: كلّها جمع لا واحد لها من لفظها واسقاط التّاء للاشعار بانّهنّ كنّ موصوفاتٍ بخصال الرّجال لافتتانهن بجمال يوسف (ع) حين مشاهدتهنّ ايّاه، وقيل: كنّ اربعاً او خمساً او اربع عشرة وقيل: صارت القضيّة منتشرة بين نساء مصر حتّى انّ اكثر النّساء كنّ يتحدّثن بها {فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ} تعييراً لها بافتتانها بعبدٍ مملوكٍ لها وكانّهنّ كنّ مفتتناتٍ به وكنّ يردن بذلك ان يخرجه العزيز من داره لعلهنّ يرينه بسبب ذلك ولذلك سمّاه مكراً فيما يأتى {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} احاط بها من الشّغاف بمعنى الغلاف يعنى اعميها واصمّها بحيث لا تبصر معايب المراودة ولا تسمعها ممّن يعيبها لانّها كانت كلّما تسمع الملامة يزداد عشقها ويشتدّ التهاب شوقها كما قيل: شعر : نسا زد عشق را كنج سلامت خوشا رسوائى كوى ملامت ملامت شحنه بازار عشق است ملامت صيقل زنكار عشق است تفسير : او وصل الى باطنها بحث ملأ جميع اركانها من شغاف القلب بمعنى باطنها او وصل من باطن قلبها الى ظاهره فأحاط به من شغاف القلب بمعنى غشائه المحيط به. بيان مراتب القلب اعلم، انّ اهل الله المكاشفين قالوا: انّ القلب تارة يطلق على معنى يشمل اللّحمة المودعة فى أيسر الصّدر وتارة على مراتب الرّوح المتعلّق به وبهذا المعنى يقال: للقلب اطوار سبعة اوّلها الصّدر وهو محلّ نور الاسلام وظلمة الكفر كما فى الكتاب الآلهىّ، وثانيها القلب وهو محلّ الايمان {أية : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} تفسير : [المجادلة:22] {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات:14]، وثالثها الشّغاف وهو محلّ المحبّة الانسانيّة المتعلّقة بالخلق قد شغفها حبّاً، ورابعها الفؤاد هو محلّ المشاهدة للانوار الغيبيّة {أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} تفسير : [النجم:11] وخامسها حبّة القلب وهى محلّ المحبّة الآلهيّة، وسادسها سويداء القلب وهى محلّ المكاشفات والعلوم الدّينيّة، وسابعها مهجة القلب وهى محلّ تجلّى الله بأسمائه وصفاته {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. لانّها كانت قد خرجت من جادّة العقل وسهّلت على نفسها الشّين والعار اختارت عشق مملوكٍ لها لا يلتفت اليها.
الأعقم
تفسير : {وقال نسوة} جماعة من النساء وكنّ خمساً {امرأةُ العزيز} يريد قطفير والعزيز الملك بلسان العرب {تراود فتاها} غلامها {عن نفسه قد شغفها حباً} وصل إلى الفؤاد وهو حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب {إنَّا لنراها في ضلال مبين} يعني في خطأ وبعدٍ عن طريق الصواب {فلما سمعت} راعيل {بمكرهنّ} بقولهنّ {أرسلت إليهنَّ}، قيل: أرادت إبلاغ عذرها، وقيل: أرادت إيقاعهن فيما وقعت فيه، قال وهب: اتخذت مائدة ودعت أربعين امرأة منهنَّ {وأعتدت} أي أعدت {لهنَّ متكئا} أي مجلساً وما يتكأ عليه من النمارق والوسائد {وآتت كل واحدة منهن سكيناً} لقطع الفواكه {وقالت اخرج عليهنَّ} وكانت أجلسته غير مجلسهنّ فأمرته بالخروج إما للخدمة أو للسلام {فلما رأينه أكبرنَهُ} أي عظّمنه وكان (عليه السلام) كالقمر ليلة البدر {وقطّعن أيديهن} بتلك السكاكين وهنَّ يحسبن أنها الأترج والفواكه، وقيل: جرحنَّ أيديهنّ، وقيل: ما أحسسن إلاَّ بالدم {وقلن حاشَ لله} أي برأه الله سبحانه من كل سوء أن يكون هذا بشراً {إن هذا إلا ملك كريم} {قالت} يعني امرأة العزيز قالت: {فذلكنَّ الذي لمتُنَّني فيه} أي في حبي إياه ثم إنها أقرت على نفسها واعترفت ببراءة يوسف فقالت: {ولقد راودته عن نفسه} أي أردت منه الفاحشة {فاستعصم} أي امتنع بالله وسأله العصمة {ولئن لم يفعل ما آمره} أي إن لم يطعني فيما دعوته إليه {ليسجنن وليكوناً من الصاغرين} وذلك إنهنَّ زيّن له مطاوعتها، وقلن له: إياك وإلقاء نفسك في السجن والصغار فالتجأ إلى ربه {قال رب} نزول {السجن أحب إليّ} من ركوب المعصية قال جار الله: فإن قلت نزول السجن مشقة على النفس شديدة وما دعته اليه لذة عظيمة فكيف كانت أحب إليه وأثر عنده، قلت: نظر إلى حسن الصبر في احتمالها لوجه الله وفي قبح المعصية {وإلاّ تصرف عني} أي تصرف عني بإلطافك وصنعك {كيدهنَّ} أي حيلتهن وهو إظهار المحاسن والتزين بالزينة {أصب اليهن} أميل اليهنَّ لأنهنَّ راودنه وقلن له: أطع مولاتك {وأكن من الجاهلين} من الذين لا يعملون بما يعلمون {فاستجاب له ربه} يعني فعل له ما شاءه وأجابه {فصرف عنه كيدهنَّ} حيلتهن {إنه هو السميع العليم} {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات} أي عاينوا، قيل: أراد العلامات والمعنى بدا لهم أي أظهر لهم رأي {ليسجننَّه} وذلك أنها قالت لزوجها: إن هذا العبد فضحني ولا أقدر على الاعتذار فإما أن تحبسه، أو تأمرني بحبسه، أو تأذن لي بحبسه {حتى حين} أي إلى وقت، قيل: سبع سنين، وقيل: عشر.
الهواري
تفسير : قوله: { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ امْرَأَتُ العَزِيزِ} يعني غير الملِك {تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ}، أي: غلامها { قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} قال الحسن: قد بطنها حبه؛ وكان يقرأها: قد شعفها حُبّاً. وقال والشغف أن تكون مشغوفاً به. وقال بعضهم: قد شغفها، أي: ملأها حبه. وقال الكلبي: قد شغفها حباً، والشغاف حجاب القلب [وقال مجاهد: أي: دخل حبه في شغافها]. والعامة على شغفها. وبعضهم يقرأها: قد شعفها. قال الكلبي: والنسوة امرأة صاحب السجن، وامرأة ساقي الملك، وامرأة أمير الخبازين، وامرأة صاحب الدواب. والعزيز كان دون الملك على أمر الملك. وقوله تعالى: { إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: بيِّن. يعنين مراودتَها فتاها عن نفسه. قوله: { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} [أي: بغيبتهن] { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} [وأرادت أن توقعهن فيما وقعت فيه]... {وَأَعْتَدَتْ} أي: وأعدّت { لَهُنَّ مُتَّكَئاً}. وهي تقرأ على وجهين: مثقلة ومخففة. فمن قرأها مثقلة جعلها مجلساً وتُكَأة، وهو قول مجاهد. ومن خفّفها جعله شيئاً يحز بالسكاكين، وقال بعضهم: هو الأترج. وقال الحسن: هو طعام يحز بالسكاكين. قوله: { وَءَاتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً} أي: ليقطعن ويأكلن. { وَقَالَتِ} ليوسف { اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ}. قال: { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} أي: أعظمنه. قال الحسن: لما رأين من جماله وهيئته. وقال الكلبي: أعظمنه أن يكون من البشر. قوله: { وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي: وحززن أيديهن. قال الكلبي: لا يعقلن ما يصنعن. { وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} أي: معاذ الله { مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ} من ملائكة الله. { كَرِيمٌ} أي: على الله.
اطفيش
تفسير : {وقالَ نِسْوةٌ} اسم جمع امرأة، وضم النون لغة لبعض العرب، والتأنيث باعتبار أنه اسم لجمع غير حقيقى، ولذلك لم يقل: وقالت نسوة، وهن خمس: إمرأة الساقى، وامرأة الخباز، وقيل أمين الخبازين، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب، وقيل: أربع بإسقاط امرأة صاحب الدواب، وقيل: امرأة صاحب الملك، وامرأة صاحب ديوانه، وامرأة خبازه، وامرأة ساقيه، وامرأة السجان وهن خمس وعبارة بعضهم نسوة من أشراف مصر. {فى المدِينةِ} هى مصر، وقل: هى مدينة تسمى عين الشمس، والجار متعلق بقال، أى أشعن فى المدينة وشهَّرن، أو لمحذوف نعت نسوة {امْرأةُ العَزيزِ} قطفير والعرب تسمى الملك عزيزا {تُراوِد فتَاهَا} غلامها يوسف، والفتى فى اللغة الشاب، ولكن لما كان جل الخدمة شبابا شاع استعمال لفظ الفتى فى معنى الخادم والعبد. {قَدْ شَغَفَها حُبّاً} تمييزا محول عن الفاعل، أى شغفها حبه، أى دخل حبه شغاف قلبها، أى غلاف قلبها، وهو حجابه، وشق حتى وصل قلبها. قال بعضهم: شغاف القلب جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب كالجلدة الملتصقة بالكبد، وذلك أشهر، وقيل: الشغاف داء يصل القلب، فمعنى شغفها وصل قلبها ذلك الداء المسمى شغافا منه، وقال الكلبى: حجب حبه قلبها حتى لا تعقل شيئا سواه، وهو بمنزلة قول بعضهم: إن المعنى أن حبه أحاط بقلبها إحاطة الشغاف بالقلب وهو غلافه. وقال عكرمة، ومجاهد: دخل حبه شغاف قلبها، وقال الحسن: لوصل الحب شغاف قلبها لماتت، ولكن الشغاف الجلدة اللاصقة بالكيد، وهى جلدة بيضاء، لصق حبه بقلبها التصاق الجلدة بالكبد، ويناسبه ما روى عن الضحاك: إن المعنى هلكت عليه حبا، بأن يريد أنه شبه شدة حبها بوصول الحب الشغاف فى التأدية إلى الموت، وقيل: المعنى خالط جميع بدنها ظاهرا وباطنا لحملها وعرقها وعظمها، وقيل: الشغاف الدماغ، وقيل وسط القلب، وقيل: مكان الروح، وقرئ بالعين المهملة من شعف البعير إذا طلاه بالقطران فأحرقه بالقطران. {إنَّ لنَراهَا فى ضَلالٍ مُبينٍ} فى خطأ عن الصواب، خطأ واضح عكس ما يجب على أمثالها من العفاف والستر وتحرّت الرشد حيث راودت فتاها عن نفسه.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ نِسْوَةٌ} المشهور ـ وإليه ذهب أبو حيان ـ أنه جمع تكسير للقلة كصبية وغلمة، وليس له واحد من لفظه بل من معناه وهو امرأة. وزعم ابن السراج أنه اسم جمع، وعلى كل فتأنيثه غير حقيقي ولا التفات إلى كون ذلك المفرد مؤنثاً حقيقاً لأنه مع طرو ما عارض ذلك ليس كسائر المفردات ولذا لم يؤنث فعله، وفي نونه لغتان: الكسر وهي المشهورة والضم وبه قرأ المفضل والأعمش والسلمي كما قال القرطبـي فلا عبرة بمن أنكر ذلك، وهو إذ ذاك اسم جمع بلا خلاف، ويكسر للكثرة على نساء ونسوان، وكنّ فيما روي عن مقاتل خمساً: امرأة الخباز وامرأة الساقي وامرأة البواب وامرأة السجان وأمرأة صاحب الدواب. وروى الكلبـي أنهن كنّ أربعاً بإسقاط امرأة البواب {فِي ٱلْمَدِينَةِ} أريد بها مصر، والجار والمجرور في موضع الصفة ـ لنسوة ـ على ما استظهره بعضهم، ووصفن بذلك لأن إغاظة كلامهن بهذا الاعتبار لاتصافهن بما يقوى جانب الصدق أكثر فإن كلام البدويات لبعدهن عن مظان الاجتماع والاطلاع على حقيقة أحوال الحضريات القصريات لا يلتفت إلى كلامهن فلا يغيظ تلك الإغاظة، والكثير على اختيار تعلقه بقال ومعنى كون قولهن في المدينة إشاعته وإفشاؤه فيها، وتعقب بأن ذلك خلاف الظاهر. {ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ} هو في الأصل الذي يقهر ولا يقهر كأنه مأخوذ من عز أي حصل في عزاز وهي الأرض الصلبة التي يصعب وطؤها / ويطلق على الملك، ولعلهم كانوا يطلقونه إذ ذاك فيما بينهم على كل من ولاه الملك على بعض مخصوص من الولايات التي لها شأن فكان من خواصه ذوي القدر الرفيع والمحل المنيع، وهو بهذا المعنى مراد هنا لأنه أريد به قطفير، وهو في المشهور كما علمت إنما كان على خزائن الملك ـ وكان الملك الريان بن الوليد ـ وقيل: المراد به الملك، وكان قطفير ملك مصر واسكندرية، وإضافتهن لها إليه بهذا العنوان دون أن يصرحن باسمها أو اسمه ليظهر كونها من ذوات الأخطار فيكون عوناً على إشاعة الخبر بحكم أن النفوس إلى سماع أخبار ذوي الأخطار أميل، وقيل ـ وهو الأولى ـ إن ذاك لقصد المبالغة في لومها بقولهن. {تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ} أي تطلب مواقعته إياها وتتمحل في ذلك، وإيثارهن صيغة المضارع للدلالة على دوام المراودة كأنها صارت سجية لها، والفتى من الناس الطري من الشبان، وأصله فتى بالياء لقولهم في التثنية ـ وهي ترد الأشياء إلى أصولها ـ فتيان، فالفتوة على هذا شاذ، وجمعه فتية وفتيان، وقيل: إنه يائي وواوي ككنوت وكنيت، وله نظائر كثيرة، ويطلق على المملوك والخادم لما أن جل الخدمة شبان. وفي الحديث «حديث : لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي»تفسير : وأُطلق على يوسف عليه السلام هنا لأنه كان يخدمها، وقيل: لأن زوجها وهبه لها فهو مملوكها بزعم النسوة، وتعبيرهن عنه عليه السلام بذلك مضافاً إليه لا إلى العزيز لإبانة ما بينهما من التباين البين الناشيء عن الخادمية والمخدومية أو المالكية والمملوكية؛ وكل ذلك لتربية ما مر من المبالغة في اللوم فإن من لا زوج لها من النساء أو لها زوج دنىء قد تعذر في مراودة الأخدان لا سيما إذا كان فيهم علو الجناب، وأما التي لها زوج وأي زوج فمراودتها لغيره لا سيما لمن لم يكن بينها وبينه كفاءة لها وتماديها في ذلك غاية الغي ونهاية الضلال. {قَدْ شَغَفَهَا حُبّا} أي شق حبه شغاف قلبها وهو حجابه. وقيل: هو جلدة رقيقة يقال لها: لسان القلب حتى وصل إلى فؤادها، وبهذا يحصل المبالغة في وصفها بالحب له، وقيل: الشغاف سويداء القلب، فالمبالغة حينئذ ظاهرة، وإلى هذا يرجع ما روي عن الحسن من أن الشغاف باطن القلب، وما حكي عن أبـي علي من أنه وسط والفعل مفتوح الغين المعجمة عند الجمهور. وقرأ ثابت البناني بكسرها وهي لغة تميم، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وعلي بن الحسين وابنه محمد وابنه جعفر رضي الله تعالى عنهما والشعبـي وعوف الأعرابـي ـ شعفها ـ بفتح العين المهملة، وهي رواية عن قتادة وابن هرمز ومجاهد وحميد والزهري، وروي عن ثابت البناني أنه قرأ كذلك أيضاً إلا أنه كسر العين، وهو من شعف البعير إذ هنأه فأحرقه بالقطران، فالمعنى وصل حبه إلى قلبها فكاد يحترق، ومن هذا قول الأعشى: شعر : يعصى الوشاة وكان الحب آونة مما يزين للمشعوف ما صنعا تفسير : وذكر الراغب أنه من شعفة القلب وهي رأسه عند معلق النياط، ويقال: لأعلى الجبل شعفة أيضاً، وأخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس أن الشغف الحب القاتل والشعف حب دون ذلك، وأخرجا عن الشعبـي أن الشغف الحب، والشعف الجنون، وأخرجا أيضاً عن ابن زيد أن الشغف في الحب، والشعف في البغض، وهذا المعنى ممتنع الإرادة هنا على هذه القراءة، وفي كتاب «أسرار البلاغة» في فصل ترتيب الحب / أن أول مراتب الحب الهوى ثم العلاقة وهي الحب اللازم للقلب ثم الكلف وهو شدة الحب ثم العشق وهو اسم لما فضل عن المقدار المسمى بالحب ثم الشعف بالمهملة وهو احتراق القلب مع لذة يجدها، وكذلك اللوعة واللاعج ثم الشغف بالمعجمة وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب ثم الجوى وهو الهوى الباطن ثم التيم هو أن يستعبده الحب ثم التبل وهو أن يسقمه الحب ثم التدله وهو ذهاب العقل من الحب ثم الهيوم وهو أن يذهب الرجل على وجهه لغلبة الهوى عليه اهـ. ورتب بعضهم ذلك على طرز آخر والله تعالى أعلم. وأيّاً ما كان فالجملة إما خبر ثان أو حال من فاعل {تُرَاوِدُ} أو من مفعوله، والمقصود منها تكرير اللوم وتأكيد العذل ببيان اختلاف أحوالها القلبية كأحوالها القالبية، وجوز أبو البقاء كونها استئنافية فهي حينئذ على ما قيل: في موضع التعليل لدوام المراودة، وليس بذاك لأنه إن اعتبر من حيث الإنية كان مصيره إلى الاستدلال بالأخفى على الأجل، وإن اعتبر من حيث اللمية كان فيه ميل إلى تمهيد العذر من قبلها وليس المقام له، وانتصاب {حَبّاً} على التمييز وهو محول عن الفاعل إذ الأصل قد شغفها حبه كما أشير إليه. وأدغم النحويان وحمزة وهشام وابن محيصن دال {قَدْ} في شين (شغفها). {إِنَّا لَنَرَاهَا} أي نعلمها، فالرؤية قلبية واستعمالها بمعنى العلم حقيقة كاستعمالها بمعنى الإحساس بالبصر، وإذا أريد منها البصرية ثم تجوز بها عن العلمية كان أبلغ في إفادة كونها فيما صنعت من المراودة والمحبة المفرطة مستقرة {لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ} عظيم عن طريق الرشد والصواب أو سنن العقل {مُّبِينٌ} واضح لا يخفى كونه ضلالاً على أحد، أو مظهر لأمرها بين الناس، فالتنوين للتفخيم والجملة مقررة لمضمون الجملتين السابقتين المسوقتين للوم والتشنيع، وتسجيل عليها بأنها في أمرها على خطأ عظيم، وإنما لم يقلن: إنها لفي ضلال مبين إشعاراً كما قيل: بأن ذلك الحكم غير صادر منهن مجازفة بل عن علم ورأي مع التلويح بأنهن متنزهات عن أمثال ما هي عليه، وصح اللوم على الشغف قيل: لأنه اختياري باعتبار مباديه كما يشير إليه قوله:شعر : مازحته فعشقته والعشق أوله مزاح تفسير : </td></tr> </table> وإلا فما ليس باختياري لا ينبغي اللوم عليه كما أشار إليه البوصيري بقوله: شعر : يا لائمي في الهوى العذري معذرة مني إليك ولو أنصفت لم تلم تفسير : وقيل: اللوم عليه باعتبار الاسترسال معه وترك علاجه فإنهم صرحوا بأن ذلك من جملة الإدواء، وذكروا له من المعالجة ما ذكروا، ومن أحسن ما ذكر له من ذلك تذكر مساوي المحبوب والتفكر في عواقبه فقد قيل: شعر : لو فكر العاشق في منتهى حسن الذي يسبيه لم يسبه تفسير : وتمام الكلام في هذ المقام يطلب في محله.
ابن عاشور
تفسير : النسوة: اسم جمع امرأة لا مفرد له، وهو اسم جمع قِلة مثله نساء. وتقدم في قوله تعالى: { أية : ونساءَنا ونساءَكم } تفسير : في سورة آل عمران (61). وقوله: {في المدينة} صفة لنسوة. والمقصود من ذكر هذه الصفة أنهن كنّ متفرقات في ديار من المدينة. وهذه المدينة هي قاعدة مصر السفلى وهي مدينة (مَنْفِيسْ) حيث كان قصر العزيز، فنقل الخبر في بيوت المتصلين ببيت العزيز. وقيل: إن امرأة العزيز باحت بالسر لبعض خلائلها فأفشينه كأنّها أرادت التشاور معهن، أو أرادت الارتياح بالحديث إليهن (ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره). وهذا الذي يقتضيه قوله: { أية : وأعْتَدت لهن متكئاً } تفسير : [سورة يوسف: 31] وقوله: { أية : ولئن لم يفعل } تفسير : [سورة يوسف: 32]. والفتى: الذي في سنّ الشباب، ويكنى به عن المملوك وعن الخادم كما يكنى بالغلام والجارية وهو المراد هنا. وإضافته إلى ضمير {امرأة العزيز} لأنه غلام زوجها فهو غلام لها بالتبع ما دامت زوجة لمالكه. وشَغَف: فعل مشتق من اسم جامد، وهو الشِغاف ـــ بكسر الشين المعجمة ـــ وهو غلاف القلب. وهذا الفعل مثل كَبَدهُ ورآهُ وجَبَهه، إذا أصاب كَبده ورئته وجَبهته. والضمير المستتر في {شغفها} لـــ {فتاها}. ولما فيه من الإجمال جيء بالتمييز للنسبة بقوله: {حبّا}. وأصله شغفها حبه، أي أصاب حبه شغافها، أي اخترق الشغاف فبلغ القلب، كناية عن التمكن. وتذكير الفعل في {وقال نسوة} لأن الفعل المسند إلى ألفاظ الجموع غير الجمع المذكر السالِم يجوز تجريده من التاء باعتبار الجمع، وقرنه بالتاء باعتبار الجماعة مثل { أية : وجاءت سيارة } تفسير : [سورة يوسف: 19]. وأما الهاء التي في آخر {نسوة} فليست علامة تأنيث بل هي هاء فِعلة جمع تكسير، مثل صبية وغلمة. وقد تقدم وجه تسمية الذي اشترى يوسف ـــ عليه السّلام ـــ باسم العزيز عند قوله تعالى: { أية : وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته } تفسير : [سورة يوسف: 21]. وتقدم ذكر اسمه واسمها في العربية وفي العبرانية. ومجيء {تراود} بصيغة المضارع مع كون المراودة مضت لقصد استحضار الحالة العجيبة لقصد الإنكار عليها في أنفسهن ولومها على صنيعها. ونظيره في استحضار الحالة قوله تعالى: { أية : يجادلنا في قوم لوط } تفسير : [سورة هود: 74]. وجملة {قد شغفها حباً} في موضع التعليل لجملة {تراود فتاها}. وجملة {إنا لنراها في ضلال مبين} استئناف ابتدائي لإظهار اللوم والإنكار عليها. والتأكيد بـــ (إنّ) واللام لتحقيق اعتقادهِن ذلك، وإبعاداً لتهمتهن بأنهن يحسدنها على ذلك الفتى. والضلال هنا: مخالفة طريق الصواب، أي هي مفتونة العقل بحب هذا الفتى، وليس المراد الضلال الديني. وهذا كقوله تعالى آنفاً: { أية : إن أبانا لفي ضلال مبين } تفسير : [سورة يوسف: 8].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: في المدينة: أي عاصمة مصر يومئذ. تراود فتاها: أي عبدها الكنعاني. قد شغفها حبا: أي دخل حبّه شغاف قلبها أي أحاط بقلبها فتملكه عليها. إنا لنراها في ضلال مبين: أي في خطأ بيّن بسبب حبها إياه. فلما سمعت بمكرهن: أي بما تحدثن به عنها في غيبتها. وأعتدت لهن متكئا: أي وأعدت لهن فراشا ووسائد للاتكاء عليها. أكبرنه: أي أعظمنه في نفوسهن. فذلك الذي لمتنني فيه: أي قلتن كيف تحب عبداً كنعانياً. فاستعصم: أي امتنع مستمسكا بعفته وطهارته. الصاغرين: الذليلين المهانين. أصب إليهن: أمل إليهن. وأكن من الجاهلين: أي المذنبين إذ لا يذنب إلا من جهل قدرة الله واطلاعه عليه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في قصة يوسف إنه بعد الحكم الذي أصدره شاهد يوسف عليه السلام انتقل الخبر إلى نساء بعض الوزراء فاجتمعن في بيت إحداهن وتحدثن بما هو لوم لامرأة العزيز حيث راودت عبداً لها كنعانياً عن نفسه وهو ما أخبر تعالى عنه في الآيات الآتية قال تعالى {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ} أي عاصمة مصر يومئذ {ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا} أي عبدها {عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} أي قد بلغ حبها إياه شغاف قلبها أي غشاءه. {إِنَّا لَنَرَاهَا} أي نظنها {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي خطأ واضح: إذ كيف تحب عبداً وهي من هي في شرفها وعلّو مكانتها. قوله تعالى {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} أي ما تحدثن به في غيبتها {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً} أي فقابلت مكرهن بمكر أعظم منه فأعدت لهن حفلة طعام وشراب فلما أخذن في الأكل يقطعن بالسكاكين الفواكه كالأترج وغيره أمرته أن يخرج عليهن ليرينه فيعجبن برؤيته فيذهلن عن أنفسهن ويقطعن أيديهن بدل الفاكهة التي يقطعنها للأكل وبذلك تكون قد دفعت عن نفسها المعرة والملامة، وهذا ما جاء في قوله تعالى {وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً} أي إنسان من الناس. {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ} أي ما هذا إلا ملك {كَرِيمٌ} وذلك لجماله وما وهبه الله تعالى من حسن وجمال في خلقه وخلقه. وهنا قالت ما أخبر تعالى به في قوله {قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} أي هذا هو الفتي الجميل الذي لمتنني في حبه ومراودته عن نفسه {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ} أي راودته فعلا وامتنع عن إجابتي. {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ} أي به مما أريده منه {لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} أي الذليلين المهانين. وهكذا أسمعته تهديدها أمام النسوة المعجبات به. ومن هنا فزع يوسف إلى ربّه ليخلصه من مكر هذه المرأة وكيدها فقال ما أخبر تعالى به عنه {قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} أي يا رب فلذا عد كلامه هذا سؤالاً لربه ودعاء السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه من الإِثم، {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} أي كيد النسوة {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} أي أَمِلْ إليهن {وَأَكُن} أي بفعل ذلك {مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أي الآثمين بارتكاب معصيتك. وهذا ما لا أريده وهو مافررت منه {فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ} أي أجابه في دعائه وصرف عنه كيدهن إنه تعالى هو السميع لأقوال عباده ودُعَاءِ عبده وصفيه يوسف عليه السلام العليم بأحوال وأعمال عباده ومنهم عبده يوسف. ولذا استجاب له فطمأنه وأذهب الألم ألم الخوف من نفسه، وله الحمد والمنة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان طبيعة الإِنسان في حب الاطلاع وتتبع الأخبار. 2- رغبة الإِنسان في الثأر لكرامته، وما يحميه من دم أو مال أو عرض. 3- ضعف النساء أمام الرجال، وعدم قدرتهن على التحمل كالرجال. 4- إيثار يوسف عليه السلام السجن على معصية الله تعالى وهذه مظاهر الصديقية. 5- الجهل بالله تعالى وبأسمائه وصفاته ووعده ووعيده وشرعه هو سبب كل الجرائم في الأرض.
القطان
تفسير : فتاها: عبدها. قد شغفها حبا: شق شغاف قلبها، والشغاف: حجاب القلب الذي يغشّيه. وأعتدت لهن متكأ: وهيأت لهن مجلسا مريحا فاخرا. وأكبرنه: أعظمنه ودُهِشْنَ من جماله. وقطّعن ايديهنّ: جرحن أيديهن من فرط الدهش. حاش لله: تنزيها له. استعصم: عفّ وامتنع عن المعصية. أصبُ اليهن: أمِلْ اليهن. شاع نبأ حادثة امرأة العزيز وفتاها في ارجاء المدينة، ولاكته افواه النساء، وشرعن يَلُمْنها على فعلتها. وبلغ ذلك امرأةَ العزيز فأخذت تكيد لهن حتى يَعْذُرنها. وهكذا ارسلت الدعوة الى طائفة من نساء عليه القوم، وأعدّت لهن مجلساً من الوسائد والنمارق وقدّمت اليهن طعاماً، وأعطت كلاً منهن سكّينا تقشر بها الفاكهة. وحين اتخذْن مجالسهن قالت ليوسف: اخرج عليهن. فلما رأينه بهرنّ جماله، وألهاهن عن تقطيع الطعام والفاكهة، وجرحن أيديهن من فرط الدهشة والذهول، واعلنَّ إكبارَهن لذلك الجمال، حتى قلن: {حَاشَ للَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}. حنيئذ باحت لهن امرأة العزيز بحبها ليوسف، وقالت: إن هذا الفتى الذي بهركنّ حُسنه، هو الذي لمتَّنني في شأنه، {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} وحاولت إغراءه، لكنه امتنع وعف، {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} وان لم يقبل فانه سيُسجن ويكون من الاذلة المقهورين. ولما سمع يوسف هذا التهديد والوعيد قال: يا رب، السجنُ احبُّ الى نفسي مما يطلبنه مني، وان لم تُبعِدْ عنّي شرَّهن، أمِلْ الى موافقتِهن، وأقعْ في شباك مكرهنّ، {وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ} الذين تستخفُّهم الاهواء والشهوات. فاستجاب له ربه، فصرف عنه شرّ مكرهن، انه هو السميع لدعاء من تضرّع اليه، العليم بصدق إيمانه. {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ}. ولما فشت الفضحية في الناس، رأى العزيز ان يصدَع لأمر زوجته ويسجنه، وبذلك يكفّ ألسنةَ الناس عنه وعن زوجته ويخلُص من العار. كانت الدلائل كلها تشير الى براءة يوسف وعفته وطهارته، ولكن امرأة العزيز المتغطرسة أمرت بالسجن، وزوجها نفّذ ذلك. قراءات: قرأ ابو عمرو ونافع: "حاشا" بالالف. والباقون: "حاش" بدون الف.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱمْرَأَةُ} {تُرَاوِدُ} {فَتَاهَا} {لَنَرَاهَا} {ضَلاَلٍ} (30) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ قِصَةَ يُوسُفَ مَعَ المَرْأَةِ قَدْ شَاعَ خَبَرُهَا فِي المَدِينَةِ (مِصْرَ)، حَتَّى تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَا، فَقَالَتْ نِسَاءُ الكُبَرَاءِ وَالأُمَرَاءِ يُنْكِرْنَ عَلَى امْرَأَةِ العَزِيزِ (وَهُوَ الوَزِيرُ الأَوَّلُ) فِعْلَهَا، وَيَعِبْنَ عَلَيْهَا مَسْلَكَهَا فِي مُرَاوَدَةِ غُلاَمِهَا (فَتَاهَا) وَعَبْدِهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَدَعْوَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَقُلْنَ إِنَّهُ قَدْ سَلَبَ لُبَّهَا مِنَ الحُبِّ، وَإِنَهُنَّ يَرَيْنَهَا فِي ضَلاَلٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ فِي تَصَرُّفِهِا هذا. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الشَّغَفُ هُوَ الحُبُّ القَاتِلُ، وَالشَّغَافُ هُوَ حِجَابُ القَلْبِ، أَيْ إِنَّ حُبَّهُ قَدْ مَسَّ شَغَافَ قَلْبِهَا). شَغَفَهَا حُبّاً - شَقَّ حُبُّهُ سُوَيْدَاءَ قَلْبِهَا.
الثعلبي
تفسير : {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ} يقول: شاع أمر يوسف والمرأة في مدينة مصر وتحدّثت النساء بذلك، وقلن يعني امرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب، قاله مقاتل {ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ} وهو في كلام العرب الملك، قال أبو داود: شعر : درّةٌ غاصَ عليها تاجِرٌ جُليت عند عزيز يومَ طلّ تفسير : أيّ ملك. {تُرَاوِدُ فَتَاهَا} عدّها الكنعاني عن نفسه. {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} أي أحبّها حتى دخل حبّه شغاف قلبها، وهو حجابه وغلافه. قال السدّي: الشغاف جلدة رقيقة على القلب يُقال لها: لسان القلب، تقول: دخل الحُبّ الجلد حتى أصاب القلب،قال النابغة الذبياني: شعر : وقَدْ حال هَمّ دون ذلك داخلٌ دخولَ الشِّغافِ تبتغيه الأصابعُ تفسير : وقال ابن عباس: علقها حُبّاً، الحسن: بطنها حُباً، قتادة: استبطنها حبّها إيّاه، أبو رجاء: صدقها حُبّاً، الكلبي: حجب حبّه قلبها حتى لا يعقل سواه. وقرأ أبو رجاء العطاردي والشعبي والأعرج، شعفها بالعين غير معجمة واختلفوا في معناها فقال الفرّاء: ذهب بها كلّ مذهب، وأصله من شعف الجبال وهي رؤوسها، والنخعي والضحّاك: فتنها، وذهب بها، وأصله من شعف الدابة حين تتمرّغ بذُعر، قال امرؤ القيس: شعر : أتقتلني وقد شعفتُ فؤادها كما شعف المهنوءة الرجل الطالي تفسير : ومراده: ذهب قلب امرأته كما ذهب الطالي بالإبل بالقطران يتلو بها، والإبل تخاف من ذلك ثمّ تستروح إليه، وقال الأخفش: من حبُّها، وقال محمد بن جرير: عمّها الحُب. {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}: خطاً بيّن، {فَلَمَّا سَمِعَتْ} راحيل، {بِمَكْرِهِنَّ} بقولهنّ وحديثهنّ، قال قتادة والسدّي وقال ابن إسحاق: وإنّما قلنّ ذلك مكراً بها ليَرينَ يهمّن يوسف وكان قد وصِف لهُنّ حُسنه وجماله {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} قال وهب: اتخذّت مأدبة ودعت أربعين امرأة فيهنّ هؤلاء اللائي عيّرنها، {وَأَعْتَدَتْ} وأعدّت وهو أفعلت العَتاد وهو العِدَّة، قال الله تعالى: {أية : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً}تفسير : [الكهف: 29]. {لَهُنَّ مُتَّكَئاً} مجلساً للطعام وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد، يُقال: ألقى له مُتّكأً أيّ ما يُتّكأ عليه، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة. وقال سعيد بن جُبير والحسن وقتادة وأبي إسحاق وابن زيد: طعاماً، قال القتبيّ: والأصل فيه أنّ من دعوته إلى مطعم عندك أعددت له وسادة أو متّكأ، فسُمّي الطعام مُتّكأ على الاستعارة، يُقال: اتّكأنا عند فلان أي أكلنا، قال عدي بن زيد: شعر : فظللنا بنعمة واتّكأنا وشَربنا الحلال من قُلَلِهِ تفسير : وروي عن الحسن أنّه قال: متّكاء بالتشديد والمدّ وهي غير فصيحة، وعن الحسن: فما أظنّ بصحيحة، وقرأ مجاهد مُتّكأ خفيفة غير مهموزة، وروي ذلك عن ابن عباس. واختلفوا في معناه، فقال ابن عباس: هو الأترج، عكرمة: هو الطعام، وأبو روق عن الضحّاك: الزماوَرد، علي بن الحكم وعبيد بن حكيم، عنه: كلّ شيء يُحزّ بالسكّين فهو عند العرب المتّكأ، والمتك والبتك: القطع والعرب تُعاقب بين الباء والميم تقول سمد رأسه وسبده، وأغبطت عليه وأغمطته [لازب] ولازم قال الله تعالى:{أية : فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَامِ}تفسير : [النساء: 119]. {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَت} ليوسف {ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} وذلك أنّها قد كانت أجلسته في مجلس غير المجلس الذي هُنّ فيه جلوس، فخرج عليهنّ يوسف (عليه السلام)، قال عِكْرمة: وكان فضل يوسف على الناس في الحسن والجمال كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "مررتُ ليلة أُسري بي إلى السماء فرأيتُ يوسف، فقلت: يا جبرئيل من هذا؟ قال: هذا يوسف" قالوا: وكيف رأيته يا رسول الله، قال: "كالقمر ليلة البدر". تفسير : وعن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : هبط جبرئيل فقال: يا محمد إنّ الله تعالى يقول: كسوتُ حُسنَ يوسف من نور الكُرسي، وكسوتُ نورُ حُسن وجهك من نور عرشي ". تفسير : وروى الوليد بن مسلم عن إسحاق عن عبدالله بن أبي فروة قال: كان يوسف إذا سارَ في أزقّة مصر يُرى تلألؤ وجهه على الجُدران كما يُرى نور الشمس والماء على الجدران. {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} أي أعظمنه وأجللنه، قال أبو العالية: هالَهنّ أمره وبُهتن، وروى عبدالصمد بن علي عن عبدالله بن عباس عن أبيه عن جده ابن عباس في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} قال حضن من الفرح، ثم قال: شعر : نأتي النساء على أطهارهنّ ولا نأتي النساء إذا أكبرنَ إكباراً تفسير : وعلى هذا التأويل يكون أكبرنه بمعنى أكبرن له أي حِضن لأجله من جماله، ووجدن ما تجد النساء في مثل تلك الحال وهذا كقول عنترة: شعر : ولقد أبيتُ على الطوى وأظلّه حتى أنال به كريم المطعم تفسير : أي وأظلّ عليه. قال الأصمعي: أُنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا البيت، فقال: شعر : ما من شاعر جاهلي أحببت أن أراه دون (.............) البيت تفسير : {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}، يعني وحَزَزْنَ أيديهنّ بالسكاكين التي معهنّ وكُنّ يحسبن أنّهنّ يقطّعن الأترج، عن قتادة: قطّعن أيديهنّ حتى ألقينها، وقال مجاهد: فما أَحسسنَ إلاّ بالدم ومنهنّ لم يجدن من ألم إلاّ يُرى الدم لشغل قلوبهنّ بيوسف، قال وهب: وبلغني أنّ تسعاً من الأربعين مِتنَ في ذلك المجلس وُجْداً بيوسف. {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ} أي معاذ الله، قال أبو عبيدة: لهذه الكلمة معنيان: التنزيه الاستثناء، واختلف القُرّاء فيها فقرأت العامّة: حاشَ لله، [...] حذفوا الألف لكثرة دورها على الألسن كما حذفت العرب الألف من قولهم: لأب لغيرك ولأب لشانئِكَ، وهم يعنون لا أبَ، واختار أبو عُبيدة هذه القراءة وقال: اتّباعاً للكتاب وهو الذي عليه الجمهور الأعظم، مع إنّي قرأتها في الإمام مصحف عثمان (عليه السلام): حاشَ لله والأخرى مثلها. وقرأ أبو عمرو: حاشي لله بإثبات الياء على الأصل، وقرأ ابن مسعود حاشى الله، كقول الشاعر: شعر : حاشا أبي ثوبان إن به ضَنّا عن الملحاة والشتم تفسير : {مَا هَـٰذَا بَشَراً} نصب بنزع حرف الصفة وعلى خبر ما الجحد كما تقول: ما زيدٌ قائماً، وقرأ الأعمش: ما هذا بشرٌ بالرفع وهي لغة أهل نجد، وأنشد الفرّاء: شعر : ويزعم حسل أنه فرعُ قومه وما أنتَ فرعٌ يا حُسيل ولا أصلُ تفسير : وأنشد آخر: شعر : لشتّان ما أنوي وينوي بنو أبي جميعاً فما هذان مستويان تمنّوا ليَّ الموت الذي يشعب الفتى وكلُّ فتىً والموت يلتقيانِ تفسير : وروى الفرّاء عن دعامة بن رجاء التيمي عن أبي الحويرث الحنفي أنّه قرأ: ما هذا بِشَريّ، قال الفرّاء: يعني بمُشتري، {إِنْ هَـٰذَآ} ما هذا {إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} من الملائكة. قال الثعلبي: سمعت ابن فورك يقول: إنمّا قلن له مَلكٌ كريم لأنّه خالف ميوله وأعرض عن الدنيا وزينتها وشهوتها حين عُرِضْنَ عليه، وذلك خلاف طبائع البشر. قالت: راحيل للنسوة: {فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} أي في حُبّه وشغفي فيه، ثمّ أقرّت لهنّ فقالت: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ} أي امتنع واستعصى، فقلن له أطع مولاتك، فقالت رحيل: {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ} ولئن لم يُطاوعني فيما دعوته إليه، {لَيُسْجَنَنَّ} أحبسنّه، {وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} أي الأذلاّء ونون التوكيد تثّقل وتخفّف والوقف على قوله: {لَيُسْجَنَنَّ} بالنون لكنّها مُشدّدة. وعلى قوله: وليكوناً بالألف لأنّها مخفّفة وهي تشبه نون الإعراب في الأسماء كقولك: رأيتُ رجلا، فإذا وقفت قلت: رجلا ومثله قوله تعالى: {أية : لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ}تفسير : [العلق: 15]، ونحوه الوقف عليها بالألف كقول الأعشى: شعر : وصلّ على حين العشيّات والضُحى ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا تفسير : أي أراد فاعبدنْ، فلمّا وقف عليه كان الوقف بالألف. واختار يوسف حين عاودته المرأة في المراودة وتوعّدته، السجن على المعصية، {قَالَ رَبِّ}: يا ربّ، منادى مضاف، {ٱلسِّجْنُ} المحبس، قراءة العامّة بكسر السين على الاسم وقرأ يعقوب برفع السين على المصدرية يعني الحبس، {أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ}، ثمّ علم أنّه لا يستعصم إلاّ بعصمة الله فقال: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ} أمِلْ {إِلَيْهِنَّ} وأُبايعهن، فقال صبا فلان إلى كذا، وصبا يصبو، صبواً وصبوة، إذا مال واشتاق إليه، قال يزيد بن ضُبّة: شعر : إلى هند صبا قلبي وهندٌ مثلها يُصبي تفسير : {وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ * فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لدعائه وشكايته، {ٱلْعَلِيمُ} بمكرهنّ. {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ} أي العزيز وأصحابه، في الرأي {مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ} الدّالة على براءة يوسف، وهي قدّ القميص من دُبر وخمش في الوجه وتقطيع النسوة أيديهنّ {لَيَسْجُنُنَّهُ} قال الفرّاء: هذه اللام في اليمين وفي كلّ مضارع القول كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ}تفسير : [البقرة: 102] {أية : وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ}تفسير : [فصلت: 48] دخلتهما (اللام وما) لأنّهما في معنى القول واليمين. {حَتَّىٰ حِينٍ} يعني إلى الوقت الذي يرون فيه رأيهم. قال عِكْرمة: تسع سنين، الكلبي: خمس سنين، و(حتى) بمعنى (إلى) كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ}تفسير : [القدر: 5]، وقال السدّي: وذلك أنّ المرأة قالت لزوجها: إنّ هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم ويخبرهم أنّي راودته عن نفسه، ولستُ أُطيق أن أعتذر بعُذري، فإمّا أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وأمّا أن تحبسوه كما حبستني، فحبسه بعد علمه ببراءته، وذكر أنّ الله تعالى جعل ذلك الحبس تطهيراً ليوسف من همّته بالمرأة وتكفيراً لزلّته. قال ابن عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات: حين همّ بها فسجن، وحين قال: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ}، وحين قال لهم: {إنّكُمْ لَسارِقُوْنَ} فَقَالوا {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْل}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة "النسوة"، وكلمة "نساء" تدلُّ على الجماعة، لكن مفردَ كلٍّ منهما ساقط في اللغة، فمفرد "نسوة" امرأة؛ ومفرد "نساء" أيضاً هو "امرأة". ومن العجيب أن المفرد، وهو كلمة "امرأة" له مثنى هو "امرأتان"، لكن في صيغة الجمع لا توجد "امراءات"، وتوجد كلمة نسوة اسم لجماعة الإناث، واحدتها امرأة، وجمعها نساء. وقد قالت النسوة: {ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ..} [يوسف: 30]. وما قُلْنَه هو الحق؛ لكنهن لم يَقُلْنَ ذلك تعصباً للحق، أو تعصباً للفضيلة. وشاء سبحانه أن يدفع هذه المقالة عنهن، ففضح الهدف المختفي وراء هذا القول في الآية التالية حين قال: {أية : فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ..} تفسير : [يوسف: 31-32]. والمكر هو سَتْر شيء خلف شيء، وكأن الحق يُنبِّهنا إلى أن قول النسوة لم يكن غضبةً للحق؛ ولا تعصباً للفضيلة، ولكنه الرغبة للنِّكاية بامرأة العزيز، وفَضْحاً للضلال الذي أقامت فيه امرأة العزيز. وأردْن - أيضاً - شيئاً آخر؛ أن يُنزِلْنَ امرأة العزيز عن كبريائها، وينشرن فضيحتها، فَأتيْنَ بنقيضين؛ لا يمكن أن يتعدى الموقف فيهما إلا خسيس المنهج. فهي امرأة العزيز، أي: أرفع شخصية نسائية في المجتمع، قد نزلت عن كبريائها كزوجة لرجل يُوصَفُ بأنه الغالب الذي لا يُغلب؛ لأن كلمة "العزيز" مأخوذة من المعاني الحسية. فيُقال: "الأرض العَزَاز" أي: الأرض الصخرية التي يصعب المشي عليها، ولا يقدر أحد أنْ يطأها؛ ومن هذا المعنى جاءت كلمة "العزيز". فكيف بامرأة العزيز حين تصير مُضْغة في الأفواه؛ لأنها راودتْ فتاها وخادمها عن نفسه؛ وهو بالنسبة لها في أدنى منزلة، وتلك فضيحة مزرية مشينة. وقالت النسوة أيضاً: {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً ..} [يوسف: 30] والحب منازل؛ وأول هذه المنازل "الهوى" مثل: شقشقة النبات، ويُقال: "رأى شيئاً فهواه". وقد ينتهي هذا الهَوَى بلحظة الرؤية، فإذا تعلَّق الإنسان بما رأى؛ انتقل من الهوى إلى العَلاقة. وبعد ذلك يأتي الكلف؛ أي: تكلَّف أن يصل إلى ما يطلبه من هذه العَلاقة. ثم ينتقل بعد ذلك إلى مرتبة فيها التقاء وهي العشق، ويحدث فيها تبادل للمشاعر، ويعلن كل طرف كَلَفه؛ ولذلك يسمونه "عاشق ومعشوق". ثم ينتقل إلى مرحلة اسمها "التدليه"؛ أي: يكاد أن يفقد عقله. ثم يصير الجسم إلى هُزَال ويقال "تبلت الفؤاد" أي: تاه الإنسان في الأمر. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الهُيَام، أي: يهيم الإنسان على وجهه؛ فلا يعرف له هدفاً، فإن تبع ذلك جرم صار اسمه "جوى". تلك هي مراحل الحب التي تمر بالقلب، والقلب - كما نعلم - هو الجهاز الصنوبري، ويسمونه مَقَرّ العقائد المنتهية، والتي بحثها الإنسان واعتقدها بالفعل. فالإنسان منا يدرك الأشياء بحواسه الظاهرة، يرى ويشُمُّ ويسمع ويذوق ويلمس، فإذا أدرك بعضاً من الأمور؛ فهو يعرضها على العقل ليوازن بينها؛ ويختار الأكثر قبولاً منه، وبعد ذلك تذهب تلك الأمور المقبولة إلى القلب؛ لتستقر عقيدة فيه لا يحيد عنها. أما المسائل العقلية؛ فقد تأتي مسائل أخرى تزحزحها؛ ولذلك يُقال للأمور التي استقرت في القلب "عقائد"، أي: شيء معقود لا ينحل أبداً. وما يصل إلى هذه المرتبة يظهر أثره في إخضاع سلوك حركة الحياة عليه، وإذا ما استقر المبدأ في نفس الإنسان؛ فهو يجعل كل حركته في ظل هذا المبدأ الذي اعتقده. وهكذا نعرف: كيف تمرُّ العقيدة بعدَّة مراحل قبل أن تستقر في النفس، فالإدراك يحدث أولاً؛ ثم التعقُّل ثانياً؛ وبعد ذلك يعتقد الإنسان الأمر، ويصبح كل سلوك من بعد ذلك وِفْقاً لما اعتقده الإنسان. وكلمة: {شَغَفَهَا حُبّاً ..} [يوسف: 30]. تعني أن المشاعر انتقلتْ من إدراكها إلى عقلها إلى قلبها، والشِّغاف هو الغِشَاء الرقيق الذي يستر القلب؛ أي: أن الحب تمكَّن تماماً من قلبها. وقولهن: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 30]. هو قول حَقٍّ أُريد به باطل. ولذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك ما يفضح مَقْصِدهن: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {شَغَفَهَا حُبّاً} معناه لَزِقَ الحُبُّ بالقَلبِ.
الأندلسي
تفسير : {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ} الآية، لم تلحق تاء التأنيث لأنه جمع تكسير المؤنث ويجوز فيه الوجهان، ونسوة كما ذكرنا جمع قلة وكنّ على ما نقل خمساً امرأة خبازة وامرأة ساقية وامرأة بوابة وامرأة سجانة وامرأة صاحب دوابة في المدينة هي مصر، ومعني في المدينة أنهم أشاعوا هذا الأمر من حب امرأة العزيز ليوسف وصرحوا بإِضافتها إلى العزيز مبالغة في التشنيع لأن النفوس أميل لسماع أخبار ذوي الأخطار، وما يجري لهم وعبّرْنَ بتراود وهو المضارع الدال على أنه صار ذلك سجية لها تخادعه دائماً عن نفسه، كما تقول: زيد يعطي ويمنع. ولم يقلن: راودت فتاها، ثم نبهن على علة ديمومة المراودة وهي كونها قد شغفها حباً أي بلغ حبه شغاف قلبها الشغاف حجاب القلب وقيل سويداؤه. وقال امرؤ القيس: شعر : أتقتلني اني شغفت فؤادها كما شغف المهنوءة الرجل الطالي تفسير : وانتصب حباً على التمييز المنقول من الفاعل. والفتى: الغلام وعرفه في المملوك في الحديث لا يقل أحدكم عبدي وأمتي ليقل: فتاي وفتاتي. وقد قيل غير المملوك وأصل الفتى في اللغة الشاب ولكنه لما كان جل الخدمة شباناً استعير لهم اسم الفتى، ثم نقمْن ذلك عليها فقلت: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي بين واضح للناس. {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} روي أن تلك المقالة الصادرة عن النسوة إنما قصدن بها المكر بأمرأة العزيز ومكرهن هو اغتيابهن إياها وسوء مقالتهن فيها انها عشقت يوسف وسمي الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحال غيبة كما يخفي الماكر مكره. {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} الضمير عائد على تلك النسوة القائلة ما قلن عنها. {وَأَعْتَدَتْ} أي عدت. {لَهُنَّ مُتَّكَئاً} أي يسرت وهيأت لهن ما يتكئن عليه من النمارق والمخاد والوسائد وغير ذلك. {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً} ومعلوم أن مثل هذا المجلس لا بد فيه من طعام وشراب فيكون في جملة الطعام ما يقطع بالسكاكين فقيل كان لحماً وكانوا لا ينهشون اللحم إنما كانوا يأكلونه حزاً بالسكاكين. {وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} هذا الخطاب ليوسف عليه السلام وخروجه يدل على طواعيتها فيما لا يعصي الله فيه وفي الكلام حذف تقديره فخرج عليهن ومعنى أكبرنه أعظمنه ودهشن برؤية ذلك الجمال الفائق الرائع قيل كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء. {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي جرحنها كما تقول كنت أقطع اللحم فقطعت يدي والتضعيف للتكثير فالجرح كأنه وقع مراراً في اليد الواحدة وصاحبتها لا تشعر لما ذهلت بما راعها من جمال يوسف فكأنها غابت عن حسها والظاهر أن الأيدي هي الجوارح المسماة بهذا الاسم ولما فعلن هذه الفعل الصعب من جرح أيديهن وغلب عليهن ما رأين من يوسف وحسنه. {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ} أي حاشا يوسف أن يقارف ما رمته به ومعنى لله لطاعة الله أو لمكانته من الله أو لترفيع الله أن يرمى بما رمته به أو يذعن إلى مثله لأن تلك أفعال البشر وهو ليس منهم إنما ملك فعلى هذا تكون اللام في لله للتعليل أي جانب يوسف المعصية لأجل طاعة الله. قال الزمخشري: حاشا كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء تقول: أساء القوم حاشا زيد. شعر : قال حاشا أبي ثوبان ان به ضنا عن الملحاة والشتم تفسير : وهي حرف من حروف الجر فوضعت موضع التنزيه والبراءة فمعنى حاشا الله أي براءة الله وتنزيه الله انتهى ما ذكره من أنها تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء غير معروف عند النحويين لا فرق بين قولك قام القوم إلا زيد أو قام القوم حاشا زيد ولما مثل بقوله: أساء القوم حاشا زيد ومنهم هو من التمثيل براءة زيد من الإِساءة جعل ذلك مستفاداً منها في كل موضع وأما ما أنشده: شعر : حاشا أبي ثوبان تفسير : البيت فهكذا أنشده أيضاً أبي عطية وأكثر النحاة وهو بيت ركبوا فيه صدر بيت على عجز بيت آخر وهما من بيتين وهما: شعر : حاشا أبي ثوبان أن أبا ثوبان ليس ببكمه قدم عمرو بن عبد الله ان به ضنا عن الملحاة والشتم تفسير : {مَا هَـٰذَا بَشَراً} ولما كان غريب الجمال فائق الحسن عما عليه حسن صور الإِنسان نفين عنه البشرية وأثبتن له الملكية لما كان مركوزاً في الطباع حسن الملك وان كان لا يرى وقد نطق بذلك شعراء العرب والمحدثون قال بعض العرب: شعر : فلست لأنسى ولكن لملاك تنزل من جوّ السماء يصوب تفسير : وقال بعض المحدثين: شعر : قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة حسناً وإن قوتلوا كانوا عفاريتاً تفسير : وانتصاب بشراً على لغة الحجاز وكذا جاء ما هن أمهاتهم فما منكم من أحد عنه حاجزين ولغة تميم الرفع قال ابن عطية: ولم يقرأ به وقال الزمخشري: ومن قرأ على سليقته من بني تميم قرأ بشر بالرفع وهي قراءة ابن مسعود "انتهى". {قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} ذا اسم إشارة واللام لبعد المشار وكن خطاب لتلك النسوة والمعنى أن هذا الذي صدر منكن من الاكبار وتقطيع الأيدي ونفي البشرية عنه وإثبات الملكية له هو الذي لمتنني فيه أي في محبته ثم جعلت تتوعده مقسمة على ذلك وهو يسمع قولها. {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ} وما موصولة والضمير في ما آمره عائد على يوسف والعائد على الموصول محذوف تقديره ما آمره به أي من الموافقة فيما أريد واللام في لئن مؤذنة بقسم محذوف وجوابه. {لَيُسْجَنَنَّ} وجاءت النون المشددة لأنها آكد من المخففة ثم عطف عليه. {وَلَيَكُوناً} بالنون الخفيفة لأن الصغار أخف من السجن فقالت له النسوة أطع وافعل ما أمرتك به فقال: {رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} فاسند الفعل إليهن كلهن لما نصحن له وزين له مطاوعتها ونهينه عن إلقاء نفسه في السجن والصغار الذل فالتجأ إلى الله والتقدير دخول السجن أحب إلي وقرأ يعقوب وجماعة السجن بفتح السين وهو مصدر سجن أي حبسهم إياي في السجن أحب إلي وأحب هنا ليست على بابها من التفضيل لأنه لم يحبب ما يدعونه إليه قط وإنما هذان شران فآثر أحد الشرين على الآخر وإن كان في أحدهما مشقة وفي الآخر لذة لكن لما ترتب على تلك اللذة من معصية الله تعالى وسوء العاقبة لم يخطر له ببال ولما في الآخر من احتمال المشقة والصبر على النوائب وانتظار الفرج داعياً له في تخليصه آثره ثم ناط العصمة بالله واستسلم له كعادة الأنبياء والصالحين وأنه تعالى لا يصرف السوء إلا هو فقال. {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} أي أمل إلى ما دعونني إليه وجعل الشرط قوله: إليهن. {وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أي من الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء. وذكر استجابة الله له ولم يتقدم لفظ دعاء لأن قوله: والا تصرف عني فيه معنى طلب الصرف والدعاء وكأنه قال: رب اصرف عني كيدهن. {فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} أي حال بينه وبين المعصية. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لدعاء الملتجىء إليه. {ٱلْعَلِيمُ} بأحواله وما انطوت عليه نياته. {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ} أي ظهر والفاعل لبدا ضمير ويفسره ما يدل عليه المعنى أي بدا لهم هو أي رأى وبدا كما قال الشاعر: شعر : بدا لك من تلك القلوص بداء تفسير : هكذا قاله النحاة والمفسرون إلا من أجاز أن يكون الجملة فاعلة فإِنه زعم أن قوله ليسجننه في موضع الفاعل لبدا أي سجنه حتى حين والرد على هذا المذهب مذكور في النحو والذي أذهب إليه الفاعل ضمير يعود على السجن المفهوم من قوله ليسجنن أو من قوله السجن على قراءة الجمهور أو السجن على قراءة من قرأ بفتح السين والضمير في لهم للعزيز وأهله والآيات هي الشواهد الدالة على براءة يوسف وليسجننه جواب قسم محذوف والقسم وجوابه معمول لقول محذوف تقديره قائلين حتى حين والمعنى إلى زمان والحين يدل على مطلق الوقت ومن عين له هناز زماناً فإِنما كان ذلك باعتبار مدة سجن يوسف لا أنه موضوع في اللغة لذلك وكأنها اقترحت زماناً حتى تبصر ما يكون منه وفي سجنهم ليوسف دليل على مكيدة النساء واستنزال المرأة لزوجها ومطاوعته لها وعشقه لها وجعله زمام أمره بيدها هذا مع ظهور خيانتها وبراءة يوسف عليه السلام وروي أنه لما امتنع يوسف من المعصية ويئست منه امرأة العزيز قالت لزوجها ان هذا الغلام العبراني قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر بحسب اختياره وأنا محبوسة محجوبة فاما أذنت لي فخرجت إلى الناس فاعتذرت وكذبته وإلا حبسته كما أنا محبوسة فحينئذٍ بدا لهم سجنه قال ابن عباس: فأمر به فحمل على حمار وضرب أمامه بالطبل ونودي عليه في أسواق مصر ان يوسف العبراني أراد سيدته فهذا جزاؤه أن يسجن قال أبو صالح ما ذكر ابن عباس هذا الحديث إلا بكى. {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ} الآية في الكلام حذف تقديره فسجنوه فدخل معه فتيان روي أنهما كانا للملك الأعظم الوليد بن الريان أحدهما خبازه والآخر ساقيه واتهمهما الملك بأن الخابز منهما أراد سمه ووافقه على ذلك الساقي فسجنهما ومع تدل على الصحبة واستحداثها فدل على أنهم سجنوا الثلاثة في ساعة واحدة ولما دخل يوسف السجن استمال الناس بحسن حديثه وفضله ونبله كان يسلي حزينهم ويعود مريضهم ويسأل لفقيرهم ويهديهم إلى الخير فأحبه الفتيان ولزماه وأحبه صاحب السجن والقيم عليه وقال له كن في أي البيوت شئت وكان يوسف صلى الله عليه وسلم قال لأهل السجن إني أعبر الرؤيا وأجيد ورأى الحلمية جرت مجرى أفعال القلوب في جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متحدي المعنى فأراني فيه ضمير الفاعل المستكن وقد تعدى الفعل إلى الضمير المتصل وهو رافع الضمير المتصل وكلاهما المدلول واحد ولا يجوز أن يقول اضربني ولا أكرمني واعصر في موضع المفعول الثاني وخمراً ليس المعصور إنما عصر ما يؤول ماؤه إلى الخمر فعبر عنه بما يكون مآله إلى الخمرية نبئنا يدل على أنه كان نبأهم على أنه كان يحسن تعبير الرؤيا.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما شاع أمرهما وانتشر قصتهما بين الأنام {قَالَ نِسْوَةٌ} جماعة من النساء من صناديدهن {فِي ٱلْمَدِينَةِ} على جه التشنيع والتقريع: {ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ} تخادع وتحتال {فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ} طلباً لمواقعته إياها ومجامعته معها؛ لأنها {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} أي: دخل عن جميع شغاف قلبها وشقوقه، فصار قلبها ممتلئاً بمحبته وعشقه؛ لذلك راودته فامتنع عنها وافضحها {إِنَّا لَنَرَاهَا} بقبح فعلها وسوء صنيعها {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 30] من لحوق العار وفشو الفضيحة، سيما مع الرقيق وكسر عرض العزيز بن الأنام. {فَلَمَّا سَمِعَتْ} راعيل {بِمَكْرِهِنَّ} وغيبتهن وتخطئتهن خفية {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} قواصد؛ ليدعوهن على سبيل الضيافة {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ} اي: هيأت لكل واحدة منهم في بيتها {مُتَّكَئاً} على حدة ليتكئن عليها على ما هو عادة بلدتهم، ووضعت عند كل متكأ طبقاً من الفواكة مثل الكمثرى والتفاح وغيرهما {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ} أي: على عدد رءوسهن {سِكِّيناً} في غاية الحدة والمضاء، وبعد تهيئة أماكنهن على الوجه المذكور جئن وجلسن عليها واشتغلن بأكل الفواكه وتنقية قشورها بالسكين {وَ} بعد ذلك {قَالَتِ} راعيل ليوسف: {ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} فخرج {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} أي: كبرن الله برؤية جماله وحسنه البديع وبهائه؛ إذ يتشعشع ويلمع ضوء وجهه على الجدار مثل الشمس والقمر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : رأيت يوسف الصديق عليه السلام للة المعراج كالقمر ليلة البدر ". تفسير : ومن كمال حيرتهن على حسنه وجماله بهتن بأجمعهن {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} بالسكاكين أي: كل بسكينها {وَ} بعدما أفقن {قُلْنَ} مستبعدات مستغربات {حَاشَ لِلَّهِ} أي: تنزه ذاته أن يعجز عن خلق مثله، غير أنه {مَا هَـٰذَا} الهيكل المرأي {بَشَراً} إذ لا نرى بشراً على هذه الصورة {إِنْ هَـٰذَآ} أي: بل ما هذا المشاهد المحسوس {إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31] نجيب مجسم من الروح لا من الطين. وبعدما تفرست راعيل منهن ما تفرست من كمال الحيرة والحسرة والوله والهيمان برؤيته {قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ} أي: فهذا ذلك العبد الكنعاني {ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} أي: في مراودته والافتتان به وبمحبته {وَ} لما رأت راعيل ما رأت من نفسها بل أشد منها، أقرب عندهن ما فعلت معه؛ لتستعين منهن ويحلتن في تليين قلبه، فقالت منحسرة: {لَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} مراراً كثيرة {فَٱسَتَعْصَمَ} وأبى عن القبول من كمال عفته وعصمته {وَ} الله {لَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ} أي: ما أنا آمر به من المواقعة والمجامعة، ولمي يقبل قولي ولم يقضي حاجتي {لَيُسْجَنَنَّ} أيك ليسجننه {وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} [يوسف: 32] الذليلين المهانين، الباقين ي السجن مدة مديدة. فلما قالت راعيل ما قالت وأقسمت، التفتن بأجمعهن على إعانتها وإنجاح مرادها منه وألحن، واقترحن على يوسف بقبول قولها والإتيان بمطلوبها إلحاحاً بليغاً، بل أضمرن في أنفسهن كل منهن إتيانه عليهن بمقتضى النساء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، وتحدث به النسوة فجعلن يلمنها، ويقلن: { امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } أي: هذا أمر مستقبح، هي امرأة كبيرة القدر، وزوجها كبير القدر، ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه،.ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها مبلغا عظيما. { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه وسويداؤه، وهذا أعظم ما يكون من الحب، { إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } حيث وجدت منها هذه الحالة التي لا تنبغي منها، وهي حالة تحط قدرها وتضعه عند الناس، وكان هذا القول منهن مكرا، ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فتنت به امرأة العزيز لتحنق امرأة العزيز، وتريهن إياه ليعذرنها، ولهذا سماه مكرا، فقال: { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ } تدعوهن إلى منزلها للضيافة. { وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً } أي: محلا مهيأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة، طعام يحتاج إلى سكين، إما أترج، أو غيره، { وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا } ليقطعن فيها ذلك الطعام { وَقَالَتِ } ليوسف: { اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ } في حالة جماله وبهائه. { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } أي: أعظمنه في صدورهن، ورأين منظرا فائقا لم يشاهدن مثله، { وَقَطَّعْنَ } من الدهش { أَيْدِيَهُنَّ } بتلك السكاكين اللاتي معهن، { وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ } أي: تنزيها لله { مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ } وذلك أن يوسف أعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء، ما كان به آية للناظرين، وعبرة للمتأملين. فلما تقرر عندهن جمال يوسف الظاهر، وأعجبهن غاية، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز، شيء كثير - أرادت أن تريهن جماله الباطن بالعفة التامة فقالت معلنة لذلك ومبينة لحبه الشديد غير مبالية، ولأن اللوم انقطع عنها من النسوة: { وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } أي: امتنع وهي مقيمة على مراودته، لم تزدها مرور الأوقات إلا قلقا ومحبة وشوقا لوصاله وتوقا. ولهذا قالت له بحضرتهن: { وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ } لتلجئه بهذا الوعيد إلى حصول مقصودها منه، فعند ذلك اعتصم يوسف بربه، واستعان به على كيدهن و { قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } وهذا يدل على أن النسوة، جعلن يشرن على يوسف في مطاوعة سيدته، وجعلن يكدنه في ذلك. فاستحب السجن والعذاب الدنيوي على لذة حاضرة توجب العذاب الشديد، { وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } أي: أمل إليهن، فإني ضعيف عاجز، إن لم تدفع عني السوء، { وَأَكُنْ } إن صبوت إليهن { مِنَ الْجَاهِلِينَ } فإن هذا جهل، لأنه آثر لذة قليلة منغصة، على لذات متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، ومن آثر هذا على هذا، فمن أجهل منه؟!! فإن العلم والعقل يدعو إلى تقديم أعظم المصلحتين وأعظم اللذتين، ويؤثر ما كان محمود العاقبة. { فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ } حين دعاه { فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ } فلم تزل تراوده وتستعين عليه بما تقدر عليه من الوسائل، حتى أيسها، وصرف الله عنه كيدها، { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ } لدعاء الداعي { الْعَلِيمُ } بنيته الصالحة، وبنيته الضعيفة المقتضية لإمداده بمعونته ولطفه. فهذا ما نجى الله به يوسف من هذه الفتنة الملمة والمحنة الشديدة،.وأما أسياده فإنه لما اشتهر الخبر وبان، وصار الناس فيها بين عاذر ولائم وقادح. { بَدَا لَهُمْ } أي: ظهر لهم { مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ } الدالة على براءته، { لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ } أي: لينقطع بذلك الخبر ويتناساه الناس، فإن الشيء إذا شاع لم يزل يذكر ويشاع مع وجود أسبابه، فإذا عدمت أسبابه نسي، فرأوا أن هذا مصلحة لهم، فأدخلوه في السجن.
همام الصنعاني
تفسير : 1303- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً}: [الآية: 30]، قال: استبطنها حُبّها إياه. 1304- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ}: [الآية: 30] قال: بلغنا أنه كان يلي عملاً من أعمال الملك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):