Verse. 1627 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِہِنَّ اَرْسَلَتْ اِلَيْہِنَّ وَاَعْتَدَتْ لَہُنَّ مُتَّكَاً وَّاٰتَتْ كُلَّ وَاحِدَۃٍ مِّنْہُنَّ سِكِّيْنًا وَّقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْہِنَّ۝۰ۚ فَلَمَّا رَاَيْنَہٗۗ اَكْبَرْنَہٗ وَقَطَّعْنَ اَيْدِيَہُنَّ۝۰ۡوَقُلْنَ حَاشَ لِلہِ مَا ھٰذَا بَشَرًا۝۰ۭ اِنْ ھٰذَاۗ اِلَّا مَلَكٌ كَرِيْمٌ۝۳۱
Falamma samiAAat bimakrihinna arsalat ilayhinna waaAAtadat lahunna muttakaan waatat kulla wahidatin minhunna sikkeenan waqalati okhruj AAalayhinna falamma raaynahu akbarnahu waqattaAAna aydiyahunna waqulna hasha lillahi ma hatha basharan in hatha illa malakun kareemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما سمعت بمكرهن» غيبتهن لها «أرسلت إليهن وأعتدت» أعدت «لهن متكأ» طعاما يقطع بالسكين للاتكاء عنده وهو الأترج «وآتت» أعطت «كل واحدة منهن سكينا وقالت» ليوسف «اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه» أعظمنه «وقطَّعن أيديهن» بالسكاكين ولم يشعرن بالألم لشغل قلبهن بيوسف «وقلن حاش لله» تنزيها له «ما هذا» أي يوسف «بشرا إن» ما «هذا إلا ملك كريم» لما حواه من الحسن الذي لا يكون عادة في النسمة البشرية، وفي الحديث (أنه أعطي شطر الحسن).

31

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } غِيبتهنّ لها {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ } أعدت {لَهُنَّ مُتَّكَئاً } طعاما يقطع بالسكين للاتكاء عنده وهو الأترج { وَءَاتَتْ } أعطت {كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ } ليوسف {ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } أعظمنه {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } بالسكاكين ولم يشعرن بالألم لشغل قلبهن بيوسف {وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ } تنزيهاً له {مَا هَٰذَا } أي يوسف {بَشَرًا إِنْ } ما {هَٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } لما حواه من الحسن الذي لا يكون عادة في النسمة البشرية. وفي الحديث( أنه أُعْطِيَ شطر الحسن).

ابن عبد السلام

تفسير : {بِمَكْرِهِنَّ} إنكارهن، أو أسرَّت إليهن حبها له فَأَذعْنه، {وَأَعْتَدَتْ} من الإعتاد، أو العدوان {مُتَّكَئاً} مجلساً، أو النمارق والوسائد التي يتكأ عليها، أو الطعام من قولهم: اتكأنا عند فلان أي طعمنا عنده لأنهم كانوا يعدون المتكأ للمدعو إلى الطعام فسمي به الطعام توسعاً والمراد به هنا البزماورد، أو الأترج "ع" "والمتك" مجفف الأترج، أو كل ما يحز بالسكين، أو عام في كل الطعام. {أَكْبَرْنَهُ} أعظمنه "ع"، أو وجدن شبابه في الحسن والجمال كبيراً، أو حِضْنَ، والمرأة إذا جزعت أو خارت حاضت والإكبار الحيض، قال: شعر : نأتي النساء على أطهارهن ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكباراً تفسير : {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ} حتى بانت، أو جرحنها حتى دميت. {حَاشَ لِلَّهِ} معاذ الله أو سبحان الله. مأخوذ من المراقبة، ما أحاشي في هذا الأمر أحداً أني ما أراقبه، أو من قولهم: كنت في حشا فلان أي ناحيته، فحاشى فلاناً أي أعزله في حشا وهو الناحية {بَشَراً} أهل للمباشرة، أو من جملة البشر لما علمن من عفته إذ لو كان بشراً لأطاعها، أو شبهنه بالملائكة حسناً وجمالاً {كَرِيمٌ} مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة.

الخازن

تفسير : {فلما سمعت بمكرهن} يعني فلما سمعت زليخا بقولهن وما تحدثن به إنما سمى قولهن ذلك مكراً لأنهن طلبن بذلك رؤية يوسف وكان وصف لهن حسنه وجماله فقصدن أن يرينه وقيل إن امرأة العزيز أفشت إليهن سرها واستكتمتهن فأفشين ذلك عليها فلذلك سماه مكراً {أرسلت إليهن} يعني أنها لما سمعت بأنهن يلمنها على محبتها ليوسف أرادت أن تقيم عذرها عندهن قال وهب اتخذت مائدة يعني صنعت لهن وليمة وضيافة ودعت أربعين امرأة من أشراف مدينتها فيهن هؤلاء اللاتي عيرنها {وأعتدت لهن متكأً} يعني ووضعت لهن نمارق ومساند يتكئن عليها، وقال ابن عباس وابن جبير والحسن وقتادة ومجاهد: متكئاً يعني طعاماً وإنما سمي الطعام متكئاً لأن كل من دعوته ليطعم عندك فقد أعددت له وسائد يجلس ويتكئ عليها فسمي الطعام متكأً على الاستعارة ويقال: اتكأنا عند فلان أي طعمنا عنده المتكأ ما يتكأ عليه عند الطعام والشراب والحديث ولذلك جاء النهي عنه في الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم"حديث : لا آكل متكئاً"تفسير : وقيل المتكأ الأترج وقيل هو كل شيء يقطع بالسكين أو يحز بها ويقال إن المرأة زينت البيت بألوان الفاكهة والأطعمة ووضعت الوسائد ودعت النسوة اللاتي عيرنها بحب يوسف {وآتت كل واحدة منهن سكيناً} يعني وأعطت كل واحدة من النساء سكيناً لتأكل بها وكان من عادتهم أن يأكلن اللحم والفواكه بالسكين {وقالت اخرج عليهن} يعني وقالت زليخا ليوسف اخرج على النسوة وكان يخاف من مخالفتها فخرج عليهن يوسف وكانت قد زينته واختبأته في مكان آخر {فلما رأينه} يعني النسوة {أكبرنه} يعني أعظمنه ودهشن عند رؤيته وكان يوسف قد أعطي شطر الحسن، وقال عكرمة: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم وروى أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت ليلة أسري بي إلى السماء يوسف كالقمر ليلة البدر"تفسير : ذكره البغوي بغير سند، وقال إسحاق بن أبي فروة: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر تلألأ وجهه على الجدران ويقال إنه ورث حسن آدم يوم خلقه الله عز وجل قبل أن يخرج من الجنة وقال أبو العالية هالهن أمره وبهتن إليه وفي رواية عن ابن عباس قال أكبرنه أي حضن ونحوه، عن مجاهد والضحاك قال: حضن من الفرج وأنكر أكثر أهل اللغة هذا القول. قال الزجاج: هذه اللفظة ليست معروفة في اللغة والهاء في أكبرنه تمنع من هذا لأنه لا يجوز أن يقال النساء قد حضنه لأن حضن لا يتعدى إلى مفعول قال الأزهري إن صحت هذه اللفظة فلها مخرج وذلك أن المرأة إذا حاضت أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغار إلى حد الكبار فيقال لها أكبرت أي حاضت على هذا المعنى فإن صحت الرواية عن ابن عباس، سلمنا له وجعلنا الهاء في قوله أكبرنه هاء الوقف لا هاء الكناية، وقيل: إن المرأة إذا خافت أو فزعت فربما أسقطت ولدها وتحيض فإن كان ثم حيض فربما كان من فزعهن وما هالهن من أمر يوسف حين رأينه قال الإمام فخر الدين الرازي: وعندي أنه يحتمل وجهاً آخر وهو أنهن إنما أكبرنه لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة آثار الخضوع والإخبات وشاهدن فيه مهابة وهيبة ملكية وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح وعدم الاعتداد بهن وكان ذلك الجمال العظيم مقروناً بتلك الهيبة والهيئة فتعجبن من تلك الحالة فلا جرم أكبرنه وأعظمنه ووقع الرعب والمهابة في قلوبهن قال وحمل الآية على هذا الوجه أولى {وقطعن أيديهن} يعني: وجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين التي معهن وهون يحسبن أنهن يقطعن الأترج ولم يجدن الألم لدهشتهن وشغل قلوبهم بيوسف قال مجاهد فما أحسسن إلا بالدم، وقال قتادة: أين أيديهن حتى ألقينها والأصح أنه كان قطعاً من غير إبانة، قال وهب: مات جماعة منهن {وقلن} يعني النسوة {حاش لله ما هذا بشراً} أي معاذ الله أن يكون هذا بشراً {إن هذا إلا ملك كريم} يعني على الله والمقصود من هذا إثبات الحسن العظيم المفرط ليوسف لأنه قد ركز في النفوس أن لا شيء أحسن من الملك فلذلك وصفته بكونه ملكاً وقيل لما كان الملك مطهراً من بواعث الشهوة وجميع الآفات والحوادث التي تحصل للبشر وصفن يوسف بذلك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فلما سمعت بمكرهنَّ} قال: بحديثهن. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه في قوله {سمعت بمكرهن} قال: بعملهن. وقال: كل مكر في القرآن فهو عمل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ رضي الله عنه في قوله {وأعتدت لهن متكأ} قال: هيأت لهن مجلساً، وكان سنتهم إذا وضعوا المائدة، أعطوا كل إنسان سكيناً يأكل بها. فلما رأينه قال: فلما خرج عليهن يوسف عليه السلام {أكبرنه} قال: أعظمنه ونظرت إليه، وأقبلن يحززن أيديهن بالسكاكين. وهن يحسبن أنهن يقطعن الطعام. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {وأعتدت لهن متكأ} قال: أعطتهن أترنجاً، وأعطت كل واحدة منهن سكيناً، فلما رأين يوسف أكبرنه وجعلن يقطعن أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترنج. وأخرج مسدد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المتكأ، الأترنج، وكان يقرؤها خفيفة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {متكأ} قال: هو الأترنج. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه ثالث، عن مجاهد رضي الله عنه قال: من قرأ {متكأ} شدها، فهو الطعام. ومن قرأ "مَتَكاً" خففها فهو الأترنج. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سلمة بن تمام أبي عبيد الله القسري رضي الله عنه قال: {متكاً} بكلام الحبش، يسمون الأترنج مَتَكاً. وأخرج ابو الشيخ عن أبان بن تغلب رضي الله عنه, أنه كان يقرؤها {واعتدت لهن متكا} مخففة. قال: الأترنج. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {واعتدت لهن متكأ} قال: طعام وشراب وتكاء. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {متكأ} قال: كل شيء يقطع بالسكين. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن زيد رضي الله عنه قال: أعطتهن ترنجاً وعسلاً، فكن يحززن الترنج بالسكين، ويأكلن بالعسل، فلما قيل له اخرج عليهن، خرج. فلما رأينه أعظمنه وتهيمن به حتى جعلن يحززن أيديهن بالسكين وفيها الترنج ولا يعقلن، لا يحسبن إلا أنهن يحززن الأترنج، قد ذهبت عقولهن مما رأين وقلن {حاشا لله، ما هذا بشراً} ما هكذا يكون البشر، ما هذا إلا ملك كريم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق دريد بن مجاشع، عن بعض أشياخه قال: قالت للقيم: أدخله عليهن وألبسه ثياباً بيضاً، فإن الجميل أحسن ما يكون في البياض. فأدخله عليهن وهن يحززن ما في أيديهن، فلما رأينه حززن أيديهن وهن لا يشعرن من النظر إليه، فنظرن إليه مقبلاً، ثم أومأت إليه أن ارجع. فنظرن إليه مدبراً وهن يحززن أيديهن بالسكاكين لا يشعرن بالوجع من نظرهن إليه، فلما خرج نظرن إلى أيديهن وجاء الوجع، فجعلن يولولن. وقالت لهن: أنتن من ساعة واحدة هكذا صنعتن، فكيف أصنع أنا؟!... {قلن: حاشا لله، ما هذا بشراً، إن هذا إلا ملك كريم} . وأخرج أبو الشيخ من طريق عبد العزيز بن الوزير بن الكميت بن زيد بن الكميت الشاعر قال: حدثني أبي عن جدي قال: سمعت جدي الكميت يقول في قوله {فلما رأينه أكبرنه} قال أمنين. وأنشد في ذلك: شعر : لما رأته الخيل من رأس شاهق صهلن وأكبرن المنيّ المدفقا تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن جده ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فلما رأينه أكبرنه} قال: لما خرج عليهن يوسف حضن من الفرح، وقال الشاعر: شعر : نأتي النساء لدى أطهارهن ولا نأتي النساء إذا أكبرن أكباراً تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فلما رأينه أكبرنه} قال: أعظمنه {وقطعن أيديهن} قال: حزًّا بالسكين حتى ألقينها {وقلن حاشا لله} قال: معاذ الله. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف والخطيب في تالي التلخيص، عن أسيد بن يزيد أن في مصحف عثمان {وقلن حاش لله} ليس فيها ألف. وأخرج ابن جرير، عن أبي الحويرث الحنفي أنه قرأها {ما هذا بشرا} أي ما هذا بمشترى. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إن هذا إلا ملك كريم} قال: قلن ملك من الملائكة من حسنه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن يزيد بن أساس رضي الله عنه قال: لما قررن وطابت أنفسهن، قالت لقيمها: آتهن ترنجاً وسكيناً. فأتاهن بهن، فجعلن يقطعن ويأكلن، فقالت: هل لكن في النظر إلى يوسف؟ قلن: ما شئت فأمرت قيمها فأدخله عليهن، فلما رأينه جعلن يقطعن أصابعهن مع الأترنج وهن لا يشعرن، فلا يجدن ألماً مما رأين من حسنه، فلما ولى عنهن قالت: هذا الذي لمتنني فيه، فلقد رأيتكن تقطعن أيديكم وما تشعرن. قال: فنظرن إلى أيديهن فجعلن يصحن ويبكين. قالت: فكيف أصنع؟ فقلن: {حاشا لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم} وما نرى عليك من لوم بعد الذي رأينا. وأخرج أبو الشيخ عن منبه عن أبيه قال: مات من النسوة اللاتي قطعن أيديهن، تسع عشرة امرأة كمداً. وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أعطي يوسف وأمه شطر الحسن". وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال "أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن". وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان وجه يوسف مثل البرق، وكانت المرأة إذا أتت لحاجة ستر وجهه مخافة أن تفتتن به. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أوتي يوسف عليه السلام وأمه ثلث حسن خلق الإنسان: في الوجه والبياض وغير ذلك. وأخرج أبو الشيخ، عن إسحق بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان يوسف عليه الصلاة والسلام إذا سار في أزقة مصر، تلألأ وجهه على الجدران كما يتلألأ الماء والشمس على الجدران. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا، وأعطي الناس الثلثين . تفسير : وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قسم الله الحسن عشرة أجزاء، فجعل منها ثلاثة أجزاء في حواء، وثلاثة أجزاء في سارة، وثلاثة أجزاء في يوسف، وجزأ في سائر الخلق. وكانت سارة من أحسن نساء الأرض، وكانت من أشد النساء غيرة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ربيعة الجرشي رضي الله عنه قال: "قسم الله الحسن نصفين، فجعل ليوسف وسارة النصف، وقسم النصف الآخر بين سائر الناس. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه قال: قسم الحسن ثلاثة أقسام، فأعطي يوسف الثلث، وقسم الثلثان بين الناس، وكان أحسن الناس. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان فضل حسن يوسف على الناس، كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء. وأخرج الحاكم عن كعب رضي الله عنه قال: قسم الله ليوسف عليه السلام من الجمال الثلثين، وقسم بين عباده الثلث، وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه الله تعالى، فلما عصى آدم عليه السلام نزع منه النور والبهاء والحسن، ووهب له الثلث من الجمال مع التوبة، فأعطى الله ليوسف عليه السلام ذلك الثلثين، وأعطاه تأويل الرؤيا. وإذا تبسم رأيت النور من ضواحكه.

ابو السعود

تفسير : {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} باغتيابهن وسوءِ قالتِهن وقولِهن: امرأةُ العزيز عشِقت عبدَها الكنعاني وهو مَقَتها، وتسميتُه مكراً لكونه خفيةً منها كمكر الماكر، وإن كان ظاهراً لغيرها. وقيل: استكْتَمَتْهن سِرَّها فأفشَيْنه عليها، وقيل: إنما قلن ذلك لتُرِيَهُنّ يوسف عليه السلام {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} تدعوهن، قيل: دعت أربعين امرأةً منهن الخمسُ المذكورات {وَأَعْتَدَت} أي أحضرت وهيأت {لَهُنَّ} أي ما يتكئن عليه من النمارق والوسائد، أو رتّبت لهن مجلسَ شرابٍ لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث كعادة المترَفين، ولذلك نُهي الرجلُ أن يأكل متّكِئاً. وقيل: متّكأ طعاماً من قولهم: تكأنا عند فلان أي طعِمنا، قال جميل: شعر : فظلِلْنا بنعمةٍ واتكأنا وشرِبْنا الحلالَ من قُلَلِهْ تفسير : وعن مجاهد متّكأً طعاماً يُحَزّ حزاً، كأن المعنى يُعتمد بالسكين عند القطع لأن القاطعَ يتكىء على المقطوع بالسكين، وقرىء بغير همز وقرىء بالمد بإشباع حركة الكاف كمُنتَزاح في مُنتزَح ويَنْباع في ينبَع وقرىء مُتُكاً وهو الأُترُجّ وأنشدوا: شعر : وأهدت مُتْكةً لبني أبـيها تخُب بها العَثَمْثمَةُ الوَقاحُ تفسير : أو ما يقطع من متَك الشيءَ إذا بتكه إذا تكى {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً} لتستعمله في قطع ما يُعهد قطعُه مما قدّم بـين أيديهن وقرِّب إليهن من اللحوم والفواكه ونحوها وهن متّكئات وغرضُها من ذلك ما سيقع من تقطيع أيديهن {وَقَالَتِ} ليوسف وهن مشغولاتٌ بمعالجة السكاكين وإعمالِها فيما بأيديهن من الفواكه وأضرابها، والعطفُ بالواو ربما يشير إلى أن قولها: {ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} أي ابرُزْ لهن لم يكن عَقيب ترتيب أمورِهن ليتم غرضُها من استغفالهن {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ} عطفٌ على مقدر يستدعيه الأمرُ بالخروج وينسحب عليه الكلام أي فخرج عليهن فرأينه وإنما حذف تحقيقاً لمفاجأة رؤيتِهن كأنها تفوت عند ذكرِ خروجِه عليهن كما حُذف لتحقيق السُّرعةِ في قوله عز وجل: {أية : فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ}تفسير : [النمل: 40] بعد قوله: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} تفسير : وفيه إيذانٌ بسرعة امتثالِه عليه السلام بأمرها فيما لا يشاهد مضرَّتَه من الأفاعيل {أَكْبَرْنَهُ} عظّمنه وهِبْن حسنَه الفائقَ وجماله الرائعَ الرائقَ فإن فضلَ جمالِه على جمال كلِّ جميلٍ كان كفضل القمرِ ليلة البدرِ على سائر الكواكب. عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : رأيتُ يوسفَ ليلةَ المعراج كالقمر ليلةَ البدر» تفسير : وقيل: كان يُرى تلألؤُ وجهِه على الجُدران كما يُرى نورُ الشمس على الماء، وقيل: معنى أكبرْنَ حِضْن والهاء للسكت أو ضمير راجع إلى يوسف عليه السلام على حذف اللام أي حضْن له من شدة الشبَق كما قال المتنبـي: شعر : خفِ الله واستُر ذا الجمالَ ببرقع فإن لُحْتَ حاضتْ في الخدور العواتقُ تفسير : {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي جرَحْنها بما في أيديهن من السكاكين لفرْط دهشتِهن وخروجِ حركات جوارحِهن ومع ذلك لم يبالين بذلك ولم يشعُرْن به {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ} تنزيهاً له سبحانه عن صفات النقصِ والعجزِ وتعجباً من قدرته على مثل ذلك الصنعِ البديعِ، وأصلُه حاشا كما قرأه أبو عمرو في الدرج فحُذفت ألفُه الأخيرةُ تخفيفاً وهو حرفُ جر يفيد معنى التنزيهِ في باب الاستثناء فلا يُستثنى به إلا ما يكون موجباً للتنزيه فوضع موضعَه، فمعنى حاشا الله تنزيهُ الله وبراءةُ الله وهي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه، واللام لبـيان المنزَّه والمبرَّأ عز وجل كما في سُقياً لك، والدليلُ على وضعه موضعَ المصدر قراءةُ أبـي السمال حاشاً بالتنوين وقراءةُ أبـي عمرو بحذف الألف الأخيرة وقرأةُ الأعمش بحذف الأولى فإن التصرّفَ من خصائص الاسمِ فيدل على تنزيله منزلتَه، وعدمُ التنوين لمراعاة أصلِه كما في قولك: جلست مِنْ عن يمينه. وقولُه: غدت مِنْ عليه منقلبُ الألف إلى الياء مع الضمير وقرىء حاش لله بسكون الشين إتباعاً للفتحة الألفَ في الإسقاط وحاش الإلٰهِ، وقيل: حاشا فاعلٌ من الحشا الذي هو الناحية وفاعلُه ضميرُ يوسف أي صار في ناحية من أن يقارف ما رمتْه به لله أي لطاعته أو لمكانه أو جانبَ المعصية لأجل الله {مَا هَـٰذَا بَشَرًا} على إعمال ما بمعنى ليس وهي لغةُ أهلِ الحجازِ لمشاركتهما في نفي الحالِ وقرىء بشرٌ على لغة تميم وبِشِرًى أي بعبد مشترىٰ لئيم، نفَين عنه البَشَرية لما شاهدْن فيه من الجمال العبقري الذي لم يُعهدْ مثالُه في البشر وقصَرْنه على الملَكية بقولهن: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} بناءً على ما ركَز في العقول مِنْ ألاّ حيَّ أحسنُ من الملك كما ركب فيها أن لا أقبحُ من الشيطان ولذلك لا يزال يُشبَّه بهما كلُّ متناهٍ في الحسن والقبح وغرضُهن وصفُه بأقصى مراتبِ الحسن والجمال.

القشيري

تفسير : أرادتْ أن يغلب عليهن استحقاقُ الملامة، وتَنْفِيَ عن نفسها أن تكون لها أهلاً، ففعلت بهن ما عَمِلَتْ، فلمَّا رأينه تَغَيَّرْنَ وتحيَّرْنَ ونطقن بخلاف التمييز، فقلن: {مَا هَـٰذَا بَشَراً}: وقد كان بشراً، وقلن: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}: ولم يكن مَلَكاً. قوله: {فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}: أثَّرَتْ رويتُهن له فيهن فَقَطَّعْنَ أيديَهن بدل الثمار، ولم يشعرن، وضعفن بذلك عندها فقالت: ألم أقل لكن؟ أنتن لم تتمالكن حتى قَطَّعْتنَّ أيديَكُنَّ! فكيف أصبر وهو في منزلي؟! وفي معناه أنشدوا: شعر : (أنت عند الخصام عدوي.. .......................) تفسير : ويقال إن امرأة العزيز كانت أَتَم في حديث يوسف - عليه السلام - من النسوة فَأَثَّرَتْ رؤيتُه فيهن ولم تُؤَثِّرْ فيها، والتَّغَيُّرُ صفة أهل الابتداء في الأمر، فإذا دام المعنى زال التغيُّر؛ قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لمن رآه يبكي وهو قريب العهد في الإسلام: هكذا كُنَّا حتى قَسَتْ القلوبُ. أي وقَرَتْ وصَلُبَتْ. وكذا الحريق أول ما يطرح فيها الماء يُسْمَعُ له صوتٌ فإذا تَعَوَّدَ شُرْبَ الماء سَكَنَ فلا يُسْمعُ له صوت.

البقلي

تفسير : قال الله تعالى {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} دعتهن الى بيتها فاجتمعت فى بيتها اعيان نساء المصر اللواتى صويحات الجمال وزينة وكشفن وجوههن وزينتهن ليغلبن على زليخا ويسلين يوسف منها فعلمت زليخا ضعفهن عن حمل اوايل رؤية يوسف وحسنه وجماله ولطفه ومنظره واحتالت فى القائهن فى المحبة بقوله {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً} اجلسهن فى اطيب المجالس واشرف المناظر على خوان فيه الوان الطعام والفواكه واعطت كل واحدة اترجا وسكينا وقالت كلن وقطعت الاترج وارادت بذلك الحيلة عليهم حتى شغلن بالطعام والكلام من رؤية يوسف ليخرج عليهن بالبديهة عن غير موعد والاستيذان حتى يستغرقن فى بحر الهيبة والبهته عند رؤيته قال الله تعالى {وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} والبست يوسف قميصا منظوما بالدر واليواقيت ووضعت على راسها تاجا مكلأ باللالى والبست ساقيه وذراعيه سوارا او خلخالا ووضعت على يده === حتى لا يستر وجهه لانه كان اذا راى امراة تغطى وجهه فعلمت شانه بذلك فخرج عليهن بديهة فصرن شايمات تائهات حائرات مفتولات من رؤية يوسف ذاهبات فى حسنه وجماله وعشقه قال تعالى {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} عظمنه بعظمة الله وهبنا منه لما راين فى وجهه نور هيبة الله فذهلهن فى وجه يوسف فسقطن عن التمكين والعقل وفعلن افعالا مجهولة بقوله سبحانه {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} وذلك من استغراقهن فى عظمة الله وجلاله وان الله سبحانه ما اراهن من وجه يوسف ما اراه لزليخا فاوقعهن فى نور العظمة والكبرياء وجلال تجليه منه لهن وارى نور حسنه وجماله لزليخا من وجه يوسف فبقيت فى العشق ورعونته ونظافته وبقين فى العظمة والجلال لذلك قطعن ايديهن ولم يشعرن بذلك ولو رات زليخا ما راين ما استقامت فى حالها وما راودته عن نفسه الا ترى الى قوله تعالى {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} راينه على صفة الملائكة المقدسين عن ان يوهم احدا لهم بالشهوة اى ليس هذا من ان يوهم احد بالشهوة فانه مقدس من عالمنا لان عليه كسوة الملائكة من سواطع النور و البرهان الالهى عن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : مررت ليلة اسرى بى الى السماء فرايت يوسف فقلت يا جبرئيل من هذا قال هذا يوسف قالوا وكيف رايته يا رسول الله قال كالقمر ليلة البدر تفسير : وعن ابى فروة قال كان يوسف اذا سار فى ازقة مصر يرى تلالؤ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمي والماء على الجدران قال وهب بلغنى ان تسامن الاربعين متن فى ذلك المجلس وجذا من يوسف يا صاحب العقل افهم ان صويحبات يوسف لما راين يوسف راين كسوة الربوبية على محل العبودية فوقعن من رؤيته فيما وقعت الملائكة من رؤية آدم حين سجدت له ولذلك قرئ فى بعض القراة ما هذا الا ملك كريم وههنا مقام التباس العارفين ومشاهدة المحبين ولا قدح فيه لانهم مقدسون من علة التشبه والحلول تعالى الله عن المشابهة بالارواح والاشباح وليس ما قال حسين بن منصور فى هذا المقام اشارة الى التشبيه لانه فنى فى التوحيد انشد وقال سبحان من اظهرنا سوته ==== الثاقب ثم بدا الخلقة ظاهرا فى صورة الآكل والشارب ثم بدأ لخلقة من خلقه بانوار برهان قدرته وسنا شواهد لطيفه صبغه ويمكن ان زليخا كانت محل التمكين وهن فى محل التلوين لذلك استقامت فى رؤية ولم يحل ايضا مما راين من يوسف من النور والعظمة لكن غلب عليها مقام مشاهدة الحسن والجمال لبقائها فى مكان الابتلاء ارتفعت عنهن فى رؤية يوسف الشهوة والبشرية لغلبة انوار العظمة والهيبة فلا جرم ما شعرن الام قطع ايديهن ولو قرض غلة زليخا لشعرت بذلك لانها فى لطافة العشق وما اطاقت من لطف حالها ان تحمل الما غير الم العشق وهذا كمال فى انس المعشوق ولا يعلم ذلك الا ذو عشق كامل قال بعضهم فى قوله واعتدت لهن متكا اجلستهن مجالس وطئه ليكون ابين لحركتهن فى مشاهدة يوسف واسقط للملامة والتغيير عنها واظهر لما يبدوا عليهن من لقاء يوسف وقال بعضهم فى قوله فلما راينه اكبرنه شاهدن حسنا خاليا عن مواضع الشهوة مؤيدا بعصمة النبوة فاكبرنه وقال جعفر سرّ هيبة النبوة عليهن مواضع ارادتهن منه فاكبرنه قال ابو سعيد الخراز الماخوذ فى حال المشاهدة غائبا عن حسنه بائنا عن نفسه لا يحس بما جرى عليه قال الله فلما راينه اكبرنه الآية قال ابن عطا دهش فى يوسف وتحيرون حتى قطعن ايديهن فهذه غلبة مشاهدة مخلوق لمخلوق فكيف بمن ياخذه مشاهدة من الحق فلم ينكر عليه يتغير صفاته عليه او ينطق فى الوقت على حد الغلبة بمراى كغيره وقيل فى قوله اكبرنه لانه كان مؤيدا بالعصمة فشغلهن هيبة العصمة فلم تنظر احداهن اليه نظر شهوة وقال سهل ا هذا الا ملك فى اخلاقه بشرا فى صورته قال محمد بن على ما هذا باطل ان يدعى الى المباشرة بل مثله يكرم وينزه عن مواضع الشبهة والاعتراضات لكرام اخلاقه ولطف شمايله قيل ان اهل مص رمكثوا اربعة اشهر لم يكن لهم عذاء الا النظر الى وجه يوسف كانوا اذا جاعوا نظروا الى وجهه فشبعوا ويزول عنهم الجوع فلما رات شان النسوة وفناهن عن عقولهن صبرت حتى مر يوسف عليهن وافقن وشمتت بهن {قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} ارادت ان يذقن ما ذاقت من حب يوسف ويخرجن من ملامتها لان من لم يعرف طعم المحبة عَذل اهلها فانظرى واقطنى لى ترى حرقا من لم يذق طرفا منها فقد والا نظر اهل الملامة نظر سرك حيث كانوا محجوبين عن رؤية سبق المقادير وان العشق خارج عن حدود الاكتساب شعر : خليلى انى قلت بالعدل مرة ومنذ علاتى الحب مذهبى الجبر تفسير : وانشد الحسين شعر : ما لامنى فيك احبابى واعدائى الا بجهلهم من عظم بلوائى تركت للناس دنياهم ودينهم شغلى بحبك ما دينى ودنيائى اشعلت فى كبدى نارين واحدة بين الضلوع واخرى بين احشائى ولا هممت يشرب الماء من عطش الا رايت خيالا منك فى المائى النار ابرد من ثلج على كبدى والسيف الين بى من هجر مولائى تفسير : قال النصرابادى طلب العذر فى العشق من نقصان العشق وانما العشق الحقيقى ما غلب على صاحبه والهاء عن الاشغال الا بمحبوبه وقال بعضهم لمتنبى فيه بغيتنى نصرعتن وانشد شعر : وكنت اذا ما حدث الناس بالهوى ضحكت وهم يبكون من حسرات فصرت اذا ما قيل هذا ميتتم بلقيتهم بالنوح والعبرات تفسير : فلما رات زليخا عذر النسوة ارادت ان يعرفهن طهارة يوسف فقالت {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ} اى هو مقدس عن جميع التهم وباطنه احسن من ظاهره لان باطنه مطهر عن دنس الشهوة وعلة البشرية ومراودة السوء والفحشاء معصوم بانوا رالنبوة والرسالة وارادت بذلك ان يرينه اكبر مما يرينه ثم قالت {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} خوف يوسف من البلاء وكيف يخاف من يكون فى رؤية المبلى مؤيدا بعناية ازلية معصوما عن معصية وقولها فى ذلك من استغراقها فى الحب والعشق وقال بعضهم ما كان يلحق يوسف من السجن والمحبة انما كان من ترادف البلاء على زليخا وهيجان المحبة به فربما كان تصيب يوسف من اطراف بلائه شيئا بالسجن والهم وغير ذلك وهذا من تمام المحبة وشدة البلاء شعر : ان لشارك المحبوب محبة فى بلائه وانشدت ليلى صاحبه مجنون لم يكن المجنون فى حاله الا وقد كنت كما كانا لكنه باج بسر الهوى واننى قد قدمت كتمانا تفسير : فلما راى يوسف تملقهن ومكرهن واحتيالهن فى دعائهن يوسف الى طاعة زليخا التجأ الى الله وتضرع بين يديه بقوله {قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} اى يا رب البلاء احب الى من لذة الوقت وشهوة النفس التى تحتجبنى عنك وعن شهوة الروحانى ورؤية آثار الربوبية وايضا السجن احب الى لان فى السجن مقام الانس والخلوة والمناجات والمداناة والمشاهدات والمواصلات وانى اختار رضاك واوثر مرادك على حظ نفسى وفيه اشارة لطيفة اى السجن احب الى اذا كنت محبوسا لزليخا حتى يزيد عشقها على عشقها ويكون عشقها عشقا روحانيا وعشقا رحمانيا وتحترق بنيران عشقها علل الانسانية وشهوة البشرية والا تصرف عنى بعصمتك القديمة كيدهن فى اظهار حسنهن او جمالهن وزينتهن على وتميل نفسى اليهن واكن من الجاهلين من الموثرين حظوظ انفسهم على حظ مشاهدتك وقربتك وايضًا من الجاهلين بانفسهم وايضًا من الجاهلين بقدرتك على عقوبة الاسرار وضرب الحجاب بينها وبين الانوار قال الواسطى منعك اياى عنهن بنزع القدرة عنى احب الى مما يدعوننى اليه من طلب الحظوظ قال بعضهم توهم يوسف ان السجن ينجيه من الفتنة فاوقعه فى الفتنة الكبرى حتى قال لصاحب السجن اذكرنى عند ربك وقال ابن عطا السجن احب الى مما يدعوننى من الزنا فالاختيار افسد عليه امره لعلمه لو ترك الاختيار لكان معصوما من غير امتحان بالسجن كما كان معصوما فى وقت المراودة وقال الجنيد لما جاء بالافتقار لا بالمسالة فى صرف كيد الباغين عنه واشفق من دخول الصبوة عليه التى لا مدفع الا بتائيد العصمة فاسعده الاجابة ومنع كيد الشيطان وتسلطه واخرج من البلاء بقبول حسن ما تقدم من الوعيد قيل ان يدخل فيه وبمثل هذا يتعزى اهل المعرفة.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو عمرو ونافع في رواية الأصمعي عنه {حاشا} بألف. الباقون بلا الف، فمن حجة أبي عمرو، قال الشاعر: شعر : حاشى ابي ثوبان إن به ضنَّاً عن الملحاة والشَّتم تفسير : قال ابو علي الفارسي لا يخلوا قولهم: حاش لله من ان يكون الحرف الجار في الاستثناء، كما ذكرناه في البيت أو فاعل من قولهم: حاشى يحاشي، ولا يجوز ان يكون حرف الجر لأن حرف الجر لا يدخل على مثله، ولأن الحروف لا تحذف اذا لم يكن فيها تضعيف، فاذا بطل ذلك ثبت انها فاعل مأخوذاً من الحشا الذي هو الناحية. والمعنى انه صار في حشاء اي ناحية مما قذف به، وفاعله يوسف، والمعنى بعد عن هذا الذي رمي به {لله} اي لخوفه من الله، ومراقبة امره. ومن حذف الالف، فكما حذف لم يك، ولا أدر، فاذا أريد به حرف الجر يقال حاشا، وحاش، وحشا، ثلاث لغات قال الشاعر: شعر : حشا رهط النبي فان فيهم بحوراً لا تكدرها الدّلاء تفسير : حكى الله تعالى عن امرأة العزير انها حين سمعت قول نسوة المدينة فيها وعذلهنّ اياها، ومكرهنَّ بها. وقيل انهن مكرن بها لتريهن يوسف، فلما اطلعتهن على ذلك أشعن خبرها، والمكر الفتل بالحيلة الى ما يراد من الطلبة يقال: هي ممكورة الساقين بمعنى مفتولة الساقين، وممكورة البدن أي ملتفَّة {أرسلت إليهن} أي بعثت اليهن تدعوهن الى دعوتها. وقوله {وأعتدت لهن متكئاً} معناه اعدَّت، ومعناه اتخذت من العتاد، وقولهم: اعتدت من العدوان، والألف فيه ألف وصل، والمتكأ الوسادة، وهو النمرق الذي يتكأ عليه. وقال قوم: انه الاترج. وانكر ذلك ابو عبيدة. وقوله {وآتت كل واحدة منهن سكّيناً} قيل انها قدمت اليهن فاكهة وأعطتهن سكّيناً ليقطعن الفاكهة، فلما رأينه - يعني يوسف - دهشن {وقطعن أيديهن} وقوله {أكبرنه} أي أَعظمنه وأجللنه. وقال قوم: معنى ذلك انهن حضن حين رأينه وأنشد قول الشاعر: شعر : يأتي النساء على اطهارهنَّ ولا يأتي النساء اذا اكبرن اكبارا تفسير : وانكر ذلك ابو عبيدة، وقال: ذلك لا يعرف في اللغة، لكن يجوز ان يكون من شدة ما أعظمنه حضن، والبيت مصنوع لا يعرفه العلماء بالشعر. وقوله {حاش لله} تنزيه له عن حال البشر، وانه لا يجوز ان تكون هذه صورة للبشر، وانما هو ملك كريم. وقال الجبائي: فيه دلالة على تفضيل الملائكة على البشر لانه خرج مخرج التعظيم، ولم ينكره الله تعالى، وهذا ليس بشيء، لأن الله تعالى حكى عن النساء انهن أعظمن يوسف، لما رأين من وقاره وسكونه وبعده عن السوء. وقلن: ليس هذا بشراً، بل هو ملك يريدون في سكونه، ولم يقصدن كثرة ثوابه على ثواب البشر، وكيف يقصدنه، وهن لا طريق لهن الى معرفة ذلك، على ان هذا من قول النسوة اللاتي وقع منهن من الخطأ والميل اليه ما لا يجوز ان يحتج بقولهن. وقوله لم ينكره الله، انما لم ينكره، لأنه تعالى علم انهن لم يقصدن ما قال الجبائي، ولو كن قصدنه لأنكره، على أن ظاهر الكلام انهن نفين ان يكون يوسف من البشر، وفيه قطع على انه ملك، وهذا كذب، ولم ينكره الله. والوجه فيه انهن لم يقصدن الاخبار بذلك عن حاله، وانما اخبرن بتشبيه حاله فيما قلناه بحال الملائكة، فلذلك لم ينكره الله. وقوله {ما هذا بشراً} نصب بشراً على مذهب اهل الحجاز في اعمال (ما) عمل ليس، فيرفعون بها الاسم، وينصبون الخبر، فأما بنو تميم، فلا يعلونها قال الشاعر: شعر : لشتّان ما أنوي وينوي بنو أبي جميعاً فما هذان مستويان تمنوا لي الموت الذي يشعب الفتى وكل فتى والموت يلتقيان تفسير : وقد قرىء {ما هذا بشرى} أي ليس بمملوك، وهو شاذ، لا يقرأ به. وقرىء {متكأ} بتسكين التاء. قال مجاهد: معنا الا ترج، وقال قتادة: معناه طعاماً، وبه قال عكرمة وابن اسحق وابن زيد والضحّاك، وقال مجاهد، وغيره: اعطي يوسف نصف الحسن، وقيل ثلثه. وقيل ثلثاه. والباقي لجميع الخلق.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} قد مضى وجه اطلاق المكر على ذمّهنّ {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} للضّيافة وهيّأت مجلساً لائقاً بشأن الملوك وسألت يوسف (ع) ان يخرج عليهنّ اذا سألت الخروج {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً} احدّ ما يكون بعد الفراغ من الغذاء واعطت كلّ واحدة منهنّ اترجّاً {وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} بعد ما زيّنته بالالبسة الفاخرة وانواع ما يتزيّن به {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} بحيث لم يبق لهنّ شعور بانفسهنّ ومحين فى جماله، وقيل: اكبرن بمعنى حضن فانّ الاكبار ورد فى اللّغة بهذا المعنى لانّ الحيض علامة دخول المرأة فى الكبر كالاحتلام للمرء يعنى من غلبة الوله او من غلبة الشّبق حضن {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} جرحنها جرحاً كثيراً {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ} كلمة تعجّب وحاش حرف نزّل منزلة المصدر اى تنزيهاً لله وعلى هذا فالّلام للتّبيين مثل لام سقياً لك، او للقسم سواء جعل حاش كلمة برأسه او كان اصله حاشا خفّف الفه الاخيرة، وقيل: اصله حاشا فعلاً خفّف بحذف الالف من الحشى بمعنى النّاحية والفاعل ضمير يوسف (ع) واللاّم للتّعليل والمعنى تنحّى يوسف عن التّلوّث لله او لتبيين المفعول والمعنى نزّه يوسف الله والفعل لازم والفاعل هو الله والّلام لتبيين الفاعل، او اللاّم للقسم سواء جعل الفعل لازماً او متعدّياً وفاعل الفعل ضمير يوسف (ع)، وقرئ حاشا الله فعلاً لازماً والله فاعله وحاشا لله بتنوين حاش حرفاً منزّلاً منزلة المصدر او منزلة اسماء الاصوات، او بجعله اسم صوتٍ ولام لله حينئذٍ تكون للتّبيين او للقسم {مَا هَـٰذَا بَشَراً} جرين على عادة العرف من نفى البشريّة عمّن يبالغون فى كماله يعنى انّه فوق البشريّه فى جماله ولم يردن نفى البشريّة حقيقة، او اردن ذلك حقيقة {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} هذا ايضاً على عادة العرف من اثبات الملكيّة لمن يبالغون فى كماله.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا سَمِعتْ بمكْرهنَّ} أى بقولهن المذكور، وسمى مكرا لأنهن قلنه فى خفية عنها، وهو ضرر لها، كما أن المكر يخفى وهو مضر، وقيل: لأنها قد ذكرت لهن أمرها واستكتمتهن إياه فأفشينه، وقيل: لأنهن قصدن بذلك رؤية يوسف، وقد وصف لهن بالجمال الفائق، فأظهرن تخطئتها فى عشق عبد إزراء به فى الظاهر، لتستظهر عليهن بإرأتهن إياه، وظاهر بعضهم أنه مروى عن ابن عباس. {أرْسلتْ إليهنَّ} رسلا يدعوهن للضيافة، وتريد أن تقيم العذر لنفسها، صنعت طعاما، ودعت أربعين امرأة شريفة منهن هؤلاء اللاتى قلن امرأة العزيز تراود فتاها الخ، وعن وهب: أنها ادعت سبعا وأربعين امرأة، وقيل: دعت عشرة نسوة ذوات الأزواج من بنات الملوك، وعشرا عذارى من بنات الملوك، فذلك عشرون، منهن هؤلاء القائلات. وروى أنها أمرت جاريتها أن تدعوهن، وزينت بيتها بأنواع الزينة، وبسطت فرشا من ديباج مذهب، ونصبت الكراسى من الزمرد الأخضر، واليقاوت الأحمر، والذهب والفضة، وقالت لها جاريتها: يا سيدتى قد وقعن فى عرضك وأنت قد أعددت لهن ذلك؟ قالت: نعم إنى لأعذبهنَّ برؤية يوسف أعرضه عليهن حتى يرينه كلهن، ثم أحجبه عنهن حتى يمتن من عشقه. {وأعْتَدتْ} أحضرت هو من عتد بمعنى حضر، دخلت عليه همزة العدية {لهنَّ مُتَّكئاً} اسم مفعول على الحذف والإيصال، أى متكأ عليه أى ما يتكئ عليه من الوسائد، وما يستند عليه ليتكئن أو يستندن. قال ابن عباس، وابن جبير، والحسن، وقتادة، ومجاهد: المتكأ، وسمى الطعام متكأ لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب تترفا، ويعدون لمن دعوه للطعام ما يتكئ عليه، ولذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: "لا أكل متكئا" فسمى باسم ما يجاوره، حتى أنهم يقولون: اتكاؤنا عند فلان، أى طعمنا عنده. وقيل المتكأ مجلس الطعام، وقيل: طعام يجز بالسكين، سمى لأن القاطع يتكئ عليه بالسكين، وقرأ الحسن متكاء بالمد للإشباع، وقرئ: متكى، بإبدال الهمزة ألفا، وقرأ ابن عباس فى رواية وغيره: متكأ بإسكان التاء فقيل: هو الأترج لعلها أهدت أترجة على ناقة، وكأنها الأترجة التى ذكرها أبو داود فى سنته، أنها شقت بنصفين، وحملا كالعدلين على جمل، فإن الأترجة يقال لها: متكة، وقيل: كل ما يقطع بالسكين من الطعام، وقرئ متَّكاً بالتشديد والتنوين على الكاف، وعليها الإعراب من متك الشئ بتشديد يمتكه أى قطعه، أى أحضرت لهن ما يحتاج للقطع، وعن وهب أعدّت أترجا وموزا وبطيخا، وقرأ الأعرج متكأ بفتح الميم وإسكان التاء من تكأ يتكأ بمعنى اكتكى، أى موضع اتكاء. {وآتتْ كلَّ واحِدةٍ منْهنَّ سِكيناً} خنجراً، وكان من عادتهم أن يأكلوا اللحم والفواكه بالسكين، وروى أنها أعطت لهن الشراب، والأترج، والرمان، والخمر، والخبز، والحوار فيه اللحم المدقوق، والبيض، والبقول، على فرش ومساند حشوها الريش، وأعطت كل واحدة سكينا لقطع الأترج. قيل: وكان يسمى بالقبطية متكا، وعن زيد أنها أعطت كل واحدة صحيفة من عسل وأترجة وسكين حاد ا هـ. وقالت: لا يخفى عليكن ألا ما قطعتن لفتاى يوسف إذا جاء؟ فقلن: نعم، وكان فى بيت آخر قد زينته بكل زينة. {وقالَتْ اخْرُجْ عَليهنَّ} يا يوسف، فخرج كالبدر ليلة الكمال من حسنه وجماله، يهتز كأنه عرج من جنة الخلد، روى أنها قالت: ما حقى عليكن؟ فقلن: أنت سيدتنا، الكبيرة والمطاوعة فينا، نسمع لك ونطيع، فقال: فحقى عليكن إذا خرج إليكن يوسف فتاى، أن تقطعن له مما فى أيديكن وتعطينه يأكل إذا خرج عليكن، فقلن: حبّا وكرامة. فأقبلت على يوسف وقالت: أطعنى اليوم واعصنى أبدا قال: أما ما لا يكون فيه سخط ربى فلا أبالى، فقالت: دعنى حتى أزينك، وإن كنت مزينا، قال: اصنعى ما بدا لك، فرصعت ذوائبه بالياقوت، وكللت جبينه بالدر، وألبسته قباء أخضر، ومنطقة من ذهب، ووضعت منديلا من السندس على عاتقه، وكأسا من ذهب فى يده، ووضعت التاج على رأسه، والإكليل على جبينه، وألبسته قميصا مرصعا بالدر والياقوت، ومنطقته بمنطقة من ذهب، ونعلته بنعلين من در منسوج، وطيبته وأرسلت ذؤابتين على كتفيه وأمرته بالخروج عليهن، وكل واحدة منهن على سرير تقطع الأترج أو نحوه،وقيل: قالت لهن: لا تقطعن حتى أمركنّ فخرج عليهن. {فلمَّا رأينَه أكْبرنَه} عظمنه جميعا، وهابت كل واحدة منهن حسنة الفائق، وكان فضل يوسف على الناس فى الجمال والحسن، كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء. وعن أبى سعيد الخدرى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : مررت بيوسف الليلة التى عرج بى إلى السماء فقلت لجبريل: من هذا؟ فقال: يوسف" فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟ قال: "كالقمر ليلة البدر"تفسير : ومن حديث الإسراء: "حديث : ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة ففتح لنا، فإذا بيوسف عليه السلام، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن، فرحب بى ودعا لى بخير ". تفسير : قال إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة: كان إذا سار فى أزقة مصر تلألأ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس من السماء عليها، وقيل: ما كان أحد يستطيع وصف يوسف، وقيل: كان يشبه آدم يوم خلقه الله تعالى قبل أن يصيب الخطيئة، وقيل: ورث الجمال من جدته سارة. قال كعب الأحبار رضى الله عنه: إن الله تعالى مثل لآدم ذريته بمنزلة الذر، فأراه الأنبياء نبيا نبيا، فأراه فى الطبقة السادسة يوسف متوجا بتاج الوقار، ومتآزرا بحلة الشرف، مترديا برداء الكرامة، متقمصا بقميص البهاء، وفى يده قضيب الملك، وعن يمينه سبعون ألف ملك، وعن يساره سبعون ألف ملك، ومن خلفه أمم الأنبياء، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، وبين يديه شجرة السعادة تزول معه حيث زال، فلما رآه آجم قال: إلهى من هذا الذى أبحت له بحبوحة الكرامة، ورفعت له الدرجة العالية؟ قال الله تعالى: هذا ابنك المتوج يا آدم انحله، قال: أنحلت له ثلثى حسن ذريتى، ثم ضمه إلى صدره وقبله بين عينيه، وقال: يا بنى لا تأسف فأنت يوسف. فأول من سماه يوسف آدم: ولما عصى نزع منه الجمال كله، فلما تاب رد له الثلث وتوارثه أولاده قسما بتفاوت إلا يوسف فله الثلثان الباقيان، وكان كضوء النهار على الليل أبيض اللون، حسن الوجه، جعد الشعر، مستوى الخلق، غليظ الساقين والعضدين والساعدين، أخمص البطن، أقنى الأنف، صغير الصفرة، بخده الأيمن خال أسود يزين وجهه، وبين عينيه شامة بيضاء، وكانت أهداب عينيه تشبه قوام النون، إذا تبسم رأيت النور من ضواحكه، وإذا تكلم رأيت فى كلامه شعاع النور، يتبين من ثناياه، ولا يقدر بنو آدم ولا أحد على وصفه. ويقال: إنه ورث الحسن من جده إسحاق، وكان إسحاق أحسن الناس، وإسحاق بالعبرانية الضحاك، وإسحاق ورث الحسن من أمه سارة، لأن الله تعالى صورها على صورة الحور العين، ولكن لم يعطها صفاءهن، وسارة وثرت الحسن من جدتها حواء، وكان يوسف يأكل البقول والفواكه، فترى فى حلقه وصدره حتى تصل بطنه. وقال وهب: الحسن عشرة أجزاء ليوسف تسعة ولسائر الخلق واحد، قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : هبط علىَّ جبريل وقال لى:يا محمد إن الله تعالى يقول لك كسوت حسن وجه يوسف من نور الكرسى، وكسوت نور وجهك من نور عرشى ". تفسير : قيل لحكيم: يوسف أحسن أم محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يوسف أحسن الناس، ومحمد صلى الله عليه وسلم أحسن الخَلْق، ويناسبه حديث جابر بن عبد الله قال: نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء، ونظرت إلى القمر ليلة البدر فهو أحسن فى عينى من القمر. وقيل: معنى أكبرنه حضن له، فالهاء على نزع الخافض، يقال: أكبر المرأة إذا حاضت، لأنها تخرج من الصغر بالحيض، فمعنى أكبرنه حضن لأجله من شدة اشتهاء الجماع، ويجوز على تفسير الإكبار بالحيض رجع الهاء إلى المصدر، فلا يقدر جار، ولا يجوز أن تكون للسكت، لأن هاء السكت لا تحرك، وادعاء تحركها بنية سكون الوقف تكلف، وكون أكبرن بمعنى حضن رواية عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، قال: حضن من الفرح وأنكر الزجاج صحة أكبرت بمعنى حاضت، ولما رأينه رمن أن يقطعن الأترج أو نحوه له، أو لأنفسهن، أو رأينهن وهن يقطعن فصرن يكثرن القطع فى أيديهن دهشا منه، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وقَطَّعْن} بالتشديد للمبالغة {أيْديهنَّ} وحسبن أنهن يقطعن نحو الأترج، ولم يحسسن الألم لشغل قلوبهن به، واختلط دم الأيدى بدم الحيض على القول بأن أكبرن بمعنى حضن، ولم تبن أيديهن بالقطع، بل بقيت متصلة على الصحيح. وقال قتادة: فصلن الأيدى بالقطع، وفى ذلك مكر بهن تبكيتا لهن بما فعلن برؤيته مرة واحدة، وتجبيلا لهن إذا انتبهن، ومكر به بتهويل الأمر عليه إذا خرج وهو صغير على أربعين نسوة مجتمعات فى أيديهن الخناجر، توهمه أنهن يثبن عليه بالخناجر مع من ضم إلى ذلك من رؤيته لهن يقطعن أيديهن ولا يتألمن، فكأنهن نساء من الجن، ولم يخف شيئا من ذلك، ولم يؤثر به، بل علم أن ذلك دهش منهن به. {وقُلْنَ حَاشَ اللّهِ} بغير ألف بعد الشين وصلا ووقفا، وقرأ أبو عمرو هنا وفيما يأتى بالألف وصلا، وإذا وقف حذفها اتباعها للخط، وروى ذلك عن اليزيدى أبو عبد الرحمن، عن أبيه، وأبو حمدون، وأحمد بن واصل، وأبو شعيب من رواية أبى العباس الأديب عنه، والأصل إثبات الألف، ولكنها حذفت تخفيفاً وهو حرف يفيد معنى التبرئة لا فعل، ولكنه وضع موضع قولك تنزيها لله، حتى أن اللام بعده للبيان لعمل اللام، وأما حاش فلم تعمل هنا، وساغ ذلك لتنزيله منزلة المصدر كتنزيها، ولهذا لحقها التنوين أيضا مع أنها حرف فى قراءة أبى الشمائل حاشا لله، وقرأ ابن مسعود حاش الله بلا تنوين ولا لام، فيكون حاش جارا للفظ الجلالة، منزلا معه منزلة قولك: تنزيه الله، وبراءة الله، سبحانه الله. وقرأ الأعمش حشى الله بإسقاط الألف الأولى وإثبات لام الجر، والحكم ما هو وقرأ حاش لله بإسكان الشين، حذفت الهمزة تبعا لحذف الألف وهو ضعيف لالتقاء الساكنين على غير حدة، وقرئ حاشى الإله بألفين. وإن قلت: ما معنى تنزيه الله هنا؟ قلت: المراد تنزيهه عن صفات العجز، وفى ذلك أيضا تعجب من قدرته تعالى على خلق مثل يوسف، وقيل: المراد حاش يوسف لطاعته لله، او لمكانه من الله أن يرمى بما رمته [به] لأن هذا من فعل البشر وليس منهم. قال ابن هشام: حاش فى الآية الآتية تنزيهية، وأنها عند المبرد وابن جنى والكوفيين فعل للتصرف فيها بالحذف، ودخولها على اللام، وأن المعنى جانب يوسف المعصية لأجل الله، ويضعف ذلك أن هذا التأويل لا يتأتى فى {حاش لله ما هذا بشر} وأن التصرف بالحذف والدخول على اللام إنما ينفيان الحرفية، ولا يثبتان الفعلية، والصحيح أنها اسم مرادف للبراءة من كذا، بدليل قراءة بعضهم حاشا الله بالتنوين كما يقال براة الله من كذا، أى فهى مفعول مطلق، وعلى هذا فقراءة ابن مسعود حاش الله بالإضافة كمعاذ الله، وليس جارا ومجرورا كما توهم ابن عطية، لأنها إنما تجر فى الاستثناء ولتنوينها فى القراءة الأولى، ولدخولها على اللام فى قراءة السبعة والجار لا يدخل على جاره. قلت: قد مر الجواب قبل هذا التعليل، قال وإنما ترك التنوين فى قراءتهم لبناء حاش لشبهها بحاش الحرفية، وزعم بعضهم أنها اسم فعل معناه أتبرأ أو برئت، وحامله على ذلك بناءها، ويرده إعرابها فى بعض اللغات انتهى. وقيل فى قراءة حاشى الله بألفين بلا تنوين أن حاشى فعل من الحشا الذى هو الناحية وفاعله ضمير يوسف، أى صار فى ناحية الله مما يتوهم. {ما هَذا بَشراً} آدميا، عملت ما عمل ليس لمشاركتها فى نفى الحال، وذلك لغة الحجازيين، وقرأ ابن مسعود برفع بشر بالإهمال، على لغة تميم، وقرئ ما هذا بشرى بكسر الباء وبالقصر، لكن حذفت الألف نطقا للتنوين على أن ذلك مصدر بمعنى اسم مفعول، أى ما هو بعبد مشترى لئم، أو تقدير مضاف أى ما هذا بأهل شرى، أى ليس أهلا أن يشترى. {إنْ} أى ما {هذا إلاَّ مَلكٌ كَريمٌ} فإن حاله غير معهودة للبشر، إذ جمع الجمال والكمال اللذين لا يوجدان فى مثله، والعصمة البالغة مع ذلك ادعى للجمال ولكمال الداعيين إلى عدمها أسباب عدمها، كخضوع النساء لهما، ودعائهن لحاجتهن، ولأن جماله فوق جمال البشر، وإنما يفوقه فيه الملك، وذلك أن الله جل وعلا ركز فى الطباع أنه لا أحسن من الملك ولا خير منه غير عقولنا قابلة لتفضيل المؤمن الصادق لكده فى الطاعة وترك المعصية، ولا سيما الأنبياء، ولا سيما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. عن الملائكة. وخطأ الزمخشرى قائل ذلك وهو الخاطئ، وركز فى الطباع أن لا أقبح ولا شراً من الشيطان، وقرأ الحسن وغيره: إن هذا إلا ملك بكسر اللام، أى ما هو عبد بل سلطان، وعلى كل حال فمعنى كريم حسن أو عظيم القدر عند الله سبحانه، ويجوز أن يكون قولهن: {حاش لله} إلى قوله: {كريم} وصفا بالهيبة والجلالة من جانب نور النبوة، والثبات فى الأمر، وبالرعب منه فى ذلك لا وصفا بالجمال من حيث العشق والميل للجماع، واختاره الفخر. والمشهور المتبادر المدلول عليه بالسباق واللحاق أن ذلك وصف من حديث العشق والميل للجماع، نعم يصح أن يردن ذلك كله، وأنه كالملك فى عدم الباعث للشهوة، وإنما عددن اسم الإشارة ومقتضى الظاهر أن يقلن إن هو إلا ملك كريم تلذذ بالإشارة إليه. وروى أنه خرج عليهن وهن يقطعن الأترج، ولما رأينه ظنن أنه صنم زليخا التى تعبده، وكن يسمعن به ويتمنين، وتحيرن وصرن شبه السكارى، ورمن أن يقطعن له مما فى أيديهن كما شرطت عليهم زليخا فصرن يقطعن أيديهن، وجعلت الدماء تسيل فى أحجارهن، ولا يجدن ألم القطع، ولا وقوع الدم على الأجسام، ويوسف يقول: ويحكن ماذا تصنعن بأنفسكن، إنما أنا عبد من عبيد ربى، وزليخا تضحك مما ترى منهن. ولما غاب عن أعينيهن رجعن من حبهن فقالت لهن: ويحكن هذا ما صنعتن من لحظة واحدة، وأنا منذ سبع سنين أقاسى ما أقاسى، وأخدمه على أطراف البنان، ولا يعيرنى طرفة عين، لا يلتفت نحوى، فقلن لها: ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم من ملائكة ربنا، وأدركهن الخجل لما انتبهن وذكرن ما لمنها به، قيل: أمر الله سبحانه السكاكين أن تقطع أيديهن ليختلط دم الحيض بدم القطع لئلا يفتضحن، ولم تقطع زليخا يديها لأنها اعتادته وتناهى حبه فيها وقيل: أحسسن بالدم ولم يحسسن بالألم.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَا سَمِعَتْ} سمعت امرأَة العزيز {بِمَكْرِهِنَّ} بمكر النسوة، وهو ذكرهن لها بسوءٍ على وجه الخفاءِ، ولما كان على وجه الخفاءِ سمى مكرا كما أَن الاحتيال فى الخداع مكر، أَو ذكرت لهن القصة على أَن لا يذكرنها لأَحد فأَفشينها خيانة وإِرادة لإِغضابها فيكون مشاكلة، إِذ ذكر ذلك باسم المكر لوقوعه فى صحبة ذكر الحيلة منها فى يوسف والكيد، كقوله تعالى: "أية : صبغة الله"تفسير : [البقرة: 138] أَى دين الله سماه صبغة لأَنه فى مقابلة صبغة النصارى لأَولادهم فى الماءِ الأَصفر، أَو سماه مكرا لأَن المراد به التدرج إِلى رؤْية يوسف بإِراءَتها لهن، وهذا يشبه المكر إِذ لا مكر فيه فى العادة، وكان قد وصف لهن بالجمال الكامل {أَرسِلَتْ إِلَيْهِنَّ} من يدعوهن أَن يجئْن إِليها، ويقال: أَرسلت إِلى أَربعين امرأَة منهن الخمس أَو الأَربع المذكورات، ولا يتم هذا لأَن الضمير إِلى النسوة وهى دون الأَربعين؛ إِلا أَن يكون استخدام بأَن رد الضمير إلى النسوة المذكورة لا على معناهن بل على معنى الجنس، ولا مانع من أَن يراد بنسوة الأَربعون لا خمس أَو أَربع، وهن من أَشراف المدينة بأَن تكون الأَربعون عيرنها، أَو أَصل الغيرة من الخمس وفشا منهن فى البواقى من الأَربعين، والخمس سبب لدعوى من سواهن، واختارت الكثرة لتلين عريكته وليجيب ما يرمنه ولإِسكات الخمس ولإِشاعة عذرها، ولعدد الأَربعين استظهار على الأَعداء اللائِمين قال الله - عزوجل: "أية : يا أيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين"تفسير : [الأنفال: 64] وهم يؤمئَذ أَربعون بعمر رضى الله عنه تم به العدد آخرا، وكان إِرسالها إِليهن على صورة الضيافة، ومرادها إِقامة عذرها ولا دليل على غير الخمس أَو الأَربع فهن المراد فقط {وأَعْتَدَتْ} أَحضرت، أُصوله العين والتاءُ والدال والهمزة زائِدة كهمزة أًكرم {لَهُنَّ مُتَّكَئاً} موضع اتكاءٍ وهو فراش واحد يكفى بهن، أًو المراد أَعتدت لكل واحدة متكأَ، والاتكاءُ القعود على اطمئْنان، ولا يشترط فيه الميل جانباً ولو شهر الميل جانباً، وعن ابن عباس: المتكأُ مجلس الطعام؛ لأَنهم يتكئون له كما هو عادة الشرقيين وجاءَ النهى فى الحديث عن الأَكل مع اتكاءٍ، وقيل المتكأُ الطعام، قال العتبى: يقال اتكأْنا عند فلان أَى أَكلنا، ومنه بيت الإِيضاح لجميل: شعر : فظللنا بنعمة واتكأْنا وشربنا الحلال من قلله تفسير : أَى وأَكلنا وشربنا {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّيناً} بلا طعام أَو لحم أَو فاكهة يقطع بها، وهى الموسى الصغيرة {وَقَالَتِ اخرُجْ علَيْهِنَّ} وقد زينته أَكمل زينة، وقالت أَطعنى اليوم فيما آمرك به واعصنى أَبدا، فتركها لمرادها من التزين والخروج عليهن، فخرج عليهن وبهتن فيه وشغلن عن أَنفسهن فوقعت السكين على يد كل واحدة تقطع بها ولا تشعر، وكانت السكاكين فى غاية من الحدة. وكان هو فى جمال لا تصبر النساءُ عليه، فبكتتهن على تفنيدهن من الغيرة واللوم فعذرنها وذلك قصدها، وقد تريد مع ذلك أَن يسلم عليهن أًو يخدمهن، وقد أَلبسته يومئذ ثياباً بيضاً والجميل أَحسن ما يكون فى البياض،وقد أَباح الله تعالى أَن يخلو بهن وأَن يرضى بتزيينها إِياه، لعل التزين لم يكن إِذا لم يذكره الله تعالى فهن يكبرنه بلا تزيين فإن فضله فى الجمال كفضل القمر ليلة البدر على الكواكب كما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة الإِسراء {فَلَمَّا رَأْيْنَهُ} وفى الآية حذف أى أرسلت إِليهن فجئْن وجلسن وقالت اخرج عليهن فخرج فرأَينه ولما رأَينه، والحذف للدلالة على مسارعته بها فيما يحل وذلك كله أَحله الله له، وتسمى هذه الفاءُ أَو الواو فاءُ الفصاحة أَو واو الفصاحة لإِفصاحها عن المحذوف كقوله تعالى: {فانبجست} {أَكبَرْنَهُ} عظمنه لجماله الفائق، وزعم بعض أَن المعنى حضن له، وحذفت اللام أَى أَكبرن لأَجله، أَو الهاءُ للإِكبار، أَى أَكبرن الإكبار، كقمت القيام، والإِكبارُ الحيض بمعنى الدخول فى الكبر، وذلك أَن الحيض يجىءُ بعد الصغر كأَمسى دخل فى المساءَ، وأَعرق دخل العراق، والمراد أَنهن يسلن دماً من شدة اشتهائه كقول أَبى الطيب: شعر : خف الله واستر ذا الجمال ببرقع فإن لحت حاضت فى الخدور العواتق تفسير : وأَبو الطيب لا يحتج بشعره كما لا يحتج بأَبى نواس ولو قاربا من يحتج به، وأَما قول القائل: شعر : يأْتى النساءَ على أَطهارهن ولا يأْتى النساءَ إِذا أَكبرن إِكبارا تفسير : فأَظنه ممنوعاَ ولا يصح عن ابن عباس ذلك {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} قطعت كل واحدة منهن يدها قطعاً عظيماً أَو كثيراً أو كر القطع بكثرة القاطعات، ولا يصح ما قيل بظاهر الآية أَنه فصلن أَيديهن بالقطع، فإنه يقال: قطعت اللحم فقطعت يدى، وما قطع إِلا بعضها مع أن المراد الجرح، والتشديد للمبالغة كيفية أو كمية، وهذا مرادها وقيل القطع اتفاق لا قصد إلا لأنها لما حضرن أَطعمتهن، وزعم بعض أَنها خوفته نساء فى أَيديهن خناجر لعله يطيعهن ويعلم أن لها شوكة {وَقُلْنَ حَاشَا للهِ مَا هَذَا بَشراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلكٌ كَرِيمٌ} قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر"تفسير : رواه ابن جرير والحاكم وابن مردوية عن أَبى سعيد الخدرى، ولا بعد أَن يكون التشبيه مقلوباً أى يشبه البدر، وكان يرى لوجهه لمعان فى الجدر، وقيل: المتكأ طعام يجز بالسكين، قيل هو الأُترج على الحذف والإيصال بمعنى أنه يتكىءُ عليه الآكل بالسكين فهو اسم مفعول فيكن رمن أَن يقطعن الطعام فيقطعن أَيديهن لأَن فى يد موسى وفى أُخرى ذلك الطعام، وذلك لفرط دهشتهن وقيل: أُترجا وموزا وبطيخا، وقيل: الرقاق الملفوف باللحم وغيره وقيل اللحم وكانوا يأْكلونه جزا بالسكاكين، وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : ادن العظم من فيك فإنه أَذهب للقرم.." تفسير : وفى الآية: إِنهن آمن بالملائكة واعتقدن جمال الملائكة، وأَن هذا الجمال لا يكون فى البشر وإِنما أَردن التشبيه لا الحقيقة؛ لأَنهن عرفنه بشراً والملك لا يكون لحماً وشعرا، أَو خطأَن فى صفة الملك والأَول أَولى فقد آمنَّ بالله لقولهن: حاشا لله، وحاش حرف تنزيه واللام بعدها للبيان كسقيا لك أَو فعل ماض واللام صلة، وأَيضاً وصفن الملائكة بالجمال مع العظمة، وذلك كرم عند الله، وإٍلا والاستثناءُ للعظمة إٍذ لم يذكر هنا سوءٌ، وقال الفارسى: هو فعل وأَن المعنى حاش يوسف المعصية أَى جانبها لأَجل الله، وهو تفسير ضعيف، لأَنه خالف ما شهر من معنى حاش، لأَنها للاستثناءِ أَو للتعجب وكأَنه قيل فماذا؟ فقيل {قَالَتْ} أَى امرأَة العزيز {فَذَلِكُنَّ} الإِشارة إِلى يوسف، وقيل: إِلى الحب وإِشارة البعد مع قرب يوسف للتعظيم، وقيل لأَنه وقت اللوم غير حاضر وعند هذا الكلام حاضر فالإِشارة باعتبار زمان اللوم على أَصلها أَو باعتبار هذا الكلام للتعظيم أَو لبعده عنهن عند هذا الكلام، لئَلا يزدن قطعاً ودهشاً {الَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ} أى تعجبتن من مراودتيه فاعذرننى فيه؛ لأَنه من رأَيتنه فلم تقدرن على الصبر عنه فصرتن تقطعن أَيدكن وتظنن أَنكن تقطعن الأُترج مثلا حتى سال الدم ولم تشعرن لدهشتكن وشغل قلوبكن به، وقال مجاهد: ما أَحسسن إِلا بالدم، وعن قتادة: فصلن أَيديهن حتى كانت كل واحدة بلا شمال، والأَصح أَنه قطع بلا فصل، وعن وهب: مات منهن جماعة. وروى أَنهن قلن له: أَطع مولاتك، وذلك أَن جماله فاق جمال البشر فإِن كان أَحد فوقه فى الجمال أَو مساوياً له فما هو إِلا ملك، والجمع بين هذا الجمال الفائِق والكف عن المعاصى غاية الكف من خواص الملائكة، وقيل: زينت المحل بالفرش وأَلوان الأَطعمة وزينت يوسف أَحسن الزينة ولم يمل إِليهن ولا إِلى دعواهن له، ولا إِلى أَلوان الطعام، وروى أَنه ورث الجمال من جدته سارة، ويقال: أَنه ورث حسن آدم يوم خلقه الله عز وجل قبل أَن يخرج من الجنة، وقيل: قبل أَن يصيب المعصية كما مر وهو أَولى، ويقال: أَكبرنه لأَنهن رأَين عليه نور النبوة وسيما الرسالة، وآثار الخضوع والهيبة، ولم يعتذر لهن ولم يمل لنكاح أَو طعام وكأَنه ملك، وإِشارة البعد لعلو المرتبة لا المسافة لأَنه قريب منهن، وذا مبتدأٌ والذى خبر أَو ذا خبر لحذوف والذى نعته، أَى هذا الذى رأَيتن هو ذلك العبد الكنعانى الذى لمتننى فيه، أَو مبتدأٌ محذوف الخبر أَى الذى لمتننى فيه هو هذا ما فعلتن من الدهش والتقطيع فى لقاء ساعة به فكيف بى وأَنا معه وقت، والمراد لمتننى فى حبه ومراودتيه {وَلَقَدْ رَاوَدَتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} بالغ فى الامتناع مثل اعتصم لما شاهدنه وفعلن أكثر مما فعلت وعرفت أًنهن يعذرنها أَقرت لهن ليعنها على مطاوعته لها ويعذرنها {وَلَئِنْ لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ} أَى ما آمره به من الوقاع والمقام للتعريف فما اسم موصول لا نكرة موصوفة فحذف العائد ولم يجر الموصول بمثل ما جر به ويتحد المتعلق. وقد قيل إِذا دل عليه دليل جاز حذفه مطلقاً، ومن شرط اتحاد الجار والمتعلق قدر النصب على نزع الجار فيكون مدخوله منصوباً على المفعولية مع أَن النصب على نزع الجار ينبغى أَن لا يفسر به القرآن، أَو ما مصدرية، أَى ولئِن لم يفعل أَمرى أَى موجب أَمرى أَو مضمون أَمرى، أَو هاءَ آمره لما أَى ما أَوجبه فهو الرابط ضمن أَمر معنى أُوجب فعدى بنفسه، أَو يقدر لفظ عليه أَى ما أُوجبه عليه {لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ} الأذلين، والفعل صغر بالكسر ونون التوكيد الخفيفة تكتب أَلفا لأَنه يوقف عليها بإِبدالها ألفاً عند الكوفيين، والبصريون يكتبونها نوناً ويقفون بالأَلف كذلك، قيل أكد السجن بالنون المشددة لتحققها، والكون فى الصاغرين بالحقيقة لعدم تحققه عندها، ويبحث بأَن كلا منهما ليس عربياً ويجاب بأَن الله عز وجل ذكر كلامها بحسب التشديد وما يليه فى لغتها، وكذا تقول فى سائر ما ذكر الله عز وجل عن العجم، وقيل لأن الكون من الصاغرين تبع للسجن فاكتفى عن التشديد فيه {قَالَ رَبِّ} يا رب {السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَْدعُونَنِى إِلَيْهِ} من الزنا، وكل واحدة دعته إِلى الزنا، والزيادة تصريحاً أَو تحويلا ورسالة على لسان أَو كتابة معها وحالهن قريب من هذا وهو ظاهر الآية، ويجوز أَن يكون الدعاءُ مسندا إِليهن؛ لأَنهن أَمرنه بفعل ما تريد امرأًة العزيز إِذ قلن أَطع مولاتك وخوفنه من مخالفتها، والآمر كالفاعل والواو لام الكلمة والفاعل هو النون الأُولى، قال بعض: لو لم يقل السجن أَحب إِلى لم يبتل بالسجن، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : سلوا الله العافية ولا تسأَلوه البلاءَ فتعجزوا، وإِذا ابتليتم فاصبروا"تفسير : ورد عنه صلى الله عليه وسلم على من يسأَل الصبر مستشعرا بالمصائب، سمع صلى الله عليه وسلم رجلا يقول: اللهم إٍِنى أَسأَلك الصبر، فقال: " حديث : سأَلت الله البلاءَ فاسأَل الله تعالى العافية"تفسير : رواه الترمذى عن معاذ، وفى الأًثر: لما قال: رب السجن أَحب إَلى إِلخ، أَوحى الله تعالى إِليه لا وحى نبى لأَنه لما يكن نبياً: يا يوسف أَنت جنيت على نفسك، هلا قلت: العافية أَحب إِلى فتعافى، وفى الأَثر: فى عبارات قومنا ما روى عن التابعين ومن يليهم أَو عن الصحابة بلا رفع إِليه صلى الله عليه وسلم، وفى كتب أَصحابنا ما فى الكتب لهم أَو لقومنا، والمعنى ملاقاة السجن أَو صاحبه للإِدخال فيه، أَو مقاساة أَمر السجن أَحب إِلى مما يدعوننى إِليه من الخلوة والزنا، لأَن فيه غضب الله عز وجل، ولا شىءَ فى قلبه من حب السجن ولا حب الزنا، فضلا عن أَن يكون أَحدهما أَحب من الاخر؛ والجواب أَن المراد بالحب الإِيثار بلا تفضيل ولا ثبوت لأَصل الإِيثار فى جانب الزنا، فالمعنى اقتصر على السجن دونه ولم يقل رب السجن والكون مع الصاغرين أَحب إِلخ لأَن الصغار تابع للسجن، ولوفاءِ السجن بالغرض وهو قطع طمعها عن أَن يطاوعها، وفى أَحب بناءُ اسم التفضيل من المبنى للمفعول {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّى} بالتثبيت على ترك المعصية {كَيْدَهُنَّ} سعيهن فى هلاكى بأَمرهن إِياى على موافقتها {أَصْبُ} أَمل {إِلَيْهِنَّ} إِلى وقاعهن، أَو إِلى جانبهن أَو إِلى مطاوعتهن أَو إِلى أَنفسهن لذلك بالطبع البشرى {وَأَكُنْ مِّنَ الْجَاهِلِينَ} أَى من السفهاءِ، والذنب سفه، أَو من الذين لا يعلمون الحلال والحرام؛ لأَن من علم ولم يعمل مثل الجاهل فى عدم العمل، التجأَ إِلى الله - عز وجل - على عادة الأَنبياءِ والأَولياءِ فى الاعتراف بالعجز على الحول والقوة إِن لم يعنهم الله، والعبد لا ينصرف عن المعصية إِلا إِن صرفه الله - تعالى - عنها، ومراد يوسف الدعاءُ بأَن يجعله غالبا لهواه {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ} دعاءَه، والدعاءَ فى قوله: والإ تصرف إِلخ لأَنه إِخبار لفظا، إِنشاءُ تضرعا، ودعاءٌ معنى، وقد علم الله صدقه إِذ قال: السجن أَحب إِلى أَى من الزنا، وذلك أَن النكاح محبوب بالطبع، ولكن السجن أَحب إِليه لأَن فيه نجاةً من غضب الله وفوزا بالجنة والثواب، أو أَحب معنى محبوب بلا تفضيل، أَو بمعنى عن، وأَحب خارج عن التفضيل {فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} بالتثبيت على ترك العصيان المحبوب بالطبع {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} العليم بالأَصوات والدعاءِ {الْعَلِيمُ} بالأَفعال والنيات وذات الصدور والأَحوال، ومكثت زمانا بعد ذلك تراوده طمعا لأَمر النساءِ له بمطاوعتها، ولما أَيست منه مع انتشار مراودتها له طلبت من زوجها إِما أَن تخرج للناس فتعتذر إِليهن ببراءَتها بما شهر، وتعاقب من يذكر ذلك، وإِما أَن يسجنه؛ تقوية فى أَنه هو الذى راودها، فظهر أَن يسجنه كما قال الله - عز وجل: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ} فاعل بدا ضمير السجن المدلول عليه بقوله: ليسجننه أَى بدا لهم سجنه بفتح السين كقولك قال تعالى أَى قال الله بدليل تعالى، وكقولك قال صلى الله عليه وسلم، أَى قال النبى صلى الله عليه وسلم بدليل صلى الله إلخ، أَو ضمير عائد إِلى البداءِ وهو ضعيف، أَو إِلى الرأْى لتبادره فى المقام، وهاءُ لهم للعزيز وزوجه وأَهلهما، وثم لتراخى زمان بعد تقطيع النسوة وقبل بدو السجن، لأَن زوجها قد رأَى صدقة وكذبها وتراخى، واحتالت له حتى طاوعها وزمامه فى يدها ظلما له عمدا، وإِعراضا عما رأَى من الايات {مِنْ بَعْدِ مَا رأَوُا الآيَاتِ} دلائِل صدقه وكذبها، كقد القميص من دبر، وشهادة الصبى فى المهد بأَنه برىء، وإِعراضه عن النسوة وقد أَظهرن أنهن دعونه إِلى أَنفسهن فأًعرض عنهن، كقطع النساء أَيديهن؛ فإِن فتنهن به فى وقت واحد يدل على أَنها فتنت تحقيقا لكثرة أَوقاتها معه فتكون قد بهتته كأَثرها فى جسده عند ابن عباس، وكحاله معه فى الصدق فى جميع أَحواله ومشاهدة عبادته لله - عز وجل - ويجوز أَن تكون آيات عند الله - عز جل - ولم يذكرها، وقيل ذلك واقع فى القرآن {لَيَسْجُنُنَّهُ} أَى قائلين والله ليسجننه {حَتَّى حِينٍ} مدة ما طويلة أَو قصيرة بحسب ما يظهر للناس أَنه أَجرم أَو يقر لهم بأَنه الذى راودها، وذلك مراد لها وللعزيز، وزادت؛ قيل: الطمع فى أَن ينقاد لها خوفا من السجن لحضوره ولو اختاره، قيل: وطمعا فى موافقة أَمر النساءِ بالمطاوعة، ويبحث بعد رده عن السجن بعد أَمر العزيز به، ويجاب بإِمكان أَن يطاوعها فى رده عن السجن إِن أَحبت رده، والحين فى اللغة زمان قصير أَو طويل ولا تعيين فى الآية، وكان بعض يحمله على ستة أَشهر لقوله تعالى: "أية : تؤتى أُكلها كل حين"تفسير : [إبراهيم: 25] ولا يلزم ذلك، لأَن الآية جاءَت على بعض ما يطلق عليه الحين، وقيل: خمس سنين، وقيل: سبع، وقال مقاتل: اثنا عشر {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} أَى فسجنوه فدخل معه السجن فتيان شرابى الملك الأَكبر ريان وخبازه، فالشرابى وهو ساقيه سرْهَم، والخباز برْهم رشاهما قوم من أَهل مصر على أَن يسماه، فأَلقى الخباز السم فى الطعام، وقبل الرشوة والساقى ندم ولم يقبلها ولم يلق السم فى الشراب، وأَخبر الملك، واتهمهما، فأَحضر الخباز الطعام فقال له الساقى: لا تأْكله أَيها الملك إِنه مسموم، وأَحضر الساقى الشراب فقال الخباز: لا تشرب إِنه مسموم، فقال له الملك اشرب فشرب، وقال للخباز: كل من الطعام فأَبى، فأُطعمت منه دابة فماتت فحبسهما الملك حيث حبس العزيز يوسف، والغلام الطار الشارب والكهل ضد، وقيل: أَو من حين يولد إِلى أَن يشيب - أُركب على حمار وضرب عليه الطبل فى أَسواق مصر أَن يوسف العبرانى راود سيدته فهذا جزاءُه، وكلما ذكر ابن عباس رضى الله عنه هذا بكى، ومع للمفارقة فى زمان الفعل، فوقت دخول الثلاثة السجن واحد، وهذا أَصل معنى مع حقيقة حتى يقوم الدليل على الانفصال مثل: "أية : وأَسلمت مع سليمان" تفسير : [النمل: 44] "أية : فلما بلغ معه السعى" تفسير : [الصافات: 102] ويجوز إِبقاؤهما على الأًصل؛ لأَن الإِسلام والسعى يتجددان فيعلق معه بالسعى {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْراً} وهو الساقى، والخمر العنب أَو ماؤه، وفسره أُبى وابن مسعود بالعنب، سماه خمرا؛ لأَنه يصير خمرا، يسمى الشىءُ باسم ما يؤول إِليه إِذا تعين أَن يؤول إِليه، أَو ترجح أَو كثر أَوله إِليه أَو اعتيد، وقيل: العنب من أًول الأَمر خمر بلغة أَزد عمان وغسان، قال المعتمر: قلت لأعرابى حمل عنبا: ما تحمل؟ قال: خمرا، ويحتمل أَنه رأَى أَنه يخرج نفس الخمر من العنب لا مجرد مائه فهو حقيقة لا مجاز كما هو حقيقة فى لغة أَزد عمان وغسان فى نفس العنب، وقرأَ أُبى وعبد الله: أَعصر عنبا، وذكر البخارى عن عبد الله أَنه قال: والله لقد أَخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا قلت لعله صلى الله عليه وسلم قرأَ بذلك تفسيرا، وهذا تأَويل قريب جدا لشهرة أَعصر خمرا عنه صلى الله عليه وسلم باتفاق، قال: رأَيت فى النوم أَنى فى بستان فيه شجرة عنب عليها ثلاثة عناقيد وفى يدى كأس الملك عصرتها فيه وسقيته وشرب فسمى العصير خمرا، ولو كان لا يؤُول إِلى الخمر لأَنه عصير نوم لاحقيق، ولا يشترط فى مجاز الأَول أَن يتحقق أَن يؤول بل يكفى إِلا ما كان مع ما مر من ترجيح وغيره بل ولوتيقن أَنه لا يؤول لكن من عادته مثلا أَن يؤول يجوز التسمية باسم المآل فلا تهم {وَقَالَ الآخَرُ} صاحب الطعام واسمه مجلث، وقيل: الساقى راشان والخباز مرطش، وقيل: الساقى سبرهم والخباز شرهم {إِنِّى أَرَنِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزاً} فى ثلاث سلل بعض فوق بعض مع أَلوان الطعام فيها {تَأْكُلُ الطَّيْرُ} سباع الطير {مِنْهُ} من الخبز الذى فى السلة العليا، وفاعل أَرى والياءُ فى الموضعين لواحد، وجاز ذلك مع اتصال الضمير لجواز ذلك فى باب ظن وعلم ورأَى الحلمية وفقد وعدم، ولا يجوز ذلك فى غيرهن مطلقا وعندى يجوز فى غيرهن إن جر الثانى بحرف جر، وأَنه لا حاجة إِلى تقدير مضاف، وأَنه مقيس لكثرته نحو: " أية : واضمم إٍليك" تفسير : [القصص: 32] و "تأْوين إِليك" و "أية : فصرهن إِليك"تفسير : [البقرة: 260] و "أية : يدنين عليهن"تفسير : [الأحزاب: 59] و "أية : أَمسك عليك زوجك " تفسير : [الأحزاب: 37] و " أية : هزى إِليك"تفسير : [مريم: 25] {نَبِّئْنَا} أخبرنا {بِتَأْوِيِلِهِ} تأْويل ما ذكر، وهو ما ذكراه جميعا أَو قال الأًول أَيضا نبئْنا بتأْويله محذوف {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} فى تفسير الرؤيا فأَحسن إِلينا بتأْويل ما ذكرنا، وكان يعبر لأَهل السجن مرائِيهم بوجه صادق، وفى تسلية المحزونين فى السجن وفى قوله: اصبروا يثبكم الله عز وجل، وفى عيادة مرضاهم والتصدق بما وجد عليه والتوسع لمن ضاق موضعه، وصوم اليوم وقيام الليل، ويجمع للمحتاج ما يحتاج إِليه، قيل: رأَيا ذلك فى النوم تحقيقا، وقيل: كذبا، ولم يريا شيئاً فى النوم، فهما تحلما وما حلما ولبثا فى السجن ثلاثة أَيام عدد العناقيد والسلل.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} أي باغتيابهن وسوء مقالتهن، وتسمية ذلك مكراً لشبهه له في الإخفاء، وقيل: كانت استكتمتهن سرها فأفشينه وأطلعن أمرها، وقيل: إنهن قصدن بتلك المقالة إغضابها حتى تعرض عليهن يوسف لتبدي عذرها فيفزن بمشاهدته، والمكر على هذين القولين حقيقة {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} تدعوهن، قيل: دعت أربعين امرأة منهن الخمس أو الأربع المذكورات، وروي ذلك عن وهب، والظاهر عود الضمير على تلك النسوة القائلة ما قلن عنها {وَأَعْتَدَتْ} أي هيأت {لَهُنَّ مُتَّكَئًا} / أي ما يتكئن عليه من النمارق والوسائد كما روي عن ابن عباس، وهو من الاتكاء الميل إلى أحد الشقين، وأصله موتكأ لأنه من توكأت فأبدلت الواو تاءاً وأدغمت في مثلها، وروي عن الحبر أيضاً أن المتكأ مجلس الطعام لأنهم كانوا يتكؤن له كعادة المترفين المتكبرين، ولذلك نهي عنه، فقد أخرج ابن أبـي شيبة عن جابر رضي الله تعالى عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يأكل الرجل بشماله وأن يأكل متكئاً، وقيل: أريد به نفس الطعام قال العتبـي: يقال: اتكأنا عند فلان أي أكلنا؛ ومن ذلك قول جميل: شعر : فظللنا بنعمة واتكأنا وشربنا الحلال من قلله تفسير : وهو على هذا اسم مفعول أي متكئاً له أو مصدر أي اتكاء، وعبر بالهيئة التي يكون عليها الآكل المترف عن ذلك مجازاً، وقيل: هو من باب الكناية. وعن مجاهد أنه الطعام يحز حزاً بالسكين واختلفوا في تعيينه، فقيل: كان لحماً وكانوا لا ينهشون اللحم وإنما يأكلونه حزاً بالسكاكين، وقيل: كان أترجاً وموزاً وبطيخاً، وقيل: الزماورد وهو الرقاق الملفوف باللحم وغيره أو شيء شبيه بالأترج، وكأنه إنما سمي ما يقطع بالسكين بذلك لأن عادة من يقطع شيئاً أن يعتمد عليه فيكون متكأ عليه. وقرأ الزهري وأبو جعفر وشيبة ـ متكى ـ مشدد التاء من غير همز بوزن متقى وهو حينئذ إما أن يكون من الاتكاء وفيه تخفيف الهمزة كما قالوا في توضأت: توضيت، أو يكون مفتعلاً من أوكيت السقاء إذا شددته بالوكاء، والمعنى أعتدت لهن ما يشتد عليه بالاتكاء أو بالقطع بالسكين، وقرأ الأعرج (متكأ) على وزن مفعلاً من تكاء يتكأ إذا اتكأ، وقرأ الحسن وابن هرمز (متكاء) بالمد والهمز وهو مفتعل من الاتكاء إلا أنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف وهو كثير في كلامهم، ومنه قوله: شعر : وأنت من الغوائل حين ترمى وعن ذم الرجال بمنتزاح تفسير : وقوله: شعر : ينباع من ذفرى غضوب جسرة زيافة مثل الفنيق المكرم تفسير : وقرأ ابن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة وآخرون (متكاً) بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف، وجاء ذلك عن ابن هرمز أيضاً، وهو الأترج عند الأصمعي وجماعة والواحد متكة، وأنشد:شعر : فأهدت (متكة) لبني أبيها تخب بها العثمثمة الوقاح تفسير : وقيل: هو اسم يعم جميع ما يقطع بالسكين ـ كالأترج وغيره من الفواكه، وأنشد: شعر : نشرب الاثم بالصواع جهاراً ونرى (المتك) بيننا مستعاراً تفسير : وهو من متك الشيء بمعنى بتكه أي قطعه، وعن الخليل تفسير المتك مضموم الميم بالعسل، وعن أبـي عمرو تفسيره بالشراب الخالص، وحكى الكسائي تثليث ميمه، وفسره بالفالوذج، وكذا حكى التثليث المفضل لكن فسره بالزماورد، وذكر أنه بالضم المائدة أو الخمر في لغة كندة، وبالفتح قرأ عبد الله ومعاذ رضي الله تعالى عنهما. وفي الآية على سائر القراآت حذف أي فجئن وجلسن. {وَءاتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مّنْهُنَّ سِكّينًا}. وقال بعض المحققين: لا يبعد أن تسم هذه الواو فصيحة، وإنما أعطت كل واحدة ذلك لتستعمله في قطع ما يعهد قطعه مما قدم بين أيديهن وقرب إليهن، وغرضها من ذلك ما سيقع من تقطيع أيديهن لتبكتهنّ بالحجة. وقيل: غرضها ذاك والتهويل على يوسف عليه السلام من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في / أيديهن الخناجر توهمه أنهن يثبن عليه فيكون خائفاً من مكرها دائماً فلعله يجيبها إلى مرادها. والسكين مذكر عند السجستاني قال: وسألت أبا زيد الأنصاري والأصمعي وغيرهم ممن أدركناه فكلهم يذكره وينكر التأنيث فيه، وعن الفراء أنه يذكر ويؤنث وذلك حكى عن اللحياني ويعقوب، ومنع بعضهم أن يقال: سكينة، وأنشد عن الكسائي ما يخالف ذلك وهو قوله: شعر : الذئب سكينته في شدقه ثم قراباً نصلها في حلقه تفسير : {وَقَالَتِ} ليوسف عليه السلام وهن مشغولات بمعالجة السكاكين وإعمالها فيما بأيدهن، والعطف بالواو ربما يشير إلى أن قولها: {ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} أي ابرز لهن لم يكن عقيب ترتيب أمورهنّ ليتم غرضها بهن. والظاهر أنها لم تأمره بالخروج إلا لمجرد أن يرينه فيحصل مرامها، وقيل: أمرته بالخروج عليهن للخدمة أو للسلام، وقد أضمرت مع ذلك ما أضمرت يحكى أنها ألبسته ثياباً بيضاً في ذلك اليوم لأن الجميل أحسن ما يكون في البياض {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ} عطف على مقدر يستدعيه الأمر بالخروج وينسحب عليه الكلام أي فخرج عليهن فرأينه، وإنما حذف على ما قيل: تحقيقاً لمفاجأة رؤيتهن كأنها تفوت عند ذكر خروجه عليهن، وفيه إيذان بسرعة امتثاله عليه السلام بأمرها فيما لا يشاهد مضرته من الأفاعيل ونظير هذا آت كما مر آنفاً {أَكْبَرْنَهُ} أي أعظمنه ودهشن برؤية جماله الفائق الرائع الرائق، فإن فضل جماله على جمال كل جميل كان كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وأخرج ابن جرير وغيره عن أبـي سعيد الخدري عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر"تفسير : ، وحكى أنه عليه السلام كان إذا سار في أزقة مصر تلألأ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس، وجاء عن الحسن أنه أعطى ثلث الحسن، وفي رواية عن أنس مرفوعاً أنه عليه السلام أعطى هو وأمه شطر الحسن وتقدم خبر أنه عليه السلام كان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه ربه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى أكبرن حضن، ومن ذلك قوله: شعر : نأتي النساء على أطهارهن ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكباراً تفسير : وكأنه إنما سمي الحيض إكباراً لكون البلوغ يعرف به فكأنه يدخل الصغار سن الكبر فيكون في الأصل كناية أو مجازاً، والهاء على هذا إما ضمير المصدر فكأنه قيل: أكبرن إكباراً وإما ضمير يوسف عليه السلام على أسقاط الجار أي حضن لأجله من شدّة شبقهن، والمرأة كما زعم الواحدي إذا اشتدّ شبقها حاضت ومن هنا أخذ المتنبـي قوله: شعر : خف الله واستر ذا الجمال ببرقع إذا لحت حاضت في الخدور العواتق تفسير : وقيل: إن الهاء للسكت، ورد بأنها لا تحرك ولا تثبت في الوصل، وإجراء الوصل مجرى الوقف وتحريكها تشبيهاً لها بالضمير كما في قوله: شعر : واحر قلباه ممن قلبه شبم تفسير : على تسليم صحته ضعيف في العربية واعترض في «الكشف» التخريجين الأولين فقال: إن نزع الخافض ضعيف لأنه إنما يجري في الظروف / والصفات والصلات، وذلك لدلالة الفعل على مكان الحذف، وأما في مثل هذا فلا، والمصدر ليس من مجازه إذ ليس المقام للتأكيد، وزعم أن الوجه هو الأخير، وكل ما ذكره في حيز المنع كما لا يخفى. وأنكر أبو عبيدة مجيء أكبرن بمعنى حضن، وقال: لا نعرف ذلك في اللغة، والبيت مصنوع مختلق لا يعرفه العلماء بالشعر، ونقل مثل ذلك عن الطبري. وابن عطية وغير واحد من المحققين، ورواية ذلك عن ابن عباس إنما أخرجها ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم من طريق عبد الصمد، وهو ـ وإن روى ذلك عن أبيه علي عن أبيه ابن عباس ـ لا يعول عليه فقد قالوا: إنه عليه الرحمة ليس من رواة العلم. وعن الكميت الشاعر تفسير أكبرن بأمنين، ولعل الكلام في ذلك كالكلام فيما تقدم تخريجاً وقبولاً، وأنا لا أرى الكميت من خيل هذا الميدان وفرسان ذلك الشأن. {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي جرحنها بما في أيديهن من السكاكين لفرط دهشتهن وخروج حركات جوارحهن عن منهاج الاختيار حتى لم يعلمن بما عملن ولم يشعرن بما ألم ما نالهن، وهذا كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، وهو معنى حقيقي للتقطيع عند بعض. وفي «الكشف» إنه معنى مجازي على الأصح، والتضعيف للتكثير إما بالنسبة لكثرة القاطعات. وإما بالنسبة لكثرة القطع في يد كل واحدة منهن. وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أنه فسر التقطيع بالإبانة، والمعنى الأول أسرع تبادراً إلى الذهن، وحمل الأيدي على الجوارح المعلومة مما لا يكاد يفهم خلافه، ومن العجيب ما روي عن عكرمة من أن المراد بها الأكمام، وأظن أن منشأ هذا محض استبعاد وقوع التقطيع على الأيدي بالمعنى المتبادر؛ ولعمري لو عرض ما قاله على أدنى الأفهام لاستبعدته. {وَقُلْنَ} تنزيهاً لله سبحانه عن صفات التقصير والعجز وتعجباً من قدرته جل وعلا على مثل ذلك الصنع البديع {حَٰشَ للَّهِ} أصله حاشا الله بالألف كما قرأ أبو عمرو في الدرج فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفاً، وهو على ما قيل: حرف وضع للاستثناء والتنزيه معاً ثم نقل وجعل اسماً بمعنى التنزيه وتجرد عن معنى الاستثناء ولم ينون مراعاة لأصله المنقول عنه، وكثيراً ما يراعون ذلك ألا تراهم قالوا: جلست من عن يمينه؟ فجعلوا ـ عن ـ اسماً ولم يعربوه، وقالوا: غدت من عليه فلم يثبتوا ألف على مع المضمر كما أثبتوا ألف فتى في فتاه كل ذلك مراعاة للأصل، واللام للبيان فهي متعلقة بمحذوف، ورد في «البحر» دعوى إفادته التنزيه في الاستثناء بأن ذلك غير معروف عند النحاة، ولا فرق بين قام القوم إلا زيداً وحاشا زيداً، وتعقب بأن عدم ذكر النحاة ذلك لا يضر لأنه وظيفة اللغويين لا وظيفتهم، واعترض بعضهم حديث النقل بأن الحرف لا يكون اسماً إلا إذا نقل وسمى به وجعل علماً، وحينئذ يجوز فيه الحكاية والإعراب، ولذا جعله ابن الحاجب اسم فعل بمعنى برىء الله تعالى من السوء، ولعل دخول اللام كدخولها في {أية : هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ }،تفسير : [المؤمنون: 36] وكون المعنى على المصدرية لا يرد عليه لأنه قيل: إن أسماء الأفعال موضوعة لمعاني المصادر وهو المنقول عن الزجاج، نعم ذهب المبرد وأبو علي وابن عطية وجماعة إلى أنه فعل ماض بمعنى جانب، وأصله من حاشية الشيء وحشيه أي جانبه وناحيته، وفيه ضمير يوسف واللام للتعليل متعلقة به أي جانب يوسف ما قرف به لله تعالى أي لأجل خوفه ومراقبته، والمراد تنزيهه وبعده كأنه صار في جانب عما اتهم به لما رؤي فيه من آثار العصمة وأبهة النبوة عليه الصلاة والسلام، ولا يخفى أنه على هذا يفوت معنى التعجب، واستدل على اسميتها بقراءة أبـي السمال / {حَٰشَ للَّهِ} بالتنوين، وهو في ذلك على حد: سقياً لك، وجوز أن يكون اسم فعل والتنوين كما في صه، وكذا بقراءة أبـيّ وعبد الله رضي الله تعالى عنهما ـ حاشا الله ـ بالإضافة كسبحان الله، وزعم الفارسي أن {حَٰشَ} في ذلك حرف جر مراداً به الاستثناء كما في قوله:شعر : (حاشا) أبـي ثوبان إن أبا ثوبان ليس ببكمة فدم تفسير : ورد بأنه لم يتقدمه هنا ما يستثنى منه، وجاء في رواية عن الحسن أنه قرأ ـ حاشْ لله ـ بسكون الشين وصلاً ووقفاً مع لام الجر في الاسم الجليل على أن الفتحة اتبعت الألف في الإسقاط لأنها كالعرض اللاحق لها، وضعفت هذه القراءة بأن فيها التقاء الساكنين على غير حده، وفي رواية أخرى عنه أنه قرأ ـ حاش الإله ـ وقرأ الأعمش ـ حشا لله ـ بحذف الألف الأولى. هذا واستدل المبرد وابن جني والكوفيون على أن ـ حاش ـ قد تكون فعلاً بالتصرف فيها بالحذف كما علمت في هذه القراآت، وبأنه قد جاء المضارع منها كما في قول النابغة: شعر : ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه ولا ـ أحاشي ـ من الأقوام من أحد تفسير : ومقصودهم الرد على ـ س ـ وأكثر البصرية حيث أنكروا فعليتها، وقالوا: إنها حرف دائماً بمنزلة إلا لكنها تجر المستنثى، وكأنه لم يبلغهم النصب بها كما في قوله: شعر : حاشا قريشاً فإن الله فضلهم تفسير : وربما يجيبون عن التصرف بالحذف بأن الحذف قد يدخل الحرف كقولهم: أما والله وأم والله، نعم ردّ عليهم أيضاً بأنها تقع قبل حرف الجر، ويقابل هذا القول ما ذهب إليه الفراء من أنها لا تكون حرفاً أصلاً بل هي فعل دائماً ولا فاعل لها، والجر الوارد بعدها كما في:شعر : حاشاي إني مسلم معذور تفسير : والبيت المار آنفاً بلام مقدرة، والحق أنها تكون فعلاً تارة فينصب ما بعدها ولها فاعل وهو ضمير مستكن فيها وجوباً يعود إما على البعض المفهوم من الكلام أو المصدر المفهوم من الفعل، ولذا لم يثن ولم يجمع ولم يؤنث، وحرفا أخرى ويجر ما بعدها، ولا تتعلق بشيء كالحروف الزائدة عند ابن هشام، أو تتعلق بما قبلها من فعل أو شبهه عند بعض، ولا تدخل عليها إلا كما إذا كانت فعلاً خلافاً للكسائي في زعمه جواز ذلك إذا جرت، وأنها إذا وقعت قبل لام الجر كانت اسم مصدر مرادفاً للتنزيه، وتمام الكلام في محله. {مَا هَـٰذَا بَشَرًا} نفين عنه البشرية لما شاهدن من جماله الذي لم يعهد مثاله في النوع الإنساني، وقصرهن على الملكية بقولهن: {إِنَّ هَذَا} أي ما هذا {إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} أي شريف كثير المحاسن بناءً على ما ركز في الطباع من أنه لا حي أحسن من الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان، ولذا لا يزال يشبه بهما كل متناه في الحسن والقبح وإن لم يرهما أحد، وأنشدوا لبعض العرب:شعر : فلست لأنسي ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوب تفسير : وكثر في شعر المحدثين ما هو من هذا الباب، ومنه قوله: شعر : ترك إذا قوبلوا كانوا ملائكة حسناً وإن قوتلوا كانوا عفاريتا تفسير : وغرضهن من هذا وصفه بأنه في أقصى مراتب الحسن والكمال الملائم لطباعهن، ويعلم مما قرر أن الآية لا تقوم دليلاً على أن الملك أفضل من بني آدم كما ظن أبو علي الجبائي وأتباعه، وأيده الفخر - ولا فخر له ـ بما أيده، وذهب غير واحد إلى أن الغرض تنزيهه عليه السلام عما رمى به على أكمل وجه، وافتتحوا ذلك ـ بحاشا لله ـ / على ما هو الشائع في مثل ذلك، ففي «شرح التسهيل» الاستعمال على أنهم إذا أرادوا تبرئة أحد من سوء ابتدأوا تبرئة الله سبحانه من السوء ثم يبرئون من أرادوا تبرئته على معنى أن الله تعالى منزه عن أن لا يطهره مما يضيمه فيكون آكد وأبلغ، والمنصور ما أشير إليه أولاً وهو الذي يقتضيه السياق والسباق، نعم هذا الاستعمال ظاهر فيما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله تعالى عن النسوة: {أية : حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ }تفسير : [يوسف: 51] و {مَا} عاملة عمل ليس وهي لغة للحجازيين لمشابهتها لها في نفي الحال على ما هو المشهور في ليس من أنها لذلك أو في مطلق النفي بناءاً على ما قال الرضي من أنها ترد لنفي الماضي والمستقبل، والغالب على لغتهم جر الخبر بالباء حتى أن النحويين لم يجدوا شاهداً على النصب في أشعارهم غير قوله:شعر : وأنا النذير بحرة مسودة تصل الجيوش إليكم قوادها أبناؤها متكنفون أباهم حنقوا الصدور وما هم أولادها تفسير : والزمخشري يسمى هذه اللغة: اللغة القدمى الحجازية، ولغة بني تميم في مثل ذلك الرفع، وعلى هذا جاء قوله: شعر : ومهفهف الأعطاف قلت له انتسب فأجاب ما قتل المحب حرام تفسير : وبلغتهم قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وزعم ابن عطية أنه لم يقرأ بها أحد هنا، وقرأ الحسن وأبو الحويرث الحنفي ما هذا بشرى بالباء الجارة وكسر الشين على أن شرى ـ كما قال صاحب «اللوائح» مصدر أقيم مقام المفعول به أي ما هذا بمشرى أي ليس ممن يشتري بمعنى أنه أعز من أن يجري عليه ذلك. وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبـي عمرو أيضاً إلا أنه روى عنه أنه مع ذلك كسر اللام من ملك، وروى الكسر ابن عطية عن الحسن وأبـي الحويرث أيضاً، والمراد إدخاله في حيز الملوك بعد، ففي كونه مما يصلح للملوكية فبين الجملتين تناسب ظاهر، وكأن بعضهم لم ير أن من قرأ بذلك قرأ أيضاً {مَلِكُ} بكسر اللام فقال: لتحصيل التناسب بينهما في تفسير ذلك أي ما هذا بعبد مشتري لئيم، وعلى التقديرين لا يقال: إن هذه القراءة مخالفة لمقتضى المقام، نعم إنها مخالفة لرسم المصحف لأنه لم يكتب ذلك بالياء فيه.

ابن عاشور

تفسير : حقّ سمع أن يعدّى إلى المسموع بنفسه، فتعديته بالباء هنا إما لأنه ضمن معنى أخْبِرت، كقول المثل: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» أي تخبر عنه. وإما أن تكون الباء مزيدة للتوكيد مثل قوله تعالى: { أية : وامسحوا برؤوسكم } تفسير : [سورة المائدة: 6]. وأطلق على كلامهن اسم المكر، قيل: لأنهن أردن بذلك أن يبلغ قولهن إليها فيغريَها بعَرضها يوسف عليه السّلام عليهن فيريْنَ جماله لأنهن أحببن أن يرينه. وقيل: لأنهن قلنه خفية فأشبه المكر، ويجوز أن يكون أطلق على قولهن اسم المكر لأنهن قلنه في صورة الإنكار وهن يُضمرن حسَدَها على اقتناء مثله، إذ يجوز أن يكون الشغف بالعبد في عادتهم غير منكر. {وأعتدت}: أصله أعددت، أبدلت الدال الأولى تاء، كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : وأعتدنا للكافرين عذاباً مُهيناً } تفسير : في سورة النساء (37). والمتّكأ: محل الاتكاء. والاتكاء: جِلسة قريبة من الاضطجاع على الجنب مع انتصاب قليل في النصف الأعلى. وإنما يكون الاتكاء إذا أريد إطالة المكث والاستراحة، أي أحضرت لهن نمارق يتّكِئْن عليها لتناول طعام. وكان أهل الترف يأكلون متكئين كما كانت عادةً للرومان، ولم تزل أسرّة اتكائهم موجودة في ديار الآثار. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمّا أنَا فلا آكلُ متكئاً"تفسير : . ومعنى {آتت} أمرت خدمها بالإيتاء كقوله: { أية : يا هامان ابن لي صرحاً } تفسير : [سورة غافر: 36]. والسكين: آلة قطع اللحم وغيره. قيل: أحضرت لهن أتْرُجاً ومَوْزاً فحضرن واتكأن، وقد حذف هذان الفعلان إيجازاً. وأعطت كل واحدة سكيناً لقشر الثمار. وقولها: {أُخرج عليهن} يقتضي أنه كان في بيت آخر وكان لا يدخل عليها إلا بإذنها. وعدّي فعل الخروج بحرف (على) لأنه ضمن معنى (أُدخل) لأن المقصود دخوله عليهن لا مجرد خروجه من البيت الذي هو فيه. ومعنى {أكبرنه} أعظمنه، أي أعظمن جماله وشمائله، فالهمزة فيه للعدّ، أي أعددنه كبيراً، وأطلق الكبر على عظيم الصفات تشبيهاً لِوفرة الصفات بعظم الذات. وتقطيع أيديهن كان من الذهول، أي أجرين السكاكين على أيديهن يحسبن أنهن يقطعن الفواكه. وأريد بالقطع الجُرح، أطلق عليه القطع مجازاً للمبالغة في شدته حتى كأنه قَطْع قطعة من لحم اليد. و{حاش لله} تركيب عربي جرى مجرى المثل يراد منه إبطال شيء عن شيء وبراءته منه. وأصل (حاشا) فعل يدل على المباعدة عن شيء، ثم يعامل معاملة الحرف فيجَرُّ به في الاستثناء فيقتصر عليه تارة. وقد يوصل به اسم الجلالة فيصير كاليمين على النفي يقال: حَاشَا الله، أي أحاشيه عن أن يكذب، كما يقال: لا أقسم. وقد تزاد فيه لام الجر فيقال: حاشا لله وحاش لله، بحذف الألف، أي حاشا لأجله، أي لخوفه أن أكذب. حكي بهذا التركيب كلام قالته النسوة يدل على هذا المعنى في لغة القبط حكاية بالمعنى. وقرأ أبو عَمرو «حاشا لله» بإثبات ألف حاشا في الوصل، وقرأ البقية بحذفها فيه. واتفقوا على الحذف في حالة الوقف. وقولهن: {مَا هذا بشراً} مبالغة في فَوْته محاسن البشر، فمعناه التفضيل في محاسن البشر، وهو ضد معنى التشابه في باب التشبيه. ثم شبّهنه بواحد من الملائكة بطريقة حصره في جنس الملائكة تشبيهاً بليغاً مؤكّداً. وكان القبط يعتقدون وجود موجودات علوية هي من جنس الأرواح العلوية، ويعبرون عنها بالآلهة أو قضاة يوم الجزاء، ويجعلون لها صوراً، ولعلهم كانوا يتوخّوْن أن تكون ذواتاً حسنة. ومنها ما هي مدافعة عن الميت يوم الجزاء. فأطلق في الآية اسم الملك على ما كانت حقيقته مماثلة لحقيقة مسمّى الملك في اللغة العربية تقريباً لأفهام السامعين. فهذا التشبيه من تشبيه المحسوس بالمتخيل، كقول امرىء القيس: شعر : ومسنونة زرق كأنياب أغوال تفسير : والفاء في {فذلكن} فاء الفصيحة، أي إن كان هذا كما زعمتُنّ ملكاً فهو الذي بلَغكن خبره فلمتنني فيه. و{لمتنني فيه} (في) للتعليل، مثل « حديث : دخلت امرأةٌ النار في هرة »تفسير : . وهنالك مضاف محذوف، والتقدير: في شأنه أو في محبته. والإشارة بـــ (ذلكن) لتمييز يوسف ـــ عليه السّلام ـــ، إذ كُنّ لم يرينَه قبلُ. والتعبير عنه بالموصولية لعدم علم النسوة بشيء من معرّفاته غير تلك الصلة، وقد باحت لهن بأنها راودته لأنها رأت منهن الافتتان به فعلمت أنهن قد عذرنها. والظاهر أنهن كن خلائل لها فلم تكتم عنهن أمرها. واستعصم: مبالغة في عصم نفسه، فالسين والتاء للمبالغة، مثل: استمسك واستجمع الرأي واستجاب. فالمعنى: أنه امتنع امتناع معصوم، أي جَاعلاً المراودة خطيئة عصم نفسه منها. ولم تزل مصممة على مراودته تصريحاً بفرط حبها إياه، واستشماخاً بعظمتها، وأن لا يعصي أمرها، فأكدت حصول سجنه بنوني التوكيد، وقد قالت ذلك بمسمع منه إرهاباً له. وحذف عائد صلة {ما آمره} وهو ضمير مجرور بالباء على نزع الخافض مثل: أمرتك الخير... والسجن ـــ بفتح السين ـــ: قياس مصدر سجَنه، بمعنى الحبس في مكان محيط لا يخرج منه. ولم أره في كلامهم ـــ بفتح السين ـــ إلا في قراءة يعقوب هذه الآية. والسجن ـــ بكسر السين ـــ: اسم للبيت الذي يسجن فيه، كأنهم سموه بصيغة المفعول كالذبح وأرادوا المسجون فيه. وقد تقدم قولها آنفاً: { أية : إلا أن يُسجن أو عذابٌ أليم } تفسير : [سورة يوسف: 25]. والصاغر: الذليل. وتركيب من {الصاغرين} أقوى في معنى الوصف بالصّغار من أن يقال: وليكونن صاغراً، كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } تفسير : في سورة البقرة (67)، وقوله: { أية : وكونوا مع الصادقين } تفسير : في آخر سورة براءة (119). وإعداد المُتّكأ لهن، وبَوحُها بسرّها لهن يدل على أنهن كن من خلائلها.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ} الآية. بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة ثناء هؤلاء النسوة على يوسف بهذه الصفات الحميدة فيما بينهن، ثم بين اعترافهن بذلك عند سؤال الملك لهن أمام الناس في قوله: {أية : قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ قَالَتِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} تفسير : [يوسف: 51] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {مُتَّكَئاً} {وَآتَتْ} {وَاحِدَةٍ} {حَاشَ} (31) - فَلَمَّا سَمِعَتْ امْرَأَةُ العَزِيزِ مَقَالَةَ نِسْوَةِ الكُبَرَاءِ التِي أَرَدْنَ بِهَا إِغْضَابَهَا، وَمَا يَتَحَدَّثْنَ بِهِ عَنْ ذَهَابِ الحُبِّ بِهَا كُلَّ مَذْهَبٍ، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ تَدْعُوهُنَّ إِلى مَنْزِلِهَا لِتُضَيِّفَهُنَّ، وَأَعَدَّتْ لَهُنَّ مَفَارِشَ وَأَرَائِكَ، وَطَعَاماً مِمَّا يُقَطَعُ بِالسَّكَاكِينِ، وَأَعَطْتَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً لِتَسْتَعْمِلَهُ، وَكَانَ ذلِكَ مِنْهَا مَكِيدَةً، وَمُقَابَلَةً مِنْهَا لَهُنَّ عَلَى كَيْدِهِنَّ. ثُمَّ دَعَت يُوسُفَ إِلى الدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ. فَلَمَّا رَأَتْهُ النِّسْوَةُ أَعْظَمْنَ شَأْنَهُ، وَأَجْلَلْنَ قَدْرَهُ، وَجَعَلْنَ يُجَرِّحْنَ أَيْدِيهُنَّ دَهَشاً بِرُؤْيَتِهِ. وَلَمَّا شَكَوْنَ لَهَا مِمَّا أَصَابَهُنَّ، قَالَتْ لَهُنَّ: أَنْتُنَّ فَعَلْتُنَّ هذا مِنْ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَيْفَ أُلاَمُ أَنَا؟ فَقُلْنَ لاَ لَوْمَ عَلَيْكِ بَعْدَ الذِي رَأَيْنَا، فَهذا لَيْسَ بَشَراً مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَحَدُ مَلائِكَةِ اللهِ المُكَرَّمِينَ. قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ - جَرَحْنَ أَيْدِيَهُنَّ. حَاشَ للهِ - تَنْزِيهاً عَنِ العَجْزِ عَنْ خَلْقِ مِثْلِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولسائل أن يقول: وكيف انتقل لَهُنَّ الكلام عن الذي حدث بينها وبين يوسف؟ لا بُدَّ أن هناك مرحلة بين ما حدث في القصر؛ وكان أبطاله أربعة هم: العزيز، وامرأته، ويوسف، والشاهد، ولا بد أن يكون مَنْ نقل الكلام إلى خارج القصر؛ إنسان له علاقتان؛ علاقة بالقصر فسمع ورأى وأدرك؛ ونقل ما علم إلى مَنْ له به علاقة خارج القصر. وبحث العلماء عن علاقة النسوة اللاتي ثرثرن بالأمر، وقال العلماء: هُنَّ خمسة نساء: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة الحاجب، وامرأة صاحب الدواب (أي: سائس الخيل)، وامرأة السجان. وهؤلاء النسوة يَعِشْنَ داخل بيوتهن؛ فمَنِ الذي نقل لَهُنَّ أسرار القصر؟ لا بُدَّ أن أحداً من أزواجهن قد أراد أن يُسلِّي أهله، فنقل خبر امرأة العزيز مع يوسف عليه السلام؛ ثم نقلتْ زوجته الخبر إلى غيرها من النسوة. وحين وصل إلى امرأة العزيز الخبر؛ وكيف يمكرن بها؛ أرسلت إليهن: {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً ..} [يوسف: 31]. والمتكأ هو الشيء الذي يستند إليه الإنسان حتى لا يطول به مَلَلٌ من كيفية جِلْسته، والمقصود بالقول هو أن الجلسة سيطول وقتها، وقد خططتْ لتكشف وَقْعَ رؤية يوسف عليهن، فقدَّمتْ لكل منهن سكيناً؛ وهو ما يوحي بأن هناك طعاماً سوف يؤكل. ويتابع الحق سبحانه: {وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ..} [يوسف: 31]. ويُقال: أكبرْتَ الشيء، كأنك قد تخيَّلته قبل أن تراه على حقيقته؛ وقد يكون خيالك قد رسم له صورة جميلة، إلا أنك حين ترى الشيء واقعاً؛ تكبر المرائي عن التخيُّل. والمثل أن إنساناً قد يُحدِّثك بخير عن آخر؛ ولكنك حين ترى هذا الآخر تُفاجأ بأنه أفضل مما سمعتَ عنه. والشاعر يقول: شعر : كَادَتْ مُسَاءلةُ الرُّكْبانِ تُخبِرني عن جَعْفرِ بنِ حبيبٍ أصدقَ القيم حتَّى التقيْنَا فَلا واللهِ مَا سَمِعتْ أُذني بأطيبَ مِمَّا قَدْ رأى بَصَرِي تفسير : ويقولون في المقابل: سماعك بالمعيدي خير من أن تراه. أي: يا ليتك قد ظللتَ تسمع عنه دون أن تراه؛ لأن رؤيتك له ستُنقِص من قدر ما سمعت. وهُنَّ حين آذيْنَ امرأة العزيز بتداول خبر مُراودتها له عن نفسه، تخيَّلْنَ له صورةً ما من الحُسْن، لكنهُنَّ حين رأَيْنَهُ فاقتْ حقيقته المرئية كل صورة تخيَّلْنَها عنه؛ فحدث لهُنَّ انبهار. وأول مراحل الانبهار هي الذهول الذي يجعل الشيء الذي طرأ عليك يذهلك عما تكون بصدده؛ فإن كان في يدك شيء قد يقع منك. وقد قطعتْ كلٌ منهن يدها بالسكين التي أعطتها لها امرأة العزيز لتقطيع الفاكهة، أو الطعام المُقدَّم لَهُنَّ. وقال الحق سبحانه في ذلك: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ..} [يوسف: 31]. وهل هناك تصوير يوضح ما حدث لَهُنَّ من ذهول أدقّ من هذا القول؟ ويتابع سبحانه: {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31]. وكلمة: {حَاشَ ..} [يوسف: 31]. هي تنزيه لله سبحانه عن العجز عن خَلْق هذا الجمال المثالي، أو: أنهُنَّ قد نَزَّهْنَ صاحب تلك الصورة عن حدوث منكر أو فاحشة بينه وبين امرأة العزيز، أو: أن يوسف عليه السلام لا بد أن يكون قد خرج عن صورة أرقى من صورة الإنس التي يعرفنها؛ فقُلْنَ: لا بدّ أنه مَلَكٌ كريم. وصورة الملك كما نعلم هي صورة مُتخيَّلة؛ والإنسان يحكم على الأشياء المُتَخيَّلة بما يناسب صورتها في خياله، مثلما نتخيل الشيطان كأبشع ما تكون الصورة. والبشاعة نفسها تختلف من واحد إلى آخر؛ فما تراه بَشِعاً قد لا يراه غيرك كذلك؛ لأن مقاييس القبح أو الجمال تختلف من أمة إلى أخرى. فالمرأة الجميلة في أواسط إفريقيا في نظر الرجل هي ذات الشفاه الغليظة جداً؛ أو صاحبة الشعر المُجعَّد والمُتموج. وأكدت الحضارة الحديثة أن هذا لونٌ من الجمال ينجذب إليه الرجل في بعض الحالات؛ بدليل أن بعضاً من السيدات ذوات الشعر الناعم للغاية يذهبْن إلى مُصفِّفة الشعر، ويطلبْنَ منها تجعيد شعورهن. إذن: فالجمال يُقاس بالأذواق؛ هذا يرى جمالاً قد يراه غيره غير هذا؛ وذاك يرى جمالاً لا يراه غيره كذلك. والحق سبحانه يقذف معايير الجمال في النفس الإنسانية على قَدْر مُقوِّمات الالتقاء في الانسجام. ولذلك يُقال في الريف المصري هذا المثل "كل فُولة ولها كَيَّال". ونجد شاباً يتقدم لفتاة يرغب في الزواج منها؛ وما أنْ يراها حتى ينفر منها، ويتقدم لها شاب آخر فيقع في هَواها، ويتعجَّل الزواج منها، وهذا يعني أن مقاييس الأول تختلف عن مقاييس الثاني. وحين يشاء الحق سبحانه أن يجمع بين اثنين فلا أحدَ بقادر على أن يمنع القبول من كل طرف للطرف الآخر؛ وهذه مسألة لها من الأسرار ما لا نعرفه نحن؛ لأنه سبحانه الذي يكتب القبول؛ ويُظهِر في المرأة جمالاً قد يجذب رجلاً ولا يجذب رجلاً آخر، ونفس المسألة تحدث في نفسية المرأة. إذن: فحين رأت النسوة يوسف عليه السلام؛ قُلْنَ: {مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31]. وهذا يعني أن يوسف هو الصورة العليا في الجمال التي لا يوجد لها مثيل في البشر. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان امرأة العزيز رداً عليهن: {قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} معناهُ مَجلسٌ وطَعامٌ وشَرابٌ. والمُتَكأُ: مَا يُتكأُ عَليهِ مَن النَّمارِقِ. تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} معناهُ أَجْلَلنهُ وأَعظَمنَهُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ} معناهُ التَنزيهُ لله والارْتِفَاعُ عَن ذَلِكَ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 401 : 21 : 12 - حدثنا سفين عن منصور عن مجاهد قال، من قرأها {مُتَّكَئاً} ونونها، قال، الطعام، ومن لم ينونها، قال، الأترنج. [الآية 31]. 402 : 22 : 51 - سفين عن أبي اسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال، أعطي يوسف عليه السلام وأمه ثلث الحسن. [الآية 31].

همام الصنعاني

تفسير : 1305- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مُتَّكَئاً}: [الآية: 31]، قال: طَعَاماً. 1306- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}: [الآية: 31]، قال: جَعَلْنَ يَحْزُزْنَ أَيْدِيَهُنَّ، ولا يَشْعُرْنَ بذلك. 1307- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}: [الآية: 31]، قال: قطعن أيديهن حتى أَلْقَيْنَها. 1308- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}: [الآية: 31]، قال: قلنا ملك من الملائكة.