Verse. 1629 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

قَالَ رَبِّ السِّجْنُ اَحَبُّ اِلَيَّ مِمَّا يَدْعُوْنَنِيْۗ اِلَيْہِ۝۰ۚ وَاِلَّا تَصْرِفْ عَنِّيْ كَيْدَہُنَّ اَصْبُ اِلَيْہِنَّ وَاَكُنْ مِّنَ الْجٰہِلِيْنَ۝۳۳
Qala rabbi alssijnu ahabbu ilayya mimma yadAAoonanee ilayhi wailla tasrif AAannee kaydahunna asbu ilayhinna waakun mina aljahileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال رب السجن أحبُ إليّ مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصْبُ» أمل «إليهن وأكن» أصر «من الجاهلين» المذنبين والقصد بذلك الدعاء فلذا قال تعالى.

33

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن المرأة لما قالت: { أية : وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن ٱلصَّـٰغِرِينَ } تفسير : [يوسف: 32] وسائر النسوة سمعن هذا التهديد فالظاهر أنهن اجتمعن على يوسف عليه السلام وقلن لا مصلحة لك في مخالفة أمرها وإلا وقعت في السجن وفي الصغار فعند ذلك اجتمع في حق يوسف عليه السلام أنواع من الوسوسة: أحدها: أن زليخا كانت في غاية الحسن. والثاني: أنها كانت ذات مال وثروة، وكانت على عزم أن تبذل الكل ليوسف بتقدير أن يساعدها على مطلوبها. والثالث: أن النسوة اجتمعن عليه وكل واحدة منهن كانت ترغبه وتخوفه بطريق آخر، ومكر النساء في هذا الباب شديد، والرابع: أنه عليه السلام كان خائفاً من شرها وإقدامها على قتله وإهلاكه، فاجتمع في حق يوسف جميع جهات الترغيب على موافقتها وجميع جهات التخويف على مخالفتها، فخاف عليه السلام أن تؤثر هذه الأسباب القوية الكثيرة فيه. واعلم أن القوة البشرية والطاقة الإنسانية لا تفي بحصول هذه العصمة القوية، فعند هذا التجأ إلى الله تعالى وقال: {رَبّ ٱلسّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ } وقرىء {ٱلسّجْنِ } بالفتح على المصدر، وفيه سؤالان: السؤال الأول: السجن في غاية المكروهية، وما دعونه إليه في غاية المطلوبية، فكيف قال: المشقة أحب إلي من اللذة؟ والجواب: أن تلك اللذة كانت تستعقب آلاماً عظيمة، وهي الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، وذلك المكروه وهو اختيار السجن كان يستعقب سعادات عظيمة، وهي المدح في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة، فلهذا السبب قال: {ٱلسّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ }. السؤال الثاني: أن حبسهم له معصية كما أن الزنا معصية، فكيف يجوز أن يحب السجن مع أنه معصية. والجواب: تقدير الكلام أنه إذا كان لا بد من التزام أحد الأمرين أعني الزنا والسجن، فهذا أولى، لأنه متى وجب التزام أحد شيئين كل واحد منهما شر فأخفهما أولاهما بالتحمل. ثم قال: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } أصب إليهن أمل إليهن يقال: صبا إلى اللهو يصبو صبواً إذا مال، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإنسان لا ينصرف عن المعصية إلا إذا صرفه الله تعالى عنها قالوا: لأن هذه الآية تدل على أنه تعالى إن لم يصرفه عن ذلك القبيح وقع فيه وتقريره: أن القدرة والداعي إلى الفعل والترك إن استويا امتنع الفعل، لأن الفعل رجحان لأحد الطرفين ومرجوحية للطرف الآخر وحصولهما حال استواء الطرفين جمع بين النقيضين وهو محال، وإن حصل الرجحان في أحد الطرفين فذلك الرجحان ليس من العبد وإلا لذهبت المراتب إلى غير النهاية بل هو من الله تعالى فالصرف عبارة عن جعله مرجوحاً لأنه متى صار مرجوحاً صار ممتنع الوقوع لأن الوقوع رجحان، فلو وقع حال المرجوحية لحصل الرجحان حال حصول المرجوحية، وهو يقتضي حصول الجمع بين النقيضين وهو محال، فثبت بهذا أن انصراف العبد عن القبيح ليس إلا من الله تعالى. ويمكن تقرير هذا الكلام من وجه آخر، وهو أنه كان قد حصل في حق يوسف عليه السلام جميع الأسباب المرغبة في تلك المعصية وهو الانتفاع بالمال والجاه والتمتع بالمنكوح والمطعوم وحصل في الإعراض عنها جميع الأسباب المنفرة، ومتى كان الأمر كذلك، فقد قويت الدواعي في الفعل وضعفت الدواعي في الترك، فطلب من الله سبحانه وتعالى أن يحدث في قلبه أنواعاً من الدواعي المعارضة النافية لدواعي المعصية إذ لو لم يحصل هذا المعارض لحصل المرجح للوقوع في المعصية خالياً عما يعارضه، وذلك يوجب وقوع الفعل وهو المراد بقوله: {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} أي دخول السجن، فحذف المضاف؛ قاله الزّجاج والنّحاس. «أَحَبُّ إِلَيَّ» أي أسهل عليّ وأهون من الوقوع في المعصية؛ لا أنّ دخول السجن مما يُحَبّ على التحقيق. وحُكي أن يوسف عليه السلام لما قال: «السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ» أوحى الله إليه «يا يوسف! أنت حبست نفسك حيث قلت السجن أحبّ إليّ، ولو قلت العافية أحبّ إليّ لعوفيت». وحكى أبو حاتم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ: «السَّجْن» بفتح السين وحكي أن ذلك قراءة ٱبن أبي إسحق وعبد الرحمن الأعرج ويعقوب؛ وهو مصدر سَجَنه سَجْناً. {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} أي كيد النّسوان. وقيل: كيد النّسوة اللاتي رأينه؟ فإنهنّ أمرنه بمطاوعة ٱمرأة العزيز، وقلن له: هي مظلومة وقد ظلمتها. وقيل: طلبت كل واحدة أن تخلو به للنصيحة في ٱمرأة العزيز؛ والقصد بذلك أن تَعذِله في حقها، وتأمره بمساعدتها، فلعله يجيب؛ فصارت كل واحدة تخلو به على حدة فتقول له: يا يوسف! ٱقض لي حاجتي فأنا خير لك من سيدتك؛ تدعوه كل واحدة لنفسها وتراوده؛ فقال: يا رب كانت واحدة فصرن جماعة. وقيل: كيد ٱمرأة العزيز فيما دعته إليه من الفاحشة؛ وكنى عنها بخطاب الجمع إما لتعظيم شأنها في الخطاب، وإما ليعدل عن التصريح إلى التعريض. والكيد الاحتيال والاجتهاد؛ ولهذا سميت الحرب كيداً لاحتيال الناس فيها؛ قال عمر بن لَجَأ:شعر : تَراءتْ كَيْ تكيدَكَ أمُّ بِشْرٍ وكيدٌ بالتَّبَرُّجِ مَا تَكِيدُ تفسير : {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} جواب الشرط، أي أَمِلْ إليهن؛ من صبا يصبو ـ إذا مال وٱشتاق ـ صُبُوًّا وصَبْوة؛ قال:شعر : إِلَى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي وهِنْدٌ مِثْلُها يُصْبِي تفسير : أي إن لم تَلطُف بي في ٱجتناب المعصية وقعت فيها. {وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أي ممن يرتكب الإثم ويستحق الذم، أو ممن يعمل عمل الجهال؛ ودلّ هذا على أن أحداً لا يمتنع عن معصية الله إلا بعون الله؛ ودلّ أيضاً على قبح الجهل والذم لصاحبه. قوله تعالى: {فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ} لِمَا قال. «وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ» تعرّض للدعاء، وكأنه قال: اللهم ٱصرف عني كيدهنّ؛ فاستجاب له دعاءه، ولطف به وعصمه عن الوقوع في الزنى. «كَيْدَهُنَّ» قيل: لأنهن جمع قد راودنه عن نفسه. وقيل: يعني كيد النساء. وقيل: يعني كيد ٱمرأة العزيز، على ما ذكر في الآية قبل؛ والعموم أولى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ رَبِّ ٱلسّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ } أمل {إِلَيْهِنَّ وَأَكُن } أَصِرْ {مِّنَ ٱلْجَٰهِلِينَ } المذنبين والقصد بذلك الدعاء فلذا قال تعالى:

ابن عبد السلام

تفسير : {أَصْبُ} أتابع، أو أميل، قال: شعر : إلى هند صبا قلبي وهند مثلها يصبى تفسير : {الأَيَاتِ} قدِّ القميص وقطع الأيدي، أو ما ظهر من عفته وجماله {حِينٍ} هنا ستة أشهر، أو سبع سنين، أو زمان غير محدود، قالت لزوجها: قد فضحني هذا العبد العبراني، وقال: إني راودته عن نفسي فإما أن تطلقني حتى أعتذر وإما أن تحبسه كما حبستني فحبسه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {رَبِّ ٱلسِّجْنُ} العامة على كسر الباء؛ لأنه مضافٌ لياءِ المتكلم، اجتزىء عنها بالكسرة، وهي الفصحى، و"السِّجنُ": بكسر السين، ورفع النُّون، على أنَّه مبتدأ، والخبر: "أحَبُّ" و"السِّجنُ" الحبسُن والمعنى: دخول السِّجنِ. وقرأ بعضهم: "ربُّ السِّجنُ" بضمِّ الباءِ، وجرِّ النون، على أنَّ "ربُّ" مبتدأٌ و"السِّجن" خفض بالإضافة، و"أَحبُّ": خبره، والمعنى: ملاقاةُ صاحب السجن، ومقاساته أحبُّ إليَّ. وقرأ عثمان، ومولاه طارق، وزيد بن علي، والزهريُّ، وابن أبي إسحاق، وابن هرمز، ويعقوب: بفتح السِّين، وفي الباقي كالعامَّة. والسِّجنُ: مصدرٌ، أي: الحبسُ أحبُّ [إليَّ]، و"إليَّ" متعلقٌ بـ "أحَبُّ"، وقد تقدم [يوسف:8]: أنَّ الفاعل هنا يجرُّ بـ "إلى" والمفعول باللام. وفي الحقيقة: ليست هنا "أفْعَلَ" على بابها من التفضيل؛ لأنه لم يحب ما يدعونه إليه قطٌّ، وإنَّما هذان شرَّان، فآثر أحد الشَّرينِ على الآخر. فصل الظَّاهر أنَّ النسوة لما سمعن هذا التهديد، قلن له: لا مصحلة لك في مخالفة أمرها، وإلاَّ وقعت في السِّجنِ وفي الصَّغار، فعند ذلك اجتمع في حقِّ يوسف، أنواع الترغيب في الموافقة: أحدها: أنَّ "زُلَيْخَا" كانت في غاية الحسن. والثاني: أنها كانت على عزم أن تبذُل الكُّلَّ ليوسف، إن طاوعها. الثالث: أن النسوة اجتمعن عليه، وكلُّ واحدةٍ منهن كانت ترغبه، وتخوفه بطريقٍ غير طريقِ الأخرى، ومكرُ النساءِ في هذا الكتاب شديدٌ. الرابع: أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان خائفاً من شرِّها، ومن إقدامها على قتله، وإهلاكه. فاجتمع في حقِّه جميع جهات الترغيب؛ على موافقتها، وجميع جهات التَّخويف؛ على مخالفتها، فخاف صلى الله عليه وسلم أن تؤثر هذه الأسبابُ الكثيرة فيه، والقوة البشريَّة لا تفي بحصول هذه القضية القوية؛ فعند ذلك التجأ إلى الله ـ تعالى ـ وقال: {رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} وقدَّم محبته ـ السِّجن وإن كانت معصية؛ لأنها أخفُّ، وذلك أنه متى لزم ارتكابُ أحد قسمين، كلِّ واحدٍ منهما يضرُّ، فارتكابُ أقلِّ الضررين أولى؛ والأولى بالمرءِ أن يسأل الله العافية. فإن قيل: كيف قال: "يَدْعُوننِي إليْهِ" وإنما دعتْه زُلَيْخَا خاصَّة؟. فالجواب: أضافهُ إليهنَّ؛ خُروجاً من التصريح إلى التَّعريض، وأراد الجنس، وقيل إنهن جميعاً دعونه إلى أنفُسهِنَّ، وقيل أراد ترغيبهنّ له في مُطَاوعتِهَا. فصل {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} قرأ العامة بتخفيف الباء، من: صَبَا يَصْبُو، أي: رقَّ شوقُه، والصَّبْوة: الميلُ إلى الهوى، ومنه "الصَّبَا"؛ لأن النُّفوسَ تصبُّو إليها، أي: تميِلُ إلى نسيمها ورَوْحِهَا، يقال: صَبَا يَصْبُو صَبَاءً وصُبُوًّا، وصَبِيَ يُصبْي صَباً، والصِّبَا بالكسرة: اللَّهْو، واللَّعب. وقرأت فرقةٌ "أصُبَّ" بتشديدها من صَبَيْتُ صَبَابَةً، فأنا صبٌّ، والصَّبابَةُ: رقَّةُ الشْوقِ، وإفراطه؛ كأنه لفَرْطِ حُبِّه يَنْصَبُّ فِيمَا يَهْوَاه كما يَنصَبُّ المَاءُ. فصل احتجُّوا بهذه الآيةِ على أنَّ الإنسان لا ينصرفُ عن المعصية، إلاَّ إذا صرفه الله عنها. قالوا: لأن هذه الآية تدلُّ على أنه إنْ لم يصرفه عن ذلك القبيح، وقع فيه. وتقريره: أنَّ الداعي إلى الفعل، والترْكِ، إن استويا، امتنع الفعل؛ لأن الفعل أحدُ رجحان الطرفين، ومَرْجُوحيَّة الطرفِ الآخرِ، وحصولهما حال استواءِ الطرفين جمع بين النقيضين؛ وهو محالٌ، فإن حص الرجحانُ في أحد الطرفين، فذلك الرجحانُ ليس من العبدِ، وإلا لذهبت المراتب إلى غير نهايةٍ، بل نقول: من الله ـ تعالى ـ، فالصَّرفُ عبارةٌ عن جعله مَرْجُوحاً؛ لأنه متى صار مَرْجُوحاً، صار ممتنع الوقوع؛ لأن الوقوع رجحانٌ، فلو وقع في حالِ المرجوحيةِ، لحصل الرجحان حال حصولِ المرجوحيَّة، وهو مقتضى حصول الجمع بين النقيضين؛ وهو محالٌ. فثبت بهذا أنَّ انصراف العبد عن القبيح ليس إلا الله من الله. وأيضاً: فإنَّه كان قد حصل في "يُوسفَ" جميعُ الأسباب المرغِّبةِ في المعصية، وهو الانتفاعُ بالمالِ والجاه، والتَّمتُّع بالمطعومِ، والمنكوحِ، ولم يحصل في الإعراض عنها جميعُ الأسباب المنفِّرة، وإذا كان كذلك، فقد قويتْ دواعي الفعل، وضعفت الدَّواعي المعارضة لدواعي المعصيةِ؛ إذْ لو لم يحصل هذا التعارضُ، لحصل الترجيحُ للوقوع في المعصية خالياً عما يعارضه؛ وذلك يوجبُ وقوع الفعل، وهو المراد من قوله {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ} وفيه دليلٌ على أنَّ المؤمن إذا ارتكب ذنباً، يرتكبه عن جهالةٍ. قوله: {فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ}، أجاب له ربُّهُ، {فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ}؛ وذلك يدلُّ على أنَّ الصارف عنه، هو الله ـ تعالى ـ {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لدعائه، {ٱلْعَلِيمُ} بمكرهن.

السيوطي

تفسير : أخرج سنيد في تفسيره وابن أبي حاتم، عن ابن عيينة رضي الله عنه قال: إنما يوفق من الدعاء للمقدر، أما ترى يوسف عليه السلام قال {رب السجن أحب إلي}؟.. قال: لما قال اذكرني عند ربك، أتاه جبريل عليه السلام فكشف له عن الصخرة فقال: "ما ترى؟ قال: أرى نملة تقضم. قال: يقول ربك انا لم أنس هذه، أنساك؟ أنا حبستك. أنت قلت {رب السجن أحب إلي}. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {وإلا تصرف عني كيدهن} قال: إن لا يكن منك أنت القوى والمنعة، لا تكن مني ولا عندي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {أحب إليهن} يقول: اتبعهن. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما {أصب إليهن} قال: أطاوعهن. وأخرج أبو الشيخ، عن عمرو بن مرة. رضي الله عنه قال: من أتى ذنباً عمداً أو خطأ، فهو جاهل حين يأتيه. ألا ترى إلى قول يوسف عليه الصلاة والسلام {أصب إليهن وأكن من الجاهلين}؟ قال: فقد عرف يوسف أن الزنا حرام، وإن أتاه كان جاهلاً.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ} مناجياً لربه عزَّ سلطانُه {رَبّ ٱلسّجْنُ} الذي أوعَدَتْني بالإلقاء فيه وقرأ يعقوبُ بالفتح على المصدر {أَحَبُّ إِلَىَّ} أي آثَرُ عندي لأنه مشقةٌ قليلةٌ نافذةٌ إثرَها راحاتٌ جليلةٌ أبديةٌ {مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ} من مؤاتاتها التي تؤدي إلى الشقاء والعذابِ الأليم، وهذا الكلامُ منه عليه السلام مبنيٌّ على ما مر من انكشاف الحقائقِ لديه وبروزِ كلَ منها بصورتها اللائقةِ بها، فصيغةُ التفضيلِ ليست على بابها إذ ليس له شائبةُ محبةٍ لما دعتْه إليه، وإنما هو والسجنُ شران أهونُهما وأقربُهما إلى الإيثار السجنُ. والتعبـيرُ عن الإيثار بالمحبة لحسم مادةِ طمعِها عن المساعدة خوفاً من الحبس والاقتصار على ذكر السجنِ من حيث إن الصَّغارَ من فروعه ومستتبعاتِه، وإسنادُ الدعوةِ إليهن جميعاً لأن النسوة رغّبْنه في مطاوعتها وخوَّفْنه من مخالفتها، وقيل: دعَوْنه إلى أنفسهن، وقيل: إنما ابتُلي عليه السلام بالسجن لقوله هذا، وكان الأولى به أن يسألَ الله تعالى العافية، ولذلك ردّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على من كان يسأل الصبرَ {وَإِلاَّ تَصْرِفْ} أي إن لم تصرف {عَنّى كَيْدَهُنَّ} في تحبـيب ذلك إليّ وتحسينه لديّ بأن تُثبِّتَني على ما أنا عليه من العِصمة والعِفة {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} أي أمِلْ إلى إجابتهن أو إلى أنفسهن على قضية الطبـيعةِ وحكم القوةِ الشهوية، وهذا فزعٌ منه عليه السلام إلى ألطاف الله تعالى جرياً على سُنن الأنبـياءِ والصالحين في قصر نيلِ الخيراتِ والنجاة عن الشرور على جناب الله عز وجل وسلبِ القوى والقدر عن أنفسهم، ومبالغةٌ في استدعاء لطفِه في صرف كيدِهن بإظهار أن لا طاقةَ له بالمدافعة كقول المستغيثِ: أدركْنى وإلا هلكتُ لا أنه يطلب الإجبارَ والإلجاءَ إلى العصمة والعفةِ وفي نفسه داعيةٌ تدعوه إلى هواهن، والصبْوةُ الميلُ إلى الهوى ومنه الصَّبا لأن النفوسَ تصبو إليها لطيب نسيمِها ورَوْحِها. وقرىء أصبّ إليهن من الصبابة وهي رقةُ الشوق {وَأَكُن مّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو والجاهل سواءٌ أو من السفهاء بارتكابِ ما يدعونني إليه من القبائح لأن الحكيمَ لا يفعل القبـيح.

القشيري

تفسير : الاختبار مقرونٌ بالاختيار؛ ولو تمنَّى العافية بدل ما كان يُدْعى إليه لعلَّه كان يُعَافَى، ولكنه لما قال: {ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} طُولِبَ بِصِدْق ما قال. ويقال إن يوسف عليه السلام نَطَقَ من عين التوحيد حيث قال: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} فقد عَلمَ أن نجاته في أن يَصْرِفَ - سبحانه - البلاَءَ عنه لا بتكلُّفِه ولا بتَجنبِه. ويقال لمَّا آثر يوسفُ - عليه السلام - لحوقَ المشقة في اللَّهِ على لذَّة نفسه آثره عَصْرُه حتى قيل له: {أية : تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا}تفسير : [يوسف: 91].

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} مناجيا لربه {رب السجن} الذى اوعدتنى بالالقاء فيه وهو بالفارسية [زندان] {احبّ الى مما يدعوننى اليه} اى آثر عندى من موافقتها لان للاول حسن العاقبة دون الثانى شعر : عجب درمانده ام دركار اينان مرازنداد به از ديدار اينان به از صد سال در زندان نشينم كه يكدم طلعت اينان به بينم بنا محرم نظر دلرا كند كور زدو لتخانه قرب افكند دور تفسير : وعند ذلك بكت الملائكة رحمة له وهبط اليه جبريل فقال له يا يوسف يقرئك السلام ويقول لك اصبر فان الصبر مفتاح الفرج وعاقبته محمودة واسناد الدعوة اليهن جميعا لانهن تنصحن له وخوفنه من مخالفتها او لانهن جميعا دعونه الى انفسهن كما ذكر قال بعض الحكماء لو قال رب العافية احب الىّ لعافاه الله ولكن لما نجا بدينه لم يبال ما اصابه فى الله والبلاء موكل بالمنطق حديث : وعن معاذ سمع النبى صلى الله عليه وسلم رجلا يقول اللهم انى اسألك الصبر قال "سألت البلاء فاسأل العافية " تفسير : قال الشيخ سعدى [فى كتاب الكلستان بارسايى را ديدم كه بركنار دريا زحم بلنك داشت وبه هيج دارو به نمى شد ومدتها دران رنجورى بودومدام شكر خدا مى كزاريد برسيدندش كه جه شكر كنى كفت شكر آنكه بمصيبتى كرفتارم نه بمعصيتى بل مردان خدا مصيبت بر معصيت اختيار كنند نه بينى كه يوسف صديق دران حالت جه كفت قال رب السجن الآية] شعر : كرمى بكشتن دهد آن يار عزيز تانكويى كه دران دم غم جانم باشد كويم از بنده مسكين جه كنه صادر شد كودل أزرده شد ازمن غم آنم باشد تفسير : {والا} وان لم {تصرف عنى كيدهن} [واكر نكردانى از من مكر وفريب ايشانرا يعنى مرا در بناه عصمت نكيرى] {اصب اليهن} امل الى جانبهن على قضية الطبيعة وحكم القوة الشهوية اى ميلا اختياريا قصديا والصبوة الميل الى الهوى ومنه الصبا لان النفوس تصبو اليها لطيب نسيمها وروحها. وهذا فزع منه الى الطاف الله جريا على سنن الانبياء والصالحين فى قسر نيل الخيرات والنجاة من الشرور على جناب الله وسلب القوى والقدر عن انفسهم ومبالغة فى استدعاء لطفه فى صرف كيدهن باظهار ان لا طاقة له بالمدافعة كقول المستغيث ادركنى والا هلكت لانه يطلب الاجبار والالجاء الى العصمة والعفة وفى نفسه داعية تدعوه الى هواهن {واكن من الجاهلين} اى الذين لا يعملون بما يعلمون لان من لم يعمل بعلمه هو الجاهل سواء او من السفهاء بارتكاب ما يدعوننى اليه لان الحكيم لا يفعل القبيح وفيه دلالة بينة على ان ارتكاب الذنب والمعصية على جهل وسفاهة وان من زنى فقد دخل من جملة الكاذبين فى الجهل

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن يوسف انه لما سمع وعيد المرأة له بالحبس والصغار ان لم يجبها الى ما تريده، قال يا {رب السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه} من ركوب الفاحشة، وانما جاز ان يقول السجن أحب اليَّ من ذلك، وهو لا يحب ما يدعونه اليه، ولا يريده، ولا يريد السجن ايضاً، لأنه ان اريد به المكان فذلك لا يراد، وان اريد به المصدر، فهو معصية منهي عنها، فلا يجوز ان يريده لأمرين: احدهما - ان ذلك على وجه التقدير، ومعناه اني لو كنت مما اريد لكانت ارادتي لهذا أشد. الثاني - ان المراد ان توطين نفسي على السجن أحب اليَّ. وقيل معناه ان السجن أسهل عليَّ مما يدعونني اليه. وقرأ الحسن {السجن} بفتح السين واراد المصدر، وبه قرأ يعقوب، وتأويله ما قلناه. والدعاء طلب الفعل من المدعو وصيغته صيغة الامر إلا ان الدعاء لمن فوقك والأمر لمن دونك. وقوله {إلا تصرف عني كيدهنَّ} معناه ضرر كيدهن، لان كيدهن قد وقع، والصرف نفي الشيء عن غيره بضده او بأن لا يفعل، وصورته كصورة النهي إلا ان النهي مع الزجر لمن هو دونك، وليس كذلك الصرف (والصبا) رقة الهوى، يقال صبا يصبو صباً فهو صاب، فكأنه قيل أميل هواي اليهنَّ، قال الشاعر: شعر : الى هند صبا قلبي وهند مثلها يصبي تفسير : وقال ايضاً: شعر : صبا صبوة بل لجَّ وهو لجوج وزالت له بالانعمين حدوج تفسير : وقوله {وأكن من الجاهلين} معناه وأكن ممن يستحق صفة الذم بالجهل، لأنه بمنزلة من قد اعتقد الشيء على خلاف ما هو به، وإلا فهو كان عالماً بأن ذلك معصية، والغرض فيه بيان ان صفة الجهل من أغلظ صفة الذم. وقال البلخي والجبائي: في الآية دلالة على انه لا ينصرف احد عن معصية إلا بلطف الله عزَّ وجلَّ، لأنه لو لم يعلم ذلك، لما صح خبره به، وليس في الآية ما يدل على ذلك، بل فيها ما يدل على ان يوسف كان له لطف، ولولاه لفعل المعصية، وأما ان يدل على انه لا أحد ينتهي عن معصية إلا بلطف، فلا، بل ذلك مجوّز، وليس فيها ما يمنع منه، ويحتمل قوله {أصب إليهن} على لفظ الجمع اشياء: احدها - قال ابو علي الجبائي: ان كل واحدة منهن دعته الى مثل ما دعت اليه امرأة العزيز بدلالة هذا الكلام. وقال قوم: انهن قلن لها نحن نسأله ان يفعل ما دعوته اليه، فخلت كل واحدة منهن به. ويحتمل ان يكون المراد أصب الى قولهن في الدعاء الى اجابة امرأة العزيز.

اطفيش

تفسير : {قالَ ربِّ السِّجْن أحبُّ إلىَّ} أى يا ربى السجن الذى توعدننى به أحب إلىَّ {ممَّا يدْعُونَنى إليْه} الواو لام الكلمة، وهى حرف والنون الأولى فاعل، والفعل مبنى على السكون لاتصاله بنون الإناث، وجد السجن محبوبا فى قلبه أكثر مما تميل إليه نفوس البشر من الزنى، وهو الذى دعون يوسف إليه، وذلك لأن فى السجن السلامة من غضب الله، والفوز من النار إلى الحور العين وغيرهن من نعيم الجنة. وقيل: إنما قال: {يدعوننى} والداعية واحدة وهى زليخا لأنهن قلن له أطع مولاتك، والأمر بالطاعة فى شئ دعاء إلى الشئ، وقيل: قال: يدعوننى خروجها من التعريض إلى التصريح. قال بعضهم: لو لم يقل السجن أحب إلىَّ لم يبتل بالسجن، والبلاء موكل بالمنطق، والأليق بالعبد سؤال العافية، حديث : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يسأل الله الصبر، فقال له: "سألت الله الباء فاسأله العافية"تفسير : كذا قالوا، والظاهر عندى ما قال يوسف ليس مخالفا للحديث، لأنها ألزمته السجن إن لم يطاوعها، فاشتكى إلى الله بأن قال: كان لا بد من أحد الأمرين فالسجن أحبّ إلىّ، أى المكث فى السجن أحب، وقرئ السجن بفتح السين على المصدرية، أو حبسها إياى أحب. {وإلاَّ تَصْرف عنِّى كَيْدهنَّ} أى احتيالهن فى تحبب الزنى إلىَّ إيقاعى فيه، وأدغم نون إن الشرطية بعد إبدالها لاما فى لام لا النافية {أصْبُ} مضارع مجزوم على الجواب، وعلامة جزمه حذف الواو والمعنى أمِلْ {إليهنَّ} أى إلى أنفسهن بالطبع، ومقتضى الشهوة، أو إلى إجابتهن، والصبوة الميل إلى الهوى، ومنه الصبا بمعنى الريح المخصوصة، لأن النفس تستطيبها وتميل إليها لطيب نسيمها، وقرئ أصبُّ بفتح الصاد وتشديد الباء مضمومة من الصبابة وهى الشوق، أو رقته أو رقة الهوى، أو إفراط الشوق أقوال، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره المانع من ظهوره التخلص من التقاء الساكنين، ولم يتخلص بالكسر مع أنه الأصل فى التخلص منه، ولا بالفتح مع أنه أخف، لأن الضمة هى حركة الأصل قبل الجازم. {وأكُنْ مِنَ الجاهِلينَ} المذنبين، فإن الجهل كما يكون بمعنى عدم العلم يكون بمعنى الذنب، وبمعنى فعل ما لا ينبغى، ولك ان تقول: هو أبدا بمعنى عدم العلم، فكل من أذنب أو فعل ما لا ينبغى فللجهل بحقيقة حق المجهول عليه، ولو عرف ظاهره حيث لم ترسخ معرفته بها، ويجوز أن يكون المعنى: أكن من الذين لا يعلمون بما يعلمون، فإنهم والجهال سواء، حيث لم تكن منفعة فى علمهم بالاقتداء به.

الالوسي

تفسير : {قَالَ} استئناف بياني كأن سائلاً يقول: فماذا صنع يوسف حينئذ؟ فقيل: قال مناجياً لربه عز وجل: {رَبِّ ٱلسِّجْنُ} الذي وعدتني بالإلقاء فيه، وهو اسم للمحبس. وقرأ عثمان ومولاه طارق وزيد بن علي والزهري وابن أبي إسحاق وابن هرمز ويعقوب {السجن} بفتح السين على أنه مصدر / سجنه أي حبسه، وهو في القراءتين مبتدأ خبره ما بعده، وقرأ {رب} بالضم و {السجن} بكسر السين والجر على الإضافة - فرب - حينئذ مبتدأ و الخبر هو الخبر. والمعنى على ما قيل: لقاء صاحب السجن أو مقاساة أمره {أَحَبُّ إلَيَّ} أي آثر عندي لأن فيه مشقة قليلة نافدة إثرها راحات كثيرة أبدية {ممَّا يَدْعُونَني إلَيْه} من مواتاتها التي تؤدي إلى الشقاوة والعذاب الأليم. وصيغة التفضيل ليست على بابها إذ ليس له عليه السلام شائبة محبة لما يدعونه إليه وإنما هو والسجن شران أهونهما وأقربهما إلى الإيثار السجن. والتعبير عن الإيثار بالمحبة لحسم مادة طمعها عن المساعدة لها على مطلوبها خوفاً من الحبس، والاقتصار على السجن لكون الصغار من مستتبعاته على ما قيل. وقيل: اكتفى عليه السلام بذكر السجن عن ذكره لوفائه بالغرض وهو قطع طمعها عن المساعدة خوفاً مما توعدته به لأنها تظن أن السجن أشد عليه من الصغار بناءً على زعمها أنه فتاها حقيقة وأن الفتيان لا يشق عليهم ذلك مشقة السجن، ومتى كان الأشد أحب إليه مما يدعونه إليه كان غير الأشد أحب إليه من باب أولى، وفيه منع ظاهر. وإسناد الدعوة إليهن لأنهن خوفنه عن مخالفتها وزيّن له مطاوعتها، فقد روي أنهنّ قلن له: أطع مولاتك واقض حاجتها لتأمن من عقوبتها فإنها المظلومة وأنت الظالم، وروي أن كلاً منهنّ طلبت الخلوة لنصيحته فلما خلت به دعته إلى نفسها، وعن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أن كل واحدة منهن أرسلت إليه سراً تسأله الزيارة، فإسناد ذلك إليهنّ لأنهن أيضاً دعونه إلى أنفسهن صريحاً أو إشارة. وفي أثر ذكره القرطبي أنه عليه السلام لما قال: {رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} الخ أوحى الله تعالى إليه: يا يوسف أنت جنيت على نفسك ولو قلت: العافية أحب إليَّ عوفيت، ولذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على من كان يسأل الصبر، فقد روى الترمذي عن معاذ بن جبل حديث : عنه عليه الصلاة والسلام أنه سمع رجلاً وهو يقول: "اللهم إني أسألك الصبر فقال صلى الله عليه وسلم: سألت الله تعالى البلاء فاسأله العافية "تفسير : {وَإلاَّ تَصْرِفْ} أي وإن لم تدفع {عَنِّي كَيْدَهُنَّ} في تحبيب ذلك إلي وتحسينه لدي بأن تثبتني على ما أنا عليه من العصمة والعفة {أَصْبُ إلَيْهِنَّ} أي أمل على قضية الطبيعة وحكم القوة الشهوية إلى إجابتهن بمواتاتها أو إلى أنفسهن وهو كناية عن مواتاتهن ((وهذا فزع منه عليه السلام إلى ألطاف الله تعالى جرياً على سنن الأنبياء عليهم السلام والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة عن الشرور على جناب الله تعالى وسلب القوى والقدر عن أنفسهم ومبالغة في استدعاء لطفه سبحانه في صرف كيدهن بإظهار أنه لا طاقة له بالمدافعة كقول المستغيث: أدركني وإلا هلكت، لا أنه عليه السلام يطلب الإجبار [و] الإلجاء إلى العصمة والعفة وفي نفسه داعية تدعوه إلى السوء)) كذا قرره المولى أبو السعود وهو معنى لطيف وقد أخذه من كلام الزمخشري لكن قال القطب وغيره: إنه فرار إلى الاعتزال وإشارة إلى جواب استدلال الأشاعرة بهذه الآية على أن العبد لا ينصرف عن المعصية إلا إذا صرفه الله تعالى، وقد قرر ذلك الإمام بما قرره فليراجع وليتأمل. وأصل {إلا} إن لا فهي مركبة من إن الشرطية ولا النافية كما أشرنا إليه، وقد أدغمت فيه النون باللام و {أَصْبُ} من صبا يصبو صبواً وصبوة إذا مال إلى الهوى، ومنه الصبا للريح المخصوصة لأن النفوس تميل إليها لطيب نسيمها وروحها مضارع مجزوم على أنه جواب الشرط، والجملة الشرطية عطف على قوله: {ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ} وجيء بالأولى اسمية دون الثانية لأن أحبيته السجن مما يدعونه إليه كانت ثابتة مستمرة ولا كذلك الصرف المطلوب. وقرئ {أصب} من صبيت صبابة / إذا عشقت، وفي "البحر" الصبابة إفراط الشوق كأن صاحبها ينصب فيما يهوى، والفعل مضمن معنى الميل أيضاً ولذا عدي بإلى أي أصب مائلاً إليهن {وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} أي الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء، أو من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه من القبائح لأن الحكيم لا يفعل القبيح، فالجهل بمعنى السفاهة ضد الحكمة لا بمعنى عدم العلم، ومن ذلك قوله: شعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني، لأن ما حُكي قبله مقام شدة من شأنه أن يَسأل سامعه عن حال تلقي يوسف ـــ عليه السّلام ـــ فيه لكلام امرأة العزيز. وهذا الكلام مناجاة لربه الذي هو شاهدهم، فالظاهر أنه قال هذا القول في نفسه. ويحتمل أنّه جهر به في ملئهن تأييساً لهن من أن يفعل ما تأمره به. وقرأ الجمهور «السّجن» ـــ بكسر السين ـــ. وقرأه يعقوب وحده ـــ بفتح السين ـــ على معنى المصدر، أي أن السجن أحب إليّ. وفضّل السجن مع ما فيه من الألم والشدة وضيق النفس على ما يدعونه إليه من الاستمتاع بالمرأة الحسنة النفيسة على ما فيه من اللذة ولكن كرهه لفعل الحرام فضل عنده مقاساة السجن. فلما علم أنه لا مَحيص من أحد الأمرين صار السجن محبوباً إليه باعتبار أنّه يخلصه من الوقوع في الحرام فهي محبة ناشئة عن ملاءمة الفكر، كمحبة الشجاع الحرب. فالإخبار بأن السجن أحبُّ إليه مِن الاستمتاع بالمرأة مستعمل في إنشاء الرضى بالسجن في مرضاة الله تعالى والتباعد عن محارمه، إذ لا فائدة في إخبار من يعلم ما في نفسه فاسم التفضيل على حقيقته ولا داعي إلى تأويله بمسلوب المفاضلة. وعبّر عما عرضته المرأة بالموصولية لما في الصلة من الإيماء إلى كون المطلوب حالة هي مظنة الطواعية، لأن تمالىء الناس على طلب الشيء من شأنه أن يوطن نفس المطلوب للفعل، فأظهر أن تمالئهن على طلبهن منه امتثالَ أمْر المرأة لم يَفُلّ من صارم عزمه على الممانعة، وجعل ذلك تمهيداً لسؤال العصمة من الوقوع في شَرك كيدهن، فانتقل من ذكر الرضى بوعيدها إلى سؤال العصمة من كيدها. وأسند فعل {يدعونني} إلى نون النسوة، فالواو الذي فيه هو حرف أصلي وليست واو الجماعة، والنون ليست نون رفع لأنه مبني لاتصاله بنون النسوة، ووزنه يفعُلْنَ. وأسند الفعل إلى ضمير جمع النساء مع أنّ التي دعته امرأة واحدة، إما لأن تلك الدعوة من رغبات صنف النساء فيكون على وزان جمع الضمير في {كيدهن}، وإما لأنّ النسوة اللاّتي جمعتهن امرأة العزيز لما سمعن كلامها تمَالأن على لوم يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وتحريضه على إجابة الداعية، وتحذيره من وعيدها بالسجن. وعلى وزان هذا يكون القول في جمع الضمير في { أية : كيدهن } تفسير : [سورة يوسف: 28] أي كيد صنف النساء، مثل قول العزيز {إنّ كيدكنّ عظيم}، أي كيد هؤلاء النسوة. وجملة {وإلاّ تصرف عني كيدهن} خبر مستعمل في التخوّف والتوقع التجاء إلى الله وملازمة للأدب نحو ربه بالتبرؤ من الحَول والقوة والخشية من تقلب القلب ومن الفتنة بالميل إلى اللذة الحرام. فالخبر مستعمل في الدعاء، ولذلك فرع عنه جملة {فاستجاب له ربّه}. ومعنى {أصبُ} أمِلْ. والصبو: الميل إلى المحبوب. والجاهلون: سفهاء الأحلام، فالجهل هنا مقابِل الحلم. والقول في أن مبالغة {أكن من الجاهلين} أكثرُ من أكن جاهلاً كالقول في { أية : وليكوناً من الصاغرين } تفسير : [سورة يوسف: 32]. وعطْف جملة {فاستجاب} بفاء التعقيب إشارة إلى أنّ الله عجّل إجابة دعائه الذي تضمنه قوله: {وإلاّ تصرف عني كيدهن}. واستجاب: مبالغة في أجاب، كما تقدم في قوله: { أية : فاستعصم } تفسير : [سورة يوسف: 32]. وصَرْف كيدهن عنه صَرْف أثره، وذلك بأن ثبّته على العصمة فلم ينخدع لكيدها ولا لكيد خلائلها في أضيق الأوقات. وجملة {إنّه هو السميع العليم} في موضع العلة لـــ {استجاب} المعطوف بفاء التعقيب، أي أجاب دعاءه بدون مهلة لأنه سريع الإجابة وعليم بالضمائر الخالصة. فالسمع مستعمل في إجابة المطلوب، يقال: سمع الله لمن حمده. وتأكيده بضمير الفصل لتحقيق ذلك المعنى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 33- قال يوسف - وقد سمع منها التهديد والوعيد، وسمع منهن النصح بمطاوعتها - يا رب: السجن أحب إلى نفسى مما يطلبنه منى لأن فى هذا معصيتك، وإن لم تحوّل عنى شر مكرهن وكيدهن أمِل إليهن، وأكن من السفهاء الطائشين. 34- فاستجاب الله له، فصرف عنه شر مكرهن، إنه هو - وحده - السميع لدعوات الملتجئين إليه، العليم بأحوالهم وبما يصلحهم. 35- ثم ظهر رأى للعزيز وأهله، من بعد ما رأوا الدلائل الواضحة على براءة يوسف فأجمعوا على هذا الرأى، وأقسموا على تنفيذه، وهو أن يدخلوه السجن إلى زمن يقصر أو يطول، لكى يدفع مقالة السوء عن امرأته ويُبْعدها عن الغواية. 36- ودخل السجن مع يوسف فتيان من خدام الملك، قال له أحدهما: لقد رأيت فى منامى أنى أعصر عنباً ليكون خمراً، وقال له الآخر: لقد رأيت أنى أحمل فوق رأسى خبزاً تأكل منه الطير، خبّرنا يا يوسف بتفسير هذا الذى رأيناه ومآل أمرنا على هداه. إنا نعتقد أنك من الذين يتصفون بالإحسان وإجادة تفسير الرؤى. 37- قال لهما - يؤكد ما علماه عنه - لا يأتيكما طعام يُساق إليكما رزقاً مقدراً لكما إلا أخبرتكما بمآله إليكما قبل أن يأتيكما، وذكرت لكما صنعته وكيفيته، ذلكما التأويل للرؤيا والإخبار بالمغيبات مما علمنى ربى وأوحى به إلىَّ. لأنى أخلصت له عبادتى، ورفضت أن أشرك به شيئاً، وابتعدت عن دين قوم لا يصدقون بالله، ولا يؤمنون به على وجه صحيح، وهم بالآخرة وحسابها منكرون كافرون.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْجَاهِلِينَ} (33) - فَاسْتَعَاذَ يُوسُفُ بِاللهِ مِنْ شَرِّهِنَّ، وَمِنْ كَيْدِهِنَّ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، السِّجْنُ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِن الاسْتِجَابَةِ إِلَى مَا يَطْلُبْنَهُ مِنِّي مِنْ فِعِلِ الفَاحِشَةِ (وَفِي هَذَا القَوْلِ إِشَارَةٌ إِلى أَنَّ النِّسْوَةَ اشْتَرَكْنَ مَعَ امْرَأَةِ العَزِيزِ فِي تَهْدِيدِ يُوسُفَ وَتَخْوِيفِهِ مِنْ عَاقِبَةِ إِصْرَارِهِ عَلَى الامْتِنَاعِ عَنْهَا، وَرَغَّبْنَهُ فِي مُسَايَرَتِهَا، وَالاسْتِجَابَةِ إِلَيها)، وَإِنْ وَكَلْتنِي يَا رَبِّ إِلى نَفْسِي فَلَيْسَ لِي مِنْهَا قُدْرَةٌ، وَلاَ أَمْلِكُ لَهَا ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلا بِحَوْلِكِ وَقُوَّتِكَ، فَإِنْ لَمْ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، وَتَعْصِمْنِي مِنَ الفَاحِشَةِ، أَسْتَجِبْ لَهُنَّ، وَأَكُنْ بِذَلِكَ مِنَ الجَاهِلِينَ الذِي تَسْتَخِفُّهُمُ الشَّهَوَاتُ، فَيَجْنَحُونَ إِلى ارْتِكَابِ المُوبِقَاتِ، وَاجْتِرَاحِ السَّيِّئَاتِ. أَصْبُ إِلَيْهِنَّ - أَمِلْ إِلى إِجَابَتِهِنَّ إِلى مَا يَطْلُبْنَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولسائل أن يقول: ولماذا جاء قول يوسف بالجمع، وقال: {ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ..} [يوسف: 33]. على الرغم من أن امرأة العزيز هي التي قالت: {أية : وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ..} تفسير : [يوسف: 32]. ونقول: لا بُدَّ أن يوسف عليه السلام قد رأى منهن إشاراتٍ أو غمزات تُوحي له بألاّ يُعرض نفسه لتلك الورطة التي ستؤدي به إلى السجن؛ لذلك أدخل يوسف عليه السلام في قوله المفرد - امرأة العزيز - في جمع النسوة اللاتي جمعتُهنَّ امرأة العزيز، وهُنَّ اللاتي طلبْنَ منه غَمْزاً أو إشارة أن يُخرج نفسه من هذا الموقف. ولعل أكثر من واحدة منهن قد نظرت إليه في محاولة لاستمالته، وللعيون والانفعالات وقَسَمات الوجه تعبير أبلغ من تعبير العبارات، وقد تكون إشارات عُيونهن قد دَلَّتْ يوسف على المراد الذي تطلبه كل واحدة منهن، وفي مثل هذه الاجتماعات تلعب لغة العيون دوراً هاماً. وها هو ذا أبو دلامة الشاعر وقد جلس في مجلس الخليفة، وكان أبو دلامة مشهوراً بقدرة كبيرة على الهجاء. وأراد الخليفة أن يداعبه فقال له: عزمتُ عليك إلا هجوتَ واحداً منا. ودارت عيون في المجلس، وأشار له كل مَنْ حضر المجلس خُفيةً بأنه سيُجزل له العطاء إن ابتعد أبو دلامة عن هجائه؛ ولأن أبا دلامة معروفٌ بالطمع، وخشي أن يضيع منه أيُّ شيء من العطايا؛ لذلك قام بهجاء نفسه؛ وقال: شعر : ألا أبـلغْ لدَيْك أباَ دلامة فليسَ منَ الكِرامِ ولاَ كرامه إذَا لَبِسَ العِمَامةَ كان قِرداً وخِنْزِيراً إذا خـلَع العِمَامه تفسير : وهكذا خرج من قسم الأمير؛ وكسب العطايا التي وعده بها مَنْ حضروا المجلس. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد يوسف عليه السلام قد جمع امرأة العزيز مع النسوة؛ فقال: {رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ..} [يوسف: 33]. أي: أن السجن أفضل لديه من أن يوافق امرأة العزيز على فعل الفحشاء، أو يوافق النسوة على دعوتهن له أن يُحرِّر نفسه من السجن بأن يستجيب لها، ثم يخرج إليهن من القصر من بعد ذلك. ولكن يوسف عليه السلام دعا ربه، فقال: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33]. ولسائل أن يقول: ولماذا لم يَقُلْ يوسف "يا إلهي" وهو يعلم أن مناط التكليف في الألوهية بـ"افعل" و"لا تفعل"؟ نقول: أراد يوسف أن يدعو ربه باسم الربوبية اعترافاً بفضله سبحانه؛ لأنه هو جَلَّ وعلا مَنْ ربَّاه وتعهّده؛ وهو هنا يدعوه باسم الربوبية ألاَّ يتخلى عنه في هذا الموقف. فيوسف عليه السلام يعرف أنه من البشر؛ وإنْ لم يصرف الله عنه كيدهُنَّ؛ لاستجاب لغوايتهن، ولأصبح من الجاهلين الذين لا يلتفون إلى عواقب الأمور. وعلى الرغم من أن السجن أمر كريه؛ إلا أنه قد فضَّله على معصية خالقه، ولأنه لجأ إلى المُربِّي الأول. لتأتي الاستجابة منه سبحانه. يقول الحق: {فَٱسْتَجَابَ لَهُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} معناهُ أَملْ إِليهِنَّ.

الجيلاني

تفسير : وحين رأى يوسف اتفاقهن واجتماعهن على منكر، ناجى ربه من شرهن وتعوذ نحوه من فتنتهن حيث: {قَالَ رَبِّ} يا من رباني بأنواع اللطف و الكرم والعصمة والعفاف {ٱلسِّجْنُ} الذي أوعدتني به هذه المرأة {أَحَبُّ إِلَيَّ} وآثر عندي {مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} هؤلاء البغيات {وَإِلاَّ تَصْرِفْ} أي: وإن لم تصرف بفضلك وعصمتك {عَنِّي كَيْدَهُنَّ} ولم تحفظني من مكرهن، بإلقاء البرهان الفعلي والكشفي في سري {أَصْبُ} أي: أمِل وأتحنن نحوهن على مقتضى الوقى البهيمية {إِلَيْهِنَّ وَأَكُن} حينئذ {مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] المتابعين لشيطان الشهوة، الخارجين عن مقتضى العقل المفاض من المبدأ الفياض. وبعدما أخلص في مناجاته وأبر في رجوعه وعرض حاجاته {فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ} ما ناجاه {فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} وحُفظ عن مكرهن {إِنَّهُ} بذاته وأوصافه وأسمائه {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لمناجاة عباده {ٱلْعَلِيمُ} [يوسف: 34] بحاجاتهم منها. {ثُمَّ بَدَا} أي: ظهر ولاح {لَهُمْ} للعزيز وأصحابه {مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ} أي: بعد رؤيتهم علامات الصدق وأمارات العصمة والعفاف، سيما شهادة الطف الذي شهد بطهارته وصدقه، مع أنه لم يعهد من أمثال هذا، فتشاوروا في أمره وتأملوا في شأنه، فاستقر رأيهم {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ} [يوسف: 35] لئلا يلحق العار عليهم ولا ينتشر بين الأنام صدقه وعصمته وقبح صنيعها وفاحشة فعلها، بل يحسبون أنه مجرم وراعيل متهمة؛ لذلك حملوا الجرم عليه، ورموه افتراءً، فأدخلوه السجن انتقاماً وجزاء؟ {وَدَخَلَ مَعَهُ} أي: يوسف {ٱلسِّجْنَ} في تلك المدة {فَتَيَانِ} من أعوان الملك شرابيه وخباره بتهمة اتُهما بها، فلما رأيا منه الرشد والنجابة وصفاء الصورة والمعنى {قَالَ أَحَدُهُمَآ} وهو الشرابي مستعيراً عنه حاكياً عما مضى" {إِنِّيۤ أَرَانِيۤ} في المنام {أَعْصِرُ} ماء العنب ليصير {خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ} وهو الخباز: {إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً} على طبق {تَأْكُلُ} وتنهش {ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} أي: أخبرنا بما يؤول إليه ويعبر به رؤيانا {إِنَّا نَرَاكَ} في بادئ الرأي {مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36] المصلحين لمفاسد الأنام وتحمل ما يشكل عليهم، ومن جملتها تعبير الرؤيا. ثم لما تفرس منهم الإخلاص وحسن الظن بالنسبة إليه، بادر قبل الاشتغال بالتعبير إلى تمهيد مقدمة دالة على التوحيد والإيمان والمعرفة والإيقان، منبهة على استقلال الحق الحقيق بالحقية في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وجميع آثاره الحادثة في الكائنات والفاسدات، حيث {قَالَ} أولاً {لاَ يَأْتِيكُمَا} في المستقبل {طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} لسد الجوعة وتقويم المزاج {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا} وأخبرتكما {بِتَأْوِيلِهِ} وتبيين ماهيته وكيفية تأثيره وتوليده من الأخلاط وتقويته للمزاج {قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا} بمدةٍ {ذٰلِكُمَا} أي: تعبير رؤياكما وتأويل طعامكما {مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ} أي: من جملة الأمور التي علمني ربي من لدنه بأن أطلعني على رقائق المناسبات ودقائق الارتباطات، والازدواجات الواقعة بين أجراء العالم وجزئياتها على التفصيل المشروح، المثبت في الأعيان الثابتة وعالم الأسماء والصفات المنبسطة على ظواهر الأكوان {إِنِّي} بعدما انكشفت الغطاء عن بصري وارتفع الحجب عن بصيرتي {تَرَكْتُ} بتوفيق الله وإلهامه {مِلَّةَ قَوْمٍ} ذوي حجب {لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} وتوحيده واستقلاله في الوجود {وَ} مع ذلك {هُمْ بِٱلآخِرَةِ} أي: في النشأة المعدة لجزاء ما جرى عليهم في هذه النشأة {هُمْ كَافِرُونَ} [يوسف: 37] منكرون.