Verse. 1631 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

ثُمَّ بَدَا لَہُمْ مِّنْۢ بَعْدِ مَا رَاَوُا الْاٰيٰتِ لَيَسْجُنُنَّہٗ حَتّٰي حِيْنٍ۝۳۵ۧ
Thumma bada lahum min baAAdi ma raawoo alayati layasjununnahu hatta heenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم بدا» ظهر «لهم من بعد ما رأوا الآيات» الدالات على براءة يوسف أن يسجنوه دل على هذا «ليسجننه حتى» إلى «حين» ينقطع فيه كلام الناس فسجن.

35

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن زوج المرأة لما ظهر له براءة ساحة يوسف عليه السلام فلا جرم لم يتعرض له، فاحتالت المرأة بعد ذلك بجميع الحيل حتى تحمل يوسف عليه السلام على موافقتها على مرادها، فلم يلتفت يوسف إليها، فلما أيست منه احتالت في طريق آخر وقالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس يقول لهم: إني راودته عن نفسه، وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر وإما أن تحبسه كما حبستني، فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى يسقط عن ألسنة الناس ذكر هذا الحديث وحتى تقل الفضيحة، فهذا هو المراد من قوله {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ } لأن البداء عبارة عن تغير الرأي عما كان عليه في الأول، والمراد من الآيات براءته بقد القميص من دبر، وخمش الوجه، وإلزام الحكم أياها بقوله: { أية : إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } تفسير : [يوسف: 28] وذكرنا أنه ظهرت هناك أنواع أخر من الآيات بلغت مبلغ القطع ولكن القوم سكتوا عنها سعياً في إخفاء الفضيحة. المسألة الثالثة: قوله: {بدالهم} فعل وفاعله في هذا الموضع قوله: {ٱلآيَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُ } وظاهر هذا الكلام يقتضي إسناد الفعل إلى فعل آخر، إلا أن النحويين اتفقوا على أن إسناد الفعل إلى الفعل لا يجوز، فإذا قلت خرج ضرب لم يفد ألبتة، فعند هذا قالوا: تقدير الكلام ثم بدا لهم سجنه، إلا أنه أقيم هذا الفعل مقام ذلك الاسم، وأقول: الذوق يشهد بأن جعل الفعل مخبر عنه لا يجوز وليس لأحد أن يقول الفعل خبراً فجعل الخبر مخبراً عنه لا يجوز، لأنا نقول: الاسم قد يكون خبراً كقولك: زيد قائم فقائم اسم وخبر فعلمنا أن كون الشيء خبراً لا ينافي كونه مخبراً عنه، بل نقول في هذا المقام: شكوك أحدها: أنا إذا قلنا: ضرب فعل فالمخبر عنه بأنه فعل هو ضرب، فالفعل صار مخبراً عنه. فإن قالوا: المخبر عنه هو هذه الصيغة وهي اسم فنقول: فعلى هذا التقدير يلزم أن يكون المخبر عنه بأنه فعل اسم لا فعل وذلك كذب وباطل، بل نقول المخبر عنه بأنه فعل إن كان فعلاً فقد ثبت أن الفعل يصح الإخبار عنه وإن كان اسماً كان معناه: أنا أخبرنا عن الاسم بأنه فعل ومعلوم أنه باطل، وفي هذا الباب مباحث عميقة ذكرناها في «كتب المعقولات». المسألة الثالثة: قال أهل اللغة: الحين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير منه، وعلى الطويل، وقال ابن عباس: يريد إلى انقطاع المقالة وما شاع في المدينة من الفاحشة، ثم قيل: الحين ههنا خمس سنين، وقيل: بل سبع سنين، وقال مقاتل بن سليمان: حبس يوسف اثنتي عشر سنة، والصحيح أن هذه المقادير غير معلومة، وإنما القدر المعلوم أنه بقي محبوساً مدة طويلة لقوله تعالى: { أية : وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ } تفسير : [يوسف: 45]. أما قوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسّجْنَ فَتَيَانَ } فههنا محذوف، والتقدير: لما أرادوا حبسه حبسوه وحذف ذلك لدلالة قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسّجْنَ فَتَيَانَ } عليه قيل: هما غلامان كانا للملك الأكبر بمصر أحدهما صاحب طعامه، والآخر صاحب شرابه رفع إليه أن صاحب طعامه يريد أن يسمه وظن أن الآخر يساعده عليه فأمر بحبسهما بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: كيف عرفا أنه عليه السلام عالم بالتعبير؟ والجواب: لعله عليه السلام سألهما عن حزنهما وغمهما فذكرا إنا رأينا في المنام هذه الرؤيا، ويحتمل أنهما رأياه وقد أظهر معرفته بأمور منها تعبير الرؤيا فعندها ذكرا له ذلك. السؤال الثاني: كيف عرف أنهما كانا عبدين للملك: الجواب: لقوله: { أية : فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا } تفسير : [يوسف: 41] أي مولاه ولقوله: { أية : ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } تفسير : [يوسف: 42]. السؤال الثالث: كيف عرف أن أحدهما صاحب شراب الملك، والآخر صاحب طعامه؟ والجواب: رؤيا كل واحد منهما تناسب حرفته لأن أحدهما رأى أنه يعصر الخمر والآخر كأنه يحمل فوق رأسه خبزاً. السؤال الرابع: كيف وقعت رؤية المنام؟ والجواب: فيه قولان: القول الأول: أن يوسف عليه السلام لما دخل السجن قال لأهله إني أعبر الأحلام فقال أحد الفتيين، هلم فلنخبر هذا العبد العبراني برؤيا نخترعها له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئاً. قال ابن مسعود: ما كانا رأيا شيئاً وإنما تحالما ليختبرا علمه. والقول الثاني: قال مجاهد كانا قد رأيا حين دخلا السجن رؤيا فأتيا يوسف عليه السلام فسألاه عنها، فقال الساقي أيها العالم إني رأيت كأني في بستان فإذا بأصل عنبة حسنة فيها ثلاثة أغصان عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكأن كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيتها الملك فشربه فذلك قوله: {إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا } وقال صاحب الطعام إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها خبز وألوان وأطعمه وإذا سباع الطير تنهش منه فذلك قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ }. السؤال الخامس: كيف عرف يوسف عليه السلام أن المراد من قوله: {إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا } رؤيا المنام؟ الجواب: لوجوه: الأول: أنه لو لم يقصد النوم كان ذكر قوله: {أَعْصِرُ } يغنيه عن ذكر قوله {أَرَانِى } والثاني: دل عليه قوله: {نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } [يوسف: 36]. السؤال السادس: كيف يعقل عصر الخمر؟ الجواب: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون المعنى أعصر عنب خمر، أي العنب الذي يكون عصيره خمراً فحذف المضاف. الثاني: أن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤل إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس يقولون فلان يطبخ دبساً وهو يطبخ عصيراً. والثالث: قال أبو صالح: أهل عمان يسمون العنب بالخمر فوقعت هذه اللفظة إلى أهل مكة فنطقوا بها قال الضحاك: نزل القرآن بألسنة جميع العرب. السؤال السابع: ما معنى التأويل في قوله: {نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ }. الجواب: تأويل الشيء ما يرجع إليه وهو الذي يؤل إليه آخر ذلك الأمر. السؤال الثامن: ما المراد من قوله: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }. الجواب من وجوه: الأول: معناه إنا نراك تؤثر الإحسان وتأتي بمكارم الأخلاق وجميع الأفعال الحميدة. قيل: إنه كان يعود مرضاهم، ويؤنس حزينهم فقالوا إنك من المحسنين أي في حق الشركاء والأصحاب، وقيل: إنه كان شديد المواظبة على الطاعات من الصوم والصلاة فقالوا إنك من المحسنين في أمر الدين، ومن كان كذلك فإنه يوثق بما يقوله في تعبير الرؤيا، وفي سائر الأمور، وقيل: المراد {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } في علم التعبير، وذلك لأنه متى عبر لم يخط كما قال { أية : وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلاْحَادِيثِ } تفسير : [يوسف: 101]. السؤال التاسع: ما حقيقة علم التعبير؟ الجواب: القرآن والبرهان يدلان على صحته. أما القرآن فهو هذه الآية، وأما البرهان فهو أنه قد ثبت أنه سبحانه خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك، ومطالعة اللوح المحفوظ والمانع لها من ذلك اشتغالها بتدبير البدن وفي وقت النوم يقل هذا التشاغل فتقوى على هذه المطالعة فإذا وقعت الروح على حالة من الأحوال تركت آثاراً مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إلى عالم الخيال فالمعبر يستدل بتلك الآثار الخيالية على تلك الإدراكات العقلية فهذا كلام مجمل، وتفصيله مذكور في «الكتب العقلية»، والشريعة مؤكدة له روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : الرؤيا ثلاثة: رؤيا ما يحدث به الرجل نفسه، ورؤيا تحدث من الشيطان ورؤيا التي هي الرؤيا الصادقة حقة » تفسير : وهذا تقسيم صحيح في العلوم العقلية وقال عليه السلام: « حديث : رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ».

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ} أي ظهر للعزيز وأهل مشورته «مِن بَعْدِ أن رأوا الآيات» أي علامات براءة يوسف ـ من قدّ القميص من دبر، وشهادة الشاهد، وحَزِّ الأيدي، وقلة صبرهنّ عن لقاء يوسف ـ أن يسجنوه كتماناً للقصة ألاّ تشيع في العامة، وللحيلولة بينه وبينها. وقيل: هي البركات التي كانت تنفتح عليهم ما دام يوسف فيهم؛ والأول أصح. قال مقاتل عن مجاهد عن ٱبن عباس في قوله: «ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ» قال: القميص من الآيات، وشهادة الشاهد من الآيات، وقطع الأيدي من الآيات، وإعظام النساء إياه من الآيات. وقيل: ألجأها الخجل من الناس، والوجل من اليأس إلى أن رضيت بالحجاب مكان خوف الذهاب، لتشتفي إذا مُنعت من نظره؛ قال:شعر : وما صَبابةُ مشتاقٍ على أملٍ مِن اللِّقاء كمشتاقٍ بلا أَمَل تفسير : أو كادته رجاء أن يَمَل حبسه فيبذل نفسه. الثانية: قوله تعالى: {لَيَسْجُنُنَّهُ} «يَسْجُنُنَّهُ» في موضع الفاعل؛ أي ظهر لهم أن يسجنوه؛ هذا قول سيبويه. قال المبرّد: وهذا غلط؛ لا يكون الفاعل جملة، ولكن الفاعل ما دلّ عليه «بَدَا» وهو مصدر؛ أي بدا لهم بَدَاءٌ؛ فحذف لأن الفعل يدلّ عليه؛ كما قال الشاعر:شعر : وحقَّ لمن أبو موسى أبوهُ يُوَفِّقه الذي نَصَب الجبالاَ تفسير : أي وحقّ الحقُّ، فحذف. وقيل: المعنى ثم بدا لهم رأيٌ لم يكونوا يعرفونه؛ وحذف هذا لأن في الكلام دليلاً عليه، وحذف أيضاً القول؛ أي قالوا: ليسجننه، واللام جواب ليمين مضمر؛ قاله الفرّاء، وهو فعل مذكَّر لا فعل مؤنث؛ ولو كان فعلاً مؤنثاً لكان يَسْجُنّانِّه؛ ويدلّ على هذا قوله «لَهُمْ» ولم يقل لهنّ، فكأنه أخبر عن النسوة وأعوانهنّ فغلب المذكر؛ قاله أبو عليّ. وقال السّديّ: كان سبب حبس يوسف أن ٱمرأة العزيز شكت إليه أنه شَهَّرها ونشر خبرها؛ فالضمير على هذا في «لَهُمْ» للملك. الثالثة: قوله تعالى: {حَتَّىٰ حِينٍ} أي إلى مدّة غير معلومة؛ قاله كثير من المفسّرين. وقال ٱبن عباس: إلى انقطاع ما شاع في المدينة. وقال سعيد بن جُبَيْر: إلى ستة أشهر. وحكى الكِيَا أنه عَنَى ثلاثة عشر شهراً. عِكْرمة: تسع سنين. الكَلْبيّ: خمس سنين. مقاتل: (سبع). وقد مضى في «البقرة» القول في الحين وما يرتبط به من الأحكام. وقال وهب: أقام في السجن اثنتي عشرة سنة. و«حتى» بمعنى إلى؛ كقوله «أية : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ». تفسير : وجعل الله الحبس تطهيراً ليوسف صلى الله عليه وسلم من هَمِّه بالمرأة. وكأن العزيز ـ وإن عرف براءة يوسف ـ أطاع المرأة في سجن يوسف. قال ٱبن عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات: حين هَمّ بها فسجن، وحين قال للفتى: «ٱذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ» فلبث في السجن بضع سنين، وحين قال لإخوته: «إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ» فقالوا: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}. الرابعة: أكره يوسف عليه السلام على الفاحشة بالسجن، وأقام خمسة أعوام، وما رضي بذلك لعظيم منزلته وشريف قدره؛ ولو أكره رجل بالسجن على الزنى ما جاز له إجماعاً. فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح أنه إذا كان فادحاً فإنه يسقط عنه إثم الزنى وحدّه. وقد قال بعض علمائنا: إنه لا يسقط عنه الحدّ، وهو ضعيف؛ فإن الله تعالى لا يجمع على عبده العذابين، ولا يصرفه بين بلاءين؛ فإنه من أعظم الحرج في الدين. {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78]. وسيأتي بيان هذا في «النحل» إن شاء الله. وصبر يوسف، وٱستعاذ به من الكيد، فاستجاب له على ما تقدّم.

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَـٰتِ } ثم ظهر للعزيز وأهله من بعد ما رأوا الشواهد الدالة على براءة يوسف كشهادة الصبي وقد القميص وقطع النساء أيديهن واستعصامه عنهن وفاعل {بَدَا} مضمر يفسره. {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ } وذلك لأنها خدعت زوجها وحملته على سجنه زماناً حتى تبصر ما يكون منه، أو يحسب الناس أنه المجرم فلبث في السجن سبع سنين. وقرىء بالتاء على أن بعضهم خاطب به العزيز على التعظيم أو العزيز ومن يليه، وعتى بلغة هذيل.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين، أي: إلى مدة، وذلك بعد ما عرفوا براءته، وظهرت الآيات، وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته، وكأنهم - والله أعلم - إنما سجنوه لما شاع الحديث؛ إيهاماً أنه راودها عن نفسها، وأنهم سجنوه على ذلك، ولهذا لما طلبه الملك الكبير في آخر المدة، امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب إليه من الخيانة. فلما تقرر ذلك، خرج، وهو نقي العرض صلوات الله عليه وسلامه. وذكر السدي أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه، ويبرأ عرضه فيفضحها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ بَدَا } ظهر {لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلأَيَٰتِ } الدالات على براءة يوسف أن يسجنوه دلّ على هذا {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ } إلى {حِينٍ } ينقطع فيه كلام الناس، فسجن.

الشوكاني

تفسير : معنى {بَدَا لَهُمْ } ظهر لهم، والضمير للعزيز وأصحابه الذين يدبرون الأمر معه ويشيرون عليه، وأما فاعل {بَدَا لَهُمْ } فقال سيبويه: هو {ليسجننه} أي: ظهر لهم أن يسجنوه. قال المبرد: وهذا غلط؛ لأن الفاعل لا يكون جملة، ولكن الفاعل ما دلّ عليه {بدا} وهو المصدر كما قال الشاعر:شعر : وحق لمن أبو موسى أبوه يوفقه الذي نصب الجبالا تفسير : أي وحقّ الحقّ، فحذف الفاعل لدلالة الفعل عليه. وقيل: الفاعل المحذوف هو أي: وظهر لهم رأي لم يكونوا يعرفونه من قبل، وهذا الفاعل حذف لدلالته {ليسجننه} عليه، واللام في ليسجننه جواب قسم محذوف على تقدير القول، أي: ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات قائلين: والله ليسجننه، وقرىء "لتسجننه" بالمثناة الفوقية على الخطاب، إما للعزيز ومن معه، أو له وحده على طريق التعظيم، والآيات: قيل: هي القميص وشهادة الشاهد وقطع الأيدي، وقيل: هي البركات التي فتحها الله عليهم بعد وصول يوسف إليهم ولم يجد ذلك فيهم بل كانت امرأته هي الغالبة على رأيه، الفاعلة لما يطابق هواها في يوسف، وإنفاذ ما تقدّم منها من الوعيد له بقولها: {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ بِهِ * لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن ٱلصَّـٰغِرِينَ} قيل: وسبب ظهور هذا الرأي لهم في سجن يوسف أنهم أرادوا ستر القالة، وكتم ما شاع في الناس من قصة امرأة العزيز معه. وقيل: إن العزيز قصد بسجنه الحيلولة بينه وبين امرأته، لما علم أنها قد صارت بمكان من حبه لا تبالي معه بحمل نفسها عليه على أيّ صفة كانت، ومعنى قوله: {حَتَّىٰ حِينٍ } إلى مدّة غير معلومة كما قاله أكثر المفسرين. وقيل: إلى انقطاع ما شاع في المدينة. وقال سعيد ابن جبير: إلى سبع سنين، وقيل: إلى خمس، وقيل: إلى ستة أشهر، وقد تقدّم في البقرة الكلام على تفسير الحين. وحتى بمعنى إلى. قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسّجْنَ فَتَيَانَ } في الكلام حذف متقدّم عليه، والتقدير: وبدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين فسجنوه، {ودخل معه السجن فتيان}، ومع للمصاحبة، وفتيان تثنية فتى، وذلك يدّل على أنهما عبدان له، ويحتمل أن يكون الفتى اسماً للخادم وإن لم يكن مملوكاً، وقد قيل: إن أحدهما خباز الملك، والآخر ساقيه، وقد كانا وضعا للملك سما لما ضمن لهما أهل مصر مالاً في مقابلة ذلك، ثم إن الساقي رجع عن ذلك وقال للملك: لا تأكل الطعام فإنه مسموم، وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشرب فشرب فلم يضرّه، وقال للخباز كل فأبى، فجرّب الطعام على حيوان فهلك مكانه فحبسهما، وكان دخولهما السجن مع دخول يوسف، وقيل: قبله، وقيل: بعده. قال ابن جرير: إنهما سألا يوسف عن علمه فقال: إني أعبر الرؤيا، فسألاه عن رؤياهما كما قص الله سبحانه: {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا } أي: رأيتني، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة. والمعنى: إني أراني أعصر عنباً، فسماه باسم ما يئول إليه لكونه المقصود من العصر. وفي قراءة ابن مسعود "أعصر عنباً". قال الأصمعي: أخبرني المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابياً ومعه عنب، فقال له: ما معك؟ فقال خمر. وقيل: معنى {أعصر خمراً} أي: عنب خمر، فهو على حذف المضاف، وهذا الذي رأى هذه الرؤيا هو الساقي، وهذه الجملة مستأنفة بتقدير سؤال، وكذلك الجملة التي بعدها وهي {وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا } ثم وصف الخبز هذا بقوله: {تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ } وهذا الرائي لهذه الرؤيا هو الخباز، ثم قالا ليوسف جميعاً بعد أن قصا رؤياهما عليه {نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } أي: بتأويل ما قصصناه عليك من مجموع المرئيين، أو بتأويل المذكور لك من كلامنا؛ وقيل: إن كل واحد منهما قال له ذلك عقب قصّ رؤياه عليه، فيكون الضمير راجعاً إلى ما رآه كل واحد. منهما؛ وقيل: إن الضمير في بتأويله موضوع موضع اسم الإشارة، والتقدير بتأويل ذلك {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي: من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، وكذا قال الفراء: إن معنى {من المحسنين} من العالمين الذين أحسنوا العلم، وقال ابن إسحاق: من المحسنين إلينا إن فسرت ذلك، أو من المحسنين إلى أهل السجن، فقد روي أنه كان ذلك. وجملة {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، ومعنى ذلك أنه يعلم شيئاً من الغيب، وأنه لا يأتيهما إلى السجن طعام إلاّ أخبرهما بماهيته قبل أن يأتيهما، وهذا ليس من جواب سؤالهما تعبير ما قصاه عليه، بل جعله عليه السلام مقدّمة قبل تعبيره لرؤياهما بياناً لعلوّ مرتبته في العلم، وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون الرؤيا عن ظنّ وتخمين، فهو كقول عيسى عليه السلام {أية : وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ } تفسير : [آل عمران: 49] وإنما قال يوسف عليه السلام لهما بهذا ليحصل الانقياد منهما له فيما يدعوهما إليه بعد ذلك من الإيمان بالله والخروج من الكفر، ومعنى {ترزقانه} يجري عليهما من جهة الملك أو غيره، والجملة صفة لطعام، أو يرزقكما الله سبحانه، والاستثناء بقوله: {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } مفرّغ من أعمّ الأحوال: أي: لا يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلا حال ما نبأتكما أي: بينت لكما ماهيته وكيفيته قبل أن يأتيكما، وسماه تأويلاً بطريق المشاكلة؛ لأن الكلام في تأويل الرؤيا، أو المعنى: إلا نبأتكما بما يؤول إليه الكلام من مطابقة ما أخبركما به للواقع. والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمَا } إلى التأويل، والخطاب للسائلين له عن تعبير رؤياهما {مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } بما أوحاه إليّ وألهمني إياه: لا من قبيل الكهانة والتنجيم ونحو ذلك مما يكثر فيه الخطأ، ثم بين لهما أن ذلك الذي ناله من هذه الرتبة العلية والعلوم الجمة هو بسبب ترك الملة التي لا يؤمن أهلها بالله ولا بالآخرة واتباعه لملة الأنبياء من آبائه فقال: {إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } وهو كلام مستأنف يتضمن التعليل لما قبله، والمراد بالترك: هو عدم التلبس بذلك من الأصل، لا أنه قد كان تلبس به، ثم تركه كما يدلّ عليه قوله: {مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ } ثم وصف هؤلاء القوم بما يدلّ على تصلبهم في الكفر وتهالكهم عليه. فقال: {وَهُمْ بِٱلاْخِرَةِ هُمْ } أي: هم مختصون بذلك دون غيرهم لإفراطهم في الكفر بالله. وقوله: {وَٱتَّبَعْتُ} معطوف على {تركت}، وسماهم آباء جميعاً؛ لأن الأجداد آباء، وقدّم الجدّ الأعلى، ثم الجدّ الأقرب، ثم الأب لكون إبراهيم هو أصل هذه الملة التي كان عليها أولاده، ثم تلقاها عنه إسحاق، ثم يعقوب، وهذا منه عليه السلام لترغيب صاحبيه في الإيمان بالله {مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ } أي: ما صحّ لنا ذلك فضلاً عن وقوعه، والضمير في {لنا} له وللأنبياء المذكورين، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى الإيمان المفهوم من قوله: ما كان لنا أن نشرك بالله، و {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا } خبر اسم الإشارة أي: ناشىء من تفضلات الله علينا ولطفه بنا بما يجعله لنا من النبوّة المتضمنة للعصمة عن معاصيه، ومن فضل الله على الناس كافة ببعثة الأنبياء إليهم وهدايتهم إلى ربهم، وتبيين طرائق الحق لهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } الله سبحانه على نعمه التي أنعم بها عليهم، فيؤمنون به ويوحدونه، ويعملون بما شرعه لهم. قوله: {يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} جعلهما مصاحبين للسجن لطول مقامهما فيه، وقيل: المراد يا صاحبي في السجن؛ لأن السجن ليس بمصحوب فيه، وأن ذلك من باب يا سارق الليلة، وعلى الأوّل يكون من باب قوله: {أية : أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ }تفسير : [الأعراف: 42] {أية : أصحاب النار}تفسير : [المائدة: 29] والاستفهام للإنكار مع التقريع والتوبيخ. ومعنى التفرّق هنا هو التفرّق في الذوات والصفات والعدد أي: هل الأرباب المتفرقون في ذواتهم، المختلفون في صفاتهم، المتنافون في عددهم خير لكما يا صاحبي السجن، أم الله المعبود بحق، المتفرّد في ذاته وصفاته، الذي لا ضدّ له ولا ندّ ولا شريك، القهار الذي لا يغالبه مغالب، ولا يعانده معاند؟ أورد يوسف عليه السلام على صاحبي السجن هذه الحجة القاهرة على طريق الاستفهام، لأنهما كانا ممن يعبد الأصنام. وقد قيل: إنه كان بين أيديهما أصنام يعبدونها عند أن خاطبهما بهذا الخطاب، ولهذا قال لهما: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا } أي: إلا أسماء فارغة سميتموها ولا مسميات لها، وإن كنتم تزعمون أن لها مسميات، وهي الآلهة التي تعبدونها، لكنها لما كانت لا تستحق التسمية بذلك صارت الأسماء كأنها لا مسميات لها. وقيل: المعنى ما تعبدون من دون الله إلاّ مسميات أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم من تلقاء أنفسكم، وليس لها من الإلهية شيء إلاّ مجرد الأسماء لكونها جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضرّ؛ وإنما قال: {مَا تَعْبُدُونَ } على خطاب الجمع، وكذلك ما بعده من الضمائر؛ لأنه قصد خطاب صاحبي السجن ومن كان على دينهم، ومفعول سميتموها الثاني محذوف أي: سميتموها آلهة من عند أنفسكم {مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا } أي: بتلك التسمية {مّن سُلْطَـٰنٍ } من حجة تدلّ على صحتها {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } أي: ما الحكم إلا لله في العباد، فهو الذي خلقكم وخلق هذه الأصنام التي جعلتموها معبودة بدون حجة ولا برهان، وجملة {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ } مستأنفة، والمعنى: أنه أمركم بتخصيصه بالعبادة دون غيره مما تزعمون أنه معبود، ثم بين لهم أن عبادته وحده دون غيره هي دين الله الذي لا دين غيره، فقال: {ذٰلِكَ } أي: تخصيصه بالعبادة {ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ } أي: المستقيم الثابت {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أن ذلك هو دينه القويم، وصراطه المستقيم، لجهلكم وبعدكم عن الحقائق. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة قال: سألت ابن عباس عن قوله: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَـٰتِ } فقال: ما سألني عنها أحد قبلك، من الآيات قد القميص، وأثرها في جسده، وأثر السكين، وقالت امرأة العزيز: إن أنت لم تسجنه ليصدقنه الناس. وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد قال: من الآيات كلام الصبي. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: الآيات حزّهنّ أيديهنّ، وقدّ القميص. وأقول: إن كان المراد بالآيات: الآيات الدالة على براءته فلا يصح عدّ قطع أيدي النسوة منها؛ لأنه وقع منهن ذلك لما حصل لهن من الدهشة عند ظهوره لهن مع ما ألبسه الله سبحانه من الجمال، الذي تنقطع عند مشاهدته عرى الصبر، وتضعف عند رؤيته قوى التجلد، وإن كان المراد: الآيات الدالة على أنه قد أعطي من الحسن ما يسلب عقول المبصرين، ويذهب بإدراك الناظرين، فنعم يصح عدّ قطع الأيدي من جملة الآيات، ولكن ليس هذه الآيات هي المرادة هنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: عوقب يوسف ثلاث مرات: أما أوّل مرة فبالحبس لما كان من همّه بها، والثانية لقوله: {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ} {فَلَبِثَ فِى ٱلسّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} عوقب بطول الحبس، والثالثة حيث قال: {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} فاستقبل في وجهه: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا } خازن الملك على طعامه، والآخر ساقيه على شرابه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا } قال: عنباً. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد {نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } قال: عبارته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } قال: كان إحسانه فيما ذكر لنا أنه كان يعزّي حزينهم، ويداوي مريضهم. ورأوا منه عبادة واجتهاداً فأحبوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الشعب عن الضحاك قال: كان إحسانه أنه إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا ضاق عليه المكان أوسع له، وإذا احتاج جمع له. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: دعا يوسف لأهل السجن فقال: اللهمّ لا تعمّ عليهم الأخبار، وهوّن عليهم مرّ الأيام. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ } الآية، قال: كره العبارة لهما فأجابهما بغير جوابهما ليريهما أن عنده علماً، وكان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معلوماً فأرسل به إليه، فقال يوسف: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ } إلى قوله: {يَشْكُرُونَ } فلم يدعه صاحبا الرؤية حت يعبر لهما، فكره العبارة فقال: {يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ } إلى قوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } قال: إن المؤمن ليشكر ما به من نعمة الله، ويشكر ما بالناس من نعم الله، وذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول: يا ربّ شاكر نعمة غير منعم عليه لا يدري، ويا ربّ حامل فقه غير فقيه. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ } الآية، قال: لما عرف يوسف أن أحدهما مقتول دعاهما إلى حظهما من ربهما، وإلى نصيبهما من آخرتهما. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: {ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ } قال: العدل، فقال:

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات} في الآيات التي رأوها وجهان: أحدهما: قدُّ القميص وحز الأيدي. الثاني: ما ظهر لهم من عفته وجماله حتى قلن{ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم}. {ليسجننه حتى حين} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الحين ها هنا ستة أشهر، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنه سبع سنين، قاله عكرمة. الثالث: أنه زمان غير محدود، قاله كثير من المفسرين. وسبب حبسه بعد ظهور صِدْقه ما حكى السدي أن المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني وقال إني راودته عن نفسه، فإما أن تطلقني حتى أعتذر وإما أن تحبسه مثل ما حبستني، فحبسه.

ابن عطية

تفسير : لما أبى يوسف المعصية، ويئست منه امرأة العزيز طالبته بأن قالت لزوجها: إن هذا الغلام العبراني قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر بحسب اختياره، وأنا محبوسة محجوبة، فإما أذنت لي فخرجت إلى الناس فاعتذرت وكذبته، وإما حبسته كما أنا محبوسة. فحينئذ بدا لهم سجنه. قال ابن عباس: فأمر به فحمل على حمار، وضرب بالطبل ونودي عليه في أسواق مصر إن يوسف العبراني أراد سيدته فهذا جزاؤه أن يسجن؛ قال أبو صالح: ما ذكر ابن عباس هذا الحديث إلا بكى. و {بدا} معناه: ظهر، والفاعل بـ {بدا} محذوف تقديره بدو - أو - رأي. وجمع الضمير في {لهم} والساجن الملك وحده من حيث كان في الأمر تشاور. و {يسجننه} جملة دخلت عليها لام القسم. ولا يجوز أن يكون الفاعل بـ {بدا} لـ {يسجننه} لأن الفاعل لا يكون جملة بوجه، هذا صريح مذهب سيبويه. وقيل الفاعل {ليسجننه} وهو خطأ، وإنما هو مفسر للفاعل. و {الآيات} ذكر فيها أهل التفسير أنها قد القميص، قاله مجاهد وغيره، وخمش الوجه الذي كان مع قد القميص، قاله عكرمة، وحز النساء أيديهن، قاله السدي. قال القاضي أبو محمد: ومقصد الكلام إنما هو أنهم رأوا سجنه بعد بدو الآيات المبرئة له من التهمة، فهكذا يبين ظلمهم له وخمش الوجه وحز النساء أيديهن ليس فيهما تبرية ليوسف، ولا تتصور تبرية إلا في خبر القميص، فإن كان المتكلم طفلاً - على ما روي - فهي آية عظيمة، وإن كان رجلاً فهي آية فيها استدلال ما، والعادة أنه لا يعبر بآية إلا فيما ظهوره في غاية الوضوح، وقد تقع {الآيات} أيضاً على المبينات كانت في أي حد اتفق من الوضوح. ويحتمل أن يكون معنى قوله: {من بعد ما رأوا الآيات} أي من بعد ما ظهر لهم من وجوه الأمر وقرائنه أن يوسف برىء، فلم يرد تعيين آية بل قرائن جميع القصة. و"الحين" في كلام العرب وفي هذه الآية الوقت من الزمن غير محدود يقع للقليل والكثير، وذلك بين موارده في القرآن؛ وقال عكرمة "الحين" - هنا - يراد به سبعة أعوام، وقيل: بل يراد بذلك سنة. قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب ما كشف الغيب في سجن يوسف. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يقرأ "عتى حين" بالعين - وهي لغة هذيل - فقال له: من أقرأك؟ قال: ابن مسعود، فكتب عمر إلى ابن مسعود: إن الله أنزل القرآن عربياً بلغة قريش، فبها أقرىء الناس، ولا تقرئهم بلغة هذيل، وروي عن ابن عباس أنه قال: عثر يوسف عليه السلام ثلاث عثرات: {أية : همّ} تفسير : [يوسف: 24] فسجن، وقال: {أية : اذكرني عند ربك} تفسير : [يوسف: 42] {أية : فأنساه الشيطان ذكر ربه} تفسير : [يوسف: 42] فطول سجنه، وقال: {أية : إنكم لسارقون} تفسير : [يوسف: 70] فروجع: {أية : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} تفسير : [يوسف: 77]. وقوله تعالى: {ودخل معه السجن} الآية، المعنى: فسجنوه فدخل معه السجن غلامان سجنا أيضاً، وهذه "مع" تحتمل أن تكون باقتران وقت الدخول، وأن لا تكون بل دخلوا أفذاذاً، وروي أنهما كانا للملك الأعظم - الوليد بن الريان - أحدهما: خبازه، والآخر: ساقيه. و"الفتى" الشاب، وقد تقع اللفظة على المملوك وعلى الخادم الحر، ويحتمل أن يتصف هذان بجميع ذلك، واللفظة من ذوات الياء، وقولهم: الفتوة شاذ. وروي أن الملك اتهمهما بأن الخابز منهما أراد سمه، ووافقه على ذلك الساقي، فسجنهما، قاله السدي، فلما دخل يوسف السجن استمال الناس فيه بحسن حديثه وفضله ونبله، وكان يسلي حزينهم ويعود مريضهم ويسأل لفقيرهم ويندبهم إلى الخير، فأحبه الفتيان ولزماه، وأحبه صاحب السجن والقيم عليه، وقال له: كن في أي البيوت شئت فقال له يوسف: لا تحبني يرحمك الله، فلقد أدخلت علي المحبة مضرات: أحبتني عمتي فامتحنت لمحبتها، وأحبني أبي فامتحنت لمحبته لي، وأحبتني امرأة العزيز فامتحنت لمحبتها بما ترى، وكان يوسف عليه السلام قد قال لأهل السجن: إني أعبر الرؤيا وأجيد، فروي عن ابن مسعود أن الفتيين استعملا هاتين المنامتين ليجرباه؛ وروى عم مجاهد أنهما رأيا ذلك حقيقة، فأرادا سؤاله، فقال أحدهما واسمه بنو، فيما روي، إني رأيت حبلة من كرم لها ثلاثة أغصان حسان، فيها عناقيد عنب حسان، فكنت أعصرها وأسقي الملك؛ وقال الآخر، واسمه مجلث، كنت أرى أني أخرج من مطبخة الملك وعلى رأسي ثلاث سلال فيها خبز، والطير تأكل من أعلاه. وقوله {أعصر خمراً} قيل: إنه سمى العنب خمراً بالمآل، وقيل: هي لغة أزد عمان، يسمون العنب خمراً، وقال الأصمعي: حدثني المعتمر، قال: لقيت أعرابياً يحمل عنباً في وعاء فقلت: ما تحمل؟ قال: خمراً، أراد العنب. وفي قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود "إني أراني أعصر عنباً". قال القاضي أبو محمد: ويجوز أن يكون وصف الخمر بأنها معصورة، إذ العصر لها ومن أجلها. وقوله {خبزاً} يروى أنه رأى ثريداً فوق رأسه، وفي مصحف ابن مسعود "فوق رأسي ثريداً تأكل الطير منه". وقوله {إنا نراك من المحسنين} قال الجمهور: يريدان في العلم، وقال الضحاك وقتادة: المعنى: {من المحسنين} في جريه مع أهل السجن وإجماله معهم، وقيل: إنه أراد إخباره أنهما يريان له إحساناً عليهما ويداً إذا تأول لهما ما رأياه، ونحا إليه ابن إسحاق.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ}: {بَدَا} معناه: ظهر، ولما أبَى يوسُفُ عليه السلام من المعصية، وَيَئِسَتْ منه ٱمرأةُ العزيزِ، طالبته بأَنْ قالتْ لزوجها: إِنَّ هذا الغُلاَمَ العِبْرَانِيَّ قد فَضَحَنِي في النَّاس، وهو يَعْتَذِرُ إِليهم، ويَصِفُ الأَمْرَ بحَسَب ٱختياره، وأنا محبوسَةٌ محجوبَةٌ، فإِما أَذنْتَ لي، فخرجْتُ إِلى الناس، فٱعتذرْتُ وكذَّبته، وإِما حَبَسْتَه كما أنا محبوسةٌ، فحينئذٍ بَدَا لَهُمْ سَجْنُهُ. * ع *: و{لَيَسْجُنُنَّهُ }: جملة دخَلَتْ عليها لام قسمٍ، و{الأَيَـٰتِ }: ذكر فيها أهْلُ التفسير؛ أنها قَدُّ القميص، وخَمْشُ الوجهِ، وحَزُّ النساءِ أيديَهُنَّ، وكلامُ الصبيِّ؛ على ما رُوِيَ. قال * ع *: ومَقْصِدُ الكلامِ إِنما هو أنهم رَأَوْا سَجْنه بعد ظهورِ الآياتِ المُبَرِّئة له مِنَ التهْمة، فهكذا يَبِينُ ظُلْمُهم لَهُ وَالـــ {حِينٍ }؛ في كلام العرب، وفي هذه الآية الوَقْت من الزمان غَير محدودٍ يقع للقليلِ والكثيرِ، وذلك بَيِّن من موارده في القرآن.

ابن عادل

تفسير : قوله: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ}، في [فاعل "بدا"] أربعةُ أوجه: أحسنها: أنَّه ضميرٌ يعود على "السَّجْن" فتح السِّين، أي: ظهر لهم حبسُه؛ ويدلُّ على ذلك اللَّفظ بـ "السِّجْن" في قراءةِ العامَّة، وهو بطريقِ اللازمِ، ولفظ "السَّجْن" في قراءة من فتح السين. والثاني: أنَّ الفاعل ضمير المصدر المفهوم من الفعل؛ وهو "بَدَا"، أي: بدا لهُم بداءٌ، وقد صرَّح الشاعرُ به في قوله: [الطويل] شعر : 3105ـ................. بَدَا لَكَ فِي تِلْكَ القَلُوصِ بَدَاءُ تفسير : والثالث: أنَّ الفاعل مضمرٌ يدلُّ عليه السِّياقُ، أي: لهم رأيٌ. والرابع: أنَّ نفس الجملة من "لَيَسْجننَّهُ" هي الفاعل، وهذا من أصولِ الكوفيين، وهذا يَقْتضِي إسنادَ الفعلِ إلى فعلٍ آخر؛ واتفق النحاة على أنَّ ذلك لا يجوزٌ. فإذا قلت: "خَرَجَ ضَرَبَ"، لم يفذْ ألبتة، فقدَّروا: ثُمَّ بدا لهم سجنهُ، إلاَّ أنه أقيمَ هذا الفعل مقام ذلك الاسم. قال ابنُ الخطيب: الاسمُ قد يكون خبراً؛ كقولك: زيدٌ قائمٌ، فـ "قائم" اسمٌ وخبرٌ، فعلمنا أنَّ كون الشيءِ خبراً، لا ينافي كونه مخبراً عنه، وفي هذا الباب شكوكٌ: أحدها: أنَّا إذا قلنا: "ضَرَبَ فَعَلَ"، والمخبر عنه بأنَّه فعل هو ضرب، فالفعل صار مُخْبراً عنه. فإن قالوا: المخبر عنه هو هذه الصيغةُ، وهذه الصيغة اسم، فنقول: فعلى هذا التقدير؛ يلزم أن يكون المخبر عنه بأنه فعل هو هذه الصيغة وهذه الصيغة اسم، لا فعلٌ، وذلك كذبٌ باطلٌ، بل نقول: المخبر عنه بأنه فعلٌ: إن كان فعلاً، فقد ثبت أنَّ الفعل يصحُّ الإخبار عنه، وإن كان اسماً، كان معناه: أنَّا أخبرنا عن الاسم بأنه فعلٌ، وذلك باطلٌ. و"حتَّى": غاية لما قبله، وقوله: "ليَسْجُنُنَّهُ"؛ على قول الجمهور: جوابٌ لقسم محذوفٍ، وذلك القسم وجوابه معمولٌ لقولٍ مضمرٍ، وذلك القول المضمر في محلِّ نصبٍ على الحالِ، أي: ظهر لهم كذا قائلين: والله، لنَسْجُننَّهُ حتَّى حينٍ. وقرأ الحسن: "لتَسْجُنُنَّهُ"، بتاء الخطاب، وفيه تأويلان: أحدهما: أن يكون خاطب بعضهم بعضاً بذلك. والثاني: أن يكون خُوطبَ به العزيزُ؛ تعظيماً له. وقرأ ابنُ مسعودٍ ـ رضي الله عنه ـ: "عَتَّى" بإبدال حاءِ "حتَّى" عيناً، وأقرأ بها غيره، فبلغ ذلك عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ فكتب إليه: "إنَّ هَذَا القُرآنَ نَزلَ بلُغةِ قُريشٍ فأقْرىءِ النَّاس بلُغتِهِمْ" وإبدالُ الحاءِ عيناً لغةٌ هُذيلٍ. فصل في معنى الآية المعنى: ثُمَّ بَدَا للعزيزِ، وأصحابه في الرأي؛ وذلك أنَّهم أرادوا أن يقتصروا من أمر "يُوسفَ" على الإعراض عنه، ثم بدا لهم أن يحبسُوه من بعد ما رأوا الآياتِ الدَّالة على براءةِ "يُوسفَ" من: قدِّ القميصِ، وكلام الشَّاهِد، وقطع النساءِ أيديهنَّ، وذهابِ عقولهنَّ "ليَسْجُنُنَّهُ حتَّى حِينٍ": إلى مُدَّةٍ يرون فيهَا رأيهم. وقال عطاء عن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهم ـ: إلى أن تنقطع قالة النَّاس، قال عكرمةٌ: تِسْع سِنينَ، وقال الكلبيُّ: خمس سنين. قال السديُّ: وذلك أنَّ المرأة قالت لزوجها: إنَّ هذا العبرانيَّ قد فَضحَنِي في الناس؛ يُخْبرهم بأنِّي رَاودْتُه عن نفسه، فإمَّا أن تأذن لي أن أخرج، فأعتذرَ إلى الناسِ، وإما أن تحبسه، فحبسه. قال ابنُ عبَّاس ـ عَثرَ يُوسفُ ثلاثَ عثراتٍ: حِينَ هَمَّ بها؛ فسُجِنَ، وحين قال: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف:42]؛ {فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف:42]، وحين قال لإخوته: {أية : إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}تفسير : [يوسف:70]؛ {أية : قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}تفسير : [يوسف:77]. قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانَ} [يوسف:36] قيل: هما غُلامانِ للملك الأكبر بمصر: أحدهما: خَبَّازٌ، صاحبُ طعامه. والآخرُ: صاحبُ شَرابه، غضب الملكُ عليهما فحَبسَهُما. قوله: "قَالَ أحَدهُمَا": مُسْتأنفٌ لا محلَّ له، ولا يجوز أن يكون حالاً؛ لأنهما لم يقولا ذلك حال الدُّخولِ، ولا جائزٌ أن تكون مقدَّرة؛ لأنَّ الدخول لا يَئُولُ إلى الرؤيا، و"إنِّي" وما في حيِّزه: في محل نصبٍ بالقول. و"أَرَانِي": مُتعدِّيةٌ لمفعولين عند بعضهم؛ إجراءً للحلمية مجرى العلمية؛ فتكون الجملة من قوله: "أعْصِرُ" في محلِّ المفعول الثاني، ومن منع، كانت عنده في محلِّ الحالِ. وجرت الحلمية مجرى العلمية ـ أيضاً ـ في اتحاد فاعلها، ومفعولها ضميرين متَّصلين؛ ومنه الآيةٌ الكريمةُ؛ فإنَّ الفاعل والمفعول مُتَّحدانِ في المعنى؛ إذ هما للمتكلِّم، وهما ضميران متصلان، ومثله: رأيتك في المنام قائماً، وزيدٌ رآه قائماً، ولا يجوزُ ذلك في غير ما ذكر. لا تقول: "أكْرَمتُنِي"، ولا "أكرمتَك"، ولا "زيدٌ أكْرمَهُ"؛ فإن أردت ذلك، قل: أكْرمْتُ نَفْسِي، أو إيَّاي ونفسكَ، أوْ [أكْرَمْتَ] إيَّاك ونفسهُ، وقَدْ تقدَّم تحقيق ذلك. وإذا دخلت همزةٌ النقل على هذه الحلمية، تعدت لثالثٍ، وتقدم هذا في قوله تعالى: {أية : إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً}تفسير : [الأنفال:43]. والخَمْرُ: العِنَبُ، أطلق عليه ذلك؛ مجازاً؛ لأنه آيلٌ إليه؛ كما يطلق الشيء على الشيء؛ باعتبار ما كان عليه؛ كقوله {أية : وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ}تفسير : [النساء:2]، ومجاز هذا أقربُ، وقيل: بل الخَمْرُ: العِنَبُ حقيقةً في لغةِ غسَّانٍ، وإزْدِ عمان. وعن المُعْتَمر: لقيتُ أعْرابياً حاملاً عنباً في وعاءٍ، فقلتُ: ما تحمل؟ قال: خَمْراً. وقراءة "أبيِّ"، وعبد الله: "أعْصِرُ عِنَباً"، لا تدلُّ على الترادف؛ لإرداتهما؛ التفسير، لا التلاوة، وهذا كما في مصحف عبد الله: "فَوْقَ رأسِي ثَرِيداً"، فإنه أراد التَّفسيرَ فقط. و"تَأكُلُ الطَّيْرُ": صفةٌ لـ "خُبْزاً"، و"فَوْقَ" يجوز أن يكون ظرفاً للحملِ، وأن يتعلق بمحذوفٍ، حالاً من "خُبْزاً" إلاّ أنه في الأصل صفة له، والضمير في قوله"نَبِّئْنَا بِتَأويلهِ": قال أبو حيَّان: "عائدٌ على ما قَصَّا عليه، أجري مُجْرَى اسم الإشارةِ؛ كأنَّه قيل: تأويله ما رَأيْتَ". وقد سبقه إليه الزمخشريُّ، وجعله سُؤالاً، وجواباً، وقال غيره: إنَّما واحد الضمير؛ لأن كلَّ واحدٍ سأل عن رُؤياه؛ وكأن كلَّ واحد منهما قال: نبئنا مارأيتُ. و"تُرْزَقانِهِ": صفةٌ لـ"طَعَامٌ"، وقوله "إلاَّ نَبَّأتُكُمَا": استثناء مفرَّغٌ، وفي موضعِ الجملة بعدها وجهان: أحدهما: أنَّها في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وساغ ذلك من النكرةِ؛ لتخصُّصها بالوصف. والثاني: أن تكون في محلِّ رفعٍ؛ نعتاً ثانياً لـ "طَعَامٌ". والتقدير: لا يأتيكما طعامٌ مرزوقٌ إلا حال كونه مُنَبَّاً بتأويله، أو مُنَبَّأٌ بتأويله، و"قَبْلَ" الظاهرُ أنَّها ظرفٌ لـ "نَبَّأتُكُمَا"، ويجوز أن يتعلق بتأويله، أي: نبأتكما بتأويله الواقع قبل إتيانه. فصل قيل: إنَّ جماعة من أهل مصر، أرادوا المكر بالملك، فَضَمِنُوا لهذين الرجلين مالاً، ليَسُمَّا الملك في طعامه، وشرابه، فأجاباهم، ثمَّ إن الساقي نكل عنه، وقبل الخبازُ الرشوة فسمَّ الطَّعام، فلما أحضروا الطعام، قال السَّاقي: لا تأكلْ أيُّها الملك؛ فإنَّ الطعام مسمومٌ، وقال الخبَّازُ: لا تشربْ أيها الملكُ؛ فإنَّ الشراب مسمومٌ، فقال الملك للساقي: اشربْ، فشربهُ فلم يضرُّه، وقال للخبَّاز: كل من طعامك، فأبى، فجرَّب ذلك الطعام على دابَّة، فأكلتهُ: فهلكتْ؛ فأمر الملك بحبسهما. وكان يوسف حين دخل السِّجن، جعل ينشر علمه، ويقول: إنِّي أعبِّر الأحلام، فقال أحدُ الفتيين لصاحبه: هلُمَّ فلنجرب هذا العبد العبرانيَّ، فتراءيا له، فسألاه من غير أن يكونا رأياً شيئاً. قال ابنُ مسعودٍ ـ رضي الله عنه ـ: "مَا رَأيَا شَيْئاً وإنَّما تَحالَمَا ليُجَرِّبَا يُوسفَ" ـ عليه السلام ـ. وقيل: بل رأيا حقيقة، فرآهما يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهما مهمومان، فسألهما عن شأنهما، فذكرا أنَّهما صاحبا الملك ـ حبسهما ـ وقد رأيا رؤية همَّتهما، فقال يوسف ـ صلوات الله، وسلامه عليه وعلى الأنبياء والمرسلين ـ: قُصَّا عليَّ ما رأيتما! فقصَّا عليهن فعبَّر لهما ما رأياهُ، وعرف حرفة كلِّ واحدٍ من منامه. وتأويلُ الشَّيء، ما يرجعُ إليه، وهو الذي يَئُولُ إليه آخرُ ذلك الأمر. ثم قالا: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}: في أمر الدين، أي: نراك تُؤثِرُ الإحسانَ، وتأتي مكارمَ الأخلاق. وقيل: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} في علم التعبير؛ وذلك أنَّه حين عبَّر لم يخطىء. [وقيل: إنه كان يعود مرضاهم ويوقّر كبيرهم، فقالوا إنَّا لنراك من المحسنين في حقّ الأصحاب]. فصل في حقيقة علم التعبير وحقيقة علم التَّعبير: أنه ـ تعالى ـ خلق جوهر النَّفس الناطقة، بحيث يمكنها الصعودُ إلى عالم الأفلاكِ، ومطالعةُ اللَّوحِ المحفوظِ، والمانعُ لها من ذلك: اشتغالها بتدبير البدنِ، فوقت يقلُّ هذا الاشتغال، يقوى على هذه المطالعة، فإن وقعت على حالةٍ من الأحوال، تركت آثاراً مخصوصة مناسبة لذلك الإدراكِ الرَّوحاني، إلى علم الخيال، فالمعبِّر يستدلُّ بتلك الآثار الخيالية على تلك الإدراكات القلبيَّة. قال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: "حديث : الرُّؤيَا ثلاثةٌ: رُؤيَا ما يُحدِّثُ الرَّجلُ بِهِ نفسهُ، ورُؤيَا تحدثُ من الشَّيطانِ، ورُؤيَا جُزءٌ مِنْ ستَّةٍ وأرْبَعينَ جُزْءاً مِنَ النُّبوَّةِ ". تفسير : فصل في قوله يوسف ما أحبني أحد قط الإ دخل عليّ من حبه بلاء، أو في البلاء الذي حل بيوسف بسبب حب الناس له: رُويَ أنَّ الفتيين لمَّا رأيا يُوسُفَ، قالا: لقد أحببناك حين رأيناك، فقال لهما يوسفُ: ناشدتكما، لا تُحِبَّاني؛ فواللهِ ما أحبَّنِي أحدٌ قط؛ إلاَّ دخل عليَّ مِنْ حبِّه بلاءٌ، لقد أحَبَّتْنِي عمَّتي، فدخل عليَّ بلاءٌ، ثم أحبَّني أبِي، فألقيتُ في الجبِّ، وأحبَّتْنِي امرأةُ العزيز، فحُبِسْتُ. فلما قصَّا عليه الرؤية، كره يوسفُ أن يعبِّر لهما ما سألاه، لما علم ما في ذلك من المكروه على أحدهما، فأعرض عن سؤالهما، وأخذ في غيره، من إظهار المعجزة، والدُّعاءِ إلى التَّوحيدِ. فقال: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} قيل: أراد به في النوم، أي لا يأتيكما طعام ترزقانه في نومكما، إلاَّ نبأتكما بتأويله في اليقظةِ، وقيل: أراد به في اليقظةِ؛ فقوله {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} في منازلكما تطعمانه، وتأكلانه "إلاَّ نَبَّأتُكمَا" أخبرتكما "بتأويلهِ" بقدره، ولونه، والوقت الذي يصلُ إليكما، قبل أن يصل، وأيَّ طعام أكلتم، وكم أكلتم ومتى أكلتم. وهذا مثلُ معجزةِ عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ حيثُ قال: {أية : وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ}تفسير : [آل عمران:49]. فقال: هذا فعلُ القوَّافين والكهنةِ، فمن أين لك هذا العلم؟. فقال: ما أنا بكاهنٍ، وإنما ذلك العلمُ مما علَّمني ربِّي. ثم قال: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}، وفي سؤالٌ: وهو قوله: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} يوهمُ أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كان في هذه الملَّة؟. والجوابُ من وجوه: الأول: أنَّ التَّرك عبارةٌ عن عدمِ التعرُّضِ للشيء، وليس من شرطه أن يكون قد كان خائضاً فيه. والثاني: أن يقال: إنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان عبداً لهم ـ بحسب زعمهم ـ ولعلَّه ـ قبل ذلك ـ كان لا يظهرُ التوحيد، والإيمان؛ خوفاً منهم، ثم إنَّه أظهره في هذا الوقت؛ فكان هذا جارياً مجرى تركِ ملَّة أولئك الكفرة بحسب الظاهر. قوله: (إني تركت) يجُوز أن تكون هذه مستأنفة، أخبر بذلك عن نفسه، ويجوز أن تكون تعليلاً لقوله: {ذلك مما علمني ربي}، أي: تركي عبادة غير الله، سببٌ لتعليمه إيَّاي ذلك، وعلى الوجهين لا محلَّ لها من الإعراب، و "لا يُؤمِنُونَ": صفةٌ لـ "قومٍ". وكرَّر "هُمْ" في قوله: {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}؛ قال الزمخشريُّ: "للدَّلالة على أنهم خُصُوصاً كافرون بالآخرة، وأنَّ غيرهم مؤمنون بها". قال أبُوا حيَّان: "وليستْ "هُمْ" عندنا تدلُّ على الخُصوصِ". قال شهابُ الدِّين: "لم يَقُل الزمخشريُّ إنها تدلُّ على الخُصُوصِ، وإنَّما قال: "وتكرير "هُمْ" للدلالةِ على الخصوصِ" فالتكريرُ هو الذي أفاد الخصوص وهو معنًى حسنٌ". وقيل: كرَّر "هُمْ"؛ للتوكيد. وسكَّن الكوفيُّون الياء مِنْ: "آبَائِي"، ورويت عن أبي عمرٍو، وإبراهيم، وما بعده: بدلٌ، أو عطفُ بيانِ، أو منصوبٌ على المدح. قوله {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}، لمَّا ادَّعى النبوة، وتحدَّى بالمعجزة ـ وهوعلمُ التَّعبير ـ قرَّر كونه من أهل النبوة، وأنَّ أباه وأجداده كانوا أنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فإنَّ الإنسان متى ادَّعى حرفة أبيه وجده، لم يستبعد ذلك منه، وأيضاً: فكما أنَّ درجة إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ وإسحاق، ويعقوب، كان أمْراً مشهوراً في الدنيا، فإذا ظهر أنَّهُ ولدهم، عظَّموه، ونظروا إليه بعينِ الإجلالِ؛ فكان انقيادهم له أتمَّ وتتأثر قلوبهم بكلامه. فإن قيل: إنَّه كان نبيَّا، فكيف قال: {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ}، والنبيُّ لا بدَّ وأن يكون مختصاً بتشريعة نفسه؟. فالجواب: لعلَّ مراده أنَّ التوحيد كلا يتغيَّر، ولعله كان رسُولاً من عند الله؛ إلاَّ أنه كان على شريعةِ إبراهيم ـ صلوات الله وسلام عليه وعلى الأنبياء المرسلين ـ. قوله: {مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} فيه سؤال: وهو أنَّ حال كُلِّ من المكلفين كذلك؟. والجواب: ليس المراد بقوله: "مَا كَانَ لنَا" أنَّهُ حرَّم ذلك عليهم، بل المرادُ أنه ـ تبارك وتعالى ـ طهَّره، وطهر آباءه عن الكفر؛ كقوله {أية : مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ}تفسير : [مريم:35]. قوله: "مِنْ شيءٍ" يحوز أن يكون مصدراً، أي: شيئاً من الإشراك، ويجوزُ أن يكون واقعاً على الشِّرك، أي: ما كان لنا أن نُشرِكَ شيئاً غيره من ملكٍ، أو إنسٍ، أو جنٍّ، فكيف بصنَمٍ؟. و"مِنْ" [مزيدة] على التَّقديرين؛ لوجود الشرطين. ثم قال: "ذلِكَ" أي: التَّوحيد والعلمُ {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ}، بِمَا بيَّن لهم من الهدى؛ {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} نعم الله على الإيمان. حُكِيَ أنَّ واحداً من أهْلِ السُّنَّةِ دخل على بشرِ بن المعتمر، وقال له: يا هذا: هل تشكرُ الله على الإيمان أم لا؟ فإنْ قلت لا، فقد خالفت الإجماع، وإن شكرته، فكيف تشكرهُ على ما ليس فعلاً له؟. فقال له بشرٌ: إنَّا نشكرُ الله على أنه تعالى أعطانا: القدرة، والعقل، والآلة، فيجبُ علينا أن نشكره على إعطاءِ القدرةِ والآلةِ، فأمَّا أن نشكرهُ على الإيمان، مع أنَّ الإيمان ليس فعلاً، فذلك باطلٌ، فدخل عليهم ثمامةُ بن الأشرسِ، وقال: إنَّا لا نشكرُ الله على الإيمان، بل اللهُ يشكرنا عليه؛ كما قال تعالى: {أية : فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا}تفسير : [الإسراء:19] فقال بشرٌ: "لمَّا صعب الكلامُ، سهُلَ". قال ابنُ الخطيب: "واعلم أنَّ الذي اقترحه ثمامة باطلٌ؛ بنص هذه الآية؛ لأنَّه ـ تعالى ـ بين أن عدم الإشراك من فضل الله، ثم بيَّن أنَّ أكثر الناس لا يشكُرون هذه النعمةَ، وإنما ذكره على سبيل الذَّمِّ، فدل هذا على أنه يجبُ على كل مؤمن أن يشكُر الله على نعمةِ الإيمانِ، وحينئذٍ تقوى الحجَّةُ، وتكمُل الدلالة". قال القاضي: قوله: "ذلِكَ" إن جعلناه إشارة إلى التمسك بالتوحيدِ، فهو من فضل الله ـ تعالى ـ لأنه إنما حصل بإلطافه، وتسهيله، ويحتملُ أن يكون إشارة إلى النبوة. والجواب: أنَّ "ذَلِكَ" إشارةٌ إلى المذكورِ السابقِ، وذلك هو تركُ الإشراكِ فوجب أن يكون ترك الإشراك من فضل الله ـ تعالى ـ والقاضي يصرفه إلى الإلطاف والتسهيل؛ فكان هذا تركاً للظاهر، وأمَّا صرفه إلى النبوة، فبعيدٌ؛ لأن اللفظ الدالَّ على الإشارة يجبُ صرفه إلى أقرب المذكورات، وهو هنا عدمُ الإشراك. قوله تعالى: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ}: يجوزُ أن يكون من باب الإضافة للظرف؛ إذ الأصل: يا صاحبيّ في السِّجن، ويجوز أن تكون من باب الإضافة إلى المشبه بالمفعول به، والمعنى: يا سَاكِني السِّجن، وذكر الصُّحبة، لطُولِ مقامهما فيه؛ كقوله تعالى: {أية : أَصْحَابُ النَّارِ}تفسير : [الأعراف:44 ـ 50]. وقوله: {أَمِ ٱللَّهُ}، هنا: متًّصلةٌ؛ عطفت الجلالة على "أرْبَابٌ". فصل اعلم أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما ادَّعى النبوة في الآية الأولى، وكان إثباتُ النبوة مبنينًّا على إثبات الإلهيَّة، لا جرم شرع في هذه الآيةِ في تقريرِ الإلهياتِ، ولما كان أكثرُ الخلقِ مقرِّين بوجودِ الإله العالم القادر، وإنما الشأنُ في أنهم يتخذُون أصناماً على صُورِ الأرواح الفلكية، ويعبدونها، ويتوقَّعُون حصول النَّفْعِ والضُّر منها، لا جرم كان سعيُ أكثر الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ في المنع من هذه، وكان الأمرُ على هذا إلى زمانِ يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه وعلى الأنبياء والمرسلين ـ. فلهذا السبب، شرع في ذكر ما يدلُّ على فسادِ العقول بعبادةِ الأصنام؛ فقال: {أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}، والمراد منه الاستفهام على سبيل الإنكارِ، وتقريرُ فساد القول بعبادة الأصنام: أنه ـ تعالى ـ بيَّن أن كثرة الآلهةِ توجب الخلل والفساد في هذا العالم؛ لقوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء:22] فلمَّا قرَّر أنَّ كثرة الآلهة تُوجبُ الخلل والفساد، وكونُ الإله واحدٌ، يقتضي حصول الانتظام، وحسن الترتيب ـ قال هاهنا: {أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}. وأما تقرير كون كثرةِ الآلهةِ، توجب الخلل والفساد في العالم: أنَّه لو كان اثْنانِ أو ثلاثةُ، لم نعلم من الذي خلقنا، ورزقنا، ودفع الآفاتِ عنَّا؛ فيقع الشِّرْكُ في أنَّا نعبدُ هذا أم ذاك. ومعنى: كونهم متفرقين، أي: شتَّى، هذا من ذهب، وهذا من فضةٍ، وهذا من حديدٍ، وهذا أعلى، وهذا أوسط، وهذا أدْنَى، متباينون لا تضر ولا تنفعُ. {خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}، "الوَاحِدُ": لا ثاني لهُ، "القَهَّارُ" الغالبُ عل الكلِّ. ثُمَّ عجز الأصنام، فقال: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً} أي: من دون الله، وإنما ذكر بلفظ الجمعِ، وقد ابتدأ الخطاب لاثنين؛ لأنه أراد جميع أهل السِّجن، وكلَّ من هو على مثل حالهمَا من الشرك. فإن قيل: لم سمَّاها أرباباً، وليست كذلك؟. فالجواب: لا عتقادهم فيها أنَّها كذلك، وأيضاً: الكلامُ خرج على سبيل الفرضِ، والتقدير، والمعنى: أنَّها إن كانت أرباباً، فهي خيرٌ أم الله الواحد القهار؟. فإن قيل: كيف يجوزُ التفاضلُ بين الأصنامِ، وبين الله ـ تعالى ـ، حتَّى قيل: إنها خيرٌ أم اللهِ؟. فالجوابُ: أنَّهُ خرج على سبيل الفرض، والمعنى: لو سلمنا أنَّه حصل فيها ما يوجبُ الخير، فهي خيرُ أم اللهُ الواحدُ القهار؟. قوله تعالى: {إِلاَّ أَسْمَآءً}، إما أن يراد بها المسميات، أو على حذف مضاف، أي: ذواتُ المُسمَّيات، و"سَمِّتُمُوهَا": صفةٌ، وهي متعديةٌ لاثنين حذف ثانيهما، أي: سَمَّيتُمُوها آلهة. و"مَا أنْزَلَ": صفةٌ لـ "أسْمَاء"، و"مِنْ": زائدةٌ في: "مِنْ سُلطَانٍ"، أي: حُجَّةٍ. و"إن الحُكْمُ": "إنْ" نافيةٌ، ولا يجوز الإتباع بضمَّة الحاء؛ كقوله: {أية : وَقَالَتِ اخْرُجْ}تفسير : [يوسف:31]، ونحوه؛ لأنَّ الألف واللام كلمةٌ مستقلةٌ، فهي فاصلةٌ بينهما. فصل قال في الآية: {أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}، وذلك يدلُّ على وجودِ هذه المسميات، ثم قال في عقبه: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ}، وهذا يدلُّ على أنَّ المسمى غير حاصلٍ، وبينها تناقضٌ. والجوابُ: أنَّ الذوات موجودةٌ حاصلةٌ إلاَّ أنَّ المسمى بالإله غيرُ حاصلٍ؛ وبيانه من وجهين: الأول: أن ذوات الأصنام، وإن كانت موجودةً، إلاَّ أنَّها غيرُ موصوفةٍ بصفاتِ الإلهية، وإذا كان كذلك، كان الشيءُ الذي هو مسمَّى بالإلهيَّة في الحقيقة غير موجودٍ، ولا حاصلٍ. الثاني: رُوِيَ أنَّ عبدةً الأصنام مشبهةٌ، فاعتقدوا أنَّ الإله هو النورُ الأعظمُ، وأن الملائكة أنوارٌ صغيرةٌ؛ فوضعوا علَى صورة تلك الأنوارِ هذه الأرباب، ومعبودهم في الحقيقةِ هو تلك الأنوارُ، ثُمَّ إنَّ جماعة ممن يعبدون الأصنام، قالوا: نحن لا نقولُ إنَّ هذه الأصنام آلهةٌ للعالم، بمعنى أنَّها هي التي خلقت العالم، إلاَّ أنَّا نسميها آلهةٌ نعبدها؛ لاعتقادنا أنَّ الله أمرنا بذلك. فأجاب الله ـ تعالى ـ عنه، فقال: أمَّا تسميتها بالآلهةِ، فما أمر الله بذلك ولا أنزل في هذه التَّسمية حُجَّة، ولا برهاناً، وليس لغيرِ الله حكمٌ يجبُ قبوله، ولا أمرٌ يجبُ إلزامهُ بل الحُكْمُ والأمرُ ليس إلاَّ للهِ. ثم إنه تعالى: {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}: لأنَّ العبادة نهايةُ التعظيم؛ فلا يليقُ إلاَّ بمن حصل منه: الخلقُ، والإحياءُ، والعقلُ، والرزقُ، والهدايةُ، ونَعمُ الله كثيرةٌ، وإحسانه إلى الخلق غير متناهٍ. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، وذلك أنَّ أكثر الخلق ينسبون حدُوثَ الحوادثِ الأرضية إلى الاتصالاتِ الفلكية، والمناسباتِ الكوكبيَّة؛ لأجل أنه تقرر في العقولِ أنَّ الحادثَ لا بُدَّ له من سببٍ، فاعتبروا أحْوالَ الشمسِ في أرباع الفلكِ، وربطُوا الفُصُول الأربعة بحركة الشمسِ. ثم إنهم لما شاهدوا أحوال النَّباتِ والحيوان، تختلفُ باختلافِ الفصول الأربعة غلب على طباع أكثرِ الخلقِ، أنَّ المدبِّر [لحدوث] الحوادث في العالم، هو الشمسُ والقمر، وسائرُ الكواكب. ثم إنه ـ تعالى ـ إذا وفَّق إنساناً حتَّى ترقَّى في هذه الدَّرجةِ، وعرف أنَّها في ذواتها، وصفاتها مُفتقرةٌ إلى موجودٍ، مبدع قادرٍ، قاهر، عليم، حكيمٍ، فذلك الشخصُ يكون في غاية النُّدرةِ؛ فلهذا قال: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. قوله "أمَرَ" يجوز أن يكون مستأنفاً، وهو الظاهر، وأن يكون حالاً، و"قد" معه مرادة عند بعضهم. قال أبو البقاءِ: وهو ضعيفٌ لضعف العامل فيه. يعني بالعامل: ما تضمنه الجَارُّ في قوله "إلاَّ الله" من الاستقرار. قوله تعالى: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي}، العامَّة على فتح الياء، من سقاه يسقيه، وقرأ عكرمة في رواية "فيُسْقِي" بضم حرفِ المضارعة من "أسْقَى" وهما لغتان، قال: سقاه، وأسقاه، وسيأتي أنَّهُما قراءتان في السبع، و{أية : نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ}تفسير : [النحل:66]، وهل هما بمعنَى أم بينهما فرقٌ؟. ونقل ابنُ عطيَّة، عن عكرمة، والجحدريِّ: أنَّهما قرءا "فيُسْقَى ربُّهُ" مبنيًّا للمعفول، ورفع "ربُّهُ"، ونسبها الزمخشريُّ لعكرمة فقط. فصل اعلم أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لما قرَّر التوحيد والنبوة، عاد إلى الجواب عن السُّؤالِ الذي ذكر، ففسَّر رُؤياهما، فقال: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا}، وهو صاحبُ الشَّراب "فيَسْقِي ربَّهُ": يعني الملك، وأما الآخرُ: يعنى الخبَّاز، فيدعوه الملكُ، ويخرجه، ويصلبه؛ فتأكل الطيرُ مِنْ رأسه. قال ابنُ مسعودٍ ـ رضي الله عنه ـ: "لمَّا سَمِعَا قول يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قالا: مَا رَأيْنَا شَيْئاً إنَّما كُنَّا نلعَبُ"، قال يوسف: "قُضِيَ الأمْرُ الذي فِيهِ تَسْتفتيَانِ". فإن قيل: هذا الجوابُ الذي ذكره يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذكره؛ بناءً على أنَّ الوحي من قبل الله ـ تعالى ـ أو بناءً على علم التَّعبير. والأول باطلٌ؛ لأن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ نقل أنه إنَّما ذكره على سبيل التعبير، وأيضاً قال الله: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا}، ولو كان ذلك التعبير مبنيًّا على الوحي، كان الحاصلُ منه القطعُ واليقينُ، لا الظنُّ والتَّخمينُ. والثاني ـ أيضاً ـ باطلٌ؛ لأن علم التعبير مبنيٌّ على الظنِّ، والقضاءُ: هو الإلزامُ والجزمُ والحكمُ البتُّ، فكيف بني الجزم والقطع على الظنِّ والحسبانِ؟. والجواب: لا يبعد أن يقال: إنهما سألاه عن ذلك المنام، صدقا فيه أو كذبا، فإنَّ الله ـ تعالى ـ أوحى إليه أنَّ عاقبة كُلَّ واحدٍ منهما تكون على ذلك الوجهِ المخصوص، فملا نزل الوحيُ بذلك الغيب عند ذلك السؤال، وقع في الظنَّ أنَّه ذكره على سبيل [التَّعبير]. ولا يبعد ـ أيضاً ـ أن يقال: إنه بنى ذلك الجواب على علم التعبير. وقوله {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} ما عنى به أنَّ الذي ذكره واقعٌ لا محالة، بل عنى أنَّ حكمه في تعبير ما سألاه عنه ذلك الذي ذكره. قوله: "قُضِيَ الأمْرُ" قال الزمخشريُّ: "ما اسْتفْتَيَا في أمرٍ واحدٍ، بل في أمرين مختلفين، فما وجهُ التوحيدِ؟ قلتُ: المرادُ بالأمرِ ما أتهما به من سمِّ الملك، وما سُجِنَا من أجله، والمعنى: فُرغَ من الأمر الذي عنه تسألان". قوله تعالى: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ}، فاعلُ "ظنَّ": يجوزُ أن يكون يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ إن كان تأويله بطريقِ الاجتهادِ، وأن يكون الشَّرابي إن كان تأويله بطريقِ الوحي، أو يكون الظنُّ بمعنى اليقين؛ كقوله تعالى: {أية : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ}تفسير : [البقرة:46] و{أية : إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ}تفسير : [الحاقة:20] قال الزمخشريُّ. يعني أنه إن كان الظنُّ على بابه، فلا يستقيمُ إسناده إلى يوسف؛ إلاَّ أن يكون تأويله بطريق الاجتهاد، لأنه منتى كان بِطَريقِ الوحْيِ، كان يَقِيناً؛ فينسب الظنُّ حينئذٍ للشرابيّ لا ليوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ. وأمَّا إذا كان الظنُّ بمعنى اليقينِ، فيصح نسبتُه إلى يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ إن كان تأويله بطريق الوحْيِ. وذهب قتادة: إلى كونِ الظن على بابه ـ وهو مسندٌ إلى يوسف إن كان تأويله بطريق الاجتهاد ـ، فإنه قال: "الظنُّ هو على بابه؛ لأنّ عبارة الرُّؤيا ظنٌّ". قوله: "مِنْهُمَا"، يجوزُ أن يكون صفةً لـ"نَاجٍ"، وأن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ على أنَّهُ حالٌ من الموصول. قال أبو البقاءِ: "ولا يكونُ متعلقاً بـ "نَاجِ" لأنَّه ليس المعنى عليه" قال شهاب الدين: لو تعلق بـ"نَاجِ" لأفْهم أنَّ غيرهما نَجَا منهما، أي: انفلت منهما، والمعنى: أنَّ أحدهما هو النَّاجي، وهذا المعنى الذي نبه عليه بعيدٌ توهُّمهُ. والضميرُ في "فَأنْسَاهُ"، يعودُ على الشرابيِّ، وقيل: على يوسف؛ وهو ضعيفٌ. فصل في الاختلاف فيمن أنساه الشيطان ذكر ربه قال يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ للناجي من الرجلين: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}، أي: عند الملك، أي: اذكرني عنده أنَّهُ مظلومٌ من جهة إخوته، لما أخرجوه، وباعوه، ثم إنَّه مظلوم في هذه الواقعة؛ التي لأجلها حُبِسَ. ثم قال تعالى: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} قيل: أنْسَى الساقي ذكر يوسف للملك، تقديره: فأنساه الشيطان ذكره لربه. ورجَّح بعضُ العلماء هذا القول، فقال: لو أنَّ الشيطان أنْسَى يوسف ذكر الله، لما استحقَّ العقاب باللَّبثِ في السِّجْنِ؛ إذ النَّاسي غيرٌ مُؤاخذٍ. وقد يجابُ عن ذلك بأنَّ النِّسيانَ قد يكونُ بمعنى التَّركِ، فلما ترك ذكر اللهِ، ودعاهُ الشَّيطانُ إلى ذلك، عوقب. وأجيب عن هذا الجواب بقوله تعالى: {أية : وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ}تفسير : [يوسف:45]، فدلَّ على أن النَّاسي هو السَّاقِي لا يوسف، مع قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الحجر:42]، فكيف يصحُّ أن يضاف نسيانه إلى الشيطان، وليس له على الأنبياء سلطان؟. وأجيب عن هذا بأن النسيان لا عصمة للأنبياء عنه، إلاَّ في وجه واحد وهو الخبرُ من الله تعالى، فيما يلقَّونه؛ فإنَّهم مَعْصُومُون فيه، وإذا وقع منهم النيسان حيثُ يجوزُ وقوعه، فإنَّه ينسبُ إلى الشيطان؛ وذلك إنَّما يكونُ فميا أخبر الله عنهم، ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم، قال عليه السلام: "حديث : نَسِيَ آدمُ فنَسِيَتْ ذُريته"تفسير : وقال: "حديث : إنَّما أنا بشرٌ، أنْسَى كما تَنْسَوْن ". تفسير : وقال ابنُ عباس ـ رضي الله عنهما ـ وعليه الأكثرون: "أنسى الشيطانُ يوسف ذكر ربِّه؛ حتَّى ابتغى الفرج من غيره، واستعان بمخلوقٍ؛ وتلك غفلة عرضتْ ليُوسفَ مِنَ الشَّيطانِ". "فَلبِثَ": مكث "في السِّجنِ بضْعَ سِنينَ" قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَرْحَمُ اللهُ أخِي يُوسفَ؛ لوْ لَمْ يقُلْ: "اذْكرنِي عِنْدَ ربِّكَ"؛ ما لبثَ فِي السِّجن" تفسير : ومما يدلُّ على أنَّه المراد قوله: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} ولو كان المراد الساقي لقال فأنساه الشيطان ذكر يوسف. واعلم أنَّ الاستعانة بغيرِ الله في دفع الظلم، جائزةٌ في الشريعة، لا إنكار عليه. وإذا كان كذلك، فلم صار يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ مُؤاخذاً بهذا القدر؟ وكيف لا يصيرُ مؤاخذاً بالإقدام على الزِّنا؟ ومكافأة الإحسان بالإساءة [أولى]؟. فلما رأينا الله أخذ يوسف بهذا القدرِ، ولمْ يؤاخذه في تلك القضية ألبتَّة، وما عابهُ، بل ذكره بأعظمِ وجوهِ المدحِ والثناءِ ـ علمنا أنَّهُ ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان مُبَرَّأ ممَّا نسبوهُ إليهِ. فصل في اشتقاق البضع وما يدل عليه قال الزجاجُ: "اشتقاقُ البضْعِ من بَضعْتُ بمعنى قَطعْتُ". قال النَّواوي: "والبِضْعُ بكسر الباء، وقد تفتح: ومعناه القطعةُ من العدد". قال الفراء: لا تذكرُ إلاَّ مع عشرةٍ، أو عشرينَ إلى التِّسعينَ؛ وذلك يقتضي أن يكون مخصوصاً بما بين الثلاثة إلى التسعةِ، قال: وهكذا رأيتُ العرب يقولون، وما رأيتهم يقولون: بضعٌ ومائةٌ، قال: وإنما يقالُ نيِّفٌ مائة؛ والقرآنُ يردُّ عليه. ويقال: بضعُ نسوة، وبضعةُ رجالٍ. روى الشعبيُّ ـ رضي الله عنه ـ "حديث : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قيل لهُ: كم البِضْعُ؟ قال: مَا دُونَ العَشرة ". تفسير : وقال ابنُ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: "مَا دُونَ العشرة". وقال مجاهدٌ ـ رضي الله عنه ـ: مابين الثَّلاث إلى السَّبع. وقيل إلى الخمسِ. وقال قتادةُ ـ رضي الله عنه ـ: مابين الثَّلاث إلى التِّسعِ. وأكثر المفسرين على أن البِضْعَ في هذه الآية سبعُ سنينَ، وقد لبث قبلهُ خمس سنين فجملته، اثنتا عشرة سنة. قال ابن عبَّاسِ ـ رضي الله عنهما ـ: "لما تضرَّع يوسفُ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لذلك الرجلِ، كان قد قرُبَ وقتُ خروجه، فلما ذكر ذلك لبث في السجن بعده سبع سنينَ". وقيل: البِضْعُ: فوق الخمسةِ ودُون العشرة. وقد تقدم عند قوله {أية : بِضَاعَةً}تفسير : [يوسف:19]، والبَعْضُ قد تقدَّم أنه من هذا المعنى، عند ذكر البعوضةِ. وفي المدَّة التي أقامها يوسف في السجن أقوالٌ: أحدها: قال ابنُ جريجٍ، وقتادة، ووهبُ بنُ منبِّه: أقام أيوبُ في البلاءِ سبعَ سنينَ، وأقام يوسفُ في السِّجن سبع سنينَ. وقال ابن عباسِ: اثنتَيْ عَشْرة سنة. وقال الضحاكُ: أرْبع عشرة سنة.

البقاعي

تفسير : ولما كانت هذه الأمور موجبة لرفعته، فكان حينئذٍ أبعد شيء عن السجن لو كان الناس متمكنين من جري أمورهم على حسب السديد من عقولهم، أخبر تعالى أنهم خالفوا داعي السداد واستبدلوا الغيّ بالرشاد، لحكمه بأن السجن سبب عظيم لصرف كيدهن عنه وإثبات العز والمكنة له، ففعلوا - مع علمهم بأن ذلك ظلم وسفه - إجابة لغالب أمر الله وإظهاراً لعليّ قدره بمخالفة العوائد مرة بعد مرة، وهدم سداد الأسباب كرة أثر كرة؛ فقال: {ثم} لهذا المعنى، وهو أنهم كان ينبغي أن يكونوا من سجنه في غاية البعد {بدا} أي ظهر بعد الخفاء كما هي عادتهم {لهم} والبداء في الرأي: التلون فيه لظهور ما لم يكن ظهر منه. ولما كان ذلك الظهور في حين من الدهر تلونوا بعده إلى رأي آخر، أدخل الجار دلالة على ذلك فقال: {من بعد ما رأوا} أي رؤيتهم {الأيات} القاطعة ببراءته القاضية بنزاهته من قد القميص وشهادة الشاهد وغير ذلك. ولما كان فاعل "بداء" رأى، فسره بقوله مؤكداً، لأنه لا يصدق أن الإنسان يفعل ما ظهر له المانع منه: {ليسجننه} فيمكث في السجن {حتى حين} أي إلى أن تنسى تلك الإشاعة، ويظهر الناس أنها لو كانت تحبه ما سعت في سجنه، وقيل: إن ذلك الحين سبع سنين، قيل: كان سبب ذلك أنها قالت للعزيز: إن هذا قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر كما يحب، وأنا محبوسة، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر كما يعتذر، وإما أن تسويه بي في السجن؛ قال أبو حيان: قال ابن عباس رضي الله عنهما: فأمر به فحمل على حمار وضرب أمامه بالطبل، ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني أراد سيدته، فهذا جزاءه أن يسجن! قال أبو صالح: ما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما هذا الحديث إلاّ بكى - انتهى. وهذا دليل على قوله {أية : إن كيدكن عظيم}تفسير : [يوسف: 28]. قال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب اللوامع: وعلى الجملة فكل أحوال يوسف عليه الصلاة والسلام لطف في عنف، ونعمة في طي بلية ونقمة، ويسر في عسر، ورجاء في يأس، وخلاص بعد لات مناص، وسائق القدر ربما يسوق القدر إلى المقدور بعنف، وربما يسوقه بلطف، والقهر والعنف أحمد عاقبة وأقل تبعة - انتهى. ولما ذكر السجن، وكان سبباً ظاهراً في الإهانة، شرع سبحانه يقص من أمره فيه ما حاصله أنه جعله سبب الكرامة، كل ذلك بياناً للغلبة على الأمر والاتصاف بصقات القهر، مع ما في ذلك من بيان تحقق ما تقدم به الوعد الوفي ليوسف عليه الصلاة والسلام وغير ذلك من الحكم، فقال تعالى: {ودخل} أي فسجنوه كما بدا لهم ودخل {معه السجن فتيان}: خباز الملك وساقيه، ورفع إليه أن الخباز أراد أن يسمه، وظن أن الساقي مالأه على ذلك، و"مع" تدل على الصحبة واستحداثها، فهي تدل على دخول الثلاثة السجن في آن واحد - قاله أبو حيان، فلما دخلوا السجن كان يوسف عليه الصلاة والسلام يحسن إلى أهله فيسلي حزينهم، ويعود مريضهم، ويسأل لفقيرهم، ويهديهم إلى الخير، ويذكرهم بالله، فمالت إليه القلوب وكلفت به النفوس لحسن حديثه ولطيف تأتيه وما جباه الله به من الفضل والنبل وحسن الخَلق والخُلق، وكان في السجن ناس قد انقطع رجاءهم واشتد بلاءهم، فلم يزل يرفق بهم حتى قالوا: بارك الله فيك! ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وأحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك، ما نحب أنا كنا في غير هذا لما تخبرنا به من الأجر والكفارة والثواب والطهارة، من أنت يا فتى؟ فأخبرهم بنسبه الشريف، فقال عامل السجن: لو استطعت لخليت سبيلك! ولكن سأحسن جوارك وإيثارك، وأحبه الفتيان ولزماه فقال: أنشد كما الله أن تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلاّ دخل على من جهته بلاء! لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من جهتها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل عليّ من جهته بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل عليّ من جهتها بلاء، فلا تحباني، فأبيا إلاّ حبه، فكأنه قيل: أيّ شيء اتفقى لهما بعد الدخول معه؟ فقيل: {قال أحدهمآ} ليوسف عليه الصلاة والسلام، ولعل التأكيد إما لأنه كانت عادتهما المزح، وإما لأنهما ما رأيا شيئاً - كما قال الشعبي - وإنما صنفا هذا ليختبراه به {إني أراني} حكى الحال الماضية في المنام {أعصر} والعصر: الاعتماد على ما فيه مائية ليحتلب منه {خمراً} أي عنباً يؤل إلى الخمر {وقال الآخر} مؤكداً لمثل ما مضى {إني أراني أحمل} والحمل: رفع الشيء بعماد نقله {فوق رأسي خبزاً} أي طعاماً مهيأ للأكل بالخبز، وهو عمل الدقيق المعجون بالبسط واللزق في حامٍ بالنار حتى يصلح للأكل {تأكل الطير منه} وسيأتي شرح الرؤيا من التوراة، فكأنه قيل: فماذا تريدان من الإخبار بهذا؟ فقالا: {نبئنا} أي أخبرنا إخباراً عظيماً {بتأويله} أي ما يرجع أمره ويصير إليه، فكأنه قيل: وما يدريكما أني أعرف تأويله؟ فقالا: {إنا نراك} على حالٍ علمنا بها علماً هو كالرؤية أنك {من المحسنين *} أي العريقين في وصف الإحسان لكل أمر تعانيه، فلذلك لاح لنا أنك تحسن التأويل قياساً، فلما رآهما بصيرين بالأمور {قال} إشارة إلى أنه يعرف ذلك وأدق منه، ليقبلا نصحه فيما هو أهم المهم لكل أحد، - وهو ما خلق العباد له من الاجتماع على الله - لتفريغهما للفهم لكلامه والقبول لكل ما يلقيه لاحتياجهما إلى إفتائهما، مؤكداً ما وصفاه به من الإحسان بما اتبعه من وصف نفسه بالعلم، انتهازاً لفرصة النصيحة عند هذا الإذعان بأعظم ما يكون النصح به من الأمر بالإخلاص في عبادة الخالق والإعراض عن الشرك، فعلى كل ذي علم إذا احتاج إلى سؤاله أحد أن يقدم على جوابه نصحه بما هو الأهم له، ويصف له نفسه بما يرغبه في قبول علمه إن كان الحال محتاجاً إلى ذلك، ولا يكون ذلك من باب التزكية بل من الإرشاد إلى الإئتمام به بما يقرب إلى الله فيكون له مثل أجره: {لا يأتيكما} أي في اليقظة {طعام} وبين أنه خاص بهما دون أهل السجن بقوله: {ترزقانه} بناه للمفعول تعميماً {إلاّ نبأتكما} أي أخبرتكما إخباراً جليلاً عظيماً {بتأويله} أي به وبما يؤل ويرجع إليه أمره. ولما كان البيان في جميع الوقت الذي بينه وبين الطعام الذي قبله، نزع الخافض فقال: {قبل أن يأتيكما} أي أخبرتكما بأنه يأتيكما طعام كذا، فيكون سبباً لكذا، فإن المسبب الناشىء عن السبب هو المال. ولما وصف نفسه من العلم بما يدعو كل ذي همة إلى السعي في الأسباب التي حصل له ذلك بها ليصير مثله أو يقرب منه، وكان محل أن يقال: من علمك ذلك؟ قال مرشداً إلى الله داعياً إليه أحسن دعاء بما تميل إليه النفوس من الطمع في الفضل: {ذلكما} أي الأمر العظيم؛ ونبه على غزارة علمه بالتبعيض في قوله: {مما علمني ربي} أي الموجد لي والمربي لي والمحسن إليّ، ولم أقله عن تكهن ولا تنجم، فكأنه قيل: ما لغيرك لا يعلّمه مثل ما علمك؟ فقال معللاً له مطمعاً كل من فعل فعله في فضل الله، مؤكداً إعلاماً بأن ذلك أمر عظيم يحق لمثله أن يفعل: {إني تركت ملة قوم} أي وإن كانوا أقوياء على محاولة ما يريدون، فلذلك قدروا على أذاي وسجني بعد رؤية الآيات الشاهدة لي، ونبه على أن ذلك لا يقدم عليه إلاّ من لا يحسب العاقبة بوجه، فقال: {لا يؤمنون} أي يجددون الإيمان لما لهم من العراقة في الكفر {بالله} أي الملك الأعظم الذي لا يخفى أمره على ذي لب من أهل مصر وغيرهم؛ ثم لوح إلى التحذير من يوم الجزاء الذي لا يغنى فيه أحد عن أحد، منبهاً على أن الكفر به هو القاطع عن العلم وعن كل خير، فقال مؤكداً تأكيداً عظيماً، إشارة إلى أن أمرهم ينبغي أن ينكره كل من يسمعه، ولا يصدقه، لما على الآخرة من الدلائل الواضحة جداً الموجبة لئلا يكذب به أحد: {وهم بالآخرة} أي الدار التي لا بد من الجمع إليها، لأنها محط الحكمة {هم} أي بضمائرهم كما هم بظواهرهم، وفي تكرير الضمير تنبيه على أن هؤلاء اختصوا بهذا الجهل، وأن غيرهم وقفوا على الهدى {كافرون} أي عريقون في التغطية لها، فلذلك أظلمت قلوبهم فكانوا صوراً لا معاني لها؛ والملة: مذهب جماعة يحمي بعضها لبعض في الديانة، وأصله من المليلة، وهي حمى تلحق الإنسان - قاله الرماني. وفي القاموس إن المليلة: الحر الكامن في العظم. وعبر بـ {تركت} موضع " تجنبت" مثلاً مع كونه لم يلابس تلك الملة قط، تأنيساً لهما واستدراجاً إلى تركهما؛ ثم اتبع ذلك بما يدل على شرف أصله وقدم فضله بأنه من بيت النبوة ومعدن الفتوة، ليكون ذلك أدعى إلى قبول كلامه وإصابة سهامه وإفضاء مرامه، فقال: {واتبعت} أي بغاية جهدي ورغبتي {ملة آباءي إبراهيم} خليل الله، وهو جد أبيه {وإسحاق} ابنه نبي الله وهو جده {ويعقوب} أبيه إسرائيل: الله. وهو أبوه حقيقة، وتلك هي الحنيفية السمحة التي هي الميل مع الدليل من غير جمود مع هوى بوجه من الوجوه؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله: ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"تفسير : . فكأنه قيل: ما تلك الملة؟ فقال: {ما كان لنا} أي ما صح وما استقام بوجه من الوجوه، لما عندنا من نور العلم الذي لم يدع عندنا لبساً بوجه أصلاً {أن نشرك} أي نجدد في وقت ما شيئاً من إشراك {بالله} أي الذي له الأمر كله، وأعرق في النفي فقال: {من شيء} أي بما شرعه لنا من الدين القويم كانت ملتنا التوحيد، ومن التأكيد العموم في سياق النفي، ليعم ذلك كل شيء من عاقل ملك أو إنسي أو جنى أو غيره؛ ثم علل ذلك بما يعرف به أنه كما وجب عليهم ذلك وجب على كل أحد فقال: {ذلك} أي كان هذا الانتفاء أو ذلك التشريع - للملة الحنيفية وتسهيلها وجعل الفطر الأولى منقادة لها مقبلة عليها - العلي الشأن العظيم المقدار {من} أجل {فضل الله} أي المحيط بالجلال والإكرام {علينا} خاصة {وعلى الناس} الذين هم إخواننا في النسب عامة، فنحن وبعض الناس شكرنا الله، فقبلنا ما تفضل به علينا، فلم نشرك به شيئاً؛ والفضل: النفع الزائد على مقدار الواجب، فكل عطاء الله فضل، فإنه لا واجب عليه، فكان لذلك واجباً على كل أحد إخلاص التوحيد له شكراً على فضله لما تظافر عليه دليلاً العقل والنقل من أن شكر المنعم واجب {ولكن أكثر الناس} أي لما لهم من الاضطراب مع الهوى عموا عن هذا الواجب، فهم {لا يشكرون *} فضله بإخلاص العمل له ويشركون به إكراهاً لفطرهم الأولى، فالآية من الاحتباك: ذكر نفي الشرك أولاً يدل على وجوده ثانياً، وذكر نفي الشكر ثانياً يدل على حذف إثباته أولاً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات} . قال: ما سألني عنها أحد قبلك. من الآيات: قد القميص، وأثرها في جسده، وأثر السكين، وقالت امرأة العزيز: إن أنت لم تسجنه ليصدقنه الناس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه قال: من الآيات: شق في القميص، وخمش في الوجه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ...} قال: قدَّ القميص من دبر. وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {من بعد ما رأوا الآيات} قال: من الآيات كلام الصبي. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: الآيات، جَزَّهن أيديهن، وقدّ القميص. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه قال: قال رجل ذو رأي منهم للعزيز إنك متى تركت هذا العبد، يعتذر إلى الناس، ويقص عليهم أمره، وامرأةٌ في بيتها لا تخرج إلى الناس عذروه وفضحوا أهلك. فأمر به فسجن. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: عوقب يوسف عليه السلام ثلاث مرات، أما أول مرة فبالحبس، لما كان من همه بها. والثانية لقوله: اذكرني عند ربك، فلبث في السجن بضع سنين، عوقب بطول الحبس. والثالثة حيث قال {أيتها العير إنكم لسارقون} فاستقبل في وجهه {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {ليسجننه حتى حين} قال: سبع سنين. وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والخطيب في تاريخه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك رضي الله عنه، عن أبيه قال: سمع عمر رضي الله عنه رجلاً يقرأ هذا الحرف {ليسجننه حتى حين} فقال له عمر رضي الله عنه: من أقرأك هذا الحرف؟ قال: ابن مسعود رضي الله عنه. فقال عمر رضي الله عنه {ليسجننه حتى حين} ثم كتب إلى ابن مسعود رضي الله عنه: سلام عليك، أما بعد. فإن الله أنزل القرآن فجعله قرآناً عربياً مبيناً، وأنزله بلغة هذا الحي من قريش، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل.

القشيري

تفسير : لمَّا سَجَنَ يوسفَ - عليه السلام - مع ظهور براءة ساحته اتقاءً على امرأته أن يُهتَكَ سترُها حوَّل اللَّهُ مُلْكه إليه، ثم في آخر الأمر حَكَمَ اللَّهُ بأن صارت امرأتَه بعد مقاساتها الضُّر... وهذا جزاء مَنْ صَبَرَ. ويقال لمَّا ظُلِمَ يوسفُ عليه السلام بما نُسِبَ إليه أنطق الله تلك المرأة حتى قالت في آخر أمرها بما كان فيه هتك سترها، فقالت: {أية : ٱلآنَ حَصْحصَ الحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُهُ عَن نَفْسِهِ}تفسير : [يوسف: 51].

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم بدا لهم} اى ظهر للعزيز واصحابه المتصدين للحل والعقد رأى وثم يدل على تغير رأيهم فى حقه {من بعد ما رأوا الآيات} اى الشواهد على براءة يوسف كشهادة الصبى وقد القميص وغيرهما {ليسجننه} [هر آينه در زندان كنند اورا] اى قائلين والله ليسجننه {حتى حين} حتى جارة بمعنى الى اى الى حين انقطاع قالة الناس وهذا بادى الرأى عند العزيز وخواصه واما عندها فحتى يذلله السجن ويسخره لها ويحسب الناس انه المجرم فلبث فى السجن خمس سنين او سبع سنين والمشهور انه لبث اثنتى عشرة سنة كما سيأتى عند قوله تعالى {أية : فلبث فى السجن بضع سنين} تفسير : وقال ابن الشيخ لا دلالة فى الآية على تعيين مدة حبسه وانما القدر المعلوم انه بقى محبوسا مدة طويلة للقوله تعالى {وادّكر بعد امة} والحين عندد اهل اللغة وقت من الزمان غير محدود ويقع على القصير منه والطويل واما عند الفقهاء فو حلف والله لا اكلم فلانا حينا او زمانا بلانية على شيء من الوقت فهو محمول على نصف سنة ومع نية شيء معين من الوقت فما نوى من الوقت. وفى الآية محذوف والتقدير لما تغير رأيهم فى حقه ورأوا حبسه حبسوه وحذف لدلالة قوله {أية : ودخل معه السجن فتيان} تفسير : وذلك ان زوج المرأة قد ظهر له براءة يوسف فلا جرم لم يتعرض له واحتالت المرأة فى طريق آخر فقالت لزوجها هذا العبد العبرانى فضحنى فى الناس شعر : درين قولند مرد وزن موافق كه من بروى بجانم كشته عاشق تفسير : كما قال هى راودتنى عن نفسى وانا لا اقدر على اظهار عذرى فارى ان الاصح ان تحبسه لينقطع عن الناس ذكر هذا الحديث. وكان العزيز مطاعا لها وجملا ذلولا زمامه فى يدها فاغتر بقولها ونشى ما عاين من الآيات وعمل برأيها والحاق به كما اوعدته به. وقال الكاشفى {آورده اندكه بعد از نوميدئ زنان ازوى زليخا كفتند صلاح آنست كه اور ادوسه روزى برندان بازجارى شايد بسبب رياضت رام كردد زقدر نعمت وراحت را دانسته سر تسليم را برخط فرمان نهد] شعر : جو كوره ساز زندانرا برو كرم بود زان كوره كردد آهنش نوم جو كردد كرم زآتش طبع فولاد از جيزى تواند ساخت استاد نه كرمى نرم اكر نتواندش كرد جه حاصل رانكه كوبد آهن جانان براى راحت خود رنج او خواست دران ويران اميد كنج او خواست جونبود عشق عاق را كمالى نه بندد جز مراد خود خيالى طفيل خويش خواهد يار خودرا بكام خويش خواهد كار خودرا ببوى يك كل ازبستان معشوق زند صد خار غم برجان معشوق تفسير : وكان للعزيز ثلاثة سجون سجن العذاب وسجن القتل وسجن العافية. فاما سجن العذاب فانه محفور فى الارض وفيه الحيات والعقارب وهو مظلم لا يعرف فيه الليل من النهار. واما سجن القتل فانه محفور فى الارض اربعين زراعا وكان الملك اذا سخط على احد يلقيه فيه على ام رأسه فلا يصل الى قعره الا وقد هلك. واما سجن العافية فانه كان على وجه الارض الى جانب قصره فاذا غضب على احد من حاشيته حبسه فى ذلك السجن فلما ارادت زليخا ان يسجن يوسف ارسلت الى سجان سجن العافية وامرته ان يصلح فيه مكانا منفردا ليوسف ثم قالت ليوسف لقد اعييتنى وانقطعت فيك حيلتى فلا سلمنك الى المعذبين يعذبونك كما عذبتنى ولألبسنك بعد الحلى والحلل جبة صوف تأكل جلدك ولأقيدنك بقيد من حديد يأكل رجليك ثم نزعت ما كان عليه من اللباس والبسته جبة صوف وقيدته بقيد من حديد كما قال المولى الجامى شعر : زآهن بند بر سيمش نهادند بكردن طوق تسليمش نهادند بسان عيسى اش برخر نشاندند بهر كويى زمصران خربراندند منادى زن منادى بر كشيده كه هر سركش غلام شوخ ديده كه كيرد شيوه ب حرمتى بيش نهد بادر فراش خواجه خويش بود لائق كه همجون نابسندان بدين خوارى برندش سوى زندان ولى خلقى زهر سودر تماشا همى كفتند حاشا ثم حاشا كزين روى نكوبد كارى آيد وزين دلدار دل آزارى آيد فرشتست اين بصد باكى سرشته نيايد كار شيطان از فرشته جنان كز زشت نيكويى نيايد زنيكونيز بد خويى نيابد بدينسان تا بزندانش ببردند بعياران زندانش سبردند تفسير : فلما دنا من باب السجن نكس رأسه فلما دخل قال بسم الله وجلس واحاط به اهل السجن وهو يبكى واتاه جبريل وقال له مم بكاؤك وانت اخترت السجن لنفسك فقال انما بكائى لانه ليس فى السجن مكان طاهر اصلى فيه فقال له جبريل صل حيث شئت فان الله قد طهر خارج السجن وداخله اربعين ذراعا لاجلك فكان يصلى حيث شاء وكان يصلى ليلة الجمعة عند باب السجن: قال المولى الجامى شعر : جون آن دل زنده در زندان در آمد بجسم مرده كويى جان بر آمد دران محنت سرا افتاد جوشى بر آمد زان كرفتاران خروشى بشادى شد بدل اندوه ايشان كم ازكاهى غم جون كوه ايشان بهرجا ياركلر خسار كردد اكر كلخن بود كلزار كردد تفسير : -حكى- ان يوسف عليه السلام دعا لاهل السجن فقال اللهم اعطف عليهم الاخيار ولا تخف عنهم الاخبار فيقال انهم اعلم الناس بكل خبر شعر : جون درزندان كرفت از جنبش آرام بزندانسيان زليخا داد بيغام كزين بس محنتش ميسند بر دل ز كردن غل زبايش بند بكسل تن سيمينش از يشمين مفرساى بذر كش حله سروش بيارى بشوى ازفرق او كرد نزندى زتاج حشمتش ده سر بلندى يكى خانه براى اوجدا كن جدا از ديكران آنجاش جاكن زمينش راز سندس فرش انداز زاستبرق بساط دلكش انداز دران خانه جو منزل ساخت يوسف بساط بندكى انداخت يوسف رخ آورد آنجنان كش بود عادت دران منزل بمحراب عبادت جو مردان در مقام صبر بنشست بشكرانه كه ازكيد زنان رست نيفتد درجهان كس را بلايى كه نايد زان بلا بوى عطايى اسيرى كز بلا باشد هراسان كند بوى دروارش آسان تفسير : ثم ان زليخا اثر فى قلبها الفراق واحراق نار الاشتياق شعر : جو قدر نعمت ديدار نشناخت ببداغ دورى ازديدار بكداخت تفسير : وصارت دارها عين السجن فى عينها شعر : به تنك آمد دران زندان دل او يكى صد شد زهجران مشكل او جه أسايش دران كلزار ماند كزان كل رخت بندد خار ماند زدل خونين رقم بر رو همى زد بحسرت دست بر زانو همى زد كه اين كارى كه من كردم كه كردست جنين زهرى كه من خوردم كه خوردست درين محنت سرايك عشق بيشه نزد جون من بباى خويش تيشه تفسير : وكانت تتفكر فى القاء نفسها من اعلى القصر او شرب السم حتى تهلك وكانت لها داية تسليها وتحثها على الصبر شعر : زمن بشنو كه هستم بير اين كار شكيبانى بود تدبير اين كار بصبر اندر صدف باران شود در بصبر از لعل وكوهر كان شود بر تفسير : ثم انها عيل صبرها فجاءت ليلة مع دايتها الى السجن وطالعت جمال يوسف من بعيد شعر : بديدش سر سجاده ازدور جوخورشيد درخشان غرقه نور كهى جون شمع بريا ايستاده زرخ زندانيانرا نور داده كهى خم كرده قامت جون مه نو فكنده بربساط از جهره برتو كهى سر برزمين از عذر تقصير جو شاح تازه كل ازباد شبكير كهى طرح تواضع در فكنده نشسته جون بنفشه سرفكنده تفسير : ثم لما اصبحت جعلت تنظر من روزنة القصر الى جانب السجن شعر : نبودى هيجكه خالى ازين كار كهى ديوار ديدى كاه ديدار زنعمتهاى خوش هر لحظه جيزى نهادى بر كف محرم كنيزى فرستادى بزندان سوى يوسف كه تاديدى بجايش روى يوسف بكشت از حال خودروزى مزاجش بزخم نشتر افتاد احتياجش زخزن شبر زمين درديده كس نيامد غير يوسف يوسف وبس بكلك نشتر استاد سبك دست بلوح خاك نقش اين حرف را بست جنان ازدوست بربودش رك وبوست كه بيرون نامدش از يوست جزدوست خرش آنكس كورهايى يابداز خويش نسيم آشنايى بابد از خويش نه نويى باشدش از خود رنكى نه صلحى باشدش باكس نه جنكى نيارد خويشتن را در شمارى نكيرد بيش غي ازعشق كارى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (ليسجننه): مفسر للفاعل، أي: ظهر له سجنه؛ إذ الجملة لا تكون فاعلاً على المشهور، وجوزه بعضهم مستدلاً بالآية. وقيل: محذوف، أي: بدا لهم رأي ليسجننه. وقال الإمام القصار، الفاعل هو القسم المفهوم من اللام الموطئة له، أي: بدا لهم قسمهم ليسجننه. يقول الحق جل جلاله: {ثم بَدَا لهم} أي: ظهر للعزيز وأهله، {من بعد ما رأوا الآيات} الدالة على براءة يوسف؛ كشهادة الصبي، وقَدّ القميص، وقطع الأيدي، واستعصامه منهن، فظهر لهم سجنه. وأقسموا {ليَسجُننَّهُ حتى حين} حتى يظهر ما يكون منه؛ ليظن الناس أنها مُحِقة فيما ادعت عليه. فخدعت زوجها حتى وافقها على سجنه. ورُوي أنه لما أدخل السجن ندَمت زليخاً على سجنه، وعيل صبرها على فراقه، فأرسلت إلى السجان ليطلقه، فأبى، فلبث فيه سبع سنين. {ودخلَ معه السجنَ فتيان} أي: فسجنوه واتفق أنه دخل معه في ذلك اليوم رجلان آخران، من عبيد الملك: ساقيه وخبازه، اتُهِمَا أنهما أرادا أن يَسُمَّاه، {قال أحدهما} وهو الساقي: {إني أراني} في المنام {أعصِرُ خمراً} أي: عنباً. وسماه خمراً: باعتبار ما يؤول إليه. رُوي أنه قال: رأيت كأن الملك دعاني وردني إلى قصره، فبينما أنا أدور في القصر، وإذا بثلاثة عناقيد من العنب، فعصرتها، وحملت ذلك إلى الملك لأسقيه له. {وقال الآخرُ} وهو الخباز: {إني أراني أحمل فوق راسي خبزاً تاكلُ}: تنهش {الطيرُ منه}، قال: رأيت كأن العزيز دعاني، وأخرجني من السجن، ودفع لي طيفورة عليها خبز، فوضعتها على رأسي، والطير تأكل منه. {نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين}؛ من الذين يحسنون تأويل الرؤيا. وإنما قالا له ذلك؛ لأنهما رأياه في السجن يعظ الناس ويعبر رؤياهم، أو من المحسنين إلى أهل السجن، كان عليه السلام، إذا رأى محتاجاً طلب له، وإذا رأى مضيقاً وسع ليه؛ فقالا له: فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا إن كنت تعرفه. {قال لا يأتيكما طعامُ تُرزِقَانِه} في النوم، {إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكُما} تأويله في الدنيا. أو: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة؛ لتأكلاه إلا أخبرتكما به، ما هو؟ وما لونه؟ وما صفته؟ وكم هو؟ قبل أن يأتيكما، إخباراً بالغيب، فيأتيهما كذلك؛ معجزة. وصَفَ نفسَه بكثرة العلم والمكاشفة؛ ليكون وسيلة إلى دعائهما إلى التوحيد. ثم قال لهما: {ذلكما مما علمني ربي} بالوحي والإلهام. وليس ذلك من قبيل التكهن أو التنجيم. رُوي أنهما قالا له: من أين لك هذا العلم، وأنت لست بكاهن ولا منجم؟ فقال لهما: {ذلكما مما علمني ربي إني تركتُ مِلّةََ}؛ طريقة {قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} أي: علمني ذلك لأني تركت ملة أهلِ الكفر، {واتبعتُ ملة آبائي إبراهيمَ وإسحاق ويعقوبَ}، وإنما قال ذلك؛ تمهيداً للدعوة، وإظهاراً أنه من بيت النبوة؛ لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه، والوثوق به. {ماكان لنا}: ما صح لنا معشر الأنبياء {أن نُشرك بالله من شيء} أيّ شرك كان، {ذلك} التوحيد {من فضل الله علينا} بالوحي {وعلى الناس} ببعثنا إليهم، وإرشادنا إياهم وتثبيتهم عليه، {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} هذا الفضل؛ فيُعرضون عنه. أو من فضل الله علينا بالوحي والإلهام، وعلى الناس بنصب الدلائل وإنزال الآيات. ولكن أكثرهم لا ينظرون إليها، ولا يستدلون بها، فيوحدون خالقها، فهم كمن كفر النعمة ولم يشكرها. الإشارة: جرت عادة الحق ـ تعالى ـ في خلقه أنه لا يأتي الامتكان إلا بعد الامتحان، ولا يأتي السلوان إلا بعد الأشجان، ولا يأتي العز إلا بعد الذل، ولا يأتي الوجد إلا بعد الفقد. فبقدر ما يضيق على البشرية تتسع ميادين الروحانية، وبقدر ما تسجن النفس وتحبس عن هواها، تتسع الروح في مشاهدة مولاها. وقوله تعالى: {ودخل معه السجن فتيان}: إشارة إلى أن امتحانه بالسجن كان لتكميل حقيقته وشريعته، فمن رأى أنه يحمل الطعام فإشارة إلى حمل لواء الشريعة، ومن رأى أنه يعصر خمراً فإشارة إلى تحقيق خمرة الحقيقة، فيكون من أهل مقام الإحسان، ولذلك قال: {إنا نراك من المحسنين}، ثم ذكر نتيجة مقام الإحسان ـ هو التوحيد الخاص ـ فقال: {ما كان لنا ان بشرك بالله من شيء}. وذكر أن ذلك ناله من باب الكرم لا من باب العمل، فقال: {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس}. والله تعالى أعلم. ثم دعاهم إلى التوحيد، فقال: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى انه ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات، يقال بدا يبدو بدواً، وبدأَ والبداء في الرأي التلون فيه، لانه كلما ظهر رأي مال اليه، وانما قال {لهم} ولم يقل (لهن) مع تقدم ذكر النسوة، لامرين: احدهما - قال الحسن انه اراد بذلك الملك. والثاني - انه اراد ذكر الذكور معهنّ من اعوانها فغلب المذكر، فقال لهم، قال الرماني: وفاعل (بدا) مضمر وتقديره ثم بدا لهم بداء، ودل عليه قوله {ليسجننه}. والآيات التي رأوها، قال قتادة: هو قدّ القميص وحز الايدي وقال غيره: هو قطع الايدي والاستعظام، وقدّ القميص. وقوله {ليسجننه} انما هو فعل المذكر كما قال {بدا لهم} ولم يقل (لهن) ودخلت النون الثقيلة جواباً للقسم وليس بفعل المؤنث، ولو كان على صيغة فعل المؤنث قيل (ليسجنَّ) (وليقتلنّ) ثم تدخل عليها نون التأكيد الشديدة فيصير ليسجنانه كقولك تقتلنانه. وقوله {حتى حين} فـ (حتى) تنصرف على اربعة اوجه، تكون حرف جر، وحرف عطف، وناصبة للفعل، وحرف من حروف الابتداء، فالجارّة نحو هذه التي في الآية، والعاطفة كقولهم خرج الناس حتى الامير، والناصبة كقوله {أية : حتى يأتي وعد الله}تفسير : ، وحرف الابتداء كقولك سرحت القوم حتى زيد مسرّح.

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ} لمّا رأت امرأة العزيز انّها افتضحت بين النّاس ولم تصل الى وصال يوسف (ع) شاورت خواصّها فدبّرن ان يرسلوه الى السّجن حتّى ينتشر فى النّاس انّ الاثم كان منه، ولعلّه يرضى بمواصلتها بعد ما ذاق مرارة السّجن فسألت زليخا من العزيز ان يرسله الى السّجن فشاور خواصّه فأشاروا اليه بذلك فاستقرّ رأى الجميع على سجنه ولذلك قال تعالى: بدا لهم اى للمرأة وخواصّها وللعزيز وخواصّه والمراد بالآيات آيات صدقه وطهارة ذيله من تنطّق الصّبىّ وقدّ القميص من الدّبر واستباقهما الباب حتّى سمع العزيز مجاذبتها ايّاه على الباب وقطع النّسوة ايديهنّ {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ} مدّة قليلة ليحسب النّاس انه كان الآثم.

اطفيش

تفسير : {ثمَّ} العطف على محذوف أى قالوا ما قالوا ثم {بَدَا} ظهر {لَهم مِنْ بَعْد ما رأوُا الآياتِ ليسْجننَّه حتَّى حِينٍ} أرادوا أولا أن يقتصروا من أمر يوسف بالإعراض وكتم الحال، ثم ظهر لهم أن يسجنوه، وفاعل بدا ضمير مستتر عائد إلى المصدر المفهوم منه، أى بدا لهم بداء كما صرح به الشاعر فى قوله: شعر : * بدا من تلك القلوص بداء * تفسير : وجملة ليسجننه جواب قسم محذوف، ومجموع القسم وجوابه مفسر لذلك البداء، ولا يمنع من هذا كون القسم إنشاء، لأن المفسر هنا المعنى المتحصل من الجواب الذى هو خبر، وهذا المعنى سجنه عليه الصلاة والسلام، وهذا هو البداء الذى بدا لهم، قاله ابن هشام، وقيل: الفاعل ضمير مستتر عائد إلى السجن المدلول عليه بقوله: {ليسجننه} أى بدا لهم السجن بفتح السين، أو عائد إلى السجن المذكور قبل، أى بدا لهم أمر السجن، أو عائد إلى الرأى المدلول عليه بقوله: {ليسجننه} أى بدا لهم رأى ليسجننه، وقال هشام وثعلب: الفاعل القسم وجوابه، قال ابن هشام: المشهور منع كون الفاعل جملة مطلقا، وأجازهما هشام وثعلب مطلقا، والفراء وجماعة بشرط كون الفعل قلبيا معلقا عن العمل، ونسبوه لسيبويه، والأكثر على المنع مطلقا. وضمائر الجمع عائدة إلى العزيز وأصحابه، أو للعزيز وأهله، أو لكل ذلك، والآيات: بيعه بأعلى ثمن، وشهادة الصبى فى المهد، وقدّ القميص، وخمش فى وجهه، وقطع النساء أيديهن، واستعصامه عنهن، قيل: وسجود صنم زليخا له، ورد الله جل وعلا مثل ما اشتراه به فى الخزائن، وذلك عادة الآدمى، يرى الآيات ويعرض عنهن {أية : وكأين من آية فى السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون}. تفسير : قال الملك ريان: قد صح عندى أن الذنب لزليخا ولكن أضعه عليه لئلا ينكشف سترها، وأسجنه لكى يعذبها بما وجدت عذابا شديدا من حجابها به عنها. وقرأ الحسن لتسجننه بتاء الخطاب إما خطابا للعزيز وأصحابه، أو له أو لأهله خاطبهم به ببعض أو له وحده تعظيما، وذلك أن واو الجماعة مقدر فى لتسجننه، وكذا فى قراءة الجمهور حذف لإلتقاء الساكنين. وقرأ ابن مسعود عتَّى حين بالعين على لغة هذيل وأقرأها رجلا وسمعه عمر يقرأ بها فقال له عمر: من أقرأك؟ قال: ابن مسعود، فكتب إليه إن الله أنزل هذا القرآن فجعله عربيا، وأنزله بلغة قريش فأقرئ الناس بلفظ قريش ولاتقرئهم بلغة هذيل والسلام، والخبر مطلق، وقد يرون فيه رأيهم، وقال عطاء، أرادوا حينا تنقطع مقالة الناس فيه، وقال عكرمة: سبع سنين، وقال الكلبى: خمسين سنة، وقضى الله سبحانه بسبع سنين. قال الكلبى: بلغنا أنها قالت لزوجها: صدقته وكذبتنى وفضحتنى فى المدينة، فأنا ساعية فى رضاك إن لم تسجنه وتسمع به وتعذرنى، فأمر أن يحمل يوسف على حمار، فضرب الطبل أن هذا يوسف العبرانى، راود سيدته على نفسها، وطيف به فى أسواق مصر كلها، ثم أدخل السجن. قال أبو صالح: لم أر ابن عباس قط يذكر الحديث على يوسف إلا بكى، وذلك ليحسب الناس أنه المجرم ولإياسها من طاعته، ولطمعها أن يذللـه السجن ويسخره لها، وتبصر ما يكون منه. وروى أنها قالت: إن هذا الغلام العبرانى قد فضحنى فى الناس، وهو يعتذر إليهم، ويصف الأمر بحسب اختياره، وأنا محبوسة محجوبة فإما أن تأذن لى فأخرج أعتذر وأكذبه، وإما أن تحبسه كما حبستنى، وإلا لم أطق أن أعتذر بعد، وقد نكس رأسى عند تطايرى، وشاع خبرى وخبره بمصر. وروى أنها قالت: لا براءة لى عندهم إلا أن أسجنه، فسجنه، وقد علم ببراءته. وروى أنه قال لها: لا يسجن إلا الملك ريان بن الوليد، وكان مراده فيما قيل أنه يخرج أمره من يدها، لأنها ربما حنت عليه وأخرجته، فإذن لها فى الخروج إلى ريان، فلبست ثيابها وجعلت تاجها على رأسها، وأقبلت حتى أتت ريان بن الوليد، وكان فى بيته الأعظم، وهو من حديد ونحاس مرصع بالدر والجواهر، وكان إذ أراد أحد الدخول عليه نظر إليه الملك قبل الدخول من كوة، ولما رأى زليخا مقبلة استوى جالسا، وأمر الغلمان بفتح الأبواب ففتحوها لها، وكانت ذات قدر عظيم عنده مطاعة إذا أمرت، لأنها كانت من بنات الملوك، فلما دخلت خرت ساجدة له، فقال لها: ارفعى رأسك فأنت المقربة المرضية، وحاجتك عندى مقضية، فرفعت رأسها إليه، وأخذت بالثناء عليه، لأنه من أدب السؤال. فقالت: أيها الملك دام لك البقاء، وألبست ثوب النعمة والرخاء، لم تزل لى مكرما، وإلى حوائجى مسرعا، وإن عبدى العبرانى قد استعصى علىَّ، وأحب أن تأذن لى فى حبسه فى سجن المجرمين حتى يتأدب ولو بعد حين. فقال لها: قد جعلت أمر السجن ومن فيه بيدك، فأطلقى من شئت وأقبلت إلى منزلها وأمرت بإحضار حدادين إليها، فمثلوا بين يديها، فقالت: أريد أن تصنعوا لى قيدا محكما لعبدى العبرانى، فقالوا لها: أيتها الملكة المطاعة فى أمرها، والعظيمة فى قدرها، إنا نرى بدناً ناعماً وساقا رقيقا، ووجها أنيقا، ولا يخفى أنه ربى فى نعمة شاملة، وعافية كاملة، وكيف يقوى هذا على ثقل الحديد، وثقاف التقييد؟ قالت: قيدوه ولا بد، فقال: قيدونى فإنى من أهل بيت البلاء، فقيدوه واحتملوه على الاكتاف إلى السجن، وتسامع الناس به، وأقبلوا من كل مكان، وصعدوا على الجدران، وامتلأت الطرق، ولما كثر نظر الناس إليه نكس رأسه، وألقى يده على صدره، والناس يقولون: عصى سيدته الملكة، وهو يقول: هذا خير من عصيان ربى، ومن مقاسات النيران، وسرابيل القطران، بين حميم آن. والناس يقولون له: يا يوسف تركت بيت الرخاء والسرور والنعمة والحبور، واخترت السجن، ولو اخترت الموت لكان خيرا لك من هذا، وهو يقول: اخترت ما اختار الله لى إذا كان راضيا عنى فلا أبالى، ولما وصلوا السجن قالوا للسجان: خذ هذا الغلام واحبسه، فإن سيدته غضبت عليه، وأمرت أن يحبس فى سجن المجرمين، فأدخله السجان إلى السجن، وأقعده بين أصحاب الكبائر والجنايات. ودخل العزيز على زليخا فقال لها: ما فعلت بيوسف؟ فقالت: قيدته وسجنته، وكان مرادها أن تخرجه عن قريب، فقال لها العزيز: أقسمت عليك بحرمة الملك ريان بن الوليد ورأسه، ألا ما أبقيته فى السجن مؤبدا ما دام الملك حيا، فلم يمكنها إلا إبرار القسم، وأدركها الندم فلم تجد عذرا تخرج به عن الذى فعلته، فكانت تصعد إذا جنَّ الليل على قصرها، وتنظر إلى السجن وتبكى وتقول: حبيبى يوسف، ليت شعرى أنائم أنت أم يقظان؟ ليت شعرى أجائع أم شبعان؟ وتبكى الليل وتنتحب حتى ينفجر الصبح وجدا عليه، وشوقا إليه، قد أنحلها الغرام، وخالطها الهيام، وداخلها السقام، وهجرها المنام، ولا تسلوا بشئ إلا تذكره، ولا تسأل إلا عن أمره. قال وهب: مات جماعة منهن يعنى بالعشق لا بقطع الأيدى كما قد يتوهم، وفى زهر الأكمام: مات من النسوة التى رأيته تسع نسوة شوقا إليه، ووجدا عليه، وروى أن زليخا أرسلت إلا السجان تشكو إليه الأشجان. وفى عرائس القرآن: جعل الله تعالى ذلك السجن تطهيرا ليوسف من همه بها، وكذا عن السدى.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ بَدَا لَهُم} أي ظهر للعزيز وأصحابه المتصدين للحل والعقد ريثما اكتفوا بأمر يوسف عليه السلام بالكتمان والإعراض عن ذلك {مِّن بَعْد مَا رَأَوُاْ الآيَات} الصارفة لهم عن ذلك البداء وهي الشواهد الدالة على براءته عليه السلام وطهارته من قد القميص وقطع النساء أيديهن، وعليهما اقتصر قتادة فيما أخرجه عنه ابن جرير، وفيه إطلاق الجمع على اثنين والأمر فيه هين، وعن مجاهد الاقتصار على القد فقط لأن القطع ليس من الشواهد الدالة على البراءة في شيء حينئذ للتعظيم، ويحمل الجمع حينئذ على التعظيم أو أل على الجنسية وهي تبطل معنى الجمعية كذا قيل، وهو كما ترى. ووجه بعضهم عدّ القطع من الشواهد بأن حسنه عليه الصلاة والسلام الفاتن للنساء في مجلس واحد، وفي أول نظرة يدل على فتنتها بالطريق الأولى وأن الطلب منها لا منه، وعدّ بعضهم استعصامه عليه السلام عن النسوة إذ دعونه إلى أنفسهن فإن العزيز وأصحابه قد سمعوه وتيقنوا به حتى صار كالمشاهد لهم، ودلالة ذلك على البراءة ظاهرة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الآيات فقال: ما سألني عنها أحد قبلك من الآيات: قد القميص وأثرها في جسده وأثر السكين فعدَّ رضي الله تعالى عنه الأثر من الآيات ولم يذكر فيما سبق، ومن هنا قيل: يجوز أن يكون هناك آيات غير ما ذكر ترك ذكرها كما ترك ذكر كثير من معجزات الأنبياء عليهم السلام. وفاعل {بدا} ضمير يعود إما للبداء مصدر الفعل المذكور أو بمعنى الرأي كما في قوله: شعر : لعلك والموعود حق لقاؤه (بدا) لك في تلك القلوص بداء تفسير : وإما للسجن بالفتح المفهوم من قوله سبحانه: {لَيَسْجُنُنَّهُ} وجملة القسم وجوابه إما مفعول لقول مضمر وقع حالاً من ضميرهم وإلى ذلك ذهب المبرد، وإما مفسرة للضمير المستتر في {بَدَا} فلا موضع لها. وقيل: إن جملة {لَيَسْجُنُنَّهُ} جواب - لبدا - لأنه من أفعال القلوب، والعرب تجريها مجرى القسم وتتلقاها بما يتلقى به، وزعم بعضهم أن مضمون الجملة هو فاعل {بَدَا} كما قالوا في قوله سبحانه: { أية : أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ / ٱلْقُرُونِ} تفسير : [السجدة: 26] وقوله تعالى: { أية : وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } تفسير : [إبراهيم: 45] أن الفاعل مضمون الجملة أي كثرة إهلاكنا وكيفية فعلنا، وظاهر كلام ابن مالك في "شرح التسهيل" أن الفاعل في ذلك الجملة لتأويلها بالمفرد حيث قال: وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل كما جاز في باب المبتدأ نحو { أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ } تفسير : [البقرة: 6] وجمهور النحاة لا يجوزون ذلك كما حقق في موضعه. واختار المازني في الفاعل الوجه الأول. قيل: وحسن بدا لهم بداء وإن لم يحسن ظهر لهم ظهور لأن البداء قد استعمل في غير المصدرية كما علمت، واختار أبو حيان الوجه الأخير وكونه ضمير السجن السابق على قراءة من فتح السين، والأولى كونه ضمير السجن المفهوم من الجملة أي بدا لهم سجنه المحتوم قائلين: والله ليسجننه. وكان ذلك البداء باستنزال المرأة لزوجها ومطاوعته لها وحبه إياها وجعله زمام أمره بيدها. روي أنه عليه السلام لما استعصم عنها ويئست منه قالت للعزيز: إن هذا الغلام العبراني قد فضحني في الناس يخبرهم بأني راودته عن نفسه فأبى ويصف الأمر حسبما يختار، وأنا محبوسة محجوبة فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى الناس وأكذبه وإما أن تحبسه كما أني محبوسة فحبس، قال ابن عباس: إنه أمر به عليه السلام فحمل على حمار وضرب معه الطبل ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني راود سيدته فهذا جزاؤه، وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما قال أبو صالح: كلما ذكر هذا بكى. وأرادت بذلك تحقيق وعيدها لتلين به عريكته وتنقاد لها قرونته لما انصرمت حبال رجائها عن استتباعه بعرض الجمال بنفسها وبأعوانها. وقرأ الحسن - لتسجننه - على صيغة الخطاب بأن خاطب بعضهم العزيز ومن يليه أو العزيز وحده على وجه التعظيم، أو خاطب به العزيز ومن عنده من أصحاب الرأي المباشرين للسجن والحبس. {حَتَّى حين} قال ابن عباس: إلى انقطاع المقال وما شاع في المدينة من الفاحشة، وهذا بادي الرأي عند العزيز، وأما عندها فحتى يذللـه السجن ويسخره لها ويحسب الناس أنه المجرم، وقيل: الحين هٰهنا خمس سنين، وقيل بل سبع. وقال مقاتل: إنه عليه السلام حبس اثنتي عشرة سنة، والأولى أن لا يجزم بمقدار، وإنما يجزم بالمدة الطويلة، والحين عند الأكثرين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير منه والطويل، وقد استعمل في غير ذلك كما ذكرناه في "شرح القادرية". وقرأ ابن مسعود - عتى - بإبدال حاء {حتى} عيناً وهي لغة هذيل، وقد أقرأ رضي الله تعالى عنه بذلك إلى أن كتب إليه عمر رضي الله تعالى عنه أن يقرئ بلغة قريش {حتى} بالحاء.

سيد قطب

تفسير : وهذه هي الحلقة الثالثة والمحنة الثالثة والأخيرة من محن الشدة في حياة يوسف؛ فكل ما بعدها رخاء، وابتلاء لصبره على الرخاء، بعد ابتلاء صبره على الشدة. والمحنة في هذه الحلقة هي محنة السجن بعد ظهور البراءة. والسجن للبريء المظلوم أقسى، وإن كان في طمأنينة القلب بالبراءة تعزية وسلوى. وفي فترة المحنة هذه تتجلى نعمة الله على يوسف، بما وهبه من علم لدني بتعبير الرؤيا وبعض الغيب القريب الذي تبدو أوائله فيعرف تأويله. ثم تتجلى نعمة الله عليه أخيراً بإعلان براءته الكاملة إعلاناً رسمياً بحضرة الملك، وظهور مواهبه التي تؤهله لما هو مكنون له في عالم الغيب من مكانة مرموقة وثقة مطلقة، وسلطان عظيم. {ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين}.. وهكذا جو القصور، وجو الحكم المطلق، وجو الأوساط الأرستقراطية، وجو الجاهلية! فبعد أن رأوا الآيات الناطقة ببراءة يوسف. وبعد أن بلغ التبجح بامرأة العزيز أن تقيم للنسوة حفل استقبال تعرض عليهن فتاها الذي شغفها حباً، ثم تعلن لهم أنها به مفتونة حقاً، ويفتتن هن به ويغرينه بما يلجأ إلى ربه ليغيثه منه وينقذه، والمرأة تعلن في مجتمع النساء ـ دون حياء ـ أنه إما أن يفعل ما يؤمر به، وإما أن يلقى السجن والصغار، فيختار السجن على ما يؤمر به!. بعد هذا كله، بدا لهم أن يسجنوه إلى حين! ولعل المرأة كانت قد يئست من محاولاتها بعد التهديد؛ ولعل الأمر كذلك قد زاد انتشاراً في طبقات الشعب الأخرى.. وهنا لا بد أن تحفظ سمعة "البيوتات"! وإذا عجز رجال البيوتات عن صيانة بيوتهن ونسائهن، فإنهم ليسوا بعاجزين عن سجن فتى بريء كل جريمته أنه لم يستجب، وأن امرأة من "الوسط الراقي!" قد فتنت به، وشهرت بحبه، ولاكت الألسن حديثها في الأوساط الشعبية! {ودخل معه السجن فتيان}.. سنعرف من بعد أنهما من خدم الملك الخواص.. ويختصر السياق ما كان من أمر يوسف في السجن، وما ظهر من صلاحه وإحسانه، فوجه إليه الأنظار، وجعله موضع ثقة المساجين، وفيهم الكثيرون ممن ساقهم سوء الطالع مثله للعمل في القصر أو الحاشية، فغضب عليهم في نزوة عارضة، فألقي بهم في السجن.. يختصر السياق هذا كله ليعرض مشهد يوسف في السجن وإلى جواره فتيان أنسا إليه، فهما يقصان عليه رؤيا رأياها. ويطلبان إليه تعبيرها، لما يتوسمانه فيه من الطيبة والصلاح وإحسان العبادة والذكر والسلوك: {قال أحدهما: إني أراني أعصر خمراً؛ وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله، إنا نراك من المحسنين}.. وينتهز يوسف هذه الفرصة ليبث بين السجناء عقيدته الصحيحة؛ فكونه سجيناً لا يعفيه من تصحيح العقيدة الفاسدة والأوضاع الفاسدة، القائمة على إعطاء حق الربوبية للحكام الأرضيين، وجعلهم بالخضوع لهم أرباباً يزاولون خصائص الربوبية، ويصبحون فراعين! ويبدأ يوسف مع صاحبي السجن من موضوعهما الذي يشغل بالهما، فيطمئنهما ابتداء إلى أنه سيؤول لهم الرؤى، لأن ربه علمه علماً لدنياً خاصاً، جزاء على تجرده لعبادته وحده، وتخلصه من عبادة الشركاء. هو وآباؤه من قبله.. وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما، كما يكسب ثقتهما كذلك لدينه: {قال: لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ذلكما مما علمني ربي. إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله، وهم بالآخرة هم كافرون. واتبعت ملة آبائـي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء. ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولـكن أكثر الناس لا يشكرون}.. ويبدو في طريقة تناول يوسف للحديث لطف مدخله إلى النفوس، وكياسته وتنقله في الحديث في رفق لطيف.. وهي سمة هذه الشخصية البارزة في القصة بطولها.. {قال: لا يأتيكما طعام ترزقانه، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ذلكما مما علمني ربي}.. بهذا التوكيد الموحي بالثقة بأن الرجل على علم لدني، يرى به مقبل الرزق وينبئ بما يرى. وهذا ـ فوق دلالته على هبة الله لعبده الصالح يوسف ـ وهي كذلك بطبيعة الفترة وشيوع النبوءات فيها والرؤى ـ وقوله: {ذلكما مما علمني ربي} تجيء في اللحظة المناسبة من الناحية النفسية ليدخل بها إلى قلبيهما بدعوته إلى ربه؛ وليعلل بها هذا العلم اللدني الذي سيؤول لهما رؤياهما عن طريقه. {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله، وهم بالآخرة هم كافرون}.. مشيراً بهذا إلى القوم الذي ربي فيهم، وهم بيت العزيز وحاشية الملك والملأ من القوم والشعب الذي يتبعهم. والفتيان على دين القوم، ولكنه لا يواجههما بشخصيتهما، إنما يواجه القوم عامة كي لا يحرجهما ولا ينفرهما ـ وهي كياسة وحكمة ولطافة حس وحسن مدخل. وذكر الآخرة هنا في قول يوسف يقرر ـ كما قلنا من قبل ـ أن الإيمان بالآخرة كان عنصراً من عناصر العقيدة على لسان الرسل جميعاً؛ منذ فجر البشرية الأول؛ ولم يكن الأمر كما يزعم علماء الأديان المقارنة أن تصور الآخرة جاء إلى العقيدة ـ بجملتها ـ متأخراً.. لقد جاء إلى العقائد الوثنية الجاهلية متأخراً فعلاً، ولكنه كان دائماً عنصراً أصيلاً في الرسالات السماوية الصحيحة.. ثم يمضي يوسف بعد بيان معالم ملة الكفر ليبين معالم ملة الإيمان التي يتبعها هو وآباؤه: {واتبعت ملة آبائي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء}.. فهي ملة التوحيد الخالص الذي لا يشرك بالله شيئاً قط.. والهداية إلى التوحيد فضل من الله على المهتدين، وهو فضل في متناول الناس جميعاً لو اتجهوا إليه وأرادوه. ففي فطرتهم أصوله وهواتفه، وفي الوجود من حولهم موحياته ودلائله، وفي رسالات الرسل بيانه وتقريره. ولكن الناس هم الذين لا يعرفون هذا الفضل ولا يشكرونه: {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون}.. مدخل لطيف.. وخطوة خطوة في حذر ولين.. ثم يتوغل في قلبيهما أكثر وأكثر، ويفصح عن عقيدته ودعوته إفصاحاً كاملاً، ويكشف عن فساد اعتقادهما واعتقاد قومهما، وفساد ذلك الواقع النكد الذي يعيشون فيه.. بعد ذلك التمهيد الطويل: {يا صاحبي السجن، أأرباب متفرقون خير؟ أم الله الواحد القهار؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. إن الحكم إلا لله. أمر ألا تعبدوا إلا إياه. ذلك الدين القيم. ولـكن أكثر الناس لا يعلمون}.. لقد رسم يوسف ـ عليه السلام ـ بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة، كل معالم هذا الدين، وكل مقومات هذه العقيدة. كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً عنيفاً.. {يا صاحبي السجن، أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟}.. إنه يتخذ منهما صاحبين، ويتحبب إليهما هذه الصفة المؤنسة، ليدخل من هذا المدخل إلى صلب الدعوة وجسم العقيدة. وهو لا يدعوهما إليها دعوة مباشرة، إنما يعرضها قضية موضوعية: {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟}.. وهو سؤال يهجم على الفطرة في أعماقها ويهزها هزاً شديداً.. إن الفطرة تعرف لها إلهاً واحداً ففيم إذن تعدد الأرباب؟.. إن الذي يستحق أن يكون رباً يعبد ويطاع أمره ويتبع شرعه هو الله الواحد القهار. ومتى توحد الإله وتقرر سلطانه القاهر في الوجود فيجب تبعاً لذلك أن يتوحد الرب وسلطانه القاهر في حياة الناس. وما يجوز لحظة واحدة أن يعرف الناس أن الله واحد، وأنه هو القاهر، ثم يدينوا لغيره ويخضعوا لأمره، ويتخذوا بذلك من دون الله ربا.. إن الرب لا بد أن يكون إلهاً يملك أمر هذا الكون ويسيره. ولا ينبغي أن يكون العاجز عن تسيير أمر هذا الكون كله رباً للناس يقهرهم بحكمه، وهو لا يقهر هذا الكون كله بأمره! والله الواحد القهار خير أن يدين العباد لربوبيته من أن يدينوا للأرباب المتفرقة الأهواء الجاهلة القاصرة العمياء عن رؤية ما وراء المنظور القريب ـ كالشأن في كل الأرباب إلا الله ـ وما شقيت البشرية قط شقاءها بتعدد الأرباب وتفرقهم، وتوزع العباد بين أهوائهم وتنازعهم.. فهذه الأرباب الأرضية التي تغتصب سلطان الله وربوبيته؛ أو يعطيها الجاهليون هذا السلطان تحت تأثير الوهم والخرافة والأسطورة، أو تحت تأثير القهر أو الخداع أو الدعاية! هذه الأرباب الأرضية لا تملك لحظة أن تتخلص من أهوائها، ومن حرصها على ذواتها وبقائها، ومن الرغبة الملحة في استبقاء سلطانها وتقويته، وفي تدمير كل القوى والطاقات التي تهدد ذلك السلطان من قريب أو من بعيد؛ وفي تسخير تلك القوى والطاقات في تمجيدها والطبل حولها والزمر والنفخ فيها كي لا تذبل ولا تنفثىء نفختها الخادعة! والله الواحد القهار في غنى عن العالمين؛ فهو سبحانه لا يريد منهم إلا التقوى والصلاح والعمل والعمارة ـ وفق منهجه ـ فيعدّ لهم هذا كله عبادة. وحتى الشعائر التي يفرضها عليهم إنما يريد بها إصلاح قلوبهم ومشاعرهم، لإصلاح حياتهم وواقعهم.. وإلا فما أغناه سبحانه عن عباده أجمعين! {أية : يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد}.. تفسير : ففرق بين الدينونة لله الواحد القهار والدينونة للأرباب المتفرقة بعيد! ثم يخطو يوسف ـ عليه السلام ـ خطوة أخرى في تفنيد عقائد الجاهلية وأوهامها الواهية: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان}.. إن هذه الأرباب ـ سواء كانت من البشر أم من غير البشر من الأرواح والشياطين والملائكة والقوى الكونية المسخرة بأمر الله ـ ليست من الربوبية في شيء، وليس لها من حقيقة الربوبية شيء. فالربوبية لا تكون إلا لله الواحد القهار؛ الذي يخلق ويقهر كل العباد.. ولكن البشر في الجاهليات المتعددة الأشكال والأوضاع يسمون من عند أنفسهم أسماء، ويخلعون عليها صفات، ويعطونها خصائص؛ وفي أول هذه الخصائص خاصية الحكم والسلطان.. والله لم يجعل لها سطاناً ولم ينزل بها من سلطان.. وهنا يضرب يوسف ـ عليه السلام ـ ضربته الأخيرة الحاسمة فيبين: لمن ينبغي أن يكون السلطان! لمن ينبغي أن يكون الحكم! لمن ينبغي أن تكون الطاعة.. أو بمعنى آخر لمن ينبغي أن تكون "العبادة"! {إن الحكم إلا لله. أمر ألا تعبدوا إلا إياه. ذلك الدين القيم. ولـكن أكثر الناس لا يعلمون}.. إن الحكم لا يكون إلا لله. فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته. إذ الحاكمية من خصائص الألوهية. من ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته؛ سواء ادعى هذا الحق فرد، أو طبقة، أو حزب. أو هيئة، أو أمة، أو الناس جميعاً في صورة منظمة عالمية. ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر بالله كفراً بواحاً، يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة، حتى بحكم هذا النص وحده! وادعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين القيم، وتجعله منازعاً لله في أولى خصائص ألوهيته ـ سبحانه ـ فليس من الضروري أن يقول: ما علمت لكم من إله غيري؛ أو يقول: أنا ربكم الأعلى، كما قالها فرعون جهرة. ولكنه يدعي هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي شريعة الله عن الحاكمية؛ ويستمد القوانين من مصدر آخر. وبمجرد أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية، أي التي تكون هي مصدر السلطات، جهة أخرى غير الله سبحانه.. ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية. والأمة في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله؛ ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته. إنما مصدر الحاكمية هو الله. و كثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة و بين مصدر السلطة. فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه الله وحده. والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه، أما ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية، وما أنزل الله به من سلطان.. ويوسف ـ عليه السلام ـ يعلل القول بأن الحكم لله وحده. فيقول: {أمر ألا تعبدوا إلا إياه}. ولا نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معنى {العبادة} التي يخص بها الله وحده.. إن معنى عبد في اللغة: دان، وخضع، وذل.. ولم يكن معناه في الإصطلاح الإسلامي في أول الأمر أداء الشعائر.. إنما كان هو معناه اللغوي نفسه.. فعندما نزل هذا النص أول مرة لم يكن شيء من الشعائر قد فرض حتى ينطلق اللفظ إليه. إنما كان المقصود هو معناه اللغوي الذي صار هو معناه الاصطلاحي. كان المقصود به هو الدينونة لله وحده، والخضوع له وحده، واتباع أمره وحده. سواء تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية، أو تعلق بتوجيه أخلاقي، أو تعلق بشريعة قانونية. فالدينونة لله وحده في هذا كله هي مدلول العبادة التي خص الله ـ سبحانه ـ بها نفسه؛ ولم يجعلها لأحد من خلقه.. وحين نفهم معنى العبادة على هذا النحو نفهم لماذا جعل يوسف ـ عليه السلام ـ اختصاص الله بالعبادة تعليلاً لاختصاصه بالحكم. فالعبادة ـ أي الدينونة ـ لا تقوم إذا كان الحكم لغيره.. وسواء في هذا حكمه القدري القهري في حياة الناس وفي نظام الوجود، وحكمه الشرعي الإرادي في حياة الناس خاصة. فكله حكم تتحقق به الدينونة. ومرة أخرى نجد أن منازعة الله الحكم تخرج المنازع من دين الله ـ حكماً معلوماً من الدين بالضرورة ـ لأنها تخرجه من عبادة الله وحده.. وهذا هو الشرك الذي يخرج أصحابه من دين الله قطعاً. وكذلك الذين يقرون المنازع على ادعائه، ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان الله وخصائصه.. فكلهم سواء في ميزان الله. ويقرر يوسف ـ عليه السلام ـ أن اختصاص الله ـ سبحانه ـ بالحكم ـ تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة ـ هو وحده الدين القيم: {ذلك الدين القيم}.. وهو تعبير يفيد القصر. فلا دين قيماً سوى هذا الدين، الذي يتحقق فيه اختصاص الله بالحكم، تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة. {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.. وكونهم {لا يعلمون} لا يجعلهم على دين الله القيم. فالذي لا يعلم شيئاً لا يملك الاعتقاد فيه ولا تحقيقه.. فإذا وجد ناس لا يعلمون حقيقة الدين، لم يعد من الممكن عقلاً وواقعاً وصفهم بأنهم على هذا الدين! ولم يقم جهلهم عذراً لهم يسبغ عليهم صفة الإسلام. ذلك أن الجهل مانع للصفة ابتداء. فاعتقاد شيء فرع عن العلم به.. وهذا منطق العقل والواقع.. بل منطق البداهة الواضح. لقد رسم يوسف ـ عليه السلام ـ بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين، وكل مقومات هذه العقيدة؛ كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً.. إن الطاغوت لا يقوم في الأرض إلا مدعياً أخص خصائص الألوهية، وهو الربوبية. أي حق تعبيد الناس لأمره وشرعه، ودينونتهم لفكره وقانونه. وهو إذ يزاول هذا في عالم الواقع يدعيه - ولو لم يقله بلسانه - فالعمل دليل أقوى من القول. إن الطاغوت لا يقوم إلا في غيبة الدين القيم والعقيدة الخالصة عن قلوب الناس. فما يمكن أن يقوم وقد استقر في اعتقاد الناس فعلاً أن الحكم لله وحده، لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده، والخضوع للحكم عبادة. بل هي مدلول العبادة. وإلى هنا يبلغ يوسف أقصى الغاية من الدرس الذي ألقاه، مرتبطاً في مطلعه بالأمر الذي يشغل بال صاحبيه في السجن. ومن ثم فهو يؤول لهما الرؤيا في نهاية الدرس، ليزيدهما ثقة في قوله كله وتعلقاً به: {يا صاحبي السجن، أما أحدكما فيسقي ربه خمراً، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه}.. ولم يعين من هو صاحب البشرى ومن هو صاحب المصير السيئ تلطفاً وتحرجاً من المواجهة بالشر والسوء. ولكنه أكد لهما الأمر واثقاً من العلم الذي وهبه الله له: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}.. وانتهى فهو كائن كما قضاه الله. وأحب يوسف السجين البريء، الذي أمر الملك بسجنه دون تحر ودون بحث، إلا ما نقله إليه بعض حاشية من وشاية لعلهم صوروا له فيها حادث امرأة العزيز وحادث النسوة تصويراً مقلوباً، كما يقع عادة في مثل هذه الأوساط.. أحب يوسف أن يبلغ أمره إلى الملك ليفحص عن الأمر: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما: اذكرني عند ربك}.. اذكر حالي ووضعي وحقيقتي عند سيدك وحاكمك الذي تدين وتخضع لحكمه، فهو بهذا ربك. فالرب هو السيد والحاكم والقاهر والمشرع.. وفي هذا توكيد لمعنى الربوبية في المصطلح الإسلامي. ومما يلاحظ أن ملوك الرعاة لم يكونوا يدعون الربوبية قولاً كالفراعنة، ولم يكونوا ينتسبون إلى الإله أو الآلهة كالفراعنة. ولم يكن لهم من مظاهر الربوبية إلا الحاكمية وهي نص في معنى الربوبية.. وهنا يسقط السياق أن التأويل قد تحقق، وأن الأمر قد قضي على ما أوله يوسف. ويترك هنا فجوة، نعرف منها أن هذا كله قد كان. ولكن الذي ظن يوسف أنه ناج فنجا فعلاً لم ينفذ الوصية، ذلك أنه نسي الدرس الذي لقنه له يوسف، ونسي ذكر ربه في زحمة حياة القصر وملهياتها وقد عاد إليها، فنسي يوسف وأمره كله.. {فأنساه الشيطان ذكر ربه}.. {فلبث في السجن بضع سنين}.. والضمير الأخير في لبث عائد على يوسف. وقد شاء ربه أن يعلمه كيف يقطع الأسباب كلها ويستمسك بسببه وحده، فلم يجعل قضاء حاجته على يد عبد ولا سبب يرتبط بعبد. وكان هذا من اصطفائه وإكرامه. إن عباد الله المخلصين ينبغي أن يخلصوا له سبحانه، وأن يدعوا له وحده قيادهم، ويدعوا له سبحانه تنقيل خطاهم. وحين يعجزون بضعفهم البشري في أول الأمر عن اختيار هذا السلوك، يتفضل الله سبحانه فيقهرهم عليه حتى يعرفوه ويتذوقوه ويلتزموه بعد ذلك طاعة ورضى وحباً وشوقاً.. فيتم عليهم فضله بهذا كله.. والآن نحن في مجلس الملك، وقد رأى رؤيا أهمته، فهو يطلب تأويلها من رجال الحاشية ومن الكهنة والمتصلين بالغيبيات: {وقال الملك: إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي، إن كنتم للرؤيا تعبرون. قالوا: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين}.. طلب الملك تأويل رؤياه. فعجز الملأ من حاشيته ومن الكهنة عن تأويلها، أو أحسوا أنها تشير إلى سوء لم يريدوا أن يواجهوا به الملك على طريقة رجال الحاشية في إظهار كل ما يسر الحكام وإخفاء ما يزعجهم. وصرف الحديث عنه! فقالوا: إنها {أضغاث أحلام} أي أخلاط أحلام مضطربة وليست رؤيا كاملة تحتمل التأويل. {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين}.. إذا كانت أضغاثاً مختلطة لا تشير إلى شيء! والآن لقد مرت بنا رؤى ثلاث: رؤيا يوسف، ورؤيا صاحبي السجن، ورؤيا الملك. وطلب تأويلها في كل مرة، والاهتمام بها يعطينا صورة من جو العصر كله في مصر وخارج مصر ـ كما أسلفنا ـ وأن الهبة اللدنية التي وهبها يوسف كانت من روح العصر وجوه، على ما نعهد في معجزات الأنبياء، فهل كانت هذه هي معجزة يوسف؟ ولكن هذا بحث ليس مكانه هذه الظلال. فنكمل حديث رؤيا الملك الآن! هنا تذكر أحد صاحبيه في السجن، الذي نجا منهما وأنساه الشيطان ذكر ربه، وذكر يوسف في دوامة القصر والحاشية والعصر والخمر والشراب.. هنا تذكر الرجل الذي أوّلَ له رؤياه ورؤيا صاحبه، فتحقق التأويل: {وقال الذي نجا منها وادكّر بعد أمة: أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون}! أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون.. ويسدل الستار هنا، ليرفع في السجن على يوسف وصاحبه هذا يستفتيه: {يوسف ـ أيها الصديق ـ أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون}.. والساقي يلقب يوسف بالصدّيق، أي الصادق الكثير الصدق. وهذا ما جربه في شأنه من قبل.. {أفتنا في سبع بقرات سمان...}.. ونقل الفاظ الملك التي قالها كاملة، لأنه يطلب تأويلها، فكان دقيقاً في نقلها، وأثبتها السياق مرة أخرى ليبين هذه الدقة أولاً، وليجيء تأويلها ملاصقاً في السياق لذكرها. ولكن كلام يوسف هنا ليس هو التأويل المباشر المجرد، إنما هو التأويل والنصح بمواجهة عواقبه. وهذا أكمل: {قال: تزرعون سبع سنين دأباً}.. أي: متوالية متتابعة. وهي السنوات السبع المخصبة المرموز لها بالبقرات السمان. {فما حصدتم فذروه في سنبله}.. أي فاتركوه في سنابله لأن هذا يحفظه من السوس والمؤثرات الجوية. {إلا قليلاً مما تأكلون}.. فجردوه من سنابله، واحتفظوا بالبقية للسنوات الأخرى المجدبة المرموز لها بالبقرات العجاف. {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد}.. لا زرع فيهن. {يأكلن ما قدمتم لهن}.. وكأن هذه السنوات هي التي تأكل بذاتها كل ما يقدم لها لشدة نهمها وجوعها! {إلا قليلاً مما تحصنون}.. أي إلا قليلاً مما تحفظونه وتصونونه من التهامها! {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون}.. أي ثم تنقضي هذه السنوات الشداد العجاف المجدبة، التي تأتي على ما خزنتم وادخرتم من سنوات الخصب. تنقضي ويعقبها عام رخاء، يغاث الناس فيه بالزرع والماء، وتنمو كرومهم فيعصرونها خمراً، وسمسمهم وخسهم وزيتونهم فيعصرونه زيتاً.. وهنا نلحظ أن هذا العام الرخاء لا يقابله رمز في رؤيا الملك؛ فهو إذن من العلم اللدني الذي علمه الله يوسف. فبشر به الساقي ليبشر الملك والناس، بالخلاص من الجدب والجوع بعام رخيّ رغيد. وهنا كذلك ينتقل السياق إلى المشهد التالي. تاركاً فجوة بين المشهدين يكمل التصور ما تم فيها من حركة. ويرفع الستار مرة أخرى على مجلس الملك. ويحذف السياق ما نقله الساقي من تأويل الرؤيا، وما تحدث به عن يوسف الذي أولها. وعن سجنه وأسبابه والحال التي هو فيها.. كل أولئك يحذفه السياق من المشهد، لنسمع نتيجته من رغبة الملك في رؤية يوسف، وأمره أن يأتوه به: {وقال الملك: ائتوني به}.. ومرة ثالثة في المشهد يحذف السياق جزئيات تفصيلية في تنفيذ الأمر. ولكنا نجد يوسف يرد على رسول الملك الذي لا نعرف: إن كان هو الساقي الذي جاءه أول مرة. أو رسولاً تنفيذياً مكلفاً بمثل هذا الشأن. نجد يوسف السجين الذي طال عليه السجن لا يستعجل الخروج حتى تحقق قضيته، ويتبين الحق واضحاً في موقفه، وتعلن براءته ـ على الأشهاد ـ من الوشايات والدسائس والغمز في الظلام.. لقد رباه ربه وأدبه. ولقد سكبت هذه التربية وهذا الأدب في قلبه السكينة والثقة والطمأنينة. فلم يعد معجلاً ولا عجولاً! إن أثر التربية الربانية شديد الوضوح في الفارق بين الموقفين: الموقف الذي يقول يوسف فيه للفتى: اذكرني عند ربك، والموقف الذي يقول له فيه: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، والفارق بين الموقفين بعيد.. {قال: ارجع إلى ربك فاسأله: ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم} لقد رد يوسف أمر الملك باستدعائه حتى يستوثق الملك من أمره، وحتى يتحقق من شأن النسوة اللاتي قطعن أيديهن.. بهذا القيد.. تذكيراً بالواقعة وملابساتها وكيد بعضهن لبعض فيها وكيدهن له بعدها.. وحتى يكون هذا التحقق في غيبته لتظهر الحقيقة خالصة، دون أن يتدخل هو في مناقشتها.. كل أولئك لأنه واثق من نفسه، واثق من براءته، مطمئن إلى أن الحق لا يخفى طويلاً، ولا يخذل طويلاً. ولقد حكى القرآن عن يوسف استعمال كلمة {رب} بمدلوها الكامل، بالقياس إليه وبالقياس إلى رسول الملك إليه. فالملك رب هذا الرسول لأنه هو حاكمه الذي يدين لسلطانه. والله رب يوسف لأنه هو حاكمه الذي يدين لسلطانه.. ورجع الرسول فأخبر الملك وأحضر الملك النسوة يستجوبهن ـ والسياق يحذف هذا لنعلمه مما يليه ـ: {قال: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟}.. والخطب: الأمر الجلل والمصاب. فكأن الملك كان قد استقصى فعلم أمرهن قبل أن يواجههن، وهو المعتاد في مثل هذه الأحوال، ليكون الملك على بينة من الأمر وظروفه قبل الخوض فيه. فهو يواجههن مقرراً الاتهام، ومشيراً إلى أمر لهن جلل أو شأن لهن خطير: {ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟}. ومن هذا نعلم شيئاً مما دار في حفل الاستقبال في بيت الوزير؛ ما قالته النسوة ليوسف وما لَمّحن به وأشرن إليه، من الإغراء الذي يبلغ درجة المراودة. ومن هذا نتخيل صورة لهذه الأوساط ونسائها حتى في ذلك العهد الموغل في التاريخ. فالجاهلية دائماً هي الجاهلية. إنه حيثما كان الترف، وكانت القصور والحاشية، كان التخلل والتميع والفجور الناعم الذي يرتدي ثياب الأرستقراطية! وفي مثل هذه المواجهة بالاتهام في حضرة الملك، يبدو أنه لم يكن هنالك مجال للإنكار: {قلن: حاش لله! ما علمنا عليه من سوء}! وهي الحقيقة التي يصعب إنكارها. ولومن مثل هؤلاء النسوة. فقد كان أمر يوسف إذن من النصاعة والوضوح بحيث لا يقوم فيه جدال. وهنا تتقدم المرأة المحبة ليوسف، التي يئست منه، ولكنها لا تستطيع أن تخلص من تعلقها به.. تتقدم لتقول كل شيء في صراحة: {قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق. أنا راودته عن نفسه. وإنه لمن الصادقين}.. الآن حصحص الحق وظهر ظهوراً واضحاً لا يحتمل الخفاء: {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين}.. وزادت ما يكشف عن أن قلبها لم يخل من إيثاره ورجاء تقديره والتفاته بعد كل هذا الأمد؛ وما يشي كذلك بأن عقيدة يوسف قد أخذت طريقها إلى قلبها فآمن: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين}.. وهذا الاعتراف وما بعده يصوره السياق هنا بألفاظ موحية، تشي بما وراءها من انفعالات ومشاعر. كما يشي الستار الرقيق بما وراءه في ترفع وتجمل في التعبير: {أنا راودته عن نفسه، وإنه لمن الصادقين}. شهادة كاملة بنظافته وبراءته وصدقه. لا تبالي المرأة ما وراءها مما يلم بها هي ويلحق بأردانها.. فهل هو الحق وحده الذي يدفعها لهذا الإقرار الصريح في حضرة الملك والملأ؟ يشي السياق بحافز آخر، هو حرصها على أن يحترمها الرجل المؤمن الذي لم يعبأ بفتنتها الجسدية. أن يحترمها تقديراً لإيمانها ولصدقها وأمانتها في حقه عند غيبته: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب}.. ثم تمضي في هذه المحاولة والعودة إلى الفضيلة التي يحبها يوسف ويقدرها: {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين}.. وتمضي خطوة أخرى في هذه المشاعر الطيبة: {وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم}.. إنها امرأة أحبت. امرأة تكبر الرجل الذي تعلقت به في جاهليتها وإسلامها، فهي لا تملك إلا أن تظل معلقة بكلمة منه، أو خاطرة ارتياح تحس أنها صدرت عنه! وهكذا يتجلى العنصر الإنساني في القصة، التي لم تسق لمجرد الفن، إنما سيقت للعبرة والعظة. وسيقت لتعالج قضية العقيدة والدعوة. ويرسم التعبير الفني فيها خفقات المشاعر وانتفاضات الوجدان رسماً رشيقاً رفيقاً شفيفاً. في واقعة كاملة تتناسق فيها جميع المؤثرات وجميع الواقعيات في مثل هذه النفوس، في ظل بيئتها ومؤثرات هذه البيئة كذلك. وإلى هنا تنتهي محنة السجن ومحنة الاتهام، وتسير الحياة بيوسف رخاء، الاختبار فيه بالنعمة لا بالشدة. وإلى هنا نقف في هذا الجزء من الظلال، وتتابع القصة سيرها في الجزء التالي إن شاء الله.

ابن عاشور

تفسير : {ثم} هنا للترتيب الرتبي، كما هو شأنها في عطف الجمل فإن ما بدا لهم أعجب بعد ما تحققت براءته. وإنما بدا لهم أن يسجنوا يوسف ـــ عليه السّلام ـــ حين شاعت القالة عن امرأة العزيز في شأنه فكان ذلك عقب انصراف النسوة لأنها خشيت إنْ هُنّ انصرفن أن تشيع القالة في شأنها وشأن براءة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ فرامت أن تغطي ذلك بسجن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ حتى يظهر في صورة المجرمين بإرادته السوء بامرأة العزيز، وهي ترمي بذلك إلى تطويعه لها. ولعلها أرادت أن تُوهم الناسَ بأن مراودته إيّاها وقعت يوم ذلك المجمع، وأن تُوهم أنّهن شواهد على يوسف ـــ عليه السّلام ـــ. والضمير في {لهم} لجماعة العزيز من مشير وآمر. وجملة {ليسجننه} جواب قسم محذوف، وهي معلّقة فعلَ {بدَا} عن العمل فيما بعده لأجل لام القسم لأن ما بعد لام القسم كلام مستأنف. وفيه دليل للمعمول المحذوف إذ التحقيق أن التعليق لا يختص بأفعال الظن، وهو مذهب يونس بن حبيب، لأن سبب التعليق وجود أداة لها صَدر الكلام. وفي هذه الآية دليله. والتقدير: بدا لهم ما يدل عليه هذا القسَم، أي بدا لهم تأكيد أن يسجنوه. وذكر في «المغني» في آخر الجمل التي لها محل من الإعراب: وقوع الخلاف في الفاعل ونائب الفاعل، هل يكون جملة؟ فأجازه هشام وثعلب مطلقاً، وأجازهُ الفراء وجماعة إذا كان الفعل قلبياً ووجد معلّق، وحملوا الآية عليه، ونسب إلى سيبويه. وهو يؤول إلى معنى التعليق، والتعليق أنسب بالمعنى. والحين: زمن غير محدود، فإن كان {حتى حينٍ} من كلامهم كان المعنى: أنهم أمروا بسجنه سجناً غير مؤجل المدة. وإن كان من الحكاية كان القرآن قد أبهم المدة التي أذنوا بسجنه إليها إذ لا يتعلق فيها الغرض من القصة. والآيات: دلائل صدق يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وكذب امرأة العزيز.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ثم بدا لهم: أي ظهر لهم. الآيات: أي الدلائل على براءة يوسف. أعصر خمرا: أي أعصر عنباً ليكون خمرا. واتبعت ملة: أي دين. ما كان لنا: أي ما انبغى لنا ولا صح منّا. أن نشرك بالله من شيء: أي أن أشرك بالله شيئا من الشرك وإن قل ولا من الشركاء وإن عظموا أو حقروا. ذلك من فضل الله علينا: أي ذلك التوحيد والدين الحق. وعلى الناس: إذ جاءتهم الرسل به ولكنهم ما شكروا فلم يتبعوا. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن يوسف عليه السلام وما حدث له بعد ظهور براءتة من تهمة امرأة العزيز قال تعالى {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ} أي ثم ظهر للعزيز ومن معه من بعد ما رأوا الدلائل الواضحة على براءة يوسف وذلك كقدّ القميص من دُبر ونطق الطفل وحكمه في القضية بقوله {أية : وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ}تفسير : [يوسف: 27] الخ وهي أدلة كافية في براءة يوسف إلا أنهم رأوا سجنه إلى حين ما، أي ريثما تسكن النفوس وتنسى الحادثة ولم يبق لها ذكر بين الناس. وقوله تعالى {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ} أي فقرروا سجنه وادخلوه السجن ودخل معه فتيان أي خادمان كانا يخدمان ملك البلاد بتهمة وجهت إليهما. وقوله تعالى {قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} وكان هذا الطلب منهما بعد أن أعجبا بسلوكه مع أهل السجن وحسن معاملته وسألاه عن معارفه فأجابهم بأنه يعرف تعبير الرؤيا فعندئذ قالا هيا نجربه فندعي أنا رأينا كذا وكذا وسألاه فأجابهما بما أخبر تعالى به في هذه الآيات: {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا} واللفظ محتمل لما يأتيهما في المنام أو اليقظة وهو لما علمه الله تعالى يخبرهما به قبل وصوله إليهما وبما يؤول إليه، وعلل لهما مبيّناً سبب علمه هذا بقوله {ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} وهم الكنعانيون والمصريون إذ كانوا مشركين يعبدون الشمس وغيرها، تركت ملة الكفر واتبعت ملة الإيمان بالله واليوم الآخر ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم واصل حديثه معهما دعوة لهما إلى الإِيمان بالله والدخول في الإِسلام فقال {مَا كَانَ لَنَآ} أي ما ينبغي لنا أن نشرك بالله من شيء فنؤمن به ونَعْبُدُه معه، ثم أخبرهما أن هذا لم يكن باجتهاد منهم ولا باحتيال، وإنما هو من فضل الله تعالى عليهم، فقال ذلك من فضل الله علينا، وعلى الناس إذ خلقهم ورزقهم وكلأهم ودعاهم إلى الهدى وبيّنه لهم ولكن أكثر الناس لا يشكرون فهم لا يؤمنون ولا يعبدون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- دخل يوسف السجن بداية أحداث ظاهرها محرق وباطنها مشرق. 2- دخول السجن ليس دائما دليلا على أنه بيت المجرمين والمنحرفين إذ دخله صفيٌ لله تعالى يوسف عليه السلام. 3- تعبير الرؤى تابع لصفاء الروح وقوة الفراسة وهي في يوسف علم لدني خاص. 4- استغلال المناسبات للدعوة إلى الله تعالى كما استغلها يوسف عليه السلام. 5- وجوب البراءة من الشرك وأهله. 6- اطلاق لفظ الآباء على الجدود إذ كل واحد هو أب لمن بعده.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآيَاتِ} (35) - وَلَمَّا قَامَتْ الأَدِلَّةُ عَلَى صِدْقِ يُوسُفَ وَعِفَّتِهِ، وَبَرَاءَتِهِ مِمَّا رَمَتْهُ بِهِ امْرَأَةُ العَزِيزِ، رَأَوا أَنَّهُ مِنَ المَصْلَحَةِ أَنْ يَسْجُنُوهُ بَعْضَ الوَقْتِ (حَتَّى حِينٍ)، إِِيهَاماً بِأَنَّهُ هُوَ الذِي رَاوَدَ امْرَأَةَ العَزِيزِ عَنْ نَفْسِهَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ صَادِقَةً فِيمَا قَالَتْهُ عَنْهُ، وَإِبْعَاداً لَهُ مِنَ الدَّارِ التِي فَتَنَ رَبَّتَهَا وَصَدِيقَاتِهَا، وَاسْتَخَفَّهُنَّ حُبّاً وَشَغَفاً، دُونَ أَنْ يَتْرُكَ لَهُنَّ فِيهِ مَطْمَعاً، وَقَطْعاً لأَِلْسِنَةِ السُّوءِ التِي أَخَذَتْ فِي اللَّغْطِ فِي قِصَّةِ المُرَاوَدَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وبعد أن ظهرتْ العلامات الشاهدة على براءة يوسف عليه السلام أمام العزيز وأهل مشورته، وانكشف لهم انحرافُ امرأة العزيز وإصرارها على أن تُوقِع بيوسف في الفعل الفاضح معها، دون خجل أو خوف من الفضيحة. لذلك رأى العزيز وأهل مشورته أن يُوضَع يوسف عليه السلام في السجن؛ ليكون في ذلك فَصْلٌ بينه وبينها؛ حتى تهدأ ضجة الفضيحة؛ وليظهر للناس أنه مسئول عن كل هذا السوء الذي ظهر في بيت العزيز. كما أن كلمة: {لَيَسْجُنُنَّهُ ..} [يوسف: 35]. فيها نوع من استبقاء الحب الذي يُكِنُّه العزيز ليوسف، فهو لم يأمر بقتله أو نَفْيه بعيداً؛ بل احتفظ به بعيداً عن الزوجة المُصِرَّة على الخيانة، وعن المجتمع الذي يَلُوكُ تلك الوقائع. والسجن - كما نعلم - هو حَبْس المسجون لتقييد حركته في الوجود؛ وهو إجراء يتخذه القاضي أو الحاكم كعقوبة يُراد بها إذلال المسجون، أو وقاية المجتمع من شرِّه. ونعلم أن الإنسان لا يجتريء على الأحكام إلا حين يظن أو يعلم أن له قدرة؛ وله غلبة؛ فيعلن له القاضي أو الحاكم نهاية تلك الغلبة والقدرة، ويأمر بدخوله إلى السجن ويحرس تقييد حريته سَجَّان؛ وقد يتعرض للضرب أو الإهانة. هذا هو السجن المتعارف عليه في العصور القديمة والحديثة، حين تعزل المسجون عن المجتمع، وقد يعطف عليه بعض من أبناء المجتمع، ويزوره بعضٌ من أقاربه؛ ومعهم المأكولات؛ والمطلوبات. ولكن هناك سجن ديني أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حين عزل المجتمع الإيماني عن السجين، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يُكلِّم أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج معه للقتال بحجج واهية؛ بل وتسامى هذا العزل إلى أن صار عَزْلاً عن الأهل، إلى أن أمر صلى الله عليه وسلم بإنهاء هذا العزل بعد أن تحقق الغرض منه. وماذا عن حال يوسف في السجن؟ يقول الحق سبحانه: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ حِينٍ} معناهُ سَنةٌ. ويقالُ سَبعُ سنينَ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وقوله: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ} [يوسف: 35] أي: ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن راعى صلاحية القلب، {مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ} [يوسف: 35] وهي آثار عناية الله تعالى، وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه، {لَيَسْجُنُنَّهُ} [يوسف: 35] في سجن الشرع، {حَتَّىٰ حِينٍ} [يوسف: 35] أي: إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظره قول: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}تفسير : [الحجر: 99] أي: الموت إذ النبي مسلم مع كماله في الدنيا، والنبوة والرسالة مأمور من محبوبه بأن يكون مسجوناً في سجن الشرع حتى حين موته فكيف من دونه؟ واللهُ أعلم. قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ} [يوسف: 36] يشير إلى أنه لما دخل يوسف القلب سجن الشريعة، {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ} [يوسف: 36] وهما ساقي النفس وخباز البدن غلامان لملك الروح أحدهما صاحب شرابه والآخر صاحب طعامه، فالنفس صاحب شرابه تهيئ لملك الروح ما يصلح له شربه منه، فإن الروح العلوي الأخروي لا يعمل عملاً في السفلي البدني إلا بشرب يشربه النفس، والبدن صاحب طعامه الذي يهيئ من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، والروح لا تبقى إلا بغذاء روحاني باق كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني، وإنم حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بأن يجعلا السم في شراب ملك الروح وطعامه فيهلكاه، وهو سم الهوى والمعصية فإذ كانا محبوسين في سجن الشريعة أمن ملك الروح من شرهما. {قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 36] يشير إلى أن النفس البدن كلاهما ينادي وأهل الدنيا نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، وكل عمل يعمل أهل الدنيا فهو بمثابة الرؤيا التي رآها النائم، فإذا انتبه بالموت يكون له تأويله يظهر في الآخرة، ويوسف القلب بتأويل منامات أهل الدنيا عالم؛ لأنه من المحسنين كما قال: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36].

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 403 : 23 : 22 - سفين في قوله {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ} قال، سبع سنين [الآية 35].

همام الصنعاني

تفسير : 1309- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ}: [الآية: 35]، قال: الآيات حَزّهن أيديهن وقدّ القميص.