١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ} «فتيان» تثنية فتى؛ وهو من ذوات الياء، وقولهم: الفُتُوّ شاذ. قال وهب وغيره: حمل يوسف إلى السجن مقيّداً على حمار، وطِيف به «هذا جزاء من يعصي سيدته» وهو يقول: هذا أيسر من مُقَطَّعات النِّيران، وسرابيل القَطِران، وشراب الحميم، وأكل الزّقوم. فلما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوماً قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم؛ فجعل يقول لهم: ٱصبروا وأبشروا تؤجروا؛ فقالوا له: يا فتى! ما أحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك، من أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن صفيّ الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحق، ابن خليل الله إبراهيم. وقال ٱبن عباس: لما قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني، وأنا أريد أن تسجنه، فسجنه في السجن؛ فكان يُعزّي فيه الحزين، ويعود فيه المريض، ويداوي فيه الجريح، ويصلي الليل كله، ويبكي حتى تبكي معه جُدُر البيوت وسقفها والأبواب، وطهر به السجن، واستأنس به أهل السجن؛ فكان إذا خرج الرجل من السجن رجع حتى يجلس في السجن مع يوسف، وأحبه صاحب السجن فوسع عليه فيه، ثم قال (له): يا يوسف! لقد أحببتك حبًّا لم أحبّ شيئاً حبك؛ فقال: أعوذ بالله من حبك، قال: ولِمَ ذلك؟ فقال: أحبني أبي ففعل بي إخوتي ما فعلوه، وأحبتني سيدتي فنزل بي ما ترى، فكان في حبسه حتى غضب الملك على خَبَّازه وصاحب شرابه، وذلك أن الملك عُمِّر فيهم فملّوه، فدسّوا إلى خَبّازه وصاحب شرابه أن يَسُمَّاه جميعاً، فأجاب الخبّاز وأبي صاحب الشَّراب، فانطلق صاحب الشّراب فأخبر الملك بذلك، فأمر الملك بحبسهما، فاستأنسا بيوسف، فذلك قوله: «وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ» وقد قيل: إن الخبّاز وضع السم في الطعام، فلما حضر الطعام قال السّاقي: أيها الملك! لا تأكل فإن الطعام مسموم. وقال الخبّاز: أيها الملك لا تشرب! فإن الشراب مسموم؛ فقال الملك للساقي: ٱشرب! فشرب فلم يضرّه، وقال للخباز: كُلْ؛ فأبى، فجرّب الطعام على حيوان فنفق مكانه، فحبسهما سنة، وبقيا في السجن تلك المدة مع يوسف. وٱسم الساقي منجا، والآخر مجلث؛ ذكره الثعلبيّ عن كعب. وقال النقاش: اسم أحدهما شرهم، والآخر سرهم؛ الأوّل بالشين المعجمة، والآخر بالسين المهملة. وقال الطّبريّ: الذي رأى أنه يعصر خمراً هو نبو، قال السّهيليّ: وذكر ٱسم الآخر ولم أقيده. وقال «فتيان» لأنهما كانا عبدين، والعبد يسمّى فتى، صغيراً كان أو كبيراً؛ ذكره الماورديّ. وقال القُشَيريّ: ولعلّ الفتى كان اسماً للعبد في عرفهم؛ ولهذا قال: «تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ». ويحتمل أن يكون الفتى اسماً للخادم وإن لم يكن مملوكاً. ويمكن أن يكون حبسهما مع حبس يوسف أو بعده أو قبله، غير أنهما دخلا معه البيت الذي كان فيه. «قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً» أي عنباً؛ كان يوسف قال لأهل السجن: إني أعبّر الأحلام؛ فقال أحد الفتيين لصاحبه: تعال حتى نجرّب هذا العبد العبراني؛ فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئاً؛ قاله ٱبن مسعود. وحكى الطّبريّ أنهما سألاه عن علمه فقال: إني أعبّر الرؤيا؛ فسألاه عن رؤياهما. قال ٱبن عباس ومجاهد: كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه عنها؛ ولذلك صدق تأويلها. وفي الصحيح عن أبي هُريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً»تفسير : . وقيل: إنها كانت رؤيا كذب سألاه عنها تجريباً؛ وهذا قول ٱبن مسعود والسّديّ. وقيل: إن المصلوب منهما كان كاذباً، والآخر صادقاً؛ قاله أبو مِجْلَز. وروى الترمذيّ عن ٱبن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من تَحَلَّم كاذباً كُلِّف يوم القيامة أن يَعقِد بين شَعِيرتين (ولن يَعقِد بينهما)» تفسير : قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وعن عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من كذب في حُلُمه كُلِّف يوم القيامة عَقْد شَعِيرة»تفسير : . قال: حديث حسن. قال ٱبن عباس: لما رأيا رؤياهما أصبحا مكروبين؛ فقال لهما يوسف: مالي أراكما مكروبين؟ قالا: يا سيدناٰ إنا رأينا ما كرهنا؛ قال: فقصّا عليّ، فقصّا عليه؛ قالا: نبئنا بتأويل ما رأينا؛ وهذا يدلّ على أنها كانت رؤيا منام. {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} فإحسانه، أنه كان يعود المرضى ويداويهم، ويُعزِّي الحزانى؛ قال الضّحاك: كان إذا مرض الرجل من أهل السجن قام به، وإذا ضاق وسّع له، وإذا احتاج جمع له، وسأل له. وقيل: «مِنَ الْمُحْسِنِينَ» أي العالمين الذين أحسنوا العلم، قاله الفراء. وقال ٱبن إسحق: «مِن الْمُحْسِنِينَ» لنا إن فَسَّرته، كما يقول: افعل كذا وأنت محسن. قال: فما رأيتما؟ قال الخبّاز: رأيت كأني اختبزت في ثلاثة تنانير، وجعلته في ثلاث سلال، فوضعته على رأسي فجاء الطير فأكل منه. وقال الآخر: رأيت كأني أخذت ثلاثة عناقيد من عنب أبيض، فعصرتهن في ثلاث أوان، ثم صفيته فسقيت الملك كعادتي فيما مضى، فذلك قوله: «إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً» أي عنباً، بلغة عُمان، قاله الضّحاك. وقرأ ٱبن مسعود: «إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَباً». وقال الأصمعي: أخبرني المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابياً ومعه عنب فقال له: ما معك؟ قال: خمر. وقيل: معنى. «أَعْصِرُ خَمْراً» أي عنب خمر، فحذف المضاف. ويقال: خَمْرة وخَمْر وخُمُور، مثل تمرة وتمر وتُمور. «قال» لهما يوسف: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} يعني لا يجيئكما غداً طعام من منزلكما {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} لتعلما أني أعلم تأويل رؤياكما، فقالا: ٱفعل! فقال لهما: يجيئكما كذا وكذا، فكان على ما قال؛ وكان هذا من علم الغيب خُصّ به يوسف. وبيّن أن الله خصّه بهذا العلم لأنه ترك ملّة قوم لا يؤمنون بالله، يعني دين الملك. ومعنى الكلام عندي: العلم بتأويل رؤياكما، والعلم بما يأتيكما من طعامكما والعلم بدين الله، فاسمعوا أوّلاً ما يتعلق بالدين لتهتدوا، ولهذا لم يعبّر لهما حتى دعاهما إلى الإسلام، فقال: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ} الآية كلها، على ما يأتي. وقيل: علم أن أحدهما مقتول فدعاهما إلى الإسلام ليَسْعَدا به. وقيل: إن يوسف كره أن يعبر لهما ما سألاه لما علمه من المكروه على أحدهما فأعرض عن سؤالهما، وأخذ في غيره فقال: «لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ» في النوم «إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا» بتفسيره في اليقظة، قاله السُّديّ، فقالا له: هذا من فعل العَرّافين والكَهَنة، فقال لهما يوسف عليه السلام: ما أنا بكاهن، وإنما ذلك مما علّمنيهِ ربّي، إني لا أخبركما به تَكهُّناً وتنجيماً، بل هو بوحي من الله عزّ وجلّ. وقال ٱبن جُرَيج: كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معروفاً فأرسل به إليه، فالمعنى: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة، فعلى هذا «تُرْزَقَانِه» أي يجري عليكما من جهة الملك أو غيره. ويحتمل يزرقكما الله. قال الحسن: كان يخبرهما بما غاب، كعيسى عليه السلام. وقيل: إنما دعاهما بذلك إلى الإسلام، وجعل المعجزة التي يستدلان بها إخبارهما بالغيوب. قوله تعالى: {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} لأنهم أنبياء على الحق. {مَا كَانَ} أي ما ينبغي. {لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} «مِنْ» للتأكيد، كقولك: ما جاءني من أحد. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا} إشارة إلى عصمته من الزنى. {وَعَلَى ٱلنَّاسِ} أي على المؤمنين الذين عصمهم الله من الشرك. وقيل: «ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَليْنَا» إذ جَعَلنا أنبياء، «وَعَلَى النَّاسِ» إذا جَعَلَنا الرسلَ إليهم. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} على نعمة التوحيد والإيمان.
البيضاوي
تفسير : {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسّجْنَ فَتَيَانَ} أي أدخل يوسف السجن واتفق أنه أدخل حينئذ آخران من عبيد الملك شرابيه وخبازه للاتهام بأنهما يريدان أن يسماه. {قَالَ أَحَدُهُمَا } يعني الشرابي. {إِنّى أَرَانِى } أي في المنام وهي حكاية حال ماضية. {أَعْصِرُ خَمْرًا } أي عنباً وسماه خمراً باعتبارِ ما يؤول إليه. {وَقَالَ ٱلآخَرُ } أي الخباز. {إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ } تنهش منه. {نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } من الذين يحسنون تأويل الرؤيا، أو من العالمين وإنما قالا ذلك لأنهما رأياه في السجن يذكر الناس ويعبر رؤياهم، أو من المحسنين إلى أهل السجن فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا إن كنت تعرفه.
ابن كثير
تفسير : قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك، والآخر خبازه. قال محمد بن إسحاق: كان اسم الذي على الشراب نبوا، والآخر مجلث. قال السدي: كان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالآ على سمه في طعامه وشرابه، وكان يوسف عليه السلام قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة، وصدق الحديث، وحسن السمت، وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه، ومعرفة التعبير، والإحسان إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم، والقيام بحقوقهم. ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن، تآلفا به، وأحباه حباً شديداً، وقالا له: والله لقد أحببناك حباً زائداً. قال: بارك الله فيكما، إنه ما أحبني أحد إلا دخل عليّ من محبته ضرر، أحبتني عمتي فدخل عليّ الضرر بسببها، وأحبني أبي فأوذيت بسببه، وأحبتني امرأة العزيز فكذلك، فقالا: والله ما نستطيع إلا ذلك، ثم إنهما رأيا مناماً، فرأى الساقي أنه يعصر خمراً، يعني: عنباً، وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود: (إني أراني أعصر عنباً). ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود أنه قرأها: (أعصر عنباً). وقال الضحاك في قوله: {إِنِّىۤ أَرَانِىۤ أَعْصِرُ خَمْرًا} يعني: عنباً، قال: وأهل عمان يسمون العنب خمراً، وقال عكرمة: قال له: إني رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبة من عنب، فنبتت، فخرج فيها عناقيد، فعصرتهن ثم سقيتهن الملك، فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج فتسقيه خمراً، وقال الآخر، وهو الخباز: {إِنِّىۤ أَرَانِىۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} الآية، والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه أنهما رأيا مناماً، وطلبا تعبيره. وقال ابن جرير: حدثنا وكيع وابن حميد قالا: حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئاً، إنما كان تحالماً ليجربا عليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ } غلامان للملك أحدهما ساقيه والآخر صاحب طعامه، فرأياه يَعبُر الرؤيا فقالا لنختبرنه {قَالَ أَحَدُهُمَآ } وهو الساقي {إِنِّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا } أي عنبا {وَقَالَ ٱلأَخَرُ } وهو صاحب الطعام {إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنَا } خبِّرنا {بِتَأْوِيلِهِ } بتعبيره {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ودخَلَ معه السجن فتيان} قال ابن عباس: كان أحدهما خازن الملك على طعامه، وكان الآخر ساقي الملك على شرابه، وكان الملك وهو الملك الأكبر الوليد بن الرّيان قد اتهمهما بسمّه فحبسهما، فحكى مجاهد أنهما قالا ليوسف لما حُبسا معه: والله لقد أحببناك حين رأيناك، فقال يوسف: أنشدكما بالله أن أحببتماني فما أحبّني أحد إلا دخل عليّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من حبها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل عليّ من حبه بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي العزيز فدخل عليّ من حبها بلاء، لا أريد أن يحبني إلا ربي. وقال {فتيان} لأنهما كان عبدين، والعبد يسمى فتى صغيراً كان أم كبيراً. {قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر إني أراني أحملُ فوق رأسي خُبزاً تأكل الطير منه}وسبب قولهما ذلك ما حكاه ابن جرير الطبري أنهما سألاه عن علمه فقال: إني أعبر الرؤيا، فسألاه عن رؤياهما وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه عنها قال مجاهد وابن إسحاق: وكذلك صدق تأويلها. روى محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً ". تفسير : الثاني: أنها كانت رؤيا كذب سألاه عنها تجربة، فلما أجابهما قالا: إنما كنا نلعب فقال{قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} وهذا معنى قول ابن مسعود والسدي. الثالث: أن المصلوب منهما كان كاذباً، والآخر صادقاً، قاله أبو مجلز. وقوله{إني أراني أعصر خمراً} أي عنباً. وفي تسميته خمراً وجهان: أحدهما: لأن عصيره يصير خمراً فعبر عنه بما يؤول إليه. الثاني: أن أهل عُمان يسمون العنب خمراً، قال الضحاك. وقرأ ابن مسعود: إني أراني أعصر عنباً. {نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين} فيه ستة أقاويل: أحدها: أنهم وصفوه بذلك لأنه كان يعود مريضهم ويعزي حزينهم ويوسع على من ضاق مكانه منهم، قاله الضحاك. الثاني: معناه لأنه كان يأمرهم بالصبر ويعدهم بالثواب والأجر. الثالث: إنا نراك ممن أحسن العلم. حكاه ابن جرير الطبري. الرابع: أنه كان لا يرد عذر معتذر. الخامس: أنه كان يقضي حق غيره ولا يقضي حق نفسه. السادس: إنا نراك من المحسنين إن أنبأتنا بتأويل رؤيانا هذه، قاله ابن إسحاق.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَتَيَانِ} عبدان والعبد يسمى فتى صغيراً كان أو كبيراً، كان أحدهما على طعام الملك الأكبر "الوليد بن الريان" والآخر ساقيه فاتُّهما بسمه، فلما دخلا معه سألاه عن علمه فقال: عابر، فسألاه عن رؤياهما صدقاً منهما، أو كذباً ليجربا علمه فلما أجابهما قالا: كنا نلعب فقال: {أية : قُضِيَ ٱلأَمْرُ}تفسير : الآية [يوسف: 41]، أو كان المصلوب كاذباً والآخر صادقاً. {خَمْراً} عنباً سماه بما يؤول إليه، أو أهل عمان يسمون العنب خمراً. {الْمُحْسِنِينَ} قالوه لأنه كان يعود مريضهم ويعزي حزينهم ويوسع على من ضاق مكانه منهم، أو كان يأمرهم بالصبر ويعدهم بالأجر، أو كان لا يرد عذر معتذر ويقضي حق غيره ولا يقضي حق نفسه، أو ممن أحسن العلم، أو نراك من المحسنين إن نبأتنا بتأويل هذه الرؤيا.
الخازن
تفسير : {ودخل معه السجن فتيان} وهما غلامان كانا للوليد بن شروان العمليق ملك مصر الأكبر أحدهما خبازه وصاحب طعامه والآخر ساقيه وصاحب شرابه وكان قد غضب عليهما الملك فحبسهما، وكان السبب في ذلك أن جماعة من أشراف مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله وقتله فضمنوا لهذين الغلامين مالاً على أن يسما الملك في طعامه وشرابه فأجابا إلى ذلك ثم إن الساقي ندم فرجع عن ذلك وقبل الخباز الرشوة وسم الطعام فلما حضر الطعام بين يدي الملك قال الساقي لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم وقال الخباز لا تشرب فإن الشراب مسموم فقال للساقي اشرب فشربه فلم يضره وقال للخباز كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك الطعام دابة فهلكت فأمر الملك بحبسهما مع يوسف وكان يوسف لما دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول إني أعبر الأحلام فقال أحد الغلامين لصاحبه هلم فلنجرب هذا الغلام العبراني فتراءيا له رؤيا فسألاه من غير أن يكونا قد رأيا شيئاً قال ابن مسعود ما رأيا شيئاً إنما تحالما ليجربا يوسف وقال بل كانا قد رأيا رؤيا حقيقة فرآهما يوسف وهما مهمومان فسألهما عن شأنهما فذكرا أنهما غلامان للملك وقد حبسهما وقد رأيا رؤيا قد غمتهما فقال يوسف قصا علي ما رأيتما فقصا عليه ما رأياه ذلك قوله تعالى: {قال أحدهما} وهو صاحب شراب الملك {إني أرأني أعصر خمراً} يعني عنباً سمي العنب خمراً باسم ما يؤول إليه يقال فلان يطبخ الآجر أي يطبخ اللبن حتى يصير آجراً، وقيل: الخمر العنب بلغة عمان وذلك أنه قال إني رأيت في المنام كأني في بستان وإذا فيه أصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد عنب فجنيتها وكان كأس الملك في يدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه {وقال الآخر} وهو صاحب طعام الملك {إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه} وذلك أنه قال إني رأيت في المنام كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة وسباع الطير تنهش منها {نبئنا بتأويله} أي أخبرنا بتفسير ما رأينا وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا {إنا نراك من المحسنين} يعني من العالمين بعبارة الرؤيا والإحسان هنا بمعنى العلم، وسئل الضحاك ما كان إحسانه فقال: كان إذا مرض إنسان في الحبس عاده وقام عليه وإذا ضاق على أحد وسع عليه وإذا احتاج أحد جمع له شيئاً مع هذا يجتهد في العبادة يصوم النهار ويقوم الليل كله للصلاة. وقيل: إنه لما دخل السجن وجد فيه قوماً اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يسليهم ويقول إصبروا وأبشروا فقالوا بارك الله فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك لقد بورك لنا في جوارك فمن أين أنت قال أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم فقال له صاحب السجن يا فتى والله لو استطعت لخليت سبيلك ولكن سأرفق بك وأحسن جوارك واختر أي بيوت السجن شئت وقيل إن الفتيين لما رأيا يوسف قالا إنا قد أحببناك منذ رأيناك فقال لهما يوسف أنشدكما بالله أن لا تحباني فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل عليّ من حبه بلاء لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من ذلك بلاء وأحبني أبي فألقيت في الجب وأحبتني امرأة العزيز فحبست فلما قصا عليه رؤياهما كره يوسَف أن يعبرها لهما حين سألاه لما علم ما في ذلك من المكروه لأحدهما وأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره من إظهار المعجزة والنبوة والدعاء إلى التوحيد وقيل إنه عليه السلام أراد أن يبين لهما أن درجته في العلم أعلى وأعظم مما اعتقدا فيه وذلك أنهما طلبا منه علم التعبير ولا شك إن هذا العلم مبني على الظن والتخمين فأراد أن يعلمهما أنه يمكنه الإخبار عن المغيبات على سبيل القطع واليقين وذلك مما يعجز الخلق عنه وإذا قدر على الإخبار عن الغيوب كان أقدر على تعبير الرؤيا بطريق الأولى. وقيل: إنما عدل عن تعبير رؤياهما إلى إظهار المعجزة لأنه علم أن أحدهما سيصلب فأراد أن يدخله في الإسلام ويخلصه من الكفر ودخول النار فأظهر له المعجزة لهذا السبب.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {إني أراني أعصر} بالفتح في الحرفين: أبو جعفر ونافع، وأبو عمرو وافق ابن كثير في {أراني} كليهما. الباقون: بسكون ياء المتكلم في الكل: {نبينا} بغير همزة: أوقية والأعشى وحمزة في الوقف. {ترزقانه} مختلسة: الحلواني عن قالون {نبأتكما} مثل {أنشأنا} {ربي إني} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {آبائي} بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {إني أرى} بالفتح: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {رؤياي} بالإمالة: عليّ غير قتيبة. أبو عمرو بالإمالة اللطيفة. والقول في ترك الهمزة مثل ما تقدم {للرؤيا} ممالة: عليّ، وأبو عمرو بالإمالة اللطيفة. {لعلي أرجع} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد عن ابن ذكوان وأبو عمرو {دأبا} بفتح الهمزة: حفص. الآخرون بالسكون {تعصرون} بتاء الخطاب: حمزة وعليّ وخلف والمفضل. الباقون على الغيبة. {ما بال النسوة} بضم النون: الشموني والبرجمي {نفسي} {رحم ربي} بالفتح فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الوقوف: {فتيان} ط {خمراً} ج فصلاً بين القضيتين مع اتفاق الجملتين {الطير منه} ط للعدول عن قول آخر منهما إلى قولهما المضمر أي فقالا. {نبئنا بتأويله} ج لاحتمال التعليل. {المحسنين} ه {أن يأتيكما} ط {ربي} ط {كافرون} ه {ويعقوب} ط {من شيء} ط {لا يشكرون} ه {القهار} ه ط {من سلطان} ط {إلا الله} ط {إلا إياه} ط {لا يعلمون} ه {خمراً} ج فصلا بين الجوابين مع اتفاق الجملتين {من رأسه} ط لأن قوله: {قضى} جواب قولهما كذبنا وما رأينا رؤيا {تستفتيان} ط لاستئناف حكاية أخرى {عند ربك} ز {سنين} ه ط {يابسات} ط {تعبرون} ه {أحلام} ج للنفي مع العطف {بعالمين} ه {فأرسلون} ه {ياباسات} لا لتعلق "لعلى" {يعلمون} ه {دأباً} ج للشرط مع الفاء {تأكلون} ه {تحصنون} ه {يعصرون} ه {ائتوني به} ج {أيديهن} ط {عليم} ه {عن نفسه} ط {من سوء} ط {الحق} ز لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد القائل. {الصادقين} ه {الخائنين} ه {نفسي} ج للحذف أي عن السوء {ربي} ط {رحيم} ه. التفسير: تقدير الكلام فحبسوه {ودخل معه} أي مصاحباً له في الدخول {السجن فتيان} غلامان للملك الأكبر خبازه وشرابيه نقلاً عن أئمة التفسير أو استدلالاً برؤياهما المناسبة لحرفتهما. رفع إلى الملك أنهما أرادا سمه في الطعام والشراب فأمر بإدخالهما السجن ساعة إذ دخل يوسف {قال أحدهما إني أراني} أي في المنام لقولهما: {نبئنا بتأويله} وهو حكاية حال ماضية {أعصر خمراً} أي عنباً تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه. وقيل: الخمر بلغة عمان اسم العنب. والضمير في قوله: {بتأويله} يعود إلى ما قصا عليه وقد يوضع الضمير موضع اسم الإشارة كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك {إنا نراك من المحسنين} عبارة الرؤيا. وكان أهل السجن يقصون عليه رؤياهم فيؤوّلها لهم، أو نراك من العلماء عرفا ذلك بالقرائن أو من المحسنين إلى أهل السجن كان يعود مرضاهم ويوسع عليهم ويراعي دقائق مكارم الأخلاق معهم، أو من المحسنين في طاعة الله وطلب مرضاته ففرج عنا الغمة بتأويل ما رأينا وإن كانت لك يد في تأويل الرؤيا. وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا اصبرا تؤجروا. فقالوا: ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت يا فتى؟ فقال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل إبراهيم. فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت. وعن الشعبي ومجاهد أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: أراني في بستان فإذا بأصل كرم عليه ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته. وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها {قال لا يأتيكما طعام} إلى آخره هذا ليس بجواب لهما ظاهراً وإنما قدم هذا الكلام لوجوه منها: أن أحد التعبيرين لما كان هو الصلب وكان في إسماعه كراهة ونفرة أراد أن يقدم قبل ذلك ما يؤثق بقوله ويخرجه عن معرض التهمة والعداوة. أو أراد أن يبين علوّ مرتبته في العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون عن ظن وتخمين، ولهذا قال السدي: أراد لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم. بين بذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس مقصوراً على شيء دون غيره وقيل: إنه محمول على اليقظة وإنه ادعى معرفة الغيب كقول عيسى عليه السلام {أية : وأنبئكم بما تأكلون}تفسير : [آل عمران: 49] أي أخبركما {قبل أن يأتيكما} أنه أي طعام هو وأيّ لون هو وكيف تكون عاقبته أهو ضار أم نافع وأن فيه سماً أم لا. فقد روي أن الملك كان إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً مسموماً فأرسله إليه. ثم قال: {ذلكما} أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات من قبيل الوحي والإلهام لا من التكهن والتنجيم الذي يكثر فيهما وقوع الخطأ. ثم بيّن سيرته وملته مشيراً فيه إلى أنه رسول من عند الله ومنبهاً على أن الاشتغال بمصالح الدين أهم من الاشتغال بمصالح الدنيا حتى إن الرجل الذي سيصلب لعله يسلم فلا يموت على الكفر فقال: {إني تركت} أي رفضت بل ما كنت قط، ويجوز أن يكون قبل ذلك غير مظهر للتوحيد خوفاً منهم لأنه كان تحت أيديهم. وإنما كررت لفظة "هم" تنبيهاً على أنهم مختصون في ذلك الزمان بإنكار المعاد وتعريضاً بأن إيداعه السجن بعد معاينة الآيات الشاهدة على براءته لا يصدر إلا عمن ينكر الجزاء أشد الإنكار. والمراد باتباع ملة آبائه الاتباع في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الشرائع، ومعنى التنكير في قوله: {من شيء} الرد على كل طائفة خالفت الملة الحنيفية من عبدة الأصنام والكواكب وغيرهم {ذلك} التوحيد {من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} نعمة الإيمان أو نعمة إعطاء القدرة والاختيار على الإيمان فلا ينظرون في الدلائل، وهذا يناسب أصول المعتزلة. وعن بعضهم إنا لا نشكر الله على الإيمان بل الله يشكرنا عليه كما قال: {أية : فأولئك كان سعيهم مشكوراً}تفسير : [الإسراء: 19] {يا صاحبي السجن} أراد يا صاحبي السجن كقوله "يا سارق الليلة" خصهما بهذا النداء لأنهما دخلا السجن معه أو أراد يا ساكني السجن كقوله: {أية : أصحاب النار}تفسير : [الأعراف: 44] فسبب التعييين أنهما استفتياه في بين الساكنين. ثم أنكر عليهم عبارة الأصنام فقال: {أأرباب متفرقون} في العدد وفي الحجمية وفيما يتبعها من اختلاف الأعراض والأبعاض {خير} إن فرض فيهم خير {أم الله الواحد القهار} لأن وحدة المعبود تستدعي توحيد المطلب وتفريد المقصد، وكونه قهاراً غالباً غير مغلوب من وجه يوجب حصول كل ما يرجى منه من ثواب وصلاح إذا تعلقت إرادته بذلك فلا يصلح للمعبودية إلا هو ولا تصلح حقيقة الإلهية في غيره فلذلك قال: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها} أي سميتم الآلهة بتلك الأسماء {أنتم وآباؤكم} والخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر فكأنهم لا يعبدون إلا أسماء فارغة عن المسميات {ما أنزل الله بها} بتسميتها {من سلطان} أي حجة. ثم لما نفى معبودية الغير بين أن لا حكم في أمر الدين والعبادة إلا له فقال: {إن الحكم إلا لله} ثم ذكر ما حكم به فقال: {أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم} الثابت بالبراهين {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أنه مبدأ المبادىء والمعاد الحقيقي فيتخذون غيره معبوداً ويجعلون لغيره من الأصنام والأجرام بالاستقلال فعلاً وتأثيراً. ثم شرع في إجابة مقترحهما وهو تأويل رؤياهما فقال: {أما أحدكما} يعني الشرابي {فيسقي ربه} سيده {خمرا} يروى أنه قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه. وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك. قوله: {قضي الأمر} قال في الكشاف: إنما وحد الأمر وهما أمران مختلفان استفتيا فيهما، لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا لأجله فكأنهما استفتياه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك استدلالاً برؤياهما فقال: إن ذلك الذي ذكرت من أمر التأويل كائن لا محالة صدقتما أو كذبتما. وقيل: جحدا رؤياهما. وقيل: عكسا رؤياهما، فلما علم الخباز أن تأويل رؤياه شر أنكر كونه صاحب تلك الرؤيا فقال يوسف: إن الذي حكمت به لكل منكما واقع لا بد منه ومن هنا قالت الحكماء: ينبغي أن لا يتصرف في الرؤيا ولا تغير عن وجهها فإن الفأل على ما جرى. {وقال} يوسف {للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك} أي اذكر عند الملك أني مظلوم من جهة إخوتي أخرجوني وباعوني، ثم إني مظلوم من جهة النسوة اللاتي حسبتني. والضمير في {ظن} إن كان للرجل الناجي فلا إشكال لأنهما ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف بل كانا حسني الاعتقاد فيه وكأن قوله لم يفد في حقهما إلا مجرد الظن، وإن عاد إلى يوسف فيرد عليه أنه كان قاطعاً بنجاته فما المعنى للظن؟ وأجيب بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الأصول المقررة في ذلك العلم فكان كالمسائل الاجتهادية. والأصح أنه قضي بذلك على سبيل ألبت والقطع لقوله: {لا يأتيكما طعام} إلى قوله: {ذلكما مما علمني ربي} فالظن على هذا بمعنى اليقين كقوله: {أية : الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم}تفسير : [البقرة: 46] أما الضمير في قوله: {فأنساه الشيطان} فمن الناس من قال: إنه يعود إلى الرجل الناجي أي أنساه الشيطان ذكر يوسف لسيده أو عند سيده فإضافة الذكر إلى الرب للملابسة لا لأجل أنه فاعل أو مفعول، أو المضاف محذوف تقديره فأنساه ذكر إخبار ربه وإسناد الإنساء إلى الشيطان مجاز لأن الإنساء عبارة عن إزالة العلم عن القلب والشيطان قدرة له على ذلك وإلا لأزال معرفة الله من قلوب بني آدم، وإنما فعله إلقاء الوسوسة وأخطار الهواجس التي هي من أسباب النسيان. ومنهم من قال: الضمير راجع إلى يوسف، والمراد بالرب هو الله تعالى أي الشيطان أنسى يوسف أن يذكر الله تعالى، وعلى القولين عوتب باللبث في السجن بضع سنين. والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه القطعة من العدد والبضع القطع ومثله العضب. والأكثرون على أن المراد في الآية سبع سنين. وعن ابن عباس: كان قد لبث خمس سنين وقد اقترب خروجه، فلما تضرع إلى ذلك الرجل لبث بعد ذلك سبع سنين. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن"تفسير : وعن مالك أنه لما قال له اذكرني عند ربك قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً، لأطيلن حبسك. فبكى يوسف وقال: طول البلاء أنساني ذكر المولى فويل لإخوتي. قال المحققون: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة. فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذه النوم ليلة من الليالي وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد بن أبي وقاص فنام. وقال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: {أية : من أنصاري إلى الله}تفسير : [الصف: 14] ولا خلاف في جواز الاستعانة بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق إلا أن يوسف عليه السلام عوتب على قوله: {اذكرني عند ربك} لوجوه منها: أنه لم يقتد بالخليل جده حين وضع في المنجنيق فلقيه جبرائيل في الهواء وقال: هل من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا مع أنه زعم أنه اتبع ملة آبائه. ومنها أنه قال: {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} وهذا يقتضي نفي الشرك على الإطلاق وتفويض الأمر بالكلية إلى الله سبحانه. فقوله: {اذكرني عند ربك} كالمناقض لهذا الكلام. ومنها أنه قال: {عند ربك} ومعاذ الله أنه زعم أنه الرب بمعنى الإله إلا أن إطلاق هذا اللفظ على الله لا يليق بمثله وإن كان رب الدار ورب الغلام متسعملاً في كلامهم. ومنها أنه لم يقرن بكلامه إن شاء الله، ولما دنا فرج يوسف أرى الله الملك في المنام سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاضطرب الملك بسببه لأن فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف على القوي ينذر بنوع من أنواع الشر إلا أنه لم يعرف تفصيله، والشيء إذا علم من بعض الوجوه عظم الشوق إلى تكميل تلك المعرفة ولا سيما إذا كان صاحبه ذا قدرة وتمكين، فبهذا الطريق أمر الملك بجمع الكهنة والمعبرين وقال: {يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي} ثم إنه تعالى إذا أراد أمراً هيأ أسبابه فأعجز الله أولئك الملأ عن جواب المسألة وعماه عليهم حتى {قالوا} إنها {أضغاث أحلام} ونفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها. واعلم أن الله سبحانه خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ومطالعة اللوح المحفوظ إلا أن المانع لها عن ذلك في اليقظة هو اشتغالها بتدبير البدن وبما يرد عليها من طريق الحواس،وفي وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة،فإذا وقفت الروح على حالة من تلك الأحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم يحتج إلى التأويل، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إل عالم الخيال فهناك يفتقر إلى المعبر. ثم منها ما هي منتسقة منتظمة يسهل على المعبر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات، ومنها ما تكون مختلطة مضطربة لا يضبط تحليلها وتركيبها لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها فهي المسماة بالأضغاث. وبالحقيقة، الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفساد وقع في القوى البدنية، أو لورود أمر غريب عليه من خارج، لكن القسم المذكور قد يعد من الأضغاث من حيث إنها أعيت المعبرين عن تأويلها. ولنشتغل بتفسير الألفاظ، أما الملك فريان بن الوليد ملك مصر، وقوله: {إني أرى} حكاية حال ماضية. وسمان جمع سمينة وسمين وسمينة يجمع على سمان كما يقال: رجال كرام ونسوة كرام قال النحويون: إذا وصف المميز فالأولى أن يوقع الوصف وصفاً للمميز كما في الآية دون العدد، لأنه ليس بمقصود بالذات فلهذا قيل سمان بالجر ليكون وصفاً لبقرات، ويحصل التمييز لسبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن، ولو نصب جعل تمييز السبع بجنس البقرات أولاً ثم يعلم من الوصف أن المميز بالجنس موصوف بالسمن. والعجف هو الهزال الذل الذي ليس بعده هزال، والنعت أعجف وعجفاء وهما لا يجمعان على فعال ولكنه حمل على سمان لأنه نقيضه. وقوله سبع عجاف تقديره بقرات سبع عجاف فحذف للعلم به كما في قوله: {وأخر يابسات} التقدير وسبعاً أخر لانصباب المعنى إلى هذا العدد. وإنما لم يقال سبع عجاف على الإضافة لأن البيان لا يقع بالوصف وحده. وقولهم "ثلاثة فرسان" و "خمسة أصحاب" لأنه وصف جرى مجرى الاسم، ولا يجوز أن يكون قوله {وأخر} مجروراً عطفاً على {سنبلات} لأن لفظ الأخر يأباه ويبطل مقابلة السبع بالسبع، وأراد بالملأ الأعيان من العلماء والحكماء، واللام في {للرؤيا} للبيان كما قلنا في {أية : وكانوا فيه من الزاهدين}تفسير : [يوسف: 20] أو لأن عمل العامل فيما تقدم عليه يضعف فيعضد باللام كما يعضد اسم الفاعل بها وإن تأخر معموله، أو لأن قوله: {للرؤيا} خبر "كان" كقوله هو لهذا الأمر أي متمكن مهن مستقل به و{تعبرون} خبر آخر أو حال أو لتضمن {تعبرون} معنى تنتدبون لعبارة الرؤيا والفصيح عبرت الرؤيا بالتخفيف، وقد يشدد واشتقاقه من العبر بالكسر فالسكون وهو جانب النهر فيقال: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وعبرت الرؤيا إذا تأملت ناحيتها فانتقلت من أحد الطرفين إلى الآخر. والأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش مما طال ولم يقم على ساق، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام والصيغة للجمع ولكن الواحد قد يوصف به كما قال: رمح أقصاد وبرمة أعشار. فالمراد هي حلم أضغاث أحلام. وقد يطلق الجمع ويراد به الواحد كقولهم "فلان يركب الخيل ويلبس العمائم" وإن لم يركب إلا فرساً واحداً ولم يلبس إلا عمامة واحدة. ويجوز أن يكون قد قص عليهم أحلاماً أخر. واللام في {الأحلام} اما للعهد كأنهم أرادوا المنامات الباطلة، أو للجنس وأرادوا أنهم غير متبحرين في علم تأويل الرؤيا. ولما أعضل على الملأ تأويل رؤيا الملك تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه المصلوب، وتذكر قوله: {اذكرني عند ربك} وذلك قوله سبحانه: {واذكر} وأصله "اذتكر" قلبت التاء والذال كلاهما دالاً مهملة وأدغمت. {بعد أمة} أي بعد حين كأنها حصلت من اجتماع أيام كثيرة. وقرىء بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة. وقرىء {بعد أمه} بوزن عمه. ومعنى {أنا أنبئكم بتأويله} أخبركم به عمن عنده علمه {فأرسلون} إليه لأسلأله والخطاب للملك والجمع للتعظيم أو له وللملأ حوله. والمعنى مروني باستعباره. وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة. وههنا إضمار والمراد فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال {يوسف} أي يا يوسف {أيها الصديق} البليغ الكامل في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه تعرف أحواله من قبل. وفيه أنه يجب على المتعلم تقديم ما يفيد المدح لمعلمه. وإنما أعاد عبارة الملك بعينها لأن التعبير يختلف باختلاف العبارات. وقوله: {لعلي أرجع} فيه نوع من حسن الأدب لأنه لم يقطع بأنه يعيش إلى أن يعود إليهم، وعلى تقدير أن يعيش فربما عرض له ما يمنعه عن الوصول إليهم من الموانع التي لا تحصى كثرة. وكذا في قوله: {لعلهم يعلمون} فضلك ومكانك من العلم فيخلصوك أو يعلمون فتواك فيكون فيه نوع شك لأنه رأى عجز سائر المعبرين وقيل: كرر لعل مراعاة لفواصل الآي وإلا كان مقتضى النسق لعلي أرجع إلى الناس فيعلموا، و مثله في هذه السورة {أية : لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون}تفسير : [يوسف: 62]. {قال} يوسف في جواب الفتوى {تزرعون سبع سنين} وهو خبر في معنى الأمر يفيد المبالغة في إيجاب أيجاد المأمور به. قال في الكشاف: والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: {فذروه في سنبله} وأقول: يمكن أن يكون قوله: {تزرعون} إخباراً عما سيوجد منهم في زمن الغيث والمطر، لأن الزرع يلزم بنزول الأمطار عادة، وقوله: {فما حصدتم} إرشاد لهم إلى الأصلح لهم في ذلك الوقت. و{دأباً} بتسكين الهمزة وتحريكها مصدر دأب في العمل إذا استمر عليه. وانتصابه على الحال أي تزرعون ذوي دأب، أو على المصدر والعامل فعله أي تدأبون دأباً. وإنما أمرهم بأن يتركوه في السنابل إلا القدر الذي يأكلونه في الحال لئلا يقع فيه السوس {ثم يأتي من بعد ذلك} فيه دليل على أن {تزرعون} إخبار لا أمر {سبع} سنين {شداد} على الناس {يأكلن ما قدمتم لهن} من الإسناد المجازي لأن الآكلين أهل تلك السنين لا السنون {إلا قليلاً مما تحصنون} تحرزون وتخبؤن. والإحصان جعل الشيء في الحصن كالإحراز جعل الشيء في الحرز أخبر أنه يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس من الغوث، أو من الغيث يقال: غيثت البلاد إذا مطرت {وفيه يعصرون} العنب والزيتون والسمسم. وقيل: يحلبون الضروع، تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بالسنين. ثم بشرهم بالبركة في العام الثامن. فقال المفسرون: إنه قد عرف ذلك بالوحي. عن قتادة: زاده الله علم سنة. وقيل: عرف استدلالاً فليس بعد انتهاء الجدب، إلا الخصب. والجواب أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد يكون توسط الحال. وأيضاً في قوله: {وفيه يعصرون} نوع تفصيل لا يعرف إلا بالوحي. ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير استحسنه وقال: {ائتوني به} فجعل الله سبحانه علمه مبدأ لخلاصه من المحنة الدنيوية فيعلم منه أن العلم سبب للخلاص في المحن الأخروية أيضاً. {فلما جاءه الرسول} وهو الشرابي فقال: أجب الملك {قال} يوسف {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} ما شأنهن وما حالهن {إن ربي} أي الله العالم بخفيات الأمور أو العزيز الذي رباه {بكيدهن عليم} وعلى الأول أراد إنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله لعبد غوره، أو استشهد بعلم الله على أنهن كذبة، أو أراد الوعيد أي هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه. وكيدهن ترغيبهن إياه في مواقعة سيدته أو تقبيح صورته عند العزيز حتى يرضى بسجنه. ومن لطائف الآية أنه أراد فسأل الملك أن يسأل ما بالهن إلا أنه راعى الأدب فاقتصر على سؤال الملك عن كيفية الواقعة فإن ذلك مما يهيجه على البحث والتفتيش. ومنها أنه لم يذكر سيدته بسوء بل ذكر النسوة على التعميم ومع ذلك راعى جانبهن أيضاً فوصفهن بتقطيع الأيدي فقط لا بالترغيب في الخيانة. عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة"تفسير : قال العلماء: الذي عمله يوسف هو اللائق بالحزم والعقل، لأنه لو خرج في الحال فربما بقي في قلب الملك من تلك التهمة أثر، ولعل الحساد يتسلقون بذلك إلى تقبيح أمره عنده، وفي هذا التأني والتثبت تلاف لما صدر منه في قوله للشرابي: {اذكرني عند ربك}. {قال} الملك بعد إحضار النسوة {ما خطبكن} ما شأنكن العظيم {إذ راودتن يوسف} هل وجدتن منه ميلاً إليكن أو إلى زليخا؟ قيل: الخطاب لزليخا والجمع للتعظيم. وقيل: خاطبهن جميعاً لأن كل واحدة منهن راودت يوسف لنفسها أو لأجل امرأة العزيز. {قلن حاش لله} تعجباً من عفته ونزاهته {قالت امرأت العزيز} حين عرفت أن لا بد من الاعتراف {الآن حصحص الحق} وضح وانكشف وتمكن في القلوب من قولهم حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة والاستقرار على الأرض. وقال الزجاج: اشتقاقه من الحصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل. أما قوله سبحانه: {ذلك ليعلم} إلى تمام الآيتين ففيه قولان: الأول - وعليه الأكثرون - أنه حكاية قول يوسف. قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به. والإشارة إلى الحداثة الحاضرة بقوله: {ذلك} لأجل التعظيم والمراد ما ذكر من رد الرسول والتثبت وإظهار البراءة. وعن ابن عباس: أنه لما دخل على الملك قال ذلك، والأظهر أنه قال ذلك في السجن عند عود الرسول إليه. ومحل {بالغيب} نصب على الحال من الفاعل أي وأنا غائب عنه، أو من المفعول أي وهو غائب عني، أو على الظرف أي بمكان الغيب وهو الاستتار وراء الأبواب المغلقة. وقيل: هذه الخيانة قد وقعت في حق العزيز فكيف قال ذلك ليعلم الملك؟ وأجيب بأنه إذا خان وزيره فقد خان الملك من بعض الوجوه، أو أراد ليعلم الله لأن المعصية خيانة، أو المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أني لم أخنه وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده، وفي تعريض بامرأته الخائنة وبالعزيز حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه فكأنه خان حكم لله، وفيه تأكيد لأمانته وأنه لو كان خائناً لم يهد الله كيده. ولا يخفى أن هذه الكلمات من يوسف مع الشهادة الجازمة والاعتراف الصريح من المرأة دليل على نزاهة يوسف عليه السلام من كل سوء. قال أهل التحقيق: إنه لما راعى حرمة سيدته في قوله: {ما بال النسوة اللاتي} دون أن يقول "ما بال زليخا" أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء واعترفت بأن الذنب كله منها، فنظيره ما يحكى أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من أداء الشهادة. فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصدقها في دعواها. فقالت المرأة: لما أكرمني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمته من كل حق لي عليه. ولما كان قول يوسف عليه السلام ذلك ليعلم جارياً مجرى تزكية النفس على الإطلاق أو في هذه الواقعة وقد قال تعالى: {أية : فلا تزكوا أنفسكم}تفسير : [النجم: 32] أتبع ذلك قوله: {وما أبرىء نفسي إن النفس} أي هذا الجنس {لأمارة بالسوء} ميالة إلى القبائح راغبة في المعاصي. وفيه أن ترك تلك الخيانة ما كان حظ النفس وشربها ولكن كان بتوفيق الله تعالى وتسهيله وصرفه {إلا ما رحم ربي} إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة، أو المراد أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت رحمة ربي، أو الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة: القول الثاني أنه حكاية قول المرأة لأن يوسف عليه السلام ما كان حاضراً في ذلك المجلس والمعنى، وإن كنت أحلت عليه الذنب عند حضوره ولكني ما أحلته عليه في غيبته حين كان في السجن {وأن الله لا يهدي} فيه تعريض فأنها لما أقدمت على المكر فلا جرم افتضحت، وأنه لما كان بريئاً من الذنب لا جرم طهره الله منه {وما أبرىء نفسي} من الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قلت {ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً} أو حين أودعته السجن. ثم إنها اعتذرت عما كان منها فقالت: {إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} كنفس يوسف {إن ربي غفور رحيم} أو استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت. قال المحققون. النفس الإنسانية شيء واحد فإذا مالت إلى العالم العلوي كانت مطمئنة، وإذا مالت إلى العالم السفلي وإلى الشهوة والغضب سميت أمارة وهذا في أغلب أحوالها لإلفها إلى العالم الحسي وقرارها فيه فلا جرم إذا خليت وطباعها انجذبت إلى هذه الحالة فلهذا قيل: إنها من حيث هي أمارة بالسوء. وإذا كانت منجذبة مرة إلى العالم العلوي ومرة إلى العالم السفلي سميت لوامة. ومنهم من زعم أن النفس المطمئنة هي الناطقة العلوية، والنفس الأمارة منطبعة في البدن تحمله على الشهوة والغضب وسائر الأخلاق الرذيلة. وتمسكت الأشاعرة بقوله: {إلا ما رحم} ظاهراً لأنه دل على أن صرف النفس عن السوء بخلق الله وتكوينه. وحملته المعتزلة على منح الألطاف والله أعلم بالحقائق. التأويل: لما أدخل يوسف القلب سجن الشريعة دخل معه غلامان لملك الروح هما النفس والبدن، فإن الروح العلوي لا يعمل عملاً في السفل الدنيوي إلا من مشرب النفس فهي صاحب شرابه. والبدن يهيء من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، فإن الروح لا يبقى إلا بغذاء روحاني كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني. وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بجعل سم الهوى والمعصية في شراب ملك الروح وطعامه، وفي رؤياهما دلالة على أنهما من الدنيا، وأهل الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا {إنا نراك من المحسنين} الذين يعبدون الله عياناً وشهوداً {إني تركت ملة قوم} فيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة {أما أحدكما فيسقي ربه} أي سيده بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات وهي باقية في خدمة ملك الروح أبداً {وأما الآخر} وهو البدن {فيصلب} بنخيل الموت {فيأكل} طير أعوان ملك الموت من رأسه الخيالات الفاسدة {قضي} في الأزل هذا {الأمر} {اذكرني عند ربك} يعني أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن تذكره المعاملات المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه عن نوم الغفلة الناشئة من الحواس الخمس ويسعى في استخلاص القلب عن أثر الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمداً من الألطاف الربانية. ثم إن الشيطان بوساوسه محا عن النفس أثر إلهامات القلب، أو الشيطان أنسى القلب ذكر الله حين استغاث النفس لتذكره عند الروح، ولو استغاث بالله لخلصه في الحال {فلبث في السجن بضع سنين} إشارة إلى الصفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر {إني أرى سبع بقرات سمان} هن الصفات المذكورة {يأكلهن سبع عجاف} هن أضدادها وهي: القناعة والسخاوة والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع {يا أيها الملأ} يعني الأعضاء والجوارح والحواس والقوى {أفتوني} فيما رأيت في غيب الملكوت {وما نحن بتأويل الأحلام} أي ليس التصرف في الملكوت وشواهدها من شأننا {فأرسلون} فيه أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئاً مما يجري في الملكوت ترجع بقوة التفكر إلى القلب فتستخبر عنه، فالقلب ترجمان بين الروحانيات ولانفس فيما يفهم من لسان الغيب {أيها الصديق} لأنه مصدق فيما يرى من شواهد الحق، ويصدق فيما يروي للخلق {أية : ما كذب الفؤاد ما رأى}تفسير : [النجم: 11] "حدثني قلبي عن ربي" قال في الكشاف: أرجع إلى الناس أي إلى الأجزاء الإنسانية {تزرعون سبع سنين} إشارة إلى تربية الصفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة في أوان الطفولية {فذروه في سنبله} أي ما حصلتم من هذه الصفات فذروه في أماكنه ولا تستعملوه {إلا قليلاً} مما تعيشون به إلى أوان البلوغ وظهور نور العقل في مصباح السر في زجاجة القلب كأنه كوكب دري. ثم إذا أيد نور العقل بأنوار تكاليف الشرع وشرف بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وتقواها فيزكيها عن هذه الصفات ويجليها بالصفات الروحانية السبع، فكأن السبع العجاف أكلن السبع السمان. وإنما سمى ما هو من عالم الأرواح عجافاً للطافتها، وما هو من عالم الأجسام سماناً لكثافتها كثيراً إلا قليلاً مما يحسن به الإنسان حياة قالبه {ثم يأتي من بعد ذلك عام} أي بعد غلبات الصفات الروحانية واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفي يبرأ العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب أنانيته. ولما أخبر القلب بنور الله رآه الروح في عالم الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله {ما بال النسوة} لأن الأوصاف الإنسانية لما رأين جمال القلب المنور بنور الله {قطعن أيديهن} من ملاذ الدنيا وشهواتها وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية {ليعلم أني لم أخنه بالغيب} أي القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} الذين يبيعون الدين بالدنيا. ثم قال إظهاراً للعجز عن نفسه وللفضل من ربه {وما أبرىء نفسي إن النفس} جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة نادمة على فعلها، والندم توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة {أية : فألهمها فجورها وتقواها}تفسير : [الشمس: 8] وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة {أية : ارجعي إلى ربك راضية مرضية}تفسير : [الفجر: 28] {إن ربي غفور} لنفس تابت ورجعت إليه {رحيم} لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ...} الآية: المعنى: فسجَنُوهُ، فَدَخَلَ معه السجْنَ، غلامانِ سُجِنَا أيضاً، ورُوِيَ أنهما كانا للمَلِكِ الأعظَمِ الوَلِيدِ بْنِ الرَّيَّانِ؛ أحدهما: خَبَّازه، وٱسمهُ مجلث، والآخر: ساقيه، واسمه نبو، ورُوِيَ أَنَّ المَلِكَ ٱتهمهما بأن الخَبَّاز منهما أرادَ سَمَّه، ووافَقَهُ على ذلك السَّاقِي، فسجنهما، قاله السديُّ، فلما دخل يوسُفُ السجْنَ، ٱستمالَ الناسَ فيه بحُسْن حديثه وفَضْله ونبله، وكان يُسَلِّي حزينهم، ويعودُ مريضَهُمْ، ويسأل لفقيرِهِمْ، ويندُبُهُمْ إِلى الخيرِ، فأَحبه الفَتَيَانِ، ولزماه، وأحبه صاحِبُ السجْنِ، والقَيِّم عليه، وكان يوسُفُ عليه السلام قد قال لأَهْلِ السجْنِ: إِني أَعْبُرُ الرؤيا، وأَجيدُ، فرُوِيَ عن ابن مسعودٍ: أن الفتَيَيْنِ ٱستعْمَلاَ هاتَيْنِ المنَامَتَيْنِ ليجرِّباه. وروي عن مجاهدٍ: أَنهما رأيا ذلك حقيقةً، قال أحدهما: إِني أراني أعصرُ خَمْراً: قيل فيه: إِنه سَمَّى العِنَبَ خمراً، بالمآلِ، وقيل: هي لغةُ أزدِ عُمَان؛ يسمُّون العِنَبَ خَمْراً، وفي قراءة أُبيٍّ وٱبْنِ مسعودٍ: «أَعْصِرُ عِنَباً». وقوله: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }: قال الجمهور: يريدان في العِلْم، وقال الضَّحَّاك وقتادة: المعنى: من المحسنين في جَرْيه مع أهْل السِّجْنِ وإِجماله معهم. وقوله عزَّ وجلَّ: {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا }: رُويَ عن السُّدِّيِّ وابن إِسحاق: أن يوسُفَ عليه السلام لما عَلِمَ شدَّة تعبيرِ مَنَامَةِ الرائي الخُبْزَ، وأنها تُؤْذِنَ بقتله، ذهب إِلى غير ذلك من الحديثِ عَسَى أَلاَّ يطالباه بالتعْبير، فقال لهما؛ مُعْلِماً بعظيمِ عِلْمِهِ للتعبيرِ: إِنه لا يجيئُكما طعَامٌ في نومكما تَرَيَانِ أَنكما رُزِقْتُمَاهُ إِلاَّ أعلمتكما بتأويلِ ذلك الطَّعَامِ، أي: بما يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمره في اليقظة قَبْلَ أن يظهر ذلك التأويلُ الذي أُعْلِمُكُما به، فرُوِيَ أنهما قالا: ومِنْ أينَ لَكَ ما تَدَّعيه مِنَ العِلْمِ، وأنْتَ لَسْتَ بِكَاهِنٍ ولا منجِّم؟! فقالَ لهما: ذَلِكَ مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي، ثم نهض يُنْحِي لهما على الكُفْر ويقبِّحه، ويحسِّن الإِيمان باللَّه، فرُوِيَ أنه قصد بذلك وجْهَيْنِ؛ أَحدهما: تنسيَتُهما أمْرَ تعبيرِ ما سألا عنْه؛ إِذ في ذلك النِّذَارةُ بقَتْل أحدهما، والآخر: الطماعيَةُ في إِيمانهما؛ ليأخذ المَقْتُولُ بحظِّه من الإِيمان، وتسلم له آخرته، وقال ابنُ جُرَيْج: أراد يوسُفُ عليه السلام لا يأتيكما طعامٌ في اليقظة. قال * ع *: فعلى هذا إِنما أعلمهم بأنه يعلم مغيَّباتٍ لا تعلُّق لها برؤْيَا، وقصد بذلك أحَدَ الوجهَيْنِ المتقدِّمين، وهذا على ما روي أنه نبىء في السجن فإِخباره كإِخبار عيسَى عليه السلام. وقوله: {تَرَكْتُ }، مع أنه لم يتشبَّثْ بها جائزٌ صحيحٌ؛ وذلك أنه أخبر عن تجنّبه من أول بالترك، وساق لفظ التَّرْك ٱستجلاباً لهما عسَى أن يتركا الترْكَ الحقيقيَّ الذي هو بَعْد الأخْذ في الشيء، والقَوْمُ المتروكُ ملتهم: المَلِكَ وأتباعه. وقوله: {وَٱتَّبَعْتُ...} الآية: تمَادٍ من يوسُفَ عليه السلام في دعائهما إِلى الملَّة الحنيفيَّة. وقوله: {مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ}، «مِنْ»: هي الزائدةُ المؤكِّدة التي تكونُ مع الجُحُودِ. وقوله: {لاَ يَشْكُرُونَ }: يريد: الشكْرَ التَّامَّ الذي فيه الإِيمانُ باللَّه عزَّ وجلَّ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ودخل معه السجن فتيان} قال أحدهما خازن الملك على طعامه، والآخر ساقيه على شرابه. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحق رضي الله عنه قال: في قوله {ودخل معه السجن فتيان} قال: غلامان كانا للملك الأكبر الريان بن الوليد، كان أحدهما على شرابه والآخر على بعض أمره في سخطة سخطها عليهما، اسم أحدهما مجلب، والآخر نبوا الذي كان على الشراب. فلما رأياه قالا: يا فتى، والله لقد أحببناك حين رأيناك، قال ابن إسحق: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد رضي الله عنه، أن يوسف عليه الصلاة والسلام قال لهما حين قالا له ذلك: أنشدكما بالله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل علي من حبه بلاء. قد أحبتني عمتي فدخل علي من حبها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل علي بحبه بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي فدخل علي بمحبتها إياي بلاء. فلا تحباني بارك الله فيكما، فأبيا إلا حبه وألفه حيث كان، وجعل يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله. وقد كانا رأيا حين ادخلا السجن رؤيا، فرأى مجلب أنه رأى فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه، ورأى نبوا أنه يعصر خمراً، فاستفتياه فيها وقالا له {نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين} إن فعلت فقال لهما {لا يأتيكما طعام ترزقانه} يقول في نومكما {إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} ثم دعاهما إلى الله وإلى الإسلام فقال {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} أي خير أن تعبدوا، إلهاً واحداً أم آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئاً؟ .... ثم قال لمجلب: أما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك. وقال لنبوا أما أنت، فترد على عملك ويرضى عنك صاحبك، {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}. وأخرج وكيع في الغرر، عن عمرو بن دينار قال: قال يوسف عليه السلام: ما لقي أحد في الحب ما لقيت، أحبني أبي فألقيت في الجب، وأحبتني امرأة العزيز، فألقيت في السجن. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إني أراني أعصر خمراً} قال عنباً. وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وأبو الشيخ وابن مردويه، من طرق عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قرأ [اني أراني أعصر عنباً] وقال: والله لقد أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {إني أراني أعصر خمراً} يقول: أعصر عنباً، وهو بلغة أهل عمان، يسمون العنب خمراً. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه {نبئنا بتأويله} قال: عبارته. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إني أراني أعصر خمراً} قال: هو بلغة عمان. وفي قوله {إنا نراك من المحسنين} قال: كان احسانه فيما ذكر لنا أنه كان يعزي حزينهم ويداوي مريضهم، ورأوا منه عبادة واجتهاداً فأحبوه به، وقال لما انتهى يوسف عليه السلام إلى السجن، وجد فيه قوماً قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم، وطال حزنهم، فجعل يقول: أبشروا، اصبروا تؤجروا، إن لهذا أجراً، إن لهذا ثواباً. فقالوا: يا فتى، بارك الله فيك. ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، وأحسن خلقك!... لقد بورك لنا في جوارك، إنا كنا في غير هذا منذ حبسنا لما تخبرنا من الأجر والكفارة والطهارة، فمن أنت يا فتى؟!!!... قال: أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحق ابن خليل الله إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام، وكانت عليه محبة. وقال له عامل السجن: يا فتى، والله لو استطعت لخليت سبيلك، ولكن سأحسن جوارك، وأحسن آثارك، فكن في أي بيوت السجن شئت. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دعا يوسف عليه السلام لأهل السجن فقال: "اللهم لا تعم عليهم الأخبار، وهون عليهم مر الأيام". وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان، عن الضحاك رضي الله عنه؛ أنه سئل عن قوله {إنا نراك من المحسنين} ما كان إحسان يوسف عليه السلام؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا ضاق عليه المكان أوسع له، وإذا احتاج جمع له.
ابو السعود
تفسير : { وَدَخَلَ مَعَهُ} أى فى صحبته {ٱلسِّجْنَ فَتَيَانَ} من فتيان الملك ومماليكه أحدهما شرابيه والآخر خبازه. روى أن جماعة من أهل مصر ضمنوا لهما مالا ليسما الملك فى طعامه وشرابه فأجابهم إلى ذلك ثم إن الساقى نكل عن ذلك ومضى عليه الخباز فسم الخبز فلما حضر الطعام قال الساقى لا تأكل أيها الملك فإن الخبز مسموم وقال الخباز لا تشرب أيها الملك فإن الشراب مسموم فقال الملك للساقى اشربه فشربه فلم يضره وقال للخباز كله فأبى فجرب بدابة فهلكت فأمر بحبسهما فانفق أن أدخلاه معه وتأخير الفاعل عن المفعول لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ليتمكن عند النفس حين وروده عليها فضل تمكن ونظيره تقديم الظرف على المفعول الصريح فى قوله تعالى {أية : فأوجَسَ فى نفسه خِيفة} تفسير : [طه: 67] وتأخير السجن عن الظرف لإيهام العكس أن يكون الظرف خبراً مقدما على المبتدأ وتكون الجملة حالا من فاعل دخل فتأمل {قَالَ أَحَدُهُمَآ} استئناف مبنى على سؤال من يقول ما صنعا بعد ما دخلا معه السجن فأجيب بأنه قال أحدهما وهو الشرابى {إِنِّيۤ أَرَانِيۤ} أى رأيتنى والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة الماضية {أَعْصِرُ خَمْراً} أى عنباً سماه بما يؤول إليه لكونه المقصود من العصر وقيل الخبر بلغة عمان اسم للعنب وفى قراءة ابن مسعود رضى الله عنه أعصر عنباً {وَقَالَ ٱلآخَرُ} وهو الخباز {إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً} تأخير المفعول عن الظرف لما مر آنفاً وقوله { تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ} أى تنهس منه صفة للخبز أو استئناف مبنى على السؤال {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} بتأويل ما ذكر من الرؤ بين أو ما رئى بإجراء الضمير مجرى ذلك بطريق الاستعارة فإن اسم الإشارة يشار به إلى متعدد كما فى قوله شعر : فيها خطوط من سواد وبلق كأنه فى الجلد توليع البهق تفسير : أي كائن ذلك والسر فى المصير إلى إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة مع أنه لا حاجة إليه بعد تأويل المرجع بما ذكر أو بما رئى أن الضمير إنما يتعرض لنفس المرجع من حيث هو من غير تعرض لحال من أحواله فلا يتسنى تأويله بأحد الاعتبارين إلا بإجرائه مجرى اسم الإشارة الذى يدل على المشار إليه بالاعتبار الذى جرى عليه فى الكلام فتأمل هذا إذا قالاه معاً أو قاله أحدهما من جهتهما ليتعدد المرجع بل عبارة كل منهما نبئنى بتأويله مستفسراً لما رآه وصيغة المتكلم مع الغير واقعة فى الحكاية دون المحكى على طريقة قوله عز وجل {أية : يَأيُّها الرُّسل كُلُوا من الطيبات} تفسير : [المؤمنون: 51] فإنَّهم لم يخاطبوا بذلك دفعة بل خوطب كل منهم فى زمانه بصيغة مفردة خاصة به {إِنَّا نَرَاكَ} تعليل لعرض رؤياهما عليه واستفسارها منه عليه السلام {مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} من الذين يحيدون عبارة الرؤيا لما رأياه يقص عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤو لها له تأويلا حسناً أو من العلماء لما سمعاه يذكر للناس ما يدل على علمه وفضله أو من المحسنين إلى أهل السجن أى فأحسن إلينا بكشف غمتنا إن كنت قادراً على ذلك. روى أنه عليه السلام كان إذا مرض منهم رجل قام عليه وإذا ضاق مكانه أوسع له وإذا احتاج جمع له وعن قتادة رضى الله عنه كان فى السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول أبشروا واصبروا تؤجروا فقالوا بارك الله عليك ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك لقد بورك لنا فى جوارك فمن أنت يا فتى فقال أنا يوسف بن صفى الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل الله إبراهيم فقال له عامل السجن لو استطعت خليت سبيلك ولكنى أحسن جوارك فكن فى أى بيوت السجن شئت. وعن الشعبي أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي أراني فى بستان فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها فى كأس الملك وسقيته وقال الخباز إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة وإذا سباع الطير تنهس منها.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانَ}[36] قال: إنما قال الله تعالى: "فتيان" لأنهما لم يتجاوز واحدهما في الدعوى، ورجعا في كل ما كان لهما إلى صاحبهما، فسماهما فتيان.
القشيري
تفسير : لصحبة السجن أثرٌ يظهر ولو بعد حين؛ فإنَّ يوسف عليه السلام لمَّا قال لصاحبه اذكرني عند ربك فأنساه الشيطانُ ذكر ربِّه فبقي يوسف في السجن زماناً، ثم إن خلاصه كان على لسانه حيث قال: فأَرْسِلوا إلى يوسف وقيل له: {أية : يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا}تفسير : الآية [يوسف: 46] فالصحبة تُعْطى بَرَكَاتِها وإن كانت تُبْطِي. قوله: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}: الشهادة بالإحسان للمحسن ذريعةٌ، بها يَتَوسُّلُ إلى استجلاب إحسانه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} اى ممن يعفوا عمن ظلمه وايضا اى من الشاهدين الملكوت والمكاشفين لهم انوار الجبروت وايضا اى من العالمين لحل مشكلات الغيوب وعجائبات القلوب وايضا من العارفين بدقائق الاحوال وحقائق الاعمال قال ابن عطا من المائلين الى الفقراء بالاحسان اليهم والقعود معهم والانس بهم وقال ابو بكر بن طاهر اذا نراك من المحسنين لا ترد عذر معتذر وقال بعضهم انا نراك من المحسنين الى من اساء اليك وهو من شرائط الايمان وقال بعضهم اى العالمين يعلم الرؤيا وقال ابو بكر الوراق الراجعين الى الله فى النوايب والمحن وقال يوسف بن الحسين التاركين حظك لحظوظ اخواتك وقا لجنيد العارفين بحقائق الامور.
اسماعيل حقي
تفسير : {ودخل معه السجن فتيان} اى دخل يوسف السجن واتفق ان ادخل حينئذ آخران من عبيد الملك الاكبر وهو ريان بن الوليد احداهما شرابيه واسمه ابروها اويونا والآخر خبازه واسمه غالب او مخلب -روى- ان جماعة من اهل مصر ضمنوا لهما مالا ليسما الملك فى طعامه وشرابه فاجاباهم الى ذلك ثم ان الساقى نكل عن ذلك ومضى عليه الخباز فسم الخبز فلما حضر الطعام قال الساقى لا تأكل ايها الملك فان الخبز مسموم فلم يضره وقال للخباز كله فابى فجربه بدابة فهلكت فامر بحبسهما فاتفق ان دخلاه معه وكأنه قيل ماذا صنعا بعد ما دخلا معه السجن فاجيب بان {قال احدهما} وهو الشرابى {انى ارانى} فى المنام كأنى فى بستان فاذا انا باصل حبلة حسنة فيها ثلاثة اغصان عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكان كأس الملك بيدى فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه وذلك قوله تعالى {اعصر خمرا} اى عنبا سماه بما يؤول اليه لكونه المقصود من العصر {وقال الآخر} وهو الخباز {انى ارانى} كأنى فى مطبخ الملك {احمل فوق رأسى خبزا} فوق بمعنى على اى على رأسه ومثله {أية : فاضربوا فوق الاعناق} تفسير : كما فى التبيان ثم وصف الخبز بقوله {تأكل الطير منه} يعنى كأن فوق رأسى ثلاث سلال فيها خبز والوان الاطعمة وارى سباع الطير يأكلن من السلة العليا. واختلف فى انهما هل رأيا رؤيا ولم يريا شيئا فتحا لما اختبارا ليوسف لانه لما دخل السجن قال لاهله انى اعبر الاحلام ورأى احدهما وهو الناجى وكذب الآخر وهو المطلوب {نبئنا بتأويله} اى اخبرنا بتفسير ما ذكر من الرؤيين وما يؤول اليه امرهما وعبارة كل واحد منهما نبئنى بتأويله مستفسرا لما رآه مستفسرا لما رآه وصيغة المتكلم مع الغير واقعة فى الحكاية دون المحكى على طريقة قوله تعالى {أية : يا ايها الرسل كلوا من الطيبات} تفسير : فانهم لم يخاطبوا بذلك دفعة بل خوطب كل منهم فى زمانه بصيغة مفردة خاصة به {انا نريك} يجوز ان يكون من الرؤية بالعين وان يكون من الرؤية بالقلب كما فى بحر العلوم {من المحسنين} الذين يجيدون عبارة الرؤيا لما رأياه يقص عليه بعض اهل السجن رؤياه فيؤولها له تأويلا حسنا ويقع الامر على ما عبر به او من المحسنين الى اهل السجن اى فاحسن الينا بكشف غمتنا ان كنت قادرا على ذلك كما قال المولى الجامى شعر : جو زندان بركرفتاران زندان شد از ديدار يوسف باغ خندان همه از مقدم اوشاد كشتند زبند دردورنج آزاد كشتند بكردن غلشان شد طوق اقبال بيا زنجير شان فرخنده خلخال اكر زندانئ بيمار كشتى اسير محنت وتيمار كشتى كمر بستى بى بيمار داريش خلاصى دادى از تيمار داريش اكر جابر كرفتارى شدى تنك سوى تدبير كارش كردى آهنك كشاده روشدى اورا دوا جوى زتنكى دركشاد آورديش روى وكر بر مفلسى عشرت شدى تلخ زنا دارى نموده غره اش سلخ ززرداران كليد زركرفتى زعيشش قفل تنكى بر كرفتى وكر خوابى بديدى تنك بختى بكر داب بلا افتاده رختى شنيدى ازلبش تعبير آن خواب بخشكى آمدى رختش زكرداب تفسير : وكان فى السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول ابشروا واصبروا تؤجروا شعر : صبورى مايه اميدت آرد صبورى دولت جاويدت آرد تفسير : فقالوا بارك الله عليك ما احسن وجهك وما احسن خلقك لقد بورك لنا فى جوارك فمن انت يا فتى قال انا يوسف ابن صفى الله يعقوب ابن ذبيح الله اسحاق ابن خليل الله ابراهيم عليهم السلام فقال له عامل السجن لو استطعت خليت سبيلك ولكنى احسن جوارك فكن فى اى بيوت السجن شئت -وروى- ان الفتيين قالا له انا لنحبك من حين رأيناك فقال انشد كما بالله ان لا تحبانى فوالله ما احبنى احد قط الا دخل علىّ من حبه بلاء لقد احبتنى عمتى فدخل علىّ من حبها بلاء ثم احبنى ابى فدخل على من حبه بلاء ثم احبنى زوجة صاحبى فدخل علىّ من حبها بلاء فلا تحبانى بارك الله فيكما. قال بعضهم ابتلى يوسف بالعبودية والسجن ليرحم المماليك والمسجونين اذا صار خليفة وملكا فى الارض وابتلى بجفاء الاقارب والحساد ليعتاد الاحتمال من القريب والبيد وابتلى بالغربة ليرحم الغرباء وفى الخبر "حديث : يجاء بالعبد يوم القيامة فيقال له ما منعك ان تكون عبدتنى فيقول ابتليتنى فجعلت على اربابا فشغلونى فيجاء بيوسف عليه السلام فى عبوديته فيقال انت اشد ام هذا فيقول بل هذا فيقال لم لم يمنعه ذلك ان عبدنى ويجاء بالغنى فيقال ما منعك ان تكون عبدتنى فيقول يارب كثر لى من المال فيذكر ما ابتلى به فيجاء بسليمان عليه السلام فيقال ءانت اغنى ام هذا فيقول بل هذا فيقول لم لم يمنعه ذلك ان عبدنى ويجاء بالمريض فيقال له ما منعك ان تعبدنى فيقول رب ابتليتنى فيجاء بايوب عليه السلام فيقال ءانت اشد ضرا وبلاء ام هذا فيقول بل هذا فيقال لم لم يمنعه ذلك ان عبدنى ويجاء بيائس من رحمة الله بسبب عصيانه فيقال لم يئست من رحمتى فيقول لكثرة عصيانى فيجاء بفرعون فيقال ءانت كنت اكثر عصيانا ام هذا فيقول بل هذا فيقال له ما هو يائس من الرحمة التى وسعت كل شيء" تفسير : حيث اجرى كلمة التوحيد على لسانه عند الغرق. فيوسف حجة على من ابتلى بالرق والعبودية اذا قصر فى حق الله تعالى. وسليمان حجة على الملوك والاغنياء. وايوب حجة على اهل البلاء. وفرعون حجة على اهل اليأس نعوذ برب الناس اى بالنسبة الى ظاهر الحال عند الغرق وان كان كافرا فى الحقيقة باجماع العلماء وليس ما جرى على الانبياء والاولياء من المحن والبلايا عقوبات لهم بل هى تحف وهدايا وفى الحديث "حديث : اذا احب الله عبدا صب عليه البلاء صبا" شعر : جاميا دل بغم ودردنه اندرره عشق كه نشد مردره آنكس كه نه اين درد كشيد تفسير : والاشارة انه لما دخل يوسف القلب سجن الشريعة ودخل معه السجن فتيان وهما ساقى النفس وخباز البدن غلامان لملك الروح احدهما صاحب شرابه والآخر صاحب طعامه فالنفس صاحب شرابه تهيئ لملك الروح ما يصلح له شربه منه فان الروح العلوى الاخروى لا يعمل عملا فى السفلى البدنى الا بشرب يشربه النفس والبدن صاحب طعامه الذى يهيئ من الاعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح والروح لا يبقى الا بغذاء روحانى باق كما ان الجسم لا يبقى الا بغذاء جسمانى وانما حبسا فى سجن الشريعة لانهما مهتمان بان يجعلا السم فى شراب ملك الروح وطعامه فيهلكاه وهو سم الهوى والمعصية فااذ كانا محبوسين فى سجن الشريعة امن ملك الروح من شرهما والنفس والبدن كلاهما دنيوى واهل الدنيا نيام فاذا ماتوا انتبهوا وكل عمل يعمله اهل الدنيا هو بمثابة الرؤيا التى يراها النائم فاذا انتبه بالموت يكون لها تأويل يظهر لها فى الآخرة ويوسف القلب بتأويل مقامات اهل الدنيا عالم لانه من المحسنين اى الذين يعبدون الله على الرؤية والمشاهدة بقلوب حاضرة عند مولاهم وجوه ناضرة الى ربها ناظرة وكل حكم صدر من تلك الحضرة فهم شاهدوه فى الغيب كما قبل نزوله الى عالم الغيب فكسته القوة المتخيلة عند عبوره عليها كسوة خيالية تناسب معناه فصاحب الرؤيا ان كان عالما بلسان الخيال يعبره ولا يعرضه على المعبر ليكون ترجمانا له فيترجم له بلسان الخيال فيخبره عن الحكم الصادر من الحضرة الالهية فلهذا كانت الرؤيا الصالحة جزأ من اجزاء النبوة لانها فرع من الوحى الصادر من الله وتأويل الرؤيا جزء ايضا من أجزاء النبوة لانه علم لدنى يعلمه الله من يشاء من عباده
الطوسي
تفسير : وفي الآية تقدير فسجن يوسف، ودخل معه فتيان يعني شابّان. والفتى الشاب القوي قال الشاعر: شعر : ياعزّ هل لك في شيخ فتى ابداً وقد يكون شباب غير فتيان تفسير : وقال الزجاج: كانوا يسمون المملوك فتى، شيخاً كان او شاباً. والفتيان قال السدي وقتادة: كانا غلامي ملك مصر الأكبر أحدهما صاحب شرابه والآخر صاحب طعامه، فنمي اليه ان صاحب طعامه يريد ان يسمَّه. وظن ان الآخر ساعده ومالأه على ذلك. وقوله {قال أحدهما} يعني احد الفتيين ليوسف: {إني أراني أعصر خمراً} من رؤيا المنام، والخمر عصير العنب اذا كان فيه الشدة والتقدير اعصر العنب للخمر، وقال الضحاك: هي لغة، تسمي العنب خمراً ذكر جماعة انها لغة عمان. وقال الزجاج: تقديره عنب الخمر. وقوله {وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً} فالحمل رفع الشيء بعماد، يقال: حمل يحمل حملا، واحتمل احتمالاً، وتحمَّل تحمُّلاً، وحمَّله تحميلا. و (الخبز) معروف {تأكل الطير منه} وقوله {نبِّئنا بتأويله} اي اخبرنا بتأويل رؤيانا {إنَّا نراك من المحسنين} معناه انَّا نعلمك او نظنك ممن يعرف تأويل الرؤيا. ومن ذلك قول علي (ع) (قيمة كل ما يحسنه) اي ما يعرفه. والاحسان النفع الواصل الى الغير اذا وقع على وجه يستحق به الحمد واذا اختصرت فقلت هو النفع الذي يستحق عليه الحمد جاز، لان ما يفعله الانسان لايسمى احساناً. وقيل انه كان يداوي مريضهم ويعزّي حزينهم ويجتهد في عبادة ربه. وقال الزجاج: كان يعين المظلوم وينصر الضعيف ويعود المريض. وقيل {من المحسنين} في عبارة الرؤيا، لانه كان يعبَّر لغيرهم، فيحسن. ذكره الجبائي.
الجنابذي
تفسير : {وَدَخَلَ} اُدخل {مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانَ} كانا عبدين للملك احدهما كان خبّازه والآخر صاحب شرابه واستعمال الفتى والفتاة فى العبيد والاماء غالب فى عرفهم وقيل: انّه لمّا ادخل السّجن استدعى من السّجّان ان ينزله تحت شجرة يابسة كانت فى وسط السّجن فآواه هناك فتوضّأ (ع) تحتها وصلّى فأصبحت الشّجرة مخضرّة، وكان ينصح اهل السّجن ويسلّيهم ويعظهم ويتعاهدهم كلّ صباح ومساء فعرفوه بالصّلاح واحبّوه وكان يبثّ كلّ شكواه اليه ورأى فى المنام صاحباه ما قصّ الله تعالى فاتيا {قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً} اى عصيراً او عنباً، واطلاق الخمر للاشارة الى انّه يعصره للخمر او المراد انّى اعصر الخمر عن درديّها واصفّيها {وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً} جفنةً فيها خبز {تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} ورد عن الصّادق (ع) انّه لمّا امر الملك بحبس يوسف (ع) فى السّجن الهمه الله تعالى علم تأويل الرّؤيا فكان يعبّر لاهل السّجن رؤياهم وانّ فتيين ادخلا معه السّجن يوم حبسه فباتا فأصبحا فقالا: انّا رأينا رؤيا فعبّرها لنا فقال: وما رأيتما؟ فقصّا {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} من صاحبى السّجن او ممّن يحسن الى جلسائه ومعاشريه لانّه كان يقوم على المريض ويلتمس للمحتاج ويوسّع فى المجلس على جلسائه او ممّن يحسن تعبير الرّؤيا لانّه كان يعبّر لاهل السّجن ويوافق تعبيره الواقع.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ودخل معه السجن فتيان} وفيه إضمار رأي دخل يوسف السجن ودخل معه فتيان {قال أحدهما إني أراني} يعني في المنام {أعصر خمراً} يعني عنباً {نبئنا بتأويله} أي أخبرنا تأويله وما يؤل اليه أمر هذه الرؤيا {إنا نراك من المحسنين} من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، وروي أنه كان إذا مرض رجل منهم أدام عليه، وإذا ضاق أوسع عليه، وإذا احتاج جمع له، قوله تعالى: {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} وهو الاخبار بالغيب ويقول اليوم: {يأتيكما} طعام من صفته كيت وكيت فيجدونه كما أخبرهما، وجعل ذلك تخلصاً الى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض لهما الايمان ويزينه ويقبح لهما الشرك بالله {ذلكما مما علمني ربي} يعني ذلك التأويل والاخبار بالغيب {مما علمني ربي} أوحى إليّ {إني تركت} أي رغبت وليس المعنى أنه كان معطاه فتركه {واتبعت ملة آبائي ابراهيم واسحاق ويعقوب} الآية يعني {ذلك} التوحيد {من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} أي على الرسل وعلى المرسل إليهم لا ينهوهم عليه وأرشدوهم اليه ولكن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة، قوله تعالى: {يا صاحبي السجن} سمّاهما بذلك لأنهما في السجن {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} يعني عبادة واحد حي قادر أم عبادة أحجار وخشب لا تقدر ولا تحيي والقهار القادر الذي لا يمتنع عليه شيء {ما تعبدون من دونه} خطاب لهما ولمن كان على دينهما من أهل مصر {إلاَّ أسماء سميتموها} يعني أنتم سميتم ما لم تستحق الإِلهيَّة آلهة، وتسميتكم الأوثان آلهة لا تصح وهذه التسمية صدرت منكم ومن آبائكم ولا حقيقة لها {ما أنزل الله بها من سلطان} أي حجة {إن الحكم إلاَّ لله} أي الحكم على العباد في الأمر والنهي وقد أمركم {أن لا تعبدوا إلاَّ إيَّاه ذلك} يعني التوحيد والعدل وعبادة الله لا غيره {الدين القيم} المستقيم {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} لجهلهم ثم عبر رؤياهما فقال: {يا صاحبي السجن اما أحدكما فيسقي ربه خمراً}، قيل: للساقي تقف في السجن ثلاثة أيام ثم يخرجك الملك وتعود إلى ما كنت عليه، ومعنى ربه أي مالكه وسيده لأنه كان عبده، قوله تعالى: {وأما الآخر} وهو صاحب الطعام {فيصلب فتأكل الطير من رأسه}، وقيل: الذي أخبره بالصلب قال: ما رأيت شيئاً قال يوسف: {قضي الأمر} وروي أنهما قالا ما رأينا شيئاً فقال يوسف (عليه السلام): {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} يعني فرغ من الأمر الذي تسألان وتطلبان معرفته، نزل بكما ما قلتُ، وقيل: وقع الأمر، وإنما قاله عن وحي {وقال للذي ظنَّ أنه ناج منهما} الظان هو يوسف (عليه السلام)، وقيل: الظن يرجع الى الناجي، ومعنى ناج أي يتخلص من السجن {اذكرني عند ربك} أي اذكر صفتي عند الملك وقصّ عليه قصّتي لعله يرحمني {فأنساه الشيطان ذكر ربه} يعني أنسى الشيطان يوسف ذكر الله في تلك الحال فاستغاث بالمخلوف، وقيل: أنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف عند الملك فلم يذكره {فلبث في السجن} أي مكث وبقي فيه {بضع سنين}، قيل: اثني عشر سنة، وقيل: سبع سنين، وقيل: قبلها خمس وبعدها سبع سنين، وعن الحسن: أنه كان يبكي إذا قرأها ويقول: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس، ثم بيَّن تعالى أنه لما قرب الفرج ليوسف (عليه السلام) رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هائلة.
اطفيش
تفسير : {ودَخَل مَعَه السِّجْن} خادمان للملك، قال بعض: هما عبدان له غير حرين، اتفق دخولهما ودخول يوسف بوقت واحد، كما تدل عليه لفظة مع، فإنها للصحبة، وقد تستعمل بمعنى جميع، والغالب دخولها على الفاضل كما هنا، وكما فى قولك: جاء الجند مع الأمير، وتدخل مع المفضول. والفتيان: صاحب شراب الملك، وصاحب طعامه، سمع الملك أنهما يريدان أن يسماه فسجنهما وهو الملك الأكبر ريان بن الوليد العملقى، واسم صاحب الشراب: بنوى، واسم صاحب الطعام: مجلة، وذلك أن جماعة من أهل مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله، فأتوهما وضمنوا لهما مالا على أن يسماه فى طعامه وشرابه، فأجابوا إلى ذلك، ثم ندم الساقى، وقبل صاحب الطعام الرشوة، فسم الطعام، فلما حضر وقت الطعام قال الساقى: أيها الملك لا تأكل الطعام فإنه مسموم، وقال الخباز: أيها الملك لا تشرب فإن الشراب مسموم، وكان لم يلق فى الشراب [سم]. وروى أنه جعله بين أصبعيه ليلقيه فندم، فطرحه فى غير الماء، فقال الملك للساقى: اشرب فشرب فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك فأبى فجرب ذلك الطعام فى دابة فهلكت من حينها. ورواية السدى: أن الملك اتهمهما بأن الخباز منهما أراد أن يسمه ووافقه الساقى فسجنهما، قال فى زهر الأكمام: إن قوما من أهل مدين ضموا لهما مالا على أن يسماه فقبلا، وانتهى خبرهما إلى الملك، وكان الساقى فطنا كيسا، راجع عقله وقال: لا أعجل بإلقاء السم فلعل الملك قد يسمع فيأمرنى أن أشرب، فإن لم أشرب افتضحت، وإن شربت مت، فجعل السم بين ظفرين من أظافره، وقال: إن بلغه ذلك وأمرنى أن أشربه شربت، وإن لم يبلغه وأمرنى أن أناوله شرابه جعلت السم فيه. وأما صاحب الطعام فلم يدبر شيئا فألقى فيه السم، فلما قدم الساقى الشراب قال له: اشرب فشرب، ورمى السم من يده، ولما قدم الخباز طعامه المسموم قال له: كل ما قدمت إلى، فتغير لونه واضطربت مفاصله، واصطكت ركبتاه، وامتنع أن يأكل، فدعا الملك بسنور وأمر بتقديم الطعام إليه فأكله فهوى من ساعته، وانتفخ وانتثر، وتحقق الملك خيانته، وارتاب فى صاحب الشراب فسجنهما معا ليرى رأيه فيهما. {قالَ} ليوسف بعد استقرارهما فى السجن {أحدُهُما} وهو ساقيه {إنِّى} وسكن الياء غير نافع وأبى عمرو {أرانى} سكنها غيرهما وغير ابن كثير، أى أرى نفسى فى المنام، والرؤيا الحلمية يجوز أن تعمل فى ضميرين متصلين مرجعهما واحد كالرؤية العلمية والظنية، وقد عملت الحلمية هنا فى الضمير المستتر وفى الياء. {أعْصِرُ خَمراً} أى أعصر عنبا وسماه خمرا، لأنه يئول بعد العصر خمرا، فهو مجاز مرسل، وعلاقته الأول وهذا هو المشهور فى كتب المعانى والبيان وغيرها، ويجوز أن يكون أعصر مضمنا معنى أستخرج، فالتجوز على هذا فى أعصر لا فى خمرا، وقيل ذلك بلغة أزد عمان، وكانوا يسمون العنب خمرا، وعليه فلا مجاز، وقرأ ابن مسعود أعصر عنبا، ويحتمل أن تكون قراءة تفسير، والمضارعان فى أرانى أعصر خمرا حكاية حال ماضية، كان الساقى حال إخباره يوسف بذلك ملبس بالرؤيا والعصر للخمر. روى أن الساقى قال: رأيت كأنى فى بستان فيه أصل شجرة عنب فيها ثلاثة قضبان فى كل قضيب عنقود، وكان كأس الملك فى يدى، فجنيت العناقيد فعصرتهن فى الكأس، فسقيت الملك فشرب. وفى رواية رأيت كأن الملك دعانى وردنى لقصره، فبينما أنا أدور فى القصر إذا بثلاثة عناقيد عنب فعصرتها، فجعلتها فى كأس لأسقى الملك، وفى رواية أنه استيقظ فرحا وقال: إنى رأيت فى منامى كأن بين يدى ثلاث طسوس من ذهب فى طبق، فى كل طست ثلاثة أصول من الكرم، وعلى كل أصل ثلاثة عناقيد من العنب، فأخذت العناقيد وعصرتها خمرا، وسقيت الملك. {وقال} ليوسف أيضا {الآخرُ} وهو صاحب طعام الملك {إنِيِّ أرانى} فى الياءين ما مر {أحْملُ فَوقَ رأسى خبزاً تأكلُ الطَّيْر منْهُ} نهشا بأفواهها، وهكذا أكل الطير فى الكشاف: رأيت أن فوق رأسى ثلاث سلال فيها ألوان أطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها ا هـ. ولم يذكر الله فى الآية إلا الخبز، ولكن لم يذكر بصيغة حصر، فإن صح أن مع الخبز سواه لم يناف الآية، وفى رواية: رأيت كأن المك أخرجنى ودفع إلىَّ طيفورة عليها خبز فوضعتها فوق رأسى، والطير تأتى وتأكل منها. وفى رواية كأنى خرجت من مطبخة الملك، وعلى رأسى ثلاث سلال من خبز، فأكل الطير من أعلاها، وفى رواية كأن فوق رأسى ثلاثة تنانير من حديد، مضرمة بنار، فخبزت خبزا كثيرا، وملأت منه ثلاث سلات وحملتهن على رأسى، وكانت السلة العليا مكشوفة، والطير تسقط عليها من الهوى فتأكل منها. أما الساقى فرأى تحقيقا، وأما الخباز فلم ير شيئا، ولكنه ابتدع الرؤيا المذكورة، وقيل كلاهما رأيا تحقيقا، وعن ابن مسعود ما رأى أحدهما شيئا، ولكنهما تحالما أى ادعيا رؤية المنام، وقال: تعال نجربه، وذلك أنه أخبرهم أنى عالم بتأويل الرؤيا. وروى أنهما رآهما مهمومَيْن فسألهما فذكرا أنهما غلامان الملك حبسهما، وأنهما رأيا رؤيا. {نبِّئْنا} أخبرنا {بتَأويلِهِ} أى بتعبير ما رأينا إن كنت تعرفه {إنَّا نَراكَ من المحْسِينينَ} إلى أهل السجن بالإقامة على مريضهم، ومداواة الجريح، والتوسيع لمن ضيق عليه فى المكان، ومواساة من احتاج من وظيفته، وبالجمع له، وتصبير المحزون. وكان فى السجن ناس أنقطع رجاؤهم، وطال حزنهم، فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجروا، إن لهذا لأجراً، فقالوا: بارك الله عليك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، لقد بورك لنا فى جوارك فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف، ابن صفى الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحاق، ابن خليل الله إبراهيم، قال الفتيان: أحسن إلينا بتأويل ما رأينا، بماتفرج به الغمة. ومع ذلك الإحسان، كان يقوم الليل كله بالصلاة، ويصوم النهار، ويجتهد فى العبادة، وذلك قول الضحاك وقتادة، وقيل: المعنى إنا نراك من الذين يحسنون تعبير الرؤيا، وكانا قد رأياه يجيد تعبيرها إذا قصها عليه بعض أهل السجن، وقيل: إنا نراك من العلماء، لأنهما سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم، وهذا قول الجمهور. وروى أن الفتيين قالا له: إنا قد أحببناك مذ رأيناك، فقال: أنشدكما بالله لا تحابنى، فوالله ما أحبنى أحد إلا دخل علىَّ من حبه بلاء، لقد أحبتنى عمتى فدخل علىَّ من ذلك بلاء، وأحبنى أبى فألقيت فى الجب، وأحبتنى امرأة العزيز فحبست، فلا تحبانى بارك الله فيكما. وقال له عامل السجن: لو استطعت لخليت سبيلك، ولكن أحسن جوارك، فكن فى أى بيوت السجن شئت، وقال: لقد أحببتك حبا شديدا، فقال له: لا تفعل، فإنى أعوذ بالله من حبك، قال: ولم ذلك؟ قال: أحبنى أبى ففعل بى إخوتى ما فعلوا، وأحبتنى سيدتى فكان من أمرى ما ترى.
الالوسي
تفسير : {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَان} غلامان كانا للملك الأكبر الريان بن الوليد أحدهما خبازه وصاحب طعامه والآخر ساقيه وصاحب شرابه، وكان قد غضب عليهما الملك بسبب أن جماعة من أشراف مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله فضمنوا لهما مالاً على أن يسماه في طعامه وشرابه فأجابا إلى ذلك ثم إن الساقي ندم فرجع عن ذلك وقبل الخباز الرشوة وسم الطعام فلما حضر بين يدي الملك قال الساقي: لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم، وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم، فقال للساقي: اشربه فشربه فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك لدابة فهلكت فأمر الملك بحبسهما فاتفق أن أدخلا معه السجن، ولعله إنما عبر - بدخل - الظاهر في كون الدخول / بالاختيار مع أنه لم يكن كذلك للإشارة على ما قيل: إلى أنهما لما رأيا يوسف هان عليهما أمر السجن لما وقع في قلوبهما من محبته: شعر : وهوى كل نفس حيث حل حبيبها تفسير : فقد أخرج غير واحد عن ابن إسحاق أنهما لما رأياه قالا له: يا فتى لقد والله أحببناك حين رأيناك، فقال لهما عليه السلام: أنشدكما الله تعالى أن لا تحباني فوالله ما أحبني أحد قط الا دخل عليَّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليَّ من حبها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل عليَّ من حبه بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل عليَّ بحبها إياي بلاء فلا تحباني بارك الله تعالى فيكما فأبيا إلا حبه والله حيث كان. وقيل: عبر بذلك لما أن ذكر {معه} يفيد اتصافه عليه السلام بما ينسب إليهما، والمناسب في حقه نسبة الدخول لمكان قوله عليه السلام: { أية : رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ } تفسير : [يوسف: 33] لا الادخال المفيد لسلب الاختيار، ولو عبر بأدخل لأفاد ذلك نسبة الإدخال إليه فلم يكن بدّ من التعبير بالدخول ترجيحاً لجانبه عليه السلام. والظاهر أن - مع - تدل على الصحبة والمقارنة لفاعل الفعل في ابتداء تلبسه بالفعل، فتفيد أن دخولهما مصاحبين له وأنهم سجنوا الثلاثة في ساعة واحدة، وتعقب بأن هذا منتقض بقوله سبحانه:{ أية : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ } تفسير : [النمل: 44] حكاية عن بلقيس إذ ليس إسلامها مقارناً لابتداء إسلام سليمان عليه السلام، وأجيب بأن الحمل على المجاز هنالك للصارف ولا صارف فيما نحن فيه فيحمل على الحقيقة، ويشهد لذلك ما ذكره الزمخشري في قوله سبحانه: { أية : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ }تفسير : [الصافات: 102] من أنه بيان متعلق بمحذوف لتعذر التعلق - ببلغ - أو السعي معنى أو لفظاً. وقال صاحب "الكشف": إنه لا يتعين المحكي عنها لمعية الفاعل فجاز أن يراد أسلمت لله ولرسوله مثلاً، وتقديم مع للإشعار بأنها كانت تظنّ أنها على دين قبل وأنها كانت مسلمة فيما كانت تعبد من الشمس فدل على أنه إسلام يعتدّ به من أثر متابعة نبيه لا إسلام كالأول فاسد، وهذا معنى صحيح حمل الآية عليه أولى، وإن حمل على معية الفاعل لم يكن بدّ من محذوف نحو مع بلوغ دعوته وإظهار معجزته لأن فرق ما بين المعية ومطلق الجمع معلوم بالضرورة اهـ. وفرق بعضهم بين الفعل الممتدّ كالإسلام وغيره كالدخول بأن الأول لا يقتضي مقارنتهما في ابتدائه بخلاف الثاني، وهو على ما قيل: راجع إلى الجمع وليس من المعية في شيء على أنه حينئذ لا يحتاج إلى تأويل في آية { أية : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ } تفسير : [الصافات: 102] واختير أن المقارنة هي الأصل ولا يعدل عنها ما أمكنت فتأمل. وتأخير الفاعل عن المفعول لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ليتمكن عند النفس حين وروده فضل تمكن، ولعل تقديم الظرف على السجن لأن الاهتمام بأمر المعية أشدّ من الاهتمام بأمره لما أنها المنشأ لما كان، وقيل: إنما قدم لأن تأخيره يوهم أن يكون خبراً مقدماً على المبتدأ، وتكون الجملة حالاً من فاعل - دخل - وتعقب بأن حاصل التركيب الأول مصاحبة الفتيين له عند دخولهما، وحاصل الثاني مصاحبة الفتيين له عند دخوله، ويؤول الأمران إلى دخولهما ودخوله متصاحبين فافهم. والجملة على ما قيل: معطوف على محذوف ينساق إليه الذهن كأنه قيل: فلما بدا لهم ذلك سجنوه ودخل معه الخ. وقرأ {السجن} بفتح السين على معنى موضع السجن. {قَالَ} استئناف مبني على سؤال من يقول: ما صنعا بعدما دخلا؟ فأجيب بأنه قال {أَحَدُهُمَا} وهو الشرابي واسمه بنو {إنِّي أَرَاني} أي رأيتني في المنام والتعبير بالمضارع لاستحضار الصور الماضية {أَعْصِر خَمْراً} أي عنباً. روي أنه قال: رأيت حبلة / من كرم حسنة لها ثلاثة أغصان فيها عناقيد عنب فكنت أعصرها وأسقي الملك. وسماه بما يؤول إلى الخمر وكون الذي يؤول إليه ماؤه لا جرمه لا يضر لأنه المقصود منه فما عداه غير منظور إليه فليس فيه تجوزان بالنظر إلى المتعارف فيه. وقيل: الخمر بلغة غسان اسم للعنب، وقيل: في لغة أزدعمان. وقرأ أبيّ وعبد الله - أعصر عنباً - قال في "البحر": وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير لمخالفته لسواد المصحف والثابت عنهما بالتواتر قراءتهما {أعصر خمراً} انتهى، وقد أخرج القراءة كذلك عن الثاني البخاري في "تاريخه" وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق، وذكروا أنه قال: والله لقد أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا فافهم. وقال ابن عطية ((يجوز أن يكون وصف الخمر بأنها معصورة لأن العصر من أجلها)) فليس ذلك من مجاز الأول، والمشهور أنه منه كما قال الفراء: مؤنثة وربما ذكرت، وعن السجستاني أنه سمع التذكير ممن يوثق به من الفصحاء. ورأى الحلمية جرت مجرى أفعال القلوب في جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متحدي المعنى، ولا يجوز ذلك في غير ما ذكر، فلا يقال: أضربني ولا أكرمني، وحاصله أرى نفسي أعصر خمراً. {وَقَالَ الآخَرُ} وهو الخباز واسمه مجلث {إنّي أَراني أَحْملُ فَوْقَ رَأْسي خُبْزاً}، وفي مصحف ابن مسعود - ثريداً. {تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} وهذا كما قيل أيضاً: تفسير لا قراءة، روي أنه قال: رأيت أني أخرج من مطبخة الملك وعلى رأسي ثلاث سلال فيها خبز والطير تأكل من أعلاه. والخبز معروف، وجمعه أخباز وهو مفعول (أحمل) والظرف متعلق - بأحمل - وتأخيره عنه لما مرّ، وقيل: متعلق بمحذوف وقع حالاً منه، وجملة {تأكل} الخ صفة له أو استئناف مبني على السؤال {نَبِّئْنَا} أي أخبرنا {بتَأْويله} بتعبيره وما يؤول إليه أمره، والضمير للرؤيتين بتأويل ما ذكر أو ما رؤي وقد أجري الضمير مجرى ذلك بطريق الاستعارة فإن اسم الإشارة يشار به إلى متعدد كما مرت الإشارة إليه غير مرة؛ هذا إذا قالاه معاً أو قاله أحدهما من جهتهما معاً، وأما إذا قاله كل منهما إثر ما قص ما رآه فالمرجع غير متعدد ولا يمنع من هذا الاحتمال صيغة المتكلم مع الغير لاحتمال أن تكون واقعة في الحكاية دون المحكي على طريقة قوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } تفسير : [المؤمنون: 51] فإنهم لم يخاطبوا دفعة بل خوطب كل منهم في زمان بصيغة مفردة خاصة به. {إِنَّا نَرَاكَ} تعليل لعرض رؤياهما عليه واستفسارهما منه عليه السلام أي إنا نعتقدك {منَ الْمُحْسِنِينَ} اي من الذين يحسنون تأويل الرؤيا لما رأياه يقص عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤوّلها لهم تأويلاً حسناً، وكان عليه السلام حين دخل السجن قد قال: إني أعبر الرؤيا وأجيد / أو من العلماء كما في قول علي كرم الله تعالى وجهه: قيمة كل امرئ ما يحسنه وذلك لما سمعاه يذكر للناس ما يدل على علمه وفضله. أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن قتادة قال: لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوماً قد انقطع رجاؤهم واشتد بلاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجروا إن لهذا لأجراً فقالوا: يا فتى بارك الله تعالى فيك ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وخلقك لقد بورك لنا في جوارك ما نحب أنا كنا في غير هذا منذ جئتنا لما تخبرنا من الأجر والكفارة والطهارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن صفي الله تعالى يعقوب ابن ذبيح الله تعالى إسحاق ابن خليل الله تعالى إبراهيم فقال له عامل السجن: يا فتى لو استطعت خليت سبيلك ولكن سأحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت، أو من المحسنين إلى أهل السجن أي فأحسن إلينا بكشف غمتنا إن كنت قادراً على ذلك، وإلى هذا ذهب الضحاك، أخرج سعيد بن منصور والبيهقي وغيرهما عنه أنه سئل ما كان إحسان يوسف؟ فقال: كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا ضاق عليه مكان أوسع له، وإذا احتاج جمع له.
ابن عاشور
تفسير : اتفق جميع القراء على كسر سين {السّجن} هنا بمعنى البيت الذي يسجن فيه، لأنّ الدخول لا يناسب أن يتعلق إلا بالمكان لا بالمصدر. وهذان الفتيان هما ساقي المَلك وخبّازُه غضب عليهما الملك فأمر بسجنهما. قيل: اتهما بتسميم الملك في الشراب والطعام. وجملة {قال أحدهما} ابتداء محاورة، كما دل عليه فعل القول. وكان تعبير الرؤيا من فنون علمائهم فلذلك أيّد الله به يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بينهم. وهذان الفتيان توسّما من يوسف ـــ عليه السّلام ـــ كمال العقل والفهم فظنّا أنه يحسن تعبير الرؤيا ولم يكونا علِما منه ذلك من قبل، وقد صادفا الصواب، ولذلك قالا: {إنا نراك من المحسنين}، أي المحسنين التعبير، أو المحسنين الفهم. والإحسان: الإتقان، يقال: هو لا يحسن القراءة، أي لا يتقنها. ومن عادة المساجين حكاية المرائي التي يرونها، لفقدانهم الأخبار التي هي وسائل المحادثة والمحاورة، ولأنهم يتفاءلون بما عسى أن يبشرهم بالخلاص في المستقبل. وكان علم تعبير الرؤيا من العلوم التي يشتغل بها كهنة المصريين، كما دل عليه قوله تعالى حكاية عن ملك مصر { أية : أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون } تفسير : [سورة يوسف: 43] كما سيأتي. والعصر: الضغط باليد أو بحَجر أو نحوه على شيء فيه رطوبة لإخراج ما فيه من المائع زيتٍ أو ماءٍ. والعصير: ما يستخرج من المعصور سمي باسم محله، أي معصور من كذا. والخبز: اسم لقطعة من دقيق البر أو الشعير أو نحوهما يعجن بالماء ويوضع قرب النار حتى ينضج ليؤكل، ويسمى رغيفاً أيضاً. والضمير في {بتأويله} للمذكور، أو للمرئي باعتبار الجنس. وجملة {إنّا نراك} تعليل لانتفاء المستفاد من {نبّئنا}.
القطان
تفسير : وهكذا، دخل يوسف السجنَ ظلماً، وهذه هي المحنة الثالثة والأخيرة من محن الشدة في حياة يوسف، فكل ما بعدها رخاء. ودخل معه السجنَ فَتَيان، كان أحدهما رئيس الخبازين عند الملك، والثاني رئيسَ السقاة. وقد سُجنا لخيانة نُسبت اليهما كانت ستودي بحياة الملك. وبعد ان استقر يوسف في السجن ظهر أمره للناس، وانه يختلف عن السجناء الآخرين. وفي ذات يوم جاءه صاحب شراب الملك واخبرنه انه رأى في منامه انه يعصر خمراً للملك، وجاءه الخباز وقال له: إني رأيتُ فوق رأسي طبقاً من الخبز تأكل منه الطيور، وطلبا اليه ان يفسر لكل واحد منهما ما رأى في منامه. فانتهز يوسف هذه الفرصةَ ليُعلنَ لهم دِينَه ويدعوهم اليه، وقال لأهل السجن ينبئهم بمقدرته على تأويل الرؤيا: لن يأتيكما طعام الا نبأتكما بشأنه. كل ذلك مما علّمني ربّي. ثم أضاف: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}. إني برئت من ملّة مَن لا يصدّق بالله ولا يقر بوحدانيته، ويعبد عدداً من الآلهة لا تضرّ ولا تنفع، لأن هؤلاء الناس يكفرون بالآخرة والحساب والجزاء. وبدلاً من ذلك، أجدُني اتبعتُ ملّة آبائي الذين دعوا الى التوحيد الخالص وهم: إبراهيم وإسحق ويعقوب. ثم بيّن أساس الملّة التي ورثها عن آبائه الكرام بقوله: {مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ}؟ وذلك كلّه من فضل الله علينا أهل بيت النبوة، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَرَانِيۤ} {نَرَاكَ} (36) - وَدَخَلَ السِّجْنَ مَعَ يُوسُفَ عَبْدَانِ مَمْلُوكَانِ لَمَلِكِ مِصْرَ (فَتَيَانِ)، قِيلَ إِنَّ أَحَدَهُمَا سَاقِي المَلِكِ، وَالآخَرَ خَبَّازُهُ، وَقَدْ اتُّهِمَا بِمُحَاوَلَةِ دَسِّ السُّمِّ لِلْمَلِكِ لِلْفَتْكِ بِهِ. وَقَدْ شَاعَ فِي السِّجْنِ مَا عَلَيْهِ يُوسُفُ مِنَ الصِدْقِ وَالصَّلاحِ، وَمَعْرِفَةِ تَعْبِيرِ الأَحْلاَمِ، وَقَدْ رَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الغُلاَمَيْنِ مَنَاماً قَصَّهُ عَلَى يُوسُفَ، وَرَجَاهُ أَنْ يُفَسِّرَهُ لَهُ. وَكَانَ السَّاقِي قَدْ رَأَى فِي نَوْمِهِ أَنَّهُ يَعْصِرُ عِنَباً وَيَصْنَعُ مِنْهُ خَمْراً، وَرَأَى الآخَرُ أَنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزاً فَتَأْتِي الطَّيْرُ فَتَأْكُلُ مِنْهُ. وَطَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ يُوسُفَ أَنْ يُفَسِّرَ لَهُ رُؤْيَاهُ، لأَنَّهُ يَرَاهُ مِنَ الذِينَ يُحْسِنُونَ تَفْسِيرَ الأَحْلاَمِ وَتَأْوِيلَها. أَعْصِرُ خَمْراً - أَعْصِرُ عِنَباً يَؤُولُ إِلَى خَمْرٍ أَسْقِيهِ المَلِكَ.
الثعلبي
تفسير : {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ} وهما غلامان كانا للملك الأكبر الوليد بن الريان، أحدهما خبّازه صاحب طعامه واسمه مجلِث، واالآخر ساقيه صاحب شرابه واسمه بنو غضب عليهما الملك فحبسهما، وذلك أنّه بلغه أنّ خبازه يريد أن يسمّه وأنّ ساقيه مالا على ذلك، وكان السبب أن جماعة من أهل مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله فدسّوا إلى هذين، وضمنوا لهما مالا ليسُمّا طعام الملك وشرابه فأجاباهم إلى ذلك، ثمّ إنّ الساقي نكل عنه وقبل الخباز الرشوة فسمّ الطعام. فلمّا حضر وقته وأحضر الطعام، قال الساقي: أيّها الملك لا تأكل فإنّ الطعام مسموم، فقال الخباز: لا تشرب أيّها الملك فإنّ الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشرب فشربه فلم يضرّه، وقال للخباز: كل من طعامك، فأبى، فجرّب ذلك الطعام على دابّة من الدواب فأكلته فهلكت، فأمر الملك بحبسهما. وكان يوسف لمّا دخل السجن قال لأهله: إنّي أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيان لصاحبه: هلمّ فلنجرّب هذا العبد العبراني، فتقرّبا له وسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئاً، قال عبدالله بن مسعود: ما رأى صاحبا يوسف شيئاً، إنّما كانا تحالفا أن يُجرّبا علمه. روى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : من أرى عينيه في المنام ما لم تَريا كُلِّف أن يعقد بين شعرتين يوم القيامة، ومن استمع لحديث قوم وهم له كارهون صُبَّ في أُذنه الانك ". تفسير : وقال قومٌ: كانا رأيا على صحّة وحقيقة، قال مجاهد: لمّا رأى الفتيان يوسف قالا له: والله لقد أحببناك حين رأيناك فقال لهما يوسف: أنشدكما الله أن لا تحباني؛ فإنّه ما أحبّني أحد قط إلاّ دخل عليَّ من حبّه بلاء. لقد أحبتني عمّتي فدخل عليّ في حبّها بلاء، ثمّ أحبّني أبي فدخل عليَّ بحبه بلاء ثمّ أحبتني زوجة الملك هذا، فدخل عليّ بحبّها إيّاي بلاء، فلا تحبّاني بارك الله فيكما، قال: فأبيا إلاّ حبّه وأُلفته حيث كان، وجعلا يُعجبهما ما يريان من فهمه وعقله، وقد كانا رأيا حين دخلا السجن رؤيا فأتيا يوسف فقال له الساقي: أيّها العالم إنّي رأيتُ كأنّي غرستُ حبّة من عنب عليها ثلاث عناقيد من عنب فحبستها، وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه. وقال الخبّاز: إنّي رأيتُ كأنّ فوق رأسي ثلاث سِلال فيها الخبز وألوان الأطعمة فإذا سباع الطير تنهش منه، فذلك قوله تعالى: {قَالَ أَحَدُهُمَآ} يعني بنو {إِنِّيۤ أَرَانِيۤ} أي رأيتني، {أَعْصِرُ خَمْراً} يعني عنباً بلغة عمان، ويدلّ عليه عليه قراءة ابن مسعود أعصرُ عنباً. قال الأصمعي: أخبرني المعتمر أنّه لقي أعرابياً معه عنب، فقال: ما معك؟ قال: خمر، ومنه يُقال للخلّ العنبي خلُّ خمرة، وهذا على قرب الجوار، قال القتيبي: وقد تكون هي الخمر بعينها كما يُقال: عصرتُ زيتاً وإنّما عصر زيتوناً. وقال الآخر: وهو مجلِث: {إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} أخبرنا تفسيره وتعبيره وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا. {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي العالِمين الذين أحسنوا، قال الفرّاء وقال ابن اسحاق: إنّا نراك من المحُسنين إلينا إن فعلت ذلك وفسّرت رؤيانا، كما يُقال: افعل كذا وأنت مُحسن. وروى سلمة بن نبط عن الضحّاك بن مزاحم في قوله: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} ما كان إحسانه؟ قال كان إذا مرض رجل في السجن قام إليه، وإذا ضاق وسع له، وإن احتاج جمع له، وسأل له. قتادة: بلغنا أنّ إحسانه كان يُداوي مريضهم، ويُعزّي حزينهم، ويجتهد لربّه. قيل: لمّا انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوماً قد انقطع رجاؤهم واشتدّ بلاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجروا، وإنّ لهذا لأجراً وثواباً، فقالوا له: يا فتى بارك الله فيك، ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وأحسن حديثك لقد بورك لنا في جوارك بالحبس، إنّا كُنا في غير هذا منذ حبسنا لما تخبرنا به من الأجر والكفارة والطهارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله، فقال له عامل السجن: يا فتى والله لو استطعت لخلّيت سبيلك، ولكن ما أحسن جوارك وأحسن أخبارك فكنْ في أي بيوت السجن شئت. فكره يوسف (عليه السلام) أن يعبر لهما ما سألاه لِما عَلِمَ في ذلك من المكروه على أحدهما، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره، قال لهما: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} في نومكما {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} في اليقظة. هذا قول أكثر المفسّرين، وقال بعضهم: أراد به في اليقظة فقال: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} تطعمانه وتأكلانه {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} بتفسيرة قال: إنّه أيّ طعام أكلتم ومتى أكلتُم وكم أكلتُم، فقالا له: هذا من فعل العَرّافين والكَهنة، فقال لهما (عليه السلام): ما أنا بكاهن وإنّما {ذٰلِكُمَا} العلم {مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} كرّرهُم على التأكيد. وقيل: هم الأوّل جماد كقوله تعالى: {أية : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ}تفسير : [المؤمنون: 35] فصارت الأولى المُلغاة والثانية ابتداء، وكافرون خبره. {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ} فتح ياءه قومٌ وسكّنها آخرون، [فما وفي] أمثالها فالجزم على الأصل والفتح على موافقة الألف استقلّته لأنّها أُخت الفتحة وقرأها الأعمش آبَاي إبْرَاهِيْمَ دُعَاي إلاّ فِرَاراً مقصوراً غير مهموز وفتحَ ياءهما مثل [...]. {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ} ما ينبغي {أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} من صلة، تقديره: أن نشرك بالله شيئاً. {ذٰلِكَ} التوحيد والعلم {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} فأراهما يوسف فطنته وعلمه ثمّ دعاهما إلى الإسلام، فأقبل عليهما وعلى أهل السجن وكان بين أيديهم أصناماً يعبودنها فقال إلزاماً للحُجّة {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ} جعلهما صاحبي السجن لكونهما فيه كقوله تعالى لسكّان الجنّة{أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [الأعراف: 44] ولسكّان النار: {أية : أَصْحَابَ ٱلنَّارِ}تفسير : [الأعراف: 44]. {ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ} آلهة شتى لا تنفع ولا تضرّ {خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ} الذي لا ثاني له {ٱلْقَهَّارُ} قد قهر كلّ شيء، نظيرها، قوله: {أية : ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [النمل: 59] ثمّ بين الحجر والأصنام وضعفها فقال: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ} أي ممّن دون الله، وإنّما قال ما تعبدون وقد ابتدأ الكلام بخطاب الإثنين لأنّه قصد به جميع من هو على مثل حالهما من الشرك، {إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ} وذلك تسميتهم أوثانهم آلهةً وأرباباً من غير أن تكون تلك التسمية حقيقة، {أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} حجّة وبرهان {إِنِ ٱلْحُكْمُ} القضاء والأمر والنهي، {إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} نظيره {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البينة: 5]، {ذٰلِكَ} الذي دعوتكم إليه من التوحيد وترك الشرك، {ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} المُستقيم، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. ثمّ فسّر رؤياهما فقال: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا} وهو الساقي، {فَيَسْقِي رَبَّهُ} سيّده يعني الملك {خَمْراً} وأمّا العناقيد الثلاثة التي رآها فإنّها ثلاثة أيّام، يبقى في السجن ثمّ يُخرجه الملك ويكون على ما كان عليه، {وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ} وأمّا السلال الثلاث التي رآها فإنّها ثلاثة أيّام، يبقى في السجن ثمّ يخرجه الملك [في] اليوم الرابع فيصلبه، فتأكل الطير من رأسه. قال ابن مسعود: لمّا سمعا قول يوسف قالا: ما رأينا شيئاً إنّما كنا نلعب، فقال يوسف (عليه السلام): {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} أي فُرغ من الأمر الذي عنه تسألان، ووجب حكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به. معلّى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه "حديث : أبي رزين العقيلي قال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنّ الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبر فإذا عُبِّرت وقعت، وإنّ الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة، فأحسبه قال: لا تقصّه إلاّ على ذي رأي ". تفسير : وأخبرنا عبدالله بن حامد عن إسماعيل بن محمد عن الحسن بن علي بن عفان عن ابن نمير عن الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الرؤيا لأول عابرة ". تفسير : {وَقَالَ} يوسف عند ذلك، {لِلَّذِي ظَنَّ} علم، {أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا} وهو الساقي، هذا قول أكثر المفسّرين، وفسّره قتادة على الظن الذي هو خلاف اليقين، وقال: إنّما عبارة الرؤيا بالظنّ ويخلق الله ما يشاء، والقول الأوّل أولى وأشبه بحال الأنبياء، {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} سيّدك يعني الملك، وقيل له: إنّ في السجن غلاماً محبوساً ظُلماً {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} يعني أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه عزّ وجل حتى ابتغى الفرج من غيره واستعان بالمخلوق، وتلك غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان، ونسي لهذا ربّه عزّ وجلّ الذي لو به استغاث لأسرع خلاصه ولكنّه [غفل] وطال من أجلها حبسه. وقال محمد بن إسحاق: الهاء راجعة في قوله {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ} إلى الساقي فنقول: أنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف للملك وعلى هذا القول يكون معنى الآية: فأنساه الشيطانُ ذكره لربه كقوله: خوف {أية : يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}تفسير : [آل عمران: 175] أي يخوّفكم بأوليائه. {فَلَبِثَ} مكث، {فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} اختلف العُلماء في معنى بضع فقال أبو عُبيدة: هو ما بين الثلاثة إلى الخسمة، ومجاهد: ما بين الثلاث إلى التسع، الأصمعي: ما بين الثلاث إلى التسع، وابن عباس: ما دون العشرة، وزعم الفرّاء أنّ البضع لا يذكر إلاّ مع العشرة والعشرين إلى التسعين، وهو نيف ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقال: كذلك رأيتُ العرب تعمل ولا يقولون: بضع ومائة ولا بضع وألف، وإذا كانت للذكران قيل: بضعة، وأكثر المفسّرين على أنّ البضع في هذه الآية سبع سنين، قال وهب: أصاب أيوب (عليه السلام) البلاء سبع سنين، وتُرك يوسف في السجن سبع سنين، وعذّب بخت نصّر فحُوِّل في السباع سبع سنين. روى يونس عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله يوسف، لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث"تفسير : ، يعني قوله: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} قال: ثمّ بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا أمر نزعنا إلى الناس، وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: اذكرني عند ربّك، قيل له: يا يوسف اتّخذتَ من دوني وكيلا لأطيلنّ حبسك، فبكى يوسف (عليه السلام) قال: يا ربّ إننّي رابني كثرة الطوى فقلت كلمة، فويلٌ لأخوتي. وحُكي أنّ جبرئيل دخل على يوسف (عليهما السلام)، فلمّا رآه يوسف عرفه وقال: يا أخا المنذرين ما لي أراك بين الخاطئين؟ ، ثمّ قال له جبرئيل: يا طاهر الطاهرين، يقرأ عليك السلام ربّ العالمين ويقول: مالَكَ؟ أما استحييت منّي إذ استغثت بالآدميين؟ ، فوعزّتي لألبثنّك في السجن بضع سنين، قال يوسف: وهو في ذلك عليّ راض؟ قال: نعم، قال إذاً لا أُبالي. وقال كعب: قال جبرئيل ليوسف: إنّ الله تعالى يقول: من خلقك؟ قال: الله، قال: فمن حبّبكَ إلى أبيك؟ قال: الله، قال فمن أنيسك في البئر إذ دخلته عريان؟ قال: الله، قال: فمن نجّاك من كُرب البئر؟ قال: الله، قال: فمن علّمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله، قال فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟ فلمّا انقضت سبع سنين، قال الكلبي وهذه السبعة سوى الخمسة التي كانت قبل ذلك ولمّا دنا فرج يوسف رأى ملك مصر الأكبر رؤياً عجيبة هائلة وذلك أنّه رأى، {إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} خرجن من نهر يابس وَسَبْعُ بَقَرَات عِجَاف أيّ مهازيل فابتلعت العجاف السمان، أكلنهنّ حتى أتين عليهنّ فلم يُرَ منهنّ شيئاً، وَأَرَى سَبْع سُنْبُلات خُضْر قد انعقد حبّها وسبعاً أُخَر يَابِسَات قد استحصدت وأفركت والتفّت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فجمع السحرة والكهنة والحازة والقافة وقصّها عليهم وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ} أي الأشراف {أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} فا عبروها، {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} تفسّرون، والرؤيا: الحلم وجمعها رؤى. {قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي أحلام مختلطة مُشتبهة، أهاويل بأباطيل، واحدها ضغث، وأصله الحزمة من الزرع والحشيش، قال الله تعالى {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً}تفسير : [ص: 44] قال ابن مقبل: شعر : خُود كأنّ فراشها وضعت أضغاث ريحان غداه شمال تفسير : وقال آخر: شعر : بحُمى ذمار حين قلّ مانعه طاو كضغث الخلا في البطن مُكتمنِ تفسير : والأحلام جمع الحُلم وهو الرؤيا والفعل منه حُلمتُ وأحلمُ، بفتح العين في الماضي، وحلمتها في الغابرة لها وحُلماً فعاد فحذف يا من حالم. {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ}، {وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا} من القتل، منهما: من الفتيين وهو الساقي، {وَٱدَّكَرَ}: أي وتذكر حاجة يوسف قوله: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}، {بَعْدَ أُمَّةٍ}: بعد حين، قراء ابن عباس وعكرمة والضحّاك [بعد أَمَة] أي بعد نسيان ويُقال أَمَة، يأمَهُ، أمَهاً، إذا نسي، ورجل [ماهو] أي ذاهب العقل. وأنشد أبو عبيدة: شعر : أمِهتُ وكنت لا أنسى حديثاً كذاك الدّهر يودي بالعقول تفسير : وقرأ مجاهد: أمْه، بسكون الميم وفتح الألف وهاء لخالصة، وهو مثل الأمه أيضاً وهما لغتان ومعناهما النسيان، {أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ}: أخبركم بتفسيره وما ترون {فَأَرْسِلُونِ}: فأطلقوني، وأذنوا لي أمضي وأتكم بتأويله وفي الآية أختصار تقديرها فأرسلون، فأتي السجن، قال ابن عباس لم يكن السجن في المدينة فقال {يُوسُفُ} يعني يا يوسف، {أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ}: فيما عبّرت لنا من الرؤيا والصدّيق الكثير الصديق ولذلك سُمّي أبو بكر صدّيقاً، وفعيّل للمبالغة والكثرة مثل الفسيّق الضليل والشريب والخمير ونحوها. {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ}: الآية فإنّ الملك رأى هذه الرؤيا. {لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ} أهل مصر، {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}، تأويلها، وقيل: لعلّهم يعلمون فضلك وعلمك، فقال لهم يوسف مُعلّماً ومعبّراً: أمّا البقرات السمان والسنبلات الخضر فسبع سنين مخصبات، والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات السنون المهولة المجدبة، وذلك قوله تعالى: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً} أي كعادتكم، وقال: بعضهم أراد بجدَ واجتهاد وقرأ بعضهم دأباً بفتح الهمزة وهما لغتان، يقال دبت في الأمر أدأب دأباً ودأَبَاً إذا اجتهد، قال الفرّاء: وكذلك كلّ حرف فُتح أوّله وسكن ثانية فتثقيله جائز إذ كان ثانيه همزة أو عيناً أوحاء أو خاء أو هاء. {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} في [بذره] {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} وإنّما أشار عليهم بذلك بذلك ليبقى ولا يفسد، {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ} يعني سبع سنين جدد بالقحط {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} يعني يُؤكل، فيهنّ ما أعددتم لهنّ من الطعام في السنين الخصبة، وهذا كقول القائل: شعر : نهارك يا مغرور سهوٌ وغفلة وليلك نومٌ والردى لك لازمُ تفسير : والنهار لا يسهو والليل لا ينام، وإنّما يُسهى في النهار ويُنام في الليل. {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} أي: تخزنون وخزنون وتدّخرون. {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ} وهذا خبر من يوسف (عليه السلام) عمّا لم يكن في رؤيا الملك، ولكنّه من علم الغيب الذي آتاه الله عزَّ وجلَّ، كما قال قتادة: زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها، فقال: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ} أي يمطرون بالغيث وهو المطر، وقيل: يُغاثون، من قول العرب استغثتُ بفلان وأغاثني، {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} قرأ أهل الكوفة إلاّ عاصماً تعصرون، بالتاء لأنّ الكلام كلّه بالخطاب، وقرأ الباقون بالياء ردّاً إلى الناس، قال أكثر المفسّرين يعصرون العنب خمراً، الزيتون زيتاً، والسمسم دُهناً، وإنّما أراد بعض الأعناب والثمار والحبوب كثرة النعم والخير، وروى الفرج بن فضالة عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: تعصرون تحلبون، وقال أبو عبيدة: ينجون من الجدب والكرب، والعصر: المنجى والملجأ، وقال أبو زبيد الطائي: شعر : صادياً يستغيثُ غير مُغاث ولقد كان عصرة المنجود تفسير : وأخبرني أبو عبدالله بن فنجويه الدينوري، أبو علي بن حبش المقرئ، أبو القاسم بن الفضل المقرئ، حدّثني أبو زرعة، حدّثني حفص بن عمر، حدّثني أبو جميلة عن عيسى بن عُبيد قال: سمعتُ عيسى بن الأعرج يقرأها فيهِ يُغاثُ الناسُ وفيهِ يُعْصِرُون، برفع الياء قال: قلت: ما يُعصرون؟ قال: المطر أي تمطرون وقرأ{أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً}تفسير : [النبأ: 14].
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : المعية التي دخل فيها اثنان من الفتية معه السجن هي معية ذات، وقِيلَ: إنهما الخبَّاز والساقي، وقيل: إن سبب دخولهما هو رغبة بِطَانة عزيز مصر في التشويش على ما حدث من فضيحة كبرى؛ هي فَضيحة مراودة امرأة العزيز ليوسف؛ ورفض يوسف لذلك. وكان التشويش هو إذاعة خبر مؤامرة على العزيز؛ وأن الساقي والخباز قد تم ضبطهما بمحاولة وضع السُّمِّ للعزيز. وبعد فترة من حياة الاثنين مع يوسف داخل السجن، وبعد معايشة يومية له تكشَّف لهما سلوك يوسف كواحد من المحسنين. وحدث أن رأى كل منهما حُلْماً، فقررا أن يطلبا منه تأويل هذين الحُلْمين، والسجين غالباً ما يكون كثير الوساوس، غير آمن على غَدِه؛ ولذلك اتجها إليه في الأمر الذي يُهِمهم: {قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36]. ومن سياق الكلام نعرف أننا أمام حُلْمين؛ فواحد منهما رأى في منامه أنه يعصر خمراً، ورأى الثاني أنه يحمل خُبْزاً فوق رأسه تأكل منه الطير، واتجه كلاهما - أو كُلٌّ منهما على حِدَة - يطلبان - تأويل الرؤيتين المناميتيْنِ، أو أنهما قد طلبا نبأ تَأويل هذا الأمر الذي رأياه. وحيثية لجوئهما إليه هو قولهما: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36]. وهذا يدل على أن الإحسان أمر معلوم لكل البشر، حتى أصحاب النفوس المنحرفة، فلا أحد يمكن أن يحكم على آخر أنه محسن إلا إذا وافق عملُه مقاييسَ الإحسان في ذهن مَنْ يصدر هذا الحكم. فكل نفس تعرف السوء، وكل نفس تعرف الإحسان، ولكن الناس ينظرون إلى الإحسان وإلى السوء بذاتية أنفسهم، ولكنهم لو نظروا إلى مجموع حركة المتحركين في الكون، ونظروا إلى أيِّ أمر يتعلق بالغير كما يتعلق بهم؛ لَعرفوا أن الإحسان قَدْر مشترك بين الجميع. ونجد اللص - على سبيل المثال - لا يسيئه أن يسرق أحداً، لكن يسيئه لو أن أحداً قام بسرقته، وهكذا نرى الإحسان وقد انتفض في أعماقه حين يتوجه السوء إليه، ويعرف حينئذ مقام الإحسان، ولكنه حين يمارس السرقة؛ ويكون السوء متوجهاً منه إلى الغير؛ فهو يغفل عن مقام الإحسان. إذن: إنْ أردتَ أن تعرف مقام الإحسان في مقاييس الفضائل والأخلاق؛ فافهم الأمر بالنسبة لك إيجاباً وسَلْباً. والمثال الذي أضربه دائماً هو: قبل أن تَمُدَّ عينيك إلى محارم غيرك، وتعتبر أن هذا ليس سوءً، هنا عليك أن تعرف مقياسه من الحُسْن إن نقلتَ الأمر إلى الصورة العكسية؛ حين تتجه عيون الغير إلى محارمك. هنا ستجد الميزان - ميزانك للأمور - وقد اعتدل. وإذا أردتَ اعتدال الميزان في كل فعل؛ فانظر إلى الفعل يقع منك على غيرك؛ وانظر إلى الفعل يقع من الغير عليك؛ وانظر إلى الراجح في نفسك من الأمرين ستجد قب الميزان منضبطاً. وأقول دائماً: إن الحق سبحانه حين حرَّم عليك أن تسرق غيرك، لم يُضيِّق حريتك؛ بل ضيَّق حرية الملايين كي لا يسرقوك، وهذا مكسب لك. إذن: فالذي يعرف مقام الإحسان؛ لا ينسب الفعل الصادر منه على الغير؛ والفعل الصادر من الغير عليه؛ بل ينظر إليهما معاً؛ فما استقبحه من الغير عليه؛ فليستقبحه منه على الغير. وقد حكم السجينان على يوسف أنه من المحسنين، وعَلِم يوسف عليه السلام من حكمهما عليه أن مقاييس الإحسان موجودة عندهما؛ ولذلك نظر إلى الأمر الذي جاءاه من أجله، واستغل هذه المسألة؛ لا لقضاء حاجتهما منه؛ ولكن لقضاء حاجته منهما. فقد رأى فيهما شبهة الإيمان بالإحسان؛ والإيمان بالمحسنين، فلماذا لا ينتهز الفرصة فيأخذ حاجته منهما؛ قبل أن يعطيهما حاجتهما منه؟ وكأنه قال لهما: ماذا رأيتُما من إحساني؟ هل رأيتم حُسْن معاملتي لكم؟ أم أن كلاً منكما قد رأى دقة اختياري للحَسَن من القول؟ وأنتما قد لا تعرفان أن عندي - بفضل الله - ما هو أكثر، وهو ما يقوله الحق سبحانه بعد ذلك في الآية التالية: {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} [الآية: 36]. يعني: تأْويل ما رأَينا. فلما عبر لهما قالا: ما رأَينا رؤيا إِنما كنا نلعب. فقال يوسف: {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [الآية: 41] قد وقعت الرؤيا على ما أَوَّلت. أنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [الآية: 42]. يوسف يقول هذا للذي نجا من السجن: اذكرني للملك، فلم يذكره حتى رأَى الملك الرؤيا. وذلك لأَن يوسف أَنساه {ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} [الآية: 43]. وأَمره بذكر الملك، وابتغاءِ الفرج من عند الملك، {فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [الآية: 42]. لقوله: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} [الآية: 51]. يقول: تبين الحق. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} [الآية: 66]. يقول: إِلا أَن تهلكوا جميعاً. أنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن المبارك عن ابن جريج في قوله: {ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [الآية: 66]. قال: شهيد. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [الآية: 42]. 34و. قال: البضع ما بين الثلاث إِلى التسع. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ} [الآية: 66]. يقول: لما أَعطوه عهدهم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَعْصِرُ خَمْراً} معناهُ عِنبٌ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { و } لما دخل يوسف السجن، كان في جملة من { دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ } أي: شابان، فرأى كل واحد منهما رؤيا، فقصها على يوسف ليعبرها، .فـ { قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا } وذلك الخبز { تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } أي: بتفسيره، وما يؤول إليه أمرهما، وقولهما: { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } أي: من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسن إلينا في تعبيرك لرؤيانا، كما أحسنت إلى غيرنا، فتوسلا ليوسف بإحسانه. فـ { قَالَ } لهما مجيبا لطلبتهما: { لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا } أي: فلتطمئن قلوبكما، فإني سأبادر إلى تعبير رؤياكما، فلا يأتيكما غداؤكما، أو عشاؤكما، أول ما يجيء إليكما، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما. ولعل يوسف عليه الصلاة والسلام قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بدت حاجتهما إليه، ليكون أنجع لدعوته، وأقبل لهما. ثم قال: { ذَلِكُمَا } التعبير الذي سأعبره لكما { مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي } أي: هذا من علم الله علمنيه وأحسن إليَّ به، وذلك { إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } والترك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل عنه، يكون لمن لم يدخل فيه أصلا. فلا يقال: إن يوسف كان من قبل، على غير ملة إبراهيم. { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } . { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } ثم فسر تلك الملة بقوله: { مَا كَانَ لَنَا } أي: ما ينبغي ولا يليق بنا { أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } بل نفرد الله بالتوحيد، ونخلص له الدين والعبادة. { ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ } أي: هذا من أفضل مننه وإحسانه وفضله علينا، وعلى من هداه الله كما هدانا، فإنه لا أفضل من منة الله على العباد بالإسلام والدين القويم، فمن قبله وانقاد له فهو حظه، وقد حصل له أكبر النعم وأجل الفضائل. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ } فلذلك تأتيهم المنة والإحسان، فلا يقبلونها ولا يقومون لله بحقه، وفي هذا من الترغيب للطريق التي هو عليها ما لا يخفى، فإن الفتيين لما تقرر عنده أنهما رأياه بعين التعظيم والإجلال -وأنه محسن معلم- ذكر لهما أن هذه الحالة التي أنا عليها، كلها من فضل الله وإحسانه، حيث منَّ عليَّ بترك الشرك وباتباع ملة آبائه، فبهذا وصلت إلى ما رأيتما، فينبغي لكما أن تسلكا ما سلكت. ثم صرح لهما بالدعوة، فقال: { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } أي: أرباب عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع، وهي متفرقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات، وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتخذها المشركون، أتلك { خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ } الذي له صفات الكمال، { الْوَاحِدُ } في ذاته وصفاته وأفعاله فلا شريك له في شيء من ذلك. { الْقَهَّارُ } الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن {أية : ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } تفسير : ومن المعلوم أن من هذا شأنه ووصفه خير من الآلهة المتفرقة التي هي مجرد أسماء، لا كمال لها ولا أفعال لديها. ولهذا قال: { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ }. أي: كسوتموها أسماء، سميتموها آلهة، وهي لا شيء، ولا فيها من صفات الألوهية شيء، { مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } بل أنزل الله السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها، وإذا لم ينزل الله بها سلطانا، لم يكن طريق ولا وسيلة ولا دليل لها. لأن الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى، ويشرع الشرائع، ويسن الأحكام، وهو الذي أمركم { أن لا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } أي: المستقيم الموصل إلى كل خير، وما سواه من الأديان، فإنها غير مستقيمة، بل معوجة توصل إلى كل شر. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } حقائق الأشياء، وإلا فإن الفرق بين عبادة الله وحده لا شريك له، وبين الشرك به، أظهر الأشياء وأبينها. ولكن لعدم العلم من أكثر الناس بذلك، حصل منهم ما حصل من الشرك،.فيوسف عليه السلام دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، فيحتمل أنهما استجابا وانقادا، فتمت عليهما النعمة، ويحتمل أنهما لم يزالا على شركهما، فقامت عليهما -بذلك- الحجة، ثم إنه عليه السلام شرع يعبر رؤياهما، بعد ما وعدهما ذلك، فقال: { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 404 : 24 : 27 - سفين في قراءة عبد الله {إني {أراني) أعصر عنباً}. الآية 36]. 405 : 25 : 11 - سفين عن عمارة عن إبراهيم عن عبد الله {إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً}. {وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً}. قال: {أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ}. قال: "أنا لم نر شياً". فقال: {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}. [الآية 36-41].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):