Verse. 1633 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

قَالَ لَا يَاْتِيْكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقٰنِہٖۗ اِلَّا نَبَّاْتُكُمَا بِتَاْوِيْـلِہٖ قَبْلَ اَنْ يَّاْتِيَكُمَا۝۰ۭ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِيْ رَبِّيْ۝۰ۭ اِنِّىْ تَرَكْتُ مِلَّۃَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُوْنَ بِاللہِ وَہُمْ بِالْاٰخِرَۃِ ہُمْ كٰفِرُوْنَ۝۳۷
Qala la yateekuma taAAamun turzaqanihi illa nabbatukuma bitaweelihi qabla an yatiyakuma thalikuma mimma AAallamanee rabbee innee taraktu millata qawmin la yuminoona biAllahi wahum bialakhirati hum kafiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» لهما مخبرا أنه عالم بتعبير الرؤيا «لا يأتيكما طعام ترزقانه» في منامكما «إلا نبأتكما بتأويله» في اليقظة «قبل أن يأتيكما» تأويله «ذلكما مما علمني ربي» فيه حث على إيمانهما ثم قوّاه بقوله «إني تركت ملة» دين «قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم» تأكيد «كافرون».

37

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المذكور في هذه الآية ليس بجواب لما سألا عنه فلا بد ههنا من بيان الوجه الذي لأجله عدل عن ذكر الجواب إلى هذا الكلام والعلماء ذكروا فيه وجوهاً: الأول: أنه لما كان جواب أحد السائلين أنه يصلب، ولا شك أنه متى سمع ذلك عظم حزنه وتشتد نفرته عن سماع هذا الكلام، فرأى أن الصلاح أن يقدم قبل ذلك ما يؤثر معه بعلمه وكلامه، حتى إذا جاء بها من بعد ذلك خرج جوابه عن أن يكون بسبب تهمة وعداوة. الثاني: لعله عليه السلام أراد أن يبين أن درجته في العلم أعلى وأعظم مما اعتقدوا فيه، وذلك لأنهم طلبوا منه علم التعبير، ولا شك أن هذا العلم مبني على الظن والتخمين، فبين لهما أنه لا يمكنه الإخبار عن الغيوب على سبيل القطع واليقين مع عجز كل الخلق عنه، وإذا كان الأمر كذلك فبأن يكون فائقاً على كل الناس في علم التعبير كان أولى، فكان المقصود من ذكر تلك المقدمة تقرير كونه فائقاً في علم التعبير واصلاً فيه إلى ما لم يصل غيره، والثالث: قال السدي: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ } في النوم بين ذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس بمقصور على شيء دون غيره، ولذلك قال: {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } الرابع: لعله عليه السلام لما علم أنهما اعتقدا فيه وقبلا قوله: فأورد عليهما ما دل على كونه رسولاً من عند الله تعالى، فإن الاشتغال بإصلاح مهمات الدين أولى من الاشتغال بمهمات الدنيا، والخامس: لعله عليه السلام لما علم أن ذلك الرجل سيصلب اجتهد في أن يدخله في الإسلام حتى لا يموت على الكفر، ولا يستوجب العقاب الشديد { أية : لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ } تفسير : [الأنفال: 42] والسادس: قوله: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } محمول على اليقظة، والمعنى: أنه لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا أخبرتكما أي طعام هو، وأي لون هو، وكم هو، وكيف يكون عاقبته؟ أي إذا أكله الإنسان فهو يفيد الصحة أو السقم، وفيه وجه آخر، قيل: كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً فأرسله إليه، فقال يوسف لا يأتيكما طعام ألا أخبرتكما أن فيه سماً أم لا، هذا هو المراد من قوله: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } وحاصله راجع إلى أنه ادعى الإخبار عن الغيب، وهو يجري مجرى قوله عيسى عليه السلام، { أية : وأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 49] فالوجوه الثلاثة الأول لتقرير كونه فائقاً في علم التعبير، والوجوه الثلاثة الأخر لتقرير كونه نبياً صادقاً من عند الله تعالى. فإن قيل: كيف يجوز حمل الآية على ادعاء المعجزة مع أنه لم يتقدم ادعاء للنبوة؟ قلنا: إنه وإن لم يذكر ذلك لكن يعلم أنه لا بد وأن يقال: إنه كان قد ذكره، وأيضاً ففي قوله: {ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } وفي قوله: {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءابَاءي } ما يدل على ذلك. ثم قال تعالى: {ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } أي لست أخبركما على جهة الكهانة والنجوم، وإنما أخبرتكما بوحي من الله وعلم حصل بتعليم الله. ثم قال: {إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلاْخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: في قوله: {إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } توهم أنه عليه السلام كان في هذه الملة. فنقول جوابه من وجوه: الأول: أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء وليس من شرطه أن يكون قد كان خائضاً فيه. والثاني: وهو الأصح أن يقال إنه عليه السلام كان عبداً لهم بحسب زعمهم واعتقادهم الفاسد، ولعله قبل ذلك كان لا يظهر التوحيد والإيمان خوفاً منهم على سبيل التقية، ثم إنه أظهره في هذا الوقت، فكان هذا جارياً مجرى ترك ملة أولئك الكفرة بحسب الظاهر. المسألة الثانية: تكرير لفظ {هُمْ } في قوله: {وَهُمْ بِٱلاْخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } لبيان اختصاصهم بالكفر، ولعل إنكارهم للمعاد كان أشد من إنكارهم للمبدأ، فلأجل مبالغتهم في إنكار المعاد كرر هذا اللفظ للتأكيد. واعلم أن قوله: {إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } إشارة إلى علم المبدأ. وقوله: {وَهُمْ بِٱلاْخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } إشارة إلى علم المعاد، ومن تأمل في القرآن المجيد وتفكر في كيفية دعوة الأنبياء عليهم السلام علم أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب صرف الخلق إلى الإقرار بالتوحيد وبالمبدأ والمعاد، وإن ما وراء ذلك عبث. ثم قال تعالى: {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءابَاءي إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } وفيه سؤالات: السؤال الأول: ما الفائدة في ذكر هذا الكلام. الجواب: أنه عليه السلام لما ادعى النبوة وتحدى بالمعجزة وهو علم الغيب قرن به كونه من أهل بيت النبوة، وأن أباه وجده وجد أبيه كانوا أنبياء الله ورسله، فإن الإنسان متى ادعى حرفة أبيه وجده لم يستبعد ذلك منه، وأيضاً فكما أن درجة إبراهيم عليه السلام وإسحاق ويعقوب كان أمراً مشهوراً في الدنيا، فإذا ظهر أنه ولدهم عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال، فكان انقيادهم له أتم وأثر قلوبهم بكلامه أكمل. السؤال الثاني: لما كان نبياً فكيف قال: إني اتبعت ملة آبائي، والنبي لا بد وأن يكون مختصاً بشريعة نفسه. قلنا: لعل مراده التوحيد الذي لم يتغير، وأيضاً لعله كان رسولاً من عند الله، إلا أنه كان على شريعة إبراهيم عليه السلام. السؤال الثالث: لم قال: {مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْء } وحال كل المكلفين كذلك؟ والجواب: ليس المراد بقوله: {مَا كَانَ لَنَا } أنه حرم ذلك عليهم، بل المراد أنه تعالى ظهر آباءه عن الكفر، ونظيره قوله: { أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } تفسير : [مريم: 35]. السؤال الرابع: ما الفائدة في قوله: {مِن شَىْء }. الجواب: أن أصناف الشرك كثيرة، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد النار، ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم من يعبد العقل والنفس والطبيعة، فقوله: {مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْء } رد على كل هؤلاء الطوائف والفرق، وإرشاد إلى الدين الحق، وهو أنه لا موجد إلا الله ولا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله. ثم قال: {ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ } وفيه مسألة. وهي أنه قال: {مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْء }. ثم قال: {ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } فقوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم من عدم الإشراك، فهذا يدل على أن عدم الإشراك وحصول الإيمان من الله. ثم بين أن الأمر كذلك في حقه بعينه، وفي حق الناس. ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون، ويجب أن يكون المراد أنهم لا يشكرون الله على نعمة الإيمان، حكي أن واحداً من أهل السنة دخل على بشر بن المعتمر، وقال: هل تشكر الله على الإيمان أم لا. فإن قلت: لا، فقد خالفت الإجماع، وإن شكرته فكيف تشكره على ما ليس فعلاً له، فقال له بشر إنا نشكره على أنه تعالى أعطانا القدرة والعقل والآلة، فيجب علينا أن نشكره على إعطاء القدرة والآلة، فأما أن نشكره على الإيمان مع أن الإيمان ليس فعلاً له، فذلك باطل، وصعب الكلام على بشر، فدخل عليهم ثمامة بن الأشرس وقال: إنا لا نشكر الله على الإيمان، بل الله يشكرنا عليه كما قال: { أية : أُولـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } تفسير : [الإسراء: 19] فقال بشر: لما صعب الكلام سهل. واعلم أن الذين ألزمه ثمامة باطل بنص هذه الآية، وذلك لأنه تعالى بين أن عدم الإشراك من فضل الله، ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة، وإنما ذكره على سبيل الذم فدل هذا على أنه يجب على كل مؤمن أن يشكر الله تعالى على نعمة الإيمان وحينئذ تقوى الحجة وتكمل الدلالة. قال القاضي قوله: {ذٰلِكَ } إن جعلناه إشارة إلى التمسك بالتوحيد فهو من فضل الله تعالى لأنه إنما حصل بألطافه وتسهيله، ويحتمل أن يكون إشارة إلى النبوة. والجواب: أن ذلك إشارة إلى المذكور السابق، وذاك هو ترك الإشراك فوجب أن يكون ترك الإشراك من فضل الله تعالى، والقاضي يصرفه إلى الألطاف والتسهيل، فكان هذا تركاً للظاهر وأما صرفه إلى النبوة فبعيد، لأن اللفظ الدال على الإشارة يجب صرفه إلى أقرب المذكورات وهو ههنا عدم الإشراك.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } أي بتأويل ما قصصتما علي، أو بتأويل الطعام يعني بيان ماهيته وكيفيته فإنه يشبه تفسير المشكل، كأنه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد ويرشدهما إلى الطريق القويم قبل أن يسعف إلى ما سألاه منه كما هو طريقة الأنبياء والنازلين منازلهم من العلماء في الهداية والإرشاد، فقدم ما يكون معجزة له من الإِخبار بالغيب ليدلهما على صدقه في الدعوة والتعبير. {قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذٰلِكُمَا } أي ذلك التأويل. {مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } بالإلهام والوحي وليس من قبيل التكهن أو التنجيم. {إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلاْخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } تعليل لما قبله أي علمني ذلك لأني تركت ملة أولئك.

ابن كثير

تفسير : يخبرهما يوسف عليه السلام أنهما مهما رأيا في المنام من حلم، فإنه عارف بتفسيره، يخبرهما بتأويله قبل وقوعه، ولهذا قال: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ}. ومجاهد يقول: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} في يومكما {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا}، وكذا قال السدي. وقال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا محمد بن يزيد - شيخ له - حدثنا رشدين عن الحسن بن ثوبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما أدري لعل يوسف عليه السلام كان يعتاف، وهو كذلك؛ لأني أجد في كتاب الله حين قال للرجلين: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} قال: إذا جاء الطعام حلواً أو مراً، اعتاف عند ذلك. ثم قال ابن عباس: إنما عُلِّم فعلِم، وهذا أثر غريب، ثم قال: وهذا إنما هو من تعليم الله إياي؛ لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً في المعاد {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيۤ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ} الآية، يقول: هجرت طريق الكفر والشرك، وسلكت طريق هؤلاء المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع طريق المرسلين، وأعرض عن طريق الضالين، فإن الله يهدي قلبه، ويعلمه ما لم يكن يعلم، ويجعله إماماً يقتدى به في الخير، وداعياً إلى سبيل الرشاد {مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ} هذا التوحيد، وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا} أي: أوحاه إلينا، وأمرنا به. {وَعَلَى ٱلنَّاسِ} إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي: لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل {بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا حجاج عن عطاء، عن ابن عباس: أنه كان يجعل الجد أباً، ويقول: والله فمن شاء لاعنته عند الحجر، ما ذكر الله جداً ولا جدة، قال الله تعالى، يعني: إخباراً عن يوسف: {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيۤ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } لهما مخبرا أنه عالم بتعبير الرؤيا {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ } في منامكما {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } في اليقظة {قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا } تأويله. {ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى } فيه حث على إيمانهما، ثم قوّاه بقوله {إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ } دين {قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلأَخِرَةِ هُمْ } تأكيد {كَٰفِرُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل{قَال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبّأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما في اليقظة قاله السدي. الثاني: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يصلكما لأنه كان يخبر بما غاب مثل عيسى، قاله الحسن. الثالث: أن الملك كان من عادته إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معروفاً وأرسل به إليه، فكره يوسف تعبير رؤيا السوء قبل الإياس من صاحبها لئلا يخوفه بها فوعده بتأويلها عند وصول الطعام إليه، فلما ألحّ عليه عبرها، لئلا يخوفه بها فوعده بتأويلها عند وصول الطعام إليه، فلما ألحَّ عليه عبرها، قاله ابن جريج. وكذلك روى ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من رأى رؤيا فلا يقصها إلا على حبيب أو لبيب ". تفسير : {ذلكما مما علمنى ربي} يعني تأويل الرؤيا. {إني تركت ملة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون}. وإنما عدل عن تأويل ما سألاه عنه لما كان فيها من الكرامة، وأخبر بترك ملة قوم لا يؤمنون تنبيهاً لهم على ثبوته وحثاً لهم على طاعة الله. قوله عز وجل: {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس} قال ابن عباس: من فضل الله علينا أن جعلنا أنبياء، وعلى الناس أن بعثنا إليهم رسلاً. ويحتمل وجهاً آخر ذلك من فضل الله علينا في أن برأنا من الزنى، وعلى الناس من أن خلصهم من مأثم القذف.

ابن عطية

تفسير : روي عن السدي وابن إسحاق: أن يوسف عليه السلام لما علم شدة تعبير منامه رأى الخبز وأنها تؤذن بقتله، ذهب إلى غير ذلك من الحديث، عسى ألا يطالباه بالتعبير، فقال لهما - معلماً بعظيم علمه للتعبير-: إنه لا يجيئكما طعام في نومكما، تريان أنكما رزقتماه إلا أعلمتكما بتأويل ذلك الطعام، أي بما يؤول إليه أمره في اليقظة، قبل أن يظهر ذلك التأويل الذي أعلمكما به. فروي أنهما قالا: ومن أين لك ما تدعيه من العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم؟ فقال لهما: {ذلكما مما علمني ربي} ثم نهض ينحي لهما على الكفر ويحسن لهما الإيمان بالله: فروي أنه قصد في ذلك وجهين: أحدهما: تنسيتهما أمر تعبير ما سألا عنه - إذ في ذلك النذارة بقتل أحدهما - والآخر: الطماعية في إيمانهما. ليأخذ المقتول بحظه من الإيمان وتسلم له آخرته. وقال ابن جريج: أراد يوسف عليه السلام: {لا يأتيكما طعام} في اليقظة {ترزقانه إلا نبأتكما} منه بعلم وبما يؤول إليه أمركما {قبل أن يأتيكما} ذلك المآل. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا إنما أعلمهم بأنه يعلم مغيبات لا تعلق لها برؤيا. وقصد بذلك أحد الوجهين المتقدمين. وهذا على ما روي من أنه نبىء في السجن، فإخباره كإخبار عيسى عليه السلام، وقال ابن جريج: كانت عادة ذلك الملك إذا أراد قتل أحد ممن في سجنه بعث إليه طعاماً يجعله علامة لقتله. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله لا يقتضيه اللفظ ولا ينهض به إسناد. وقوله: {تركت} مع أنه لم يتشبث بها، جائز صحيح، وذلك أنه أخبر عن تجنبه من أول بالترك، وساق لفظة الترك استجلاباً لهما عسى أن يتوكأ الترك الحقيقي الذي هو بعد أخذ في الشيء، والقوم المتروكة ملتهم: الملك وأتباعه. وكرر قوله: {هم} على جهة التأكيد، وحسن ذلك للفاصلة التي بينهما. وقوله: {واتبعت} الآية، تمادٍ من يوسف عليه السلام في دعائهما إلى الملة الحنيفية، وزوال عن مواجهة - مجلث - لما تقتضيه رؤياه. وقرأ "آبائي" بالإسكان في الياء الأشهب العقيلي وأبو عمرو، وقرأ الجمهور "آبائيَ" بياء مفتوحة، قال أبو حاتم: هما حسنتان فاقرأ كيف شئت. وأما طرح الهمزة فلا يجوز، ولكن تخفيفها جيد؛ فتصير ياء مكسورة بعد ياء ساكنة أو مفتوحة. وقوله: {ذلك} إشارة إلى ملتهم وشرعهم، وكون ذلك فضلاً عليهم بين، إذ خصهم الله تعالى بذلك وجعلهم أنبياء. وكونه فضلاً على الناس هو إذ يدعون به إلى الدين ويساقون إلى النجاة من عذاب الله عز وجل. وقوله {من شيء} هي {من} الزائدة المؤكدة التي تكون مع الجحد. وقوله {لا يشكرون} يريد الشكر التام الذي فيه الإيمان.

ابن عبد السلام

تفسير : {تُرْزَقَانِهِ} لا يأتيكما في النوم إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة قبل إتيانه، أو لا يأتيكما في اليقظة إلا أخبرتكما به لأنه كان يخبر عن الغيب كعيسى، أو كان الملك إذا أراد قتل إنسان أرسل إليه طعاماً معروفاً فكره يوسف تعبيرها لئلا يحزنه فوعده بتأويلها عند وصول الطعام إليه فلما ألح عليه عبّرها له، قاله ابن جريج {ذَلِكُمَا} تأويل الرؤيا، وعدل عن العبارة إلى قوله: {تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ} لما كان في عبارتهما من الكراهة، ورغبتهما في طاعة الله ـ تعالى ـ.

النسفي

تفسير : {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } أي لبيان ماهيته وكيفيته لأن ذلك يشبه تفسير المشكل {قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا } ولما استعبراه ووصفاه بالإحسان افترض ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما ويقول: يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت فيكون كذلك وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما ويقبح إليهما الشرك. وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده، وغرضه أن يقتبس منه، لم يكن من باب التزكية {ذٰلِكُمَا } إشارة لهما إلى التأويل أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات {مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } وأوحى به إلي ولم أقله عن تكهن وتنجم {إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلأَخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } يجوز أن يكون كلاماً مبتدأ وأن يكون تعليلاً لما قبله أي علمني ذلك وأوحى به إلي لأني رفضت ملة أولئك وهم أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءابَاءي إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } وهي الملة الحنيفية. وتكرير «هم» للتوكيد وذكر الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوي رغبتهما في اتباع قوله، والمراد به ترك الابتداء لا أنه كان فيه ثم تركه {مَا كَانَ لَنَا } ما صح لنا معشر الأنبياء {أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْء } أي شيء كان صنماً أو غيره. ثم قال: {ذٰلِكَ } التوحيد {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } فضل الله فيشركون به ولا ينتهون.

الخازن

تفسير : {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} قيل: أراد به في النوم يقول لا يأتيكما طعام ترزقانه في نومكما إلا أخبرتكما خبره في اليقظة، وقيل: أراد به اليقظة يقول لا يأتيكما طعام من منازلكما ترزقانه يعني تطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتأويله يعني أخبرتكما بقدره ولونه والوقت الذي يصل إليكما فيه {قبل أن يأتيكما} يعني قبل أن يصل إليكما وأي طعام أكلتم وكم أكلتم ومتى أكلتم وهذا مثل معجزة عيسى عليه الصلاة والسلام حيث قال وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم فقالا ليوسف عليه الصلاة والسلام هذا من علم العرافين والكهنة فمن أين لك هذا العلم؟ فقال ما أنا بكاهن ولا عراف وإنما ذلك إشارة إلى المعجزة والعلم الذي أخبرهما به {ذلكما مما علمني ربي} يعني أن هذا الذي أخبرتكما به وحي من الله أوحاه إليّ وعلم علمنيه {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله} فإن قلت ظاهر قوله أني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله أنه عليه الصلاة والسلام كان داخلاً في هذه الملة ثم تركها وليس الأمر كذلك لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من حين ولدوا وظهروا إلى الوجود هم على التوحيد فما معنى هذا الترك في قوله تركت. قلت الجواب من وجهين: الأول: أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء والالتفات إليه بالمرة وليس من شرطه أن يكون قد كان داخلاً فيه ثم تركه ورجع عنه. والوجه الثاني: وهو الأقرب أن يوسف عليه الصلاة والسلام لما كان عند العزيز وهو كافر وجميع من عنده كذلك وقد كان بينهم وكان يوسف على التوحيد والإيمان الصحيح صح قوله إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله {وهم بالآخرة هم كافرون} فترك ملتهم وأعرض عنهم ولم يوافقهم على ما كانوا عليه وتكرير لفظة هم في قوله وهم بالآخرة هم كافرون للتوكيد لشدة إنكارهم للمعاد وقوله {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} لما ادعى يوسف عليه السلام النبوة وأظهر المعجزة أظهر أنه من أهل بيت النبوة وأن آباءه كلهم كانوا أنبياء وقيل لما كان إبراهيم وإسحاق ويعقوب مشهورين بالنبوة والرسالة ولهم الدرجة العليا في الدنيا عند الخلق والمنزلة الرفيعة في الآخرة أظهر يوسف عليه الصلاة والسلام أنه من أولادهم وأنه من أهل بيت النبوة ليسمعوا قوله ويطيعوا أمره فيما يدعوهم إليه من التوحيد {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} معناه أن الله سبحانه وتعالى لما اختارنا لنبوته واصطفانا لرسالته وعصمنا من الشرك فما كان ينبغي لنا أن نشرك به مع جميع هذه الاختصاصات التي اختصَّنا بها. قال الواحدي: لفظة من في قوله من شيء زائدة مؤكدة كقولك ما جاءني من أحد، وقال صاحب الكشاف: ما كان لنا ما صح لنا معشر الأنبياء أن نشرك بالله من شيء أي شيء كان من ملك أو جني أو إنسي فضلاً أن نشرك به صنماً لا يسمع ولا يبصر {ذلك من فضل الله} يعني ذلك التوحيد وعدم الإشراك والعلم الذي رزقنا من فضل الله {علينا وعلى الناس} يعني بما نصب لهم من الأدلة الدالة على وحدانيته وبين لهم طريق الهداية إليه فكل ذلك من فضل الله على عباده {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} يعني أن أكثرهم لا يشكرون الله على هذه النعم التي أنعم بها عليهم لأنهم تركوا عبادته وعبدوا غيره ثم دعاهما إلى الإسلام.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {لا يأتيكما طعام ترزقانه} قال: كره العبارة لهما، فاجابهما بغير جوابهما ليريهما ان عنده علماً، وكان الملك إذا أراد قتل انسان، صنع له طعاماً معلوماً فأرسل به إليه. فقال يوسف عليه السلام {لا يأتيكما طعام ترزقانه} إلى قوله {تشكرون} فلم يدعه صاحب الرؤيا حتى يعبر لهما فكرة العبارة، فقال {يا صاحبي السجن أأرباب ...} إلى قوله {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} قال: فلم يدعاه فعبر لهما.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} في مقامكما هذا حسب عادتِكما المطردةِ {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال أي لا يأتيكما طعامٌ في حال من الأحوال إلا حالَ ما نبأتكما به بأن بـينتُ لكما ماهيّتَه وكيفيته وسائرَ أحواله {قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا} وإطلاقُ التأويل عليه إما بطريق الاستعارةِ فإن ذلك بالنسبة إلى مطلق الطعامِ المُبهمِ بمنزلة التأويلِ بالنظر إلى ما رُئيَ في المنام وشبـيهٌ له، وإما بطريق المشاكلة حسبما وقع في عبارتهما من قولهما: {أية : نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} تفسير : ولا يبعُد أن يراد بالتأويل الشيءُ الآئلُ لا المآلُ فإنه في الأصل جعلُ شيءٍ آئلاً إلى شيء آخرَ فكما يجوز أن يراد به الأولُ فالمعنى إلا نبأتُكما بما يؤول إليه من الكلام والخبرِ المطابق للواقع وكان عليه السلام يقول لهما: اليوم يأتيكما طعامٌ صفتُه كيتَ وكيت فيجدانه كذلك، ومرادُه عليه السلام بذلك بـيانُ كلِّ ما يُهمّهما من الأمور المترقَّبة قبل وقوعِها، وإنما تخصيصُ الطعام بالذكر لكونه عريقاً في ذلك بحسب الحال مع ما فيه من مراعاة حسنِ التخلص إليه مما استعبراه من الرؤيَـيَـيْن المتعلقتين بالشراب والطعام، وقد جعل الضميرُ لما قصا من الرؤيـيـين على معنى لا يأتيكما طعامٌ ترزقانِه حسب عادتِكما إلا أخبرتكما بتأويل ما قصصتما عليَّ قبل أن يأتيكما ذلك الطعامُ الموقت مراداً به الإخبارُ بالاستعجال في التنبئة. وأنت خبـيرٌ بأن النظم الكريمَ ظاهرٌ في تعدد إتيانِ الطعام والإخبار بالتأويل وتجدُّدِهما وأن المقام مقامُ إظهارِ فضلِه في فنون العلومِ بحيث يدخل في ذلك تأويلُ رؤياهما دخولاً أولياً، وإنما لم يكتفِ عليه السلام بمجرد تأويلِ رؤياهما مع أن فيه دِلالةً على فضلة لأنهما لما نعتاه عليه السلام بالانتظام في سِمْط المحسنين وأنهما قد علما ذلك حيث قالا: إنا نراك من المحسنين توسّم عليه السلام فيهما خيراً وتوجّهاً إلى قَبول الحق فأريد أن يخرُجَ آثرَ ذي أثيرٍ عما في عُهدته من دعوة الخلقِ إلى الحق فمهّد قبل الخوضِ في ذلك مقدمةً تزيدهما علماً بعظم شأنِه وثقةً بأمره ووقوفاً على طبقته في بدائع العلومِ توسلاً بذلك إلى تحقيق ما يتوخاه، وقد تخلّص إليها من كلامهما فكأنه قال: تأويلُ ما قصصتماه عليّ في طرف التمام حيث رأيتما مثاله في المنام وإني أبـيّن لكما كلَّ جليل ودقيق من الأمور المستقبلة وإن لم يكن هناك مقدمةُ إلمامٍ حتى إن الطعام الموظفَ الذي يأتيكما كلَّ يوم أبـيّنه قبل إتيانه، ثم أخبرهما بأن عمله ذلك ليس من قبـيل علوم الكهنةِ والعرّافين، بل هو فضلٌ إلهيٌّ يؤتيه من يشاء ممن يصطفيه للنبوة فقال: {ذٰلِكُمَا} أي ذلك التأويلُ والإخبارُ بالمغيّبات ـ ومعنى البُعد في ذلك للإشارة إلى علو درجتِه وبُعد منزلتِه ـ {مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى} بالوحي والإلهامِ أي بعضٌ منه أو من ذلك الجنسِ الذي لا يحوم حولَ إدراكِه العقولُ، ولقد دلهما بذلك على أن له علوماً جمةً، ما سمعاه قطعةٌ من جملتها وشُعبةٌ من دوحتها، ثم بـين أن نيل تلك الكرامةِ بسبب اتباعِه ملةَ آبائِه الأنبـياءِ العظامِ وامتناعِه عن الشرك فقال: {إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} وهو استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من قوله: ذلكما مما علمني ربـي وتعليلاً له لا للتعليم الواقع صلةً للموصول لتأديته إلى معنى أنه مما علمني ربـي لهذا السبب دون غيرِه، ولا لمضمون الجملةِ الخبرية لأن ما ذُكر بصدد التعليلِ ليس بعلةٍ لكون التأويلِ المذكورِ بعضاً مما علمه ربُّه أو لكونه من جنسه بل لنفس تعليمِ ما علمه فكأنه قيل: لماذا علمك ربُّك تلك العلومَ البديعة؟ فقيل: لأني تركت ملة الكفرةِ أي دينَهم الذي اجتمعوا عليه من الشرك وعبادةِ الأوثان، والمراد بتركها الامتناعُ عنها رأساً كما يفصح عنه قوله: {أية : مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْء} تفسير : لا تركُها بعد ملابستها، وإنما عبّر عنه بذلك لكونه أدخلَ بحسب الظاهرِ في اقتدائهما به عليه السلام، والتعبـيرُ عن كفرهم بالله تعالى بسلب الإيمان به للتنصيص على أن عبادتَهم له تعالى مع عبادة الأوثانِ ليست بإيمان به تعالى كما هو زعمُهم الباطلُ على ما مر في قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ } تفسير : [هود: 46] {وَهُم بِٱلأَخِرَةِ} وما فيها من الجزاء {هُمْ كَـٰفِرُونَ} على الخصوص دون غيرِهم لإفراطهم في الكفر.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}. التَّثَبُّتُ في الجواب دون التسرع من أمارات أهل المكارم، كيوسف عليه السلام وعدهما أن يجيبهَما ولم يُسْرعْ الإجابةَ في الوقت. ويقال لمَّا أَخَّرَ الإجابة عَلَّقَ قلوبَهما بالوعد؛ وإذا لم يكن نَقْدٌ فليكن وَعْدٌ. ويقال لمَّا فاتحوه بسؤالهم قدَّم على الجواب ما اقترحه عليهما من كلمة التوحيد فقال: {ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ...} ثم قال: {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}. ولما فرغَ من تفسير التوحيد، والدعاء إلى الحق سبحانه أجابهما فقال: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. هكذا كاد يوسف عليه السلام ألا يسكتَ حين أخذ في شرح التوحيد وذكر المعبود، وفي الخبر: "حديث : مَنْ أحبَّ شيئاً أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِه ".

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} يوسف اراد ان يدعو الفتيين الى التوحيد الذى هو اولى بهما واوجب عليهما مما سألا منه ويرشدهما الى الايمان ويزينه لهما قبل ان يسعفهما بذلك كما هو طريقة الانبياء والعلماء الصالحين فى الهداية والارشاد والشفقة على الخلق فقدم ما هو معجزة من الاخبار بالغيب ليدلهما على صدقه فى الدعوة والتعبير {لا يأتيكما طعام ترزقانه} تطعمانه فى مقامكما هذا حسب عادتكما المطردة {إلا نبأتكما بتأويله} استثناء مفرغ من اعم الاحوال اى لا يأتيكما طعام فى حال من الاحوال الا حال ما نبأتكما به بان بنيت لكما ماهيته من أى جنس هو ومقداره وكيفيته من اللون والطعم وسائر احواله واطلاق التأويل عليه بطريق الاستعارة فان ذلك بالنسبة الى مطلق الطعام المبهم بمنزلة التأويل بالنظر الى ما رؤى فى المنام وشبيه له {قبل ان يأتيكما} قبل ان يصل اليكما وكان يخبر بما غاب مثل عيسى عليه السلام كما قال {أية : وانبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم}تفسير : : وفى المثنوى شعر : اين طبيبان بدن دانشورند برسقام تو زتو واقفترند تاز قاروره همى بنند حال كه ندانى توازان رو اعتدال هم زنبض وهم زرنك وهم زدم بوبرند ازتو بهر كونه سقم بس طبيبان الهى درجهان جون ندانند از توبى كفت دهان هم زنبضت هم زجمشت هم زرنك صد سقم بينند درتو بى درنك اين طبيبان نوآموزند خود كه بدين آياتشان حاجت بود كاملان ازدور نامت بشنوند تابقعر تارو بودت درروند بلكه بيش اززادن توسالها ديده باشندت ترا باحالها تفسير : {ذلكما} اى ذلك التأويل والاخبار بالمغيبات ايها الفتيان {مما علمنى ربى} بالوحى والالهام وليس من قبل التكهن والتنجم وذلك انه لما نبأهما بما يحمل اليهما من الطعام فى السجن قبل ان يأتيهما ويصفه لهما ويقول اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت وكم تأكلان فيجدان كما اخبرهما قالا هذا من فعل العرافين والكهان فمن اين لك هذا العلم فقال ما انا بكاهن وانما ذلك العلم ما علمنى ربى وفيه دلالة على ان له علوما جمة ما سمعناه قطعة من جملتها وشعبة من دوحتها وكأنه قيل لماذا علمك ربك تلك العلوم البديعة فقيل {انى} اى لانى {تركت} رفضت {ملة قوم} أى قوم كان من قوم مصر وغيره {لا يؤمنون بالله} والمراد بتركها الامتناع عنها رأسا لا تركها بعد ملامستها وانماعبر عنه بذلك لكونه ادخل بحسب الظاهر فى اقتدائهما به عليه السلام {وهم بالآخرة} وما فيها من الجزاء {هم كافرون} على الخصوص دون غيرهم لافراطهم فى الكفر. قال فى بحر العلوم هذاالتعليل من ابين دليل على ان افعال الله معللة بمصالح العباد كما هو راى الحنفية مع ان الاصلح لا يكون واجبا عليه قالوا وما ابعد عن الحق قول من قال انها غير معللة بها فان بعثة الانبياء لاهتداء الخلق واظهار المعجزات لتصديقهم وايضا لو لم يفعل لغرض يلزم العبث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا انتهى. قال فى التأويلات النجمية يعنى لما تركت هذه الملة علمنى ربى وفيه اشارة الى ان القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة وملتهم انهم قوم لا يؤمنون بالله لا النفس تدعى الربوبية كما قال نفس فرعون انا ربكم الاعلى والهوى يدعى الالوهية كما قال تعالى {أية : أفرأيت من اتخذ الهه هواه} تفسير : والطبيعة هى التى ضد الشريعة

الطوسي

تفسير : في هذه الآية اخبار بما اجاب به يوسف للفتيين اللذين سألاه عن المنام، فقال لهما {لا يأتيكما طعام ترزقانه} والطعام كل جسم فيه طعم يصلح للاكل، غير انه يختلف باضافته الى الحيوان. والرزق العطاء الجاري في الحكم وكذلك لو اعطاه مرة واحدة، وقد حكم بانه يجريه كان رزقاً. وقال السدي وابن اسحاق: معنى ذلك اني عالم بتعبير الرؤيا اذ لا يأتيكما ما ترزقانه في منامكما إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة. وقال ابن جريج: كان الملك اذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معلوماً، فأرسل به اليه، فعلى هذا يرزقانه في اليقظة. وقيل إِنه كان يخبر بما غاب كما كان عيسى (ع)، وإِنما عدل عن تعبير الرؤيا إلى الجواب بهذا لاحد أمرين: احدهما - ما قال ابن جريج: انه كره ان يخبرهما بالتأويل على احدهما فيه، فلم يتركاه حتى أخبرهما. وقال ابو علي: إِنما قدم هذا، ليعلما ما خصه الله به من النبوة، وليقبلا الى الطاعة، والاقرار بتوحيد الله. والانباء: الاخبار بما يستفاد وذلك ان النبأ له شأن، وفيه تعظيم الخبر بما فيه من الفائدة، ولذلك اخذت منه النبوة. والتأويل: الخبر عما حضر بما يؤل اليه أمره، فيما غاب. ولذلك قال {قبل أن يأتيكما} وتأويل القرآن ما يؤل اليه من المعنى أي يرجع اليه والتعليم تفهيم الدلالة المؤدية الى العلم بالمعنى، وقد يكون الاعلام بخلق العلم بالمعنى في القلب. وقوله {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالأخرة هم كافرون} اخبار من يوسف أنه إنما علمه الله تعالى تأويل ما سألاه لايمانه بالله وحده لا شريك له وعدوله عن ملة الكفار وجحدهم البعث والنشور والجزاء بالثواب والعقاب، و (هم) الثانية دخلت للتأكيد لأنه لما دخل بينهما قوله {وبالآخرة} صارت الأولى كاللملغاة، وصار الاعتماد على الثانية، كما قال {أية : وهم بالآخرة هم يوقنون} تفسير : وكما قال {أية : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون}.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} وكان وقت اتيان الطّعام لاهل السّجن {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} لمّا كان المستثنى مفرّغاً وحالاً ممّا قبله والحال تقتضى الاقتران بالعامل زماناً وكان مقصوده انّه يعبّره قبل الاتيان قيّده بقوله {قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا} وأخّر التّعبير لترغيبهم فى التّوحيد وتنفيرهم عن الاشراك بعد ما رأى وثوقهما به وظنّ تأثّرهما بوعظه كما هو شأن كلّ ناصح اذا رأى التّأثّر بنصحه ولم يكن التّأخير لتأمّله فى التّعبير والاّ لم يسجّل الاخبار به {ذٰلِكُمَا} العلم بتعبير الرّؤيا {مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ} لا ممّا تعلّمته بنفسى من بشرٍ مثلى كعلوم القافة والمشعبذة وغير ذلك ولا ممّا تعلّمته من الشّياطين والجنّ كعلوم الكهنة والسّحرة بل علّمنى ربّى بالوحى والالهام من غير كسبٍ منّى علوماً كثيرةً هذا احدها ثمّ علّل تعليم الرّبّ بترك ملّتهم واتّباع ملّة الانبياء (ع) تنفيراً وترغيباً لهما بقوله {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} عرّض بهما وورّى عن ملّتهما وكفرهما ليكون اشدّ تأثيراً واقرب قبولاً واوقع فى نفوسهما.

الهواري

تفسير : قوله: {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} أي: بمجيئه. قال بعضهم: أي: بلون الطعام { قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي}. فكان يخبرهما بما يأتيهما من الطعام قبل أن يأتيهما، بما يطلعه الله عليه، كما أطلع عيسى ابن مريم، فكان ينبىء بني إسرائيل بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم. فكان يقول للرجل: أكلت كذا وكذا، وادّخرت كذا وكذا. قوله: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالأَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} يقول: لم أتبع ملتهم. {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَاءِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا} يعني النبوة التي أعطاهم الله { وَعَلَى النَّاسِ} يعني الإِسلام. ويقال: رب شاكر نعمة على غيره. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي: لا يؤمنون. قوله: { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ} يعني الفتيين اللذين سجنا معه { ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ}، على الاستفهام، أي: يفهمهم، يعني الأوثان التي يعبدون من دون الله من صغير وكبير ووسط { خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ} أي: إن الله خير منهم. هو مثل قوله: (أية : ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً) تفسير : [الزمر:29]، يعني به مثلاً لنفسه، ويعني بالرجل السلم الذي يعبده ويوحده، ويعني بالشركاء المتشاكين الآلهة التي يعبدونها من دون الله.

اطفيش

تفسير : {قَالَ لا يأتيكُما طَعامٌ} فى المنام {تُرزَقانه} الهاء مفعول ثان، والأول ناب عن الفاعل وهو الألف {إلا نبَّأتكُما بتَأويلهِ} بتعبيره {قَبْل أنْ يأتِيكُما} فى اليقظة فتجدانه على ما وصفت من هيئة وعدد، أو لا يأتيكما طعام فى اليقظة إلا بينت لكما هيئته ونوعه، وكونه حلوا أو حامضا، باردا أو سخنا، وعدده فتجدانه إذن كما بينت، وذلك كقول عيسى عليه السلام:{أية : وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم}تفسير : والوجه الأول يقول به السدى، وابن إسحاق، والثانى يقول به ابن جريج وهو الصحيح. وعلى كل حال فذلك شروع من يوسف عليه السلام من غير ما أراد فى تبين رؤياهما، لأن فى رؤيا أحدهما مكروها، فإن رؤيا الخباز تأويلها الصلب فكره الإخبار بها وأعرض، لعلهما ينسبان، وقيل: لأنه أراد أن يبين لهما درجته فى العلم والنبوة والمعجزة، أعظم وأعلى مما طلبا منه من التعبير للرؤيا المبنى على التخمين والظن، ولا شك أن الإخبار عن الغيب على سبيل اليقين أعظم، والعالم به عالم بتعبير الرؤيا بطريق أولى. وقيل: لأنه علم أن أحدهما يصلب فأراد أن يدخله فى الإسلام ويخلصه من الكفر ودخول النار، فيأخذ بحظه من الإسلام، وتسلم له آخرته فلا يخسرها كما خسر دنياه، ولا مانع من أن يريد جميع ما فى تلك الأقوال كلها، بل هو أولى ويريد مع ذلك زيادة هى أنه إذا أخبرهما بدرجته زادا له تصديقا فقصداه بالانتفاع فى الدين، وأنه دلهما على ما هو أولى أن يسألا عنه وهو التوحيد، فإنه أراد إرشادهما إليه كما دل عليه ما يأتى، وهكذا طريق الأنبياء والعلماء والصالحين مع الفسقة والسفهاء، إذا استفتوهم أن يقدموا الموعظة والإرشاد إلى ما هو أعظم مما سألوا وأنفع، ثم يفتوهم، وغرض يوسف ذلك لا التزكية حاشاه، ولما قال لهما ذلك، قالا له: ذلك من علم العرافين والكهنة والنجامة، فمن أين لك ذلك ومن علمكه؟ قال: {ذلِكُما} أى التأويل {ممَّا علَّمنى ربِّى} بالإلهام والوحى، لا تكهن ولا تعرف ولا تنجم، وكان يعتقدان أن لا رب سوى الملك ريان ابن الوليد، وسكن الياء غير نافع وأبى عمرو {إنِّى} استنئاف مجرد للترغيب أو تعليل لتعليم الله عز وجل ذلك له {تركْتُ مِلَّة قَومٍ لا يؤمنُون بالله} أى رفضت دين قوم غير مؤمنين بالله، ولم أدخله قط قبل كونى مع العزيز،وبعد كونى معه، وإنما عبر بالترك مع أنه لم يدخله قط استجلاباً لهما عسى أن يتركا ما هما فيه من الشرك، والمراد بالقوم المشركون مطلقا، وقيل: الملك وأتباعه. {وهُم بالآخِرة هُم} تأكيد لشدة إنكار البعث والجزاء، وللدلالة على اختصاصهم بالكفر، وأن غيرهم مؤمنون, هم الذين على ملة إبراهيم، وللتعريض بما أصيب به من جهتهم إذ سجنوه بعد ما رأوا الآيات الشاهدة على براءته {كافِرُونَ}.

اطفيش

تفسير : {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعامٌ} وقوله {تُرزَقَانِهِ} نعت طعام، وذلك طعام اليقظة أَو النوم، وتفسير ابن مسعود الطعام بالثريد تمثيل لأَنه يأْتِيهما ثريد وغيره، إِلآ إِن أَراد أَنه لا يأْتيكما طعام فى تلك الرؤيا كائِنا ما كان، ولو كان فى نفس الأَمر الثريد {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا} أَخبرتكما {بِتَأْوِيلهِِ} برده إِلى ما آل إِليه فى نفس الأَمر من قلة أَو كثرة وجودة ورداءَة، وكونه تمرا أَو خبرا مثلا وبطئا وعجلاً ونحو ذلك، وذلك استعارة من التأْويل الذى هو تفسير المشكل والجامع إِيضاح المبهم {قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} أَى قبل أَن يأْتيكما الطعام، أَو قبل أَن يأْتيكما تأْويله كما هو شأْن الأَنبياءِ والصالحين والراغبين فى الدعاءِ إِلى الذين يقدمون فى كلامهم تمهيدا لما يريدون من الإِرشاد إِليه كإِخبار الأَنبياءِ بالغيب ليتوصلوا به إِلى تصديق الناس، فيوسف عليه السلام أَراد أَن يرشدهما إِلى التوحيد والإِيمان من يموت منهما ومن يحيا فقال إِنى أَعرف بإِذن الله وإِعلامه ما يغيب فيستوثقان بتفسيره وبدعائِه إِلى الدين، وصف نفسه بذلك وبكونه ذرية أَنبياءٍ ليصل إِلى أَمر دينى لا رياءَ كما وصف نفسه بأَنه حفيظ عليم لذلك، وليصل إِلى نفع الخلق، وجائِز للإِنسان أَن يصف نفسه بما فيه من أَمر حسن لذلك كما يصف الطبيب نفسه فى الطب ليرغب فيه، وروى أَنهما قالا: من أَين لك هذا العلم ولست منجما أَو كاهنا، وقيل: قالا: إِنك كاهن أَو منجم، وعلى كل أَجابهما بقوله {ذَلِكُِمَا} ما ذكر من التنبئة بما يأْتيكما {مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى} بالوحى أَو الإِلهام لا بكهانةٍ أَن تنجيم، وهذا كما قال عيسى عليه السلام: "وأَنبئكُم بما تأْكلون وما تدخرون فى بيوتكم" ذكر تعليم الله له تعريضا لهما بأَن يؤمنا بالله - عز وجل - وقوى هذا التعريض بقوله: {إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالآخِرةِ هُمْ} تأكيد للأَول {كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِى} المؤمنين بالله تعالى واليوم الآخر {إِيْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيعْقُوبَ} وقوله: إِنى تركت إِلخ هو علة للتعليم أَى بما علمنيه ربى بوحى أَو إِلهام، وقد قيل: إِنه نبى من صغره حين يعقل، والمراد لأَنى تركت ملة من لا يؤمن بالله والبعث، واتبعت شرع آبائى الأَنبياءِ المرسلين فى سائِر أَمر الدين، وقيل: علة لمحذوف أَى علمنيه لأَنى تركت، وذكره ذلك أَولا قبل التفسير من شدة رغبته فى التوحيد وتوابعه حتى أَنه يريد أَن يموت الخباز موحدا، لما دخل السجن وجد قوما اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم فجعل يسليهم ويقول: اصبروا وأَبشروا فيقولون: بارك الله فيك يا فتى ما أَحسن وجهك وخلقك وحديثك لقد بورك لنا فى جوارك فمن أنت؟ قال: أَنا يوسف بن صفى الله يعقوب بن ذبيح الله إِسحاق بن خليل الله إِبراهيم فقال له صاحب السجن: يا فتى والله لو استطعت لخليت سبيلك ولكن سأَرفق بك وأُحسن جوارك واختر أَى بيوت السجن أَحبت، ويروى أَنه لما رآه الفتيان قالا: إِنا أَحببناك منذ رأَيناك فقال: أَنشدكما بالله لا تحبانى فوالله ما أَحبنى عبد إِلآ دخل على من حبه بلاءٌ، لقد أَحبتنى عمتى فدخل على بلاءٌ، وأَحبنى أَبى فأَلقيت فى الجب وأَحبتنى امرأَة العزيز فحبست، ولما أَلقيا عليه الرؤيا أَخر تأْويلها لأَن فيها قتل أحدهما وصلبه وأَلهاه عنها بما هو أَهم وهو الإِيمان، ويأْتى أَن عمته أَسرقته شيئا من مالها لتملكه فى شرعهم، وكون إِسحاق هو الذبيح ليس بالصحيح ونسبته ليوسف لا تصح وكان آباؤه المذكورون مشهورين بالرسالة والخير والكرامة، ولذلك ذكرهم، وقد قيل إنه نَبىءَ فى السجن، ومعنى تركت ملة قوم؛ أَى أَعرضت عنها ولم أَدخلها قط، والمراد بالقوم المشركون مطلقا، أَو أَهل مصر، ولا عبرة بالإِيمان مع عبادة الصنم {مَا كَانَ لَنَا} معشر أَهل هذا البيت، أَو معشر الأَنبياءِ على أَنه نبى فى حينه أَو على التغليب، أَى لا يصدر منا الإِشراك لوجود عناية الله - عز وجل - بنا، ولو كان يصدر من السعداءِ غيرنا ويتوبون، أَو ما كان لنا معشر المكلفين؛ لكن فيه تفكيك الضمائِر لأَن الضمير فى علينا بعد لأَهل البيت، أَو للأَنبياءِ، وقد يجاب بأَن الناس بعد ذلك المؤمنون وذلك بعيد {أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ} صلة للتأْكيد فى النفى والعموم داخلة على المفعول به وهو قوله: {شَيءٍ} صنم أَو ملك أَو جنى، أَو شىءٍ بمعنى إِشراك مفعول مطلق والمفعول به محذوف أَى غير الله من جن أَو إِنس أَو ملك أَو صنم والمراد إِنا معشر الأَنبياء لا يصدر منا إِشراك كما يصدر من غيرنا، وليس المراد مطلق التحريم فإِنه محرم على كل أَحد {ذَلِكَ} التوحيد كما هو ظاهر، والعلم بتأْويل الرؤيا وغيرها فإِنه منفعة لهم والناس، ويبعد ما قيل أَن الإِشارة إِلى ما قصد من النبوة {مِنْ فضْلِ اللهِ علَيْنَا} جملة إِنعامه لأَن إِنعامه علينا به إِنعام على الناس بإِرشادنا إِياهم إِليه فيفوزون بالتوحيد وثمراته، وينجون من النار، والتوحيد حصل لنا ولغيرنا، ومن أَراد حصله بتفضل الله علينا بنصب الدلائِل، ويجوز أَن يراد بالناس الموحدون {وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} وهم المشركون لا يوحدون فإِن التوحيد نفسه شكر وداع إِلى سائر الشكر وموجب له، أَو لا يشكرون الإِنعام عليهم ببعث الأًنبياءِ المرشدين لهم إِلى مصالحهم دنيا وأُخرى، وأَعرضوا عن الدلائِل فلا يشكرون بل يكفرون، أَو هم يلغون الدلائِل فلا يعدونها نعمة لهم تشكر، وزعم بعض أَن المعنى ذلك التوحيد من فضل الله تعالى علينا حيث أَعطانا عقولا فاستعملناها فى الدلائِل، وأَكثر الناس لا يشكرون لا يستعملونها فى الدلائِل، ومقتضى الظاهر ولكن أَكثرهم وأَظهر لزيادة البيان، قيل: ولئلا يتوهم رجوع الهاءِ إِلى مجموع الناس وإِلى ما عاد عليه ضمير علينا، وعلينا أًن نشكر الله على توفيقه إِيانا إِلى الإِيمان فإِلى قصدنا، وعلى خلقه الإِيمان منا وأَفعالنا خلق من الله، وذلك معنى الآية والله شكر إِيماننا بحسب قصدنا وكسبنا فأُولئك كان سعيهم مشكورا، أَعرض لهما بالإِيمان فى قوله: "لا يأْتيكما" إِلخ ثم قواه بقوله: "إِنى تركت ملة قومٍ" إلى "يشكرون" ثم دعاهما إِلى الإِيمان بقوله {يَا صاحِبَىِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواِحدُ القَهَّارُ ما تعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} حجة {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمرَ أَلاَّ تعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون} وَإِضافة صاحبى بمعنى فى، أَى يا من صحب كل منهما الآخر فى السجن، أَو يامن صحبانى فى السجن، أَو إِضافة لمفعول، أَى يا من صحبا السجن والتزماه، أَو إِضافة المفعول أَى يا ساكنى السجن، كأَصحاب الجنة وأَصحاب النار، واختار نداءَهما بذلك حثّاً على الإِقرار بالحق إِذ كانا فى شدة لا ينبغى أَن يزاغ عن الحق معها، وتفرق الأَرباب يعنى كون أَحدها من فضة وبعض من ذهب وبعض من حجر وبعض من خشب وبعض إِنسانا وبعض جنا وبعض ملكا وبعض بقرا، وغير ذلك، وهو أَولى من تفسير التفرق بالتعدد، والإِله الحق لا تعدد له فضلا عن التفرق، لا أَجزاءَ له ولا إِله معه، وهو القهار لكل ما يشاءُ وغيره مقهور بالانتقام والآفات والموت، وما تحصلتم إِلآ على أَسماءَ معانيها غير موجودة تقولون لشىءٍ أَنه رب وليس له معنى الربوبية، وإِله وليس له معنى الأُلوهية، وهكذا ما أَنزل الله حجة أَنها أَرباب بل كل جسم أَو عرض يشهد أَنها مربوبة مأْلوهة، ولا حكم لها من قضاءٍ وقدر، وإِيجاد وإِعدام، وحصر العبادة له هو الدين المستقيم، ولكن أَكثر الناس لا يعلمون، أَكثر أَهل الأَرض جهلة ومشركون لا يعلمون الثواب والعقاب لإِنكارهم البعث، فمن منكر ومن جاهل، ومن مقر غير عامل كأَنه منكر، أَولا يعلمون أَن ذلك هو الدين القيم، وقدر بعض: أَعبادة أَرباب، وعدم التقدير أَولى ليشمل اللفظ أَنواع المنافع ودفع المضار، كما يشمل العبادة ويناسب ذلك ذكر القهار وذكر الحكم، ولما فرغ من جرهما إِلى الإِسلام شرع فى تفسير رؤياهما فقال: {يَا صَاحِبىَ السِّجْنِ أَمَّا أَحدُكُمَا} وهو الساقى فيرجع إِلى منزلته من سقى الملك {فيَسْقَى رَبَّهُ} سيده الريان {خَمْراً} كعادته، قيل يخرج بعد ثلاثة أَيام بعدد العناقيد، وقدمه لأَنه خير يعجل فى التبشير به {وَأَمَّا الآخرْ} الخباز فيخرج بعد ثلاثة بعدد السلال {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ} كما أَكلت من الخبز على رأْسه فى حلمه أَو تحلمه، هذا تأْويل رؤياكما، فقالا ما رأَينا شيئاً لكن تحلمنا تجريبا لك، وكذبا بل حلما، وقيل: صدقا فى أَنهما ما رأَيا حلماً ولكن تحلما {قُضِى الأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} وهو مجموع الرؤيتين، والأَمر التعبير أَو ما أَتاهما به على حذف مضاف أَى عاقبة الأَمر، ويجوز أَن يراد مايؤُول إِليه أَمر الرؤْيتين أَو أَمر التعبير تقول: أَفتنى فى حكم تارك الصلاة بمعنى أَخبرنى بحكمه وذلكَ الأَمر قضاه الله بالوحى أَو بأَمر يثبته لى ضمن به التعبير أَو بحسب الاجتهاد كما فسرت لكما حلمتم أَو تحلمتما، دخل يوسف السجن نشر فيه علم تفسر الرؤْيا وعبرها ووصف نفسه بتعبيرها فقال أَحد الفتيين - وكأَن البلاءَ موكل بالمنطق - للآخر نجربه برؤيا نفتريها.. قاله ابن مسعود، وقال الشعبى: رأَيا فاهتما فقال ما شأْنكما؟ فقالا: إِنا غلامان للملك رأَينا رؤْيا فقال: قصاها على فقصاها فعبرها بما ذكر.

الالوسي

تفسير : {قَالَ لاَ يَأْتيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانه} في الحبس حسب عادتكما المطردة {إلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بتَأْويله} استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلا حال ما نبأتكما به بأن بينت لكما ماهيته وكيفيته وسائر أحواله {قَبْلَ أَن يَأْتيَكُمَا}، وحاصله لا يأتيكما طعام إلا أخبرتكما قبل إتيانه إياكما بأنه يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت. وإطلاق التأويل على ذلك - مع أن حقيقته في المشهور تفسير الألفاظ المراد منها خلاف الظاهر ببيان المراد - بطريق الاستعارة فإن ذلك يشبه تفسير المشكل، أو أنه بالنسبة إلى الطعام المبهم بمنزلة التأويل بالتأويل بالنسبة إلى ما رؤي في المنام وشبيه له. ويحسن هذه الاستعارة ما في ذلك من المشاكلة لما وقع في عبارتهما من قولهما: { أية : نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } تفسير : [يوسف: 36] وكون المراد بالتأويل الأمر الآيل لا المآل بناءاً على أنه في الأصل جعل شيء آيلاً إلى شيء آخر وكما يجوز أن يراد به الثاني يجوز أن يراد به الأول، ويكون المعنى إلا نبأتكما بما يؤول إليه من الكلام والخبرِ المطابق للواقع، في غاية البعد بل لا يكاد يلتفت إليه كما لا يخفى على المنصف. وكأنه عليه السلام أراد أن يعرض عليهما التوحيد ويزينه لهما ويقبح لهما الشرك بالله تعالى قبل أن يجيبهما عما سألاه من تعبير رؤياهما ثم يجيبهما عن ذلك. وهذه طريقة على كل ذي عقل أن يسلكها مع الجهلة والفسقة إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الإرشاد والنصيحة أولاً ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجبه عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه، ولعل ذلك كان مفترضاً عليه عليه السلام فوصف نفسه أولاً بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالمغيبات وجعله تخلصاً لما أراد كالتخلصات المعروفة عندهم فإن الإخبار بالغيب يناسب ما سألاه من تأويل رؤياهما وأن من كان هكذا لا محالة يكون بغيره صادقاً، ويقوي أمر المناسبة تخصيص الطعام بالذكر من بين سائر المغيبات كما لا يخفى، ويناسب ما أراده من الدعوة إلى التوحيد لأنه ثبت صدقه ونبوته وكونه من المرتضين عند الله تعالى الصادقين في أقوالهم وأفعالهم، وفي حكاية الله تعالى ذلك إرشاد لمن كان له قلب، وقد أدمج فيه أن وصف العالم نفسه لينتفع به لا يحرم ولا يعد ذلك من التزكية المحظورة. وإلى ما ذكرنا من حمل الإتيان على الإتيان في اليقظة ذهب غير واحد من الأجلة وروي عن ابن جريج، وحمله بعضهم على الإتيان مناماً. قال السدي وابن إسحاق: إنه عليه السلام لما علم من رؤية الخباز أنه يقتل أخذ في حديث آخر تنسية لهما أمر المنام وطماعية في إيمانهما ليأخذ المقتول / بحظه من الإيمان وتسلم له آخرته فقال بعظيم علمه بالتعبير: إنه لا يجيئكما طعام في نومكما تريان أنكما ترزقانه إلا أعلمتكما بما يؤول إليه أمره في اليقظة قبل أن يظهر ذلك. ولا يخفى أن حديث الطماعية المذكورة مما لا بأس إلا أن حديث التنسية لا يخلو عن منع. وجاء في رواية أخرى عن ابن جريج أخرجها ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه ما يقرب من هذا الحديث من وجه فإنه قال: إنه عليه السلام كره العبارة لهما فأجابهما بأن له علماً بما يأتيهما من الطعام ولم يصرح بما تدل عليه رؤياهما شفقة على الهالك منهما، وكان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معلوماً فأرسل به إليه فلما لم يكتفيا بذلك وطلبا منه التعبير أيضاً دعاهما إلى التوحيد كراهة للعبارة أيضاً، فلما لم يكتفيا عبر لهما وأوضح ما تدل عليه رؤياهما وهو كما ترى. وأياً مّا كان فالضمير في (تأويله) يعود على الطعام، وجوز عوده على ما قصاه عليه من الرؤيتين على معنى لا يأتيكما طعام ترزقانه حسب عادتكما إلا أخبرتكما بتأويل ما قصصتما عليَّ قبل أن يأتيكما ذلك الطعام الموقت، والمراد الإخبار بالاستعجال بالتنبئة وفيه أنه خلاف الظاهر مع أن الإخبار بالاستعجال مما ليس فيه كثير مناسبة لما هو بصدده. وقد يقال: يجوز عود الضمير إلى ما قصاه ويكون المراد من الطعام المرزوق ما رأياه في النوم، ولا يخفى ما فيه أيضاً لكن التأويل على هذين الوجهين لا يحتاج إلى التأويل بل يراد منه ما أريد من تأويله في كلامهما، وكذا الضمير المستتر في {يَأْتِيكُمَا} يعود على الطعام وعوده على التأويل وإن كان أقرب بعيد. ثم إنه عليه السلام أخبرهما بأن علمه ذلك ليس من علوم الكهنة والمنجمين بل هو فضل إلهي يؤتيه من يشاء فقال: {ذَلكُمَا} ويروى أنهما قالا له: من أين لك ما تدعيه من العلم وأنك لست بكاهن ولا منجم؟! وقيل: قالا إن هذا كهانة أو تنجيم فقال: أي ذلك التأويل والكشف عن المغيبات، ومعنى البعد في (ذلك) للإشارة إلى بعد منزلته وعلو درجته {ممَّا عَلَّمَني رَبِّي} بالوحي أو بنحو ذلك مما يحصل به العلم كما يكون للأولياء أهل الكشف رضي الله تعالى عنهم، واقتصر بعضهم على الأول وادعى أن الآية دليل على أنه عليه السلام كان إذ ذاك نبياً، وأياً مّا كان فالمراد أن ذلك بعض مما علمنيه الله تعالى أو من ذلك الجنس الذي لا يناله إلا الأصفياء، ولقد دلهما بذلك على أن له علوماً جمة ما سمعاه قطرة من تيارها وزهرة من أزهارها. وقوله: {إنِّي تَرَكْتُ ملَّةَ قَوْم لاَّ يُؤمنُونَ بالله} استئناف وقع جواباً عن سؤال نشأ مما تقدم وتعليلاً له كأنه قيل: لماذا علمك ربك تلك العلوم الجليلة الشأن؟ فقال: لأني تركت دين الكفر الذي اجتمعوا عليه من الشرك وعبادة الأوثان. وقيل: تعليل للتعليم الواقع صلة وهو يؤدي إلى معنى أنه مما علمني ربي لهذا السبب دون غيره وليس بمراد. وقيل: لمضمون الجملة الخبرية. وفيه أن ما ذكر ليس بعلة لكون التأويل المذكور بعضاً مما علمه ربه أو لكونه من جنسه بل لنفس التعليم. والمراد بالترك الامتناع فإنه لم يتلوث بتلك قط كما يفصح عنه ما يأتي من كلامه عليه السلام قريباً إن شاء الله تعالى لكن عبر به عن ذلك استجلاباً لهما لأن يتركا تلك الملة التي هم عليها على أحسن وجه. والتعبير عن كفرهم بالله تعالى بسلب الإيمان به سبحانه للتنصيص على أن / عبادتهم له تعالى مع عبادة الأوثان ليست بإيمان به تعالى كما يزعمونه. وأراد بأولئك القوم المتصفين بعنوان الصلة حيث كانوا، وقيل: أهل مصر فإنهم كانوا عبدة إذ ذاك {وَهُم بالأَخرَة} وما فيها من الجزاء {هُمْ كَافِرُونَ} أي على الخصوص دون غيرهم من الكنعانيين الذين هم على ملة إبراهيم عليه السلام على ما يفيده توسيط ضمير الفصل هنا عند البعض، وذكر أن تقديم الضمير للتخصيص وتكريره للتأكيد، ولعله إنما أكد إنكارهم للمعاد لأنه كان أشد من إنكارهم للمبدأ فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : جملة {قال لا يأتيكما} جواب عن كلامهما ففصلت على أسلوب حكاية جمل التحاور. أراد بهذا الجواب أن يفترص إقبالَهما عليه وملازمة الحديث معه إذ هما يترقبان تعبيره الرؤيا فيدمج في ذلك دعوتهما إلى الإيمان الصحيح مع الوعد بأنّه يعبّر لهما رؤياهما غير بعيد، وجعل لذلك وقتاً معلوماً لهم، وهو وقت إحضار طعام المساجين إذ ليس لهم في السجن حوادث يوقتون بها، ولأن انطباق الأبواب وإحاطة الجدران يحول بينهم وبين رؤية الشمس، فليس لهم إلا حوادث أحوالهم من طعام أو نوم أو هبوب منه. ويظهر أن أمد إتيان الطعام حينئذٍ لم يكن بعيداً كما دل عليه قوله: {قبل أن يأتيكما} من تعجيله لهما تأويل رؤياهما وأنه لا يتريث في ذلك. ووصف الطعام بجملة {ترزقانه} تصريح بالضبط بأنه طعام معلوم الوقت لا ترقب طعام يهدى لهما بحيث لا ينضبط حصوله. وحقيقة الرزق: مَا به النفع، ويطلق على الطعام كقوله: { أية : وجَد عندها رزقا } تفسير : [سورة آل عمران: 37] أي طعاماً، وقوله في سورة الأعراف (50) { أية : أو ممّا رزقكم الله }، تفسير : وقوله: { أية : ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } تفسير : [سورة مريم: 62]. ويطلق على الإنفاق المتعارف كقوله: { أية : وارزقوهم فيها واكسوهم } تفسير : [سورة النساء: 5]. ومن هنا يطلق على العطاء الموقت، يقال: كان بنو فلان من مرتزقة الجند، ورزق الجند كذا كل يوم. وضمير {بتأويله} عائد إلى ما عاد إليه ضمير { أية : بتأويله } تفسير : [سورة يوسف: 36] الأول، وهو المرئي أو المنام. ولا ينبغي أن يعود إلى طعام إذ لا يحسن إطلاق التأويل عن الأنباء بأسماء أصناف الطعام خلافاً لما سلكه جمهور المفسرين. والاستثناء في قوله: {إلاّ نَبّأتكما بتأويله} استثناء من أحوال متعددة تناسب الغرض، وهي حال الإنباء بتأويل الرؤيا وحال عدمه، أي لا يأتي الطعام المعتاد إلا في حال أني قد نبأتكما بتأويل رؤياكما، أي لا في حال عدمه. فالقصر المستفاد من الاستثناء إضافي. وجردت جملة الحال من الواو (وقَد) مع أنها مَاضية اكتفاء بربط الاستثناء كقوله تعالى: { أية : ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم } تفسير : [سورة التوبة: 121]. وجملة {ذلكما مما علمني ربي} استئناف بياني، لأنّ وعده بتأويل الرؤيا في وقت قريب يثير عجب السائلين عن قوة علمه وعن الطريقة التي حصل بها هذا العلم، فيجيب بأن ذلك مما علمه الله تخلصاً إلى دعوتهما للإيمان بإلهٍ واحد. وكان القبط مشركين يدينون بتعدد الآلهة. وقوله: {ممّا علمني ربي} إيذان بأنّه علّمه علوماً أخرى، وهي علوم الشريعة والحكمة والاقتصاد والأمانة كما قال: { أية : اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } تفسير : [سورة يوسف: 55]. وزاد في الاستيناف البياني جملة {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله} لأن الإخبار بأن الله علّمه التّأويل وعلوماً أخرى مما يثير السؤال عن وسيلة حصول هذا العلم، فأخبر بأن سبب عناية الله به أنّه انفرد في ذلك المكان بتوحيد الله وترك ملة أهل المدينة، فأراد الله اختياره لديهم، ويجوز كون الجملة تعليلاً. والملة: الدين، تقدم في قوله: { أية : ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً } تفسير : في سورة الأنعام (161). وأراد بالقوم الذين لا يؤمنون بالله ما يشمل الكنعانيين الذين نشأ فيهم والقبط الذين شبّ بينهم، كما يدلّ عليه قوله: { أية : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها } تفسير : [سورة يوسف: 39]، أو أراد الكنعانيين خاصة، وهم الذين نشأ فيهم تعريضاً بالقبط الذين ماثلوهم في الإشراك. وأراد بهذا أن لا يواجههم بالتشنيع استنزالاً لطائر نفورهم من موعظته. وزيادة ضمير الفصل في قوله: {هم كافرون} أراد به تخصيص قوم منهم بذلك وهم الكنعانيون، لأنهم كانوا ينكرون البعث مثل كفار العرب. وأراد بذلك إخراج القبط لأن القبط وإن كانوا مشركين فقد كانوا يثبتون بعث الأرواح والجزاء. والترك: عدم الأخذ للشيء مع إمكانه. أشار به إلى أنه لم يتبع ملة القبط مع حلوله بينهم، وكون مولاه متديناً بها. وذكر آباءه تعليماً بفضلهم، وإظهاراً لسابقية الصلاح فيه، وأنه متسلسل من آبائه، وقد عقله من أول نشأته ثم تأيد بما علّمه ربّه فحصل له بذلك الشرف العظامي والشرف العصامي. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أكرم الناس: «يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي». ومثل هذه السلسلة في النبوءة لم يجتمع لأحد غير يوسف ـــ عليه السّلام ـــ إذا كان المراد بالنبوءة أكملها وهو الرسالة، أو إذا كان إخوة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ غير أنبياء على رأي فريق من العلماء. وأراد باتّباع ملّة آبائه اتباعَها في أصولها قبل أن يعطى النبوءة إذا كان فيما أوحي إليه زيادة على ما أوحي به إلى آبائه من تعبير الرؤيا والاقتصاد؛ أو أن نبوءته كانت بوحي مثل ما أوحي به إلى آبائه، كقوله تعالى: { أية : شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً} تفسير : [سورة الشورى: 13] إلى قوله {أية : أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه } تفسير : [سورة الشورى: 13]. وذكر السلف الصالح في الحقّ يزيد دليل الحقّ تمكّناً، وذكر ضدهم في الباطل لقصد عدم الحجة بهم بمجردهم. كما في قوله الآتي: { أية : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم } تفسير : [سورة يوسف: 40]. وجملة {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} في قوة البيان لما اقتضته جملة {واتّبعتُ ملة آبائي} من كون التوْحيد صار كالسجية لهم عرف بها أسلافه بين الأمم، وعرّفهم بها لنفسه في هذه الفرصة. ولا يخفى ما تقتضيه صيغة الجحود من مبالغة انتفاء الوصف على الموصوف، كما تقدم في قوله تعالى: { أية : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب } تفسير : في سورة آل عمران (79)، وعند قوله تعالى: { أية : قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍ } تفسير : في آخر سورة العقود (116). و{من} في قوله: {مِن شيء} مزيدة لتأكيد النفي. وأدخلت على المقصود بالنفي. وجملة {ذلك من فضل الله علينا} زيادة في الاستئناف والبيان لقصد الترغيب في اتباع دين التوحيد بأنه فضل. وقوله: {وعلى الناس} أي الذين يتبعونهم، وهو المقصود من الترغيب بالجملة. وأتَى بالاستدراك بقوله: {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} للتصريح بأن حال المخاطبين في إشراكهم حال من يكفر نعمة الله، لأن إرسال الهداة نعمة ينبغي أن ينظر الناس فيها فيعلموا أن ما يدعونَهم إليه خير وإنقاذ لهم من الانحطاط في الدنيا والعذاب في الآخرة، ولأن الإعراض عن النظر في أدلة صدق الرسل كفر بنعمة العقل والنظر.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلآخِرَةِ} {كَافِرُونَ} (37) قَالَ لَهُمَا يُوسُفُ: إِنَّهُ يَعْرِفُ تَفْسِيرَ مَا رَآهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ حُلُمٍ وَسَيُخْبِرُهُمَا بِتَأْوِيلِهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا إِنَّهُمَا لاَ يَأْتِيهِمَا طَعَامٌ إِلاّ أَخْبَرَهُمَا بِهِ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِهِ، وَبِمَا يُرِيدُونَ مِنْ إِرْسَالِهِ. (وَقِيلَ إِنَّ مُدَبِّرِي المُؤَامَرَةِ عَلَى المَلِكِ مِنْ رِجَالِ الدَّوْلَةِ كَانُوا يُحَاوِلُونَ إِرْسَالَ طَعَامٍ مَسْمُومٍ إِلى الغُلاَمَينِ لِقَتْلِهِمَا لِكَيْ لاَ يُقِرَّا بِشَيءٍ عَنِ اشْتِرَاكِهِمْ بِالمُؤَامَرَةِ) وَهذِهِ القُدرَةُ عَلَى تَفْسِيرِ الأَحْلاَمِ، وَوَحْيِ الإِلْهَامِ الذِي تَمَتَّعَ بِهِ، هُمَا مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ رَبُّهُ بِوَحْيٍ مِنْهُ، لأَِنَّهُ تَرَكَ مُشَارَكَةَ القَوْمِ الكَافِرِينَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَفَلَسْطِينَ فِي عِبَادَةِ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ أَصْنَامٍ وَآلِهَةٍ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَيَكْفُرُونَ بِالآخِرَةِ وَبِالحِسَابِ وَالجَزَاءِ. وَأَنَّهُ آمَنَ بِاللهِ وَحْدَهُ إلهاً وَاحِداً لاَ شَريكَ لَهُ. ذلِكُمَا - التَّأْوِيلُ وَالإِخْبَارُ بِمَا يَأْتِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وبذلك أوضح لهما أنهما لا يريان منه إلا الظاهر من السلوك، ولكن هناك أمور مخفية، وكأنه يُنمي فيهما شعورهما بمنزلته وبإحسانه وبقدرته على أن يخبرهما بأوصاف ونوع أيِّ طعام يُرزَقانِه قبل أن يأتي هذا الطعام. وهذه ليست خصوصية في يوسف أو من عِنْدياته، ولكنها من علم تلقَّاه عن الله، وهو أمر يُعلِّمه الله لعباده المحسنين؛ فيكشف الله لهم بعضاً من الأسرار. وهما - السجينان - يستطيعان أن يكونا مثله إنْ أحسناً الإيمان بالله. ولذلك يتابع الحق سبحانه: {ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [يوسف: 37]. وكأنه بذلك يهديهما إلى الطريق الذي يجعلهما من المحسنين الذين يعطيهم الله بعضاً من هِبَات الخير، فيعلمون أشياء تَخْفى على غيرهم. وهذا يدلُّنا على أن المؤمن إذا رأى في إنسانٍ ما مَخِيلَة خير فَلْينمي هذه المخيلة فيه ليصل إلى خير أكبر؛ وبذلك لا يحتجز الخصوصية لنفسه حتى لا يقطع الأسوة الحسنة؛ ولكي يُطمِع العباد في تجليات الله عليهم وإشراقاته. ولذلك أوضح يوسف عليه السلام للسجينين أنه ترك مِلَّة قوم لا يؤمنون بالله بما يليق الإيمان به سبحانه، ولا يؤمنون بالبعث والحساب ثواباً بالجنة، أو عقاباً في النار. ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف عليه السلام: {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ...}.

الأندلسي

تفسير : {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ} الآية، لما استعبراه ووصفاه بالإِحسان افترض ذلك فوصف يوسف نفسه بما هو فوق علم العلماء وهو الاخبار بالغيب وأنه ينبئهما بما يجعل لهما من الطعام قبل أن يأتيهما ويصفه لهما وقيل كان ذلك في اليقظة وقيل كان في النوم فقالا له: ومن أين لك ما تدعيه من العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم فقال لهما: {ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ} وجعل ذلك تخليصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإِيمان ويزينه لهما ويقبح لهما الشرك بالله تعالى وروي أنه نبىء في السجن والظاهر أن قوله: {إِنِّي تَرَكْتُ} استئناف إخبار بما هو عليه إذ كانا قد أحباه وكلفا به وبحسن أخلاقه ليعلمهما ما هو عليه من مخالفة قومهما فيتبعاه وفي الحديث: حديث : لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم تفسير : وعبر بتركت مع أنه لم ينشأ بتلك الملة قط إجراء للترك مجرى التجنب من أول حاله واستجلاباً لهما لأن يترك تلك الملة التي كانا فيها والذين لا يؤمنون هم أهل مصر ونبه على أصلين عظيمين الإِيمان بالله والإِيمان بدار الجزاء وكرر لفظه هم على سبيل التوكيد وحسن ذلك الفصل قال الزمخشري: وتكريرهم للدلالة على أنهم خصوصاً كافرون بالآخرة وان غيرهم مؤمنون بها ولتوكيد كفرهم بالجزاء تنبيهاً على ما هم عليه من الظلم والكبائر التي يرتكبها إلا كافر بدار الجزاء "انتهى". ليست عندنا هم تدل على الخصوص وباقي ألفاظه ألفاظ المعتزلة. {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ} لما ذكر أنه رفض ملة أولئك ذكر اتباعه ملة آبائه ليريهما أنه من بيت النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي بما ذكره من اخباره بالغيوب لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه واتباع قوله: {مَا كَانَ لَنَآ} ما صح وما استقام لنا معشر الأنبياء. {أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} عموم في الملك والجني والأنسي فكيف بالصنم الذي لا يسمع ولا يبصر فشىء يراد به المشرك ويجوز أن يراد به المصدر أي شىء من الإِشراك فيعم الإِشراك ويلزم عموم متعلقاته ومن زائدة لأنها في حيز النفي إذا المعنى ما نشرك بالله شيئاً والإِشارة بذلك إلى شرعهم وملتهم. {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} لما ذكر ما هو عليه من الدين الحنيفي تلطف في حسن الاستدلال على فساد ما عليه قوم الفئتين من عبادة الأصنام فناداهما باسم الصحبة في المكان الشاق الذي تخلص فيه المودة وتمحض فيه النصيحة واحتمل قوله: يا صاحبي السجن ان يكون من باب الاضافة إلى الظرف والمعنى يا صاحبي السجن واحتمل أن يكون من باب إضافته إلى شبه المفعول كأنه قيل يا ساكني السجن كقوله تعالى: {أية : أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [الحشر: 20] ثم أورد الدليل على بطلان ملة قومهما بقوله: أأرباب فأبرز ذلك في صورة الاستفهام حتى لا تنفر طباعهما من المفاجأة بالدليل من غير استفهام وهكذا الوجه في محاجة الجاهل أن يؤخذ بدرجة يسيرة من الاحتجاج يقبلها فإِذا قبلها لزمته عنها درجة أخرى فوقها ثم كذلك حتى يصل إلى الإِذعان بالحق وقابل نفرق آبائهم بالوحدانية وجاء بصفة القهار تنبيهاً على أنه تعالى له هذا الوصف الذي معناه الغلبة والقدرة التامة وإعلاماً بعرف أصنامهم عن هذا الوصف الذي لا ينبغي أن يعبد إلا المتصف به وهم عالمون بأن تلك الأصنام جماد والمعنى أعبادة أرباب متكاثرة في العدد خير أم عبادة واحد قهار وهو الله تعالى فمن ضرورة العاقل يرى خيرية عبادة الله تعالى ثم استطرد بعد هذا الاستفهام إلى الاخبار عن حقيقة ما تعبدون والخطاب بقوله: {مَا تَعْبُدُونَ} لهما ولقومهما من أهل مصر ومعنى: {إِلاَّ أَسْمَآءً} الا ألفاظاً أحدثتموها. {أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ} فهي فارغة لا مسميات تحتها وتقدم تفسير مثل هذه الجملة في الاعراف. {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} أي ليس لكم ولا لأصنامكم حكم ما الحكم في العبادة والدين إلا لله ثم بين ما حكم به فقال: {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} ومعنى القيم الثابت الذي دلت عليه البراهين. {لاَ يَعْلَمُونَ} لجهالاتهم وغلبة الكفر عليهم. {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً} الآية لما ألقى إليهما ما كان أهم وهو أمر الدين رجاء في إيمانهم ناداهما ثانياً لتجتمع أنفسهما لسماع الجواب فروي أنهما قالا: ما رأينا شيئاً وإنما تحالمنا لنجربك فأخبرهما يوسف صلى الله عليه وسلم عن غيب علمه من قبل الله أن الأمر قد مضى ووافق القدرة وسواء كان ذلك منكما حلماً أم تحالماً وأفرد الأمر وان كان أمر هذا غير أمر هذا لأن المقصود إنما هو عاقبة أمرهما الذي أدخلا به السجن وهو اتهام الملك إياهما بسمه فرأيا ما رأيا أو تحالما بذلك. {وَقَالَ} أي يوسف. {لِلَّذِي ظَنَّ} أي أيقن هو أي يوسف. {أَنَّهُ نَاجٍ} هو الساقي والذي يظهر أن يوسف صلى الله عليه وسلم إنما قال لساقي الملك. {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} ليتوصل إلى هدايته وإيمانه بالله كما توصل إلى إيضاح الحق للساقي ورفيقه والضمير في فأنساه عائد على الساقي ومعنى ذكر ربه أي ذكر يوسف لربه والإِضافة تكون بأدنى ملابسة وإنساء الشيطان له بما يوسوس إليه من اشتغاله حتى يذهل عما قال له يوسف لما أراد الله بيوسف من إجزال أجره بطول مقامه في السجن. و{بِضْعَ سِنِينَ} مجمل فقيل سبع وقيل اثنا عشر والظاهر أن قوله: فلبث في السجن اخبار عن مدة مقامه في السجن منذ سجن إلى أن خرج.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا} [يوسف: 37] يعني: قال الذين يعبدون الله على الرؤية والمشاهدة بقلوب حاضرة عند مولاهم {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 22-23]، فكل حكم صدر من تلك الحضرة فهم شاهدوه في الغيب قبل نزوله إلى عالم الشهادة، فكساه القوة المتحلية عند عبوره عليها كسوة خيالية تناسب معناه، تصاحب الرؤيا إن كان عالماً بلسان الخيال فيعتبره وإلا يعرضه على المعبر ليكون ترجماً فأله، فيترجم له لسان الخيال ويخبره عن الحكم الصدر عن الحضرة الإلهية، فلهذا كانت الرؤيا الصالحة جزءاً من أجزاء النبوة؛ لأنه نوع من الوحي الصادر من الله، وتأويل الرؤيا جزءاً أيضاً من أجزاء النبوة؛ لأنه علم لدني يعلمه من يشاء من عباده كما قال يوسف عليه السلام: {ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ} ثم قال: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} [يوسف: 37] يعني: تركت هذه الملة، {عَلَّمَنِي رَبِّيۤ} وفيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة، وملتهم أنهم قوم لا يؤمنون بالله؛ لأن النفس تدعي الربوبية كما قال نفس فرعون: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24] والهوى يدعي الإلهية كما قال تعالى: {أية : أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الفرقان: 43] والطبيعة هي التي ضد البشرية. {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ} [يوسف: 38] السر، {وَإِسْحَاقَ} [يوسف: 38] الخفي، {وَيَعْقُوبَ} [يوسف: 38] الروح، وكانت ملتهم التوحيد والمعرفة، وأنهم أرباب الكشوف وأصحاب المشاهدات، {مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} [يوسف: 38] من الأشياء التي هي ما سوى الحق تبارك وتعالى، {ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا} [يوسف: 38] إذا أعطانا هذه الهداية. {وَعَلَى ٱلنَّاسِ} [يوسف: 38] يعني: النفس والبدن والأعضاء والجوارح بأن أفضنا عليهم فما أفاض الله علينا، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} [يوسف: 38] يعني: الذين نسوا نعمة الله، {لاَ يَشْكُرُونَ} [يوسف: 38] على نور فضله وكرمه.