١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءابَاءي إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ} أو كلام مبتدأ لتمهيد الدعوة وإظهار أنه من بيت النبوة لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه والوثوق عليه، ولذلك جوز للخامل أن يصف نفسه حتى يعرف فيقتبس منه، وتكرير الضمير للدلالة على اختصاصهم وتأكيد كفرهم بالآخرة. {مَا كَانَ لَنَا} ما صح لنا معشر الأنبياء. {أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْء} أي شيء كان. {ذٰلِكَ} أي التوحيد. {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا} بالوحي. {وَعَلَى ٱلنَّاسِ} وعلى سائر الناس يبعثنا لإرشادهم وتثبيتهم عليه. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} المبعوث إليهم. {لاَ يَشْكُرُونَ} هذا الفضل فيعرضون عنه ولا يتنبهون، أو من فضل الله علينا وعليهم بنصب الدلائل وإنزال الآيات ولكن أكثرهم لا ينظرون إليها ولا يستدلون بها فيلغونها كمن يكفر النعمة ولا يشكرها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَاءِي إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ } ينبغي {لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن } زائدة {شَىْءٍ } لعصمتنا {ذٰلِكَ } التوحيد {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } وهم الكفار {لاَ يَشْكُرُونَ } الله فيشركون.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا} بالنبوة {وَعَلَى النَّاسِ} بأن بعثنا إليهم "ع".
السيوطي
تفسير : أخرج الترمذي وحسنه والحاكم وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم، عن أبي الأحوص رضي الله عنه قال: فاخر أسماء بن خارجة الفزاري رجلاً فقال: أنا من الأشياخ الكرام، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله. وأخرج الحاكم عن عمر رضي الله عنه؛ أنه استأذن عليه رجل فقال: استأذنوا لابن الأخيار، فقال عمر: ائذنوا له، فلما دخل قال: من أنت؟ قال: فلان ابن فلان ابن فلان، قعدّ رجالاً من أشراف الجاهلية، فقال له عمر رضي الله عنه: أنت يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم؟! قال: لا. قال: ذاك من الأخيار، وأنت في الأشرار، إنما تَعُدّ لي جبال أهل النار. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان يجعل الجد أباً ويقول: من شاء لاعناه عند الحجر ما ذكر الله جداً ولا جدة، قال الله إخباراً عن يوسف عليه السلام {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ذلك من فضل الله علينا} قال: إن جعلنا أنبياء {وعلى الناس} قال: إن جعلنا رسلاً إليهم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس} قال: إن المؤمن ليشكر ما به من نعمة الله، ويشكر ما في الناس من نعمة الله، ذكر لنا أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان يقول: يا ربّ شاكر نعمة غير منعم عليه لا يدري، ويا ربّ حامل فقه غير فقيه.
ابو السعود
تفسير : {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءابَاءي إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ} يعني أنه إنما حاز هذه الكمالاتِ وفاز بتلك الكراماتِ بسبب أنه اتبع ملةَ آبائِه الكرامِ ولم يتبع ملةَ قومٍ كفروا بالمبدأ والمعاد وإنما قاله عليه السلام ترغيباً لصاحبـيه في الإيمان والتوحيدِ وتنفيراً لهما عما كانا عليه من الشرك والضلالِ، وقُدّم ذكرُ تركِه لملّتهم على ذكر اتباعِه لملة آبائِه لأن التخليةَ متقدمةٌ على التحلية {مَا كَانَ} أي ما صح وما استقام فضلاً عن الوقوع {لَنَا} معاشرَ الأنبـياءِ لقوة نفوسِنا ونور علومِنا {أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْء} أيَّ شيءٍ كان من ملك أو جنّي أو إنسي فضلاً عن الجماد البحت {ذٰلِكَ} أي التوحيدُ المدلولُ عليه بقوله: ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا} أي ناشىءٌ من تأيـيده لنا بالنبوة وترشيحِه إيانا لقيادة الأمةِ وهدايتِهم إلى الحق وذلك مع كونه من التوحيد ودواعيه نعمةٌ جليلةٌ وفضلٌ عظيم علينا بالذات {وَعَلَى ٱلنَّاسِ} كافةً بواسطتنا وحيث عبّر عن ذلك بذلك العنوان عبّر عن التوحيد الذي يوجبه بالشكر فقيل: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي لا يوحّدون فإن التوحيدَ ـ مع كونه من آثار ما ذُكر من التأيـيد ـ شكرٌ لله عز وجل على تلك النعمةِ وإنما وُضع الظاهرُ موضع الضمير الراجعِ إلى الناس لزيادة توضيحٍ وبـيانٍ ولقطع توهمِ رجوعِه إلى المجموع المُوهمِ لعدم اختصاصِ غير الشاكرِ بالناس، وقيل: ذلك التوحيدُ من فضل الله علينا حيث نصَب لنا أدلةً ننظر فيها ونستدلّ بها على الحق. وقد نصَب مثلَ تلك الأدلةِ لسائر الناس أيضاً ولكن أكثرَهم لا ينظرون ولا يستدلون بها اتّباعاً لأهوائهم فيبقَوْن كافرين غيرَ شاكرين ولك أن تقول: ذلك التوحيدُ من فضل الله علينا حيث أعطانا عقولاً ومشاعرَ نستعملها في دلائلِ التوحيد التي مهدها في الأنفس والآفاقِ وقد أعطىٰ سائرَ الناس أيضاً مثلها ولكن أكثرَهم لا يشكرون أي لا يصرِفون تلك القُوى والمشاعرَ إلى ما خُلقت هي له ولا يستعملونها فيما ذكر من أدلة التوحيدِ الآفاقيةِ والأنفُسية والعقليةِ والنقلية.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} اخبر سبحانه عن كمال التوحيد يوسف وتمكينه فى اسوة بآباء الانبياء والرسل ومعنى قوله واتبعت ملة ابائى اى اسالك طريق ما سلكوا الى الله شوقا الى وصاله وعشقا لجماله باسرار نورانية وارواح ملكوتية وقلوب ربانية ونيات صادقة وانفاس مقدسة ونفوس طاهرة وعقول حالمة باحكام الهامه واسرار خطابه واعلام ربوبيته واثار عبوديته انظر كيف احسن الادب حيث ذكر الخليل اولا وذكر اسحاق ثانيا ثم ذكر يعقوب احتراما واكراما لهم اى اتبعت الخليل فى الخلة والمحبة والحلم والسخاء واكرام الضيف والرضا بالمقدور والتسليم فى الامر والحرقة والهيجان والبكاء والتلوه وافراد القدم عن الحدوث حيث قال انى برئ مما تشركون والصدق واليقين وطلب مشاهدة الحق فى الآيات وهو مقام الالتباس بقوله رب ارنى كيف تحيى الموتى والاسلام والانقياد والحنيفة السهلة واتبعت منه اسحاق حيث القى نفسه لامر الله وذبحه على باب ربوبيته وقربان النفس عند سرادق مجده والانقياد عند امر ابيه حيث ففل بامر الله ما فعل واتبعت ملة يعقوب بالصبر الجميل والحزن الطويل والبكاء على الدوام وتحمل البلاء على السّرمد وافهم ان المتابعة وصف المخاصين من المريدين ومن لن يتادب باداب اهل الطريقة والحقيقة لم يبلغ الى درجات القوم ثم بين سبحانه قول يوسف ان ملة ابائه افراد القدم عن الحدوث وتجريد التوحيد وتطهير الادراك عن الاشراك بقوله {مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} اى لا تلتفت فى طريق محبته الى غيره ثم بين ان ذلك خارج عن اكتساب البشر بل متعلق بسابق اختيار الله لهم واصطفائيته لهم فى الازل بقوله {ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا} اى ما ذكرت من شمائلهم وما وهبنى الله من علم الغيب والحسن والجمال من فضل الله على وعلى آبائى {وَعَلَى ٱلنَّاسِ} اى نحن فضل الله على الناس حيث ظهر شمائل جلاله منا {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} لا يشكرون الله فيما اظهر لهم منا من دين الحقيقة وانوار الازلية وحسنة الابدى قال ابو عثمان اصلاح القلب والسر بمتابعة الصالحين واعتقاد تعظيم الابرار من جميع العباد قال الله تعالى واتبعت ملة ابائى ابراهيم واسحاق ويعقوب قال ابو عثمان المغربى اسلم الطرق من الاغترار طريق الاقتداء والتقليد لانها طريق الائمة الصالحين قال الله واتبعت ملة ابى الآية وقال الواسطى رؤية الفضل حسن ورؤية المنفضل احسن ورؤية المنفضل حسن و الفناء عن رؤيته احسن وقال ابو على الجورجانى احسن الناس حالا من راى نفسه تحت ظلا الفضل والمنة والنعمة لا تحت ظل عمله وسعيه ثم ان يوسف عرف اهل السجن مكانته فى التوحيد والرسالة ودعاهم الى ملته وملة آبائه بقوله {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} اعلمهم ان العدو والانقسام صفة الحدثان لا صفة الرحمن وان الرحمن واحد منزه عن الانقسام واذا كان منزها عن العلة يكون وصفه فى ربوبيته القهر على عباده وخلقه بانه جعلهم تحت امره وعبادته عاجزين عن العناد عن خدمته ثم بين ان معرفة الواحد القهار وعبادته والاعراض عن الاغيار دينه المستقيم بقوله {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} لا يعرفون ان الحادث لا يكون قديما وان القديم لا شريك له فى عبودية عباده وربوبية ازليته فى نصب اعلام آياته وشواهد مملكته قال ابو عثمان المغربى قد يكشف للانسان حال غيره ويستر عليه حال نفسه الا ترى الى يوسف قال لصاحب السجن ءارباب متفرقون خير ام الله الواحد القهار.
اسماعيل حقي
تفسير : {واتبعت ملة آبائى ابراهيم واسحق ويعقوب} عرف شرف نسبه وانه من اهل بيت النبوة لتتقوى رغبتهما فى الاستماع منه والوثوق عليه وكان فضل ابراهيم واسحاق ويعقوب امرا مشهورا فى الدنيا فاذا ظهر انه ولدهم عظموه ونظروا اليه بعين الاجلال واخذوا منه ولذلك جوز للعالم اذا جهلت منزلة فى العلم ان يصف نفسه ويعلم الناس بفضله حتى يعرف فيقتبس منه وينتفع به فى الدين وفى الحديث "حديث : ان الله يسأل الرجل عن فضل علمه كما يسأل عن فضل ماله" تفسير : وقدم ذكر ترك ملة الكفرة على ذكر اتباعه لملة آبائه لان التخلية بالمعجمة متقدمة على التحلية متقدمة على التحلية بالمهملة. وفيه اشارة الى ان الاتباع سبب للفوز بالكمالات والظفر بجميع المرادات والاشارة ان ملة ابراهيم السر واسحاق الخفاء ويعقوب الروح التوحيد والمعرفة {ما كان} اى ما صح وما استقام فضلا عن الوقوع {لنا} معاشر الانبياء لقوة نفوسنا ووفور علومنا {ان نشرك بالله من شيء} أى شيء كان من ملك اوجنى او انسى فضلا عن الجماد الذى لا يضر ولا ينفع {ذلك} التوحيد المدلول عيله بقوله ما كان لنا الخ ناشئ {من فضل الله علينا} بالوحى يعنى [بوحى مارا آكاهى داده] {وعلى الناس} كافة بواسطتنا وارسالنا لارشادهم اذ وجود القائد للاعمى رحمة من الله أية رحمة {ولكن اكثر الناس} المبعوث اليهم {لا يشكرون} هذا فيعرضون عنه ولا ينتهون ولما كان الانبياء وكمل الاولياء وسائط بين الله وخلقه لزم شكرهم تأكيدا للعبودية وقياما بحق الحكمة
الطوسي
تفسير : في هذه الآية أخبار عن يوسف أنه قال لهما: إني في ترك اتباع ملة الكفار وجحدهم البعث والنشور وفي إيماني بالله وتوحيدي له اتبعت ملة آبائي ابراهيم واسحاق ويعقوب، فالاتباع اقتفاء الأثر وهو طلب اللحاق بالأول، فاتباع المحق بالقصد الى موافقته من أجل دعائه. والملة مذهب جماعة يحمي بعضها بعضاً في الديانة، واصله الحمّى من المليلة وهي حمى ما يلحق الانسان دون الحمى. والآباء جمع أب وهو الذي يكون منه نطفة الولد، والأم الأنثى التي يكون منها الولد والجد أب بواسطة، ولا يطلق عليه صفة أب، وإنما يجوز ذلك بقرينة تدل على انه أب بواسطة الأبن، وجد الأب اب بواسطتين. وقوله {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} إخبار من يوسف أنه ليس له، ولا لاحد من آبائه أن يشرك بالله شيئاً، ودخلت (من) للنفي العام، والاشراك بلوغ منزلة الجمع لعبادة غير الله الى عبادته - في عظم الجرم. واليهودي مشرك، لانه بكفره بالنبي قد بلغ تلك المنزلة في عظم الجرم. وقوله {ذلك من فضل الله علينا} اعتراف منه ان ذلك العدول عن عبادة غير الله هو من فضل الله عليهم من حيث كان بلطفه وهدايته وتوفيقه. والفضل النفع الزائد على مقدار الواجب بوجوب الدين الذي يستحق به الشكر، وكل ما يفعله الله تعالى بالعبد، فهو فضل من فضله. والعقاب ايضاً فضل، لأنه زجر به عن المعاصي. وقيل ذلك من فضل الله علينا ان جعلنا أنبياء وعلى الناس ان جعلنا رسلاً اليهم - في قول ابن عباس - وقوله {على الناس} دال على ان الله قد عمّ جميع خلقه بفضله وهدايته إياهم الى التوحيد والايمان.
الجنابذي
تفسير : {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} اضاف الملّة الى آبائه اشارة الى علوّ نسبته بانتسابه الى من كان ذا ملّة وصاحب شريعة وصرّح باسمائهم لكونهم مشهورين بعلوّ الشّأن وشرافة الرّتبة ومقبولين عند الكلّ خصوصاً ابراهيم (ع) لذلك، وبعد ما عرّفهم نسبه وانّه (ع) من اهل بيت النّبوّة والشّرف اثبت لهم مذهبه وانّه التّوحيد وعرّض بذمّ مذهبهما وانّه خلاف مذهب الانبياء (ع) والاشراف فقال {مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} شيئاً يسيرا من اصناف الاشراك كالاشراك فى الوجوب كاشراك اكثر الثّنويّة القائلة بانّ للعالم مبدئين قديمين واجبين النّور والظّلمة او يزدان واهريمن، وكاشراك الزّنادقة من الدّهريّة والطّبيعيّة القائلة بانّ الدّهر او الطّبع واجب ومبدء فانّ هذا القول اشراك بحسب نفس الامر، وكالاشراك فى الآلهة كاشراك بعض الثّنويّة القائلة بوحدة الواجب تعالى وآلهته المبدئين، وكاشراك الصّابئة القائلة بآلهة الكواكب وتربيتها لعالم العناصر ومخلوقيّتها للحقّ الاوّل تعالى على كثرة مذاهبهم، وكاشراك اكثر من قال بسلطنة الملائكة او الجنّة على اختلاف طرقهم، وكالاشراك فى العبادة كاشراك الوثنيّة وعابدى العناصر ومواليدها من الاحجار والاشجار والحيوان، وكالاشراك فى الطّاعة كاشراك من اطاع السّلاطين والحكّام والاغنياء والشّياطين والاهواء ومنتحلى العلم والامامة والفتيا من غير اذنٍ واجازةٍ من الله ولا ممّن اجازه الله كالرّهبان والاحبار مترأّسى الملّة والطّريق من كلّ ملّة وطريق، وكالاشراك فى النبوّة كاشراك من بايع من ليس نبيّاً ولا خليفة له بيعة عامّة نبويّة، وكالاشراك فى الولاية كاشراك من بايع من ليس بولىٍّ بيعة خاصّة ولوية، ولمّا كان هذا الاشراك مستلزماً لما سبق من انواع الاشراك وبتوحيد الولاية يحصل جملة انواع التّوحيد كما لا يخفى على العارف بالولاية، وانّها لا تحصل الاّ بما قرّر من الائمّة (ع) فسّر الاشراك فى اكثر الآيات بالاشراك فى الولاية فى اخبارنا المعصوميّة، وكالاشراك فى الوجود قالاً او حالاً او شهوداً وقلّما ينفكّ الانسان عن هذا الاشراك والى هذا الاشراك اشار تعالى بقوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} فاشار (ع) بقوله من شيءٍ الى نفى جملة انواع الاشراك سواء جعل من شيءٍ مفعولاً مطلقاً كما مضى او مفعولاً به وهو تعريض بهما وبقومهما لانّهم اشركوا اكثر انواع الاشراك، ولمّا لم يمكن الخروج من جملة انواع الشّرك الاّ بالفناء التّامّ الّذى هو الفناء عن الفناء وكان هذ الفناء بحيث ان كان بعده بقاء لم يكن البقاء الاّ بالنّبوّة والرّسالة والخلافة وكان الكلّ من شعب فضله تعالى، كما انّ الولاية الّتى هى اصل تلك رحمته وكان النّبوّة وتاليتاها كما انّها فضل على الموصوف فضلاً على من كان الموصوف فيهم ومبعوثاً عليهم قال {ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} لانّهم لا يعرفون قدر النّبوّة ولا يقومون بواجب حقّها بل يعرضون عنها ويجحدونها.
فرات الكوفي
تفسير : {واتبعت ملة آبائي إِبراهيم وإسحاق ويعقوب38} فرات قال: حدثني الحسين بن العباس البجلي معنعناً: عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: خطب الحسن بن علي [بن أبي طالب عليهما السلام. ر] بعد وفاة أبيه [صلوات الله عليه.أ] فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم تلا هذه الآية قول يوسف [النبي. ر. عليه (الصلاة و. ر) السلام. ر، أ]: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} فالجد [ر، أ: ثم الجد] في كتاب الله [تعالى، ر] أب [ثم قال. ب]: أنا ابن البشير [و. ب، ر] أنا ابن النذير، وأنا ابن الذي أرسل رحمة للعالمين، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأنا من أهل البيت الذي كان جبرئيل [عليه السلام. ر] ينزل فيهم ومنهم كان يعرج، وإنا من أهل البيت الذي افترض الله مودتهم [وولايتهم. ر، أ] فقال فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً إن الله غفورٌ شكور} واقتراف الحسنة مودتنا. فرات قال: حدثني علي بن مكرم الرزاز [ر، أ: الرزان!] معنعناً: عن الحسن بن زيد [عليهما السلام. ر] ان الحسن [عليه السلام. ب] لما أصيب [أمير المؤمنين. ر] علي [بن ابي طالب. ر] عليه السلام خطب فقال: أيها الناس قد أصيب [في. ب، ر] هذه الليلة رجل ما سبقه الأولون بعلم ولا يدركه الآخرون بعمل، ما ترك بيضاء ولا صفراء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه [ن: إعطائه] أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله. إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقدمه أو يبعثه يقاتل جبرئيل [عليه السلام. ر] عن يمينه وميكائيل عن يساره [ر: شماله]، ما يرجع حتى يفتح الله له. من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن محمد [صلى الله عليه وآله وسلم. ر، ب]: {اتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} فالجد في كتاب الله أب ثم قال: أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه و [أنا. ر، ب] ابن السراج المنير، وأنا ابن الذي أرسله الله رحمة للعالمين وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ونحن [من. ب] أهل البيت الذين كان جبرئيل [عليه السلام. ر] فيهم ينزل ومنهم يصعد [ب: يعرج] وأنا [من] [أ: ونحن. ب: ونحن لمن] أهل البيت الذين افترض الله مودتنا وولايتنا قال الله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له حسناً} واقتراف الحسنة ولايتنا ومودتنا أهل البيت.
اطفيش
تفسير : {واتَّبعتُ مِلَّة آبائى إبْراهِيم وإسْحاقَ ويعْقُوب} استئناف أو عطف على التعليل، أى علمنى ذلك لأنى تركت ملة قوم لا يؤمنون الخ، ولأنى اتبعت ملة، وعلى الوجهين فالكلام تضمن التمهيد للدعوة إلى الإيمان، لكن إن جعلناه مستأنفا فهو لمجرد التمهيد، أو عطفا على التعليل فللتمهيد، والتعليل أظهر أنه متبع لملة هؤلاء الكرام المشهورين بالرسالة والدرجة العليا فى الآخرة والدنيا المرضيين عند الناس، وأنه من ذريتهم ترغيبا لهما فى الاستيثاق به، والاقتباس منه، فإنه يجوز لمن لا يعرف أن يصف نفسه حتى يعرف ويرغب فيه إذا كان غرضه أمر الآخرة أو أمرا مباحا. {ما كانَ لنا أن نُشْركَ بالله مِنْ} صلة للتأكيد {شَىءٍ} مفعول نشرك، والإشراك اسم كان، ولنا خبرها، أو هى تامة والإشراك فاعل، ولنا متعلق بها، أو صلة للتأكيد، ولنا خبر المبتدأ الذى هو الإشراك، والضمير فى لنا لمعشر الأنبياء أو ليوسف وآبائه المذكورين، أو للناس كلهم، وعلى الوجهين الأولين، فالمعنى ما يصح، او ما ينبغى لنا أن نشرك بالله شيئا بعصمتنا، والمراد بالشئ العاقل كالملك والآدمى والجنى، وغير العاقل كالأصنام، وقيل: المراد هنا العاقلين لينبه على خطئهم فى عبادة جماد لا يضر ولا ينفع، ولا يسمع ولا يبصر بالطريق الأولى. {ذَلكَ} المذكور من تعليم الله إياه، واتباعه ملة آبائه {مِنْ فَضْل الله عَليْنا} أى علىَّ وعبر بلفظ "نا" تعظيما لتلك المنزلة، لا تعظيما لنفسه بالذات، أو الإشارة إلى التوحيد، فيكون ضمير علينا ليوسف وآبائه {وعلى النَّاسِ} إذ نصيب لهم الأدلة بواسطتنا معشر الرسل، وبين لهم طريق الهداية بنا. {ولكنَّ أكْثَر النَّاس} وهم الكفار {لا يشْكُرونَ} الله على ذلك لعدم تنبههم له، أو ذلك الذى نصب الله أدلة التوحيد من فضل علينا، أو على الناس جميعا، ولكن نظرنا فاسد للنا فشكرنا، وأكثرهم لم ينظر فلم يستدل فلم يشكر بأن بقى كافرا.
الالوسي
تفسير : {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} داخل في حيز التعليل كأنه قال: إنما فزت بما فزت بسبب أني لم أتبع ملة قوم كفروا بالمبدأ والمعاد واتبعت ملة آبائي الكرام المؤمنين بذلك، وإنما قاله عليه السلام ترغيباً لصاحبيه في الإيمان والتوحيد وتنفيراً لهما عما كانا عليه من الشرك والضلال، وقدم ذكر تركه لملتهم على ذكر اتباعه لملة آبائه عليهم السلام لأن التخلية مقدمة على التحلية. وجوز بعضهم أن لا يكون هناك تعليل وإنما الجملة الأولى مستأنفة ذكرت تمهيداً للدعوة والثانية إظهاراً لأنه من بيت النبوة لتقوى الرغبة فيه، وفي كلام أبي حيان ما يقتضي أنه الظاهر وليس بذاك. وقرأ الأشهب العقيلي والكوفيون {آبائي} بإسكان الياء وهي مروية عن أبي عمرو {مَا كَانَ} ما صح وما استقام فضلاً عن الوقوع {لَنَا} معاشر الأنبياء لقوة نفوسنا، وقيل: أي أهل هذا البيت لوفور عناية الله تعالى بنا {أَن نُّشْركَ بالله من شَيْء} أي شيئاً أي شيء كان من ملك أو جني أو إنسي فضلاً عن الصنم الذي لا يسمع ولا يبصر - فمن - زائدة في المفعول به لتأكيد العموم، ويجوز أن يكون المعنى شيئاً من الإشراك قليلاً كان أو كثيراً فيراد من {شَيْء} المصدر وأمر العموم بحاله، ويلزم من عموم ذلك عموم المتعلقات. {ذَلكَ} أي التوحيد المدلول عليه بنفي صحة الشرك {من فَضْل الله عَلَيْنَا} أي ناشئ من تأييده لنا بالنبوة والوحي بأقسامه، والمراد أنه فضل علينا بالذات {وَعَلَى النَّاس} بواسطتنا {وَلَكنَّ أَكْثَرَ النَّاس لاَ يَشْكُرُونَ} أي لا يوحدون، وحيث عبر عن ذلك بذلك العنوان عبر عن التوحيد الذي يوجبه بالشكر لأنه مع كونه من آثار ما ذكر من التأييد شكر لله عز وجل. ووضع الظاهر موضع الضمير الراجع إلى الناس لزيادة التوضيح والبيان ولقطع توهم رجوعه إلى مجموع الناس وما كنى عنه - بنا - الموهم لعدم اختصاص غير الشاكر بالناس، وفيه من الفساد ما فيه. وجوز أن يكون المعنى ذلك التوحيد ناشئ من فضل الله تعالى علينا حيث نصب لنا أدلة ننظر فيها ونستدل بها على الحق، وقد نصب مثل تلك الأدلة لسائر الناس أيضاً من غير تفاوت ولكن أكثرهم لا ينظرون ولا يستدلون بها اتباعاً لأهوائهم فيبقون كافرين غير شاكرين، والفضل على هذا عقلي وعلى الأول سمعي. وجوز المولى أبو السعود أن يقال: المعنى ذلك التوحيد من فضل الله تعالى علينا حيث أعطانا عقولاً ومشاعر نستعملها في دلائل التوحيد التي مهدها في الأنفس والآفاق، وقد أعطى سائر الناس أيضاً مثلها ولكن أكثرهم لا يشكرون أي لا يصرفون تلك القوى والمشاعر إلى ما خلقت هي له ولا يستعملونها فيما ذكر من أدلة التوحيد الآفاقية والأنفسية والعقلية والنقلية انتهى. ولك أن تقول: يجوز أن تكون الإشارة إلى ما اشير إليه / بـ { أية : ذٰلِكُمَا } تفسير : [يوسف: 37] ويراد منه ما يفهم مما قبل من علمه بتأويل الرؤيا. و {من} في قوله {من فضل الله} تبعيضية، ويكون قد أخبر عنه أولاً بأنه مما علمه إياه ربه وثانياً بأنه بعض فضل الله تعالى عليه وعلى آبائه بالذات وعلى الناس بواسطتهم لأنهم يعبرون لهم رؤياهم فيكشفون لهم ما أبهم عليهم ويزيلون عنهم ما أشغل أذهانهم مع ما في ذلك من النفع الذي لا ينكره إلا نائم أو متناوم، ومن وقف على ما ترتب على تعبير رؤيا الملك من النفع الخاص والعلم لم يشك في أن علم التعبير من فضل الله تعالى على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون فضل الله تعالى مطلقاً أو فضله عليهم بوجود من يرجعون إليه في تعبير رؤياهم، ويكون ذلك نظير قولك لمن سألك عن زيد: ذلك أخي ذلك حبيبي، لكنه وسط هٰهنا ما وسط وتفنن في التعبير فأتى باسم الإشارة أولاً مقروناً بخطابهما ولم يأت به ثانياً كذلك وأتى بالرب مضافاً إلى ضميره أولاً وبالاسم الجليل ثانياً، ويجوز أن يكون المشار إليه في الموضعين الإخبار بالمغيبات مطلقاً، والكلام في سائر الآية عليه لا أظنه مشكلاً، وعلى الوجهين لا ينافي تعليل نيل تلك الكرامة - بتركه ملة الكفرة واتباعه ملة آبائه الكرام - الإخبار بأن ذلك من فضل الله تعالى عليه وعلى من معه كما لا يخفى، نعم إن حمل الإشارة على ما ذكر وتوجيه الآية عليه بما وجهت لا يخلو عن بعد. ومن الناس من جعل الإشارة إلى النبوة وفيه ما فيه أيضاً. هذا أوجب الإمام كون المراد في قوله: {لاَ يَشْكُرُونَ} لا يشكرون الله تعالى على نعمة الإيمان، ثم قال: وحكي أن واحداً من أهل السنة دخل على بشر بن المعتمر فقال: هل تشكر الله تعالى على الإيمان أم لا؟ فإن قلت: لا فقد خالفت الإجماع، وإن شكرته فكيف تشكره على ما ليس فعلاً له؟! فقال بشر: إنا نشكره على أن أعطانا القدرة والعقل والآلة، وأما أن نشكره على الإيمان مع أنه ليس فعلاً له فذلك باطل، وصعب الكلام على بشر فدخل عليهم ثمامة بن الأشرس، فقال: إنا لا نشكر الله تعالى على الإيمان بل الله تعالى يشكره علينا كما قال سبحانه: {أية : فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً } تفسير : [الإسراء: 19] فقال بشر: لما صعب الكلام سهل، وتعقب ذلك عليه الرحمة بأن الذي التزمه ثمامة باطل (وهو على طرف الثمام) بنص هذه الآية لأنه سبحانه بين فيها أن عدم الإشراك من فضل الله تعالى، ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة، وقد ذكر سبحانه ذلك على سبيل الذم فدل على أنه يجب على [كل] مؤمن أن يشكر الله تعالى على الإيمان لئلا يدخل في الذم وحينئذ تقوى الحجة وتكمل الدلالة اهـ. ولعل الوجه في الآية ما تقدم فليفهم.
الواحدي
تفسير : {ما كان لنا أنْ نشرك بالله من شيء} يريد: إنَّ الله سبحانه عصمنا من أن نشرك به {ذٰلك من فضل الله علينا} أَيْ: اتِّباعنا للإِيمان بتوفيق الله تعالى وتفضُّله علينا {وعلى الناس} وعلى مَنْ عصمه الله من الشِّرك حتى اتَّبع دينه {ولكنَّ أكثر الناس لا يشكرون} نعمة الله بتوحيده، والإِيمان برسله، ثمَّ دعاهما إلى الإِيمان، فقال: {يا صاحبي السجن} يعني: يا ساكنيه: {أأرباب متفرِّقون} يعني: الأصنام {خير} أعظم في صفة المدح {أم الله الواحد القهار} الذي يقهر كلَّ شيءٍ. {ما تعبدون من دونه} أنتما ومَنْ على مثل حالكما من دون الله {إلاَّ أسماءً} لا معانيَ وراءها {سميتموها أنتم} ، {إن الحكم إلاَّ لله} ما الفصلُ بالأمر والنَّهي إلاَّ لله {ذلك الدين القيم} المستقيم {ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون} ما للمطيعين من الثَّواب، وللعاصين من العقاب، ثمَّ ذكر تأويل رؤياهما بقوله: {يا صاحبي السجن أمَّا أحدكما فيسقي ربَّه خمراً، وأمَّا الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} فقالا: ما رأينا شيئاً، فقال: {قُضِيَ الأمر الذي فيه تستفتيان} يعني: سيقع بكما ما عبَّرت لكما، صدقْتُما أم كذبتما. {وقال} يوسف {للذي ظنَّ} علم {إنَّه ناج منهما} وهو السَّاقي: {اذكرني عند ربك} عند الملك صاحبك، وقل له: إنَّ في السِّجن غلاماً محبوساً ظلماً {فأنساه الشيطان ذكر ربه} أنسى الشَّيطان يوسف الاستغاثة بربِّه، وأوقع في قلبه الاستغاثة بالملك، فعوقب بأن {لبث في السجن بضع سنين} سبع سنين، فلمَّا دنا فرجه وأراد الله خلاصه رأى الملك رؤيا، وهو قوله: {وقال الملك إني أرى...} الآية. فلمَّا استفتاهم فيها. {قالوا أضغاث أحلام} أحلامٌ مختلطةٌ لا تأويل لها عندنا {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} أقرُّوا بالعجز عن تأويلها. {وقال الذي نجا منهما} وهو السَّاقي {وادَّكر بعد أمةٍ} وتذكَّر أمر يوسف بعد حين من الدَّهر: {أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون} فأُرسل، فأتى يوسف فقال: {يوسفُ} أَيْ: يا يوسف {أيها الصديق} الكثير الصِّدق، وقوله: {لعلي أرجع إلى الناس} يعني: أصحاب الملك {لعلهم يعلمون} تأويل رؤيا الملك من جهتك.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 38- إنى تركت ملة هؤلاء الكافرين، واتبعت دين آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فعبدت الله - وحده - فما صح لنا أن نجعل لله أى شريك من أى شئ كان، من مَلَك أو جنى أو إنسى، فضلا عن الأصنام التى لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تبصر، ذلك التوحيد مما تفضل به الله علينا وعلى الناس، إذ أُمرنا بتبليغه إليهم، ولكن أكثر الناس لا يتلقون هذا الفضل بالشكر بل بالكفر. 39- يا صاحبى فى السجن: أأرباب شتى كثيرة يخضع المرء لكل واحد منها خير، أم الله الواحد الذى لا يغالب؟. 40- ما تعبدون من غير الله إلا أسماء أطلقتموها أنتم وآباؤكم على أوهام لا وجود لها، ما أنزل الله بتسميتها آلهة من حُجة وبرهان، ما الحكم فى أمر العبادة وفيما يصح أن يعبد وما لا تصح عبادته، إلا لله أمر ألا تخضعوا لغيره وأن تعبدوه - وحده - ذلك الدين السليم القويم الذى تهدى إليه الأدلة والبراهين، ولكن أكثر الناس لا يسترشدون بهذه الأدلة، ولا يعلمون ما هم عليه من جهل وضلال. 41- يا صاحبى فى السجن، إليكما تفسير مناميكما: أمَّا أحدكما الذى عصر العنب فى رؤياه فيخرج من السجن ويكون ساقى الخمر للملك، وأما الثانى فيُصلَب ويُترك مصلوباً فتقع عليه الطير وتأكل من رأسه، تم الأمر على الوجه الذى بينته فيما تطلبان فيه تأويل الرؤيا. 42- وقال للذى توقع النجاة منهما: اذكرنى عند الملك - بصفتى وقصتى - عساه ينصفنى وينقذنى مما أعانيه، فشغله الشيطان وأنساه أن يذكر للملك قصة يوسف، فمكث يوسف فى السجن سنين لا تقل عن ثلاث.
د. أسعد حومد
تفسير : {آبَآئِـيۤ} {إِبْرَاهِيمَ} {وَإِسْحَاقَ} (38) - وَقَالَ يُوسُفُ، عَليهِ السَّلامُ، لِلْغُلاَمَينِ: إِنَّهُ تَرَكَ طَرِيقَ الكُفْرِ وَالشِّرْكِ،وَاتَّبَعَ سَبِيلَ المُرْسَلِينَ المُهْتَدِينَ مِنْ آبَائِهِ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وهذا التَّوْحِيدُ وَالاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، هُوَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيهِ وَعَلَى آبَائِهِ، وَقَدْ أَوْحَاهُ اللهُ إِليهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِهِ. وَمِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى النَّاسِ أّنَّهُ جَعَلَ يُوسُفَ وَآبَاءَهُ دُعَاةً لِلنَّاسِ إِلَى الخَيْرِ، وَإِلى سَبيلِ اللهِ القَّويمِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَلا يَشْكُرُونَهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ بِالطَّاعَةِ وَالإِيمَانِ وَحُسْنِ العَمَلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبذلك أوضح يوسف عليه السلام أنه ترك مِلَّة القوم الذين لا يعبدون الله حَقَّ عبادته، ولا يؤمنون بالآخرة، واتبع ملة آبائه إبراهيم ثم إسحاق ثم يعقوب، وهم مَنْ أرسلهم الله لهداية الخلق إلى التوحيد، وإلى الإيمان بالآخرة ثواباً بالجنة وعذاباً بالنار. وذلك من فضل الله بإنزاله المنهج الهادي، وفضله سبحانه قد شمل آباء يوسف بشرف التبليغ عنه سبحانه؛ ولذلك ما كان لِمَنْ يعرف ذلك أنْ يشرك بالله، فالشرك بالله يعني اللجوء إلى آلهة متعددة. يقول الحق سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [المؤمنون: 91]. فلو أن هناك آلهة غير الله سبحانه لصنع كلُّ إله شيئاً لا يقدر على صُنْعه الإله الآخر؛ ولأصبح الأمر صراعاً بين آلهة متنافرة. ومن فضل الله - هكذا أوضح يوسف عليه السلام - أن أنزل منهجه على الأنبياء؛ ومنهم آباؤه إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لِيُبلغوا منهجه إلى خَلْقه، وهم لم يحبسوا هذا الفضل القادم من الله، بل أبلغوه للناس. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [يوسف: 38]. وساعة تقرأ أو تسمع كلمة: {لاَ يَشْكُرُونَ} [يوسف: 38]. اعلم أن الأمر الذي أنت بصدده هو في مقاييس العقل والفطرة السليمة يستحق الشكر، ولا شُكْر إلا على النعمة. ولو فَطِنَ الناس لَشكروا الأنبياء والرسل على المنهج الذي بلَّغوه عن الله؛ لأنه يهديهم إلى حُسْن إدارة الدنيا، وفوق ذلك يهديهم إلى الجنة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما واصله يوسف من حديثه للسجينين: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَٱتَّبَعْتُ} في سلوكي طريق التوحيد {مِلَّةَ آبَآئِـيۤ} وأجدادي {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ} أي: ما صح وجاز لنا معاشر الأنبياء {أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ} المتوحد بذاته وأوصافه وأسمائه، المستقل في وجوده وحقيته {مِن شَيْءٍ} لا وجود له أصلاً سوى العكسية والظلية {ذٰلِكَ} الشهود والانكشاف {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ} الذين أُرسلنا إليهم وبُعثنا بينهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} الناسين حقوقهم نعم الله {لاَ يَشْكُرُونَ} [يوسف: 38] نعمة الإرسال وبعثة الرسل، ولا يواظبون على أداء شكرها. ثم لما مهد يوسف لصاحبه طريق التوحيد ونبه عليهما السلوك عليه، أشار إلى دعوتهما إليه على سبيل التدريج كما هو دأب الأنبياء، فقال منادياً لهما ليقبلا على بول قوله: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ} الساكنين فيه، المصاحبين معي {ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ} متكثرون في العدد متماثلون في عدم القدرة والاختيار {خَيْرٌ} عندكم وأحق لعبادتكم وانقيادكم {أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ} المتوحد في ذاته، المستقل في ألوهيته وربوبيته، المستغني في ذاته عن المظاهر مطلقاً {ٱلْقَهَّارُ} [يوسف: 39] الغالب على جميع السوى والأغيار. وأعلما أيها الأخوان {مَا تَعْبُدُونَ} أنتما ومن على دينكما في مصر من عبدة الآلهة الباطلة {مِن دُونِهِ} أي: من دون الله الواحد الأحد الصمد، الذي لا شريك له في الوجود أصلاً {إِلاَّ أَسْمَآءً} مطلقة على الأظلال معدومة، وعكوساً موهومة {سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ} من تلقاء نفوسكم آلهة ومعبودات، مع أنه {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} المنزل للكتب والمرسل للرسل {بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي: بشأن آلهتكم من حجة وبرهان عقلي ونقلي تى تكون تمسكاً لكم في اتخاذكم هؤلاء التماثيل آلهة مستحقة للعبادة والإطاعة {إِنِ ٱلْحُكْمُ} أي: ما الحكم المطلق والاستحقاق التام للإطاعة والانقياد وعبادة العباد {إِلاَّ للَّهِ} المتردي برداء العظمة والكبرياء، المتفرد باجللال والبقاء، المتوحد في البسطة والاستيلاء؛ إذ هو المستحق بالعبادة، المستقبل بالربوبية؛ لأنه في ذاته هو ولا شيء ساه، ولا إله إلا هو مع {أَمَرَ} فيما أنزل من الكتب على أنبيائه ورسله {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ} ولا ترجعوا أيها الأظلال الهالكة والعكوس الباطلة {إِلاَّ إِيَّاهُ} إذ به وبامتداد أظلال أوصافه وأسمائه ظهرت أشباحكم، ولاحت تماثيلكم وأرواحكم، فلا رجوع لكم إلاَّ {ذٰلِكَ} أي: طريق التوحيد، هو {ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي: الأقوم والأعدل، الذي لا عوج فيه أصلاً {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} لكثافة حجتهم وغلظ غيظتهم وأغشيتهم {لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40] ولا يفهمون سر سريان الوحدة في الكثرة، فحُجبوا بالمظاهر المتكثرة عن الوحدة الظاهرة فانصرفوا عن طريق الحق إلى الباطل {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]. ثم لما دعاهما إلى الإيمان والتوحيد، ونبه عليهما طريقه، اشتغل بتعبير رؤياهما، فقال منادياً لهما أيضاً: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا} وهو الشرابي {فَيَسْقِي رَبَّهُ} أي: سيده وملكه {خَمْراً} على ما كان عليه بلا احتياج إلى تأويل {وَأَمَّا ٱلآخَرُ} وهو الخبار {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ} هذا ما ظهر لي في تأويل رؤياه بتوفيق الله إياي: وبعدما سمعا منه التأويل قالا: كذبنا فيما قلنا لك واستعبرنا منك، قال يوسف عليه السلام: {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41] أي: حكم حكماً مبرماً على الوجه الذي ذكر في حضرة علم الله ولوح قضائه؛ لأن الأمر الذي جرى على لسان الأنبياء لا بدَّ أن يقع؛ إذ لا جريان للكذب وعدم المطابقة في ألسنة الأنبياء والرسل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):