١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {يَشْكُرُونَ يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ } يريد صاحبي في السجن، ويحتمل أيضاً أنه لما حصلت مرافقتهما في السجن مدة قليلة أضيفا إليه وإذا كانت المرافقة القليلة كافية في كونه صاحباً فمن عرف الله وأحبه طول عمره أولى بأن يبقى عليه اسم المؤمن العارف المحب. المسألة الثانية: اعلم أنه عليه السلام لما ادعى النبوة في الآية الأولى وكان إثبات النبوة مبنياً على إثبات الإلهيات لا جرم شرع في هذه الآية في تقرير الإلهيات، ولما كان أكثر الخلق مقرين بوجود الإله العالم القادر وإنما الشأن في أنهم يتخذون أصناماً على صورة الأرواح الفلكية ويعبدونها ويتوقعون حصول النفع والضر منها لا جرم كان سعي أكثر الأنبياء في المنع من عبادة الأوثان، فكان الأمر على هذا القانون في زمان يوسف عليه السلام، فلهذا السبب شرع ههنا في ذكر ما يدل على فساد القول بعبادة الأصنام وذكر أنواعاً من الدلائل والحجج. الحجة الأولى: قوله: {مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا } وتقرير هذه الحجة أن نقول: إن الله تعالى بين أن كثرة الآلهة توجب الخلل والفساد في هذا العالم وهو قوله: { أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] فكثرة الآلهة توجب الفساد والخلل، وكون الإله واحداً يقتضي حصول النظام وحسن الترتيب فلما قرر هذا المعنى في سائر الآيات قال ههنا: {مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا } والمراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار. والحجة الثانية: أن هذه الأصنام معمولة لا عاملة ومقهورة لا قاهرة، فإن الإنسان إذا أراد كسرها وإبطالها قدر عليها فهي مقهورة لا تأثير لها، ولا يتوقع حصول منفعة ولا مضرة من جهتها وإله العالم فعال قهار قادر يقدر على إيصال الخيرات ودفع الشرور والآفات فكان المراد أن عبادة الآلهة المقهورة الذليلة خير أم عبادة الله الواحد القهار، فقوله: {ءأَرْبَابٌ } إشارة إلى الكثرة فجعل في مقابلته كونه تعالى واحداً وقوله: {مُّتَّفَرّقُونَ } إشارة إلى كونها مختلفة في الكبر والصغر، واللون والشكل، وكل ذلك إنما حصل بسبب أن الناحت والصانع يجعله على تلك الصورة فقوله: {مُّتَّفَرّقُونَ } إشارة إلى كونها مقهورة عاجزة وجعل في مقابلته كونه تعالى قهاراً فبهذا الطريق الذي شرحناه اشتملت هذه الآية على هذين النوعين الظاهرين. والحجة الثالثة: أن كونه تعالى واحداً يوجب عبادته، لأنه لو كان له ثان لم نعلم من الذي خلقنا ورزقنا ودفع الشرور والآفات عنا، فيقع الشك في أنا نعبد هذا أم ذاك، وفيه إشارة إلى ما يدل على فساد القول بعبادة الأوثان وذلك لأن بتقدير أن تحصل المساعدة على كونها نافعة ضارة إلا أنها كثيرة فحينئذ لا نعلم أن نفعنا ودفع الضرر عنا حصل من هذا الصنم أو من ذلك الآخر أو حصل بمشاركتهما ومعاونتهما، وحينئذ يقع الشك في أن المستحق للعبادة هو هذا أم ذاك أما إذا كان المعبود واحداً ارتفع هذا الشك وحصل اليقين في أنه لا يستحق للعبادة إلا هو ولا معبود للمخلوقات والكائنات إلا هو، فهذا أيضاً وجه لطيف مستنبط من هذه الآية. الحجة الرابعة: أن بتقدير أن يساعد على أن هذه الأصنام تنفع وتضر على ما يقوله أصحاب الطلسمات إلا أنه لا نزاع في أنها تنفع في أوقات مخصوصة وبحسب آثار مخصوصة، والإله تعالى قادر على جميع المقدورات فهو قهار على الإطلاق نافذ المشيئة والقدرة في كل الممكنات على الإطلاق فكان الاشتغال بعبادته أولى. الحجة الخامسة: وهي شريفة عالية، وذلك لأن شرط القهار أن لا يقهره أحد سواه وأن يكون هو قهاراً لكل ما سواه وهذا يقتضي أن يكون الإله واجب الوجود لذاته إذ لو كان ممكناً لكان مقهوراً لا قاهراً ويجب أن يكون واحداً، إذ لو حصل في الوجود واجبان لما كان قاهراً لكل ما سواه، فالإله لا يكون قهاراً إلا إذا كان واجباً لذاته وكان واحداً، وإذا كان المعبود يجب أن يكون كذلك فهذا يقتضي أن يكون الإله شيئاً غير الفلك وغير الكواكب وغير النور والظلمة وغير العقل والنفس. فأما من تمسك بالكواكب فهي أرباب متفرقون وهي ليست موصوفة بأنها قهارة، وكذا القول في الطبائع والأرواح والعقول والنفوس فهذا الحرف الواحد كاف في إثبات هذا التوحيد المطلق وأنه مقام عال فهذا مجموع الدلائل المستنبطة من هذه الآية بقي فيها سؤالان: السؤال الأول: لم سماها أرباباً وليست كذلك. والجواب: لاعتقادهم فيها أنها كذلك، وأيضاً الكلام خرج على سبيل الفرض والتقدير: والمعنى أنها إن كانت أرباباً فهي خير أم الله الواحد القهار. السؤال الثاني: هل يجوز التفاضل بين الأصنام وبين الله تعالى حتى يقال إنها خير أم الله الواحد القهار؟ الجواب: أنه خرج على سبيل الفرض، والمعنى: لو سلمنا أنه حصل منها ما يوجب الخير فهي خير أم الله الواحد القهار. ثم قال: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ } وفيه سؤال: وهو أنه تعالى قال فيما قبل هذه الآية: {مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا } وذلك يدل على وجود هذه المسميات. ثم قال عقيب تلك الآية: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا } وهذا يدل على أن المسمى غير حاصل وبينهما تناقض. الجواب: أن الذات موجودة حاصلة إلا أن المسمى بالإله غير حاصل وبيانه من وجهين: الأول: أن ذوات الأصنام وإن كانت موجودة إلا أنها غير موصوفة بصفات الإلهية، وإذا كان كذلك كان الشيء الذي هو مسمى بالإله في الحقيقة غير موجود ولا حاصل، الثاني: يروى أن عبدة الأوثان مشبهة فاعتقدوا أن الإله هو النور الأعظم وأن الملائكة أنوار صغيرة ووضعوا على صورة تلك الأنوار هذه الأثان ومعبودهم في الحقيقة هو تلك الأنوار السماوية، وهذا قول المشبهة فإنهم تصوروا جسماً كبيراً مستقراً على العرش ويعبدونه وهذا المتخيل غير موجود ألبتة فصح أنهم لا يعبدون إلا مجرد الأسماء. واعلم أن جماعة ممن يعبدون الأصنام قالوا نحن لا نقول: إن هذه الأصنام آلهة للعالم بمعنى أنها هي التي خلقت العالم إلا أنا نطلق عليها اسم الإله ونعبدها ونعظمها لاعتقادنا أن الله أمرنا بذلك، فأجاب الله تعالى عنه، فقال أما تسميتها بالآلهة فما أمر الله تعالى بذلك وما أنزل في حصول هذه التسمية حجة ولا برهاناً ولا دليلاً ولا سلطاناً، وليس لغير الله حكم واجب القبول ولا أمر واجب الالتزام بل الحكم والأمر والتكليف ليس إلا له، ثم إنه أمر أن ألا تعبدوا إلا أياه، وذلك لأن العبادة نهاية التعظيم والإجلال فلا تليق إلا بمن حصل منه نهاية الإنعام وهو الإله تعالى لأن منه الخلق والإحياء والعقل والرزق والهداية، ونعم الله كثيرة وجهات إحسانه إلى الخلق غير متناهية ثم إنه تعالى لما بين هذه الأشياء، قال {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } وتفسيره أن أكثر الخلق يسندون حدوث الحوادث الأرضية إلى الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية لأجل أنه تقرر في العقول أن الحادث لا بد له من سبب فإذا رأوا أن تغير أحوال هذا العالم في الحر والبرد والفصول الأربعة، إنما يحصل عند تغير أحوال الشمس في أرباع الفلك ربطوا الفصول الأربعة بحركة الشمس، ثم لما شاهدوا أن أحوال النبات والحيوان مختلفة بحسب اختلاف الفصول الأربعة ربطوا حدوث النبات وتغير أحوال الحيوان باختلاف الفصول الأربعة، فبهذا الطريق غلب على طباع أكثر الخلق أن المدبر لحدوث الحوادث في هذا العالم هو الشمس والقمر وسائر الكواكب، ثم إنه تعالى إذا وفق إنساناً حتى ترقى من هذه الدرجة وعرف أنها في ذواتها وصفاتها مفتقرة إلى موجد ومبدع قاهر قادر عليم حكيم، فذلك الشخص يكون في غاية الندرة، فلهذا قال: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ} أي يا ساكني السجن؛ وذكر الصحبة لطول مقامهما فيه، كقولك: أصحاب الجنة، وأصحاب النار. {أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ} أي في الصغر والكبر والتوسط، أو متفرقون في العدد. {خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} وقيل: الخطاب لهما ولأهل السّجن، وكان بين أيديهم أصنام يعبدونها من دون الله تعالى، فقال ذلك إلزاماً للحجة؛ أي آلهة شَتَّى لا تضر ولا تنفع. «خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ» الذي قهر كل شيء. نظيره: «أية : آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ». تفسير : وقيل: أشار بالتفرق إلى أنه لو تعدّد الإله لتفرقوا في الإرادة ولعلا بعضهم على بعض، وبيّن أنها إذا تفرّقت لم تكن آلهة. قوله تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً} بيّن عجز الأصنام وضعفها فقال: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ} أي من دون الله إلا ذوات أسماء لا معاني لها. {سَمَّيْتُمُوهَآ} من تلقاء أنفسكم. وقيل: عنى بالأسماء المسميات؛ أي ما تعبدون إلا أصناماً ليس لها من الإلهية شيء إلا الاسم؛ لأنها جمادات. وقال: «مَا تَعْبُدونَ» وقد ابتدأ بخطاب الاثنين؛ لأنه قصد جميع من هو على مثل حالهما من الشّرك. {إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ} فحذف المفعول الثاني للدلالة؛ والمعنى: سميتموها آلهةً من عند أنفسكم. {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} ذلك في كتاب. قال سعيد بن جُبير: {مِن سُلْطَانٍ} أي من حجة. {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} الذي هو خالق الكل. {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}. {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ}. أي القويم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
البيضاوي
تفسير : { يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ} أي يا ساكنيه، أو يا صاحبي فيه فأضافهما إليه على الاتساع كقوله:شعر : يَـا سَـارِقَ اللْيلَـةَ أَهْـلَ الـدَّارِ تفسير : { أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ} شتى متعددة متساوية الأقدام. {خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ} المتوحد بالألوهية. {ٱلْقَهَّارُ} الغالب الذي لا يعادله ولا يقاومه غيره.
ابن كثير
تفسير : ثم إنّ يوسف عليه السلام أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما، فقال: {ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} أي: الذي ذل كل شيء لعز جلاله، وعظمة سلطانه، ثم بين لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهة إنما هو جهل منهم، وتسمية من تلقاء أنفسهم، تلقاها خلفهم عن سلفهم، وليس لذلك مستند من عند الله، ولهذا قال: {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ} أي: حجة ولا برهان، ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة أن لا يعبدوا إلا إياه، ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له، هو الدين المستقيم الذي أمر الله به، وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: فلهذا كان أكثرهم مشركين، {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103]. وقد قال ابن جرير: إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا؛ لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما، فأحب أن يشغلهما بغير ذلك؛ لئلا يعاودوه فيها، فعاودوه، فأعاد عليهم الموعظة، وفي هذا الذي قاله نظر، لأنه قد وعدهما أولاً بتعبيرها، ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة وسبباً إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام؛ لما رأى في سجيتهما من قبول الخير والإقبال عليه والإنصات إليه، ولهذا لما فرغ من دعوتهما، شرع في تعبير رؤياهما من غير تكرار سؤال، فقال:
المحلي و السيوطي
تفسير : ثم صرح بدعائهما إلى الإيمان فقال {يَا صَاحِبَيِ} ساكني { ٱلسّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ } خير؟ استفهام تقرير.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ذلك الدين القيم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ذلك الدين المستقيم، قاله السدي. الثاني: الحساب البيّن، قاله مقاتل بن حيان. الثالث: يعني القضاء الحق، قاله ابن عباس.
ابن عطية
تفسير : وصفه لهما بـ {صاحبي السجن} هو: إما على أن نسبهما بصحبتهما للسجن من حيث سكناه - كما قال: {أية : أصحاب الجنة} تفسير : [الأعراف: 44، الحشر: 20]، و {أية : أصحاب الجحيم} تفسير : [البقرة: 119] ونحو هذا - وإما أن يريد صحبتهما له في السجن، فأضافهما إلى السجن بذلك، كأنه قال: يا صاحبيَّ في السجن، وهذا كما قيل في الكفار إن الأصنام شركاؤهم؛ وعرضه عليهما بطول أمر الأوثان بأن وصفها "بالتفرق"، ووصف الله تعالى بـ "الوحدة" و"القهر" تلطف حسن وأخذ بيسير الحجة قبل كثيرها الذي ربما نفرت منه طباع الجاهل وعاندته، وهكذا الوجه في محاجة الجهلة أن يؤخذ بدرجة يسيرة من الاحتجاج يقبلها، فإذا قبلها لزمته عنها درجة أخرى فوقها، ثم كذلك أبداً حتى يصل إلى الحق، وإن أخذ الجاهل بجميع المذهب الذي يساق إليه دفعة أباه للحين وعانده؛ وقد ابتلي بأرباب متفرقين من يخدم أبناء الدنيا ويؤملهم. وقوله: {إلا أسماء} ذهب بعض المتكلمين إلى أنه أوقع في هذه الآية الأسماء على المسميات وعبر عنها بها إذ هي ذوات أسماء. قال القاضي أبو محمد: والاسم الذي هو ألف وسين وميم - قد يجري في اللغة مجرى النفس والذات والعين، فإن حملت الآية على ذلك صح المعنى، وليس الاسم - على هذا - بمنزلة التسمية التي هي رجل وحجر، وإن أريد بهذه الأسماء التي في الآية أسماء الأصنام التي هي بمنزلة اللات والعزى ونحو ذلك من تسميتها آلهة، فيحتمل أن يريد: إلا ذوات أسماء، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه؛ ويحتمل - وهو الراجح المختار إن شاء الله - أن يريد: ما تعبدون من دونه ألوهية ولا لكم تعلق بإله إلا بحسب أن سميتم أصنامكم آلهة، فليست عبادتكم لإله إلا باسم فقط لا بالحقيقة، وأما الحقيقة فهي وسائر الحجارة والخشب سواء، فإنما تعلقت عبادتكم بحسب الاسم الذي وضعتم، فذلك هو معبودكم إذا حصل أمركم؛ فعبر عن هذا المعنى باللفظ المسرود في الآية، ومن هذه الآية وهم من قال - في قولنا: رجل وحجر - إن الاسم هو المسمى في كل حال، وقد بانت هذه المسألة في صدر التعليق. ومفعول "سميتم" الثاني محذوف، تقديره: آلهة، هذا على أن {الأسماء} يراد بها ذوات الأصنام، وأما على المعنى المختار - من أن عبادتهم إنما هي لمعان تعطيها الأسماء وليست موجودة في الأصنام - فقوله {سميتموها} بمنزلة وضعتموها، فالضمير للتسميات، ووكد الضمير ليعطف عليه. والـ {سلطان} الحجة، وقوله: {إن الحكم إلا الله} أي ليس لأصنامكم التي سميتموها آلهة من الحكم والأقدار والأرزاق شيء، أي فما بالها إذن؟ ويحتمل أن يريد الرد على حكمهم في نصبهم آلهة دون الله تعالى وليس لهم تعدي أمر الله في أن لا يعبد غيره، و {القيم} معناه: المستقيم. و {أكثر الناس لا يعلمون} لجهالتهم وغلبة الكفر. ثم نادى {يا صاحبي السجن} ثانية لتجتمع أنفسهما لسماع الجواب، فروي أنه قال لنبو: أما أنت فتعود إلى مرتبتك وسقاية ربك، وقال لمجلث: أما أنت فتصلب، وذلك كله بعد ثلاث، فروي أنهما قالا له ما رأينا شيئاً وإنما تحالمنا لنجربك؛ وروي أنه لم يقل ذلك إلا الذي حدثه بالصلب؛ وقيل: كانا رأيا ثم أنكرا. وقرأت فرقة: "يَسقي ربه" من سقى، وقرأت فرقة من أسقى، وهما لمعنى واحد لغتان وقرأ عكرمة والجحدري: "فيُسقَى ربه خمراً" بضم الياء وفتح القاف أي ما يرويه. وأخبرهما يوسف عليه السلام عن غيب علمه من قبل الله تعالى: إن الأمر قد قضي ووافق القدر. وقوله: {وقال للذي ظن أنه ناج} الآية. "الظن" هاهنا - بمعنى اليقين، لأن ما تقدم من قوله: {قضي الأمر} يلزم ذلك، وهو يقين فيما لم يخرج بعد إلى الوجود: وقال قتادة: "الظن" - هنا - على بابه لأن عبارة الرؤيا ظن. قال القاضي أبو محمد: وقول يوسف عليه السلام: {قضي الأمر} دل على وحي ولا يترتب قول قتادة إلا بأن يكون معنى قوله {قضي الأمر} أي قضي كلامي وقلت ما عندي وتم، والله أعلم بما يكون بعد. وفي الآية تأويل آخر، وهو: أن يكون {ظن} مسنداً إلى الذي قيل له: إنه يسقي ربه خمراً، لأنه دخلته أبهة السرور بما بشر به وصار في رتبة من يؤمل حين ظن وغلب على معتقده أنه ناج: وذلك بخلاف ما نزل بالآخر المعرف بالصلب. ومعنى الآية: قال يوسف لساقي الملك حين علم أنه سيعود إلى حالته الأولى مع الملك: {اذكرني} عند الملك، فيحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل أن يذكره بمظلمته وما امتحن به بغير حق، أو يذكره بهما. والضمير في {أنساه} قيل: هو عائد على يوسف عليه السلام، أي نسي في ذلك الوقت أن يشتكي إلى الله، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق، فروي أن جبريل عليه السلام جاءه فعاتبه عن الله عز وجل في ذلك، وطول سجنه عقوبة على ذلك، وقيل: أوحي إليه: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً لأطيلن حبسك، وقيل: إن الضمير في {أنساه} عائد على الساقي - قاله ابن إسحاق - أي نسي ذكر يوسف عند ربه، فأضاف الذكر إلى ربه إذ هو عنده، و "الرب" على هذا التأويل - الملك. و {بضع} في كلام العرب اختلف فيه، فالأكثر على أنه من الثلاثة إلى العشرة، قاله ابن عباس، وعلى هذا هو فقه مذهب مالك رحمه الله في الدعاوى والأيمان؛ وقال أبو عبيدة: "البضع" لا يبلغ العقد ولا نصف العقد، وإنما هو من الواحد إلى الأربعة، وقال الأخفش "البضع" من الواحد إلى العشرة، وقال قتادة: "البضع" من الثلاثة إلى التسعة، ويقوي هذا ما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق في قصة خطره مع قريش في غلبة الروم لفارس "حديث : أما علمت أن البضع من الثلاث إلى التسع" تفسير : . وقال مجاهد: من الثلاثة إلى السبعة، قال الفراء: ولا يذكر البضع إلا مع العشرات، لا يذكر مع مائة ولا مع ألف، والذي روي في هذه الآية أن يوسف عليه السلام سجن خمس سنين ثم نزلت له قصة الفتيين وعوقب على قوله {اذكرني عند ربك} بالبقاء في السجن سبع سنين، فكانت مدة سجنه اثنتي عشرة سنة، وقيل: عوقب ببقاء سنتين، وقال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث" تفسير : ، ثم بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس.
النسفي
تفسير : { يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ } يا ساكني السجن كقوله: {أية : أصحاب النار} تفسير : [البقرة: 39] و {أية : أصحاب الجنة} تفسير : [البقرة:82] {أأرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ } يريد التفرق في العدد والتكاثر أي أن تكون أرباب شتى يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا خير لكما أم يكون لكما رب واحد قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية؟ وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ولعبادة الأصنام {مَا تَعْبُدُونَ } خطاب لهما ولمن كان على دينهما من أهل مصر {مِن دُونِهِ } من دون الله {إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } أي سميتم مالا يستحق الإلٰهية آلهة ثم طفقتم تعبدونها فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء لا مسميات لها، ومعنى {سميتموها} سميتم بها يقال: سميته زيداً وسميته يزيد {مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا } بتسميتها {مّن سُلْطَـٰنٍ } حجة {إِنِ ٱلْحُكْمُ } في أمر العبادة والدين {إلاَ لِلَّهِ } ثم بين ما حكم به فقال {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ } الثابت الذي دلت عليه البراهين {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } وهذا يدل على أن العقوبة تلزم العبد وإن جهل إذا أمكن له العلم بطريقه. ثم عبر الرؤيا فقال { يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا } يريد الشرابي {فَيَسْقِى رَبَّهُ } سيده {خَمْرًا } أي يعود إلى عمله {وَأَمَّا ٱلآخَرُ } أي الخباز {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ } روي أنه قال للأول: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه. وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتقتل. ولما سمع الخباز صلبه قال: ما رأيت شيئاً فقال يوسف {قُضِىَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } أي قطع وتم ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما أي ما يجر إليه من العاقبة وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر .
الخازن
تفسير : {يا صاحبي السجن} يريد يا صاحبيَّ في السجن فأضافهما إلى السجن كما تقول يا سارق الليلة لأن الليلة مسروق فيها غير مسروقة ويجوز أن يريد يا ساكني السجن كقوله أصحاب النار وأصحاب الجنة {أأرباب متفرقون} يعني أآلهة شتى من ذهب وفضة وصفر وحديد وحشب وحجارة وغير ذلك وصغير وكبير ومتوسط متباينون في الصفة وهي مع ذلك لا تضر ولا تنفع {خير أم الله الواحد القهار} يعني أن هذه الأصنام أعظم صفة في المدح واستحقاق اسم الإلهية والعبادة أم الله الواحد القهار، قال الخطابي: الواحد هو الفرد الذي لم يزل وحده وقيل هو المنقطع عن القرين والمعدوم الشريك والنظير وليس هو كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة لأن ذلك قد يكثر بانضمام بعضها إلى بعض والواحد ليس كذلك فهو الله الواحد الذي لا مثل له ولا يشبهه شيء من خلقه القهار، قال الخطابي: القهار هو الذي قهر الجبابرة من خلقه بالعقوبة وقهر الخلق كلهم بالموت، وقال غيره: القهار هو الذي قهر كل شيء وذلـله فاستسلم وانقاد وذل له، والمعنى أن هذه الأصنام التي تعبدونها ذليلة مقهورة إذا أراد الإنسان كسرها وإهانتها قدر عليه والله هو الواحد في ملكه القهار لعباده الذي لا يغلبه شيء وهو الغالب لكل شيء سبحانه وتعالى ثم بين عجز الأصنام وأنها لا شيء البتة فقال {ما تعبدون من دونه} يعني من دون الله وإنما قال تعبدون بلفظ الجمع وقد ابتدأ بالتثنية في المخاطبة لأنه أراد جميع من في السجن من المشركين {إلا أسماء سميتموها} يعني سميتموها آلهة وأرباباً وهي حجارة جمادات خالية عن المعنى لا حقيقة لها {أنتم وآباؤكم} يعني من قبلكم سموها آلة {ما أنزل الله بها من سلطان} يعني أن تسمية الأصنام آلهة لا حجة لكم بها ولا برهان ولا أمر الله بها وذلك أنهم كانوا يقولون إن الله أمرنا بهذه التسمية فرد الله عليهم بقوله: {ما أنزل الله بها من سلطان أن الحكم إلا لله} يعني أن الحكم والقضاء والأمر والنهي لله تعالى لا شريك له في ذلك {أمر أن لا تعبدوا إلا إياه} لأنه هو المستحق للعبادة لا هذه الأصنام التي سميتموها آلهة {ذلك الدين القيم} يعني عبادة الله هي الدين المستقيم {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ذلك. ولما فرغ يوسف عليه الصلاة والسلام من الدعاء إلى الله وعبادته رجع إلى تعبير رؤياهما فقال {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً} يعني أن صاحب شراب الملك يرجع إلى منزلته ويسقي الملك خمراً كما كان يسقيه أولاً والعناقيد الثلاثة هي ثلاثة أيام يبقى في السجن ثم يدعو به الملك ويرده إلى منزلته التي كان عليها {وأما الآخر فيصلب} يعني صاحب طعام الملك والسلال الثلاث ثلاثة أيام ثم يدعو به الملك فيصلبه {فتأكل الطير من رأسه} قال ابن مسعود رضي الله عنه فلما سمعا قول يوسف عليه الصلاة والسلام قالا ما رأينا شيئاً إنما كنا نلعب قال يوسف {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} يعني فرغ من الأمر الذي سألتما عنه ووجب حكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به رأيتما شيئاً أم لم تريا {وقال} يعني يوسف {للذي ظن} يعني علم وتحقق فالظن بمعنى العلم {أنه ناج منهما} يعني ساقي الملك {اذكرني عند ربك} يعني سيدك وهو الملك الأكبر فقل له إن في السجن غلاماً محبوساً مظلوماً طال حبسه {فأنساه الشيطان ذكر ربه} في هاء الكناية في فأنساه إلى من تعود قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الساقي وهو قول عامة المفسرين والمعنى فأنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك قالوا لأن صرف وسوسة الشيطان إلى ذلك الرجل الساقي حتى أنساه ذكر يوسف أولى من صرفها إلى يوسف. والقول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين أن هاء الكناية ترجع إلى يوسف، والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه عز وجل حتى ابتغى الفرج من غيره واستعان بمخلوق مثله في دفع الضرر وتلك غفلة عرضت ليوسف عليه السلام فإن الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر جائزة إلا أنه لما كان مقام يوسف أعلى المقامات ورتبته أشرف المراتب وهي منصب النبوة والرسالة لا جرم صار يوسف مؤاخذاً بهذا القدر فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. فإن قلت كيف تمكن الشيطان من يوسف حتى أنساه ذكر ربه. قلت بشغل الخاطر وإلقاء الوسوسة فإنه قد صح في الحديث "حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"تفسير : فأما النسيان الذي هو عبارة عن ترك الذكر وإزالته عن القلب بالكلية فلا يقدر عليه. وقوله سبحانه وتعالى: {فلبث في السجن بضع سنين}. اختلفوا في قدر البضع فقال مجاهد ما بين الثلاثة إلى السبع وقال قتادة: هو ما بين الثلاث إلى التسع، وقال ابن عباس هو ما دون العشرة وأكثر المفسرين على أن البضع في هذه الآية سبع سنين وكان يوسف قد لبث قبلها في السجن خمس سنين فجملة ذلك اثنتا عشرة سنة وقال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين وترك يوسف في السجن سبع سنين. وقال مالك ابن دينار: لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قال له يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً لأطيلن حبسك فبكى يوسف وقال يا رب أنسى قلبي ذكرك كثرة البلوى فقلت كلمة قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : رحم الله يوسف لولا كلمته التي قالها ما لبث في السجن ما لبث"تفسير : يعني قوله اذكرني عند ربك ثم بكى الحسن وقال نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس ذكره الثعلبي مرسلاً وبغير سند وقيل إن جبريل دخل على يوسف في السجن فلما رآه يوسف عرفه فقال له يوسف يا أخا المنذرين مالي أراك بين الخاطئين فقال له جبريل يا طاهر بن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين ويقول لك ما استحييت مني أن أستغثت بالآدميين فوعزتي وجلالي لألبثنك في السجن بضع سنين قال يوسف وهو في ذلك عني راض قال نعم قال إذن لا أبالي وقال كعب قال جبريل ليوسف يقول الله عز وجل لك من خلقك قال الله قال فمن رزقك قال الله قال فمن حببك إلى أبيك قال الله قال فمن نجاك من كرب البئر قال الله قال فمن علمك تأويل الرؤيا قال الله قال فمن صرفك عنك السوء والفحشاء قال الله قال فكيف استغثت بآدمي مثلك قالوا فلما انقضت سبع سنين. قال الكلبي: وهذه السبع سوى الخمس سنين التي كانت قبل ذلك ودنا فرج يوسف وأراد الله عز وجل إخراجه من السجن رأى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة هالته وذلك أن رأى في منامه سبع بقرات سمان قد خرجن من البحر ثم خرجن عقيبهن سبع بقرات عجاف في غاية الهزال فابتلع العجاف السمان ودخلن في بطونهن ولم ير منهن شيء ولم يتبين على العجاف منها شيء ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبع سنبلات أخر يابسات قد استحصدت فالتوت اليابسات على الخضر حتى علون عليهن ولم يبق من خضرتها شيء فجمع السحرة والكهنة والمعبرين وقص عليهم رؤياه التي رآها.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {يَٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}: وصْفُه لهما بـ {يَٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ } من حيثُ سُكْنَاه؛ كما قال: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } وَ{أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } ونحو ذلك، ويحتمل أن يريد صُحْبَتَهُما له في السِّجْنِ، كأنه قال: يا صَاحِبَايَ في السجْنِ، وعرْضُه عليهما بطلاَن أمْرِ الأوثان بأنْ وصَفَها بالتفرُّق، ووَصْفُ اللَّه تعالى بالوَحْدة والقَهْر تلطُّفٌ حَسَنٌ، وأخْذٌ بيسيرِ الحُجَّة قبل كثيرها الذي ربَّما نَفَرَتْ منه طباعُ الجَاهِلِ وعانَدَتْه، وهكذا الوجْهُ في محاجَّة الجاهِلِ: أَنْ يؤخَذَ بدَرَجَةٍ يسيرةٍ من ٱلاحتجاجِ يقبلها، فإِذا قبلها، لزمته عَنْها درجةٌ أخرى فوقها، ثم كذلك أبداً حتى يصلَ إِلى الحقِّ، وإِن أُخِذَ الجاهلُ بجميعِ المَذْهَبِ الذي يُسَاقُ إِليه دفعةً أباه للحين وعانَدَهُ، ولقد ٱبْتُلِيَ بأربابٍ متفرِّقين مَنْ يَخْدُم أبناء الدنيا ويؤمِّلهم. وقوله: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً}: أي: مسمَّيات، ويحتملُ - وهو الراجحُ المختار - أن يريد: ما تَعْبُدُون من دونه ألوهيَّة، ولا لكُمْ تعلُّق بإِلٰه إِلا بحَسَبِ أنْ سمَّيْتُمْ أصنامكم آلهةً، فليستْ عبادتكم للَّه إِلا بالاسم فقطْ لا بالحقيقة، وأما الحقيقة: فَهِيَ وسائرُ الحجارة والخَشَب سواءٌ، وإِنما تعلَّقت عبادتكم بحَسَبِ ٱلاسم الذي وضعت، فذلك هو مبعودُكُمْ، ومفعولُ «سميتم» الثاني محذوفٌ، تقديره: آلهة؛ هذا على أن الأسماء يراد بها ذواتُ الأصنام، وأما على المعنى المُخْتارِ من أنَّ عبادتهم إِنما هي لمعانٍ تعطيها الأسماءُ، وليسَتْ موجودةً في الأصنام، فقوله: {سَمَّيْتُمُوهَا } بمنزلةِ وضَعْتُمُوهَا، {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ }: أي ليس لأصنامكم، و{ٱلْقَيِّمُ }: معناه المستقيمُ، و{أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}؛ لجهالتهم وكُفْرهم، ثم نادَى: {يَٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ} ثانيةً؛ لتجتمع أنفسهما، لسماعِ الجواب، فروي أنه قال لنبو: أمَّا أنْتَ، فتعودُ إِلى مرتبتك وسقايةِ ربِّك، وقال لمجلث: أما أنْتَ، فتُصْلَب، وذلك كلَّه بعد ثلاثٍ، فروي أنهما قالا له: ما رَأَيْنَا شيئاً، وإِنما تحالمنا لنجرِّبك، وروي أنه لم يَقُلْ ذلك إِلا الذي حدَّثه بالصَّلْبِ، وقيل: كانا رَأَيَا، ثم أنْكَرا، ثم أخبرهما يوسُفُ عَنْ غَيْبِ عِلمَهُ من اللَّه تعالى، أَن الأمر قد قُضِيَ ووافَقَ القدر. وقوله: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا...} الآية: الظَّنُّ؛ هنا: بمعنى اليقين؛ لأن ما تقدَّم من قوله: {قُضِيَ ٱلأَمْرُ } يلزم ذلك، وقال قتادة: الظنُّ هنا على بابه؛ لأن عبارة الرؤْيا ظنٌّ. قال * ع *: وقول يوسف عليه السلام: {قُضِيَ ٱلأَمْرُ }: دالٌّ على وحْيٍ، ولا يترتَّب قول قتادة إِلا بأَن يكون معنى قوله: {قُضِيَ ٱلأَمْرُ }: أيْ: قُضِيَ كلامِي، وقلْتُ ما عِنْدي، وَتَمَّ، واللَّه أعلم بما يكُونُ بَعْدُ، وفي الآية تأويلٌ آخر: وهو أن يكون «ظَنَّ» مسنداً إِلى الذي قيل له: إِنه يسقي ربه خمراً؛ لأنه داخَلَه السرور بما بُشِّر به، وغلَبَ على ظَنِّه ومعتَقَدِهِ أَنه ناج. وقوله: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}: يحتمل أنْ يريد أنْ يذكره بعلْمه ومكانته، ويحتمل: أنْ يذكرهْ بمَظْلَمَتِهِ، وما ٱمتحن به بغَيْر حَقٍّ، أو يذْكُره بِجُمْلة ذلك، والضميرُ في {أَنسَاهُ} قيل: هو عائدٌ إِلى يوسُفَ، أي: نسي في ذلك الوقْتِ أنْ يشتكي إِلى اللَّه، فروي أَنَّ جبريلَ جاءه، فعاتَبَهُ عنِ اللَّه عَزَّ وجلَّ في ذلك، قيل: أُوحِيَ إِلَيْهِ: يا يوسُفُ، ٱتَّخَذْتَ مِنْ دوني وكيلاً، لأُطِيلَنَّ سَجْنَكَ، واللَّه أعلم بصحَّته، وقيل: الضمير في {أَنسَاهُ} عائدٌ على السَّاقي، قاله ابن إِسحاق، أي: نَسِيَ ذكْرَ يوسُفَ عند ربِّه، وهو المَلِك، والـ {بِضْعَ }: اختلف فيه، والأكثر أنَّه من الثلاثةِ إِلى العَشَرةِ؛ قاله ابن عباس: وعلى هذا فِقْهُ مذْهَبِ مالكٍ في الدعاوَى والأيمان، وقال قتادة: الـ {بِضْعَ }: من الثلاثة إِلى التسعة، ويقوي هذا قولُهُ صلى الله عليه وسلم لأَبي بَكْرَ الصِّديقِ في قصة خَطَره مع قُرَيَش في غَلَبَة الرُّومِ لفَارِس: « حديث : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ البِضْعَ مِنَ الثَّلاَثِ إِلى التِّسْعِ ).
البقاعي
تفسير : ولما أقام لهم الدليل على ما هو عليه من الدين الحنيفي تبعاً لخلاصة الخلق، بما تقرر في الأذهان من أن الله تعالى هو المنعم وحده سبحانه فيجب شكره، بعد أن قرر لهم أمر نبوته وأقام دليلها بما يخبرهم به من المغيبات، ودعاهم إلى ما يجب عليهم من التوحيد وهو الإسلام، وكان أكثر الخلق إلاّ الفذ النادر يقرون بالإله الحق، ولكنهم يشركون به بعض خلقه، أتبعه برهان التمانع على فساد كل ملة غير الإسلام الذي يطابق عليه الأنبياء والرسل كلهم، تأييداً لأدلة النقل بقاطع العقل، فقال منادياً لهما باسم الصحبة بالأداة التي تقال عند ما له وقع عظيم في النفوس في المكان الذي تخلص فيه والمودة، وتمحض فيه النصيحة، وتصفي فيه القلوب، ويتعمد الإخلاص رجاء الخلاص -: {ياصاحبي السجن} والصحبة: ملازمة اختصاص كأصحاب الشافعي مثلاً، لملازمة الاختصاص بمذهبه، وهي خلاف ملازمة الاتصال. ولما فرغ أفهامهما بالنداء لما يلقيه، قرع أسماعهما بالإنكار مع التقرير فقال: {ءَأربابٌ} أي آلهة {متفرقون} متباينون بالذوات والحقائق تشاهدونهم محتاجين إلى المكان مع كونهم جماداً، ولو كانوا أحياء لأمكن تمانعهم، فأدى إلى إمكان عجز كل منهم القاطع بعدم صلاحيته للإلهية {خير} أي أعظم في صفة المدح وأولى بالطاعة {أم الله} أي الملك الأعلى {الواحد} بالذات، فهو لا يحتاج إلى شيء أصلاً {القهار *} لكل شيء، لا يزال قهره يتكرر أبداً، فهذا برهان لا خطأ به كما ظن، وأبرزه صلى الله عليه وسلم على وجه الاستفهام استجلاباً للسامع برد العلم إليه، وسماها أرباباً لمثل ذلك بناء على زعمهم، وكذا المشاركة في أفعل التفضيل، لأن ذلك أقرب إلى الإنصاف، لكونه ألين في القول، فيكون أدعى إلى القبول. ولما كان الجواب لكل من يعقل: الله خير، أشار إلى ذلك بجزم القول بعد ذلك الاستفهام في سلب صلاحيتهم قبل هذا الإمكان بعدم حياتهم، وعلى تقدير حياتهم بعجزهم، فقال: {ما تعبدون} والعبادة: خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع، وبين حقارة معبوداتهم وسفولها بقوله: {من دونه} أي الله الذي قام برهان التمانع - الذي هو البرهان الأعظم - على إلهية وعلى اختصاصه بذلك {إلا أسماء} وبين ما يريد وأوضحه بقوله: {سميتموها} أي ذوات أوجدتم لها أسماء {أنتم وآباؤكم} لا معاني لها، لأنه لا أرواح لها فضلاً عن أن تتحقق بمعنى ما سميتموها به من الإلهية، وإن كان لها أرواح فهي منتف عنها خاصة الإلهية، وهي الكمال المطلق الذي يستلزم إحاطة العلم والقدرة. ولما كان مقصود السورة وصف الكتاب بالإبانة للهدى، وكان نفي الإنزال كافياً في الإبانة، لأن عبادة الأصنام باطلة،ولم يكن في السياق كالأعراف مجادلة توجب مماحكة ومماطلة ومعالجة ومطاولة، قال نافياً للإنزال بأي وصف كان: {ما أنزل الله} أي المحيط علماً وقدرة. فلا أمر لأحد معه {بها} وأعرق في النفي فقال: {من سلطان} أي برهان تتسلط به على تعظيمها، فانتفى تعظيمها لذاتها أو لغيرها، وصار حاصل الدليل: لو كانوا أحياء يحكمون لم يصلحوا للإلهية، لإمكان تمانعهم المؤدي إلى إمكان عجز كل منهم الملزوم لأنهم لأ صلاحية فيهم للإلهية، لكنهم ليسوا أحياء، فهم أجدر بعدم الصلاحية، فعلم قطعاً أنه لا حكم لمقهور، وأن كل من يمكن أن يكون له ثان مقهور؛ فأنتج هذا قطعاً أن الحكم إنما هو لله الواحد القهار، وهو لم يحكم بتعظيمها؛ وذلك معنى قوله: {إن} أي ما {الحكم إلاّ لله} أي المختص بصفات الكمال؛ والحكم: فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة. ولما انتقى الحكم عن غيره، وكان ذلك كافياً في وجوب توحيده، رغبة فيما عنده، ورهبة مما بيده، أتبعه تأكيداً لذلك وإلزاماً به أنه حكم به، فقال: {أمر ألا تعبدوا} أي أيها الخلق في وقت من الأوقات على حال من الأحوال {إلا إياه} أي وهو النافذ الأمر المطاع الحكم. ولما قام هذا الدليل على هذا الوجه البين، كان جديراً بالإشارة إلى فضله، فأشار إليه بأداة البعد، تنبيهاً على علو مقامه وعظيم شأنه فقال: {ذلك} أي الشأن الأعظم، وهو توحيده وإفراده عن خلقه {الدين القيم} أي الذي لا عوج فيه فيأتيه الخلل من جهة عوجه، الظاهر أمره لمن كان له قلب {ولكن أكثر الناس} أي لما لهم الاضطراب مع الحظوظ {لا يعلمون *} أي ليس لهم علم، لأنهم لا ينتفعون بعقولهم، فكأنهم في عداد البهائم العجم، فلأجل ذلك هم لا يفردون الله بالعبادة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في الآية. قال لما عرف نبي الله يوسف عليه السلام إن أحدهما مقتول، دعاهما إلى حظهما من ربهما وإلى نصيبهما من آخرتهما. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {يا صاحبي السجن} يوسف يقوله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} قال: أسس الدين على الإِخلاص لله وحده ولا شريك له. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {ذلك الدين القيم} قال العدل.
ابو السعود
تفسير : {يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ} أي يا صاحبـيَّ في السجن كما تقول: يا سارق الليلةِ ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجانِ ودارِ الأحزان التي تصفو فيها المودةُ وتخلُص النصيحةُ ليُقبِلا عليه ويَقبَلا مقالتَه وقد ضرب لهما مثلاً يتضح به الحقُّ عندهما حقَّ اتضاحٍ فقال: {أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ} لا ارتباطَ بـينهم ولا اتفاقَ يستعبدُ كما كلٌّ منهم حسبما أراد غيرَ مراقب للآخَرين مع عدم استقلاله {خَيْرٌ} لكما {أَمِ ٱللَّهُ} المعبودُ بالحق {ٱلْوَاحِدُ} المتفرد بالألوهية {ٱلْقَهَّارُ} الغالبُ الذي لا يغالبه أحدٌ. وبعد ما نبههما على فساد تعددِ الأرباب بـين لهما سقوطَ ألهتِهما عن درجة الاعتبار رأساً فضلاً عن الألوهية فقال معمّماً للخطاب لهما ولمن على دينهما: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ} أي من دون الله شيئاً {إِلاَّ أَسْمَاءً} فارغةً لا مطابقَ لها في الخارج لأن ما ليس فيه مصداقُ إطلاقِ الاسم عليه لا وجودَ له أصلاً فكانت عبادتُهم لتلك الأسماء فقط {سَمَّيْتُمُوهَا} جعلتموها أسماءً وإنما لم يَذكُر المسمَّياتِ تربـيةً لما يقتضيه المقامُ من إسقاطها عن مرتبة الوجودِ وإيذاناً بأن تسميتهم في البطلان حيث كانت بلا مسمّى كعبادتهم حيث كانت بلا معبود {أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمُ} بمحض جهلِكم وضلالتِكم {مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا} أي بتلك التسميةِ المستتبِعة للعبادة {مّن سُلْطَـٰنٍ} من حجة تدل على صحتها {إِنِ ٱلْحُكْمُ} في أمر العبادة المتفرعةِ على تلك التسمية {إِلاَ لِلَّهِ} عز سلطانُه لأنه المستحقُّ لها بالذات إذ هو الواجبُ بالذات الموجدُ للكل والمالكُ لأمره {أَمَرَ} استئنافٌ مبني على سؤال ناشىءٍ من قوله: إن الحكم إلا لله فكأنه قيل: فماذا حكم الله في هذا الشأن؟ فقيل: أمر على ألسنة الأنبـياءِ عليهم السلام {أَلاَّ تَعْبُدُواْ} أي بأن لا تعبُدوا {إِلاَّ إِيَّاهُ} حسبما تقضي به قضيةُ العقل أيضاً {ذٰلِكَ} أي تخصيصُه تعالى بالعبادة {ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ} الثابتُ المستقيم الذي تعاضدت عليه البراهينُ عقلاً ونقلاً {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أن ذلك هو الدينُ القيم لجهلهم بتلك البراهينِ أو لا يعلمون شيئاً أصلاً فيعبدون أسماءً سمَّوها من تلقاء أنفسِهم معْرِضين عن البرهان العقليِّ والسلطانِ النقليِّ. وبعد تحقيقِ الحقِّ ودعوتِهما إليه وبـيانِه لهما مقدارَه الرفيعَ ومرتبةَ علمِه الواسِع شرع في تفسير ما استعبراه ولكونه بحثاً مغايِراً لما سبق فصلُه عنه بتكرير الخطاب فقال:
اسماعيل حقي
تفسير : {يا صاحبى السجن} الاضافة بمعنى فى اى يا صاحبى فى السجن لما ذكر ما هو عليه من الدين القويم تلطف فى حسن الاستدلال على فساد ما عليه قوم الفتيين من عبادة الاصنام فناداهما باسم الصحبة فى المكان الشاق الذى يخلص فيه المودة ويتمحض فيه النصيحة {ءارباب متفرقون} الاستفهام انكارى [آيا خدايان براكنده كه شما داريد اززر ونقره وآهن وجوب وسنك] او من صغير وكبير ووسط كما فى التبيان {خير} لكما {ام الله} المعبود بالحق {الواحد} المنفرد بالالوهية {القهار} الغالب الذى لا يغالبه احد. وفيه اشارة الى ان الله يقهر بوحدته الكثرة وان الدنيا والهوى والشيطان وان كان لها خيرية بحسب زعم اهلها لكنها شر محض عند الله تعالى لكونها مضلة عن طريق طلب اعلى المطالب واشرف المقاصد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الإضافة في (صاحبي السجن): على معنى (في)؛ كقولك: شعر : يا سَارِقَ الليْلَةَ أَهْل الدَّارِ تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا صاحبَي السجن} أي: ساكنيه، أو يا صاحبي فيه؛ {أأرباب متفرقون}: متعددون، {خيرٌ أم اللهُ الواحدُ} المتوحّد في الألوهية، {القهّار}: الغالب على أمره، لا يقاومه غيره، {ما تعبدون} أنتم ومن على دينكم من أهل مصر، {من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} أي: ما تعبدون إلا مسميات أسماء من الحجارة، والخشب، سميتموها آلهة من غير حجة تدل على استحقاقها للعبادة. والمعنى: سميتم آلهة ما لا يستحق الألوهية، ثم عبدتموها. {ما أنزل اللهُ بها} أي: بعبادتها {من سلطانٍ}: من حجة ولا برهان. {إن الحُكمُ} في أمر العبادة {إلا لله}؛ لأنه المستحق لها دون غيره، من حيث أنه الواجب لذاته، الموجد للكل، هو المالك لأمره، {أمَر} على لسان أنبيائه {ألا تعبدوا إلا إياه} ولا تعبدوا معه سواه {ذلك الدين القيم} القويم الذي لا عوج فيه، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} دلائل توحيده، فيتخبطون في جهالتهم. قال البيضاوي: وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة، بَيّن لهم أولاً: رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة، ثم برهن على أن ما يُسمونها آلهة، ويعبدونها لا تستحق الألوهية، ثم دل على ما هو الحق القويم، والدين المستقيم، الذي لا يقتضي العقل غيره، ولا يرتضي العلم دونه. هـ. الإشارة: كل من لم يجمع قلبه على مولاه، واتبع حظوظه وهواه، فله أرباب متفرقون بقدر ما يميل إليه قلبُه من هذا العرض الفاني. قال ابن عطية: وقد ابتلي بأرباب متفرقين من يخدم أبناء الدنيا، ويؤملهم. هـ. وفي الحديث: "حديث : خَابَ مَن رَجَى غير الله وضَلَّ سَعيُه، وطَابَ وقَتُ مَن وَثَقَ بِاللِّهِ"تفسير : ولله در القائل: شعر : حَرامٌ على مَنْ وَحّدَ الله رَبّهُ وَأَفرَدَهُ أن يَجتَدي أَحَدَاً رَفدا فَيَا صَاحِبي قِف بي عَلى الحقِّ وقفَةً مُوتُ بَها وَجداً وأَحيَا بِها وَجداً وَخَلِّ مُلوك الأرضِ تَجهَد جُهدَهَا فّذا المُلكُ مُلكٌ لا يُباع ولا يُهدَى تفسير : ثم فسر لهما الرؤيا، فقال: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ}.
الطوسي
تفسير : هذا حكاية ما نادى به يوسف للمتسفتين له عن تأويل رأياهما، فقال لهما {يا صاحبي السجن} اي يا ملازمي السجن. والصاحب الملازم لغيره على وجه الاختصاص بوجه من الوجوه، وهو خلاف ملازمة الاتصال، ولذلك قيل أصحاب مالك، واصحاب الشافعي للاختصاص بمذاهبهما، واصحاب النبي لملازمتهم له، والكون معه في حروبه، وصاحبا السجن هما الملازمان له بالكون فيه. والسجن هو الحبس الذي يمنع من التصرف قال الفرزدق: شعر : وما سجنوني غير اني ابن غالب واني من الأثرين غير الزعانف تفسير : وقوله {أرباب متفرقون} فيه أقوال: قال قوم املاك متباينون خير أم المالك القاهر للجميع، يدلهم بهذا على أنه لا يجوز ان يعتقدوا الربوبية إلا لله تعالى - عز وجل - وحده. وقال الحسن متفرقون من صغير وكبير ووسط، يعني الاوثان. وقال قوم: معناه متفرقون بمباينة كل واحد للآخر بما يوجب النقص، والقاهر القادر بما يجب به الغلبة لا محالة والقهار مبالغة في الصفة يقتضى انه القادر بما يجب به الغلبة لكل احد والخير الابلغ في صفة المدح، والشر الابلغ في صفة الذم.
الجنابذي
تفسير : {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ} الاضافة لأدنى ملابسةٍ سواء كان المراد صحابة يوسف (ع) فى السّجن او صحابة نفس السّجن {أَأَرْبَابٌ} متكثّرون والتّعبير بالارباب تعبير بما اعتقدوه ليكون ادخل فى النّصف {مُّتَّفَرِّقُونَ} غير قاهرين بعضهم لبعض وجمع العقلاء ايضاً لموافقة اعتقادهم {خَيْرٌ} افعل التّفضيل للمداراة والنّصف ايضاً {أَمِ ٱللَّهُ} لم يصرّح بربوبيّته لتسليم الخصم او ادّعاء تسليمه وانّه ممّا لا ينكر {ٱلْوَاحِدُ} مقابل المتكثّرين {ٱلْقَهَّارُ} مقابل المتفرّقين.
اطفيش
تفسير : {يا صَاحِبى السِّجنِ} أضافهما للسجن لملابستهما له، وكأنه قال: يا ساكنى السجن، كما يقال: أصحاب الجنة، وأصحاب النار، أو الإضافة بمعنى فى كأنه قيل: يا مصاحبين لى فى السجن{أأرْبابٌ} آلهة {مُتفرِّقونَ} أى متعددون، فإن المتعدد متفرق كل منه على حدة كذا ظهر لى، أو معنى تفرقها تخالفها، هذا من شجر، وهذا من حجر، وهذا من فضة، وذلك من ذهب، وذلك من نحاس وغير ذلك، وواحد طويل، وآخر قصير، وآخر متوسط، ولا تضر ولا تنفع تلك التسمية والعبادة بالذات ولا بغيرها، وجمع السلامة للمذكر تغليب للعقلاء المربوبين، أو تنزيل لغير العقلاء منزلتهم، لأنه كذلك عند عائديها وهذا على ان المراد غير العقلاء {خيرٌ أمِ اللّهُ الوَاحِدُ} لم يزل وحده، أو المعدم للشريك والقرين، أو المنفرد فعلا وقولا وصفة وذاتا، واستحقاقا للعبادة بالحقيقة ولو لم تفطنا لها {القهَّارُ} أى الذى لا يقاومه غيره، فضلا عن أن يغبه، وقد قهر الجبابرة من خلقه بالعقوبة فلم يردوها إذا جاءتهم، وقهر الخلق كلهم بالموت، وانقادت له الأجسام والأعراض، وتلك الأرباب معبودة من دون الله، مقهورة، والاستفهام للتقرير أو لإنكار أن تكون الأرباب خيرا، وذلك جلب لهم إلى التوحيد بألطف وجه، إذا حاجهما بدرجة يسيرة متى سلماها لزمت عنها درجة فوقها حتى يتوصل بهما إلى الحق، ولو حاجهما بما هو الحاصل دفعة لزاد نفورا.
الالوسي
تفسير : {يَا صَاحبَي السِّجْن} أي يا صاحبي فيه إلا أنه أضيف إلى الظرف توسعاً كما في قولهم: يا سارق الليلة أهل الدار؛ ولعله إنما ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجان ودار الأحزان التي تصفو فيها المودة وتتمحض النصيحة ليقبلا عليه ويقبلا مقالته؛ ويجوز أن يراد بالصحبة السكنى كما يقال: أصحاب النار وأصحاب الجنة لملازمتهم لهما، والإضافة من باب إضافة الشيء إلى شبه المفعول عند أبي حيان وإلى المفعول عند غيره ولا اتساع في ذلك، وقيل: بل هناك اتساع أيضاً، وأنه أضافهما إلى السجن دونه لكونهما كافرين وفيه نظر، ولعل في ندائهما بذلك على هذا الوجه حثاً لهما على الإقرار بالحق كأنه قال لهما: يا ساكني هذا المكان الشاق والمحل الضنك إني ذاكر لكم أمراً فقولوا الحق فيه ولا تزيغوا عن ذلك فأنتم تحت شدة ولا ينبغي لمن كان كذلك أن يزيغ عن الحق، وإنما حمل الصاحب على ما سمعت لأن صاحب السجن في الاستعمال المشهور السجان أو الملك، والنداء - بيا - بناءً على الشائع من أنها للبعيد للإشارة / إلى غفلتهما وهيمانهما في أودية الضلال. وقد تلطف عليه السلام بهما في ردهما إلى الحق وإرشادهما إلى الهدى حيث أبرز لهما ما يدل على بطلان ما هما عليه بصورة الاستفهام حتى لا تنفر طباعهما من المفاجأة بإبطال ما ألفاه دهراً طويلاً ومضت عليه أسلافهما جيلاً فجيلاً فقال: {ءَأرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ} متعددون متكثرون يستعبدكما منهم هذا وهذا، والكلام على ما صرح به أبو حيان على حذف مضاف أي أعبادة أرباب متفرقين {خَيْرٌ} لكما {أَم اللهُ} أي أم عبادة الله سبحانه {الْوَاحدُ} المنفرد بالألوهية {الْقَهَّارُ} الغالب الذي لا يغالبه أحد جل وعلا، وهو أولى مما قاله الخطابي من أنه الذي قهر الجبابرة بالعقوبة والخلق بالموت. وذكر الزمخشري أن هذا مثل ضرب لعبادة الله تعالى وحده ولعبادة الأصنام، واعترضه القطب بأن ذلك إنما يصح لو نسبا تارة إلى أرباب شتى وأخرى إلى رب واحد كما في قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ } تفسير : [الزمر: 29] الآية لكنهما نسبا إلى أرباب وإلى الله تعالى، فكيف يكون مثلاً؟! وأجاب بأنه يفسر الله تعالى برب واحد لأنه في مقابلة أرباب، وإنما عبر عن رب واحد بالله تعالى لانحصاره فيه جل جلاله. وقال الطيبي أيضاً: إن في ذلك إشكالاً لأن الظاهر من الآية نفي استواء الأصنام وعبادتها بالله تعالى وعبادته فأين المثل؟ ثم قال: لكن التقدير أسادات شتى تستعبد مملوكاً واحداً خير من سيد واحد قهار فوضع موضع الرب، والسيد الله لكونه مقابلاً لقوله: {ءَأَرْبَابٌ} فيكون كقوله تعالى: { أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ } تفسير : [الزمر: 29] الآية. وقرر في "الكشف" ما ادعى معه ظهور كونه مثلاً ظهوراً لا إشكال فيه، والحق أنه ظاهر في نفي الاستواء وإنّ جعله مثلاً يحتاج إلى تأويل حسبما سمعت عن الطيبي إلا أنه لا يخلو عن لطف؛ ولعله الأولى وإن أحوج إلى ما أحوج. وحمل التفرق على التفرق في العدد والتكاثر مما ذهب إليه غير واحد، وحمله بعضهم على الاختلاف في الكبر والصغر والشكل ونحو ذلك مما يحصل لها بواسطة تأثير الغير فيها، وجعله إشارة إلى كونها مقهورة عاجزة. وأما التعدد فيشير إليه جمع أرباب باعتبار أنه جمع فيكون ذكر الواحد على هذا في مقابلة ما أشير إليه من التعدد، والقهار في مقابلة ما أشير إليه من المقهورية والعجز، والمعنى أمتعددون سميتموهم أرباباً عجز مقهورون متأثرون من غيرهم خير أم الله أي صاحب هذا الاسم الجليل الواحد الذي يستحيل عليه التكثر بوجه من الوجوه القهار الذي لا موجود إلا وهو مسخر تحت قهره وقدرته عاجز في قبضته. وقيل: المراد من {مُّتَّفَرِّقُونَ} مختلفو الأجناس والطبائع كالملك والجن والجماد مثلاً، ويجوز أن يراد منه من لا ارتباط بينهم ولا اتفاق، وكثيراً ما يكنى بذلك عن العجز واختلال الحال، وقد استنبط الإمام من الآية غير ما حجة على بطلان عبادة الأصنام، وظاهر كلامه أنه لم يعتبرها مثلاً فليتأمل. ثم إنه عليه السلام زاد في الإرشاد ببيان سقوط آلهتهما عن درجة الاعتبار رأساً فضلاً عن الألوهية، وأخرج ذلك على أتم وجه فقال معمماً للخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر كما هو الظاهر، وقيل: مطلقاً، وقيل: من معهما من أهل السجن: {مَا تَعْبُدُونَ من دُونه}.
ابن عاشور
تفسير : استيناف ابتدائي مصدر بتوجيه الخطاب إلى الفتيين بطريق النداء المسترعي سمعهما إلى ما يقوله للاهتمام به. وعبّر عنهما بوصف الصحبة في السجن دون اسميهما إمّا لجهل اسميهما عنده إذ كانا قد دخلا السجن معه في تلك الساعة قبل أن تطول المعاشرة بينهما وبينه، وإما للإيذان بما حدث من الصلة بينهما وهي صلة المماثلة في الضراء الإلف في الوحشة، فإن الموافقة في الأحوال صلة تقوم مقام صلة القرابة أو تفوقها. واتفق القراء على ـــ كسر سين ـــ {السّجن} هنا بمعنى البيت الذي يسجن فيه المعاقبون، لأن الصاحب لا يضاف إلى السجن إلا بمعنى المكان. والإضافة هنا على تقدير حرف الظرفية، مثل: مكر الليل، أي يا صاحبيْن في السجن. وأراد بالكلام الذي كلّمهما به تقريرهما بإبطال دينهما، فالاستفهام تقريري. وقد رَتّب لهما الاستدلال بوجه خطابي قريب من أفهام العامة، إذ فرض لهما إلهاً واحداً متفرداً بالإلهية كما هو حال ملته التي أخبرهم بها. وفرض لهما آلهة متفرقين كل إله منهم إنما يتصرف في أشياء معينة من أنواع الموجودات تحت سلطانه لا يعدوها إلى ما هو من نطاق سلطان غيره منهم، وذلك حال ملة القبط. ثم فرض لهما مفاضلة بين مجموع الحالين حال الإله المنفرد بالإلهية والأحوال المتفرقة للآلهة المتعددين ليصل بذلك إلى إقناعهما بأن حال المنفرد بالإلهية أعظم وأغنى، فيرجعان عن اعتقاد تعدد الآلهة. وليس المراد من هذا الاستدلال وجود الحالين في الإلهية والمفاضلة بين أصحاب هذين الحالين لأن المخاطبين لا يؤمنون بوجود الإله الواحد. هذا إذا حمل لفظ {خير} على ظاهر المتعارف منه وهو التفضيل بين مشتركات في صفة. ويجوز أن يكون {خير} مستعملاً في معنى الخير عند العقل، أي الرجحان والقبول. والمعنى: اعتقاد وجود أرباب متفرقين أرجح أم اعتقاد أنه لا يوجد إلا إله واحد، ليستنزل بذلك طائر نظرهما واستدلالهما حتى ينجلي لهما فساد اعتقاد تعدد الآلهة، إذ يتبين لهما أن أرباباً متفرقين لا يخلو حالهم من تطرق الفساد والخلل في تصرفهم، كما يومىء إليه وصف التفرق بالنسبة للتعدد ووصف القهار بالنسبة للوحدانية. وكانت ديانة القبط في سائر العصور التي حفظها التاريخ وشهدت بها الآثار ديانة شِرك، أي تعدد الآلهة. وبالرغم على ما يحاوله بعض المؤرخين المصريين والإفرنج من إثبات اعتراف القبط بإله واحد وتأويلهم لهم تعدد الآلهة بأنها رموز للعناصر فإنهم لم يستطيعوا أن يثبتوا إلا أن هذا الإله هو معطي التصرف للآلهة الأخرى. وذلك هو شأن سائر أديان الشرك، فإن الشرك ينشأ عن مثل ذلك الخيال فيصبح تعدد آلهة. والأممُ الجاهلة تتخيل هذه الاعتقادات من تخيلات نظام ملوكها وسلاطينها وهو النظام الإقطاعي القديم. نعم إن القبط بنوا تعدد الآلهة على تعدد القوى والعناصر وبعض الكواكب ذات القوى. ومثلهم الإغريق فهم في ذلك أحسن حالاً من مشركي العرب الذين ألّهوا الحجارة. وقصارى ما قسموه في عبادتها أن جعلوا بعضها آلهة لبعض القبائل كما قال الشاعر: شعر : وفرّت ثقيف إلى لاتها تفسير : وأحسن حالاً من الصابئة الكلدانيين والأشوريين الذين جعلوا الآلهة رموزاً للنجوم والكواكب. وكانت آلهة القبط نحواً من ثلاثين رباً أكبرها عندهم آمون رُعْ. ومن أعظم آلهتهم ثلاثة أخر وهي: أوزوريس، وأزيس، وهوروس. فللّه بلاغة القرآن إذ عبر عن تعددها بالتفرق فقال: { أية : أأربابٌ متفرقون } تفسير : [سورة يوسف: 39]. وبعد أن أثار لهما الشك في صحة إلهيّة آلهتهم المتعددين انتقل إلى إبطال وجود تلك الآلهة على الحقيقة بقوله: {ما تَعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان}، يعني أن تلك الآلهة لا تحقق لحقائقها في الوجود الخارجي بل هي توهّمات تخيّلوها. ومعنى قصرها على أنها أسماء قصراً إضافياً، أنها أسماء لا مسمياتٍ لها فليس لها في الوجود إلا أسماؤها. وقوله: {أنتم وآباؤكم} جملة مفسرة للضمير المرفوع في {سميتموها}. والمقصود من ذلك الردّ على آبائهم سدّاً لمنافذ الاحتجاج لأحقيتها بأن تلك الآلهة معبودات آبائهم، وإدماجاً لتلقين المعذرة لهما ليسهل لهما الإقلاع عن عبادة آلهة متعددة. وإنزال السلطان: كناية عن إيجاد دليل إلهيتها في شواهد العالم. والسلطانُ: الحجة. وجملة {إن الحكم إلا لله} إبطال لجميع التصرفات المزعومة لآلهتهم بأنها لا حكم لها فيما زعموا أنه من حكمها وتصرفها. وجملة {أمَرَ أن لا تعبدوا إلا إياه} انتقال من أدلة إثبات انفراد الله تعالى بالإلهية إلى التعليم بامتثال أمره ونهيه، لأن ذلك نتيجة إثبات الإلهية والوحدانية له، فهي بيان لجملة {إن الحكم إلا لله} من حيث ما فيها من معنى الحكم. وجملة {ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} خلاصة لما تقدم من الاستدلال، أي ذلك الدين لا غيرُه مما أنتم عليه وغيرُكم. وهو بمنزلة رد العجز على الصدر لقوله: { أية : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله} تفسير : [سورة يوسف: 38] إلى {أية : لا يشكرون } تفسير : [سورة يوسف: 38].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يا صاحبي السجن: أي يا صاحبي في السجن وهما الفتيان صاحب طعام الملك وصاحب شرابه. أأرباب متفرقون: أي آلهة متفرقون هنا وهناك أي في ذواتهم وصفاتهم وأماكنهم. من دونه: أي من دون الله سبحانه وتعالى. إلا أسماء: أي مجرد اسم إله، وإلا في الحقيقة هو ليس بإِله إنما هو صنم. ما أنزل الله بها من سلطان: أي لم يأمر الله تعالى بعبادتها بأي نوع من أنواع العبادة. فيسقي ربه خمرا: أي يسقي سيده الذي هو ملك البلاد شراب الخمر. فيصلب: يقتل مصلوباً على خشبة كما هي عادة القتل عندهم. قضي الأمر: أي فرغ منه وبتّ فيه. ظن أنه ناج منهما: أي أيقن إنه محكوم ببراءته. أذكرني عند ربك: أي أذكرني عند الملك بأني مسجون ظلما بدون جريمة. فأنساه الشيطان ذكر ربه: أي أنسى الشيطان يوسف ذكر ربّه تعالى. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وهو في السجن لقد سبق أن استعبر الفتيان يوسف رؤياهما أي طلبا منه أن يعبرها لهما لما علما منه أنه يعبر الرؤى غير أن يوسف استغل الفرصة وأخذ يحدثهما عن أسباب علمه بتعبير الرؤى وأنه تركه لملّة الكفر وإيمانه بالله تعالى وحده وأنه في ذلك متّبع ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وإنه لا ينبغي لهم أن يشركوا بالله وفي هذا تعريض بما عليه أهل السجن من الشرك بالله تعالى بعبادة الأصنام، وواصل حديثه داعياً إلى الله تعالى فقال ما أخبر به تعالى في هذا السياق {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} فخاطب صاحبيه يا صاحبي السجن أخبراني واصدقاني: آرباب أي آلهة متفرقون هنا وهناك، هذا صنم وهذا كوكب، وهذا إنسان، وهذا حيوان، وهذا لونه كذا وهذا لونه كذا خير أم الله الواحد في ذاته وصفاته القهار لكل ما عداه من سائر المخلوقات، ولم يكن لهم من جواب سوى {ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} إن العقل يقضي بهذا. ثم خاطب أهل السجن كافة فقال {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ} أي من دون الله الواحد القهار {إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ} إنها مجرد أسماء لا غير إذ كونكم تطلقون لفظ إله أو رب على صنم أو كوكب مرسوم له صورة لا يكون بذلك ربّاً وإلهاً إن الرب هو الخالق الرازق المدبر أما المخلوق المرزوق الذي لا يملك نفعا ولا ضراً لنفسه فضلا عن غيره فإِطلاق الربّ والإِله عليه كذب وزور، إنّها أسماء ما أنزل الله بها من سلطان حجة ولا برهاناً فتعبد لذلك بحكم أن الله أمر بعبادتها. ثم قال لهم {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} أي ما الحكم إلا لله، وقد حكم بأن لا يعبد إلا هو، إذاً فكل عبادة لغيره هي باطلة يجب تركها والتخلي عنها، ذلك الدين القيم أخبرهم أن عبادة الله وحده وترك عبادة غيره هي الدين القويم والصراط المستقيم إلا أن أكثر الناس لا يعلمون فجهلهم بمعرفة ربهم الحق الذي خلقهم ورزقهم ويدبر حياتهم وإليه مرجعهم هو الذي جعلهم يعبدون ما ينحتون ويؤلهون ما يصنعون. ولما فرغ من دعوته إلى ربّه التفت إلى من طلبا منه تعبير رؤياهما فقال: ما أخبر تعالى به عنه {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً} أي سيطلق سراحه ويعود إلى عمله عند الملك فيسقيه الخمر كما كان يسقيه من قبل، وأما الآخر وهو طباخ الملك المتهم بأنه أراد أن يضع في طعام الملك السم ليقتله، فيصلب فتأكل الطير من رأسه بعد صلبه. وهنا قالا: إننا لم نر شيئا وإنما سألناك لنجربك لا غير فرد عليهما قائلا {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} أي فرغ منه وبُت فيه رأيتما أم لم تريا. ثم قال للذي ظن أنّه ناج منهما ما أخبر تعالى به عنه {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} أي عند سيدك وكانوا يطلقون على السيد المالك لفظ الربّ. فأنساه الشيطان ذكر ربّه أي أنسى الشيطان يوسف عليه السلام ذكر ربّه تعالى حيث التفت بقلبه إلى الخادم والملك ونسي الله تعالى فعاقبه ربّه الحق فلبث في السجن بضع سنين أي سبع سنوات عداً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب اغتنام الفرص للدعوة إلى الله تعالى. 2- تقرير التوحيد عن طريق أحاديث السابقين. 3- لا حكم في شيء إلا بحكم الله تعالى فالحق ما أحقه الله والباطل ما أبطله والدين ما شرعه. 4- مشروعية الاستفتاء في كل مشكل من الأمور. 5- غفلة يوسف عليه السلام بإِقباله على الفتى وقوله له اذكرني عند ربك ناسياً مولاه الحق ووليه الذي أنجاه من القتل وغيابة الجب، وفتنة النساء جعلته يحبس في السجن سبع سنين.
القطان
تفسير : واسترسل يوسف يبيّن دينَه القويم.. وبعد ان بين بُطلانَ الشِرك اتّجه الى السائلَين وقال لهما: يا رفيقيَّ في السجن، هل عبادة أربابٍ كثيرين متفرّقين لا ينفعون ولا يضرون خيرٌ لكما ولغيرِكما، ام عبادةُ الله الواحدِ القهّار الذي له ملك السماوات والارض وبيده كل شيء؟. ثم بيّن لهما ان ما يعبدونه ويسمّونه آلهةً انما هي من اختراعهم، وتسميةٌ من تلقاء انفسِهم توارثَها خَلَفٌ من سلف، ليس لها مستنَدٌ من عقلٍ ولا وحي سماوي. فقال: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ}. وان هذه الأربابَ، سواءً كانت من البشَر أم من غيرهم، ليستْ من الربوبية في شيء.. انظروا، ليس لها قوّة ولا إرادة. اما الربوبية الحقّة فلا تكون إلا لله الواحِد القهار، لقد أمر ان لا تعبدوا سواه. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. لا يدركون ماهم عليه من جهل وضلالة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰصَاحِبَيِ} {أَأَرْبَابٌ} {ٱلْوَاحِدُ} (39) - وَسَأَلَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، الفَتَيَيْنِ، وَهُوَ يَدْعُوهُمَا إِلى الإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ: هَلْ عِبَاَدُة أَرْبَابٍ مُتَفَرِّقِينَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً، خَيْرٌ أَمْ عِبَادَةُ اللهِ وَحْدَهُ، وَهُوَ الإِله الوَاحِدُ الذِي لاَ يُقْهَرُ وَلاَ يُغَالَبُ، وَقَدْ ذَلَّ لِعِزَّتِهِ وَجَلاَلِهِ كُلُّ شَيءٍ. (أَشَارَ يُوسُفُ إِلى الآلِهَةِ المُتَفَرِّقِينَ، لأِنَّ التَّفَرُّقِ يَقْتَضِي التَّنَازُعَ وَالاخْتِلاَفَ فِي الأَعْمَالِ وَالتدبِيرِ وَيَقتَضِي إِفْسَادَ نِظَامِ الكَوْنِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة "صاحب" معناها ملازم؛ والجامع بين يوسف والسجينين هو السجن، ونحن نقول "فلان صاحب الدراسة" أو "صاحب حج"، الشيء الذي يربط بين اثنين أو أكثر، إما أن تنسبه للمكان، أو تنسبه إلى الظرف الذي جمع بين تلك المجموعة من الصحبة. وطرح يوسف السؤال: { ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} [يوسف: 39]. وحين تطرح سؤالاً عبر مقابل لك، فأنت تعلم مُقدَّماً أنه يفهم أن أرباباً متفرقون ليسوا خيراً من إله واحد، وكأن يوسف قد وَثِق من أن إجابتهما لن تكون إلا بقولهم "بل عبادة إله واحد خير". وهو لم يكُنْ ليسأل إلاَّ إذا عرف أنهما سيُديرانِ كل الأجوبة؛ فلا يجدان جواباً إلا الجواب الذي أراده. فهما قد عبدا آلهة متعددة؛ وكان المفروض في مقاييس الأشياء أن تُغنِيكم تلك الآلهة عن اللجوء لمن يعبد الإله الواحد. إذن: في قُوَى البشر نجد التعدد يُثْرِي ويُضخِّم العمل، لكن في الألوهية نجد الشرك يُضعِف العمل. ولذلك نجد الصوفي يقول: اعمل لوجه واحد يكفيك كل الأوجه. ولذلك قال يوسف عليه السلام لصاحبي السجن: {ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ ..} [يوسف: 39]. ولو كان تفرُّقهم تفرُّقَ ذواتٍ لكانوا بلا كمال يستحقون من أجله العبادة، ولو كان تفرُّقهم تفرُّقَ تَكرار لما كان لهذا التكرار لزوم، ولو كان تفرُّقهم تفرُّق اختصاصات، فهذا يعني أن لكل منهم نقطةَ قوة ونقاطَ ضعف؛ وتفرُّقهم هذا دليل نقص. ولذلك رحمنا الحق نحن المؤمنين به لنعبد إلهاً واحداً، فقال: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 29]. وقد حاول يوسف عليه السلام أن يهديهم إلى عبادة الإله الواحد، وقال لهم من بعد ذلك ما جاء به الحق سبحانه: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وقوله: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ} [يوسف: 39] يشير إلى النفس والبدن أنهما صاحبا يوسف القلب في سجن الشريعة، وأرباب متفرقون من الدنيا والهوى والشيطان، {خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} [يوسف: 39] لما دونه، {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ} [يوسف: 40] يا أهل النفوس، {وَآبَآؤُكُمْ} [يوسف: 40] أهل الدنيا ليس تحتها طائل وهي ظل زائل. {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا} [يوسف: 40] أي: بعبادتها، {مِن سُلْطَانٍ} [يوسف: 40] حجة وبرهان، {إِنِ ٱلْحُكْمُ} [يوسف: 40] في الوجود والعدم، {إِلاَّ للَّهِ} [يوسف: 40] بإيجاد المعدود وبإعدام الموجود، {أَمَرَ} [يوسف: 40] بحكمه، {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [يوسف: 40] ولا تعبدوا نحوه، {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} [يوسف: 40] القيوم والصراط المستقيم، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40] حقيقة هذا المعنى، بل يدعون بعبادة الهوى والدنيا، {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ} [يوسف: 41] وهما النفس والبدن، {أَمَّآ أَحَدُكُمَا} [يوسف: 41] وهو النفس. {فَيَسْقِي رَبَّهُ} [يوسف: 41] أي: سيده وهو الروح، {خَمْراً} [يوسف: 41] وهو ما خامر العقل مرة من شراب الشهوات واللذات النفسانية، وتارة بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات الربانية وهي باقية في خدمة ملك الروح، {وَأَمَّا ٱلآخَرُ} [يوسف: 41] وهو البدن، {فَيُصْلَبُ} بحبل الموت، {فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ} [يوسف: 41] طير أعوان ملك الموت، {مِن رَّأْسِهِ} [يوسف: 41] الخيالات الفاسدة التي جمعت في أم دماغه، {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41] أي: قضي في الأزل على هذه الصفة الأمر الذي أنتم اليوم فيه تطلبان الفتوى، واللهُ أعلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):