١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه عليه السلام لما قرر أمر التوحيد والنبوة عاد إلى الجواب عن السؤال الذي ذكراه، والمعنى ظاهر، وذلك لأن الساقي لما قص رؤياه على يوسف، وقد ذكرنا كيف قص عليه قال له يوسف: ما أحسن ما رأيت أما حسن العنبة فهو حسن حالك، وأما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيردك إلى عملك فتصير كما كنت بل أحسن، وقال للخباز: لما قص عليه بئسما رأيت السلال الثلاث ثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيصلبك وتأكل الطير من رأسك، ثم نقل في التفسير أنهما قالا ما رأينا شيئاً فقال: {قُضِىَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } واختلف فيما لأجله قالا ما رأينا شيئاً فقيل إنهما وضعا هذا الكلام ليختبرا علمه بالتعبير مع أنهما ما رأيا شيئاً وقيل: إنهما لما كرها ذلك الجواب قالا ما رأينا شيئاً. فإن قيل: هذا الجواب الذي ذكره يوسف عليه السلام ذكره بناء على الوحي من قبل الله تعالى أو بناء على علم التعبير، والأول باطل لأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نقل أنه إنما ذكره على سبيل التعبير، وأيضاً قال تعالى: { أية : وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا } تفسير : [يوسف: 42] ولو كان ذلك التعبير مبنياً على الوحي لكان الحاصل منه القطع واليقين لا الظن والتخمين، والثاني: أيضاً باطل لأن علم التعبير مبني على الظن والحسبان. الجواب: لا يبعد أن يقال: إنهما لما سألاه عن ذلك المنام صدقا فيه أو كذبا فإن الله تعالى أوحى إليه أن عاقبة كل واحد منهما تكون على الوجه المخصوص، فلما نزل الوحي بذلك الغيب عند ذلك السؤال وقع في الظن أنه ذكره على سبيل التعبير، ولا يبعد أيضاً أن يقال: إنه بنى ذلك الجواب على علم التعبير، وقوله: {قُضِىَ ٱلاْمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } ما عنى به أن الذي ذكره واقع لا محالة بل عنى به أنه حكمه في تعبير ما سألاه عنه ذلك الذي ذكره.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً} أي قال للساقي: إنك تُردّ على عملك الذي كنت عليه من سقي الملك بعد ثلاثة أيام، وقال للآخر: وأمّا أنت فتُدعَى إلى ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطير من رأسك، قال: والله ما رأيتُ شيئاً؛ قال: رأيت أوَ لم تَرَ {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}. وحكى أهل اللغة أن سقى وأسقى لغتان بمعنًى واحد، كما قال الشاعر:شعر : سَقَى قومي بَنِي مَجْدٍ وأَسْقَى نُمَيْراً والقبائلَ من هِلال تفسير : قال النحاس: الذي عليه أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه ناوله فشرب، أو صبّ الماء في حلقه ومعنى أَسْقاه جعل له سُقْيا؛ قال الله تعالى: {أية : وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً} تفسير : [المرسلات: 27]. الثانية: قال علماؤنا: إن قيل من كذب في رؤياه ففسرها العابر له أيلزمه حكمها؟ قلنا: لا يلزمه؛ وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبيّ، وتعبير النبيّ حكم، وقد قال: إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال تحقيقاً لنبوّته؛ فإن قيل: فقد رَوى عبد الرزاق عن مَعْمَر عن قَتَادة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني رأيتُ كأني أعْشَبْتُ ثم أجْدبتُ ثم أعْشبتُ ثم أجْدبتُ، فقال له عمر: أنت رجل تؤمن ثم تكفر، ثم تؤمن ثم تكفر، ثم تموت كافراً؛ فقال الرجل: ما رأيت شيئاً؛ فقال له عمر: قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف؛ قلنا: ليست لأحد بعد عمر؛ لأن عمر كان مُحَدَّثاً، (وكان إذا ظن ظناً كان) وإذا تكلم به وقع، على ما ورد في أخباره؛ وهي كثيرة؛ منها ـ أنه دخل عليه رجل فقال له: أظنك كاهناً فكان كما ظن؛ خرجه البخاريّ. ومنها ـ أنه سأل رجلاً عن ٱسمه فقال له فيه أسماء النار كلها، فقال له: أدرك أهلك فقد ٱحترقوا، فكان كما قال، خرجه الموطأ. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «الحجر» إن شاء الله تعالى.
البيضاوي
تفسير : {يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا} يعني الشرابي. {فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا} كما كان يسقيه قبل ويعود إلى ما كان عليه. {وَأَمَّا ٱلأَخَرُ} يريد به الخباز. {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ} فقالا كذبنا فقال {قُضِىَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} أي قطع الأمر الذي تستفتيان فيه، وهو ما يؤول إليه أمركما ولذلك وحده، فإنهما وإن استفتيا في أمرين لكنهما أرادا استبانة عاقبة ما نزل بهما.
ابن كثير
تفسير : يقول لهما: {يٰصَاحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا} وهو الذي رأى أنه يعصر خمراً، ولكنه لم يعينه؛ لئلا يحزن ذاك، ولهذا أبهمه في قوله: {وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ} وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزاً، ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت، وقال الثوري: عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم عن عبد الله قال: لما قالا ما قالا، وأخبرهما، قالا: ما رأينا شيئاً، فقال: {قُضِىَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} ورواه محمد بن فضيل عن عمارة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود به، وكذا فسره مجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، وحاصله أن من تحلم بباطل، وفسره، فإنه يلزم بتأويله، والله تعالى أعلم، وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن معاوية بن حيدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» تفسير : وفي مسند أبي يعلى من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس مرفوعاً: «حديث : الرؤيا لأول عابر».
المحلي و السيوطي
تفسير : { يٰصَاحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمّآ أَحَدُكُمَا } أي الساقي فيخرج بعد ثلاث {فَيَسْقِى رَبَّهُ } سيِّده {خَمْرًا } على عادته {وَأَمَّا ٱلأَخَرُ } فيخرج بعد ثلاث {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ } هذا تأويل رؤياكما، فقالا ما رأينا شيئاً، فقال {قُضِىَ } تمَّ {ٱلأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } سألتما عنه صدقتما أم كذبتما.
الشوكاني
تفسير : هذا هو بيان ما طلباه منه من تعبير رؤياهما. والمراد بقوله: {أَمَّا أَحَدُكُمَا } هو الساقي، وإنما أبهمه لكونه مفهوماً أو لكراهة التصريح للخباز بأنه الذي سيصلب {فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا } أي: مالكه، وهي عهدته التي كان قائماً بها في خدمة الملك، فكأنه قال: أما أنت أيها الساقي فستعود إلى ما كنت عليه ويدعو بك الملك ويطلقك من الحبس {وَأَمَّا ٱلآخَرُ } وهو الخباز {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ } تعبيراً لما رآه من أنه يحمل فوق رأسه خبزاً فتأكل الطير منه {قُضِىَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } وهو ما رأياه وقصاه عليه، يقال: استفتاه إذا طلب منه بيان حكم شيء سأله عنه مما أشكل عليه، وهما قد سألاه تعبير ما أشكل عليهما من الرؤيا. {وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا } أي: قال يوسف، والظان هو أيضاً يوسف. والمراد بالظنّ العلم؛ لأنه قد علم من الرؤيا نجاة الشرابي وهلاك الخباز، هكذا قال جمهور المفسرين. وقيل: الظاهر على معناه؛ لأن عابر الرؤيا إنما يظن ظناً، والأوّل أولى وأنسب بحال الأنبياء. ولا سيما وقد أخبر عن نفسه عليه السلام بأنه قد أطلعه الله على شيء من علم الغيب كما في قوله: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} الآية، وجملة: {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } هي مقول القول، أمره بأن يذكره عند سيده، ويصفه بما شاهده منه من جودة التعبير والاطلاع على شيء من علم الغيب، وكانت هذه المقالة منه عليه السلام صادرة عن ذهول ونسيان عن ذكر الله بسبب الشيطان، فيكون ضمير المفعول في أنساه عائداً إلى يوسف، هكذا قال بعض المفسرين ويكون المراد بربه في قوله: {ذِكْرَ رَبّهِ } وهو الله سبحانه، أي: إنساء الشيطان يوسف ذكر الله تعالى في تلك الحال. {وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا } يذكره عند سيده ليكون ذلك سبباً لانتباهه على ما أوقعه من الظلم البين عليه بسجنه بعد أن رأى من الآيات ما يدل على براءته. وذهب كثير من المفسرين إلى أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو الذي نجا من الغلامين، وهو الشرابي، والمعنى: إنساء لشيطان الشرابي ذكر سيده، أي: ذكره لسيده فلم يبلغ إليه ما أوصاه به يوسف من ذكره عند سيده، ويكون المعنى: فأنساه الشيطان ذكر إخباره بما أمره به يوسف مع خلوصه من السجن، ورجوعه إلى ما كان عليه من القيام بسقي الملك، وقد رجح هذا بكون الشيطان لا سبيل له على الأنبياء. وأجيب بأن النسيان وقع من يوسف، ونسبته إلى الشيطان على طريق المجاز، والأنبياء غير معصومين عن النسيان إلاّ فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني»تفسير : ورجح أيضاً بأن النسيان ليس بذنب، فلو كان الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو يوسف لم يستحق العقوبة على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين، وأجيب بأن النسيان هنا بمعنى الترك، وأنه عوقب بسبب استعانته بغير الله سبحانه، ويؤيد رجوع الضمير إلى يوسف ما بعده من قوله: {فَلَبِثَ فِى ٱلسّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } ويؤيد رجوعه إلى الذي نجا من الغلامين قوله فيما سيأتي: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ}تفسير : [يوسف: 45] سنة. {فَلَبِثَ } أي: يوسف {فِى ٱلسّجْنِ } بسبب ذلك القول الذي قاله للذي نجا من الغلامين، أو بسبب ذلك الإنساء {بِضْعَ سِنِينَ } البضع: ما بين الثلاث إلى التسع كما حكاه الهروي عن العرب، وحكي عن أبي عبيدة أن البضع: ما دون نصف العقد، يعني: ما بين واحد إلى أربعة. وقيل: ما بين ثلاث إلى سبع، حكاه قطرب. وحكى الزجاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس. وقد اختلف في تعيين قدر المدة التي لبث فيها يوسف في السجن، فقيل: سبع سنين. وقيل: اثنتا عشرة سنة. وقيل: أربع عشرة سنة، وقيل: خمس سنين. وقد أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: {أَمَّا أَحَدُكُمَا } قال: أتاه فقال: رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبلة من عنب فنبتت، فخرج فيه عناقيد فعصرتهنّ ثم سقيتهنّ الملك؛ فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج فتسقيه خمراً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئاً، إنما تحالما ليجرّبا علمه. فلما أوّل رؤياهما قالا: إنما كنا نلعب، ولم نرَ شيئاً، فقال: {قُضِىَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } يقول: وقعت العبارة فصار الأمر على ما عبر يوسف. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن أبي مجلز قال: كان أحد اللذين قصا على يوسف الرؤيا كاذباً. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن ساباط {وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } قال: عند ملك الأرض. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو لم يقل يوسف الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن عكرمة مرفوعاً نحوه، وهو مرسل، وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن مرفوعاً نحوه. وهو مرسل. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة فذكر نحوه، وهو مرسل أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أنس قال: أوحي إلى يوسف: من استنقذك من القتل حين همّ إخوتك أن يقتلوك؟ قال: أنت يا ربّ، قال: فمن استنقذك من الجبّ إذ ألقوك فيه؟ قال: أنت يا ربّ، قال: فمن استنقذك من المرأة إذ همت بك؟ قال: أنت يا ربّ، قال: فما لك نسيتني، وذكرت آدمياً؟ قال: جزعاً، وكلمة تكلم بها لساني، قال: فوعزتي لأخلدنك في السجن بضع سنين، فلبث فيه سبع سنين، وقد اختلف السلف في تقدير مدّة لبثه في السجن على حسب ما قدّمنا ذكره، فلم نشتغل ها هنا بذكر من قال بذلك ومن خرّجه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يا صاحبي السجين أما أحدكما فيسقي ربه خمراً} وهو الذي قال: إني أراني أعصر خمراً، بشره بالنجاة وعوده إلى سقي سيده خمراً لأنه كان ساقيه. {وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} وهو الذي قال{إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه} فأنذره بالهلكة وكان خباز الملك، قال ابن جرير: وكان اسمه مجلثاً، واسم الساقي نبواً. فلما سمع الهالك منهما تأويل رؤياه قال: إنما كنا نلعب. قال{قُضِيَ الأمر الذي فيه تستفتيان} فيه وجهان: أحدهما: قضي السؤال والجواب. الثاني: سيقضى تأويله ويقع. فإن قيل: فكيف قطع بتأويل الرؤيا وهو عنده ظن من طريق الاجتهاد الذي لا يقطع فيه؟ ففيه وجهان: أحدهما: يجوز أن يكون قاله عن وحي من الله تعالى. الثاني: لأنه نبي يقطع بتحقيق ما أنطقه الله تعالى وأجراه على لسانه، بخلاف من ليس بنبي.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَُضِىَ الأَمْرُ} السؤال والجواب. أو استقصى التأويل، ويجوز أن يكون قوله ذلك عن وحي.
البقاعي
تفسير : ولما تم نصحه وعلا قدحه بإلقائه إليهما ما كان أهمّ لهما لو علما لمآله إلى الحياة الأبدية والرفعة السرمدية. أقبل على حاجتهما تمكيناً لما ذكره وتأكيداً للذي قرره، فناداهما بالأداة الدالة على أن ما بعدها كلام له موقع عظيم لتجتمع أنفسهما لسماع ما يلقى إليهما من التعبير، فقال: {ياصاحبي السجن} أي الذي تزول فيه الحظوظ ويحصل الانكسار للنفس والرقة في القلب فتتخلص فيه المودة. ولما كان في الجواب ما يسوء الخباز، أبهم ليجوّز كل واحد أنه الفائز، فإن ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذراً له في الخروج عن الأليق فقال: {أما أحدكما} وهو الساقي فيلخص ويقرب {فيسقي ربه} أي سيده الذي في خدمته {خمراً} كما كان {وأما الآخر} وهو الخباز. ولما كان الذي له قوة أن يصلب إنما هو الملك، بنى للمفعول قوله: {فيصلب} ويعطب {فتأكل} أي فيتسبب عن صلبه أنه تأكل {الطير من رأسه} والآية من الاحتباك: ذكر ملزوم السلامة والقرب أولاً دليلاً على العطب ثانياً، وملزوم العطب ثانياً دليلاً على السلامة أولاً، وسيأتي شرح تعبيره من التوراة، فكأنه قيل: انظر جيداً ما الذي تقول! وروى أنهما قالا: ما رأينا شيئاً، إنما كنا نلعب، فقال مشيراً بصيغة البناء للمفعول إلى عظمة الله وسهولة الأمور عليه: {قضي الأمر} وبينه بقوله: {الذي فيه} أي لا في غيره {تستفتيان *} أي تطلبان الإفتاء فيه عملاً بالفتوة، فسألتما عن تأويله، وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو صدقتما، لم أقله عن جهل ولا غلط. وما أحسن إيلاء هذا العلم الثابت لختم الآية السالفة بنفي العلم عن الأكثر، والأحد: المختص من المضاف إليه بمبهم له مثل صفة المضاف، ولا كذلك "البعض" فلا يصدق: رأيت أحد الرجلين - ألا برجل منهما، بخلاف "بعض" والفتيا: الجواب بحكم المعنى، وهو غير الجواب بعلته - ذكره الرماني. ولعل رؤيتهما تشيران إلى ما تشير إليه رؤيا الملك، فالعصير يشير إلى السنابل الخضر والبقر السمان، لأنه لا يكون إلا عن فضل، والخبز - الذي طارت به الأطيار، وسارت بروح صاحبه الأقدار -يشير إلى اليابسة والعجاف - والله أعلم. ولما كان كل علم بالنسبة إلى علم الله عدماً، عبر عن علمه بالظن، ويمكن أن يكون الظن على بابه لكونه قال ما مضى اجتهاداً بقرائن فيؤخذ منه أنه يسوغ الجزم بما أدى إلى ظن، فقال: {وقال} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {للذي ظن} مع الجزم بأنه أراد به العلم لقوله: { قضى الأمر}، ويجوز أن يكون ضمير "ظن" للساقي، فهو حينئذ على بابه {أنه ناج منهما} وهو الساقي {اذكرني عند ربك} أي سيدك ملك مصر، بما رأيت مني من معالي الأخلاق وطهارة الشيم الدالة على بعدي مما رُميت به، والمراد بالرب هنا غير المراد به في قوله: {أية : ءَأَربابٌ متفرقون}تفسير : [ يوسف:39]. فنجا الساقي وصلب صاحبه وفق ما قال لهما يوسف عليه الصلاة والسلام {فأنساه} أي الساقي {الشيطان} أي البعيد من الرحمة المحترق باللعنه {ذكر} يوسف عليه الصلاة والسلام عند {ربه} أي بسبب اعتماده عليه في ذلك {فلبث} أي يوسف عليه الصلاة والسلام بسبب هذا النسيان {في السجن} من حين دخل إلى أن خرج {بضع سنين *} ليعلم أن جميع الأسباب إنما أثرها بالله تعالى، وحقيقة البضع من الثلاث إلى التسع، والمروي هنا أنه كان سبعاً. ذكر ما مضى من هذه القصة من التوراة قال بعد ما مضى: فأهبط المدينيون يوسف إلى مصر، فاشتراه قوطيفر الأمير صاحب شرطة فرعون - رجل مصري - من يد الأعراب الذين أهبطوه إلى هناك، فكان الرب سبحانه وتعالى بعونه مع يوسف، وكان رجلاً منجحاً، وأقام في منزل المصري سيده، فرأى سيده أن الرب بعونه معه، وأن الرب ينجح جميع أفعاله، فظفر يوسف منه برحمة ورأفة فخدمه، وسلطه على بيته، وخوله جميع ما له، ومن اليوم الذي سلطه على بيته وخوله جميع ما له بارك الرب في بيت المصري من أجل يوسف وفي سببه، فحلَّت بركة الرب في جميع ما له في البيت والحقل، فخول كل شيء له، ولم يكن يعلم بشيء مما له في يده لثقته به ما خلا الخبز الذي كان يأكله، وكان يوسف حسن المنظر صبيح الوجه. فلما كان بعد هذه الأمور لمحت امرأة سيده بنظرها إلى يوسف فقالت له: ضاجعني: فأبى ذلك وقال لامرأة سيده: إن سيدي لثقته بي ليس يعلم ما في بيته، وقد سلطني على جميع ما له، وليس في هذا البيت أعظم مني، ولم يمنعني شيئاً ما خلاك أنت لأنك امرأته، فكيف أرتكب هذا الشر العظيم، فأخطئي بين يدي الله، وإذا كانت تراوده كل يوم لم يطعها ليضاجعها ويصير معها، فبينا هو ذات يوم دخل يوسف إلى البيت ليعمل عملاً، ولم يكن أحد من أهل البيت هناك، فتعلقت بقميصه وقالت له: ضاجعني، فترك قميصه في يدها وهرب، فخرج إلى السوق، فلما رأت أنه قد ترك قميصه في يدها وخرج هارباً إلى السوق، دعت بأهل بيتها وقالت لهم: انظروا، إنه أتانا رجل عبراني ليفضحنا، لأنه دخل عليّ يريد مضاجعتي، وهتفت بصوت عال، فلما رآني قد رفعت صوتي وهتفت، ترك قميصه في يدي وهرب إلى السوق. فصيرت قميصه عندها حتى دخل سيدها البيت، فقالت: له مثل هذه الأقاويل: دخل عليّ هذا العبد العبراني الذي جلبته علينا يريد يفضحني، فلما رفعت صوتي فصحت ترك قميصه في يدي وهرب فخرج إلى السوق؛ فلما سمع سيده كلام امرأته استشاط غيظاً، فأمر به سيده فقذف في الحبس الذي كان أسرى الملك فيه محبوسين فمكث هناك في السجن، وكان الرب يبصره، ورزقه المحبة والرحمة، وألقى له في قلب السجان رحمة، فولى يوسف جميع المسجونين الذين في الحبس، وكل فعل كانوا يفعلونه هناك كان عن أمره، ولم يكن رئيس السجن يضرب على يديه في شيء، لأن الرب كان بعونه معه، وكل شيء كان يفعله ينجحه الرب. فلما كان بعد هذه الأمور، أذنب صاحب شراب ملك مصر والخباز - وفي نسخة موضع الخباز: ورئيس الطباخين - بين يدي سيدهما ملك مصر، فغضب فرعون على خادميه: على رئيس أصحاب الشراب ورئيس الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - فأمر بحبسهما في سجن صاحب الشرط في الحبس الذي كان فيه يوسف، فسلط صاحب السجن يوسف عليهما فخدمهما، فلبثا في السجن أياماً، فرأيا رؤيا جميعاً، كل واحد منهما رئيا بكل في ليلة واحدة، وكل واحد منهما أحب تعبير حلمه،: الساقي وخباز - وفي نسخة: وطباخ - ملك مصر، فدخل عليهما يوسف بالغداة، فرآهما عابسين مكتئبين فسألهما وقال: ما بالكما يومكما هذا عابسي مكتئبين؟ فقالا له: إنا رأينا رؤيا وليس لها معبر، فقال لهما يوسف: إن علم التعبير عند الله، قصا عليّ. فقص رئيس أصحاب الشراب على يوسف وقال له: إني رأيت في الرؤيا كأن حبلة بين يدي، في الحبلة ثلاثة قضبان، فبينا هي كذلك إذ فرعت ونبت ورقها، وأينعت عناقيدها، فصارت عنباً، وكأن كأس فرعون في يدي، فتناولت من العنب، فعصرته في كأس فرعون، وناولت الكأس فرعون، فقال له يوسف عليه السلام: هذا تفسير رؤياك: الثلاثة قضبان هي ثلاثة أيام، ومن بعد ثلاثة أيام يذكرك فرعون فيردك على عملك، وتناول فرعون الكأس في يده على العادة الأولى التي لم تزل تسقيه، فاذكرني حينئذ إذا أنعم عليك، وأنعم عليّ بالنعمة والقسط، فاذكرني بين يدي فرعون، وأخرجني من هذا الحبس، لأني إنما سرقت من أرض العبرانين سرقة، وحصلت في الحبس هاهنا أيضاً بلا جرم جاء مني. فرأى رئيس الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - أنه قد فسر تفسيراً حسناً فقال يوسف: رأيت أنا أيضاً في منامي كأن ثلاثة أطباق فيها خبز درمك على رأسي، وفي الطبق الأعلى من كل مآكل فرعون مما يصنعه الخباز - وفي نسخة: عمل طباخ حاذق - وكان السباع والطير تأكلها من الطبق من فوق رأسي؛ فأجاب يوسف وقال له: هذا تفسير رؤياك: ثلاثة أطباق هي ثلاثة أيام، وبعد ثلاثة أيام يأمر فرعون بضرب عنقك وصلبك على خشبة، ويأكل الطير لحمك. فلما كان اليوم الثالث - وهو يوم ولاد فرعون - اتخذ فرعون وليمة، فجمع عبيده وافتقد رئيس أصحاب الشراب ورئيس الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - فأمر برد رئيس أصحاب الشراب على موضعه، وسقى فرعون الكأس كعادته، وأمر بصلب رئيس الخبازين كالذي فسر لهما يوسف عليهما الصلاة والسلام، فلم يذكر رئيس أصحاب الشراب يوسف عليه الصلاة والسلام ونسيه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال: أتاه فقال: رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبة من عنب، فنبتت فخرج فيه عناقيد فعصرتهن، ثم سقيتهن الملك. فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج فتسقيه خمراً. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {فيسقي ربه خمراً} قال: سيده. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما رأى صاحبا سجن يوسف عليه السلام شيئاً، إنما تحاكما إليه ليجرّبا علمه، فلما أوّل رؤياهما قالا: إنما كنا نلعب ولم نر شيئاً، فقال {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} يقول: وقعت العبارة، فصار الأمر على ما عبر يوسف عليه السلام. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ، عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: كان أحد اللذين قصا على يوسف الرؤيا كاذباً. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} قال عند قولهما: ما رأينا رؤيا، إنما كنا نلعب. قال: قد وقعت الرؤيا على ما أوّلت. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: قال يوسف عليه السلام للخباز: إنك تصلب، فتأكل الطير من رأسك. وقال لساقيه: أما أنت، فترد على عملك، فذكر لنا أنهما قالا حين عبر: لم نر شيئاً. قال {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه، أنه قرأ {أما أحدكما فيسقي ربه خمراً}.
ابو السعود
تفسير : {يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا} وهو الشرابـيُّ وإنما لم يعيّنه ثقةً بدلالة التعبـير وتوسلاً بذلك إلى إبهام أمرِ صاحبِه حِذارَ مشافهتِه بما يسوءه {فَيَسْقِى رَبَّهُ} أي سيدَه {خَمْرًا} روي أنه عليه السلام قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها فالملكُ وحسنُ حالك عنده وأما القضبان الثلاثة فثلاثةُ أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه. وقرأ عكرمة فيُسقىٰ ربُّه على البناء للمفعول أي يُسقى ما يَروىٰ به {وَأَمَّا ٱلأَخَرُ} وهو الخباز {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ} روي أنه عليه السلام قال له: ما رأيت من السلال ثلاثةُ أيام تمرّ ثم تخرج فتقتل {قُضِىَ} أي تم وأحكم {ٱلأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} وهو ما رأياه من الرؤيـيـين قطعاً لا مآلُه الذي هو عبارة عن نجاة أحدِهما وهلاكِ الآخر كما يوهمه إسنادُ القضاء إليه إذ الاستفتاءُ إنما يكون في الحادثة لا في حكمِها يقال: استفتى الفقيهَ في الحادثة أي طلب منه بـيانَ حكمِها ولا يقال استفتاه في حكمها، وكذا الإفتاءُ فإنه يقال: أفتى فلانٌ في الواقعة الفلانية بكذا ولا يقال أفتى في حكمها أو جوابها بكذا، ومما هو علَمٌ في ذلك قولُه تعالى: {أية : يأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِى فِى رُؤْيَـٰىَ} تفسير : [يوسف: 43] ومعنى استفتائهما فيه طلبُهما لتأويله بقولهما: نبئنا بتأويله وإنما عبر عن عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويلِه بالاستفتاء تهويلاً لأمره وتفخيماً لشأنه إذ الاستفتاءُ إنما يكون في النوازل المشكِلة والحُكمِ المبهم الجواب، وإيثارُ صيغة الاستقبالِ مع سبق استفتائِهما في ذلك لما أنهما بصدده إلى أن يقضيَ عليه السلام من الجواب وطرَه، وإسنادُ القضاءِ إليه مع أنه من أحوال مآلِه لأنه في الحقيقة عينُ ذلك المآلِ وقد ظهر في عالم المثالِ بتلك الصورةِ، وأما توحيدُه مع تعدد رؤياهما فواردٌ على حسب ما وحّداه في قولهما: نبئنا بتأويله لا لأن الأمرَ ما اتُّهما به وسُجنا لأجله من سَمِّ الملكِ فإنهما لم يستفتيا فيه ولا فيما هو صورتُه بل فيما هو صورةٌ لمآله وعاقبتِه فتأمل. وإنما أخبرهما عليه السلام بذلك تحقيقاً لتعبـيره وتأكيداً له، وقيل: لما عبّر رؤياهما جحَدا وقالا: ما رأينا شيئاً فأخبرهما إن ذلك كائنٌ أصدقتما أو كذبتما، ولعل الجحودَ من الخبّاز إذ لا داعيَ إلى جحود الشرابـيِّ إلا أن يكون ذلك لمراعاة جانبه. {وَقَالَ} أي يوسف عليه السلام {لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ} أُوثر على صيغة المضارعِ مبالغةً في الدلالة على تحقق النجاةِ حسبما يفيده قوله تعالى: {قُضِىَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} وهو السرُّ في إيثار ما عليه النظمُ الكريم على أن يقال للذي ظنه ناجياً {مِنْهُمَا} من صاحبـيه، وإنما ذكر بوصف النجاةِ تمهيداً لمناط التوصيةِ بالذكر عند الملكِ وعنوانِ التقربِ المفهوم من التعبـير المذكورِ وإن كان أدخلَ في ذلك وأدعى إلى تحقيق ما وصّاه به لكنه ليس بوصف فارقٍ يدور عليه الامتيازُ بـينه وبـين صاحبه المذكورِ بوصف الهلاكِ، والظانُّ هو يوسفُ عليه السلام لا صاحبُه لأن التوصيةَ المذكورة لا تدور على ظن الناجي بل على ظن يوسفَ وهو بمعنى اليقينِ كما في قوله تعالى: {أية : ظَنَنتُ أَنّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ}تفسير : [الحاقة: 20] فالتعبـيرُ بالوحي كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : قُضِىَ ٱلأَمْرُ }تفسير : [إبراهيم: 22] الخ، وقيل: هو بمعناه والتعبـيرُ بالاجتهاد والحكمُ بقضاء الأمر أيضاً اجتهاديٌّ {ٱذْكُرْنِى} بما أنا عليه من الحال والصفة {عِندَ رَبّكَ} سيّدِك وصِفْني له بصفتي التي شاهدتَها {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي أنسى الشرابـيَّ بوسوسته وإلقائه في قلبه أشغالاً تعوقه عن الذكر وإلا فالإنساءُ في الحقيقة لله عز وجل والفاءُ للسببـية فإن توصيتَه عليه السلام المتضمنةَ للاستعانة بغيره سبحانه كانت باعثةً لما ذكر من الإنساء {ذِكْرَ رَبّهِ} أي ذكرَ الشرابـيِّ له عليه السلام عند الملِك، والإضافة لأدنى ملابسةٍ، أو ذكرَ إخبارِ ربِّه {فَلَبِثَ} أي يوسف عليه السلام بسبب ذلك الإنساءِ أو القول {فِى ٱلسّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} البِضْعُ ما بـين الثلاث إلى التسع من البَضْع وهو القطعُ، وأكثرُ الأقاويل أنه لبث فيه سبعَ سنين، وروي عن النبـي عليه السلام: «حديث : رحم الله أخي يوسفَ لو لم يقُل اذكُرْني عند ربِّك لما لبث في السجن سبعاً بعد الخمس»تفسير : والاستعانةُ بالعباد وإن كانت مرخصةً لكن اللائقَ بمناصب الأنبـياءِ عليهم السلام الأخذُ بالعزائم.
القشيري
تفسير : اشتركا في السؤال واشتركا في الحكم وفي دخول السجن، ولكن تباينا في المآلِ؛ واحدٌ صُلبَ، وواحِدٌ قُرِّبَ ووُهِبَ... وكذا قضايا التوحيد واختيار الحق؛ فَمِنْ مرفوعٍ: فوق السِّماكِ مَطْلَعُه، ومن مدفونٍ: تحت التراب مضجعُه.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا صاحبى السجن} الاضافة بمعنى فى كما سبق. والمعنى باللفارسية [اى ياران زندان] {اما احد كما} وهو الشرابى ولم يعينه لدلالة التعبير عليه {فيسقى} [بياشاماند] {ربه} سيده {خمرا} كما كان يسقيه قبل -روى- انه عليه السلام قال له اما مارايت من الكرمة وحسنها فهو الملك وحسن حالك عنده او قال له ما اسحن ما رأيت اما حسن الحبلة وهى اصل من اصول الكرم فهو حسن حالك وسلطانك وعزك واما القضبان الثلاثة فثلاثة ايام تمضى فى السجن ثم يوجه الملك اليك عند انقضائهن فيردك الى عملك فتصير كما كنت بل احسن {واما الآخر} وهو الخباز {فيصلب فتأكل الطير من رأسه} [از كله سروى]. ـ روى ـ انه عليه السلام قال له بئس مارايت اما خروجك من المطبخ فخروجك من عملك واما السلال الثالث فثلاثة ايام تمر ثم يوجه الملك اليك عند انقضائهن فيصلبك فتأكل الطير من رأسك. وفى الكواشى اكل الطير من اعلاها اخراجه فى اليوم الثالث {قضى الامر} فرغ منه واتم واحكم وهو ما رأياه من الرؤيين واسناد القضاء اليه مع انه من احوال مآله وهو نجاة احدهما وهلاك الآخر لانه فى الحقيقة غير ذلك المآل وقد ظهر فى عالم المثال بتلك الثورة {الذى فيه تستفتيان} تطلبان فتواه وتأويله - روى - انه لما عبر رؤياهم جحدا وقالا ما راينا شيئا فاخبر ان ذلك كائن صدقتما او كذبتما ولعل الجحود من الخباز اذ لا داعى الى جحود الشرابى الا ان يكون ذلك لمراعاة جانبه فكان كما عبر يوسف حيث اخرج الملك صاحب الشراب ورده الى مكانه وخلع عليه واحسن اليه لما تبين عنده حاله فى الامانة واخرج الخباز ونزع ثيابه وجلده بالسياط حتى مات لما ظهر عنده خيانته وصلبه على قارعة الطريق واقبلت طيور سود فاكلت من رأسه وهو اول من استعمل الصلب ثم استعمله فرعون موسى كما حكى عنه من قوله {أية : لاصلبنكم فى جذوع النخل} تفسير : - وروى - ان النبى صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة بدر الى المدينة ومر بعرق الظبية وهى شجرة يستظل لها امر فصلب عقبة بن ابى معيط من الاسارى وهو اول مصلوب من الكفار فى الاسلام وكان يفترى على رسول الله فى مكة وبزق مرة فى وجهه والصلب اصعب انواع اسباب الهلاك لانحباس النفس فى البدن ويفعله الحاكم بحسب ما رأى فى بعض المجرمين تشديدا للجزاء وليكون عبر للناس. والاشارة اما النفس فسقى الروح خمرا وهو ما خامر العقل مرة من شراب الشهوات واللذات النفسانية وتارة باقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات الربانية وهى باقية فى خدمة ملك الروح ابدا واما البدن فيصلب بحبل الموت فتأكل طير اعوان الملك من رأسه الخيالات الفاسدة التى جمعت فى ام دماغه. واعلم ان الموت اشد شيء وان المرء ينقطع عنده كل شيء ولا يبقى معه الا ثلاث صفات صفاء القلب وانسه بذكر الله وحبه لله ولا يخفى ان صفاء القلب وطهارته عن ادناس الدنيا لا تكون الا مع المعرفة والمعرفة لا تكون الا بدوام الذكر والفكر وخير الاذكار التوحيد وفى الحديث "حديث : ذكر الله علم الايمان وبراءة من النفاق وحصن من الشيطان وحرز من النار"تفسير : : قال المولى الجامى شعر : دلت آيينه خداى نماست روى آيينه توتيره جراست صيقلى دارى صيقلى ميزن باشد آيينه ات شود روشن صيقل آن اكرنه آكاه نيست جز لا اله الا الله
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (منهما): يتعلق بظن، والظن يحتمل أن يكون بمعنى اليقين؛ لأن قوله: (قضي الأمر) يقتضي ذلك، أو يبقى على بابه. يقول الحق جل جلاله: قال يوسف: {يا صاحِبَي السجن} المستفتيان عن الرؤيا، {أما أحدُكُما} وهو الساقي، {فيسْقي ربه خمراً} كما كان يسقيه قبلُ، ويعود إلى ما كان عليه، {وأما الآخرُ فيُصلبُ فتأكلُ الطيرمن رأسه}، فقالا: كَذَبْنا ما رأينا شيئاً، فقال: {قُضِيَ الأمرُ الذي فيه تستفتيان}، سبق به القضاءُ في الأزل، وهو ما يؤول إليه أمركما، ولذلك وحده ولم يقل: قضي أمراكما. رُوي أنه لما دعاهما إلى التوحيد أسلم الساقي وأبى الخباز، فأخرج بعد ثلاث وصُلب. {وقال للذي ظنَّ أنه ناج منهما} يوسف، أي: تيقن، أو غلب على ظنه أنه ناجٍ منهما، إما عن وحي، على الأول، أو باجتهاد بسبب الرؤيا: {اذكُرني عند ربك}؛ عند سيدك، وهو المَلِك، وقل له: غلامٌ سُجنَ ظُلماً، لعله يُخلصني. قال ابن عطية: يحتمل أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل أن يذكره بمظلمته، وما امتحن به بغير حق. أو يذكره بهما. هـ. وقال الورتجبي: يحتمل أن قوله: {اذكرني عند ربك}: عَرَّف له طريقتي مع الله حتى يعرفني أني رسول الله، ويطيعني في طاعة الله، وينجو بذلك من عذابه، ويصل إلى ثوابه، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وليوحد الله تعالى، ويتخلص من كيد الشيطان، وما معه من الإنسان. هـ. {فأنسَاهُ الشيطانُ ذكرَ ربه} أي: فأنسى الساقي أن يذكر يوسف لربه. أو أنسي يوسفَ ذكرَ الله حتى استغاث بغير، فأدبه، {فلبثَ في السجن}، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : رَحِمَ الله أخِي يُوسُف، لَوْ لَمْ يَقُل: اذْكرْنِي عند رَبِّك، لَمَا لَبِثَ في السِّجنِ سَبْعاً بَعدَ الخَمسِ ."تفسير : روي أن جبريل عليه السلام أتاه بعد المقالة، فقال له: مَن أخرجك من الجُبِّ، وخلِّصك من القتل، وعَصَمَكَ من الفاحشة؟ فقال: الله. فقال: كيف تعتصم بغيره، وتثق بالمخلوق، وترفع قصتك إليه، وتترك ربك؟! قال: يا جبريل؛ كلمات جرت على لساني، وأنا تائب لا أعود لمثلها. هـ. والاستعانة بالمخلوق، وإن كانت جائزة شرعاً، لكنها لا تليق بمقام الأقوياء. {فلبث في السجن بضْعَ سنين} البضع: من الثلاث إلى التسع.؟ رُوي أن يوسف عليه السلام سجن خمس سنين أولاً، ثم سجن بعد المقالة سبع سنين. الإشارة: النسيان والغفلة التي لا تثبت في القلب، والخواطر التي ترد وتذهب من أوصف البشرية التي لا تنافي الخصوصية، إذ لا انفكاك للعبد عنها. قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 201] فالطيف لا ينجو منه أحد؛ لأنه من جملة أوصاف العبودية التي بها تعرف كمالات الربوبية. وقد قال تعالى في حق سيد العارفين: {أية : وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 200]؛ فالعصمة التي تجب للأنبياء إنما هي مما يوجب نقصاً أو غضاً من مرتبتهم. وهذه الأمور إنما توجب كمالاً؛ لأنها بها يتحقق كمال العبودية التي هي شرف العبد. فافهم وسلم، ولا تنتقد، فإن هذه الأمور لا يفهمها إلا العارفون بالله، دون غيرهم من أهل العلم الظاهر. وقال الورتجبي: إن يوسف عليه السلام لم يعلم وقت إيمان الملك، ولم يأت وقت دخوله في الإسلام، فأنساه الشيطان ذكر ربه، في سابق حكمه، على تقدير وقت إيمان الملك، فلبث في السجن إلى وقت إيمان الملك، فنسيان يوسف: احتجابه عن النظر إلى قدره السابق. هـ. ثم ذكر سبب خورجه من السجن، فقال: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ}.
الطوسي
تفسير : في هذه الآية اخبار عما أجاب به يوسف للفتيين في تأويل رؤياهما حين راجعاه في معرفته، فقال {يا صاحبي أما أحدكما فيسقي ربه خمراً} يعني سيده، ومالكه، لانه كان صاحب شرابه، واجرى عليه صفة الرب، لانه مضاف، كما يقال رب الدار، والضيعة. و {أما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} فروي ان صاحب الصلب، قال ما رأيت شيئاً، فقال له قضي الامر الذي فيه تستفتيان. وهذا يدل على انه كان ذلك بوحي من الله ولفظ احد لواحد من المضاف اليه مما له مثل صفة المضاف في الافراد نحو احد الانسانين، واحد الدرهمين، فهو إنسان ودرهم لا محالة. والبعض يحتمل ان يكون لاثنين فصاعدا، ولذلك اذا قال جاءني احد الرجال، فهم منه إنه جاءه واحد منهم. واذا قال جاءني بعض الرجال جاز ان يكون اكثر من واحد. والاستفتاء طلب الفتيا. والفتيا جواب بحكم المعنى، فهو غير الجواب بعينه.
الجنابذي
تفسير : {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا} الّذى يرى أنّه يعصر خمراً {فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً} وهو الّذى كان قبل ادخاله السّجن صاحب شرابه {وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ} وهو الّذى كان قبل ادخاله السّجن صاحب غذائه، قيل: انّهما ما رأيا شيئاً وامتحناه بذلك، وقيل: انّهما رأيا رؤياهما، وقيل: انّ صاحب الشّراب رأى وكان صادقاً، وصاحب الغذاء ما رأى شيئاً وكذب فى رؤياه وقال بعد ذلك: ما رأيت شيئاً وانّما اردت امتحانك فقال فى جوابه {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} رأيتما او ما رأيتما.
اطفيش
تفسير : فقال {يا صَاحِبَى السِّجن أمَّا أحدُكما} وهو صاحب شراب الملك {فَيسْقى ربَّه} سيده وهو الملك {خَمراً} كما كان يسقيه قبل الخمر وغيرها، وخصها بالذكر لأنه رأى أنه يعصر خمراً، يعنى أنه يعود بمنزلته كما كان، وتحسن حاله مع الملك والقضبان الثلاثة، ثلاثة أيام يبقى فى السجن فيها فيخرج، وقيل: إنه قال: اتبعنا قيد الثلاثة ثلاثة أيام للبقاء ثم تخرج، وأما ظل الشجرة وحسن ورقها فهو عملك الذى كنت عليه، وحسن حالك عند الملك، ويسأل عنك الملك فيردك إلى عملك وتعطيه الكأس فيأخذها ويشرب، وقرأ عكرمة فيسقى ربه خمرا بالبناء للمفعول ورفع رب. {وأمَّا الآخرُ} وهو صاحب طعام الملك {فيُصْلب} على خشبة نخلة {فتأكُلُ الطَّير مِنْ رأسِهِ} والسلال الثلاث الآتى على رأسه ثلاثة أيام يمكثها فى السجن، وأكل الطير الخبز منها أكلها من دماغه إذا خرج بعد الثلاثة وصلب، وروى التنانير الثلاثة بدل السلال الثلاثة، فصاح فقال: ما رأيت شيئا أنما جئت لأجربك، وروى أنهما قالا: ما رأينا شيئا فقال: {قُضى الأمر الَّى فِيه تَسْتفْتيان} صدقتما أو كذبتما، وإنما وحد الأمر مع أنهما استفتياه فى أمرين، لأن المراد حقيقة الأمر أو لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وسجنا من أجله، بل الخباز قطع بأنه سمه، وكأنهما استفتياه فى أمر السم عاقبتهما النجاة أو الهلاك، وظاهر كلام كثير أن ذلك وقع فى الليلة الأولى من سجنهما، ومكث بعدها ثلاثة فخرجا، فصلب الخباز فكانت الطير تأكل من رأسه، وأعيد الساقى على عمله مع الملك، فلما رأى السجان صدق تعبيره أحبه وقال له: أحبك كما مر. وقيل: إن ذلك بعد أربع سنين من يوم سجنهم، لما تمت أربع سنين أوحى الله سبحانه إلى جبريل: يا جبريل انزل على عبدى يوسف بتعبير الرؤيا، فإنى قد رحمت غربته، واستجبت دعاءه، فهبط فقال: السلام عليك يا رأس الصديقين، فقال: وعليك السلام يا أمين رب العالمين، فقال: افتح فاك وخذ ما أتحفك به مولاك، ففتح فاه فألقى فيه جبريل لؤلؤة صفراء، ولما استقرت فى جوفه خرج من بين عينيه نور كالشمس، فعلم تعبير الرؤيا كلها لوقته بلا دراسة ولا تعليم، فازداد حبا فى أهل السجن، وكان يعبر لهم، وتكامل حبهم له، فرأى الساقى رؤياه وقصها على الخباز، فقال الخباز: أما أنا فلم أر شيئا، وسابتدع رؤياه، فابتدع رؤياه المذكورة.
الالوسي
تفسير : {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا} أراد به الشرابي، وإنما لم يعينه عليه السلام ثقة بدلالة التعبير مع ما فيه من رعاية حسن الصحبة {فَيَسْقي رَبَّهُ} أي سيده {خَمْراً} روي أنه عليه السلام قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه. وقرئ {فيسقى} بضم الياء والبناء للفاعل من أسقى قال صاحب "اللوامح": يقال: سقى وأسقى بمعنى، وقرئ في السبعة وأسقاه جعل له سقياً، ونسب ضم الياء لعكرمة والجحدري، وذكر بعضهم أن عكرمة قرأ {فيسقى} بالبناء للمفعول، و - ريه - بالياء المثناة والراء المكسورة، والمراد به ما يروى به وهو مفعول ثان - ليسقى - والمفعول الأول الضمير النائب عن الفاعل العائد على (أحد)، ونصب {خمراً} حينئذ على التمييز {وَأَمَّا الأخَرُ} وهو الخباز {فَيُصْلَبُ فتأكُلُ الطَّيْرُ من رَّأسه} روي أنه عليه السلام قال له: ما رأيت من السلال الثلاث ثلاثة أيام تمر ثم تخرج فتصلب. {قُضيَ} أتم وأحكم {الأَمْرُ الَّذي فيه تَسْتَفْتيَان} وهو ما يؤول إليه حالكما وتدل عليه رؤياكما من نجاة أحدكما وهلاك الآخر، ومعنى استفتائهما فيه سؤالهما عنه، أخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئاً إنما تحالما ليجريا علمه فلما أول رؤياهما قالا: إنما كنا نلعب ولم نر شيئاً، فقال عليه السلام قضي الأمر الخ يقول: وقعت العبارة اهـ. وقيل: المراد بالأمر ما اتهما به، والكلام حينئذ على حذف مضاف أي عاقبة ذلك. وذهب بعض المحققين إلى أن المراد به ما رأياه من الرؤيتين، ونفى أن يكون المراد ما يؤول إليه أمرهما، قال: لأن الاستفتاء إنما يكون في الحادثة لا في حكمها يقال: استفتي الفقيه في الحادثة أي طلب منه بيان حكمها ولا يقال: استفتاه في حكمها وكذا الإفتاء، يقال: أفتى في الواقعة الفلانية بكذا ولا يقال: أفتى في حكمها بكذا، ومما هو علم في ذلك قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} تفسير : [يوسف: 43] ومعنى استفتائهما فيه طلبهما لتأويله بقولهما { أية : نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } تفسير : [يوسف: 36] وعبر عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويله بالاستفتاء تهويلاً لأمره وتفخيماً لشأنه إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم المبهمة الجواب. وإيثار صيغة المضارع لما أنهما بصدد الاستفتاء إلى أن يقضي عليه السلام من الجواب وطره وإسناد القضاء إليه مع أنه من أحوال مآله لأنه في الحقيقة عين ذلك المآل، وقد ظهر في عالم المثال بتلك الصورة، وأما توحيده مع تعدد رؤياهما فوارد على حسب ما وحداه في قولهما: { أية : نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } تفسير : [يوسف: 36] لا لأن الأمر ما اتهما به وسجنا لأجله من سم الملك فإنهما لم يستفتيا فيه ولا فيما هو صورته بل فيما هو صورة لمآله وعاقبته فتأمل اهـ. وتعقب بأنه لا مانع من أن يراد بالأمر المآل كما يقتضيه ظاهر إسناد القضاء إليه وإليه ذهب الكثير، وتجعل - في - للسببية مثلها في قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : دخلت امرأة النار في هرة"تفسير : ويكون معنى الاستفتاء فيه الاستفتاء بسببه أي طلب بيان حكم الرؤييين لأجله، وهما إنما طلبا ذلك لتعرف حالهما ومآل أمرهما. وإن أبيت ذلك فأي مانع من أن يكون الاستفتاء في الأمر مع أن الاستفتاء إنما يكون في الحادثة، وهي هنا الرؤييان لما أن بين الأمر وتلك الحادثة اتحاداً كما ادعاه هو، ووجه به إسناد القضاء إلى الأمر بالمعنى الذي حمله عليه مع أنه من أحوال مآله، وليس له أن يقول بصحة اعتبار العينية في إسناد القضاء وعدم صحة اعتبارها في تعلق الاستفتاء إذ بعد اعتبارالعينية بين شيئين يكون صحة نسبة ما هو من أحوال أحدهما إلى الآخر دون صحة نسبة ما هو من أحوال ذلك الآخر إليه ترجيحاً بلا مرجح، ومنع ذلك مكابرة، ويرجح ما ذهب إليه الكثير أن فيه سلامة من نزع الخف قبل الوصول إلى الماء كما لا يخفى على من تيمم كعبة الإنصاف، وبأن ما ذكره في تعليل عدم صحة تفسير الأمر بما اتهما به وسجنا لأجله لا يخلو عن دغدغة على أن ذلك كان تعريضاً بصاحب "الكشاف" / وهو على ما قال الطيبي: ما عنى بالأمر إلا العاقبة، نعم صدر كلامه ظاهر فيما ذكر والأمر فيه سهل، ولعل وجه الأمر بالتأمل في كلام هذا المحقق مجموع ما ذكرناه فتأمل. ثم إن هذا الإخبار كما يحتمل أن يكون للرد عليهما حسبما ورد في الأثر يحتمل أن يكون تحقيقاً لتعبيره وتأكيداً له، ولا يشكل على الأول أنه لا داعي لجحود الشرابي لأنا نقول على تقدير كذبهما في ذلك يحتمل أن يكون لمراعاة جانب صاحبه الخباز. وجاء في بعض الآثار أن الذي جحد هو الخباز. فحينئذ الأمر واضح. واستدل بذلك على ما هو المشهور من أ ن الرؤيا تقع كما تعبر، ولذا قيل: المنام على جناج طائر إذا قص وقع.
ابن عاشور
تفسير : افتتح خطابهما بالنداء اهتماماً بما يلقيه إليهما من التعبير، وخاطبهما بوصف {صاحبي السجن} أيضاً. ثم إذا كان الكلام المحكي عن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في الآية صدر منه على نحو النظم الذي نظم به في الآية وهو الظاهر كان جَمع التأويلَ في عبارة واحدة مجملة، لأن في تأويل إحدى الرؤيين ما يسوء صاحبَها قصداً لتلقيه ما يسوء بعدَ تأمل قليل كيلا يفجأه من أول الكلام، فإنه بعد التأمل يعلم أن الذي يسقي ربه خمراً هو رَائي عَصر الخمر، وأن الذي تأكل الطير من رأسه هو رائي أكل الطير من خبزٍ على رأسه. وإذا كان نظم الآية على غير ما صَدر من يوسف ـــ عليه السّلام ـــ كان في الآية إيجاز لحكاية كلام يوسف ـــ عليه السّلام ـــ، وكان كلاماً معيّناً فيه كل من الفتيين بأن قال: أما أنتَ فكيْت وكيْت، وأما أنت فكَيْت وكيْت، فحُكي في الآية بالمعنى. وجملة {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} تحقيق لما دلت عليه الرؤيا، وأن تعبيرها هو ما أخبرهما به فإنهما يستفتيان في دلالة الرؤيا على ما سيكون في شأن سجنهما لأن ذلك أكبر همهما، فالمراد بالأمر تعبير رؤياهما. والاستفتاء: مصدر استفتَى إذا طلب الإفتاء. وهو: الإخبار بإزالة مشكل، أو إرشاد إلى إزالة حيرة. وفعله أفتى مُلازم للهمز ولم يسمع له فعل مُجرد، فدل ذلك على أن همزه في الأصل مجتلب لمعنًى، قالوا: أصل اشتقاق أفتى من الفتى وهو الشاب، فكأنّ الذي يفتيه يقوي نهجه ببيانه فيصير بقوة بيانه فَتِيّا أي قوياً. واسم الخبر الصادر من المفتي: فتوى ـــ بفتح الفاء وبضمها مع الواو مقصوراً، وبضم الفاء مع الياء مقصوراً ـــ.
القطان
تفسير : بعد ذلك شرع يوسف يفسّر لهما الرؤيا فقال: يا صاحبي السجن، ما أحدُكما فسيعود الى ما كان عليه، ساقيَ الملك وصاحبَ شرابه، واما الثاني فيُصْلَب ويُترك مصلوباً، فتقع عليه الطير وتأكل من رأسه، إن الأمر الذي يهُّمكما ويُشكِل عليكما وتستفتيانني فيه قد اتّضح وانتهى حكمه. ثم التفت يوسف الى الذي اعتقدَ انه ناجٍ منهما، وهو ساقي الملك، فقال له: اذكر حالي عند سيدك يا هذا، عساه يُنصفني وينقذني مما أنا فيه. فشغل الشيطان ذلك الرجلَ بعد أن خرج من السجن وأنساه ان يذكر للملك قصة يوسف. وهكذا مكث يوسف في السجن بضع سنين والبِضعُ من ثلاثٍ الى تسع، ولا ندري كم المدة التي امضاها على التحديد.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰصَاحِبَيِ} (41) - ثُمَّ قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يُفَسِّرُ حُلْمَ الشَّابَّينِ: إِنَّ أَحَدَهُمَا، وَهُوَ الذِي رَأَى نَفْسَهُ فِي المَنَامِ يَعْصِرُ خَمْراً، سَيَخْرُجُ مِنَ السِّجْنِ، وَسَيَسْقِي سَيِّدَهُ المَلِكَ (رَبَّهُ) الخَمْرَ، وَإِنَّ الآخَرَ - وَهُوَ الذِي رَأَى أَنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزاً تَأْتِي الطَّيْرُ فَتَأْكُلُ مِنْهُ - فَإِنَّهُ سَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ لَحْمِ رَأْسِهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا إِنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ سَيَقَعُ بِتَمَامِهِ، وَإِنَّهُ أَمْرٌ مَقْضِيٌّ مِنَ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا رجع يوسف عليه السلام إلى مطلب السجينين، وفسَّر رؤيا مَنْ يسقي الخمر بأنه سيخرج من السجن ويعود ليسقي سيده، وأما الآخر فلسوف يُصلَبُ وتأكل الطير من رأسه، لأن رمزية الرؤيا تقول: إن الطير سيأكل من رأسه؛ وهذا يعني أن رأسه ستكون طعاماً للطير. وتأويل الرؤيا علم يقذفه الله في قلوب مَنْ علَّمهم تأويل الأحاديث، وهي قدرة على فَكِّ شَفْرة الحُلْم، ويعطيها الله لمَنْ يشاء من عباده. وقد قال يوسف لمَنْ قال: {أية : إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً ..} تفسير : [يوسف: 36]. أنه سوف ينال العفو ما أظهرته الرؤيا التي قالها، وأما الآخر فسيأكل من رأسه الطير. أي: سيُصلب كما أوحتْ بذلك رموز الرُّؤيا. ونلحظ أن يوسف عليه السلام قد انشغل بالحكم الذي أوضحته الرؤييان عن الاثنين صاحبي الرؤييين. وهذا دليل على أن القاضي يجب أن يكون ذهنه مُنصبًّا على الحكم؛ لا على المحكوم عليه، فقد سمع يوسف منهما؛ وهو لا يعرف مَنْ سينال البراءة، ومَنْ الذي سوف يُعاقب. فنزع يوسف ذاته من الأمر، ولم يسمح لنفسه بدخول الهوى إلى قلبه؛ لأن الهوى يُلوِّن الحكم، ولا أحد بقادر على أن يسيطر على عاطفته، ولا بد للقاضي لحظة أن يصدر حكماً أن يتجرد تماماً من الهوى والذاتيات. ويُعلِّمنا الحق سبحانه ذلك حين أنزل لنا في قرآنه قصة سيدنا داود عليه السلام: {أية : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} تفسير : [ص: 21-24]. وكان من ذكر عدد نِعَاج أخيه أنه إنما أراد أن يستميل داود عليه السلام لِصفِّه؛ وكان يريد أن يُصوِّر الظلم الذي وقع عليه، وحكم داود بأن مَنْ أخذ النعجة ليضمها لنعاجه هو الذي ظلم؛ وشعر داود أنه لم يُوفَّق في الحكم؛ لأنه ذكر في حيثية الحكم نعاج الذي أراد أن يأخذ نعجة أخيه. فالأخذ وحده كان هو المبرر عند داود لإدانة الذي أراد الاستيلاء على ما ليس من حقه؛ ولذلك اعتبر أن هذا الأمر كله فتنة لم يُوفَّق فيها، واستغفر الله بالركوع والتوبة. وقد كان يوسف عليه السلام حكيماً حين قال تأويل الرُّؤيا متجرداً من الذاتية، وأنهى التأويل بالقول: {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41]. أي: أنه لا مجال للرجوع أو العدول عن حدوث ذلك الذي وصل إليه من تأويل؛ فقد جاء التأويل وفقاً لما علَّمه الله له. وهناك الكثير من الروايات عما تحمَّله يوسف من صعاب قبل الجُبِّ وقبل السجن، وقيل: إن عمته ابنة إسحاق، وهي أكبر أولاده؛ قد استقبلته بعد أن ماتت أمه لترعاه فتعلقت به؛ ولم تحب أحداً قَدْر محبتها له. وتاقت نفس يعقوب إلى ولده؛ فذهب إليها وقال لها: سلِّمي إليَّ يوسف. لكنها قالت: والله ما أقدر أن يغيب عني ساعة، ولن أتركه. فلما خرج يعقوب عليه السلام من عندها، عمدتْ إلى شيء من ميراث إبراهيم عليه السلام يتوارثه أكبر الأبناء، ووضعته تحت ملابس يوسف. وكان العُرفُ الجاري أنه إذا سرق أحدٌ شيئاً وتَمَّ ضبطه؛ تحول من حرّ إلى عبد، وحين كاد يعقوب أن يخرج مع ابنه يوسف عائداً إلى بيته؛ أعلنت العمة فقدان الشيء الذي أعطاه لها والدها إسحاق؛ وفتشوا يوسف فوجدوا الشيء المفقود. فقالت عمته: والله إنه لَسَلْم - أي عبد - وكان العرف أن مَنْ يسرق شيئاً يتحول إلى عبد عند صاحب الشيء. وهكذا بقي يوسف مع عمته محروماً من أبيه لفترة، ولم يستطع الأب استرداده إلا بعد أن ماتت العمَّة. ثم جاءت حادثة الجُبِّ، ومن بعدها محاولة امرأة العزيز لِغُوايته، ورغم تيقُّن العزيز من براءته إلا أنه أُودِع السجن؛ ويقول الرواة: "إن يوسف عليه السلام قد عُرف في السجن بالجود، والأمانة، وصدق الحديث، وحُسْن السمت، وكثرة العبادة، ومعرفة التعبير - أي تأويل الرُّؤيا - والإحسان إلى أهل السجن. ولما دخل هذان الفَتيانِ معه السجن؛ تآلفا به وأحبَّاه حُبّاً شديداً وقالا له: والله لقد أحببناك حباً زائداً. قال: بارك الله فيكما؛ إنه ما من أحد أحبَّني إلا دخل عليَّ من محبته ضررٌ، أحبتني عمَّتي فدخل الضرر بسببها، وأحبَّني أبي فأوذيتُ بسببه، وأحبَّتني امرأة العزيز فكذلك. أي: أنه دخل السجن وصار معهما دون ذنب جَنَاه. قال السجينان: إنا لا نستطيع غير ذلك". ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما قاله يوسف لمن ظَنَّ أنه سينجو من السجن: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا } وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا، فإنه يخرج من السجن { فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا } أي: يسقي سيده الذي كان يخدمه خمرا، وذلك مستلزم لخروجه من السجن، { وَأَمَّا الآخَرُ } وهو: الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه. { فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ } فإنه عبر [عن] الخبز الذي تأكله الطير، بلحم رأسه وشحمه، وما فيه من المخ، وأنه لا يقبر ويستر عن الطيور، بل يصلب ويجعل في محل، تتمكن الطيور من أكله، ثم أخبرهما بأن هذا التأويل الذي تأوله لهما، أنه لا بد من وقوعه فقال: { قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } أي: تسألان عن تعبيره وتفسيره.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):