١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الموصوف بالظن هو يوسف عليه السلام أو الناجي فعلى الأول كان المعنى وقال الرجل الذي ظن يوسف عليه السلام كونه ناجياً، وعلى هذا القول وجهان: الأول: أن تحمل هذا الظن على العلم واليقين، وهذا إذا قلنا بأنه عليه السلام إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الوحي. قال هذا القائل وورود لفظ الظن بمعنى اليقين كثير في القرآن. قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ رَّبُّهُمْ } تفسير : [البقرة: 46] وقال: { أية : إِنّى ظَنَنتُ أَنّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ } تفسير : [الحاقة: 20] والثاني: أن تحمل هذا الظن على حقيقة الظن، وهذا إذا قلنا إنه عليه السلام ذكر ذلك التعبير لا بناء على الوحي، بل على الأصول المذكورة في ذلك العلم، وهي لا تفيد إلا الظن والحسبان. والقول الثاني: أن هذا الظن صفة الناجي، فإن الرجلين السائلين ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف ورسالته، ولكنهما كانا حسني الاعتقاد فيه، فكان قوله لا يفيد في حقهما إلا مجرد الظن. المسألة الثانية: قال يوسف عليه السلام لذلك الرجل الذي حكم بأنه يخرج من الحبس ويرجع إلى خدمة الملك {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } أي عند الملك. والمعنى: اذكر عنده أنه مظلوم من جهة إخوته لما أخرجوه وباعوه، ثم إنه مظلوم في هذه الواقعة التي لأجلها حبس، فهذا هو المراد من الذكر. ثم قال تعالى: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبّهِ } وفيه قولان: الأول: أنه راجع إلى يوسف، والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر ربه، وعلى هذا القول ففيه وجهان: أحدهما: أن تمسكه بغير الله كان مستدركاً عليه، وتقريره من وجوه: الأول: أن مصلحته كانت في أن لا يرجع في تلك الواقعة إلى أحد من المخلوقين وأن لا يعرض حاجته على أحد سوى الله، وأن يقتدي بجده إبراهيم عليه السلام، فإنه حين وضع في المنجنيق ليرمى إلى النار جاءه جبريل عليه السلام وقال: هل من حاجة، فقال أما إليك فلا، فلما رجع يوسف إلى المخلوق لا جرم وصف الله ذلك بأن الشيطان أنساه ذلك التفويض، وذلك التوحيد، ودعاه إلى عرض الحاجة إلى المخلوقين، ثم لما وصفه بذلك ذكر أنه بقي لذلك السبب في السجن بضع سنين، والمعنى أنه لما عدل عن الانقطاع إلى ربه إلى هذا المخلوق عوقب بأن لبث في السجن بضع سنين، وحاصل الأمر أن رجوع يوسف إلى المخلوق صار سبباً لأمرين: أحدهما: أنه صار سبباً لاستيلاء الشيطان عليه حتى أنساه ذكر ربه، الثاني: أنه صار سبباً لبقاء المحنة عليه مدة طويلة. الوجه الثاني: أن يوسف عليه السلام قال في إبطال عبادة الأوثان { أية : أَأرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ } تفسير : [يوسف: 39] ثم إنه ههنا أثبت رباً غيره حيث قال: {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } ومعاذ الله أن يقال إنه حكم عليه بكونه رباً بمعنى كونه إلهاً، بل حكم عليه بالربوبية كما يقال: رب الدار، ورب الثوب على أن إطلاق لفظ الرب عليه بحسب الظاهر يناقض نفي الأرباب. الوجه الثالث: أنه قال في تلك الآية ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء، وذلك نفي للشرك على الإطلاق، وتفويض الأمور بالكلية إلى الله تعالى، فههنا الرجوع إلى غير الله تعالى كالمناقض لذلك التوحيد. واعلم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فهذا وإن كان جائزاً لعامة الخلق إلا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية وأن لا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب. الوجه الثاني: في تأويل الآية أن يقال: هب أنه تمسك بغير الله وطلب من ذلك الساقي أن يشرح حاله عند ذلك الملك، إلا أنه كان من الواجب عليه أن لا يخلي ذلك الكلام من ذكر الله مثل أن يقول إن شاء الله أو قدر الله فلما أخلاه عن هذا الذكر وقع هذا الاستدراك. القول الثاني: أن يقال إن قوله: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبّهِ } راجع إلى الناجي والمعنى: أن الشيطان أنسى ذلك الفتى أن يذكر يوسف للملك حتى طال الأمر {فَلَبِثَ فِى ٱلسّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } بهذا السبب، ومن الناس من قال القول الأول أولى لما روي عنه عليه السلام قال: « حديث : رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن » تفسير : وعن قتادة أن يوسف عليه السلام عوقب بسبب رجوعه إلى غير الله، وعن إبراهيم التيمي أنه لما انتهى إلى باب السجن قال له صاحبه: ما حاجتك قال: أن تذكرني عند رب سوى الرب الذي قال يوسف، وعن مالك لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قيل: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً لأطيلن حبسك فبكى يوسف وقال: طول البلاء أنساني ذكر المولى فقلت هذه الكلمة فويل لإخوتي. قال مصنف الكتاب فخر الدين الرازي رحمه الله، والذي جربته من أول عمري إلى آخره أن الإنسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله صار ذلك سبباً إلى البلاء والمحنة، والشدة والرزية، وإذا عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق ذلك المطلوب على أحسن الوجوه فهذه التجربة قد استمرت لي من أول عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين، فعند هذا استقر قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه ومن الناس من رجح القول الثاني لأن صرف وسوسة الشيطان إلى ذلك الرجل أولى من صرفها إلى يوسف الصديق، ولأن الاستعانة بالعباد في التخلص من الظلم جائزة. واعلم أن الحق هو القول الأول وما ذكره هذا القائل الثاني تمسك بظاهر الشريعة وما قرره القائل الأول تمسك بأسرار الحقيقة ومكارم الشريعة، ومن كان له ذوق في مقام العبودية وشرب من مشرب التوحيد عرف أن الأمر كما ذكرناه، وأيضاً ففي لفظ الآية ما يدل على أن هذا القول ضعيف، لأنه لو كان المراد ذلك لقال فأنساه الشيطان ذكره لربه. المسألة الثالثة: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة في الشريعة لا إنكار عليه إلا أنه لما كان ذلك مستدركاً من المحققين المتوغلين في بحار العبودية لا جرم صار يوسف عليه السلام مؤاخذاً به، وعند هذا نقول: الذي يصير مؤاخذاً بهذا القدر لأن يصير مؤاخذاً بالإقدام على طلب الزنا ومكافأة الإحسان بالإساءة كان أولى فلما رأينا الله تعالى آخذه بهذا القدر، ولم يؤاخذه في تلك القضية ألبتة، وما عابه بل ذكره بأعظم وجوه المدح والثناء علمنا أنه عليه السلام كان مبرأ مما نسبه الجهال والحشوية إليه. المسألة الرابعة: الشيطان يمكنه إلقاء الوسوسة، وأما النسيان فلا، لأنه عبارة عن إزالة العلم عن القلب، والشيطان لا قدرة له عليه، وإلا لكان قد أزال معرفة الله تعالى عن قلوب بني آدم. وجوابه: أنه يمكنه من حيث إنه بوسوسته يدعو إلى سائر الأعمال واشتغال الإنسان بسائر الأعمال يمنعه عن استحضار ذلك العلم وتلك المعرفة. المسألة الخامسة: قوله: {فَلَبِثَ فِى ٱلسّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } فيه بحثان: البحث الأول: بحسب اللغة قال الزجاج: اشتقاقه من بضعت بمعنى قطعت ومعناه القطعة من العدد قال الفراء: ولا يذكر البضع إلا مع عشرة أو عشرين إلى التسعين وذلك يقتضي أن يكون مخصوصاً بما بين الثلاثة إلى التسعة، وقال هكذا رأيت العرب يقولون وما رأيتهم يقولون بضع ومائة، وروى الشعبي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: « حديث : كم البضع » تفسير : قالوا الله ورسوله أعلم قال: « حديث : ما دون العشرة » تفسير : واتفق الأكثرون على أن المراد ههنا ببضع سنين، سبع سنين قالوا: إن يوسف عليه السلام حين قال لذلك الرجل: {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } كان قد بقي في السجن خمس سنين ثم بقي بعد ذلك سبع سنين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما تضرع يوسف عليه السلام إلى ذلك الرجل كان قد اقترب وقت خروجه فلما ذكر ذلك لبث في السجن بعده سبع سنين، وروي أن الحسن روى قوله صلوات الله عليه وسلامه: « حديث : رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها لما لبث في السجن هذه المدة الطويلة » تفسير : ثم بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا أمر تضرعنا إلى الناس.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ} «ظن» هنا بمعنى أيقن، في قول أكثر المفسرين وفسره قتادة على الظن الذي هو خلاف اليقين؛ قال: إنما ظنّ يوسف نجاته لأن العابر يظن ظنًّا وربك يخلق ما يشاء؛ والأوّل أصح وأشبه بحال الأنبياء وأن ما قاله للفتيين في تعبير الرؤيا كان عن وحي، وإنما يكون ظنا في حكم الناس، وأما في حق الأنبياء، فإن حكمهم حق كيفما وقع. الثانية: قوله تعالى: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} أي سيّدك، وذلك معروف في اللغة أن يقال للسّيد ربّ؛ قال الأعشى:شعر : رَبِّي كريمٌ لا يُكَدِّرُ نِعْمةً وإذا تُنُوشِدَ في المَهَارِقِ أنْشَدَا تفسير : أي ٱذكر ما رأيته، وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملك، وأخبره أنِّي مظلوم محبوسٌ بلا ذنب. وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يَقُلْ أحدُكم ٱسقِ ربَّك أطعمْ ربك وضِّىءْ ربَّك ولا يَقل أحدُكم ربِّي ولْيقل سيّدي مولاي ولا يقلْ أحدُكم عبدي أمَتي ولْيقلْ فَتايَ فَتَاتِي غلامي»تفسير : . وفي القرآن: «ٱذْكُرْنيِ عِندَ رَبِّكَ» «إِلَى رَبِّكَ» «إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ» أي صاحبي؛ يعني العزيز. ويقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد رَبَّهُ يَرُبُّهُ، فهو رَبٌّ له. قال العلماء قوله عليه السلام: «لا يَقُلْ أحدُكم» «ولْيقلْ» من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى؛ لا أن إطلاق ذلك الاسم محرّم؛ ولأنه قد جاء عنه عليه السلام: «حديث : أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا»تفسير : أي مالكها وسيّدها؛ وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ؛ فكان محل النهي في هذا الباب ألاّ نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن. وقد قيل: إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين: أحدهما: أن العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى؛ ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه؛ وذلك غير جائز. والثاني: أن المملوك يدخله من ذلك شيء في ٱستصغاره بتلك التسمية، فيحمله ذلك على سوء الطاعة. وقال ابن شعبان في «الزاهي»: «لا يقل السّيد عبدي وأمتي ولا يقل المملوك ربّي ولا ربّتي» وهذا محمول على ما ذكرناه. وقيل: إنما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يقل العبد ربّي وليقل سيّدي» تفسير : لأن الرب من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق؛ وٱختلف في السيّد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا ليس من أسماء الله فالفرق واضح؛ إذ لا التباس ولا إشكال، وإذا قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة ولا الاستعمال كلفظ الرّب، فيحصل الفرق. وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون ذلك جائزاً في شرع يوسف عليه السلام. الثالثة: قوله تعالى: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} الضمير في «فَأَنْسَاهُ» فيه قولان: أحدهما: أنه عائد إلى يوسف عليه السلام، أي أنساه الشيطان ذكر الله عز وجل؛ وذلك أنه لما قال يوسف لساقي الملك ـ حين علم أنه سينجو ويعود إلى حالته الأولى مع الملك ـ {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} نسي في ذلك الوقت أن يشكو إلى الله ويستغيث به، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق؛ فعوقب باللّبث، قال عبد العزيز بن عُمير الكِنْديّ: دخل جبريل على يوسف النبي عليه السلام في السجن فعرفه يوسف، فقال: يا أخا المنذرين! مالي أراك بين الخاطئين؟! فقال جبريل عليه السلام: يا طاهر (ابن) الطاهرين! يقرئك السلام رب العالمين ويقول: أما استحيت إذ ٱستغثت بالآدميين؟! وعزّتي! لألبثنّك في السجن بضع سنين؛ فقال: يا جبريل! أهو عنّي راضٍ؟ قال: نعم! قال: لا أبالي الساعة. ورُوي أن جبريل عليه السلام جاءه فعاتبه عن الله تعالى في ذلك وطوّل سجنه، وقال له: يا يوسف! من خلّصك من القتل من أيدي إخوتك؟! قال: الله تعالى، قال: فمن أخرجك من الجبّ؟ قال: الله تعالى قال: فمن عَصَمك من الفاحشة؟ قال: الله تعالى، قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله؟! قال: يا رب كلمة زلّت مني! أسألك يا إله إبراهيم وإسحق والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ترحمني؛ فقال له جبريل: فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين. ورَوى أبو سلَمة عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} ما لبث في السجن بضع سنين»تفسير : . وقال ٱبن عباس: عوقب يوسف بطول الحبس بضع سنين لمّا قال للذي نجا منهما {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} ولو ذكر يوسف ربه لخلّصه. وروى إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لولا كلمة يوسف ـ يعني قوله: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} ـ ما لبث في السجن ما لبث»تفسير : قال: ثم يبكي الحسن ويقول: نحن ينزل بنا الأمر فنشكو إلى الناس. وقيل: إن الهاء تعود على الناجي، فهو الناسي؛ أي أنسى الشيطانُ الساقي أن يذكر يوسف لربه، أي لسيده؛ وفيه حذف، أي أنساه الشيطانُ ذكره لربه؛ وقد رجّح بعض العلماء هذا القول فقال: لولا أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله لما استحق العقاب باللبث في السجن؛ إذ الناسي غير مؤاخذ. وأجاب أهل القول الأوّل بأن النسيان قد يكون بمعنى الترك، فلما ترك ذكر الله ودعاه الشيطان إلى ذلك عوقب؛ ردّ عليهم أهل القول الثاني بقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} فدلّ على أن الناسي (هو) الساقي لا يوسف؛ مع قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الإسراء:65] فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى الشيطان، وليس له على الأنبياء سلطنة؟! قيل: أما النسيان فلا عصمة للأنبياء عنه إلا في وجه واحد، وهو الخبر عن الله تعالى فيما يبلّغونه، فإنهم معصومون فيه؛ وإذا وقع منهم النسيان حيث يجوز وقوعه فإنه ينسب إلى الشيطان إطلاقاً، وذلك إنما يكون فيما أخبر الله عنهم، ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : نسي آدم فنسيت ذريته»تفسير : . وقال: «حديث : إنما أنا بشر أنسى كما تَنسون»تفسير : . وقد تقدم. الرابعة: قوله تعالى: {فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} البِضع قطعة من الدّهر مختلف فيها؛ قال يعقوب عن أبي زيد: يقال بَضْع وبِضْع بفتح الباء وكسرها، قال أكثرهم: ولا يقال بضع ومائة، وإنما هو إلى التسعين. وقال الهَرَوِيّ: العرب تستعمل البضع فيما بين الثلاث إلى التسع. والبضع والبضعة واحد، ومعناهما القطعة من العدد. وحكى أبو عبيدة أنه قال: البضع ما دون نصف العِقْد، يريد ما بين الواحد إلى أربعة، وهذا ليس بشيء. وفي الحديث حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: «وكم البضع» فقال: ما بين الثلاث إلى السبع، فقال: «ٱذهب فزائدْ في الخَطَر»تفسير : . وعلى هذا أكثر المفسرين، أن البضع سبع، حكاه الثعلبيّ. قال الماورديّ: وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقُطْرُب. وقال مجاهد: من ثلاث إلى تسع، وقاله الأصمعيّ. ٱبن عباس: من ثلاث إلى عشرة. وحكى الزّجاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس. قال الفرّاء: والبضع لا يُذْكر إلا مع العشرة والعشرين إلى التسعين، ولا يذكر بعد المائة. وفي المدة التي لبث فيها يوسف مسجوناً ثلاثة أقاويل: أحدها: سبع سنين، قاله ابن جُرَيج وقتادة ووهب بن مُنَبِّه، قال وهب: أقام أيوب في البلاء سبع سنين، وأقام يوسف في السجن سبع سنين. الثاني: ٱثنتا عشرة سنة، قاله ابن عباس. الثالث: أربع عشرة سنة، قاله الضحاك. وقال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس قال: مكث يوسف في السجن خمساً وبضعاً. وٱشتقاقه من بضعت الشيء أي قطعته، فهو قطعة من العدد، فعاقب الله يوسف بأن حُبِس سبع سنين أو تسع سنين بعد الخمس التي مضت، فالبضع مدة العقوبة لا مدة الحبس كله. قال وهب بن مُنَبِّه: حبس يوسف في السجن سبع سنين، ومكث أيوب في البلاء سبع سنين، وعذّب بُخْتُنَصَّر بالمسخ سبع سنين. وقال عبد الله بن راشد البصريّ عن سعيد بن أبي عَرُوبة: إن البضع ما بين الخمس إلى الاثنتي عشرة سنة. الخامسة: في هذه الآية دليل على جواز التعلق بالأسباب وإن كان اليقين حاصلاً فإن الأمور بيد مُسبِّبها، ولكنه جعلها سلسلة، وركَّبَ بعضها على بعض، فتحريكها سنّة، والتعويل على المنتهى يقين. والذي يدلّ على جواز ذلك نسبة ما جرى من النسيان إلى الشيطان كما جرى لموسى في لقيا الخضر؛ وهذا بيّن فتأمّلوه.
البيضاوي
تفسير : {وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا} الظان يوسف إن ذكر ذلك عن اجتهاد وإن ذكره عن وحي فهو الناجي إلا أن يؤول الظن باليقين. {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } اذكر حالي عند الملك كي يخلصني. {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبّهِ} فأنسى الشرابي أن يذكره لربه، فأضاف إليه المصدر لملابسته له أو على تقدير ذكر أخبار ربه، أو أنسي يوسف ذكر الله حتى استعان بغيره، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : رحم الله أخي يوسف لو لم يقل {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ} لما لبث في السجن سبعاً بعد الخمس»تفسير : والاستعانة بالعباد في كشف الشدائد وإن كانت محمودة في الجملة لكنها لا تليق بمنصب الأنبياء. {فَلَبِثَ فِى ٱلسّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} البضع ما بين الثلاث إلى التسع من البضع وهو القطع.
ابن كثير
تفسير : لما ظن يوسف عليه السلام أن الساقي ناج، قال له يوسف خفية عن الآخر، والله أعلم - لئلا يشعره أنه المصلوب؛ قال له: {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ} يقول: اذكر قصتي عند ربك، وهو الملك، فنسي ذلك الموصى أن يذكر مولاه الملك بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان؛ لئلا يطلع نبي الله من السجن، هذا هو الصواب أن الضمير في قوله: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِ} عائد على الناجي، كما قاله مجاهد ومحمد ابن إسحاق وغير واحد. ويقال: إن الضمير عائد على يوسف عليه السلام. رواه ابن جرير عن ابن عباس، ومجاهد أيضاً، وعكرمة وغيرهم، وأسند ابن جرير ههنا حديثاً فقال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعاً، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو لم يقل - يعني: يوسف -: الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث؛ حيث يبتغي الفرج من عند غير الله»تفسير : ، وهذا الحديث ضعيف جداً، لأن سفيان بن وكيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد هو الخُوزي أضعف منه أيضاً. وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلاً عن كل منهما، وهذه المرسلات ههنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، والله أعلم. وأما البضع فقال مجاهد وقتادة: هو ما بين الثلاث إلى التسع. وقال وهب بن منبه: مكث أيوب في البلاء سبعاً، ويوسف في السجن سبعاً، وعذب بختنصر سبعاً، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: {فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} قال: ثنتا عشرة سنة. وقال الضحاك: أربع عشرة سنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ } أيقن {أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا } وهو الساقي {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ } سيِّدك فقل له إنّ في السجن غلاماً محبوساً ظلماً، فخرج {فَأَنْسَاهُ } أي الساقِيَ {ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ } يوسف عند {رَبِّهِ فَلَبِثَ } مكث يوسف {فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } قيل سبعاً، وقيل اثنتي عشرة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وقال للذي ظن أنه ناجٍ منهما اذكرني عند ربك}فيه قولان: أحدهما: يعني للذي علم أنه ناج، فعبر عن العلم بالظن، قاله ابن شجرة. الثاني: أنه ظن ذلك من غير يقين. وفي ظنه وجهان: أحدهما: لأن عبارة الرؤيا بالظن فلذلك لم يقطع به، قاله قتادة. الثاني: أنه لم يتيقن صدقهما في الرؤيا فكان الظن في الجواب لشكه في صدقهما. {اذكرني عند ربك} أي عند سيدك يعني الملك الأكبر الوليد بن الريان تأميلاً للخلاص إن ذكره عنده. {فأنساه الشيطان ذكر ربِّه} فيه قولان: أحدهما: أن الذي نجا منهما أنساه الشيطان ذكر يوسف عند سيده حتى رأى الملك الرؤيا قاله محمد بن إسحاق. الثاني: أن يوسف أنساه الشياطن ذكر ربه في الاستغاثة به والتعويل عليه. روى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال: اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث ". تفسير : {فلبث في السِّجن بضع سنين} قال ابن عباس: عوقب يوسف بطول السجن بضع سنين لما قال للذي نجا منهما اذكرني عند ربك، ولو ذكر يوسف ربه لخلصه. وفي "البضع" أربعة أقاويل: أحدها: من ثلاث إلى سبع، وهذا قول أبي بكر الصديق وقطرب. الثاني: من ثلاث إلى تسع، قاله مجاهد والأصمعي. الثالث: من ثلاث إلى عشر، قاله ابن عباس. الرابع: ما بين الثلاث إلى الخمس، حكاه الزجاج. قال الفراء: والبِضع لا يذكر إلا مع العشرة والعشرين إلى التسعين، ولا يذكر بعد المائة. وفي المدة التي لبث فيها يوسف مسجوناً ثلاثة أقاويل: أحدها: سبع سنين، قاله ابن جريج وقتادة. الثاني: أنه لبث اثنتي عشرة سنة، قاله ابن عباس. الثالث: لبث أربعة عشرة سنة، قاله الضحاك، وإنما البضع مدة العقوبة لا مدة الحبس كله. وقال وهب: حبس يوسف سبع سنين، ومكث أيوب في البلاء سبع سنين. قال الكلبي: حبس سبع سنين بعد الخمس السنين التي قال فيها{اذكرني عند ربك}.
ابن عبد السلام
تفسير : {ظَنَّ} تيقن، أو على بابه لأن عبارة الرؤيا ظن فلم يقطع بها، أو لم يقطع بصدقها فكان ظنه لشكه في صدقهما {رَبّكَ} سيدك "الوليد بن الريان" رجاء للخلاص بذكره عنده {فَأَنسَاهُ} الضمير للساقي نسي ذكر يوسف عند ربه، سيده، أو ليوسف نسي ذكر الله ـ تعالى ـ بالاستغاثة به، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث " تفسير : قال "ع": عوقب بطول السجن بضع سنين بكلمته ولو ذكر ربه لخلصه. وكانت مدة لبثه في السجن سبع سنين، أو ثنتي عشرة سنة، أو أربع عشرة سنة، والبضع منها مدة عقوبته على الكلمة لا مدة الحبس كله، قيل لبث سبعاً عقوبة بعد الخمس. والبضع من ثلاث إلى سبع، أو تسع، أو عشر "ع"، أو إلى الخمس حكاه الزجاج، ولا يذكر البضع إلا مع العشر أو العشرين إلى التسعين ولا يذكر بعد المائة، قاله الفراء، ورأى الملك الأكبر الوليد رؤياه لطفاً بيوسف ليخرج من السجن ونذيراً بالجدب ليتأهبوا له.
النسفي
تفسير : {وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا } الظان هو يوسف عليه السلام إن كان تأويله بطريق الاجتهاد، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي أو يكون الظن بمعنى اليقين {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } صفني عند الملك بصفتي وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويخلصني من هذه الورطة {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } فأنسى الشرابي {ذِكْرَ رَبّهِ } أن يذكره لربه أو عند ربه، أو فأنسى يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره، وفي الحديث «حديث : رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعاً»تفسير : {فَلَبِثَ فِى ٱلسّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } أي سبعاً عند الجمهور والبضع ما بين الثلاث إلى التسع. {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنّى أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ } لما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته، رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها. فاستعبرها فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها. وقيل: كان ابتداء بلاء يوسف في الرؤيا ثم كان سبب نجاته أيضاً الرؤيا. سمان جمع سمين وسمينة، والعجاف: المهازيل والعجف الهزال الذي ليس بعده سمانة، والسبب في وقوع عجاف جمعاً لعجفاء ــ وأفعل وفعلاء لا يجمعان على فعال ــ حمله على نقيضه وهو سمان، ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض. وفي الآية دلالة على أن السنبلات اليابسة كانت سبعاً كالخضر لأن الكلام مبني على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان والعجاف والسنابل الخضر فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع ويكون قوله {وآخر يابسات} بمعنى وسبعاً أخر { يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ } كأنه أراد الأعيان من العلماء والحكماء {أَفْتُونِى فِى رُؤْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } اللام في {للرؤيا} للبيان، كقوله {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزاهِدِينَ } أو لأن المفعول به إذا تقدم على الفعل لم يكن في قوته على العمل فيه مثله إذا تأخر عنه فعضد بها، تقول: عبرت الرؤيا وللرؤيا عبرت، أو يكون {للرؤيا} خبر «كان» كقولك «كان فلان لهذا الأمر» إذا كان مستقلاً به متمكناً منه، و{تعبرون} خبر آخر أو حال. وحقيقة عبرت الرؤيا ذكرت عاقبتها وآخر أمرها كما تقول «عبرت النهر» إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه وهو عبره ونحوه «أولت الرؤيا» إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها. وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات ورأيتهم ينكرون عبرت بالتشديد والتعبير والمعبر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن سابط رضي الله عنه {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك} قال: عند ملك الأرض. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {اذكرني عند ربك} يعني بذلك الملك. وأخرج ابن جرير، عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال لما انتهى به إلى باب السجن، قال له: اوصني بحاجتك. قال: حاجتي أن تذكرني عند ربك. ينوي الرب الذي ملك يوسف عليه السلام. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وقال للذي ظن أنه ناج} قال إنما عبارة الرؤيا بالظن، فَيُحِقُّ الله ما يشاء ويبطل ما يشاء. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو لم يقل يوسف عليه السلام الكلمة التي قال: ما لبث في السجن طول ما لبث. حيث يبتغي الفرج من عند غير الله تعالى ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لولا أنه يعني يوسف قال الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث ". تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله يوسف، لو لم يقل: اذكرني عند ربك، ما لبث في السجن طول ما لبث ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث، قوله اذكرني عند ربك" تفسير : ثم بكى الحسن رضي الله عنه وقال: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لولا أن يوسف استشفع على ربه، ما لبث في السجن طول ما لبث. ولكن، إنما عوقب باستشفاعه على ربه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أنس رضي الله عنه قال: أوحى إلى يوسف: "من استنقذك من القتل حين همَّ اخوتك أن يقتلوك؟ قال: أنت يا رب. قال: فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه؟ قال: أنت يا رب. قال: فمن استنقذك من المرأة إذ هممت بها؟ قال: أنت يا رب. قال: فما لك نسيتني وذكرت آدمياً؟ قال: جزعاً، وكلمة تكلم بها لساني. قال: فوعزتي، لأخلدنك في السجن بضع سنين. فلبث في السجن بضع سنين". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: لما قال يوسف عليه السلام للساقي: اذكرني عند ربك، قيل له "يا يوسف، اتخذت من دوني وكيلاً؟ لأطيلن حبسك: فبكى يوسف عليه السلام وقال: يا رب، تشاغل قلبي من كثرة البلوى فقلت كلمة". وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك} قال يوسف للذي نجا من صاحبي السجن: اذكرني للملك، فلم يذكره حتى رأى الملك الرؤيا، وذلك أن يوسف أنساه الشيطان ذكر ربه وأمره بذكر الملك وابتغاء الفرج من عنده، فلبث في السجن بضع سنين عقوبة لقوله {اذكرني عند ربك}. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فلبث في السجن بضع سنين} قال: بلغنا أنه لبث في السجن سبع سنين. وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد، وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: أصاب أيوب عليه السلام البلاء سبع سنين، وترك يوسف عليه السلام في السجن سبع سنين، وعذب بخت نصر خون في السباع سبع سنين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فلبث في السجن بضع سنين} اثنتي عشرة سنة. وأخرج ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش، عن الكلبي رضي الله عنه قال: قال يوسف عليه السلام كلمة واحدة، حبس بها سبع سنين قال أبو بكر: وحبس قبل ذلك خمس سنين. وأخرج ابن أبي حاتم عن طاوس والضحاك في قوله {فلبث في السجن بضع سنين} قالا أربع عشرة سنة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: البضع، ما بين الثلاث إلى التسع. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: البضع، ما بين الثلاث إلى التسع. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: البضع دون العشرة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: عثر يوسف عليه السلام ثلاث عثرات: قوله اذكرني عند ربك، وقوله لإخوته إنكم لسارقون، وقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب. فقال له جبريل عليه السلام: ولا حين هممت؟ فقال: وما أبرئ نفسي. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: ذهب يوسف عليه السلام وهو ابن سبع عشرة ولبث في الجب سبعاً، وفي السجن سبعاً، وجمع الطعام في سبع، فيرون أنه التقى هو وأبوه عند ذلك. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي المليح رضي الله عنه قال: كان دعاء يوسف عليه السلام في السجن اللهم إن كان خلق وجهي عندك، فإني أتقرب إليك بوجه يعقوب أن تجعل لي فرجاً ومخرجاً ويسراً، وترزقني من حيث لا أحتسب. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن عبد الله مؤذن الطائف قال: جاء جبريل عليه السلام إلى يوسف عليه السلام فقال: يا يوسف، اشتد عليك الحبس؟ قال نعم. قال: قل اللهم اجعل لي من كل ما أهمني وكربني من أمر دنياي وأمر آخرتي فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر لي ذنبي وثبت رجائي، واقطعه من سواك حتى لا أرجو أحداً غيرك.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}[42] قال: حكي أن جبريل صلوات الله عليه دخل على يوسف في السجن، فقال له جبريل: يا طاهر ابن طاهر، إن الله تعالى أكرمني بك وبآبائك، وهو يقول لك: يا يوسف، أما استحييت مني حيث استشفعت إلى غيري، فوعزتي لألبثنك بضع سنين. قال: يا جبريل، هو عني راض؟ قال: نعم. قال: إذن لا أبالي. وكان علي ابن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما أنا ونفسي إلا كراعي غنم، كلما ضمها من جانب انتشرت من جانب.
القشيري
تفسير : يتبيَّن أنَّ تعبير الرؤيا - وإنْ كان حقاً - فهو بطريق غَلبَةِ الظَّنِّ دون القطع. ثم إنه عاتب يوسفَ عليه السلام لأنه نَسِيَ في حديثه مَنْ يستعين به حين قال: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}. ويقال إنه طَلَبَ من بَشَرٍ عِوَضاً على ما عَلَّمَه، وفي بعض الكتب المنزلة: يا ابن آدم، عَلِّمْ مجانا كما عَلِّمْتَ مجاناً. ولما استعان بالمخلوقِ طال مُكْثُه في السجن، كذلك يجازي الحقُّ - سبحانه - مَنْ يُعَلِّقُ قلبَه بمخلوق.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} ان الله سبحانه وصف مكان امتحان صديقه يوسف حيث اغان قلبه عين قهر نكرته حتى وقع فى بحر النكرة وامتنع عنه بوصف المعرفة فلما احتجب عن مطالعة جلال القدم بامتناع القدم بقى فى رسم الطبيعة وعالم الصورة فسلك سبيل الاسباب وكان ذلك اقل من لمحة فلما طلع على قلبه انوار القدم وادركه فيض الكرم على مكان الامتحان وعرف كيد الشيطان فرجع عن ذكر الانسان الى ساحة الرحمن واذا اراد الله بالعبد العارف زيادة معرفته وقربته اوقعه لحظة فى الغفلة عن الذكر ثم بدأ لقلبه نور التجلى فيندم عن نسيانه ويسرع قلبه فى طلب مزيد عرفانه فيكون اقوى فى طلب الحق من الاول كان غفلته عن الذكر تورث زيادة الذكر ومن كان اقرب الى الله فهو اخذته فى زلته اسرع وبلاؤه اوفر الا ترى كيف جازاه بغفلة لحظة لبثه فى السجن بضع سنين وان الله سبحانه اراد من لبث يوسف فى السجن كمال تربيته فى الخلوة وبلوغه الى اخص درجة الانس بالله وزيادة القوة فى الوجد وتمكينه فى الصحو الا ترى الى النبى صلى الله عليه وسلم كيف تحنث فى غار حرى وانسه فى الخلوة فى اوائل النبوة ويحتمل ان قوله اذكرنى عند ربك اى عرفنى له طريقى مع الله حتى يعرفنى انى رسول الله ويطيعنى فى طاعة الله وينجو بذلك من عذابه ويصل الى ثوابه ويامر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوحد الله سبحانه ويخلص من كيد الشيطان ومن تابعه من الانسان وقوله فانسه الشيطان ذكر ربه ان يوسف لم يعلم وقت ايمان الملك ولم يات وقت دخوله فى الاسلام فانسه الشيطان ذكر ربه فى سابق حكمه على تقدير وقت ايمان الملك فلبث فى السجن الى وقت الايمان الملك فنسيان يوسف احتاجبه عن النظر الى مقادير السابق والله اعلم واحكم قال الواسطى احذروا اصول النفوس لئلا يكشف لكم عن مواضع العجز الا ترى يوسف كيف قال اذكرنى عند ربك وقال بعضهم اذكرنى عند ربك ليعلم انه ليس اليه من الضر والنفع شئ وانه مدبر وان الامور كلها الى الله لئلا يعتمد على غير الله ولا يسكن الى احد سواه يدل عليه قوله فانساه الشيطان ذكر ربه وقال النصرابادى قدم على ذكره ذكر الذى ذكر عنده فانساه الشيطان ذكر ربه حين قال لصاحبه السجن اذكرنى عند ربك وقال بعضهم اخذ الانبياء بمثاقيل الذر لمكانتهم عنده وتجاوز عن سائر الخلق لقلة مبالاته بهم فى اضعاف ما اتوا به من سوء الادب الا تراه كيف يقول ليوسف بقوله اذكرنى عند ربك وجرى على سرى ان الشيطان انساه ذكر ربه لا ربة انساه الذكر ولا انساه المذكور وكيف انساه المذكور وشره مشاهد وجوده فى جميع انفاسه فذكره ههنا محل التوكل والرضا وليس من سقط عن درجة التوكل سقط عن رؤية الله فان التوكل من اسباب المقامات والعارف يسرى فى الحالات وليس انه محجوب عن حقيقة التوكل فان حقيقة التوكل العلم بوحدانية الله وغلبة قهره على كل ذرة وحاشان الانبياء محجوبون عن ذلك ابدا.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال} يوسف {للذى ظن} يوسف {انه ناج منهما} [ازان هردو يعنى ساقيرا] اى وثق وعلم لان الظن من الاضداد يكون شكا ويقينا فالتعبير بالوحى كما ينبئ عنه قوله {أية : قضى الامر} تفسير : اذ لو بنى جوابه على التعبير لما قال قضى لان التعبير على الظن والقضاء هو الالزام الجازم والحكم القاطع الذى لا يصح ابتناؤه على الظن {اذكرنى عند ربك} اى سيدك وقل له فى السجن غلام محبوس ظلما طال حبسه لعله يرحمنى ويخلصنى من هذه الورطة شعر : بكوهست انداران زندان غريبى زعدل شاه دوران بى نصيبى جينيش به كنه ميسند رنجور كه هست اين از طريق معدلت دور تفسير : [اما جون تقرب برسيد واز ساغر جاه ودولت سرخوش كرديد از زندان وازاهل آن غافل شد] {فانساه الشيطان} اى انسى الشرابى بوسوسته والقائه فى قلبه اشتغالا تعوقه عن الذكر والا فالانساء فى الحقيقة الله تعالى والفاء للسببية فان توصيته عليه السلام المتضمنة للاستعانة بغيره تعالى كانت باعثة لما ذكر من الانساء {ذكر ربه} اى ذكر الشرابى له عليه السلام عند الملك والاضافة لادنى ملابسة. يعنى ان الظاهر ان يقال ذكره لربه على اضافة المصدر الى مفعول لان الشائع فى اضافته ان يضاف الى الفاعل او المفعول به الصريح الا انه اضيف الى غير الصريح للملابسة: قال المولى الجامى شعر : جنان رفت آن وصيت از خيالش كه برخاطر نيامد جند سالش نهال وعده اش مأيوسى آورد بزندان بلا محبوسى آورد بلى أنراكه ايزد بركزيند بصدر عز معشقى نشيند ره اسباب درويشى به بندد رهين اين وآنش كم بسندد نخواهد دست او در دامن كس اسيردام خويشش خواهد وبس تفسير : وفى القصص ان زليخا سالت العزيز ان يخرج يوسف من السجن فلم يفعل وانساهم الله امر يوسف فلم يذكره {فلبث} يوسف بسبب ذلك الانساء او القول {فى السجن بضع سنين} نصب على حرف الزمان اى سبع سنين بعد الخمس لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال "حديث : رحم الله اخى يوسف لو لم يقل اذكرنى عند ربك لما لبث فى السجن سبعا بعد الخمس " تفسير : قال فى الفتح لبث يوسف فى السجن اثنتى عشرة سنة عدد حروف اذكرنى عند ربك فصاحباه اللذان دخلا معه السجن بقيا محبوسين فيه خمس سنين ثم رأيا رؤياهما قبل انقضاء تلك المدة بثلاثة ايام وفى هذا العدد كمال القوة والتأثير كالائمة الاثنى عشر على عدد البروج الاثنى عشر وملائكة البروج الاثنى عشر وملائكة البروج الاثنى عشر ائمة العالم والعالم تحت احاطتهم وفى الخبر اشارة الى قوة هذا العدد معنى اذ اثنا عشر الفا لن يغلب عن قلة ابدا ولذلك وجب الثبات على العسكر اذا وجد العدد المذكور ولا اله الا الله اثنا عشر حرفا وكذا محمد رسول الله ولكل حرف الف باب فيكون للتوحيد اثنا عشر باب. يقول الفقير حبس الله تعالى يوسف فى السجن اثنى عشر عاما لتكميل وجوده بكمالات اهل الارض والسماء ففى العدد المذكور اشارة اليه مع اخوته الاحد عشر فله القوة الجمعية الكمالية فافهم. قال بعضهم فانساه الشيطان ذكر ربه اى انسى يوسف ذكر الله حتى استعان بغيره وليس ذلك من باب الاغواء حتى يخالف الا عبادك منهم المخلصين فان معناه الاضلال بل هو من ترك الاولى. وفى بحر العلوم والاستعانة بغير الله فى كشف الشدائد وان كانت محمودة فى الجملة لكنها لا تليق بمنصب الانبياء الذين هم افضل الخلق واهل الترقى فهى تنزل من باب ترك الاولى والافضل ولا شك ان الانبياء يعاتبون على الصغائر معاتبة غيرهم على الكبائر كما فى الكواشى. وليس ما روى عن عائشة رضى الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذه النوم ليلة من الليالى وكان يغلب من يحرسه حتى جاء سعد فسمعت غطيطه مخالفا. اذ ليس فيه استعانة فى كشف الشدة النازلة بغير الله بل هو استئناس كما فى حواشى سعد المفتى - وحكى - ان جبريل دخل على يوسف فى السجن فلما رآه يوسف عرفه فقال له يا اخا المنذرين مالى اراك بين الخاطئين فقال له جبريل يا طاهر الطاهرين ان الله كرمنى بك وبآبائك وهو يقرئك السلام ويقول لك اما استحييت منى اذ استعنت بغيرى وعزتى لالبثنك فى السجن بضع سنين قال يا جبريل وهو عنى راض قال نعم اذا لا ابالى وكان الواجب عليه ان يقتدى بجده ابراهيم فى ترك الاستعانة بالغير كما روى انه قال له جبريل حين رمى به فى النار هل لك حاجة فقال اما اليك فلا قال فسل ربك قال حسبى من سؤالى علمه بحالى. وعن مالك بن دينار لما قال يوسف للشرابى اذكرنى عند ربك قال الله تعالى يا يوسف اتخذت من دونى وكيلا لاطلين حبسك فبكى يوسف وقال يا رب أقسى قلبى كثرة الاحزان والبلوى فقلت كلمة ولا اعود. وعن الحسن انه كان يبكى اذا قرأها ويقول نحن اذا نزل بنا امر فزعنا الى الناس: قال الكمال الحجندى شعر : كيست درخوركه سد دوست بفرياد دلش آنكه فرياد زجور وستم اونكند بارسا بشت فراغت ننهد برمحراب كركند تكيه جرا بر كرم او نكند تفسير : والاشارة وقال يوسف القلب المسجون فى حبس الصفات البشرية للنفس اذكرنى عند الروح يشير الى ان القلب المسجون فى بدء امره يلهم النفس بان يذكره بالمعاملات المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه من نوم الغفلة الناشئة من الحواس الخمس ويسعى فى استخلاص القلب من أسر الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمدا من الالطاف الربانية والشيطان بوساوسه يمحو عن النفس اثر الهامات القلب لينسى النفس ذكر الروح بتلك المعاملات. وفيه معنى آخر وهوان الشيطان انسى القلب ذكر ربه يعنى ذكر الله حتى استغاث بالنفس ليذكره عند الروح ولو استغاث بالله لخلصه فى الحال {فلبث فى السجن بضع سنين} يشير الى الصفات البشرية السبع التى بها القلب محبوس وهى الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر كما فى التأويلات النجمية
الطوسي
تفسير : وهذا حكاية عما قال يوسف (ع) للذي ظن انه ينجو منهما، وقال ابو علي: الظن ها هنا بمعنى العلم لقوله {أية : ظننت أني ملاق حسابيه}تفسير : وقال قتادة: الرؤيا على الظن، وقال غيره: إلا رؤيا الانبياء، فانها يقين. والظن هو ما قوي عند الظان كون المظنون على ما ظنه مع تجويزه ان يكون على خلافه. والنجاة هي السلامة. وقوله {اذكرني عند ربك} يعني عند سيدك كما قال الشاعر: شعر : وإن يك رب أذواد فحسبي أصابوا من لقائك ما أصابوا تفسير : وانما سأله ان يذكره عند سيده بخير ويعرفه علمه وما خصه الله تعالى من الفضل والعلم ليكون ذلك سبب خلاصه. والذكر حضور المعنى للنفس، وعلى حال الذكر يتعاقب العلم واضداده من الجهل والشك. والنسيان ذهاب المعنى عن النفس وعزوبه عنها. والهاء في قوله {فأنساه} تعود الى يوسف في قول ابن عباس - والتقدير فانسى يوسف الشيطان ذكر الله، فلذلك سأل غيره حتى قال مجاعة إن ذلك كان سبب للبثه في السجن مدة من الزمان. وقال ابن اسحاق والحسن والجبائي يعود على الساقي، وتقديره فأنسى الساقي الشيطان ذكر يوسف. وقوله {فلبث في السجن بضع سنين} فاللبث في المكان هو الكون فيه على طول من الزمان، واللبث والثبوت والسكون نظائر. والبضع قطعة من الدهر. وقيل البضع من الثلث الى العشر - في قول ابن عباس - وقال قتادة ومجاهد الى التسع وقال وهب: الى سبع سنين. والسنة إثنا عشر شهراً ويجمع سنين وسنوات.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ} يوسف (ع) {لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} نقل انّه لمّا قال ذلك نزل جبرئيل (ع) وقال: ربّك يقرئك السّلام ويقول: من حبّبك الى ابيك؟ - فقال: ربّى، فقال: من أنجاك من الحبّ؟ - قال ربّى، فقال: من حبّبك الى العزيز حتّى اكرم مثواك؟ - فقال: ربّى، فقال من انجاك عن كيد النّساء وعصمك عن الفحشاء؟ - قال: ربّى، فقال: ربّك يقول: اما استحييت منّى التجأت الى غيرى؟ -وقد كان ما بقى من حبسك الاّ ثلاثة ايّام وبجرم الالتجاء الى غيرى تمكث فيه سبعة اعوام وقد كان فى السّجن خمسة اعوامٍ قبل ذلك فصار مدّة مكثه فيه اثنى عشر عاماً {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} اى انسى الشّيطان صاحب الشّراب ذكر يوسف (ع) عند الملك او انسى الشّيطان يوسف (ع) تذكّر الله {فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} بعد ما كان قد لبث خمس سنين ونسب الى النّبىّ (ص) انّه قال: رحم الله اخى يوسف (ع) لو لم يقل اذكرنىعند ربّك لما لبث فى السّجن سبعاً بعد الخمس، والبضع ما بين الثّلاثة الى التّسعة وقيل فيه شيء آخر وهو من البضع بمعنى القطع، قيل انّه وقع ليوسف (ع) ثلاث عثراتٍ اوليها الهمّ الّذى وقع منه بالنّسبة الى زليخا فحبس بسببه فى السّجن وثانيتها الالتجاء الى غيره فلبث بسببه فى السّجن بضع سنين وثالثتها ما قال لاخوته انّكم لسارقون فأجابوه بكذبٍ مثله، فقالوا: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} ولمّا انقضى مدّة رياضته (ع) وحبسه وحان اوان سلطنته ووسعته، رأى الملك انّه على سريره فخرج من النّيل سبع بقراتٍ سمانٍ احسن ما يكون وجاءت الى جنب سريره ووقفت ثمّ خرج منه سبع بقرات اُخر عجاف فجاءت الى البقرات السّمان فأكلتها، ورأى انّه نبت فى جنب سريره سبع سنبلات خضر ثمّ سبع سنبلات يابسات فالتفّت بالسّنبلات الخضر فاصفرّت ويبست، فتنبّه الملك وأحضر الكهنة والمفسّرين والمنجّمين وقصّ الرّؤيا عليهم كما حكى الله.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقال لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُما اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} أي: اذكر أمري عند سيدك، أي: الملك. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا يقولن أحدكم عبدي ولا أمتي، وليقل فتاي وفتاتي، ولا يقولن المملوك لسيده ربي وربتي، وليقل سيّدي وسيّدتي؛ كلكم عبيد، والله هو الرب تفسير : قوله: {فَأَنساهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} ذكر أن يوسف قال للساقي حين عبر له رؤياه: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}، وذلك بعد ما لبث في السجن خمس سنين يتضرّع إلى الله بالليل والنهار ويدعوه، فأنساه الشيطان ذكر ربه، يعني يوسف. ورغب يوسف إلى الساقي أن يذكره عند الملك. قال: { فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}. قال بعضهم: سبع سنين بعد ذلك، عقوبة من الله لقوله: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}، وقال الحسن: البضع ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقال مجاهد: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} أي: عند الملك؛ فلم يذكره حتى رأى الملك الرؤيا. وذلك أن يوسف عليه السلام أنساه الشيطان ذكر ربه وأمره أن يذكره للملك ابتغاء الفرج عنده. فلبث في السجن بضع سنين عقوبة [لقوله ذلك]. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث
اطفيش
تفسير : {وقالَ للَّذى ظَنَّ أنه ناجٍ مِنْها} أى علم أنه ناج بدليل قوله: {قضى الأمر} فإن المعنى قضى الله، وهو مقضى ما مر من أن الله جل وعلا أتحفه بتأويل الرؤيا، وإلقاء جبريل لؤلؤة صفراء فى فيه، وإن كان الأمر فى ذلك موكولا إلى اجتهاد، فكان على شك فى التعبير، ولو كان لا بد من صدق تعبيره فالظن رجحان، فمعنى {قُضى الأمر} فرغت من التعبير والحكم، وعلى هذا الوجه قتادة، والضمير فى ظن ليوسف كالذى فى قال، ويجوز كونه لصاحب الشراب، وعليه فيحتمل أنه رجحان، ويحتمل أنه جزم بصدق يوسف، والاحتمالان فى جانب صاحب الشراب، ولو كان تعبير يوسف بوحى لا باجتهاد إن لم يؤمر إلا بعد ذلك، أو قد آمن وضعف إيمانه، أو لم يعلم أنه بالوحى، وذلك الناجى هو صاحب الشراب المذكور. {اذْكُرنى} اذكر حالى {عِنْد ربِّك} سيدك وهو الملك الأكبر يخلصنى من السجن، وقل له: إن فى السجن غلاما محبوسا ظلما، وفى رواية بعد ذلك طال سجنه، وفى رواية: قل له: إن فى حبسك غلاما عبرانيا منذ خمس سنين ظلما، ونسبة إلى ما هو منه برئ، ويجوز أن يكون المراد اذكر منزلتى فى الحسب والنسب، والعلم والمكانة، أو اذكر هذا وكونى مظلوما إذ سجنت بما أنا برئ منه، فقال صاحب الشراب: إن شاء الله. {فأنْساهُ الشَّيطانُ} وسوس له بما يشغله حتى يقع فى النسيان، وأما الإنساء ابتداء فلا يقدر عليه إلا الله {ذِكْر ربِّه} أنسى الشيطان ذلك الساقى ذكر يوسف عند ربه، أى سيده، وأضاف الذكر لربه، لأن ذكر يوسف إنما يقع من الساقى عند الملك، والإضافة تصح لأدنى ملابسة، ويجوز أن يقدر مضاف، أى ذكر إخبار ربه بكسر الهمزة، ويجوز أن تعود الهاءان إلى يوسف، فيكون الرب هو الله جل وعلا، أى أنسى الشيطان يوسف أن يذكر الله حين وكَّل أمره إلى غيره، وعليه الأكثر، وفى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا يقل أحدكم عبدى وأمتى وليقل فتاى وفتاتى، ولا يقل المملوك لسيده وسيدته ربى وربتى وليقل سيدى وسيدتى كلهم عبيد والله هو الرب ". تفسير : {فَلَبثَ فى السِّجنِ} الفاء سببية، والسبب إنساء الشيطان، والمعطوف عليه قوله: {أنساه الشيطان} أو السبب هو قوله: {للذى ظن أنه ناج منهما اذكرنى} وعليه فالعطف على قوله: {قال} ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : رحم الله أخى يوسف لو لم يقل اذكرنى عند ربك ما لبث فى السجن ما لبث"تفسير : وعن ابن عباس: عند يوسف ثلاث عثرات: هم بها فسجن، وقال اذكرنى عند ربك فلبث فى السجن بضع سنين، وقال لإخوته إنكم لسارقون، قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل. {بِضْعَ سِنينَ} قال قتادة: يطلق البضع على ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: إلى العشر، وعليه ابن عباس، والمراد هنا سبع سنين لبثها بعد خمس سنين، وذلك اثنتا عشرة سنة، وقيل: إنه ما لبث فى السجن إلا سبع سنين أو أنها البضع، وأن تمامها فى السجن مسبب الإنساء، وعن قوله: اذكرنى، وذلك عقوبة على قوله: اذكرنى. قال الله تعالى:{أية : وتعاونوا على البر والتقوى}تفسير : وقال عيسى:{أية : من أنصارى إلى الله}تفسير : وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعانة وتفريج الكرب، ولم يأخذه النوم ليلة، وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد فأخذه النوم، ولو كان الملك كافرا إذ يجوز الاستعانة بالكفار فى دفع المضار، لكن لما كانت مناصب الأنبياء أعظم منصب عند الله سبحانه، كان اللائق بهم أن يتمسكوا بأعلى درجة فى الصبر، وعدم ملاحظة الخلق، ولا سيما أن هذا ملك كافر، فإذا استعان به قال الكفرة لو كان الأمر كما قال لأغناه ربه عن الملك، وكان الحسن إذا قرأها بكى وقال: نحن إذا أنزل بنا أمر فزعنا إلى الناس. روى أنه لما قال يوسف: {اذكرنى عند ربك} أوحى الله إليه: اتخذت من دونى وكيلا، لأطيلن حبسك، فبكى وقال: يا رب أنسى قلبى كثرة البلوى فقلت ما قلت فويل لإخوتى. قال فى عرائس القرآن: يحكى أن جبريل عليه السلام دخل عليه فى السجن فعرفه يوسف فقال: يا أخا المنذرين ما لى أراك بين الخاطئين؟ فقال له جبريل: يا أطهر الطاهرين يقرئ عليك السلام رب العالمين ويقول لك: أم استحيت منى أن استشفعت بالآدميين، فوعزتى وجلالى لألبثنك فى السجن بضع سنين، قال يوسف: وهو عنى فى ذلك راض؟ قال: نعم، قال: إذن لا أبالى. قال كعب: قال جبريل: يقول الله عز وجل: من خلقك؟ قال: الله، قال: فمن رزقك؟ قال: الله، قال: فمن حببك إلى أبيك؟ قال: الله تعالى، قال: فمن آنسك فى البئر؟ قال: الله، قال: فمن نجاك من كرب البئر؟ قال: الله، قال: فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله، قال: فمن صرف عنك السوء والفحشاء؟ قال: الله، قال: فكيف استغثت بآدمى مثلك؟ فسكت ولم يجبه. انتهى كلام عرائس القرآن. وروى أنه قال: زلة منى، ولا أعود لمثلها، وفى زهر الأكمام: أوحى الله إلى جبريل عليه السلام: اهبط على عبدى يوسف وعاتبه كيف استشفع بعبد دونى لا يعرفنى، قد وكلته إلى الملك ريان سبع سنين، فهبط ونادى: السلام عليك يا طيب الطيبين، يقرئك السلام رب العالمين ويقول لك: من خلقك ولم تكن شيئا؟ قال: الله، قال: ومن نجى أباك يعقوب من أخيه بعد ما هم بقتله؟ قال: الله، قال: ومن فدى جدك إسماعيل بذبح عظيم؟ قال: الله، قال: ومن نجا جدك إبراهيم من النار وصيرها عليه بردا وسلاما؟ قال: الله، قال: ومن خلصك من أيدى إخوتك إذ هموا بقتلك؟ قال: الله، قال: ومن أخرج من ظلمات الجبّ وحببك للسيارة؟ قال: الله، قال: ومن عطف عليك قلب العزيز حتى آثرك منزلة وسلطانا؟ قال: الله، قال ومن صرف كيد النسوة عنك؟ قال: الله، قال: يا يوسف انظر إلى الأرض، فنظر فسعت الأرضون السبع فرأى تحت الثرى حجرا أبيض، فضربه جبريل فانشق، فخرجت من الحجر دودة صغيرة فى فمها ورقة خضراء، فقال: يا يوسف يقول لك ربك: أنا الذى خلقتها وأوصلت إليها رزقها ولم أنسها، ولا أنس أحدا من خلقى، والكل يسعهم علمى، فكيف أنساك وأنت نبيى، وابن صفيى، وابن ذبيحى، وابن خليلى، حتى تقول لعبد لا يعرفنى ولا يملك لك ولا لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا خفضاً ولا رفعا: {اذكرنى عند ربك} بقاؤك فى السجن بعدد حروف كلماتك. وكان يقف على كوة فى حائط السجن، يرى الناس ويرونه، إذ أتت قافلة من الشام يوما من الأيام، وكان معهم أعرابى معه ناقة من ناحية كنعان يسمى شمردال، فلما رآها يوسف ورأته بركت بإذن الله تعالى تحت الكوة، ونادت بلسان فصيح: يا يوسف أبوك قد نحل من الاشتياق إليك، فبكى ولم يسمع كلامها غيره، فضربها صاحبها فابتلعته الأرض إلى ساقية، فقال له يوسف: دعها يا أعرابى وألق العصى من يدك لئلا تهلك، فألقى العصى فخرج من الأرض، فدنا من الكوة فقال له يوسف: من أين أنت؟ قال: من أرض كنعان؟ فقال: يا أعرابى أقسمت عليك بربك الذى أنشأك هل تعرف بأرض كنعان شجرة باسقة لها اثنا عشر غصنا، فقطع منها غصن واحد فالشجرة تبكى عليه بكاءً شديداً، وكان الغصن الذى قطع منها أحسن أغصانها؟ فبكى الأعرابى، فقال: والله هذه صفة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أو أولاده، فبكى بكاء شديدا. وقال يوسف: كم نويت أن تربح؟ قال: ما شاء الله تعالى، فرمى إليه سوارا من ياقوته حمراء، وقال خذ هذه فإنه يساوى عشرين ألف دينار، على أنك تؤدى رسالتى إلى تلك الشجرة، وأنت مأجور إن شاء الله تعالى، فإذا وصلت عند بيت الأحزان بأرض كنعان، فاصبر إلى الليل، ثم اقصد ذلك الحزين، وقل له: غريب بمصر محبوس فى السجن يقرئك السلام، فقال له الأعرابى: ما اسمك يا فتى؟ قال: ما أخبرك باسمى. فركب ناقته وخرج فرحا حتى وصل أرض كنعان، ولما جن الليل أتى منزل يعقوب عليه السلام، ونادى يا آل إبراهيم، فأجابته زينة أخت يوسف عليه السلام: لبيك يا هذا من تكون؟ ومن أين أقبلت؟ قال لها: أين يعقوب؟ قالت: ماذا تريد؟ قال: أنا رسول غلام غريب إليه، فقامت وقعدت ونادت يا والدى وكان واقفا يصلى، فأوجز فى الصلاة، فقال: مالك يا زينة؟ قالت له: يا والدى هذا رسول إليك من بعض الغرباء، فقام فقعد فأخذت بيده حتى خرج إليه. فقال له: من أين أنت أيها الرسول، فإنى أشم منك ريحا طيبا؟ قال: أنا رسول غلام غريب من شأنه كذا وكذا، فقال له: هل رأيت وجهه؟ قال: لا، ولكن ناجانى من وراء حجاب، فبكى يعقوب عليه السلام وزينة وانتحبا، فقال يعقوب: هل ذكر لك اسمه؟ قال: لا، قال: اسأل حاجتك يا أعرابى؟ قال: مالى حاجة إلى الدنيا، فإن ذلك الغريب أغنانى، فقال: إذن هون الله عليك سكرات الموت. وفى رواية أن ذلك قبل أن يسجن، وأن زليخا تلبسه الديباج وتوقفه على رأسها وتأمره بما تريد، فإذا فرغ من خدمتها خرج يتحسن الأخبار فبينما هو يمشى يوما فى أزقة مصر إذا بأعرابى راكب على قعود يقول: شعر : حدتُ ربِّى وهو الحميدُ بالحمد يُبْدى وبه يعبد ليسَ له ندٌّ ولا عنيدٌ يفْعل فى الأشياء ما يريد تفسير : فلما سمعه يوسف علمه غريبا فقال: يا أعرابى ما سمعت بهذا الكلام فى هذه البلاد، كأنك لست منها؟ قال: نعم، قال: فمن أين أنت؟ قال: من مراعى آل يعقوب من كنعان، من وادى الأردن، فلما سمع يوسف باسم يعقوب صاح وصعق، فرق له الأعرابى ونزل عن قعوده، ومسح العرق عن وجهه ورأسه، فى حجره، فقال: مالك يا غلام؟ فقال ذكرت بلادا أودعتنى، وإلى الغربة رمتنى، فهل تعرف الشيخ يعقوب؟ قال: ومن لا يعرفه، وهو نبى الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله، به نتوسل إلى ربنا، وبحرمته نستسقى إذا قحطنا. قال: فأسلك بالله إلا أخبرتنى كيف تركته؟ قال: تركته وقد انحنى صلبه، وتقوس ظهره، وتضعضع ركنه، وكابده الشيب قبل أوانه، وترك أهله، وهجر أولاده، وبنى على تل كنعان بيتا يسمى بيت الأحزان، يبكى فيه وينوح على قرة عين له يسمى يوسف، اختلس من بين يديه. فزاد يوسف بكاء وقال: ليت أمى لم تلدنى، وليت السباع أكلت لحمى ولم يصب حبيبى ذلك من أجلى، فبكى الأعرابى معه، فقال يوسف: إنى محملك رسالة البركة والدعوة والأمانة، أما الأمانة فتؤديها إلى يعقوب دون غيره، وأما البركة فتصيبك بركة آل يعقوب، وأما الدعوة فأدعو الله أن يكثر مالك وولدك، ويطيل عمرك, قال: فاذكرها إذن، فقال: إذا وصلت كنعان وقد سألت الله أن يبلغك سالما فأت باب يعقوب إذا ذهب هون من الليل، وجاء وقت قيام الأنبياء لرب الأرض والسماء، فقف واستمع صوت يعقوب ومناجاته وتسبيحه ودعاءه وبكاءه، فناد بأعلى صوتك وقل: السلام عليك أيها المكظوم، يقرأ عليك السلام المهموم المغموم، الذى بيع بيع العبيد، وصير حيرانا طريدا، ويقول لك: إنى حرمت على نفسى النوم على فراش وطئ والتوسد حتى ألقاك، فكن أنت كذلك فقال الأعرابى، سبحان الله، من يطيق تأدية هذه الرسالة، قال: من يريد الأجرة والبركة. فركب الأعرابى قعوده، ووصل كنعان ليلا، ففرح أهله وحط رحله، فقالوا له: انزل، فقال: لا والله لا رأيت أحدا منكم، ولا عملت عملا حتى أؤدى رسالة المغموم إلى المكظوم، فأتى البيت ينتظر الوقت، فلما سمع حركته وبكاءه، رفع صوته ونادى:السلام عليك أيها المكظوم، يقرأ عليك السلام المهموم المغموم. ولما سمعت زينة ذلك قالت: له يا هذا، فإنى أخشى أن ينفطر قلبه، فإن كنت حملت رسالة فأدها إلىَّ أؤدها إليه فى وقت غير هذا، قال: والله لا أؤديها إلا لمن أرسلت إليه، وكانت أختا ليوسف من أبيه، وقد بنت بحذاء بيت يعقوب بيتا، وحلفت لا تضحك حتى تراه يضحك، فتقدمت إلى الباب ونادت: السلام عليك يا أبت، فقال: وعليك السلام يا بنيتى ما الذى جاء بك فى هذا الوقت؟ قالت: البشارة، قال: أما المال فلا حاجة لى إليه، وأما الأولاد فلا سبيل لى إليهم ولا حاجة، قالت: بل البشارة بقرة عينك، وحبيب قلبك، قال: يوسف؟ قالت: نعم، فقام يخرج يسقط ويقوم يبادر الباب، فوصل الباب وصعق كأنه ميت، ولما أفاق أدى الأعرابى الرسالة على نحو ما تقدم. فقال له يعقوب: صفه لى يا أعرابى، فوصفه كما هو، ولم يذكر الخال الذى على خده، وقال: ولِمَ لم تذكره؟ قال: قال لى: إن سألك عنه فقل محنه كثرة البكاء، فقال: وأنا أيضا ذهبت عيناى لكثرة البكاء عليه، ثم قال: يا أعرابى لا أجد ما أكافئك به، فهل أبصرته بعينك؟ قال: نعم، قال: فقدمهما إلى أقبلهما، وقبلهما وقال: لا تأكل النار عينا رأته، سل ما شئت من أمر الدنيا والآخرة أجمعهما إليك، قال: يا نبى الله سل الله أن يهين على سكرات الموت، وأن يجعلنى رفيقك فى الجنة، وأن يكثر مالى وولدى، فإن بنى عمرى يعايروننى بالفقر. فرفع يعقوب يديه إلى السماء وقال: اللهم إن كنت رحمت لى عبرة، وأجبت لى دعوة، فاجعل هذا الأعرابى رفيقى فى الجنة، وهوِّن عليه سكرات الموت، وكثر ماله وولده. ولما تم ما قضى الله أن يلبث يوسف فى السجن سجد وقال فى سجوده إلهى خلصنى من السجن، فكان يدعو والملك يرى ما ذكره الله عز وجل من أمر البقرات والسنبلات، وكانت رؤيا سبب لخروج يوسف من السجن. وروى أن الله جل جلاله أرسل جبريل إلى يوسف على هيئة جميلة، ووقف على باب بيته وسلم عليه، فرد يوسف السلام، وجعل ينظر إليه وتعجب من حسنه، وأنكر أن يكون مثله فى السجن، فقال: هل تعرفنى أيها الصديق؟ قال: يوسف صوت شيخ، وريح طيب لا يشبه ريح الخاطئين فمن أنت يرحمك الله؟ قال: أنا أخوك جبريل، قال: كيف أنت يا أطيب الطيبين، ورأس المقربين؟ فقال له: أبشر فقد جعلك الله رأس الصديقين، وعدك مع آبائك المخلصين، وأوجب لك جزاء الصابرين، لأنه لم يغيرك ما جرى عليك عن أمر الله ولم تطأ فراش سيدك فى طاعة ربك، وأن الله سبحانه يقرئك السلام ويقول: كيف حالك وهو أعلم بحالك منك؟ فقال: لربى الحمد على كل حال، وهل لك علم بأبى؟ قال: وهبه الله تعالى الصبر الجميل، وقد عدل حزنه حزن مائة ثكلى، وصبره ما استوجب به أجر مائة شهيد، لأن الله جل جلاله كتم أمرك عليه، ولم يدر أحى فيرجوك، أو ميت فيحتسبك، وذلك ليعظم أجره، وهذا هو الوقت الذى يظهرك فيه الله، ويجعلك لك اليد العليا على إخوتك وغيرهم، ويصدق رؤياك. وسبب ذلك أن الملك ريان بن الوليد، يرى الليلة كذا وكذا، وتأويلها كذا وكذا، ثم خرج وتركه، ولما جن الليل، وذهب ثلثاه، نام ريان وحاجبه ومضحكه وساقيه ومسامره، وطائفة من عظماء دولته، وانتبه الملك ريان فزعا، فقال هؤلاء: ما الذى أفزعك أيها الملك جعلنا الله فداءك؟ فقال: على بعلماء قومى ومنجميهم وكهنتهم، والعقلاء منهم، فإنى رأيت رؤيا افزعتى أعلم بأن لله شأنا، وأنى على رجل منها، فأشفقوا له وأسرعوا فى إحضار هؤلاء، فقال لهم ما حكى الله عز وجل بقوله: {وقالَ الملكُ...}
اطفيش
تفسير : {وَقَالَ} فى اليوم الثالث عند الباب وقت خروج الساقى {لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنهُمْا} وهو الساقى، وهو أَحدهما، فمن للتبعيض، ومن الابتدائِية محذوفة أَى ناج من القتل، والظن بمعنى اليقين مثل: "أية : وظنوا أَن لا ملجأَ من الله إِلا إِليه"تفسير : [التوبة: 118] ونجاة الساقى وقتل الخباز علمهما بالوحى أَو بأَمر من الله له لا يتخلف كإِلهام، وعلى كل حال هو قطعى، وعبر بالظن إِرخاءً للعنان وتأَدباً مع الله تعالى، ولا بأْس بهذا التأْدب مع أَنه جازم لأَن السامع لا يعلم أَنه وحى من الله، فيقول له: كيف لا تجزم مع أَنه من الله - عز وجل - وأَما بحسب الاجتهاد فى التعبير فالظن على بابه وضمير ظن ليوسف، وكنت أَستدل به على عدم وجوب الأَمر أَو إِذا جرت الصلة أَو الصفة أَو الحال أَو الخبر على غير ما هو له، وحكم هؤُلاءِ واحد، وإِن رددنا الضمير إِلى أَحدهما وهو الساقى جرت الصلة على ما هى له، ووجهه ظن الساقى أَنه ناج وأَنه لم يخن وأَنه هو الساقى قبل مع قول يوسف فيسقى ربه خمرا {اذْكُرْنِى} اذكر حالى {عِنْدَ ربِّكَ} سيدك الريان الملك، وقل له إِن فى السجن رجلا مظلوماً اسمه يوسف {فَأَنْسَاهُ} أَى أَنسى الساقى الناجى {الشَّيْطَانُ} تسبب له فى النسيان أَو فى الترك بأَن زين له عدم ذكر يوسف للملك، والمنسى حقيقة هو الله - عز وجل - {ذِْكْرَ ربِّهِ} ذكر يوسف لربه أَى لسيده وهو الريان، والهاءُ للناجى، وأَضاف الذكر إِلى ربه للملابسة، فإِن المراد أَنساه الشيطان ذكر يوسف إِلى ربه الريان وهو رب الساقى أَى سيده، فالمعرفة عين الأُولى كما هو الغالب، أَو الهاءَان ليوسف وهو قول الجمهور، فالمعرفة غير الأولى، فالرب فى ذكر ربه هو الله، ومعنى إِنساء الشيطان يوسف ذكر الله تسببه فى ذهوله عن ذكر الله إِلى ذكر الوليد حتى ابتغى الفرج من مخلوق، ذهولا وغفلةً فى تلك الحال المهولة من السجن، وليس فى قلبه أَن يكون شىءٌ بغير الله، فنقول ركن إِلى الله وحده وتسبب بالمخلوق وذكره الله منه ذلك لعلو مقامه، وأَطال حبسه فى السجن لذلك، وذلك قضاء أزلى، ولكنه خالق الأَسباب والمسببات {فَلَبِثَ} الفاء للسببية، لأَن توصيته عليه السلام المتضمنة للاستعانة بغيره - سبحانه وتعالى - باعته لإنسائه قال الله - عز وجل - من استنقذك من قتل إِخوتك؟؟ قال: أَنت يا رب، قال: فمن استنقذك من الجب؟ قال: أَنت يا رب، قال: فمن استنقذك من المرأَة إذ همت بك؟ قال: أَنت يا رب، قال: فما بالك نسيتنى وذكرت آدمياً؟ قال: يا رب كلمة تكلم بها لسانى، قال - عز وجل - وعزتى لأَدخلنك فى السجن بضع سنين {فِى السِّجْنِ بِضعَ سِنِين} قطعة من السنين، يقال: بضعت الشىءَ قطعته، قيل عن ابن عباس: لبث اثنتى عشرة سنةً، ويرده أَن البضع كالنيف ما لم يستكمل عقداً، وقد شهر أَنه من الثلاث إِلى التسع، وقيل إِلى السبع، ونسب إِلى مجاهد، وقيل إِلى العشر؛ إِلآَّ أَنه روى عبد الله بن راشد البصرى عن سعيد بن أَبى عروبة: أَن البضع ما بين الخمس إِلى الاثنى عشر، وقيل لبث سبع سنين، خمساً منها قبل قوله: " اذكرنى عند ربك" واثنتان بعد ذلك، وصحح، وتقدم أَنهما دخلا مع يوسف السجن فى وقت واحد، فيكون الحلم أَو التحالم آخر الخمس أو أَول الاثنتين، فقوله لهما تخرجان بعد ثلاث بمعنى بعد ثلاث من حين التعبير، وعلى قول الاثنتى عشرة يكون اللبث قبل قوله: اذكرنى خمساً وبعده سبعاً، وفى رواية عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله أخى يوسف لو لم يقل اذكرنى عند ربك لم يلبث فى السجن سبعاً بعد الخمس"تفسير : وهو حجة للقول بأنه لبث اثنتى عشرة؛ إِلآ أَن الحديث لم يصح، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم لم يأْخذه النوم لنملة وكان يطلب من يحرسه حتى جاءَ سعد فسمع غطيطه وأَقام الحرس حتى نزلت آية الأَمن: "أية : والله يعصمك من الناس"تفسير : [المائدة: 67] فقال: انصرفوا، وأَقام الرماة يوم بدر ويوم أَحد وليس من ذلك شىءٌ كقول يوسف: اذكرنى عند ربك، والمشهور أَنه لبث سبعاً وأَن الرؤيا من أَول السبع، وبه قال ابن جريج وقتادة، قال وهب بن منبه: حبس يوسف فى السجن سبع سنين وهو أَكثر الأَقوال، ومكث أَيوب فى البلاءِ سبع سنين، وعذب بختنصر بالمسخ سبع سنين، ويزاد ابتلاءً بسنى يوسف السبع، والمشهور أَن الممسوخ لا يبقى أَكثر من ثلاثة أَيام، وقيل لبث فى السجن أَربع عشرة سنة، وبه قال الضحاك فقد لبث بعد الخمسة تسعا، كما لبث بعدها سبعاً، فى قول اللبث اثنتى عشرة، قال بعض: البضع مدة العقوبة لا مدة الحبس كله {وَقَالَ الْمَلِكُ} ملك مصر الريان ابن الوليد العمليقى حين قرب خروج يوسف من السجن بتمام العدد المذكور، فى الآية جواز تسمية المشرك ملكاً وهو المذكور فى أَخبار، وليس فى كتبه صلى الله عليه وسلم إِلى هرقل بلفظ عظيم الروم دون ملك الروم ما يمنع من ذلك، وإِلا فلا أَكثر من أَنه تنزيه لا تحريم، قيل: ووجه أَنه لا يتوهم استحقاقه للملك، ويعارض بأَنه يلزم استحقاق اسم العظمة وما تسميته ملكهم إِلآ معنى أَنه كبيرهم {إِنِّى أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} بلحم وشحم والواحدة سمينة ككريمة وكرام {يَأْكُلُهُنَّ} المضارع لحكاية الحال {سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ} وأَرى سبع {سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخرَ} سبعا أَخر {يابِسَاتٍ} رأَى فى منامه سبع بقرات خرجن من البحر سمانا وخرج بعدهن سبع بقرات فى غاية من الهزال فابتلعت العجاف السمان ولم تسمن العجاف بهن، ولا انتفخن ورأَى سبع سنبلات خضر الممتلئات ورأَى سبعا يابسات مدركات التوين على الخضر فزالت خضرتهن ولم تخضر اليابسات، فخاف مما رأى من تغلب الضعيف على القوى فجمع المنجمين والكهان والسحرة لذلك فقال ما ذكره الله عنه {يَا أَيُّهَا المْلأُ أَفْتُونِى فِى رُؤْياىَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤيَا تَعْبُرُونَ} هذا أَفصح من لغة التشديد، فلم يوفقهم الله إِلى العبر فيعبرها يوسف، وعبره سبب لخروجه من السجن بإٍذن الله مسبب الأَسباب، وأَخر نعت لسبع محذوفاً فهو منصوب أَى وسبعاً أَخر يابسات، وإِن عطف على سنبلات فالفتح جر وكونهن سبعاً يعلم من كون المعطوف عليه أُضيف إِليه سبع، وأَما أَن يعطف على سبعاً ويعلم أَنهن سبع بدليل لفظ سبع فتكلف لا فائدة فيه إِذ لا دليل فى كون العجاف سبعاً على كون السنبلات سبعاً، نعم يأْكلهن دلالة على أَن اليابسات مسلطة على الخضر بالالتواء عليهن، وإِزالة خضرتهن، كما سلطت السبع العجاف على السمان بالأَكل، والعجف الهزال، وقياسه عجف بالضم فإِسكان جمع عجفاءَ كحمراءَ وحمر، ولكن جيىءَ به مشاكلة لوزن سمان، وفيه أَنه جاءَ بعد هذا اللفظ بلا مجاوزة سمان، ويجاب بأَنه تبع للأَول مفعول لتعبرون جر باللام لضعف تعبرون فى العمل بتقديم المعمول، أَو ضمن تعبر معنى فعل لازم مثل: لا تنهض، والعبرة التنقل عن شىءٍ لشىءٍ أَى تنقلون من صورة الرؤْيا إِلى ما هو المقصود بها فتخبرونى به، وجواب أَن أَغنى عنه أَفتوتى فلا حاجة إلى تقدير إِن كنتم للرؤيا تعبرون،فاعبروها.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ} أي يوسف عليه السلام. {للَّذي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ} أوثر على صيغة المضارع مبالغة في الدلالة على تحقيق النجاة حسبما يفيده قوله: { أية : قُضِيَ ٱلأَمْرُ } تفسير : [يوسف: 41] الخ، وهو السر في إيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال: للذي ظنه ناجياً {مِّنْهُمَا} أي من صاحبيه، وإنما ذكر بوصف النجاة تمهيداً لمناط التوصية بالذكر بما يدور عليه الامتياز بينه وبين صاحبه المذكور بوصف الهلاك. والظانّ هو يوسف عليه السلام لا صاحبه، وإن ذهب إليه بعض السلف لأن التوصية لا تدور على ظنّ الناجي بل على ظنّ يوسف عليه السلام وهو بمعنى اليقين كما في قوله تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ } تفسير : [البقرة: 46] ونظائره. ولعل التعبير به من باب إرخاء العنان والتأدب مع الله تعالى، فالتعبير على هذا بالوحي كما ينبئ عنه قوله: { أية : قُضِيَ ٱلأَمْرُ}تفسير : [يوسف: 41] الخ، وقيل: هو بمعناه، والتعبير بالاجتهاد والحكم بقضاء الأمر أيضاً اجتهادي. واستدل به من قال: إن تعبير الرؤيا ظني لا قطعي، والجار والمجرور إما في موضع الصفة - لناج - أو الحال من الموصول ولا يجوز أن يكون متعلقاً - بناج - لأنه ليس المعنى عليه {ٱذْكُرْنِي} بما أنا عليه من الحال والصفة. {عنْدَ رَبِّكَ} سيدك، روي أنه لما انتهى بالناجي في اليوم الثالث إلى باب السجن قال له: أوصني بحاجتك، فقال عليه السلام: حاجتي أن تذكرني عند ربك وتصفني بصفتي التي شاهدتها {فَأَنْسَاهُ الشيْطَانُ} أي أنسى ذلك الناجي بوسوسته وإلقائه في قلبه أشغالاً حتى يذهل عن الذكر، وإلا فالإنساء حقيقة لله تعالى، والفاء للسببية فإن توصيته عليه السلام المتضمنة للاستعانة بغيره سبحانه وتعالى كانت باعثة لما ذكر من إنسائه {ذكْرَ رَبِّه} أي ذكر يوسف عليه السلام عند الملك، والإضافة لأدنى ملابسة، ويجوز أن تكون من إضافة المصدر إلى المفعول بتقدير مضاف أي ذكر إخبار ربه. {فَلَبثَ} أي فمكث يوسف عليه السلام بسبب ذلك القول أو الإنساء {في السِّجْن بضْعَ سنينَ} البضع ما بين الثلاث إلى التسع كما روي عن قتادة، وعن مجاهد أنه من الثلاث إلى دون المائة والألف، وهو مأخوذ من البضع بمعنى القطع؛ والمراد به هنا في أكثر الأقاويل سبع سنين وهي مدة لبثه كلها فيما صححه البعض، وسنتان منها كانت مدة لبثه بعد ذلك القول، ولا يأبى ذلك فاء السببية لأن لبث هذا المجموع مسبب عما ذكر، وقيل: إن هذه السبع مدة لبثه بعد ذلك القول، وقد لبث قبلها خمساً فجميع المدة اثنتا عشرة سنة، ويدل عليه خبر "حديث : رحم الله تعالى أخي يوسف لو لم يقل: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} لما لبث في السجن سبعاً بعد / خمس ". تفسير : وتعقب بأن الخبر لم يثبت بهذا اللفظ وإنما الثابت في عدة روايات "حديث : ما لبث في السجن طول ما لبث" تفسير : وهو لا يدل على المدعى. وروى ابن أبي حاتم عن طاوس والضحاك تفسير البضع هٰهنا بأربع عشرة سنة وهو خلاف المعروف في تفسيره، والأولى أن لا يجزم بمقدار معين كما قدمنا. وكون هذا اللبث مسبباً عن القول هو الذي تظافرت عليه الأخبار كالخبر السابق والخبر الذي روي عن أنس قال: "أوحى الله تعالى إلى يوسف عليه السلام من استنقذك من القتل حين هم إخوتك أن يقتلوك، قال: أنت يا رب، قال: فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه، قال: أنت يا رب، قال: فمن استنقذك من المرأة إذ همت بك، قال: أنت يا رب، قال: فما بالك نسيتني وذكرت آدمياً، قال: يا رب كلمة تكلم بها لساني، قال: وعزتي لأدخلنك في السجن بضع سنين" وغير ذلك من الأخبار. ولا يشكل على هذا أن الاستعانة بالعباد في كشف الشدائد مما لا بأس به، فقد قال سبحانه: { أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ } تفسير : [المائدة: 2] فكيف عوتب عليه السلام في ذلك لأن ذلك مما يختلف باختلاف الأشخاص، واللائق بمناصب الأنبياء عليهم السلام ترك ذلك والأخذ بالعزائم، واختار أبو حيان أن يوسف عليه السلام إنما قال للشرابي ما قال ليتوصل بذلك إلى هداية الملك وإيمانه بالله تعالى كما توصل إلى إيضاح الحق لصاحبيه، وإن ذلك ليس من باب الاستعانة بغير الله تعالى في تفريج كربه وخلاصه من السجن، ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر، وموجب للطعن في غير ما خبر، نعم إنه اللائق بمنصبه عليه الصلاة والسلام. وجوز بعضهم كون ضمير - أنساه - و {رَبِّهِ} عائدين على يوسف عليه السلام، وإنساء الشيطان ليس من الإغواء في شيء بل هو ترك الأولى بالنسبة لمقام الخواص الرافعين للأسباب من البين، وأنت تعلم أن الأول هو المناسب لمكان الفاء، ولقوله تعالى الآتي: { أية : وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ } تفسير : [يوسف: 45].
ابن عاشور
تفسير : قال يوسف ـــ عليه السّلام ـــ للذي ظن نجاته من الفتيين وهو الساقي. والظن هنا مستعمل في القريب من القطع لأنه لا يشك في صحة تعبيره الرؤيا. وأراد بذكره ذكر قضيته ومظلمته، أي اذكرني لربك، أي سيدك. وأراد بربه ملك مصر. وضميرا {فأنساه} و{ربه} يحتملان العود إلى {الذي}، أي أنسى الشيطان الذي نجا أن يَذكره لربه، فالذكر الثاني هو الذكر الأول. ويحتمل أن يعود الضميران إلى ما عاد إليه ضمير {وقال} أي يوسف ـــ عليه السّلام ـــ أنساه الشيطان ذكر الله، فالذكر الثاني غير الذكر الأول. ولعل كلا الاحتمالين مراد، وهو من بديع الإيجاز. وذلك أن نسيان يوسف ـــ عليه السّلام ـــ أن يَسأل الله إلهام الملِك تذكر شأنه كان من إلقاء الشيطان في أمنيته، وكان ذلك سبباً إلهياً في نسيان الساقي تذكير الملك، وكان ذلك عتاباً إلهياً ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ على اشتغاله بعَون العباد دون استعانة ربه على خلاصه. ولعل في إيراد هذا الكلام على هذا التوْجيه تلطفاً في الخبر عن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ، لأن الكلام الموجه في المعاني الموجهة ألطف من الصريح. والبضع: من الثلاث إلى التسع. وفيما حكاه القرآن عن حال سجنهم ما يُنبىء على أن السجن لم يكن مضبوطاً بسجل يذكر فيه أسماء المساجين، وأسبابُ سجنهم، والمدةُ المسجون إليها، ولا كان من وزعة السجون ولا ممن فوقهم من يتعهّد أسباب السجن ويفتقد أمر المساجين ويرفع إلى الملك في يوم من الأسبوع أو من العام. وهذا من الإهمال والتهاون بحقوق الناس وقد أبطله الإسلام، فإن من الشريعة أن ينظر القاضي أول ما ينظر فيه كلّ يوم أمرَ المساجين.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأَنْسَاهُ} {ٱلشَّيْطَانُ} (42) - ثُمَّ قَالَ يُوسُفُ لِلسَّاقِي الذِي تَوَقَّعَ أَنَّهُ سَيَخْرُجُ ِمَن السَّجْنِ: اذْكُرْ حَالِي وَقِصَّتِي عِنْدَ سَيِّدِكَ المَلِكِ، لَعَلَّهُ يُنْصِفُنِي، وَيُخْرِجُنِي مِنَ السِّجْنِ، فَنَسِيَ الشَّابُّ يُوسُفَ وَمَا قَالَهُ، فَبَقِيَ يُوسُفُ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. (وَالبِضْعُ تُسْتَعْمَلُ فِي الأَعْدَادِ لِمَا بَيْنَ الثَّلاثِ وَالتِّسْعِ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى السَّبْعِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والمقصود هنا هو السجين الذي رأى حُلْماً يعصر فيه العنب، فهو الذي فسر له يوسف رؤياه بأنه سينجو؛ ويواصل مهمته في صناعة الخمر لسيده. وقوله سبحانه: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ ..} [يوسف: 42]. يعني أن الأمر بالنجاة لم يتيقن بعد، ولم يصبح علماً. وقد أوصاه يوسف عليه السلام: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ..} [يوسف: 42]. والذكر هو حضور شيء بالبال؛ وكان له بالبال صِلَة استقبال، مثل أي قضية عرفتَها من قبل ثم تركتَها، ونسيتَهَا لفترة، ثم تذكرتَها من جديد. وهكذا نعلم أن للإنسان استقبالات للإدراكات، وهي لا تظل في بُؤْرة الشعور كل الوقت؛ لأن الذهن لا يستطيع أن يكون مشغولاً إلا بشيء واحد، فإن جاء شيء آخر فهو يزحزح الأمر الأول إلى حافة الشعور، ليستقر الأمر الجديد في بؤرة الشعور. والمثل الذي أضربه دائماً هو إلقاء حجر في الماء، فيصنع الحجر دوائر تكبر ويتتابع اتساع أقطارها، وهكذا بؤرة الشعور، حين تستقبل أمراً أو خاطراً جديداً. فالخاطر الجديد يُبعد كل الخواطر الأخرى من المركز إلى الحاشية، ثم يأتي ما يُذكِّرك بما في حاشية الشعور؛ ليعود لك الخاطر أو الأمر الذي كنت قد نسيتَه وتتذكره بكل تفاصيله؛ لأن ذاكرة الإنسان تعمل على مُسْتويين؛ فهي تحفظ المعلومات؛ وتسترجع المعلومات أيضاً. وقد قال يوسف لمن ظن أنه نَاجٍ: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ..} [يوسف: 42]. أي: اذكر ما وجدته عندي من خير أمام سيدك. وقال بعض المفسرين: إن يوسف عليه السلام حين نطق هذا القول؛ شاء له الله أن يمكث في السجن بضع سنين؛ فما كان ينبغي له كرسول أن يُوسِّط الغير في مسألة ذِكْره بالخير عند سيد ذلك السجين. فيوسف كرسول إنما يتلقى عن الله بواسطة الوحي؛ وهو قد قال لذلك السجين وزميله: {أية : لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ..} تفسير : [يوسف: 37]. وهذا يعني أنه يستقبل عن الله مباشرة، وكان عليه أن يظل موصولاً بالمصدر الذي يفيض عليه. ويتابع الحق سبحانه: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف: 42]. ونسيان ذكر الله فيه نوع من العقوبة، أو يحمل شيئاً من التأديب ليوسف، وهكذا نرى أن الشيطان نفسه إنما يُعِين الحق على مُرَاداته من خَلْقه. وهذا ما يشرح لنا بقاء يوسف في السجن بضع سنين؛ ونعرف أن البِضْع من السنين يعني من ثلاث سنوات إلى عَشْر سنوات، وبعض العلماء حَدَّده بسبع سنين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} يُقالُ اثنتي عَشرة سنةً.
الجيلاني
تفسير : {وَقَالَ} يوسف {لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا} وهو الشرابي: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} أي: اذكر حالي لملك عند ملاقاتك، وقل له أن رجلاً سُجن بلا جرم صدر عنه، وأوصاه به على طمع أن يستخلصه ويستكشف عن أمره، ولم يستثن مع أن المناسب بحاله ورتبته العلية الاتكال على الله، والتبتل نحوه بلا التفات إلى الغير أصلاً، والرضا بما جرى عليه من القضاء، والتصبر على هجوم البلاء وتزاحم المكروهات، فضلاً عن أن يستعد بلا استثناء، وذلك قبل الوحي {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ} للناجي {ذِكْرَ رَبِّهِ} أي: ذكر حال يوسف عند الملك حين جلس في مجلسه وسقى له خمراً {فَلَبِثَ} وبقيى يوسف بسبب ترك الاستثناء والاستخلاص من المصنوع الأرذل الأنزل والاستعانة منه {فِي ٱلسِّجْنِ} بعد لبثه خمساً {بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف: 42] أي: سبعً بعد الخمس؛ مجاراة عله وانتقاماً عنه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله أخي يوسف لو لم يقل: اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعاً بعد الخمس ". تفسير : {وَ} بعدما لبث في السجن بضعاً هيأ سبحانه سبباً بأن {قَالَ ٱلْمَلِكُ} وهو ريان بن الوليد لأصحابه يوماً: {إِنِّيۤ أَرَىٰ} في المنام {سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَ} أرى أيضاً {سَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَ} سبعاً {أُخَرَ يَابِسَاتٍ} قد التففن على السبع الخضر فغلبن عليها، من في ملكه من أهل التنجيم والتكهن وجميع العلماء والصلحاء وعرضها عليهم وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي} في رؤياي؛ أي: عبروها وأولوها {فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43] إي: إن كنتم من أهل التعبير والصور والعبرة والاعتبار. فلما سمعوا قوله وتأملوا في رؤياه {قَالُوۤاْ} بأجمعهم متفقين: هذه {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي: أباطيل صورتها المتخلية وخالطتها تخليطاً إلى حيث لا يقبل التعبير والتأويل أصلاً {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ} الباطلة {بِعَالِمِينَ} [يوسف: 44] معبرين.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وقال: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا} [يوسف: 42] أي: وقال يوسف القلب المسجون في حبس صفات البشرية للنفس، {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف: 42] وهو الروح يشير إلى أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن يذكره بالمعاملات المستحسنة الشريعة عند الروح استقوى بها الروح، وينبه عن نوم الغفلة المنسية من الحواس الخمس، ويسعى في استخلاص القلب عن أسرار الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمداً من الألطاف الربانية. {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} [يوسف: 42] يعني: الشيطان ووسواسه يمحو عن النفس أثر إلهامات القلب؛ لينسي النفس ذكر الروح بتلك المعاملات، وفيه معنى آخر: وهو أن الشيطان أنسى القلب ذكر ربه يعني: ذكر الله حتى استغاث بالنفس؛ لتذكره عند الروح ولو استعان الله لخلصه في الحال. {فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف: 42] يشير به إلى صفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر، وإذا أراد الله أن يخلص القلب عن سجن صفات البشرية يُري الروح الذي هو ملك مصر القالب رؤيا، كما قال تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ} [يوسف: 43] أي: الروح، {إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} [يوسف: 43]، وهن صفات البشرية السبع، {يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} [يوسف: 43]، يشير بهن إلى صفات الروحانية السبع التي هن أضداده صفات البشرية وهن: القناعة والسخاء والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع. {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ} [يوسف: 43] أي: الأعضاء والجوارح والحواس والقوى، {أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} [يوسف: 43] أي: فما رأيت من الملكوت بالغيب عنكم، {إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا} [يوسف: 43] أي: لا يرى في الملكوت، {تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43] تعلمون تأويله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَقَالَ } يوسف عليه السلام: { لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا } وهو: الذي رأى أنه يعصر خمرا: { اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ } أي: اذكر له شأني وقصتي، لعله يرقُّ لي، فيخرجني مما أنا فيه، { فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ } أي: فأنسى الشيطان ذلك الناجي ذكر الله تعالى، وذكر ما يقرب إليه، ومن جملة ذلك نسيانه ذكر يوسف الذي يستحق أن يجازى بأتم الإحسان، وذلك ليتم الله أمره وقضاءه. { فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } والبضع من الثلاث إلى التسع، ولهذا قيل: إنه لبث سبع سنين، ولما أراد الله أن يتم أمره، ويأذن بإخراج يوسف من السجن، قدر لذلك سببا لإخراج يوسف وارتفاع شأنه وإعلاء قدره، وهو رؤيا الملك.
همام الصنعاني
تفسير : 1310- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}: [الآية: 42]، قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو لم يستعن يوسف على ربه ما لبث في السجن كل ما لَبِثَ ". تفسير : 1311- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}: [الآية: 42]، قال: بلغنا أنه لبث في السجن سبع سنين. 1312- حدثنا عبد الرزاق، أنَّ عمران أبا الهذيل الصنعاني، قال: سمعت وهب بن منبه، يقول: أصاب أيُّوب البلاء سبع سنين، وَلَبِثَ يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر: يجول في السباع سبع سنين. 1313- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو، عن عكرمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، الله يغفر له حين سُئِلَ عن البقرات العاجف والسّمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشرط عليهم أن يُخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له، حين أتاه الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب ولكنه أراد أن يكونَ له العذر، ولولا أنه قال الكلمة التي قَالَ ما لبث في السجن طول ما لبث ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):