١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
43
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى إذا أراد شيئاً هيأ له أسباباً، ولما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى ملك مصر في النوم سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعاً أخر يابسات، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فجمع الكمنة وذكرها لهم وهو المراد من قوله: {يَابِسَـٰتٍ يأَيُّهَا ٱلْمَلا أَفْتُونِى فِى رُؤْيَـٰىَ } فقال القوم هذه الرؤيا مختلطة فلا تقدر على تأويلها وتعبيرها، فهذا ظاهر الكلام وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الليث: العجف ذهاب السمن والفعل عجف يعجف والذكر أعجف والأنثى عجفاء والجمع عجاف في الذكران والإناث. وليس في كلام العرب أفعل وفعلاء جمعاً على فعال غير أعجف وعجاف وهي شاذة حملوها على لفظ سمان فقالوا: سمان وعجاف لأنهما نقيضان ومن دأبهم حمل النظير على النظير، والنقيض على النقيض، واللام في قوله: {لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } على قول البعض زائدة لتقدم المفعول على الفعل، وقال صاحب «الكشاف»: يجوز أن تكون الرؤيا خبر كان كما تقول: كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلاً به متمكناً منه وتعبرون خبراً آخر أو حالاً، ويقال عبرت الرؤيا أعبرها وعبرتها تعبيراً إذا فسرتها، وحكى الأزهري أن هذا مأخوذ من العبر، وهو جانب النهر ومعنى عبرت النهر، والطريق قطعته إلى الجانب الآخر فقيل لعابر الرؤيا عابر، لأنه يتأمل جانبي الرؤيا فيتفكر في أطرافها وينتقل من أحد الطرفين إلى الآخر، والأضغاث جمع الضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش بشرط أن يكون مما قام على ساق واستطال قال تعالى: { أية : وَخُذْ بِيَدِكَ } تفسير : [صۤ: 44]. إذا عرفت هذا فنقول: الرؤيا إن كانت مخلوطة من أشياء غير متناسبة كانت شبيهة بالضغث. المسألة الثانية: أنه تعالى جعل تلك الرؤيا سبباً لخلاص يوسف عليه السلام من السجن، وذلك لأن الملك لما قلق واضطرب بسببه، لأنه شاهد أن الناقص الضعيف استولى على الكامل القوي فشهدت فطرته بأن هذا ليس بجيد وأنه منذر بنوع من أنواع الشر، إلا أنه ما عرف كيفية الحال فيه والشيء إذا صار معلوماً من وجه وبقي مجهولاً من وجه آخر عظم تشوف الناس إلى تكميل تلك المعرفة وقويت الرغبة في إتمام الناقص لا سيما إذا كان الإنسان عظيم الشأن واسع المملكة، وكان ذلك الشيء دالاً على الشر من بعض الوجوه فبهذا الطريق قوى الله داعية ذلك الملك في تحصيل العلم بتعبير هذه الرؤيا، ثم إنه تعالى أعجز المعبرين اللذين حضروا عند ذلك الملك عن جواب هذه المسألة وعماه عليهم ليصير ذلك سبباً لخلاص يوسف من تلك المحنة. واعلم أن القوم ما نفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بعلم التعبير، بل قالوا: إن علم التعبير على قسمين منه ما تكون الرؤيا فيه منتسقة منتظمة فيسهل الانتقال من الأمور المتخيلة إلى الحقائق العقلية الروحانية ومنه ما تكون فيه مختلطة مضطربة ولا يكون فيها ترتيب معلوم وهو المسمى بالأضغاث والقوم قالوا إن رؤيا الملك من قسم الأضغاث ثم أخبروا أنهم غير عالمين بتعبير هذا القسم وكأنهم قالوا هذه الرؤيا مختلطة من أشياء كثيرة وما كان كذلك فنحن لا نهتدي إليها ولا يحيط عقلنا بها وفيها إيهام أن الكامل في هذا العلم والمتبحر فيه قد يهتدي إليها، فعند هذه المقالة تذكر ذلك الشرابي واقعة يوسف فإنه كان يعتقد فيه كونه متبحراً في هذا العلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} لما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى الملك رؤياه، فنزل جبريل فسلم على يوسف وبشّره بالفرج وقال: إن الله مخرجك من سجنك، ومُمكِّن لك في الأرض، يذل لك ملوكها، ويطيعك جبابرتها، ومعطيك الكلمة العليا على إخوتك، وذلك بسبب رؤيا رآها الملك، وهي كيت وكيت، وتأويلها كذا وكذا، فما لبث في السجن أكثر مما رأى الملك الرؤيا حتى خرج، فجعل الله الرؤيا أولاً ليوسف بلاء وشدّة، وجعلها آخراً بشرى ورحمة؛ وذلك أن الملك الأكبر الريّان بن الوليد رأى في نومه كأنما خرج من نهر يابس سبع بقراتٍ سِمان، في أثرهنّ سبع عِجاف ـ أي مهازيل ـ وقد أقبلت العِجَاف على السِّمان فأخذن بآذانهنّ فأكلنهنّ، إلا القرنين، ورأى سبع سنبلات خُضْرٍ قد أقبل عليهن سبع يابسات فأكلنهنّ حتى أتين عليهنّ فلم يبق منهنّ شيء وهنّ يابسات، وكذلك البقر كنّ عِجافاً فلم يزد فيهنّ شيء من أكلهنّ السِّمان، فهالته الرؤيا، فأرسل إلى الناس وأهل العلم منهم والبصر بالكَهَانة والنّجامة والعَرَافة والسِّحر، وأشراف قومه، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} فقصّ عليهم، فقال القوم: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} قال ٱبن جريج قال لي عطاء: إن أضغاث الأحلام الكاذبة المخطئة من الرؤيا. وقال جُوَيبر عن الضّحاك عن ابن عباس قال: إن الرؤيا منها حق، ومنها أضغاث أحلام، يعني بها الكاذبة. وقال الهَرَويّ: قوله تعالى: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي أخلاط أحلام. والضِّغث في اللغة الحُزْمة من الشيء كالبقل والكلإ وما أشبههما، أي قالوا: ليست رؤياك ببيّنة، والأحلام الرؤيا المختلطة. وقال مجاهد: أضغاث الرؤيا أهاويلها. وقال أبو عبيدة: الأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا. قوله تعالى: {سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} حذفت الهاء من «سبع» فرقاً بين المذكر والمؤنث «سِمَانٍ» من نعت البقرات، ويجوز في غير القرآن سبعَ بقراتٍ سِماناً، نعت للسبع، وكذا خُضراً، قال الفراء: ومثله. {أية : سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} تفسير : [الملك: 3]. وقد مضى في سورة «البقرة» اشتقاقها ومعناها. وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: المَعِز والبقر إذا دخلت المدينة فإن كانت سماناً فهي سِنيّ رخاء، وإن كانت عجافاً كانت شداداً، وإن كانت المدينة مدينة بحر وإبّان سفر قدمت سفن على عددها وحالها، وإلا كانت فِتَناً مترادفة، كأنها وجوه البقر، كما في الخبر «يشبه بعضها بعضاً». وفي خبر آخر في الفتن: «كأنها صياصي البقر» يريد لتشابهها، إلا أن تكون صُفْراً كلها فإنها أمراض تدخل على الناس، وإن كانت مختلفة الألوان، شنيعة القرون وكان الناس ينفرون منها، أو كأن النار والدخان يخرج من أفواهها فإنه عسكر أو غارة، أو عدوّ يضرب عليهم، وينزل بساحتهم. وقد تدلّ البقرة على الزوجة والخادم والغلّة والسّنَة؛ لما يكون فيها من الولد والغلّة والنبات. {يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} من عَجُف يَعجُف، على وزن عَظُم يَعظُم، وروي عَجِف يَعجَف على وزن حَمِد يَحمَد. قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} جمع الرؤيا رُؤىً: أي أخبروني بحكم هذه الرؤيا. {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} العبارة مشتقة من عبور النهر، فمعنى عَبَرت النهر، بلغت شاطئه، فعابر، الرؤيا يعبر بما يؤول إليه أمرها. واللام في «للرؤيا» للتَّبيِين، أي إن كنتم تَعبُرون، ثم بَيّن فقال: للرؤيا، قاله الزجاج.
البيضاوي
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنّى أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} لما دنا فَرَجه رأى الملك سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات مهازيل فابتلعت المهازيل السمان. {وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ خُضْرٍ} قد انعقد حبها. {وَأُخَرَ يَـٰبِسَـٰتٍ} وسبعاً أخر يابسات قد أدركت فالْتَوَتِ اليابسات على الخضر حتى غلبت عليها، وإنما استغنى عن بيان حالها بما قص من حال البقرات، وأجرى السمان على المميز دون المميز لأن التمييز بها ووصف السبع الثاني بالعجاف لتعذر التمييز بها مجرداً عن الموصوف فإنه لبيان الجنس، وقياسه عجف لأنه جمع عجفاء لكنه حمل على {سِمَانٍ} لأنه نقيضه. {يأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِى فِى رُؤْيَـٰىَ} عبروها. {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا وهي الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها من العبور وهي المجاوزة، وعبرت الرؤيا عبارة أثبت من عبرتها تعبيراً واللام للبيان أو لتقوية العامل فإن الفعل لما أخر عن مفعوله ضعف فقوي باللام كاسم الفاعل، أو لتضمن {تَعْبُرُونَ} معنى فعل يعدى باللام كأنه قيل: إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا.
ابن كثير
تفسير : هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سبباً لخروج يوسف عليه السلام من السجن، معززاً مكرماً، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا، فهالته، وتعجب من أمرها وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة والحُزَاة وكبار دولته وأمراءه، فقص عليهم ما رأى، وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه بأنها {أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ} أي: أخلاط أحلام اقتضته رؤياك هذه {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ} أي: لو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط، لما كان لنا معرفة بتأويلها، وهو تعبيرها، فعند ذلك تذكر الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف، وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر بعد أمة، أي: مدة، وقرأ بعضهم: (بعد أَمَه) أي: بعد نسيان، فقال لهم، أي: للملك والذين جمعهم لذلك {أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} أي: بتأويل هذا المنام، {فَأَرْسِلُونِ} أي: فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن، ومعنى الكلام: فبعثوه فجاءه، فقال: {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا} وذكر المنام الذي رآه الملك، فعند ذلك ذكر له يوسف عليه السلام تعبيرها من غير تعنيف للفتى في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال: {تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا} أي: يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تُسْتَغَلُّ منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين، فقال: {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب، فادخروه في سنبله؛ ليكون أبقى له، وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلاً قليلاً، لا تسرفوا فيه؛ لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان، لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات، وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئاً، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء، ولهذا قال: {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي، بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس، أي: يأتيهم الغيث، وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه، وسكر ونحوه، حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضاً. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}: يحلبون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ } ملك مصر( الريَّان بن الوليد) {إِنِّى أَرَىٰ } أي رأيت {سَبْعَ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ } يبتلعهنّ {سَبْعٌ } من البقر {عِجَافٌ } جمع (عجفاء) {وَسَبْعَ سُنْبُلَٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ } أي سبع سنبلات {يَٰبِسَٰتٍ } قد التوت على الخضر وعلت عليها {يَابِسَٰتٍ يأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِى فِى رُؤْيَٰىَ } بيِّنوا لي تعبيرها {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } فاعبُروها.
الشوكاني
تفسير : المراد بالملك هنا: هو الملك الأكبر، وهو الريان بن الوليد الذي كان العزيز وزيراً له، رأى في نومه لما دنا فرج يوسف عليه السلام أنه خرج من نهر يابس {سَبْعَ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ } جمع سمين وسمينة، في إثرهن سبع عجاف: أي: مهازيل، وقد أقبلت العجاف على السمان فأكلتهنّ. والمعنى: إني رأيت، ولكنه عبر بالمضارع لاستحضار الصورة، وكذلك قوله: {يَأْكُلُهُنَّ } عبر بالمضارع للاستحضار، والعجاف جمع عجفاء، وقياس جمعه عجف؛ لأن فعلاء وأفعل لا تجمع على فعال، ولكنه عدل عن القياس حملاً على سمان {وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ } معطوف على سبع بقرات. والمراد بقوله: {خُضْرٍ } أنه قد انعقد حبها، واليابسات قد أدركت الخضر والتوت عليها حتى غلبتها، ولعل عدم التعرّض لذكر هذا في النظم القرآني للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات. {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأ} خطاب للأشراف من قومه {أَفْتُونِى فِى رُؤْيَـٰىَ } أي: أخبروني بحكم هذه الرؤيا {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } أي: تعلمون عبارة الرؤيا، وأصل العبارة مشتقة من عبور النهر، فمعنى عبرت النهر: بلغت شاطئه، فعابر الرؤيا يخبر بما يئول إليه أمرها. قال الزجاج: اللام في {للرؤيا} للتبيين، أي: إن كنتم تعبرون. ثم بين فقال: {للرؤيا} وقيل: هو للتقوية، وتأخير الفعل العامل فيه لرعاية الفواصل. وجملة {قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، والأضغاث: جمع ضغث، وهو كل مختلط من بقل أو حشيش أو غيرهما، والمعنى: أخاليط أحلام، والأحلام: جمع حلم: وهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها كما يكون من حديث النفس ووسواس الشيطان، والإضافة بمعنى من، وجمعوا الأحلام ولم يكن من الملك إلاّ رؤيا واحدة مبالغة منهم في بالبطلان، ويجوز أن يكون رأى مع هذه الرؤيا غيرها مما لم يقصه الله علينا {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلاْحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ } قال الزجاج: المعنى بتأويل الأحلام المختلطة، نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له، لا مطلق العلم بالتأويل. وقيل: إنهم نفوا عن أنفسهم علم التعبير مطلقاً، ولم يدّعوا أنه لا تأويل لهذه الرؤيا. وقيل: إنهم قصدوا محوها من صدر الملك حتى لا يشتغل بها، ولم يكن ما ذكروه من نفي العلم حقيقة. {وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا } أي: من الغلامين، وهو الساقي الذي قال له يوسف: {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ} {وادّكر بعد أمة} بالدال المهملة على قراءة الجمهور، وهي القراءة الفصيحة، أي: تذكر الساقي يوسف وما شاهده منه من العلم بتعبير الرؤيا، وقرىء بالمعجمة، ومعنى {بَعْدَ أُمَّةٍ }: بعد حين، ومنه {أية : إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } تفسير : [هود: 8] أي: إلى وقت، قال ابن درستويه: والأمة لا تكون على الحين إلاّ على حذف مضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، كأنه قال: والله أعلم: وادكر بعد حين أمة أو بعد زمن أمة، والأمة: الجماعة الكثيرة من الناس. قال الأخفش: هو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع، وكل جنس من الحيوان أمة. وقرأ ابن عباس وعكرمة: "بعد أمة" بفتح الهمزة وتخفيف الميم، أي: بعد نسيان، ومنه قول الشاعر:شعر : أمِهتُ وكنت لا أنسى حديثا كذاك الدهر يودي بالعقول تفسير : ويقال أمه يأمه أمها: إذا نسي. وقرأ الأشهب العقيلي {بعد إمَّة} بكسر الهمزة، أي: بعد نعمة، وهي نعمة النجاة. {أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ } أي: أخبركم به بسؤالي عنه من له علم بتأويله، وهو يوسف. {فَأَرْسِلُونِ } خاطب الملك بلفظ التعظيم، أو خاطبه ومن كان عنده من الملأ، طلب منهم أن يرسلوه إلى يوسف ليقصّ عليه رؤيا الملك حتى يخبره بتأويلها فيعود بذلك إلى الملك. {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ أَفْتِنَا } أي: يا يوسف، وفي الكلام حذف، والتقدير: فأرسلوه إلى يوسف فسار إليه، فقال له: {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ } إلى آخر الكلام، والمعنى: أخبرنا في رؤيا من رأى سبع بقرات إلخ، وترك ذكر ذلك اكتفاء بما هو واثق به من فهم يوسف بأن ذلك رؤيا، وأن المطلوب منه تعبيرها {لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ } أي: إلى الملك ومن عنده من الملأ {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } ما تأتي به من تأويل هذه الرؤيا، أو يعلمون فضلك ومعرفتك لفنّ التعبير. وجملة: {قَالَ تَزْرَعُونَ } إلخ مستأنفة جواب سؤال مقدّر كغيرها مما يرد هذا المورد {سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا } أي: متوالية متتابعة، وهو مصدر. وقيل: هو حال، أي: دائبين، وقيل: صفة لسبع، أي: دائبة. وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنه قرأ "دأبا" بتحريك الهمزة، وكذا روى حفص عن عاصم وهما لغتان قال الفراء: حرك لأن فيه حرفاً من حروف الحلق، وكذلك كل حرف فتح أوّله وسكن ثانيه فتثقيله جائز في كلمات معروفة. فعبر يوسف عليه السلام السبع البقرات السمان بسبع سنين فيها خصب، والعجاف بسبع سنين فيها جدب، وهكذا عبر السبع السنبلات الخضر، والسبع السنبلات اليابسات، واستدل بالسبع السنبلات الخضر على ما ذكره في التعبير من قوله: {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ } أي: ما حصدتم في كل سنة من السنين المخصبة فذروا ذلك المحصود في سنبله ولا تفصلوه؛ عنها لئلا يأكله السوس إلاّ قليلاً مما تأكلون في هذه السنين المخصبة، فإنه لا بدّ لكم من فصله عن سنبله وإخراجه عنها. واقتصر على استثناء المأكول دون ما يحتاجون إليه من البذر الذي يبذرونه في أموالهم، لأنه قد علم من قوله: {تزرعون} {ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي: من بعد السبع السنين المخصبة {سَبْعٌ شِدَادٌ } أي: سبع سنين مجدبة يصعب أمرها على الناس {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } من تلك الحبوب المتروكة في سنابلها، وإسناد الأكل إلى السنين مجاز، والمعنى: يأكل الناس فيهنّ، أو يأكل أهلهنّ ما قدمتم لهنّ: أي: ما ادخرتم لأجلهنّ، فهو من باب: نهاره صائم، ومنه قول الشاعر:شعر : نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم تفسير : {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ } أي: مما تحبسون من الحب لتزرعوا به؛ لأن في استبقاء البذر تحصين الأقوات. وقال أبو عبيدة: معنى {تحصنون} تحرزون. وقيل: تدّخرون، والمعنى واحد. قوله: {ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } أي: من بعد السنين المجدبات، فالإشارة إليها، والعام: السنة {فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ } من الإغاثة أو الغوث، والغيث المطر، وقد غاث الغيث: بالأرض، أي: أصابها، وغاث الله البلاد يغيثها غوثاً: أمطرها، فمعنى {يغاث الناس}: يمطرون {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } أي: يعصرون الأشياء التي تعصر كالعنب والسمسم والزيتون. وقيل: أراد حلب الألبان. وقيل: معنى {يعصرون} ينجون، مأخوذ من العصرة وهي المنجاة. قال أبو عبيدة: والعصر بالتحريك: الملجأ والمنجاة، ومنه قول الشاعر:شعر : صاديا يستغيث غير مغاث ولقد كان عصرة المنجود تفسير : واعتصرت بفلان: التجأت به. وقرأ حمزة والكسائي: {تعصرون} بتاء الخطاب، وقرىء:"يعصرون" بضم حرف المضارعة وفتح الصاد، ومعناه يمطرون، ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً } تفسير : [النبأ: 14]. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قال يوسف للساقي: أذكرني عند ربك، أي: الملك الأعظم، ومظلمتي وحبسي في غير شيء، فقال: أفعل، فلما خرج الساقي ردّ على ما كان عليه، ورضي عنه صاحبه، وأنساه الشيطان ذكر الملك الذي أمره يوسف أن يذكره له، فلبث يوسف بعد ذلك في السجن بضع سنين، ثم إن الملك ريان بن الوليد رأى رؤياه التي أري فيها فهالته، وعرف أنها رؤيا واقعة، ولم يدر ما تأويلها، فقال للملأ حوله من أهل مملكته {إِنّى أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ } فلما سمع من الملك ما سمع منه ومسألته عن تأويلها، ذكر يوسف ما كان عبَّر له ولصاحبه، وما جاء من ذلك على ما قال، فقال: أنا أنبئكم بتأويله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ } يقول: مشتبهة. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير عنه قال: من الأحلام الكاذبة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك مثله. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله: {وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ } قال: بعد حين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد والحسن وعكرمة وعبد الله بن كثير والسدّي مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: بعد سنين. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: بعد أمة من الناس. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرٰتٍ } الآية، قال: أما السمان فسنون فيها خصب، وأما العجاف فسنون مجدبة، وسبع سنبلات خضر هي السنون المخاصيب، تخرج الأرض نباتها وزرعها وثمارها، وآخر يابسات: المحول الجُدُوب لا تنبت شيئاً. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترطت عليهم أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ } يقول: تخزنون، وفي قوله: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } يقول: الأعناب والدهن. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ } يقول: يصيبهم فيه غيث {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } يقول: يعصرون فيه العنب، ويعصرون فيه الزبيب، ويعصرون من كل الثمرات. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه أيضاً {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } قال: يحتلبون. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عنه أيضاً {ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ } قال: أخبرهم بشيء لم يسألوه عنه كأنّ الله قد علمه إياه فيه يغاث الناس بالمطر، وفيه يعصرون السمسم دهناً، والعنب خمراً والزيتون زيتاً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وقال الملك إني أرى سبع بقراتٍ سمان...} الآية. وهذه الرؤيا رآها الملك الأكبر الوليد بن الريان وفيها لطف من وجهين: أحدهما: أنها كانت سبباً لخلاص يوسف من سجنه. الثاني: أنها كانت نذيراً بجدب أخذوا أهبته وأعدوا له عدته. {يا أيها الملأ افتوني في رؤياي}وذلك أن الملك لما لم يعلم تأويل رؤياه نادى بها في قومه ليسمع بها من يكون عنده عِلْمٌ بتأويلها فيعبرها له. قوله عز وجل: {قالوا أضغاث أحلام} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني أخلاط أحلام، قاله معمر وقتادة. الثاني: ألوان أحلام، قاله الحسن. الثالث: أهاويل أحلام قاله مجاهد. الرابع: أكاذيب أحلام، قاله الضحاك. وفيه خامس: شبهة أحلام، قاله ابن عباس. قال أبو عبيدة: الأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا، ومنه قول الشاعر: شعر : كضغث حلم عُزَّ منه حالمُه. تفسير : وروى هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حديث : إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ". تفسير : وفي تقارب الزمان وجهان: أحدهما: أنه استواء الليل والنهار لأنه وقت اعتدال تنفتق فيه الأنوار وتطلع فيه الثمار فكان أصدق الزمان في تعبير الرؤيا. الثاني: أنه آخر الزمان وعند انتهاء أمده. والأضغاث جمع واحده ضغث والضغث الحزمة من الحشيش المجموع بعضه إلى بعض وقيل هو ملء الكف، ومنه قوله تعالى: {خذ بيدك ضغثاً} وقال ابن مقبل. شعر : خَوْذٌ كَأَنَّ فِرَاشَهَا وُضِعَتْ بِهِ أَضْغَاثُ رَيْحَانٍ غَدَاةَ شَمَالِ تفسير : والأحلام جمع حُلم، والحُلم الرؤيا في النوم، وأصله الأناة، ومنه الحلم ضد الطيش فقيل لما يرى في النوم حلم لأنها حال أناة وسكون. {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين}فدل ذلك على أنه ليس التأويل الأول مما تؤؤل به الرؤيا هو الحق المحكوم به لأن يوسف عرفهم تأويلها بالحق، وإنما قال يوسف للغلامين{قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}لأنه منه نذير نبوة. ويجوز أن يكون الله تعالى صرف هؤلاء عن تفسير هذه الرؤيا لطفاً بيوسف ليتذكر الذي نجا منهما حاله فتدعوهم الحاجة إليه فتكون سبباً لخلاصه. قوله عز وجل: {وقال الذي نجا منهما وادّكر بَعْدَ أمة}فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني بعد حين، قاله ابن عباس. الثاني: بعد نسيان، قاله عكرمة. الثالث: بعد أمة من الناس، قاله الحسن. قال الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة وجمع له شمله فعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة. وقرىء{وادّكر بعد أمَةٍ} بفتح الألف وتخفيف الميم، والأمه: بالتخفيف النسيان. {أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون} أي أخبركم بمن عنده علم بتأويله ثم لم يذكره لهم. قال ابن عباس: لم يكن السجن بالمدينة فانطلق إلى يوسف حين أذن له وذلك بعد أربع سنين بعد فراقه. قوله عز وجل: {يوسف أيها الصديق أفتنا} احتمل تسميته بالصديق وجهين: أحدهما: لصدقه في تأويل رؤياهما. الثاني: لعلمه بنبوته. والفرق بين الصادق والصديق أن الصادق في قوله بلسانه، والصديق من تجاوز صدقه لسانه إلى صدق أفعاله في موافقة حاله لا يختلف سره وجهره، فصار كل صدّيق صادقاً وليس كل صادق صدّيقاً. {أفتنا في سبع بقرات سمان} قال قتادة: هي السنون المخصبات. {يأكلهن سبع عجافٌ} قال قتادة: هي السنون المجدبات. {وسبع سنبلات خضر وأُخر يابسات} والخضر الخصب لأن الأرض بنباتها خضراء، واليابسات هي الجدب لأنّ الأرض فيه يابسة، كما أن ماشية الخصب سمان، وماشية الجدب عجاف. {لعلي أرجع إلى الناس} أي لكي أرجع إلى الناس وهو الملك وقومه، ويحتمل أن يريد الملك وحده فعبر عنه بالناس تعظيماً له. {ولعلهم يعلمون} لأنه طمع أن يعلموا وأشفق أن لا يعلموا، فلذلك قال {لعلهم يعلمون} يعني تأويلها. ولم يكن ذلك منه شكاً في علم يوسف. لأنه قد وقر في نفسه علمه وصدقه، ولكن تخوف أحد أمرين إما أن تكون الرؤيا كاذبةً، وإما ألاّ يصدقوا تأويلها لكراهتهم له فيتأخر الأمر إلى وقت العيان. قوله عز وجل: {قال تزرعون سبع سنين دأباً} فيه وجهان: أحدهما: يعني تباعاً متوالية. الثاني: يعني العادة المألوفة في الزراعة. {فما حصدتم فذروه في سُنْبُلهِ إلا قليلاً مما تأكلون}يعني فيخرج من سنبله لأن ما في السنبل مدخر لا يؤكل، وهذا القول منه أمر، والأول خبر، ويجوز لكونه نبياً أن يأمر بالمصالح، ويجوز أن يكون القول الأول أيضاً أمراً وإن كان الأظهر منه أنه خبر. قوله عز وجل: {ثم يأتي من بعد ذلك سبعٌ شداد}يعني المجدبات لشدتها على أهلها. وحكى زيد بن أسلم عن أبيه أن يوسف كان يصنع طعام اثنين فيقربه إلى رجل فيأكل نصفه ويدع نصفه، حتى إذا كان يوماً قربه له فأكله كله، فقال يوسف: هذا أول يوم السبع الشداد. {يأكلن ما قدمتم لهن} يعني تأكلون فيهن ما ادخرتموه لهن. {إلا قليلاً مما تحصنون} فيه وجهان: أحدهما: مما تدخرون، قاله قتادة. الثاني: مما تخزنون في الحصون. ويحتمل وجهاً ثالثاً: إلا قليلاً مما تبذرون لأن في استبقاء البذر تحصين الأقوات. قوله عز وجل: {ثم يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يغاث الناس}فيه وجهان: أحدهما: يغاثون بنزول الغيث، قاله ابن عباس. الثاني: يغاثون بالخصب، حكاه ابن عيسى. {وفيه يعصرون} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعصرون العنب والزيتون من خصب الثمار، قاله مجاهد وقتادة. الثاني: أي فيه يجلبون المواشي من خصب المراعي، قاله ابن عباس. الثالث: يعصرون السحاب بنزول الغيث وكثرة المطر، من قوله تعالى{أية : وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجَّاجاً} تفسير : [النبأ:14]. قاله عيسى بن عمر الثقفي. الرابع: تنجون، مأخوذ من العُصْرة وهي المنجاة، قاله أبو عبيدة والزجاج، ومنه قول الشاعر: شعر : صادياً يستغيث غير مغاث ولقد كان عُصْرَة المنجود تفسير : الخامس: تحسنون وتفضلون، ومنه قول الشاعر: شعر : لو كان في أملاكنا ملك يعصر فينا مثل ما تعصر تفسير : أي يحسن: وهذا القول من يوسف غير متعلق بتأويل الرؤيا وإنما هو استئناف خبر أطلقه الله تعالى عليه من آيات نبوته.
ابن عطية
تفسير : المعنى: {وقال الملك} الأعظم: {إني أرى} يريد في منامه، وقد جاء ذلك مبيناً في قوله تعالى: {أية : إني أرى في المنام أني أذبحك} تفسير : [الصافات: 104]. وحكيت حال ماضية فـ {أرى} وهو مستقبل من حيث يستقبل النظر في الرؤيا. {سبع بقرات سمان} يروى أنه قال: رأيتها خارجة من نهر، وخرجت وراءها {سبع عجاف}، فرأيتها أكلت تلك السمان حتى حصلت في بطونها ورأى "السنابل" أيضاً كما ذكر، و"العجاف" التي بلغت غاية الهزال، ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : ورجال مكة مسنتون عجاف تفسير : ثم قال لجماعته وحاضريه: {يا أيها الملأ أفتوني}. قرأت فرقة بتحقيق الهمزتين، وقرأت فرقة بأن لفظت بألف "أفتوني" واواً. وقوله: {للرؤيا} دخلت اللام لمعنى التأكيد والربط، وذلك أن المفعول إذا تقدم حسن في بعض الأفعال أن تدخل عليه لام، وإذا تأخر لم يحتج الفعل إلى ذلك. و"عبارة الرؤيا" مأخوذة من عبر النهر، وهو تجاوزه من شط إلى شط، فكأن عابر الرؤيا ينتهي إلى آخر تأويلها. وقوله: {قالوا: أضغاث أحلام} الآية، "الضغث" في كلام العرب أقل من الحزمة وأكثر من القبضة من النبات والعشب ونحوه، وربما كان ذلك من جنس واحد. وربما كان من أخلاط النبات، فمن ذلك قوله تعالى: {أية : وخذ بيدك ضغثاً} تفسير : [ص: 44] وروي أنه أخذ عثكالاً من النخل، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل نحو هذا في حد أقامه على رجل زمن، ومن ذلك قول ابن مقبل: [الكامل] شعر : خود كأنَّ فراشها وضعت به أضغاث ريحان غداة شمال تفسير : ومن الأخلاط قول العرب في أمثالها: ضغث على إبالة فيشبه اختلاط الأحلام باختلاط الجملة من النبات، والمعنى أن هذا الذي رأيت أيها الملك اختلاط من الأحلام بسبب النوم، ولسنا من أهل العلم بذلك، أي بما هو مختلط ورديء؛ فإنما نفوا عن أنفسهم عبر الأحلام لا عبر الرؤيا على الإطلاق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الرؤيا من الله والحلم من الشيطان". تفسير : وقال للذي كان يرى رأسه يقطع ثم يرده فيرجع: "حديث : إذا لعب الشيطان بأحدكم في النوم فلا يحدث بذلك ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: فالأحلام وحِدثان النفس ملغاة، والرؤيا هي التي تعبر ويلتمس علمها. والباء في قولهم {بعالمين} للتأكيد، وفي قولهم: {بتأويل} للتعدية وهي متعلقة بقولهم {بعالمين}. و {الأحلام} جمع حلم، يقال: حلَم الرجل - بفتح اللام - يحلم: إذا خيل إليه في منامه، والأحلام مما أثبتته الشريعة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الرؤيا من الله وهي المبشرة والحلم المحزن من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليتفل على يساره ثلاث مرات وليقل: أعوذ بالله من شر ما رأيت، فإنها لا تضره" تفسير : . وما كان عن حديث النفس في اليقظة فإنه لا يلتفت إليه. ولما سمع الساقي - الذي نجا - هذه المقالة من الملك ومراجعة أصحابه، تذكر يوسف وعلمه بتأويل الأحلام والرؤى، فقال مقالته في هذه الآية. و {ادكر} أصله ادتكر - افتعل - من الذكر، قلبت التاء دالاً وأدغم الأول في الثاني، ثم بدلت دالاً غير منقوطة لقوة الدال وجلدها، وبعض العرب يقول: اذكر؛ وقرىء {أية : فهل من مذكر} تفسير : [القمر: 15، 17، 22، 32، 40، 51] بالنقط و {أية : من مدكر} تفسير : [القمر: 15، 17، 22، 32، 40، 51] على اللغتين؛ وقرأ جمهور الناس: "بعد أمة" وهي المدة من الدهر، وقرأ ابن عباس وجماعة "بعد أمة" وهو النسيان، وقرأ مجاهد وشبل بن عزرة "بعد أمه" بسكون الميم وهو مصدر من أمه إذا نسي، وقرأ الأشهب العقيلي "بعد إمة" بكسر الهمزة، والإمة: النعمة والمعنى: بعد نعمة أنعمها الله على يوسف في تقريب إطلاقه وعزته. وبقوله: {ادكر} يقوي قول من يقول: إن الضمير في {أية : أنسانيه} تفسير : [الكهف: 63] عائد على الساقي، والأمر محتمل. وقرأ الجمهور: "أنا أنبئكم" وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "أنا آتيكم"، وكذلك في مصحف أبي بن كعب. وقوله: {فأرسلون} استئذان في المضي، فقيل: كان السجن في غير مدينة الملك - قاله ابن عباس - وقيل: كان فيها. قال القاضي أبو محمد: ويرسم الناس اليوم سجن يوسف في موضع على النيل بينه وبين الفسطاط ثمانية أميال.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي} يعني يا أيها الأشراف أخبروني بتأويل رؤياي {إن كنتم للرؤيا تعبرون} يعني: إن كنتم تحسنون علم العبارة وتفسيرها وعلم التعبير مختص بتفسير الرؤيا وسمي هذا العلم تعبيراً لأن المفسر للرؤيا عابر من ظاهرها إلى باطنها ليستخرج معناها وهذا أخص من التأويل لأن التأويل يقال فيه وفي غيره.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ}: روي أنه قال: رَأَيْتُهَا خَارجةً من نَهْرٍ، وخرجَتْ وراءَها سَبْعٌ عِجاف، فأكلَتْ تلك السِّمان، وحَصَلَتْ في بطونها، ورأى السنابلَ أيضاً؛ كما ذكر، و«الــ {عِجَافٌ }: التي بَلَغَتْ غايةَ الهُزَال، ثم قال لحاضريه: {يَٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيَـٰيَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ }، وعبارة الرؤية: مأخوذة منْ عَبْرِ النَّهْرِ، وهو تجاوزه مِنْ شَطٍّ إِلى شَطِّ، فكأنَّ عابر الرؤيا يَنْتَهِي إِلى آخر تأويلها. قال * ص *: وإِنما لم يضفْ «سبع» إِلى عِجَافٍ؛ لأنَّ اسم العدد لا يضاف إِلى الصفة إِلا في الشِّعْرِ، انتهى. وقولهُ سبحانه: {قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ...} الآية: «الضِّغْثِ»؛ في كلام العرب: أقَلُّ من الحُزْمة، وأكثَرُ من القَبْضة من النباتِ والعُشْبِ ونحوه، وربَّما كان ذلك مِنْ جنْسٍ واحدٍ، وربما كان من أخْلاَط النباتِ، والمعنى: أنَّ هذا الذي رأَيْتَ أيها الملكُ ٱختلاطٌ من الأحلامِ بسَبَبِ النوم، ولسنا من أهْلِ العلْمِ بما هو مختلطٌ ورديءٌ، والــ {أَحْلاَمٍ}: جمع حُلْم، وهو ما يخيَّل إِلى الإِنسان في منامه، والأحلام والرؤيا ممَّا أثبتَتْه الشريعةُ، وقال رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: « حديث : الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَهِيَ مِنَ المُبَشِّرَةِ وَالحُلْمُ المُحْزِنُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْتُ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ » تفسير : . وما كان عن حديث النفْسِ في اليقظة، فإِنه لا يلتفت إِليه، ولما سمع الساقي الذي نجا هذه المقالَةَ من المَلِكِ، ومُرَاجَعَةَ أصحابه، تذكَّر يوسُف، وعلْمَهُ بالتأويل، فقال مقالَتَه في هذه الآية، {وَٱدَّكَرَ }: أصله: «ٱذْتَكَرَ» من الذِّكْرِ، فقلبتِ التاء دالاً، وأدغم الأول في الثاني، وقرأ جمهور الناس: «بَعْدَ أُمَّةٍ»، وهي المدَّة من الدهر، وقرأ ابن عباس وجماعة: «بَعْدَ أَمَةٍ»، وهو النسيانُ، وقرأ مجاهد وشبل: «بَعْدَ أَمْةٍ» - بسكون الميم -، وهو مصْدَرٌ من «أَمِهَ»؛ إِذا نَسِيَ، وبقوله: {ٱدَّكَرَ} يقوِّي قول من قال: إِن الضمير في «أنساه» عائدٌ على الساقي، والأمر محتمل، وقرأ الجمهور: «أَنا أُنَبِّئُكُمْ»، وقرأ الحسن بْنُ أَبي الحسن: «أَنَا آتِيكُمْ»، وكذلك في مُصْحَف أُبيٍّ. وقوله: {فَأَرْسِلُونِ}: ٱستئْذان في المُضِيِّ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} الآية. اعلم أنَّه ـ تعالى عزَّ وجلَّ ـ إذا أرادَ شيئاً، هيّأ أسبابه، ولما دنا فرجُ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ رأى ملكُ مصر في النوم سبع بقراتٍ سمانٍ خرجن من نهرٍ يابسٍ، ثم خرج عَقِيبَهُنَّ سبعُ بقراتٍ عجافٍ في غايةِ الهُزال، فابتلعتِ العجافُ السِّمان، ورأى سبعَ سُنبلاتٍ خُضرٍ، قد انعقد حبُّها، وسبعاً أخر يابساتٍ، قد استحصدت، فالتوتِ اليابساتُ على الخضرِ حتَّى غلبْنَ عليها، فلم يبق من خضرتها شيءٌ؛ فجمع الكهنة، والسَّحرة، والنجامة، والمُعبِّرين، وقصَّ عليهم رؤياه؛ وهو قوله {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ}، أخلاط أحلامٍ مُشْتبهَةٌ أهاويلُ. فصل قال عليٌّ بنُ أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ: "المعز والبقر إذا دخلت المدينة، فإن كانت سماناً، فهي سِني رخاءٍ، وإن كانت عجافاً، كانت شداداً، وإن كانت المدينة مدينة بحرٍ، وإبَّان سفرٍ، قدمت سفنٌ على عددها، وحالها؛ وإلاَّ كانت فتناً مترادفةً كأنها وجوهُ البقر يشبه بعضها بعضاً؛ كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الفتنِ: "كأنَّها صَياصِيُّ البقَرِ"؛ لتشابهها، إلاَّ أن تكون صفراً كلَّها، فإنَّها أمراضٌ تدخل على النَّاس، وإن كانت مختلفة الألوان شنيعة القرون، كان الناسُ ينفرون منها، أو كان النارُ والدخانُ يخرج من أفواهها؛ فإنها عسكر، أو غارة أو عدوّ، يضرب عليهم، وينزلُ بساحتهم، وقد تدلُّ البقرة على الزَّوجة، والخادم، والغلَّة والسَّنة: لما يكونُ فهيا من الغلَّةِ، والولدِ، والنباتٍ". قوله: "سِمَانٍ"، صفةٌ لـ"بَقَراتٍ"، وهو جمعُ سمينةٍ، ويجمع "سَمِين" أيضاً عليه يقال: رجالٌ سمانٌ ونساءُ سمان؛ كما يقال: رجالُ كرامٌ ونساءٌ كرامٌ، و"السِّمن": مصدر سَمِنَ يَسْمَنُ فهو سَمِينٌ، فالاسمُ والمصدر، جاءا على غير قياسٍ؛ إذا قياسهما "سَمَن" بفتح الميم ـ فهو سَمِن بسكرها؛ نحو فَرِحَ فرحاً فهو فرح. قال الزمخشريُّ: "فإن قلتَ: هل من فرقٍ بين إيقاع سمانٍ صفة للتمييز: وهو بقراتٍ دون المُميَّزِ: سَبْعَ، وأنَّ نقول: سبع بقرات سماناً؟ قلتُ: إذا أوقعتها صفة لـ"بقَراتٍ"، فقد قصدت إلى أن تميِّز السبع بنوعٍ من البقرات، وهو السِّمان منهن، لا بِجِنْسهِنَّ، ولو وصفت السبع بها، لقصدت إلى تمييز السبع بجنس البقراتِ لا بنوع منها، ثم رجعت فوصفت المُميَّز بالجنس بالسمن. فإن قلت: هلا قيل: "سبع عجافٍ" على الإضافة. قلت: التمييز موضوع الجنسِ، والعجافُ وصفٌ لا يقع البيان به وحده، فإن قلت: فقد يقولون: ثلاثة فرسانٍ، وخمسة أصحابٍ، لبيانٍ؛ قلتُ: الفارسُ، والصاحبُ، والرَّاكب، ونحوها صفاتٌ جرت مجرى الأسماءِ؛ فأخذت حكمها، وجاز فيها ما لم يجز في غيرها، ألا تراك ألا تقول: عندي ثلاثةً ضخامٌ ولا أربعةٌ غلاظٌ. فإن قلت: ذلك مما يشكل، وما نحنُ بسبيله لا إشكال فيه، ألا ترى أنه لم يقل: وبقرات سبع عجاف؛ لوقوع العلم بأن المراد البقرات قلت: ترك الأصل لا يجوز مع وقوع الاستغناء عما ليس بأصل، وقد وقع الاستغناء عن قولك: سبع عجاف عمَّا تقترحهُ من التمييز بالوصف" انتهى. وهي أسئلةٌ وأجوبةٌ حسنة، وتحقيق السؤال الأول وجوابه: أنه يلزمُ من وصفِ التَّمييز بشيء وصف المميز به، ولا يلزم من وصف المميز وصف التمييز بذلك الشيء؛ بيانه: أنك إذا قلت: "عندي أربعة رجالٍ حسانٍ" بالجر، كان معناه: أربعةٌ من الرجال الحسانِ؛ فيلزُم حسنُ الإربعةِ؛ لأنهم بعض الرجالِ الحسانِ، وإذا قلت: عندي أربعة رجالٍ حسانٌ برفع حسان كان معناه: أربعةٌ من الرجال حسان، وليس فيه دلالة على وصف الرجال بالحسن. وتحقيق الثاني وجوابه: أنَّ أسماء العدد لا تضافُ إلى الأوصاف إلا في ضرورة وإنما يجاء بها تابعة لأسماء [العدد]؛ فيقال: عندي ثلاثةٌ قُرشيُّونَ، ولا يقال ثلاثة قرشيِّين بالإضافة إلا في شعرٍ، ثم أعترض بثلاثةٍ فرسانٍ، وأجاب بجريانِ ذلك مجرى الأسماء. وتحقيقُ الثالث: أنه إنَّما امتنع "ثلاثةُ ضخامٍ" ونحوه؛ لأنه لا يعلم موصوفه، بخلاف الآية الكريمة، فإنَّ الموصوف معلومٌ، ولذلك لم يصرحْ به. وأجاب عن ذلك: بأنَّ الأصل عدم إضافةِ العددِ إلى الصِّفة كما تقدم، فلا يترك هذا الأصل مع الاستغناء عنه بالفرع. وبالجملةِ: ففي هذه العبارةِ قلقٌ، هذا مُلخَّصُهَا. ولم يذكر أبو حيَّان نصه ولا اعترض عليه، بل لخًّص بعض معانيه، وتركهُ على إشكاله. فصل في اشتقاق "عجاف" جمعُ عجفاء: عِجَاف والقياس: عُجْف؛ نحو: حَمْرَاء، وحُمْر؛ حملاً له على سمانٍ؛ لأنَّه نقيضُه، ومن دأبهم حملُ النظير على النظيرِ، والنَّقيضِ على النقيض، قاله الزمخشريُّ, والعَجَفُ: شدةُ الهزالِ الذي ليس بعده هزال؛ قال: [الكامل] شعر : 3106ـ عَمْرُو الَّذي هَشَمَ الثَّريدَ لقَوْمِهِ ورِجَالُ مَكَّة مُسْنِتُونَ عِجَافُ تفسير : قال الليث: العَجَفُ: ذهابُ السِّمن، والفِعْلُ: عجف يَعجفُ، والذَّكرُ: أعْجفُ، والأنثى: عَجْفاء، والجمع عِجَافٌ في الذكران والإناث. وليس في كلام العربِ: أفْعَلُ، وفعلاء، وجمعها على: فِعَالٍ غَيْر أعْجَفَ، وعِجَاف، هي شاذة حملوها على لفظ سمانٍ، وعجافٍ؛ لأنهما نقيضان، ومن عادتهم حملُ النَّظيرِ على النظير، والنَّقيضِ على النَّقيضِ. وقال الرَّاغب: هو من قولهم: نَصْلٌ أعجفُ، أي: رقيقٌ. وعَجَفَتْ نفسي عن الطَّعام وعن فلانٍ: إذا نبت عنهما، وأعْجفَ الرَّجل أي: صارتْ [إبله] عِجَافاً. "وأخَرَ يَابِساتٍ"، قوله: "وأخَرَ" نسقٌ على قوله "سَبْعَ" لا على "سُنْبُلاتٍ" ويكون قد حذف اسم العددِ، من قوله: "وأخَرَ يَابِساتٍ" والتقدير: سَبْعاً أخَرَ، وإنما حذف؛ لأنَّ التقسيم في البقرات نقيضُ التَّقسيم في السنبلات. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: هل في الآية دليلٌ على أنَّ السنبلات اليابسة كانت كالخُضرِ؟ قلت: الكلامُ منبيٌّ على انصبابه إلى هذا العددِ في البقراتِ السِّمان والعجافِ، والسنبلات الخضرِ، فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع، ويكون قوله: "وأخَرَ يَابسَاتٍ" بمعنى: وسبعاً أخر" انتهى. وإنَّما لم يَجُز عطفُ أخر على التمييز، وهو "سُنْبُلاتٍ"، فيكون أخر مجروراً لا منصُوباً؛ لأنه من حيثُ العطف عليه يكونُ من جملة مميز سبع ومن جهة كونه أخر يكون مبايناً لسبع فتدافعا ولو كان ترتيبُ الآية الكريمة سبع سُنبلاتٍ خُضرٍ ويابِساتٍ، لصحَّ العطف، ويكون من توزيع السنبلات إلى هذينِ الموضعين أعني: الاخضرار واليبس. وقد أوضح الزمخشريُّ هذا حيث قال: "فإن قلتَ: هل يجوز أن يعطف قوله "وأخَرَ يَابسَاتٍ" على "سُنْبُلاتٍ خُضرٍ"، فيكون مجرور المحلِّ؟ قلت: يؤدِّي إلى تدافع؛ وهو أنَّ عطفها على "سُنبُلاتٍ خُضرٍ" يقتضي أن يكون داخلاً في حكمها فيكون معها مميز للسبع المذكور، ولفظ "أخَر" يقتضي أن يكون غير السَّبْعِ؛ بيانه تقول عنده سبعة رجال قيام وقعود بالجر فيصحّ لأنك ميَّزت السبعة برجالٍ موصوفين بالقيام والقعودِ على أنَّ بعضهم قيام، وبعضهم قعودٌ، فلو قلت: عنده سبعةٌ قيامٌ وآخرين قعودٌ؛ تدافع؛ ففسد". قوله للرُّؤيَا فيه أربعة أقوالٍ: أحدهما: أن اللام فيه مزيدة، فلا تعلق لها بشيء؛ وزيدت لتقدم المعمول مقوية للعامل؛ كما زيدت فيه إذا كان العامل فرعاً؛ كقوله تعالى: {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}تفسير : [هود:107]، ولا تزاد فيما عدا ذينك إلا ضرورة؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3107ـ فلمَّا أنْ تَوافَيْنَا قَلِيلاً أنَخْنَا للكَلاكِلِ فارْتَمَيْنَا تفسير : يريد: أنخنا الكلاكِلَ، فزيدت مع فقدان الشرطين، هكذا عبارة بعضهم يقول: إلا في ضرورة. وبعضهم يقول: الأكثر ألاَّ تزاد، ويتحرزُ من قوله تعالى {أية : رَدِفَ لَكُم}تفسير : [النمل:72]، لأنَّ الأصل: ردفكُم، فزيدتْ فيه اللامُ، ولا تقدم، ولا فرعيَّة، ومن أطلق ذلك جعل الآية من باب التَّضمين، وسيأتي في مكانه ـ إن شاء الله تعالى ـ، وقد تقدم من ذلك طرفٌ جيدٌ. الثاني: أن يضمَّن تعبرون معنى ما يتعدَّى باللام، تقديره أي: إن كنتم تنتدبون لعبارةِ الرؤيا. الثالث: أن يكون "للرُّؤيا" خبرُ "كنتم"؛ كما تقول: "كان فلانٌ لهذا الأمرِ"، أي: إذا استقلّ به متمكِّناً منه، وعلى هذا فيكون في "تَعْبرُونَ" وجهان: أحدهما: أنًَّهُ خبر ثانٍ لـ"كُنْتُمْ". الثاني: أنه حالٌ من الضمير المُرتفعِ بالجار؛ لوقوعه خبراً. الرابع: أن تتعلق اللام بمحذوفٍ على أنَّها للبيان؛ كقوله تعالى {أية : وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ}تفسير : [يوسف:20] تقديره: أعني فيه، وكذلك هذا، تقديره: أعني للرُّؤيا، وعلى هذا يكون مفعولُ "تَعْبُرُونَ" محذوفاً تقديره: تعبرونها. وقرأ أبو جعفر: الرُّيَّا [وبابها الرؤيا] بالإدغام؛ وذلك أنَّه قلب الهمزة واواً؛ لسكونها بعد ضمةٍ، فاجتمعت "واوٌ"، و"ياءٌ" وسبقت إحداهما بالسكون؛ فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياءُ في الياءِ. وهذه القراءة عندهم ضعيفةٌ؛ لأن البدل غير لازمٍ، فكأنَّه لم يوجد واوٌ؛ نظراً إلى الهمزة. فصل في معنى "تعبرون" يقال: عَبَرْتُ الرُّؤيَا أعبرها عبارة، وعبَرةً بالتخفيف، قال الزمخشريُّ: "وهو الذي اعتمدهُ الأثباتُ، ورأيتهم يُنْكِرُونَ "عَبَّرتُ" بالتشديد، والتَّعبير والمُعبِّر" قال: وقد عثرتُ على بيتٍ أشده المبرِّد في كتاب الكاملِ لبعضِ الأعرابِ: [السريع] شعر : 3108ـ رَأيتُ رُؤيَا ثُمَّ عبَّرتُهَا وكُنْتُ للأحْلامِ عَبَّارَا تفسير : قال وحقيقة تعبير الرؤيا: ذكرُ عاقبتها، وآخر أمرها؛ كما تقول: عبرتُ النَّهر إذا قطعتهُ حتَّى تبلغ آخرَ عرضه. قال الأزهريُّ: "مأخوذٌ من العُبْرِ، وهو جانبُ النَّهر، ومعنى عبرتُ النَّهرَ والطريق: قطعتهُ إلى الجانب الآخر، فقيل لعابرِ الرؤيا: عابرٌ؛ لأنَّه يتأمل جانبي الرُّؤيا، ويتفكرُ في أطرافها وينتقل من أحد الطَّرفين إلى الآخر". قال بعضُ أهل اللغة: العينُ، والباءُ، والراءُ، تضعها العرب: لجوار الشيء، ومضيفه، وقلَّة تمكنه، ولبثه، وهو فعل، يقال: عبر الرؤيا: أخرجها من حال النَّوم إلى حال اليقظةِ، كعبور البحر من جانب إلى جانبٍ. وناقة عبراء سفار، أي: يقطعُ بها الطريق ويعبرُ. والشِّعرى: العبُورُ؛ لأنها عبرت المجرَّة. والاعتبارُ بالشيء: هو التَّمثيلُ بينه وبين حاكيه. والعبرةُ: الدَّمعةٌ؛ لعبورها العين، وخروجها من الجفنِ. والعَنْبَرُ: منه؛ لأنَّ نونه زائدةٌ، وهو عبر لحي طفاوة على الماء لا يعرف معدته. والعَنْبَرُ ـ أيضاً ـ سمكةٌ في البحرِ، والعنبرُ: اسمُ قبيلة، والعنبرُ: شدَّة الشتاء. قال بعضهم: ثلاثةُ أشياء لا يعرف معدنها: أحدها: العَنْبَرُ يجيءُ ظفاؤه على وجه الماءِ. وثانيها: المومياء بأرض فارس، ومعناه: مُومٌ، أي: شمعُ الماء لا يعرف من أين يجيءُ، ولا من أين ينبع، يُعْمَلُ له حوضٌ في البحر وينصب عليه مصفاة كالغربال يجري منه الماء، وينبع منه وتبقى المومياء؛ فتؤخذ إلى خزانة السُّلطان. وثالثها: الكهلُ: وهو نوعٌ من الخَرزِ أصفر يطفُو على وجهِ الماءِ في بحر المغرب وبحر طبرستان، ولا يعرف معدنه. قوله جلَّ وعلا: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ}، خبر متبدإ مضمر، أي: هي أضغاث، يعنون: ما قصصته علينا، والجملة منصوبةٌ بالقول. والأضغاثُ: جمع ضِغْث ـ بكسر الضاد ـ وهو ما جمع من النبات، سواءٌ كان جنساً واحداً، أو أجناساً مختلطة. قال بن الخطيب: بشرط أن يكون مما قام على ساقٍ، وهو أصغرُ من الحزمة، وأكبر من القبضة، فمن مجيئه من جنسٍ واحدٍ، قوله تعالى: {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً}تفسير : [ص:44]، ويُروى أنه أخذ عثكالاً من نخلةٍ، وفي الحديث: "أنَّه أتي بمريضٍ وحب عليْهِ الحدُّ ففعل به ذلِكَ". وقال ابن مقبل: [الكامل] شعر : 3109ـ خَودٌ كأنَّ فِراشَهَا وضِعَتْ بِهِ أضْغَاثُ ريْحَانٍ غَداةَ شَمالِ تفسير : ومن مجيئه من أخلاط النبات قولهم في أمثالهم: "ضِغثٌ على إبَّالةٍ". وقال الرَّاغب ـ رحمه الله ـ: الضَّغْثُ: قبضة ريحانٍ، أو حشيشٍ، أو قصبان، وقد تقدم أنه أكثر من القبضةِ. واستعمال الأضغاث ـ هنا ـ من باب الاستعارة، فإن الرؤيا إذا كانت مخلوطةً من أشياء غير متناسبةٍ، كانت شبهية بالضِّغثِ. والإضافة في {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ}، إضافةٌ بمعنى "مِنْ"، والتقدير: أضغاثُ من أحلام. والأحلامُ: جمعُ حلم، وهو الرؤيا، والفعل منه حلمتُ أحلم، بفتح اللام في الماضي وضمها في الغابر ـ حُلُماً، وحُلْماً: مثقلٌ، ومخففٌ. قوله تعالى: "بتأويل" الباء متعلقةٌ بـ "عَالمِينَ"، والباءُ في "بِعَالمِينَ" لا تعلق لها؛ لأنها زائدة إمَّا في خبر الحجازيَّة أو التَّميميَّة، وقولهم ذلك يحتمل أن يكون نفياً للعلم بالرؤيا مطلقاً، وأن يكون نفياً للعلم بتأويل الأضغاث منها خاصة دون المنام الصَّحيح. وقال أبو البقاءِ: أي: بتأويل أضغاثِ الأحلام لا بد من ذلك؛ لأنَّهم لم يدَّعوا الجهل [بتعبير] الرؤيا انتهى. وقوله "الأحلام" وإنَّما كان واحداً، قال الزمخشريُّ: "كما تقولُ: فلان يركب الخيل، ويلبسُ عمائمَ الخزِّ، لمن لا يركبُ إلا فرساً واحداً، ولا يتعمَّمُ إلاَّ بعمامةٍ واحدةٍ تأكيداً في الوصف، ويجوز أن يكون قصَّ عليهم مع هذه الرؤيا غيرها". والتأويلُ: هو ما يَئُولُ الشيء إليه، أي: يرجعُ الشيء إليه، ومنه تأوَّل وهو معنى التفسير؛ لأنَّ التأويل تفسير اللفظ الراجع إلى المعنى. فصل اعلم أنه ـ سبحانه وتعالى ـ جعل هذه الرؤيا سبباً لخلاص يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من السِّجن؛ وذلك أنَّ الملك لمَّا رأى ذلك، قلق واضطرب بسببه؛ لأنه شاهد أن الناقِصَ الضَّعيف استولى على الكاملِ، فشهدت فطرته بأن هذا أمرُ عداوةٍ ومقدّرٍ بنوع من أنواع الشرِّ، إلا أنه ما عرف كيفية الحالِ فيه. والشيء إذا صار معلوماً من وجهٍ، وبقي مجهُولاً من وجه آخر ـ عظم شوقُ النفس إلى تمام تلك المعرفةِ، وقويتِ المعرفةُ في إتمام الناقصِ لا سيِّما إذا كان الإنسان عظيمَ الشَّأنِ، واسِعَ المملكةِ، وكان ذلك الشيء دالاًّ علَى الشرِّ من بعض الوجوه، فبهذا الطريق قوَّى الله داعية ذلك الملك في تحصيل العلم، بتفسير هذه الرؤيا، وأنه ـ تعالى ـ عجَّز المُعبِّرين الحاضرين عن جواب هذه المسألة؛ ليصير ذلك سبباً لخلاصِ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ من تلك المحنةِ. واعلم أنَّ القوم ما نفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بعلم التعبير؛ بل قالوا إنَّ علم التعبير على قسمين: منه ما يكون الرؤيا فيه منتظمة، فيسهلُ الانتقال من الأمور المتخيلةِ إلى الحقائق العقلية. ومنه ما يكون مختلطاً مضطرباً، ولا يكون فيه ترتيبٌ معلومٌ، وهو المسمَّى بالأضغاث. فقالوا: إنَّ رؤيا الملكِ من قسم الأضغاث، ثُمَّ أخبرُوا أنهم غير عالمينَ بتعبير هذا القسم، وفيه [إبهام] أنَّ الكامل في هذا العلم، والمُتبحِّر فيه يهتدي إليها، فعند هذه المقالة تذكَّر السَّاقي واقعة يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ لأنه كان يعتقدُ فيه كونه مُتَبحِّراً في هذا العلم. قوله: "وادَّكَرَ" فيه وجهان: أظهرهما: أنَّها جملة حالية، إمَّا من الموصول، وإما من عائده، وهو فاعل نَجَا. والثاني: أنها عطف على نَجَا فلا محل لها؛ لنسقها على ما لا محل له. والعامَّةُ على ادَّكَرَ بدالٍ مهلمة مشدَّدة، وأصلها: اذْتَكَرَ، افْتَعَلَ، من الذكر فوقعت تاءُ الافتعال بعد الدال؛ فأبدلت دالاً، فاجتمع متقاربان؛ فأبدل الأول من جنس الثاني، وأدغم. قال الزمخشريُّ: وادَّكَرَ بالدال هو الفصيحُ. وقرأ الحسن البصريُّ: بذالٍ معجمة. ووجَّهوها بأنه أبدل التَّاء ذالاً؛ من جنس الأولى، وأدغم، وكذا الحكمُ في مُدِّكِر كما سيأتي إن شاء الله ـ تعالى ـ. والعامةُ: على (أمة) بضم الهمزة، وتشديد الميم، وتاء منونةٍ، وهي المدة الطويلة. وقرأ الأشهب العقيليُّ: بكسر الهمزة؛ وفسَّروها بالنعمةِ، أي: بعد نعمةٍ [أنعم بها] عليه؛ وهي خلاصه من السِّجن، ونجاته من القَتلِ؛ وأنشد الزمخشريُّ لعديِّ: [الخفيف] شعر : 3110ـ ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والإمْـ ـمَةِ وارتْهُمُ هُناكَ القُبُورُ تفسير : وأنشد غيره: [الطويل] شعر : 3111ـ ألاَ لاَ أرَى ذَا أمَّةٍ أصْبَحَتْ بِهِ فَتتْرُكُه الأيَّامُ وهيَ كَما هِيَا تفسير : وقرأ ابن عبَّاس، وزيدُ بنُ عليّ، وقتادة، الضحاك، وأبو رجاء رضي الله عنهم "أَمَه" فتح الهمزة وتخفيف الميم منونة وهي المدة من الأمة وهو النسيان يقال أمِه يَأمَهُ أمَهاً بفتح الميم وسكونها، والسكون غير مقيسٍ؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 3112ـ أمِهْتُ وكُنْتُ لا أنْسَى حَدِيثاً كَذاكَ الدَّهْرُ يُودِي بالعُقُولِ تفسير : وقرأ مجاهدٌ، وشبل بن عزرة: بعد أمْه بسكون الميم، وتقدَّم أنه مصدر لـ"أَمِهَ" على غير قياسٍ. قال الزمخشري: "ومن قرأ بسكون الميم، فقد خُطِّىءَ". قال أبو حيَّان: "وهذه على عادته في نسبةِ الخطأ إلى القراء". قال شهابُ الدِّين ـ رحمه الله ـ: لَمْ ينسبْ إليهم خطأ؛ وإنما حكى أنَّ بعضهم خطَّأ هذا القارىء؛ فإنه قال: "خُطِّىءَ" بلفظ ما لم يسمَّ فاعله ولم يقل: فقد أخطأ، على أنَّه إذا صحَّ أنَّ من ذكره قرأ بذلك فلا سبيل إلى نسبة الخطأ إليه ألبتَّة. وبَعْدَ منصوب بـ"ادَّكَرَ" وقوله أنَا أنَبِّئُكمْ هذه الجملة هي المحكية بالقول. وقرأ العامة أنَبِّئُكُمْ من الإنْباءِ، وقرأ الحسن أنا آتِيكُم مضارع أتى من الإتيانِ، وهو قريب من الأول. فصل لمَّا اعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب، فذكر الشَّرابيُّ قول يوسف {أية : ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}تفسير : [يوسف:42]، {بَعْدَ أُمَّةٍ} بعد حينٍ، بعد سَبْعِ سنينَ، وذلك أنَّ الحينَ إنَّما يحصل عند اجتماع الأيام الكثيرة، كما أن الأمة إنما تحصل عند اجتماع الجمع العظيم، فالحين كان أمة من الأيام والسَّاعاتِ. فإن قيل: قوله {وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} يدل على أنّ الناسي هو الشرابي، وأنتم تقولون: إنَّ النَّاسي هو يوسف ـ عليه السلام ـ. فالجواب: قال ابنُ الأنباري: ادَّكرَ بمعنى: ذَكَرَ وأخْبَر، فهذا لا يدلُّ على سبقِ النسيان، فلعلَّ الساقي إنما لم يذكر يوسف عليه السلام عند الملكِ، خوفاً عليه من أن يكون ادِّكَاراً لذنبه الذي من أجله حُبس، فترك للشر، ويحتمل أن يكون حصل النسيانُ ليوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ [وحصل] أيضاً لذلك الشرابي. رُوِيَ أنَّ الغلام جثا بين يدي الملك، وقال إنَّ بالسجْنِ رجُلاً يُعبِّر الرؤيا. "فأرْسِلُون" خطابٌ، إما للملك، والجمع، أو للملك وحده؛ على سبيل التعظيم، وفيه اختصارٌ، تقديره: فأرسلْنِي إيها الملكُ إليه، فأرسله فأتى السِّجن. قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: ولم يكن السجنُ في المدينة. فقال: يُوسُف، أي: يا يُوسف "أيُّها الصِّديقُ" والصِّدِّيقُ: هو المبالغ في الصدقِ، وصفهُ بهذه الصفة؛ لأنه لم يجرب عليه كذباً، وقيل: لأنه صدق في تعبير رؤياه، وهذا يدلُّ على أنَّ الساقي والخباز لم يكذبا على يوسف في منامهما، ولم يذكراه امتحاناً له، كما زعم بعضهم ثم إنَّه أعاد السؤال باللفظ الَّذي ذكره الملكُ؛ فإن تعبير الرُّؤيا قد تخلتفُ باختلافِ الألفاظِ؛ كما هو مذكورٌ في علم التعبير لعَلِّي أرجعُ إلى النَّاس بفتواك؛ لأنه عجز سائرُ المُعبِّرين على الجواب، فخاف أن يعجز هو أيضاً؛ فلهذا السبب قال: {لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون} منزلتك من العلم. قوله: "تَزْرعُونَ" ظاهر هذا، إخبار من يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ بذلك. وقال الزمخشريُّ: تَزْرعُونَ خبرٌ في معنى الأمر؛ كقوله {أية : تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ}تفسير : [الصف:11]، وإنما خرج الأمر في صورة الخبر؛ للمبالغة في إيجاب المأمور به فيجعل كأنَّه وجد، فهو مخبر عنه؛ والدليلُ على كونه في معنى الأمر قوله: {فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ}. قال أبو حيان: ولا يدلُّ الأمر بتركه في سنبله على أنَّ تَزْرعُونَ في معنى: ازْرَعُوا، بل تَزْرعُونَ إخبار غيب، وأمَّا فَذرُوهُ فهو أمرُ إشارةٍ بما ينبغي أن يفعلوه. وهذا هو الظاهرُ، ولا مدخل لأمر الله لهم بالزراعةِ، لأنهم يزرعون على عادتهم أمرهم، أو لم يأمرهم، وإنما يحتاج إلى الأمر فيما لم يكن من عادة الإنسان أن يفعله كقوله في سُنبلهِ. قوله دَأباً قرأ حفصٌ: بفتحِ الهمزة، والباقون: بسكونها؛ وهما لغتان في مصدر: دَأبَ يدأبُ دأباً، أي: دَاومَ على الشيء ولازمه. وقيل: بجدٍّ، واجتهادٍ؛ وهذا كما قالوا: ضأنُ وضَأن، ومعَز ومَعْز: بفتحِ العين وسكونها. قال أبو علي الفارسي: الأكثروُ في "دَأبَ" الإسكانُ، ولعلَّ الفتح لغةٌ وفي انتصابه أوجه. أحدها: وهو قول سيبويه: أنه منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، تقديره: تدْأبُون دأباً. والثاني: وهو قول أبي العبَّاس ـ رضي الله عنه ـ: أنه منصوبٌ بـ "تَزْرعُونَ"؛ لأنه من معناه، فهو من باب: قعدت القُرْفُصَاء. وفيه نظرٌ؛ لأنه ليس نوعاً خاصًا به بخلافِ القرفصاء مع القعودِ. والثالث: أنه مصدر واقعٌ موقع الحال، فيكون فيه الأوجه المعروفةُ، إما للمبالغة وإما وقوعه موقع الصِّفة، وإما على حذف مضاف، أي: دائبين أو ذوي دأبٍ، أو جعلهم نفس الدَّأب؛ مبالغة. وقد تقدم الكلامُ على الدَّأب في "آل عمران" عند قوله ـ عز وجل ـ {أية : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ}تفسير : [آل عمران:11]. قوله: {فَمَا حَصَدتُّمْ}، ما: يجوز أن تكون شرطيَّة أو موصولة. قوله: {فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} أمرهم بترك الحنطةِ في السنبل؛ لتكون أبقى على الزمان، ولا تفسد. قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ}، أي تدرسون قليلاً؛ للأكل، أمرهم بحفظ الأكثر، والأكل قدر الحاجة. وقرأ أبو عبد الرحمن يَأكُلونَ بالغيبة، أي: الناسُ، ويجوز أن يكون التفاتاً. فصل قال القرطبيُّ: "هذه الآية أصلٌ في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ للأديان، والنفوس، والعقول والأنساب، والأموال، فكل ما يضمن تحصيل شيء من هذه الأمور، فهو مصلحةٌ وكل ما يفوت شيئاً منها، فهو مفسدةٌ؛ ودفعه مصلحةٌ، ولا خلاف أنَّ مقصود الشرائع إرشادُ النَّاس إلى مصالحهم الدُّنيويَّة، ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى، وعبادته [الموصلتين] إلى السعادةِ الأخرويَّة، ومراعاةُ ذلك فضلٌ من الله ورحمة". قوله تعالى: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ} حذف المميز، وهو الموصوف؛ لدلالة ما تقدَّم عليه، ونسب الأكل إليهن، مجازاً؛ كقوله: {أية : وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً}تفسير : [يونس:67] لمَّا كان الأكل، والإبصار فيهما، جعلا كأنهما واقعان منهما، مبالغة. و"الشِّدادُ": الصِّعابُ التي تشتدُّ على الناس؛ فلذلك سمَّى السنين المجدبة شداداً. يَأكُلْنَ، أي: يُفْنِين، ويهلكن الطعام إلاَّ قليلاً ممَّا تُحْصِنُون: تحرزُونَ، وتدَّخِرُونَ؛ للبذر. "والإحصانُ: الإحرازُ، وهو [إبقاء] الشيء في الحصنِ، يقال: أحْصَنَهُ إحصاناً، إذا جعله في حِرْزٍ". قوله [تعالى]: {يُغَاثُ ٱلنَّاسُ} يجوز أن تكون الألف عن واوٍ، وأن تكون عن ياءٍ: إما من الغوث، وهو الفرج، وفعله رباعي، يقال: أغَاثَنا اللهُ إذَا أنْقذنَا من كرْبٍ أو غمٍّ، ومعناه: يغاثُ الناسُ من كَرْبِ الجَدبِ. وإما من الغيثِ، وهو المطرُ، يقال: أغْيَثَت الأرض، أي: أمطرتْ، وفعله ثلاثي، يقال: أغَاثَنَا الله من الغَيْثِ، وقالت أعرابيةٌ: غِثْنَا ما شِئْنَا، أي: أمْطِرنا ما أردْنَا. فصل يقال: أسْنَتُوا، أي: دخلوا في سنةٍ مجدبة: "وقال المفسِّرون: السبعة المتقدمةُ: هي الخصبُ وكثرةُ النِّعم، والسَّبعة الثانية: هي القَحْطُ، وهي معلومةٌ من الرؤيا، وأمَّا حالُ هذه السنةِ، فما حصل في ذلك المنام ما يدلُّ عليه، بل حصل ذلك مِنَ الوَحْيِ". قال قتادةُ ـ رحمه الله ـ: زادهُ الله علمَ سنةٍ. فإن قيل: لما كانت العِجافُ سَبْعاً، دلَّ على أنَّ السنين المجدبة لا تزيدُ على هذا العدد، ومن المعلوم أنَّ الحاصل بعد انقضاء القحطِ، هو الخصبُ، فكان هذا ـ أيضاً ـ من مدلُولاتِ المنامِ، فلم قلتم: إنَّه حصل بالوحي والإلهام؟. فالجواب: هَبْ أنَّ تبدل القحْطِ بالخصب معلومٌ، وأما تفصيلُ الحال فيه، وهو قوله: {فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} لا يعلمُ إلا بالوحي. قوله يَعْصِرونَ قرأ الأخوان: "تَعْصِرُونَ" بالخطاب، والباقون بياء الغيبة، وهما واضحتان؛ لتقدم مخاطبٍ أو غائبٍ، فكلُّ قراءةٍ ترجعُ إلى ما يليقُ بها. و"يَعْصِرُونَ" يحتمل أوجهاً: أظهرها: أنه من عصر العِنبِ، والزيتونِ، والسمسمِ، ونحو ذلك. والثاني: أنَّه من عصر الضَّرع، إذا حلبه. والثالث: أنه من العصرةِ، وهي النجاةٌ، والعُصْر: المنجي. وقال أبو زيد في عثمان ـ رضي الله عنه ـ: [الخفيف] شعر : 3113ـ صَادِياً يَسْتغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ولقَدْ كَان عُصْرةَ المَنجُودِ تفسير : [ويعضدُ] هذا الوجه مطابقة قوله: {فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ} يقال: عَصَرَه يَعْصِرهُ، أي: أنجاه. وقرأ جعفر بن محمدٍ، والأعرج: "يُعْصَرُونَ" بالياء من تحت، وعيسَى بالتاءِ من فوقُ، وهو في كلتا القراءتين مبني للمفعولِ، وفي هاتين القراءتين تأويلان: أحدهما: أنها من عصره، إذا أنجاه: قال الزمخشريُّ: "وهو مطابق للإغاثةِ". والثاني: ـ قاله قُطربٌ ـ أنَّهما من الإعْصارِ، وهو إمطار السحابةِ الماء؛ كقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً}تفسير : [النبأ:14]، وقال الزمخشريُّ: وقُرىء: "يُعْصَرُون، تُمْطرُونَ"، من أعصرتِ السَّحابةُ، وفيه وجهان: إمَّا أن يضمَّن أعصرت معنى مُطِرَت، فيعدَّى تعْدِيتَه، وإما أن يقال: الأصلُ: أعْصِرَتْ عليهم، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى ضميرهم أو يسندُ الإعصارُ إليهم؛ مجازاً، فجعلوا معصرين. وقرأ زيد بن عليّ: "تِعِصّرُون" بكسر التاء، والعين، والصاد مشددة، وأصلها يعْتَصِرُون، فأدغم التاء في الصاد، وأتبع العين للصادِ، ثمَّ أتبعَ التاء للعين وتقدم [تقريره] في قوله {أية : إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ}تفسير : [يونس:35]. ونقل النقاشُ قراءة "يُعَصِّرُونَ" بضمِّ الياء، وفتح العين، وكسر الصَّاد مشددة؛ من "عَصَّر" للتكثير، وهذه القراءة، وقراءة زيدٍ المتقدمة، تحتملان أن يكونا من العصرِ للنبات، أو الضَّرع، أو النَّجاة؛ كقول الشاعر: [الرمل] شعر : 3114ـ لَوْ بِغيْرِ الماءِ حَلقِي شَرقٌ كُنْتُ كالغَصَّانِ بالمَاءِ اعتِصَارِي
البقاعي
تفسير : ولما بطل هذا السبب الذي أمر به يوسف عليه الصلاة والسلام، وهو تذكير الشرابي به، أثار الله سبحانه سبباً ينفذ به ما أراد من رئاسته وقضى به من سجود من دلت عليه الكواكب فقال دالاً على ذلك: {وقال الملك} وهو شخص قادر واسع المقدور إليه السياسه والتدبير، لملاه وهم السحرة والكهنة والحزرة والقافة والحكماء، وأكد ليعلم أنه محق في كلامه غير ممتحن: {إني أرى} عبر بالمضارع حكاية للحال لشدة ما هاله من ذلك {سبع بقرات سمان} والسمن: زيادة البدن من اللحم والشحم {يأكلهن سبع} أي بقرات {عجاف} والعجف: يبس الهزال {و} إني أرى {سبع}. ولما كان تأويل المنام الجدب والقحط والشدة، أضاف العدد إلى جمع القلة بخلاف ما كان في سياق المضاعفة في قوله { أية : أنبتت سبع سنابل}تفسير : [البقرة:261] فقال: {سنبلات خضر و} إني أرى سبع سنبلات {أخر يابسات} التوت على الخضر فغلبت عليها، وكأنه حذف هذا لدلالة العجاف عليه؛ والسنبلة: نبات كالقصبة حملة حبوب منتظمة، وكأنه قيل: فكان ماذا؟ فقيل: قال الملك: {ياأيها الملأ} أي الأشراف النبلاء الذين تملأ العيون مناظرهم والقلوب مخابرهم ومآثرهم {أفتوني} أي أجيبوني وبينوا لي كرماً منكم بقوة وفهم ثاقب. ولما كان مراده أن لا يخرجوا بالجواب عن القصد ولا يبعدوا به، عبر بما يفهم الظرف فقال: {في رؤياي} ومنعهم من الكلام بغير علم بقوله: {إن كنتم للرؤيا} أي جنسها {تعبرون *} وعبارة الرؤيا: تأويلها بالعبور من علنها إلى سرها كما تعبر، من عبر النهر - أي شطه - إلى عبره الآخر، ومثله أولت الرؤيا - إذا ذكرت مالها ومرجعها المقصود بضرب المثال. والمادة - بتراكيبها الستة: عرب، وعبر، ورعب، وربع، وبعر، وبرع - تدور على الجواز من محل إلى محل ومن حال إلى حال، وأكثر ذلك إلى أجود، فالعرب سموا لأن مبنى أمرهم على الارتحال لاستجادة المنازل، وأعرب - إذا أفصح، أي تكلم بكلام العرب فأبان عن مراده، أي أجازه من العجمة والإبهام إلى البيان، وأعرب الفرس - إذا خلصت عربيته، فكأنه جاز مرتبة الهجن إلى العرب، وكذا الإبل العراب، والعروبة: يوم الجمعة - لعلو قدرها عن بقية الأيام، والعروب: المرأة الضاحكة العاشقة لزوجها المتحببه إليه المظهرة له ذلك، وهي أيضاً العاصية لزوجها - لأن كل ذلك أفعال العرب، فهم أعشق الناس وأقدرهم على الاستمالة بالكلام العذب، وهم أعصى الناس وأجفاهم إذا أرادوا، والعرب - ويحرك: النشاط - لأنه انتقال عن الكسل، وقد عرب - كفرح - إذا نشط وإذا ورم، لأن الوارم يتجاوز هيئة غيره، وعربت البئر: كثر ماءها فارتفع، وعرب - كضرب: أكل، والعربة، محركة: النهر الشديد الجري، والنفس - لكثرة انتقالها بالفكر، والعربون: ما عقد به المبايعة من الثمن، فنقل السلعة من حال إلى حال، واستعربت البقر: اشتهت الفحل، إما من العروب العاشقة لزوجها، وإما لنقل الشهوة لها من حال إلى أخرى، وتعرب: أقام بالبادية، مع الأعراب الذين لا يوطنون مكاناً، وإنما هم مع الربيع، وعروباء: اسم السماء السابعة - لارتفاعها عن جميع السماوات، فكأنها جازت الكل، ولأن حركتها حركة للكل، والعرب - بالكسر: يبيس البهمي، لأنه صار أهلاً للنقل ولو بتطيير الهواء، والعربي: شعير أبيض سنبله حرفان - كأنه نسب إلى العرب لجودته، والإعراب: إجراء الفرس ومعرفتك بالفرس العربي من الهجين - لانتقال حال الجهل بذلك إلى حال العلم، وأن لا يلحن في الكلام - كأنه انتقل بذلك من العجمة إلى العربية، وعرب الرجل - بالكسر - إذا أتخم، وكذا الفرس من العلف، ومعدته: فسدت، وجرحه: بقي به أثر بعد البرء، كل ذلك ناقل من حال إلى غيرها، والتعريب: تهذيب المنطق من اللحن - كأنه رفع نفسه إلى العرب، وقطع سعف النخل - لأنه نقلها عن حالها إلى أصلح منه، وأن تكون الدابة على أشاعرها ثم تبزع بمبزع، والتعريب أيضاً والإعراب: ما قبح من الكلام، وتقبيح قول القائل كأنه حكم بزوال عربيته، وهما أيضاً الرد عن القبيح، وذلك إدخاله في خصال العرب التي هي معالي الأخلاق، وهما أيضاً النكاح، أو التعريض به لأن نقله من حال إلى حال وفعل إلى فعل قولاً وعملاً، والتعريب: الإكثار من شرب الماء الصافي، واتخاذ فرس عربي، وسما بها عريب، أي أحد يعرب؛ وعبر الرؤيا - إذا فسرها وأخبر بما يؤول إليه أمرها، كأنه جاز ظاهرها إلى بطن منها، وعبرت الكتاب أعبره عبراً: تدبرته ولم ترفع به صوتك، وعبرت النهر: قطعته من عبره - أي شطه - إلى عبره، والعبر أيضاً: الجانب، لأنه يعبر منه وإليه، والمعبر: سفينة يعبر عليها النهر وشط هيىء للعبور، وعبر القوم: ماتوا، والعبرة - بالكسر: العجب، وبالفتح: الدمعة قبل أن تفيض - كأن لها قوة الجري، أو هي تردد البكاء في الصدر أو الحزن بلا بكاء، لأن ذلك مبدأ جري الدمع؛ وفي مختصر العين: وعبرة الدمع: جريه، والعبرة: الدمع نفسه. والعبر - بالضم ويحرك: سخة العين، والكثير من كل شيء، وبالجماعة - لأن ذلك جوازعن حد القلة، ولأنهم يجيزون ما شاؤوا، ومجلس عبر - بالكسر والفتح: كثير الأهل - من ذلك، وأيضاً هو أهل لأن يعبر بجماعته من حال إلى حال، وبامرأة مستعبرة - وتفتح الباء: غير محظية، أي هي أهل لجري العبرة، وناقة عبر أسفار - مثلثة قوية، وعبرت عن الرجل فتكلمت عنه - كأنك عبرت من خاطره إلى خاطر المخاطب، وعبرت الدنانير تعبيراً: وزنتها ولم تبالغ في وزنها - كأنك عبرت من الجهل بمقدارها إلى الظن، أو عابر سبيل، أحي مار؛ والشعري: العبور: نجم خلف الجوزاء، والعبور: الجذعة من الغنم - لأنها جازت سنة وتأهلت العبور مع الغنم وكانت في عدادها، والعبور: لأقلف - لأن كمرته عابرة في قلفته، وغلام معبر: لم يختن، ورجل عبر: كاد أن يحتلم ولم يختن بعد، أي كاد أن يصير إلى خذ البالغين على هذه الحال، وهي أن كمرته عابرة في قلفته، وعبر به الأمر تعبيراً: اشتد عليه - كأنه جاز من حالة الرخاء إلى الشدة وعبرت به أهلكته، والمعبرة - بالتخفيف: ناقة لم تنتج ثلاث سنين، فيكون أصلب لها - لأنها صارت أهلاً لأن يعبر عليها في الأسفار، والعبير ضرب من الطيب - لعبور ريحه، والزعفران - لعبور لونه وريحه، والعبرى: السدر النهري - لنباته في عبر النهر، والمعبر من الجمال: الكثير الوبر، ومن الشاء: التي لم تجز - كأنه لجواز الصوف عن حد جلدهما، وسهم معبر وعبير: كثير الريش - كأنه عبر عن حد العادة، والعبر - بالضم: الثكلى، لأنها أهل لإرسال العبرة، والسحاب التي تسير شديداً، والعقاب - لقوتها على قطع المسافات، ونبات عبر: الكذب والباطل - لسرعة زواله؛ ورعبت فلاناً: أفزعته، فهو مرعوب - لأنك أجزته من الأمن إلى الخوف، وسيل راعب: أي يملأ الوادي، وراعب: أرض، منها الحمام الراعبية، والحمام أيضاً لها قوة العبور بالرسائل من مكان إلى مكان، ورعبت الحمامة في صوتها ترعيباً: رفعته، ورعبت السنام: قطعته، والرعبوبة: قطعة منه - لأنها جازت مكانها، وجارية رعبوبة ورعبوب: حسنة القوام تامة - كأنها جازت أقرانها حسناً، والرعب: القصار، واحدهم رعيب وأرعب، تشبيه بالقطعة من السنام؛ والبعر: رجيع الخف والظلف إلا البقر الأهلية، لأنها تخثى، والوحشية تبعر بعراً - لأنه يجوز من مكانه من غير أن يلوثه، فلا يبقى منه به شيء، والمعبر، مكانه، والبعير: الجمل البازل أو الجذع، وقد يكون الحمار وكل ما يحمل؛ وفي مختصر العين: وإذا رأت العرب ناقة أو جملاً من بعيد قالوا: هذا بعير، فإذا عرفوا قالوا للذكر: جمل، وللأنثى: ناقة، والبعرة - بالتحريك: الكمرة، تشبيهاً بها، والربع: المنزل والدار بعينها، والمحلة - لأنها يخرج منها ويدخل إليها، ولذلك سميت متبوأ، لأنها يتبوأ إليها، أي يرجع، وربع يربع: أقام، وأربع على نفسك: انتظر، كأنه من الربع، أي المنزل، لأنه يقام فيه: وربع - إذا أخصب - للانتقال من حال إلى حال أخرى، وهم على ربعاتهم، أي استقامتهم وأمرهم الأول - كأنه من المنزل، والروبع - كجوهر: الضعيف الدنيء - كأن ذلك يلزم من الإقامة في المنزل، وبهاء: قصير العرقوب، والرجل القصير - كأنه تشبيه بالربعة في مطلق القصر عن الطويل، وربع الحجر: رفعه، والحمل: رفعه على الدابة، والمربوع: المنعوش المنفس عنه - لتحول الحال في كل ذلك، والمربعة: خشبة يرفع بها العدل، والمرابعة: أن تأخذ يد صاحبك وترفعا الحمل على الدابة - كأنه مع النقل مأخوذ من الأربعة، وهي أيضاً المعادلة بالربيع، ومنه تربعت الناقة سناماً طويلاً، أي حملته، وربيع الشهور: شهران بعد صفر، وربيع الفصول اثنان الذي فيه النور والكمأة، والذي تدرك فيه الثمار - للانتقال في كل منهما، والربع - كصرد: الفصيل ينتج في الربيع، وناقة مربع: ذات ربع، وأربع القوم: صاروا أربعة، ودخلوا في الربيع، وأقاموا في المربع، وربعت الأرض: أصابها مطر الربيع، والمرابيع: الأمطار أول الربيع، وأربع الرجل - إذا ولد له في شبابه، تشبيهاً للشباب بالربيع، وناقة مرباع - إذا كانت عادتها أن تنتج في ربعية القيظ، والربعية: أول الشتاء، والربيع: الجدول - لجريه وإنبات ما حوله، وجمعه أربعاء، والحجر يشيلونه لتجربة القوى، والرابع تلو الثالث - لأنه جاز الجمع، ووتر وحبل مربوع: مفتول على أربع قوى، وربعتُ القوم أربعهم: صرت رابعهم، والأربعاء: يوم، والمرباع: ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس، والرباعية - كثمانية: السن بين الثنية والناب، وعدتها أربع، وكل ما بلغ الأربعة رباع كثمان، ويقول للغنم في الرابعة وللبقر والحافر في الخامسة وللخف في السابعة: أربعت، كأنه لا يجوز في كل نوع من حد الصغر إلى الكبر إلا بذلك، وأربع الفرس: ألقى رباعيته، وحمى ربع: تأتي في اليوم الرابع، وقد ربع الرجل وأربع، وهو معنى ما قال في القاموس: وربعته الحمى: أخذته الحمى يوماً بعد يومين، لأن يومها الثاني هو رابع يومها الأول، والربعة - بالفتح: جونة العطار - لتضوع ريحها، والرجل بين الطويل والقصير - ويحرك - كالمربوع، لجوازه حد كل منهما، هذا إلى الطول، وهذا إلى القصر، وارتبع: صار ربعة، والربعة - محركة: أشد عدو الإبل، والمسافة بين أثافي القدر - لعبور كل منهما عن محل صاحبتها، وأربع ماء الركية: كثر، فجاز عن محله الأول، وعلى فلان: سأله ثم ذهب ثم عادوه، وعلى المرأة: كر إلى جماعها، والقوم إبلهم مكان كذا: رعوها وأرسلوها على الماء ترد متى شاءت، ويجوز أن يكون هذا أيضاً من الربيع، وأربعت الناقة - إذا استغلقت رحمها فلم تقبل الماء، كأنها أزالت العبور، أي الانتقال من حال إلى أخرى، والربيعة: البيضة من السلاح - لنقلها صاحبها إلى الحصانة، والروضة - لجواز النبت فيها عن حد الأرض، والمربع: شراع السفينة - لأنه آلة السير، والمربع: الرجل الكثير النكاح - لعبوره عن حالة الأولى، ولجلوسه بين الشعب الأربع، وتربع في جلوسه ضد جثا، إما لأنه صار على شكل المربع، وإما أخذا من الربع إلى المنزل، لأنها جلسة المقيم في منزله، وتربعت النخيل: خرقت وصرمت - لتحول حالها، واستربع الرمل: تراكم، إما لجوازه عن حاله الأولى، وإما من الإقامة في الربع، واستربع الغبار، ارتفع، والبعير للمسير: قوى عليه وصبر، والرجل بالأمر: استقل وصبر، وفلان يقيم رباعة قومه، أي شأنهم وحالهم أي يجيزهم من حال إلى أخرى، ومضى من بني فلان ربوع بعد ربوع، أي أحياء بعد أحياء، إما لأن ذلك جواز من دار إلى دار وحال إلى حال، وإما على حذف مضاف، أي أهل ربوع منازل، واليربوع: دابة كالفأرة، إما لشدة جريها، وإما لجعلها نافقاءين تهرب من أيهما شاءت، فهي عبارة منتقلة بالقوة وإن كانت ساكنة، واليربوع: لحمة المتن - كأنه مشبه بالدابة؛ وبرع الرجل - مثلثة: فاق أصحابه في علم أو غيره، أو تم في كل فضيلة وجمال، وهذا أبرع منه: أضخم - لأنه جاز مقداره، والبارع: الأصيل الجيد الرأي، وتبرع بالعطاء: تفضل بما لا يجب عليه من عند نفسه كأنه جاز رتبة الواجب - والله أعلم. وفي الآية ما يوجبه حال العلماء من حاجة الملوك إليهم، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: {قالوا} هذه الرؤيا {أضغاث} أي أخلاط، جمع ضغث - بكسر الضاد وإسكان الغين المعجمة، وهو قبضه حشيش مختلطة الرطب باليابس {أحلام} مختلفة مشتبهة، جمع حلم - بضم الحاء وإسكان اللام وضمه، وهو الرؤيا - فقيدوها بالأضغاث، وهو ما يكون من الرؤيا باطلاً - لكونه من حديث النفس أو وسوسة الشيطان، لكونها تشبه أخلاط النبات التي لا تناسب بينها، لأن الرؤيا تارة تكون من الملك وهي الصحيحة، وتارة تكون من تحريف الشيطان وتخليطاته، وتارة من حديث النفس؛ ثم قالوا: {وما نحن} أي بأجمعنا {بتأويل} أي ترجيع {الأحلام} أي مطلق الأضغاث وغيرها، وأعرقوا في النفي بقولهم: {بعالمين *} فدلسوا من غير وجه، جمعوا - وهي حلم واحد - ليجعلوها أضغاثاً لا مدلول لها، ونفوا عن أنفسهم "العلم المطلق" المستلزم لنفي "العلم بالمقيد" بعد أن أتوا بالكلام على هذه الصورة، ليوهموا أنهم ما جهلوها إلا لكونها أضغاثاً - والله أعلم؛ والقول: كلام متضمن بالحكاية في البيان عنه، فإذا ذكر أنه قال، اقتضى الحكاية لما قال، وإذا ذكر أنه تكلم، لم يقتض حكاية لما تكلم به، ومادة "حلم" بجميع تقاليبها تدور على صرف شيء عن وجهه وعادته وما تقتضيه الجبلة - كما يأتي في الرعد في قوله: { أية : شديد المحال}تفسير : [ الرعد:13].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: قال يوسف عليه الصلاة والسلام للساقي {اذكرني عند ربك} أي الملك الأعظم، ومظلمتي وحبسي في غير شيء. قال: أفعل. فلما خرج الساقي، رد على ما كان عليه رضي عنه صاحبه، وانساه الشيطان ذكر الملك الذي أمره يوسف عليه السلام أن يذكره له، فلبث يوسف عليه السلام بعد ذلك في السجن بضع سنين، ثم إن الملك ريان بن الوليد، رأى رؤياه التي أري فيها فهالته وعرف أنها رؤيا واقعة، ولم يدر ما تأويلها فقال للملأ حوله من أهل مملكته {إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات} فلما سمع نبوا من الملك ما سمع منه ومسألته عن تأويلها، ذكر يوسف عليه السلام وما كان عبر له ولصاحبه، وما جاء من ذلك على ما قال من قوله، فقال {أنا أنبئكم بتأويله}. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {أضغاث أحلام} قال: من الأحلام الكاذبة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه مثله. وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {أضغاث أحلام} قال: أخلاط أحلام. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وادّكر بعد أمة} قال: بعد حين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد والحسن وعكرمة وعبد الله بن كثير والسدي (رضي الله تعالى عنهم) مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وادّكر بعد أمة} يقول: بعد سنين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - في قوله {وادّكر بعد أمة} يقول: بعد سنين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن - رضي الله عنه - أنه قرأ {وادّكر بعد أمة} قال: بعد أمة من الناس. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قرأ {وادكر بعد أمة} بالفتح والتخفيف، يقول بعد نسيان. وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك - رضي الله عنهم - أنهم قرأوا {بعد أمة} أي بعد نسيان. وأخرج ابن جرير عن حميد - رضي الله عنه - قال: قرأ مجاهد رضي الله عنه {وادّكر بعد أمة} مجزومة مخففة. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون - رضي الله عنه - قال في قراءة أبي بن كعب {أنا آتيكم بتأويله}. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ {أنا آتيكم بتأويله} فقيل له: أنا انبئكم. قال: أهو كان ينبئهم؟ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {أفتنا في سبع بقرات ...} الآية. قال: أما السمان، فسنون فيها خصب. وأما السبع العجاف، فسنون مجدبة. وسبع سنبلات خضر، هي السنون المخاصيب، تخرج الأرض نباتها وزرعها وثمارها. وأخر يابسات، المحول الجدوب لا تنبت شيئاً.
ابو السعود
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ} أي الريّانُ {إِنّى أَرَىٰ} أي رأيت وإيثارُ صيغة المضارعِ لحكاية الحالِ الماضية {سَبْعَ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ} جمعُ سمينٍ وسمينة ككرام في جمع كريم وكريمة، يقال: رجالٌ كرام ونسوةٌ كِرامٌ {يَأْكُلُهُنَّ} أي أكلهن والعدولُ إلى المضارع لاستحضار الصورةِ تعجيباً والجملةُ حالٌ من البقرات أو صفةٌ لها {سَبْعٌ عِجَافٌ} أي سبعُ بقراتٍ عجافٍ وهي جمعُ عجفاءَ والقياس عُجْفٌ لأن فعلاء وأفعل لا يجمع على فِعال ولكن عُدل به عن القياس حملاً لأحد النقيضين على الآخر وإنما لم يقل سبعُ عجافٍ بالإضافة لأن التميـيزَ موضوعٌ لبـيان الجنس والصفةُ ليست بصالحة لذلك فلا يقال ثلاثةُ ضخامٍ وأربعةُ غلاظٍ، وأما قولُك: ثلاثةُ فرسانٍ وخمسةُ ركبانٍ فلجرَيان الفارسِ والراكب مَجرى الأسماءِ. روي أنه رأى سبعَ بقراتٍ سمان خرجن من نهر يابسٍ وخرج عَقيبَهن سبعُ بقراتٍ عجافٍ في غاية الهُزال فابتلعت العجافُ السمانَ {وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ خُضْرٍ} قد انعقد حبُّها {وَأُخَرَ يَـٰبِسَـٰتٍ} أي وسبعاً أخَرَ يابساتٍ قد أدركت والْتَوَتْ على الخضر حتى غلبتها على ما روي، ولعل عدمَ التعرضِ لذكره للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ} خطابٌ للأشراف من العلماء والحكماء {أَفْتُونِى فِى رُؤْيَـٰىَ} هذه أي عبِّروها وبـيِّنوا حكمَها وما تؤول إليه من العاقبة والتعبـير عن التعبـير بالإفتاء لتشريفهم وتفخيمِ أمر رؤياه {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} أي تعلمون عبارةَ جنسِ الرؤيا علماً مستمراً وهي الانتقالُ من الصور الخيالية المشاهدةِ في المنام إلى ما هي صورٌ وأمثلةٌ لها من الأمور الآفاقيةِ أو الأنفسيةِ الواقعةِ في الخارج من العبور وهو المجاوزةُ، تقول: عبَرْتُ النهرَ إذا قطعتُه وجاوزتُه ونحوه أوّلتها أي ذكرتُ مآلَها وعَبْرتُ الرؤيا عبارةً أثبتُ من عبّرتها تعبـيراً، والجمعُ بـين الماضي والمستقبلِ للدلالة على الاستمرار كما أشير إليه، واللامُ للبـيان أو لتقوية العاملِ المؤخَّرِ لرعاية الفواصِلِ أو لتضمين تعبُرون معنى فعلٍ متعدَ باللام كأنه قيل: إن كنتم تنتدِبون لعبارتها ويجوز أن يكون للرؤيا خبر كان كما يقال: فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلاً به متمكناً منه وتعبرون خبرٌ آخر.
القشيري
تفسير : كان ابتداءُ بلاءِ يوسف - عليه السلام - بسبب رؤيا رآها فَنَشَرَها وأظهرها، وكان سببُ نجاتِه أيضاً رؤيا رآها الملِكُ فأظهرها، ليُعْلَم أَنَّ اللَّهَ يفعل ما يريد؛ فكما جعل بَلاءَه في إظهار رؤيا جعل نجاته في إظهار رؤيا؛ لِيَعْلَمَ الكافةُ أن الأمر بيد الله يفعل ما يشاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال الملك} اى ملك مصر وهو الريان بن الوليد {انى ارى} فى المنام {سبع بقرات} جمع بقرة بالفارسية [كاو] {سمان} جمع سمينة نعت لبقرات {يأكلهن سبع عجاف} [هفت كاو لاغر] اى سبع بقرات عجاف جمع عجفاء والقياس عجف لان افعل وفعلاء لا يجمع على فعال لكنه حمل على نقيضه وهو سمان والعجف الهزال والاعجف المهزول -روى- انه لما قرب خروج يوسف من السجن جعل الله لذلك سببا لا يخطر بالبال شعر : بسا قفلا كه نابيدا كليدست برو راه كشايش نا بديد ست زنا كه دست صنعى در ميان نى بفتحش هيج صانع را كمان نى بديد آيد زغيب آنرا كشادى وديعت در كشادش وهو مرادى جو يوسف دل زحيلتهاى خود كند بريد از رشته تدبير بيوند بجز ايزد نماند اورا بناهى كه باشد در نوائب تكيه كاهى ز بندار خودى وبخردى رست كرفتش فيضى فضلى ايزدى دست تفسير : وذلك ان الملك اكبر كان يتخذ فى كل سنة عيدا على شاطئ النيل ويحشر الناس اليه فيطعمهم اطيب الطعام ويسقيهم الذ الشراب وهو جالس على سريره ينظر اليهم فرأى ليلة الجمعة فى منامه سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس او من البحر كما فى الكواشى وخرج عقيبهن سبع بقرات مهازيل فى غاية الهزال فابتلعت العجاف السمان فدخلن فى بطونهن فلم ير منهن شيء {وسبع} اى وارى سبع {سنبلات} جمه سنبلة {خضر} جمع خضراء نعت لسنبلات والمعنى بالفارسية [هفت خوشه سبزوتازه كه دانهاى ايشان منعقد شده بود] {واخر} اى سبعا اخر {يابسات} قد ادركت الحصاد والتوت على الخضر حتى غلبن عليها وانما استغنى عن بيان حالها بما قص من حال البقرات فلما استيقظ من منامه اضطرب بسبب انه شاهد ان الناقص الضعيف استولى على الكامل القوى فشهدت فطرته بان هذه الرؤيا صورة شر عظيم يقع فى المملكة الا انه ما عرف كيفية الحال فيه فاشتاق ورغب فى تحصيل المعرفة بتعبير رؤياه فجمع اعيان مملكته من العلماء والحكماء فقال لهم {يا ايها الملأ} فهو خطاب للاشراف من العلماء والحكماء او للسحرة والكهنة والمنجمين وغيرهم كما قال الكاشفى [اى كروه كاهنان ومعبران واشراف قوم] {افتونى فى رؤياى} هذه اى عبروها وبينوا حكمها وما يؤول اليه من العاقبة. وبالفارسية [فتودى دهيد يعنى جواب كوييد مرا] {ان كنتم للرؤيا تعبرون} اى تعلمون عبارة جنس الرؤيا علما مستمرا وهى الانتقال من الصور الخيالية المشاهدة فى المنام الى ما هى صور امثلة لها من الامور الآفاقية والانفسية الواقعة فى الخارج فالتعبير والعبارة الجواز من صورة ما رأى الى امر آخر من العبور وهى المجاوزة وعبرت الرؤيا اثبت من عبرتها تعبيرا واللام للبيان كأنه لما قيل كنتم تعبرون قيل لأى شيء فقيل للرؤيا وهذه اللام لم تذكر فى بحث اللامات فى كتب النحو. واعلم ان الرؤيا تطلب التعبير لان المعانى تظهر فى الصورة الحسية منزلة على المرتبة الخيالية. واما ابراهيم عليه السلام فقد جرى على ظاهر ما ارى فى ذبح ابنه لان شأن مثله ان يعمل بالعزيمة دون الرخصة ولو لم يفعل ذلك لما ظهر للناس تسليمه وتسليم ابنه لامر الحق تعالى -وحكى- ان الامام تقى ابن مخلد صاحب المسند فى الحديث رأى النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام وقد سقاه لبنا فلما استيقظ استقاء وقاء لبنا اى ليعلم حقيقة هذه الرؤيا وتحقيق قوله عليه السلام "حديث : من رآنى فى المنام فقد رآنى فى اليقظة فان الشيطان لا يتمثل على صورتى" تفسير : ولو عبر رؤياه لكان ذلك اللبن علما فحرمه الله علما كثيرا على قدر ما شرب من اللبن ثم قال ووجه كون اللبن علما انه اول ما يظهر بصورة الحياة ويتغذى به الحيوان فيصير حيا كما ان العلم اول ما يتعين به الذات فيظهر عالما ثم ان رآه عليه السلام احد فى المنام بصورته التى مات عليها من غير نقصان من اجزائه ولا تغير فى هيئته فانه يأخذ عنه جميع ما يأمره به او ينهاه او يخبره من غير تعبير وتأويل كما كان يأخذ عنه من الاحكام الشرعية لو ادركه فى الحياة الدنيا الا ان يكون اللفظ مجملا فانه يؤوله فان اعطاه شيئا فى المنام فان ذلك الشيء هو الذى يدخله التعبير فان خرج فى الحس كما كان فى الخيال فتلك الرؤيا لا تعبير لها - وحكى - ان رجلا من الصلحاء رأى فى المنام انه لطم النبى عليه السلام فانتبه فزعا وهاله ما رأى مع جلالة النبى عليه السلام عنده فاتى بعض الشيوخ فعرض عليه رؤياه فقال له الشيخ اعلم انه عليه السلام اعظم من ان يكون عليه يدلك او لغيرك والذى رأيته لم يكن النبى عليه السلام انما هو شرعه قد اخللت بحكم من احكامه وكون اللطم فى الوجه يدل على انك ارتكبت امرا محرما من الكبائر فافتكر الرجل فى نفسه فلم يذكر انه اقدم على محرم من الكبائر وكان من اهل الدين ولم يتهم الشيخ فى تعبيره لعلمه باصابته فيما كان يعبره فرجع الى بيته حزينا فسألته زوجته عن سبب حزنه فاخبرها برؤياه وتعبير الشيخ فتعجبت الزوجة واظهرت التوبة وقالت اما اصدقك كنت حلفت انى ان دخلت دار فلان احد معارفك فانى طالق فعبرت على بابها فحلفوا علىّ فاستحييت من الحاحهم فدخلت اليهم وخشيت ان اذكر لك ما جرى فكتمت الحال فتاب الرجل واستغفر وتضرع الى الحق واعتدت المرأة ثم جدد العقد عليها. ومن رأى الحق تعالى فى صورة يردها الدليل لزم ان يعبر تلك الصورة التى توجب النقصان ويردها الى الصورة الكمالية التى جاء بها الشرع فما لم يكن عليه لا ينسب اليه تعالى كما فى الاسماء فما لم يطلق الشرع عليه ما لنا ان ننسبه اليه وتلك الصورة التى ردها الدليل وجعلها مفتقرة الى التعبير ما فى حق حال الرائى يحسب مناسبته لتلك الصورة المردودة والمكان الذى يراه فيه او فى حقهما معا - حكى - ان بعض الصالحين فى بلاد الغرب راى الحق تعالى فى المنام فى دهليز بيته فلم يلتفت اليه فلطمه فى وجهه فلما استيقظ قلق قلقا شديدا فاخبر الشيخ الاكبر قدس سره بما راى وفعل فلما رأى الشيخ ما به من القلق العظيم قال له اين رأيته قال فى بيت لى قد اشتريته قال الشيخ ذلم الموضع مغصوب وهو حق للحق المشروع اشتريته ولم تراع حاله ولم تف بحق الشرع فيه فاستدركه فتفحص الرجل عن ذلك فاذا هو وقف المسجد وقد بيع بغصب ولم يعلم الرجل ولم يلتفت الى امره فلما تحقق رده الى وقف المسجد واستغفر الله ولعل الشيخ علم من صلاح الرائى وشدة قلقه انه ليس من قبيل الرائى فسأله عن المكان الذى رأى فيه فمثل هذا اذا رؤى يجب تأويله. واما اذا كان التجلى فى الصورة النورية كصورة الشمس او غيرها من صور الانوار كالنور الابيض والاخضر وغير ذلك ابقينا تلك الصورة المرئية على ما رأينا كما نرى الحق فى الآخرة فان تلك الرؤية تكون على قدر استعدادنا فافهم المراتب والمواطن حتى لا تزل قدمك على رعاية الظاهر والباطن. وقد جاء فى الحديث "حديث : ان الحق يتجلى بصورة النقصان فينكرونه ثم يتحول ويتجلى بصورة الكمال والعظمة فيقبلونه ويسجدون له" تفسير : فمن صورة مقبولة ومن صورة مردودة فما يحتاج الى التعبير ينبغى ان لا يترك على حاله فان موطن الرؤيا وهو عالم المثال يقتضى التعبير ولذا قال ملك مصر {افتونى فى رؤياى ان كنتم للرؤيا تعبرون}
ابن عجيبة
تفسير : قلت: يقال: عَبرت الرؤيا ـ بالتخفيف ـ عبارة، وهو أفصح من عبَّرت ـ بالتشديد ـ تعبيراً. واللام للبيان، أو لتقوية العامل؛ لضعف الفعل بتأخيره عن مفعوله. والأصل: تعبرون الرؤيا. وأصل (ادكر) اذتكر، فقلبت التاء دالاً مهملة، وأدغمت المعجمة فيها فبقيت دالاً. وإليه أشار ابن مالك بقوله: شعر : في ادَّانَ وازْدَادْ وادَّكِرْ دالاً بَقِي تفسير : و(دأباً) حال، أي: دائبين، أو مصدر بإضمار فعله، أي: تدأبون دأباً. وفيه لغتان: السكون، والفتح. يقول الحق جل جلاله: {وقال الملِكُ}؛ وهو ملك مصر الذي كان العزيز وزيراً له، واسمه: "ريان بن الوليد". وقيل: "مصعب بن الريان"، وكان من الفراعنة ـ رُوي أن يوسف عليه السلام لما لبث في السجن سْبع سنين سجد، وقال: إلهي، خلصني من السجن، فكلما دعا يوسف أمنت الملائكة، فاتفق في الليلة التي دعا فيها يوسف أن رأى الملكُ تلك الرؤيا التي ذكرها بقوله: {إني أرى} في المنام {سبعَ بقراتٍ سمَانٍ} خرجن من نهر يابس، وسبع بقرات عجاف ـ مهازيل ـ خرجن بأثرهن فابتلعت المهازيلُ السمان، {وسبعَ سنبلات خُضْرٍ} قد انعقد حَبُّها، {و} سبعاً، {أخر يابسات} قد أدركت، فالْتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها. فلما رأى ذلك انتبه مرعوباً، وجمع ندماءه، ودعا المفسرين، فقال: {يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي}؛ اعبروها، {إن كنتم للرؤيا تعْبُرون} أي: إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا. {قالوا}: هذه {أضغاثُ أحلام}؛ تخاليطها، جمع ضَغث، وأصله: ما جمع من أخلاط النبات وحُزم، فاستعير للرؤيا الكاذبة. وإنما جمعوا {أحلام}؛ للمبالغة في وصف الحلم بالكذب. ثم قالوا: {ومن نحن بتأويل الأحلام بعالمين}، والمعنى: ليس لها تأويل عندنا؛ لأنها أكاذيب الشيطان، وإنما التأويل للمنامات الصادقة. {وقال الذي نجا منهما} من صاحبي السجن، وهو الساقي، وكان حاضراً، {وادَّكرَ بعد أُمة} أي: وتذكر بعد جماعة من السنين، وهي سبع سنين، {أنا أُنبئكم بتأويله فأرسلون} إلى من عنده علمها، أو إلى السجن. رُوي أنه لما سمع مقالة الملك بكى، فقال الملك: ما لك تبكي؟ قال: أيها الملك؛ إن رؤياك هذه لا يعبرها إلا الغلام العبراني الذي في السجن، فتغير وجه الملك، وقال: إني نسيته، وما ذكرته منذ سبع سنين، ما خطر لي ببال. فقال الساقي: وأنا مثلك، فقال لهم الملك: وما يدريك أنه يعبر الرؤيا؟ فحدثه بأمره، وأمر الساقي فقال له: امض إليه وسله، فقال: إني والله أستحي منه؛ لأنه أوصاني ونسيت، فقال له: لا تستح منه؛ لأنه يرى الخير والشر من مولاه فلا يلومك. فأتاه. فقال: {يوسفُ} أي: يا يوسف، {أيها الصّدّيق}: المبالغ في الصدق. وإنما وصفه بالصِّدِّيقية لما جرب من أحواله، وما رأى من مناقبه، مع ما سمع من تعبير رؤياه ورؤيا صاحبه، {افْتِنَا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات} أي: أفتني في رؤيا ذلك واعبرها لي، {لعلي أرجعُ إلى الناس} أي: أعودُ إلى الملك ومن عنده، أو إلى أهل البلد؛ إذ قيل: إن السجن كان خارجاً البلد. {لعلهم يعلمون} تأويلها. أو يعلمون فضلك ومكانتك. وإنما لم يجزم بعلمهم؛ لأنه ربما اختُرِم دونه، أو لعلهم لا يفهمون ما يقول لهم. {قال} في تعبيرها: {تزرعون سبعَ سنينَ دأباً} أي: على عادتكم المستمرة من الخصب والرخاء. {فما حصدتُّم فَذَرُوهُ}: اتركوه {في سُنْبُله}؛ لئلا تأكله السوس، وهي نصيحة خارجة عن عبارة الرؤيا، {إلا قليلاً مما تأكلون} في تلك السنين، أي: لا تدرسوا منه إلا ما تحتاجون إلى أكله خاصة، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين. فعلمهم حيلة يبقى بها السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهو أن يتركوه في سنبله غير مُدرَس؛ فإن الحبة إذا بقيت في غشائها حُفظت بإذن الله. {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شِدَادٌ} أي: ذات شدة وجوع {يأكُلْنَ ما قدمتم لهن} أي: يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن. أسند الأكل إلى السنين مجازاً؛ تَطْبِيقاً بين المعبر والمعبر به، {إلا قليلاً مما تحصنون} أي: مما تخزنون وتخبئُون للزراعة والبذر. {ثم يأتي من بعد ذلك عام يُغاث الناس} أي: يغيثهم الله بالفرج من القحط، أو يغاث بالمطر، لكن مصر إنما تسقى من النيل. {وفيه} أيضاً {يَعْصِرُون} العنب والزيتون؛ لكثرة الثمار. أو يعصرون الضروع لحلب اللبن؛ لأجل الخصب. وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أوَّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة. والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة. ولعله علم ما في السنة الثامنة من الخصب والرخاء بالوحي، أو بأن انتهاء الجدب لا يكون إلا بالخصب، وبأن سنة الله الجاربة أن يوسع على عباده بعد ما ضَيّق علهيم، لقوله: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}تفسير : [الشرح:5]. والله تعالى أعلم. الإشارة: الروح في أصل نشأتها علامة داركَةٌ، تكاشف بالأمور قبل وقوعها، إذا غابت عن إحساسها الذي حجبها عن ذلك العلم، ولو كانت من كافر إذا غاب عن حسها بنوم، أو اصطلام، عقل. فمن طهرها من دنس الشرك بالتوحيد، وغيبها عن شواغل الحس بالتفرغ والتجريد، رجعت إلى أصلها، وفاضت عليها العلوم التي كانت لها قبل التركيب في القالب الحسي، علماً وكشفاً. ولا شيء أنفع لها في الرجوع من السهر والجوع. وفي أسرار كثيرة حسية، ومعنوية، وبسببه جمع الله شمل يوسف بأبيه وإخوته. وبه أيضاً ملَّك اللَّهُ يوسف ونصره ومكنه في الأرض حتى ملك مصر وأهلها. ولذلك قال نبينا ـ عليه الصلاة والسلام -: "حديث : اللهم إعِنِّي عَلَيهم ـ أي على قريش ـ بِسبعٍ كَسَبع يُوسفَ "تفسير : . وذكر الغزالي في الإحياء، في أسرار الجوع، أربعين خصلة. وفي بعض الأثر: (أن الله تعالى عذب النفس بأنواع من العذاب، ومع كل عذاب يقول لها: من أنا؟ فتقول هي: ومن أنا؟ حتى عذبها بالجوع، فقالت: أنت ربي سبحانك الواحد القهار). والممدوح منه؛ هو المتوسط دون إفراط ولا تفريط، كما قال البوصيري. شعر : وَاخْشَ الدَّسَائِسَ مِنْ جُوع ومِنْ شِبعٍ فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ تفسير : وبالله التوفيق. ثم ذكر خروجه من السجن وتمكينه من الملك، فقال: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ}.
الطوسي
تفسير : حكى الله تعالى في هذه الآية: إِن الملك الذي كان يوسف في حبسه، وكان ملك مصر فيما روي، قال إِنه رأى في المنام {سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف} يعنى مهازيل {وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات} ثم أقبل على قومه، فقال {يا أيها الملأ} اي يا ايها الاشراف والعظماء الذين يرجع اليهم {أفتوني في رؤياي إن كنتم} تعبرون الرؤيا، وتدعون العلم بتأويلها، والملك القادر الواسع المقدور الذي اليه السياسة والتدبير. والرؤيا تخيل النفس للمعنى في المنام حتى كأنه يرى، ويجوز فيها الهمزة وتركها. والبقرات جمع بقرة والسمن زيادة في البدن من الشحم واللحم وهو على الشحم أغلب، والعجف يبس الهزال يقال: عجف يعجف عجفاً، فهو أعجف. والانثى عجفاء، والجمع عجاف، وسنبلات جمع سنبل، والعبارة: نقل معنى التأويل الى نفس السائل بالتفسير، وهي من عبور النهر وغيره، ومنه المعبر والعبّارة، وإنما دخلت اللام في قوله {للرؤيا} مع أن الفعل يتعدى بنفسه، لانه إذا تقدم المفعول ضعف عمله، فجاز إدخال حرف الاضافة لهذه العلة، ولا يجوز يعبرون للرؤيا، لأنه في قوة عمله.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ} التّعبير بالمضارع لاحضار صورة الرّؤيا او لانّه كان يرى هذه الرّؤيا مكرّرة او لانّه رأى اجزاء الرّؤيا متدرّجة فادّاه بالمضارع تصويراً للحال الماضية حاضرة مشعراً بتكرّرها او تدرّج رؤيتها {سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} اكتفى بذكر اكل العجاف عن ذكر التواء اليابسات {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} وكأنّه كان فى رؤياه اشياء اخر دقائق لا يمكن للمعبّر استنباط تعبيرها والاّ فتعبير تلك غير خافٍ على المعبّر ولخفاء دقائقها.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان} خرجن من نهر يابس وسبع بقرات {عجاف} فابتلعت العجاف السمان ورأى {سبع سنبلات خضر} قد انعقد حبها وسبعاً {أخر يابسات} قد استحصدت فأدركت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاستعبرها فلم يجد من قومه من يحسن عبارتها، وقوله تعالى: {يأيها الملأ} يعني الأشراف، وروي أنه جمع السحرة والكهنة فقصّها عليهم فقالوا: ما حكى الله سبحانه عنهم {أضغاث أحلام} يعني أخلاط معناه أحلام مختلطة {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} أي لا نعلم عبارتها فكأن جهلهم بذلك سبَّب نجاة يوسف لأن الساقي يذكر حديث يوسف (عليه السلام) {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمةٍ} أي ذكر حديث يوسف وحبسه، بعد أمة أي بعد حين {أنا أنبئكم بتأويله} أي بتفسيره وتعبيره وما يؤول اليه {فأرسلون} والمعنى فأرسلوه إلى يوسف (عليه السلام) فأتاه فقال: {يوسف أيها الصديق} البليغ في الصدق {أفتِنا في سبع بقرات سمان} فإن الملك رأى هذه الرؤيا {لعلّي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون} فضلك، أو يعلمون تأويل رؤيا الملك، فأجابه يوسف (عليه السلام) معبراً فقال: {تزرعون سبع سنين دأباً} أي كعادتكم في الزراعة في سائر السنين، وقيل: زراعة متوالية في هذه السنين {فما حصدتم} قطعتم من الزرع {فذروه في سنبله} أي أتركوه في سنابله، وإنما أمر بذلك لأنه إبقاء له وأبعد من الفساد، قوله تعالى: {إلاَّ قليلاً مما تأكلون} أي تحتاجون إلى أكله فأخرجوه من السنبل، وليس هذا من الرؤيا في شيء وإنما ذكره نصيحة لهم {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن} يعني سنين جديبة يأكلن ما قدموا لها وإنما أضاف الأكل إلى السنة لوقوع الأكل فيها كقول الشاعر: شعر : نهارك يا مغرور سهوٌ وغفلةٌ وليلك نوم والردا لك لازم تفسير : {إلاَّ قليلاً مما تحصنون} أي تحرزون وتخبؤون فلا تأكلون، ثم أخبرهم يوسف (عليه السلام) بخبر لم يسألون عنه ولم يكن في رؤيا الملك وكله عن علم الغيب، فقال: {ثم يأتي من بعد ذلك عام} أي سنة {فيه يغاث الناس} وفيه يمطرون من الغيث وهو المطر، وقيل: ينقذون من العذاب {وفيه يعصرون} من الثمار التي تعصر في الخصب كالعنب والزبيب والسمسم والزيتون، فجعل تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر سنين مخصبات، والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات سنين مجدبات، ثم بشرهم بعد فراغه من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركاً خصيباً كثير الخير غزير النعم وذلك كله من جهة الوحي، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره حين سُئِل عن الرؤيا ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال: {ارجع إلى ربك} ولو كنت مكانه لأسرعت الإِجابة ".
الهواري
تفسير : قوله: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} أي: سبع بقرات عجاف {وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ} أي: ورأيت سبع سنبلات {خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} أي: وسبعا يابسات { يَاأَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيَٰىَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ}. { قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي: أخلاط أحلام. وقال الحسن: ألوان أحلام. وقال بعضهم: فعل أحلام، وقال الأضغاث الأَحْلاَمِ الكاذبة. { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ}. { وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا} أي: من المسجونين، وهو الساقي { وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} يقول: ادَّكر بعد حين، في تفسير مجاهد. وقال الكلبي: بعد سبع سنين. وقال بعضهم، {بَعْدَ أُمَّةٍ} أي: بعد سنين. وذكر عكرمة أن ابن عباس كان يقرأها: {بَعْدَ أُمَّهٍ} أي: بعد نسيان. {أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ}. وفيها إضمار، وإضمارها. [فأرسله الملك، فأتى يوسف في السجن فقال: { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} يعني الصادق. وقال بعضهم: أيها الرجل الصالح { أفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمَانٍ} أي: أخبرنا عن سبع بقرات سمان { يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّيِ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}. فأجابه يوسف فقال: أما السبع البقرات السمان والسبع السنبلات الخضر فهي سبع سنين تخصِب. وأما السبع البقرات العجاف والسنبلات اليابسات فهي سبع سنين مجدبة يابسات. قال: يا يوسف، ثم ماذا بعد ذلك؟ قال: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}. هذا في تفسير الكلبي. وقوله: {فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ}، أي: أهل مصر يغاثون بالمطر. {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} أي: العنب والزيتون في تفسير بعضهم. قال: وهذا علم أتاه الله علمه لم يسأل عنه.
اطفيش
تفسير : {وقالَ الملكُ} ريان بن الوليد {إنَّى} وسكن الياء غير نافع، وأبىعمرو {أرَى} فى المنام {سَبْعَ بقَراتٍ سمانٍ} غار ماء النيل عنه، وإنى على شاطئه فخرجن، وروى أنهن رآهن خرجن من نهر يابس، ويجمع بين الروايتين بأن النهر النيل، وقد ملئت ضروعهن لبنا وكأنهن حشين لحما وشحما ولبنا وسمنا، وإنما أضاف سبع إلى جمع السلامة لإهمال تكسير البقرة، وأما البقر فاسم جمع على الصحيح، ولا يقال فى الفصيح ثلاث بقر، وإنما أضاف سبع إلى سنبلات مع أن للسنبلة تكسيرا وهو سنابل لمجاورة ما أهمل تكسيره وهو بقرة، ذكر ذلك ابن هشام وغيره، ورويته عن شيخى فى توضيح ابن هشام، وسمان جمع سمينة ككريمة وكرام، وإنما جر سمان فكان نعتا لبقرات، ولم ينصب فيكون نعتا لسبع، لأن المراد تمييز السبع ببقرات، وأن تلك البقرات سمان لا تمييزها من أول الأمر بسمان البقر فافهم. {يأكلهنَّ سبْعٌ} سبع بقرات {عِجافٌ} مهازيل جدا، وخراطيمهن كخراطيم السباع، خرجن أيضا من حيث خرجت السمان، فأكلن لحوم السمان وشحومهن وجلودهن، وعصبهن ومخهن وعظامهن، وشربن دماءهن، ولم يظهر فى المهازل شئ. روى أنهن ابتلعن السمان ابتلاعا، وقد خرجن بعد السمان، وعجاف نعت سبع جمع عجفاء، والقياس عجف بضم العين وإسكان الجيم كبكاء وبكم، ولكن جمع على عجاف حملا على سمان، لأن من عادة العرب حمل الشئ على نقيضه، وحمل أحد المتجاورين على الآخر كقوله: أخذه ما قدم وما حدث بضم دال حدث حملا على ما جاوره وهو قدم كما قال ابن هشام، ومثل ذلك كثير، وإنما لم يضف سبع إلى عجاف لأن عجاف صفة إذا كان جمع صفة، والعدد لا يضاف للصفة لأن البيان لا يقع بها دون موصوفها إلا إن تغلبت عليها الاسمية كفرسان وأصحاب، فتقول: ثلاثة فرسان، وخمسة أصحاب، فلكون الأصل ما ذكرت لم يضف لعجاف، ولو كان القرينة، على أن المراد بالعجاف البقرات العجاف موجودة. {وسَبْعَ سُنْبلاتٍ خُضْرٍ} جمع خضراء، والعطف على سبع بقرات، فكأنه قال: ورأيت أى بعد ذلك سبع سنبلات ناعمات مملوءات حبا منعقدا لما يتيبسن {وأخرَ} جمع أخرى كالكبرى والكُبرَ أى وسبعا أخر {يابسَاتٍ} قد أدركن، ولا خضرة فيهن، وقيل: لا الخصرة فيهن ولا ماء ولا حبة، فالتنوين على الخضر، وغلبن عليهن ومصصن ما فيهن من ماء وخضرة حتى يبسن، ولم يظهر أثر فى اليابسات، ولم يذكر الالتواء والمص استغناء بذكر أكل البقرات العجاف البقرات السمان. وروى أن كل سنبلة خضراء نبتت تحتها سنبلة يابسة، فالتوت ومصتها، وكل من اليابسات والخضر فى ثرى، وما نظر ذلك فى منامه، وتعجب فيه كيف كانت هؤلاء يابسات، وهؤلاء خضرا، والموضع واحد، وتعجب كيف غلبت العجاف السمان واليابسات الخضر، وكيف لم يتبين أثر فى العجاف واليابسات واستيقظ فزعا لما رآى من تغلب الضعيف على القوى وخاف على نفسه. {يا أيُّها المَلأُ} الأشراف {أفتُونى فى رُؤياىَ} أخبرونى بتأويلها {إنْ كنُتم للرُّؤيا تَعْبرُون} إى إن كنتم تعبرون الرؤيا، ولما قدم المفعول ضعف عنه الفعل فقوى باللام، فهى لام التقوية كما قال ابن هشام، ويجوز أن تكون أصليه متعلقة بمحذوف خبر لكان، فهى للبيان كقولك: كان فلان لهذا الأمر، أى إذا كان مستقلا به متمكنا منه، وحاتم لمن احتاج، ومن ذلك قول ابن النظر أبا عمر: من للمكارم والعلا البيت. وعلى هذا يكون تعبرون تفسير المعنى كونهم للرؤيا أو خبر أخر، أو حالا، ويجوز أن تكون أصلية متعلقة بالفعل بعده لتضمنه معنى ليتعدى باللام، أى إن كنتم تنتدبون للرؤيا، وتعبير الرؤيا تفسيرها، وسمى تفسيرها تعبيرا، لأن مفسرها جائز من ظاهر لباطنها استخراجا لمعناها، ولأنه يذكر آخر أمرها وعاقبتها، كقولك: عبرت النهر إذا قطعته وبلغت شاطئه عرضا، والتأويل يقال فى تفسير الرؤيا وغيرها، وهو أهم، وعبارة الرؤيا الانتقال من الصور الخيالية إلى المعانى النفسانية، والفصيح عبرت بالتخفيف، ويجوز التشديد كقوله: شعر : رأيتُ رؤيا ثُمَّ عبرتها وكُنتُ للأحْلام عبَّارا تفسير : فجمع بين اللغتين، لأن عبارا لا يكون إلا من الثلاثى، والشاهد فى عبرتها.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ الْمَلكُ} وهو الريان وكان كافراً، ففي إطلاق ذلك عليه دلالة على ما قيل: على جواز تسمية الكافر ملكاً، ومنعه بعضهم، وكذا منع أن يقال له أمير احتجاجاً بأنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل "عظيم الروم" ولم يكتب ملك الروم أو أميرهم لما فيه من إيهام كونه على الحق، وجعل هذا حكاية اسم مضى حكمه وتصرم وقته، ومثله لا يضر أي قال لمن عنده: {إِنِّيۤ أَرَىٰ} أي رأيت، وإيثار صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية {سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} ممتلئات لحماً وشحماً من سمن كسمع سمانة بالفتح وسمناً كعنباً فهو سامن وسمين، وذكر أن سميناً وسمينة تجمع على سمان، فهو ككرام جمع كريم وكريمة، يقال: رجال كرام ونسوة كرام {يَأْكُلُهُنَّ} أي أكلهن، والعدول إلى المضارع لاستحضار الصورة تعجيباً. والجملة حال من البقرات أو صفة لها {سَبْعٌ عجَافٌ} أي سبع بقرات مهزولة جداً من قولهم: نصل أعجف أي دقيق وهو جمع عجفاء على خلاف القياس، والقياس عجف كحمراء وحمر، فإن فعلاء وأفعل لا يجمع على فعال لكنهم بنوه على سمان وهم قد يبنون الشيء على ضده كقولهم: عدوة بالهاء لمكان صديقة، وفعول بمعنى فاعل لا تدخله الهاء، وأجري (سمان) على المميز فجر على أنه وصف له، ولم ينصب على أن يكون صفة للعدد المميز لأن وصف تمييزه وصف له معنى، وقد ذكروا أنه إذا وصف التمييز كان التمييز بالنوع وإذا وصف المميز كان التمييز بالجنس، ولا شك أن الأول أولى وأبلغ لاشتمال النوع على الجنس فهو أزيد في رفع الإبهام المقصود من التمييز، فلهذا رجح ما في النظم الكريم على غيره. ولم يقل: / {سَبْعٌ عِجَافٌ} بالإضافة، وجعله صفة للتمييز المقدر على قياس ما قبله لأن التمييز لبيان الجنس والحقيقة والوصف لا يدل عليه بل على شيء ما له حال وصفة، فلذا ذكروا أن التمييز يكون باسم الجنس الجامد ولا يكون بالوصف المشتق في فصيح الكلام، فتقول: عندي ثلاثة قرشيون ولا تقول قرشيين بالإضافة، وأما قولك: ثلاثة فرسان وخمسة ركبان فلجريان الفارس والراكب مجرى الأسماء لاستعمالها في الأغلب من غير موصوف. واعترض صاحب "الفرائد" بأن الأصل في العدد التمييز بالإضافة فإذا وصف السبع بالعجاف فلا بد من تقدير المضاف إليه، وكل واحد من الوصف وتقدير المضاف إليه خلاف الأصل أما إذا أضيف كانت الصفة قائمة مقام الموصوف فقولنا: {سَبْعٌ عِجَافٌ} في قوة قولنا: سبع بقرات عجاف، فالتمييز المطلوب بالإضافة حاصل بالإضافة إلى الصفة لقيامها مقام الموصوف، فكما يجوز سبع بقرات عجاف يجوز سبع عجاف، وإنما لم يضف لأنه قائم مقام البقرات وهي موصوفة بعجاف فكانت من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة وهي غير جائزة إلا بتأويل. وتعقب ذلك القطب بأنه هب أن الأصل في العدد التمييز بالإضافة لكن لما سبق ذكر {سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} تبين أن السبع العجاف بقرات فهذا السبع مميز بما تقدم فقد حصل التمييز بالإضافة فلو أضيف إلى العجاف لكان العجاف قائماً مقام البقرات في التمييز فيكون التمييز بالوصف وهو خلاف الأصل، وأما أن السبع قائم مقام البقرات فإنما يكون إذا وصف بالعجاف أما إذا أضيف بكون العجاف قائمة مقام البقرات فلا يلزم إضافة الموصوف إلى الصفة اهـ وفيه تأمل. وذكر العلامة الطيبي في هذا المقام أنه يمكن أن يقال: إن المميز إذا وصف ثم رفع به الإبهام والإجمال من العدد آذن بأنهما مقصودان في الذكر بخلافه إذا ميز ثم وصف بل الوصف أدعى لأن المميز إنما استجلب للوصف، ومن ثمّ ترك التمييز في القرائن الثلاث والمقام يقتضي ذلك لأن المقصود بيان الابتلاء بالشدة بعد الرخاء، وبيان الكمية بالعدد والكيفية بالبقرات تابع فليفهم، ويعلم من ذلك وجه العدول إلى ما في النظم الكريم عن أن يقال: إني أرى سبع بقرات عجاف يأكلن سبعاً سماناً الأخصر منه. وقيل: إن التعبير بذلك بأنه أول ما رأى السمان، فقد روي أنه رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس ثم خرج عقيبهنّ سبع بقرات عجاف فابتلعت السمان ولم يتبين عليها منهن شيء. {وَسَبْعَ سُنْبُلاَت خُضْر} قد انعقد حبها {وَأُخَرَ} أي وسبعاً أخر {يَابسَات} قد أدركت والتوت على الخضر حتى غلبتها ولم يبق من خضرتها شيء على ما روي، ولعل عدم التعرض لذكر العدد للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات، ولا يجوز عطف أخر على سنبلات لأن العطف على المميز يقتضي أن يكون المعطوف والمعطوف عليه بياناً للمعدود سواء قيل: بالانسحاب أو بتكرير العامل لأن المعنى على القولين لا يختلف؛ وإنما الاختلاف في التقدير اللفظي؛ وحينئذٍ يلزم التدافع في الآية لأن العطف يقتضي أن تكون السنبلات خضرها ويابسها سبعاً، ولفظ {وَأُخَرَ} يقتضي أن يكون غير السبع وذلك لأن تباينها في الوصف أعني الخضرة واليبس منطوق، واشتراكهما في السنبلية فيكون مقتضى لفظ {أُخَرَ} تغايرهما في العدد ولزم التدافع، وعلى هذا يصح أن تقول: عندي سبعة رجال قيام وقعود بالجر لأنك ميزت سبعة رجال موصوفين بالقيام والقعود على أن بعضهم كذا وبعضهم كذا، ولا يصح سبعة رجال قيام وآخرين قعود لما علمت، فالآية والمثال في هذا المبحث على وزان واحد كما يقتضيه كلام "الكشاف"، ونظر في ذلك صاحب "الفرائد" فقال: إن الصحيح / أن العطف في حكم تكرير العامل لا الانسحاب فلو عطف آخرين على رجال قيام لكان سبعة مكررة في المعطوف أي وسبعة آخرين أي رجال آخرين قعود، ويفسد المعنى لأن المفروض أن الرجال سبعة، وأما الآية فلو كرر فيها وقيل: وسبع أخر أي وسبع سنبلات أخر استقام لأن الخضر سبع واليابسات سبع، نعم لو خرج ذلك على المرجوح وهو الانسحاب أدى إلى أن السبع المذكورة مميزة بسنبلات خضر وسنبلات أخر يابسات، وفسد إذ المراد أن كلاً منهما سبعة لا أنها سبعة، فالمثال والآية ليسا على وزان إذ هو على تكرير العامل يفسد وعلى الانسحاب يصح، والآية بالعكس، ثم بنى على ما زعمه من أن الصحيح قول التكرير جواز العطف. وادعى أن الأولى أن يكون العطف على {خُضْرٍ} لا على {يَابِسَاتٍ} ليدل على موصوف آخر، وهو سنبلات ولا يقدر موصوفها بقرينة السياق، ولا يخفى أن الكلام إنما هو على تقدير أن يكون مميز السبع ما علمت، وعلى ذلك يلزم التدافع، ولا يبنى على فرض أنهم سبعة أو أربعة عشر فيصح في الآية ولا يصح في المثال فإنه وهم. ومن ذلك يظهر أنه لا مدخل للتكرير والانسحاب في هذا الفرض، ثم إن المختار قول الانسحاب على ما نص عليه الشيخ ابن الحاجب وحققه في غير موضع، وأما الاستدلال بالآية على الانسحاب لا التقدير وإلا لكان لفظ {أُخَرَ} تطويلاً يصان كلام الله تعالى المعجز عنه فغير سديد على ما في "الكشف" لأن القائل بالتقدير يدعي الظهور في الاستقلال، وكذلك القائل بالانسحاب يدعي الظهور في المقابل على ما نص عليه أئمة العربية فلا يكون التأكيد - بأخر - لإرادة النصوص تطويلاً بل إطناباً يكون واقعاً في حاق موقعه هذا. {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ} خطاب للأشراف ممن يظن به العلم. يروى أنه جمع السحرة والكهنة والمعبرين فقال لهم يا أيها الملأ {أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} هذه أي عبروها وبينوا حكمها وما تؤول إليه من العاقبة. وقيل: هو خطاب لجلسائه وأهل مشورته، والتعبير عن التعبير بالإفتاء لتشريفهم وتفخيم أمر رؤياه {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} أي تعلمون عبارة جنس الرؤيا علماً مستمراً وهي الانتقال من الصورة المشاهدة في المنام إلى ما هي صورة ومثال لها من الأمور الآفاقية والأنفسية الواقعة في الخارج من العبور وهو المجاوزة، تقول: عبرت النهر إذا قطعته وجاوزته، ونحوه أولتها أي ذكرت ما تؤول إليه وعبرت الرؤيا بالتخفيف عبارة أقوى وأعرف عند أهل اللغة من عبرت بالتشديد تعبيراً حتى أن بعضهم أنكر التشديد، ويرد عليه ما أنشده المبرد في "الكامل" لبعض الأعراب وهو: شعر : رأيت رؤيا ثم عبرتها وكنت للأحلام عبارا تفسير : والجمع بين الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار كما أشير إليه. واللام قيل: متعلقة بمحذوف والمقصود بذاك البيان كأنه لما قيل: {تَعْبُرُونَ} قيل: لأي شيء؟ فقيل: للرؤيا فهي للبيان كما في سقيا له إلا أن تقديم البيان على المبين لا يخلو عن شيء. وقيل - واختاره أبو حيان - إنها لتقوية الفعل المذكور لأنه ضعف بالتأخير، ويقال لها: لام التقوية وتدخل في الفصيح على المعمول إذا تقدم على عامله مطلقاً وعلى معمول غير الفعل إذا تأخر كزيد ضارب لعمرو، وفي كونها زائدة أو لا خلاف، وقيل: إنه جئ بها لتضمين الفعل المتعدي معنى فعل قاصر يتعدى باللام أي إن كنتم تنتدبون لعبارتها، وجوز أن يكون {لِلرُّؤْيَا} خبر كان كما تقول: كان / فلان لهذا الأمر إذا كان مستقبلاً به متمكناً منه، وجملة {تَعْبُرُونَ} خبر آخر أو حال، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف، وكذا فيما قبله. وقرأ أبو جعفر بالإدغام في الرؤيا وبابه بعد قلب الهمزة واواً ثم قلب الواو ياءً لسبقها إياها ساكنة، ونصوا على شذوذ ذلك لأن الواو بدل غير لازم.
ابن عاشور
تفسير : هذا عطف جزء من قصة على جزء منها تكملة لوصف خلاص يوسف ـــ عليه السّلام ـــ من السجن. والتعريف في {الملك} للعهد، أي ملك مصر. وسماه القرآن هنا ملكاً ولم يسمه فرعونَ لأن هذا الملك لم يكن من الفراعنة ملوك مصر القبط، وإنما كان ملكاً لمصر أيامَ حَكَمَها (الهِكسوس)، وهم العمالقة، وهم من الكنعانيين، أو من العرب، ويعبر عنهم مؤرخو الإغريق بملوك الرعاة، أي البَدو. وقد ملكوا بمصر من عام 1900 إلى عام 1525 قبل ميلاد المسيح ـــ عليه السّلام ـــ. وكان عصرهم فيما بين مدة العائلة الثالثة عشرة والعائلة الثامنة عشرة من ملوك القبط، إذ كانت عائلات ملوك القبط قد بقي لها حكم في مصر العليا في مدينة (طِيبة) كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : وقال الذي اشتراه } تفسير : [سورة يوسف: 21]. وكان ملكهم في تلك المدة ضعيفاً لأن السيادة كانت لملوك مصر السفلى. ويقدّر المؤرخون أن ملك مصر السفلى في زمن يوسف عليه السّلام كان في مدة العائلة السابعة عشرة. فالتعبير عنه بالملك في القرآن دون التعبير بفرعون مع أنه عبّر عن ملك مصر في زمن موسى عليه السّلام بلقب فرعون هو من دقائق إعجاز القرآن العلمي. وقد وقع في التوراة إذ عبر فيها عن ملك مصر في زمن يوسف عليه السّلام فرعون وما هو بفرعون لأن أمته ما كانت تتكلم بالقبطية وإنما كانت لغتهم كنعانية قريبَة من الآرامية والعربية، فيكون زمن يوسف عليه السّلام في آخر أزمان حكم ملوك الرعاة على اختلاف شديد في ذلك. وقوله: {سِمانٍ} جمع سمينة وسَمين، مثل كرام، وهو وصف لـــ {بقرات}. و{عجاف} جمع عجفاء. والقياس في جمع عجفاء عُجف لكنه صيغ هنا بوزن فِعال لأجل المزاوجة لمقارنه وهو {سمان}. كما قال الشاعر: شعر : هتّاك أخبية ولاّج أبوية تفسير : والقياس أبواب لكنه حمله على أخبية. والعجفاء: ذات العَجَف بفتحتين وهو الهزال الشديد. و{وسبع سنبلات} معطوف على {سبع بقرات}. والسنبلة تقدمت في قوله تعالى: { أية : كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل } تفسير : في سورة البقرة (261). والملأ: أعيان الناس. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : قال الملأ من قومه } تفسير : في سورة الأعراف (60). والإفتاء: الإخبار بالفتوى. وتقدمت آنفاً عند قوله: { أية : قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } تفسير : [سورة يوسف: 41]. و{في} للظرفية المجازية التي هي بمعنى الملابسة، أي أفتوني إفتاء ملابساً لرؤياي ملابسة البيان للمجمل. وتقديم {للرؤيا} على عامله وهو {تعبرون} للرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بالرؤيا في التعبير. والتعريف في {للرؤيا} تعريف الجنس. واللام في {للرؤيا} لام التقوية لضعف العامل عن العمل بالتأخير عن معموله. يقال: عَبَر الرؤيا من باب نَصر. قال في «الكشاف»: وعبَرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات. ورأيتهم ينكرون عبّرت بالتشديد والتعبير، وقد عثرت على بيت أنشده المبرد في كتاب «الكامل» لبعض الأعراب: شعر : رأيت رؤْيَاي ثم عبّرتُها وكنتُ للأحلام عَبّارا تفسير : والمعنى: فسر ما تدل عليه وأوّل إشاراتها ورموزها. وكان تعبير الرؤيا مما يشتغلون به. وكان الكهنة منهم يعدونه من علومهم ولهم قواعد في حل رموز ما يراه النائم. وقد وجدت في آثار القبط أوراق من البردي فيها ضوابط وقواعد لتعبير الرُّؤى، فإن استفتاء صاحبي السجن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في رؤييهما ينبىء بأن ذلك شائع فيهم، وسؤال المَلك أهل ملأه تعبير رؤياه ينبىء عن احتواء ذلك الملأ على من يُظنّ بهم علم تعبير الرؤيا، ولا يخلو ملأ الملك من حضور كهان من شأنهم تعبير الرؤيا. وفي التوراة «فأرسل ودعا جميع سَحرة مصر وجميع حكمائها وقص عليهم حلمه فلم يكن من يعبره له». وإنما كان مما يقصد فيه إلى الكهنة لأنه من المغيبات. وقد ورد في أخبار السيرة النبوية أن كسرى أرسل إلى سطيح الكاهن ليعبر له رؤيا أيام ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وهي معدودة من الإرهاصات النبوية. وحصل لكسرى فزع فأوفد إليه عبد المسيح. فالتعريف في قوله {للرؤيا} تعريف العهد، والمعهود الرؤيا التي كان يقصها عليهم على طريقة إعادة النكرة معرفة باللام أن تكون الثانية عين الأولى. والمعنى: إن كنتم تعبرون هذه الرؤيا. والأضغاث: جمع ضغث ـــ بكسر الضاد المعجمة ـــ وهو: ما جمع في حُزمة واحدة من أخلاط النبات وأعواد الشجر، وإضافته إلى الأحلام على تقدير اللام، أي أضغاث للأحلام. والأحلام: جمع حُلُم ـــ بضمتين ـــ وهو ما يراه النائم في نومه. والتقدير: هذه الرؤيا أضغاث أحلام. شبهت تلك الرؤيا بالأضغاث في اختلاطها وعدم تميز ما تحتويه لمّا أشكل عليهم تأويلها. والتعريف فيه أيضاً تعريف العهد، أي ما نحن بتأويل أحلامك هذه بعالمين. وجمعت {أحلام} باعتبار تعدد الأشياء المرئية في ذلك الحُلم، فهي عدة رُؤَى. والباء في {بتأويل الأحلام} لتأكيد اتصال العامل بالمفعول، وهي من قبيل باء الإلصاق مثل باء { أية : وامسحوا برؤوسكم } تفسير : [سورة المائدة: 6]، لأنهم نفوا التمكن من تأويل هذا الحلم. وتقديم هذا المعمول على الوصف العامل فيه كتقديم المجرور في قوله: {إن كنتم للرؤيا تعبرون}. فلما ظهر عَوْصُ تعبير هذا الحُلم تذكر سَاقي الملك ما جرى له مع يوسف ـــ عليه السّلام ـــ فقال: {أنا أنبئكم بتأويله}. وابتداء كلامه بضميره وجعله مسنداً إليه وخبره فعلي لقصد استجلاب تعجب الملك من أن يكون الساقي ينبىء بتأويل رؤيا عَوِصَتْ على علماء بلاط الملك، مع إفادة تقوّي الحكم، وهو إنباؤه إياهم بتأويلها، لأن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في سياق الإثبات يفيد التقوّي، وإسناد الإنباء إليه مجاز عقلي لأنه سبب الإنباء، ولذلك قال: {فأرْسِلُون}. وفي ذلك ما يستفز الملك إلى أن يأذن له بالذهاب إلى حيث يريد ليأتي بنبأ التأويل إذ لا يجوز لمثله أن يغادر مجلس الملك دون إذن. وقد كان موقناً بأنه يجد يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في السجن لأنه قال: {أنا أنبئكم بتأويله} دون تردد. ولعل سبب يقينه ببقاء يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في السجن أنه كان سجنَ الخاصة فكان ما يحدث فيه من إطلاق أو موت يبلغ مسامع الملك وشيعته. و{ادّكر} بالدال المهملة أصله: اذتكر، وهو افتعال من الذكر، قلبت تاء الافتعال دالاً لثقلها ولتقارب مخرجيهما ثم قلبت الذال ليتأتّى ادغامها في الدال لأن الدال أخف من الذال. وهذا أفصح الإبدال في ادّكر. وهو قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { أية : فهل من مدّكر } تفسير : [سورة القمر: 15] كما في الصحيح. ومعنى {بعد أمة} بعد زمن مضى على نسيانه وصاية يوسف ـــ عليه السّلام ـــ. والأمة: أطلقت هنا على المدة الطويلة، وأصل إطلاق الأمة على المدة الطويلة هو أنها زمن ينقرض في مثله جيل، والجيل يسمى أمة، كما في قوله تعالى: { أية : كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس } تفسير : [سورة آل عمران: 110] على قول من حمله على الصحابة. وإطلاقه في هذه الآية مبالغة في زمن نسيان الساقي. وفي التوراة كانت مدة نسيانه سنتين. وضمائر جمع المخاطب في {أنبئكم} ـــ {فأرسلون} مخاطب بها الملك على وجه التعظيم كقوله تعالى: { أية : قال رب ارجعون } تفسير : [سورة المؤمنون: 99]. ولم يسمّ لهم المرسل إليه لأنه أراد أن يفاجئهم بخبر يوسف عليه السّلام بعد حصول تعبيره ليكون أوقع، إذ ليس مثله مظنة أن يكون بين المساجين.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 43- وقال الملك: إنى رأيت فى منامى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ضعاف، ورأيت سبع سنبلات خضر، وسبع سنبلات أخر يابسات.. يا أيها الكبراء من العلماء والحكماء أفتونى فى رؤياى هذه إن كنتم تعرفون تفسير الرؤى وتفتون فيها. 44- قالوا: هذه أخلاط أحلام باطلة، ووساوس تهجس فى النفس، وما نحن بتفسير الأحلام الباطلة بعالمين. 45- وقال الذى نجا من صاحبى يوسف فى السجن، وتذكَّر بعد مضى مدة طويلة وصية يوسف، أنا أخبركم بتأويل الحديث الذى ذكره الملك، فأرسلونى إلى من عنده علم بتأويله آتكم بنبئه. 46- مضى الساقى إلى يوسف حتى جاءه فناداه: يوسف - أيها الحريص على الصدق - أفتنا فى رؤيا سبع بقرات سمان يأكلهن سبع ضعاف، وفى رؤيا سبع سنبلات خضر وأخر يابسات. أرجو أن أرجع إلى الناس بفتواك عساهم يعلمون معناها، ويعرفون لك علمك وفضلك. 47- قال يوسف: تفسير هذه الرؤيا أنكم تزرعون الأرض قمحاً وشعيراً سبع سنين متواليات دائبين على العمل فى الزراعة، فما تحصدونه احفظوه فاتركوه فى سنبله، إلا قليلا مما تأكلونه فى هذه السنين، مع الحرص على الاقتصاد. 48- ثم يأتى بعد هذه السنين المخصبة سبع سنين مجدبة، تأكل ما ادخرتم لها، إلا قليلا مما تخبئونه وتحفظونه، ليكون بذراً لما تزرعونه بعد ذلك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الملك: ملك مصر الذي العزيز وزير من وزرائه واسمه الريان بن الوليد. سبع عجاف: هزال غير سمان. يا أيها الملأ: أيها الأشراف والأعيان من رجال الدولة. أفتوني في رؤياي: أي عبروها لي. أضغاث أحلام: أي أخلاط أحلام كاذبة لا تعبير لها إلا ذاك. وادّكر بعد أمة: أي وتذكر بعد حين من الزمن أي قرابة سبع سنين. يوسف أيها الصديق: أي يا يوسف أيها الصديق أي يا كثير الصدق علم ذلك منه في السجن. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وهو في محنته إنه لما قارب الفرج أوانه رأى ملك مصر رؤيا أهالته وطلب من رجال دولته تعبيرها، وهو ما أخبر تعالى به في هذه الآيات إذ قال عز وجل: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} أي مهازيل في غاية الهزال. {وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ} أي سنبلات يابسات. ثم واجه رجال العلم والدولة حوله وقد جمعهم لذلك فقال {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ} أي تؤولون. فأجابوه بما أخبر تعالى عنهم بقوله {قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي رؤياك هذه هي من أضغاث الأحلام التي لا تعبر، إذ قالوا {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} والمراد من الأضغاث الأخلاط وفي الحديث الصحيح "حديث : الرؤيا من الرحمن والحلم من الشيطان"تفسير : . وقوله تعالى {وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا} أي من صاحبي السجن، {وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} أي وتذكر ما أوصاه به يوسف وهو يودعه عند باب السجن إذ قال له {أية : ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} تفسير : [يوسف: 42] بعد حين من الزمن قرابة سبع سنوات. قال ما أخبر تعالى به عنه {أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} أي إلى يوسف في السجن فإِنه أحسن من يعبر الرؤى فأرسلوه فدخل عليه وقال ما أخبر به تعالى عنه في قوله {يُوسُفُ} أي يا يوسف {أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} وقوله {لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ} أي الملك ورجاله {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} أي ما تعبرها به أنت فينتفعون بذلك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- جواز الرؤيا الصالحة يراها الكافر والفاسق. 2- الرؤى نوعان حلم من الشيطان، ورؤيا من الرحمن. 3- النسيان من صفات البشر. 4- جواز وصف الإِنسان بما فيه من غير إطراء كقوله أيها الصديق. 5- لعل تكون بمعنى كي التعليلية.
القطان
تفسير : سمان: جمع سمينة. عجاف: هزيلة مفردها اعجف وعجفاء. تعبرون: تفسرون. اضعاث احلام: احلام مضطربة يصعب تأويلها، والضغثُ وجمعه اضغاث: الحزمة من النبات او من كل شيء. واذّكر: تذكّر. بعد امة: بعد حين. تزرعون سبع سنين دأبا: دواما. سبع شداد: سبع سنين صعاب، تشتد على الناس تحصنون: تدخرون. يغاث الناس: من الغيث، وهو المطر والرحمة. يعصرون: يستخرجون العصير مما يعصر كالزيت والعنب والتمر والقصب. بعد أن أمضى يوسف عدداً من السنين في السجن أراد الله ان يبعثَ بالفَرَج فهيَّأ الاسباب لذلك. اذ رأى الملك رؤيا أفزعته. لقد رأى سبع بقرات سمان ترعى في روضة، ثم جاءت سبع بقرات اخرى هزيلات قبيحات المنظر خرجت من النهر وأكلت البقرات الاولى السمان. كذلك رأى سبع سنابل خُضْر حَسَنة طالعةً في ساق واحدة، واذا سبع سنابل يابسات خلفها قد فلحتْهن الريح تهجم على السنابل الخضر فتأكلها. اسيتقظ الملك منزعجا لهذين المنامين، وفي الصباح دعا اليه بالسحرة وكبراء دولته، وقص عليهم الرؤيا وسألهم عن تأويلها فلم يجد عند احد منهم جوابا. قالوا: {قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ}. هذه أحلام مضطربة ايها الملك. وفي ذلك الوقت انتبه رئيس سقاة الملك، رفيق يوسف في السجن الذي فسر الرؤيا، وتذكّره، فقال للملك: إن في السجن شاباً ذكياً له علم في تعبير الرؤيا، فأرسِلوني اليه لأسأله عن تفسير هذين المنامين. وأرسله الملك اليه، فلما التقى بيوسف قال له: {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}. قال يوسف: سيأتي على مصر سبعُ سنين مخصبات تجود الأرض فيها بالغلاّت الوافرة، ثم يأتي بعد ذلك سبع مُجْدِبة تأتي على المخزون من السِّنين السبع التي تقدمتها. ونصحهم أن يقتصدوا في السنين المخصِبة ويخزِنوا ما فضلَ عن القوت في سنبله، حتى اذا حلّ الجدبُ وجدوا ما يسدّ الرمق الى أن يأتي الخصب من جديد.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَقَرَاتٍ} {سُنْبُلاَتٍ} {يَابِسَاتٍ} {يٰأَيُّهَا} {رُؤْيَايَ} {لِلرُّؤْيَا} (43) - وَرَأَى المَلِكُ رُؤْيا هَالَتْهُ، وَتَعَجَّبَ مِنْ أَمْرِهَا، فَجَمَعَ الكَهَنَةَ، وَكِبَارَ رِجَالِ الدَّوْلَةِ فَقَصَّ عَلَيْهِمْ رُؤْيَاهُ، وَطَلَبَ إِلَيْهِمْ تَفْسِيرَها فَلَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ. وَقَدْ رَأَى المَلِكُ فيِ مَنَامِهِ سَبْعَ بَقَرَاتٍ عِجَافٍ هَزِيلاتٍ يَأْكُلْنَ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ، وَرَأَى سَبْعَ سَنَابِلَ قَمْحٍ عِجَافٍ يَابِسَاتٍ، وَسَبْعَ سَنَابِلَ خُضْرٍ سِمَانٍ. عِجَافٌ - مَهَازِيلُ جِدّاً. تَعْبُرُونَ - تَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهَا وَتَفْسِيرَهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والأرض التي وقعتْ عليها، وجَرَتْ فوقها تلك القصة هي مصر، وسبق أن عرفنا ذلك حين قال الحق سبحانه: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ ..} تفسير : [يوسف: 21]. وهكذا نعرف أن هناك "ملك"، وهناك "عزيز". ونحن نعلم أن حكام مصر القديمة كانوا يُسمَّوْنَ الفراعنة، وبعد أن اكتُشِفَ "حجر رشيد"، وتم فَكُّ ألغاز اللغة الهيروغليفية؛ عرفنا أن حكم الفراعنة قد اختفى لفترة؛ حين استعمر مصرَ ملوكُ الرُّعاة، وهم الذين يُسمَّوْنَ الهكسوس. وكانت هذه هي الفترة التي ظهر فيها يوسف، وعمل يوسف وأخوه معهم، فلما استرجع الفراعنة حكم مصر طردوا الهكسوس، وقتلوا مَنْ كانوا يُوالونهم. وحديث القرآن عن وجود مَلِك في مصر أثناء قصة يوسف عليه السلام هو من إعجاز التنبؤ في القرآن. وساعة تقرأ: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ..} [يوسف: 43]. ثم يطلب تأويل رؤياه؛ فهذا يعني أنها رُؤيا منامية. وكلمة: {سِمَانٍ} [يوسف: 43]. أي: مُمْتلئة اللحم والعافية. وكلمة (عجاف) أي: الهزيلة؛ كما يُقال عند العامة "جلدها على عظمها"؛ فكيف تأكل العجاف السمان؛ مع أن العكس قد يكون مقبولاً؟ وأضاف الملك: {وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ..} [يوسف: 43]. ولم يَصِف الملك أيَّ فعل يصدر عن السنابل، ثم سأل مَنْ حوله من أعيان القوم الذين يتصدرون صُدور المجالس، ويملأون العيون: {أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43]. وكلمة (تعبرون) مأخوذة من "عبر النهر" أي: انتقل من شاطئ إلى شاطئ، وكأنه يطلب منهم المراد المَطْوي في الرُّؤيا. ومن هذا المعنى أخذنا كلمة "العِبْرة"، وهي التجربة التي نستفيد منها، ومنه أيضاً "العبارة" وهو أن يكون هناك شيء مكتوم في النفس، ونُؤدِّيه، ونُظهِره بالعبارة. ومنه "العَبْرة"، وهو الدَّمعْة التي تسقط من العين تعبيراً عن مشاعر ما؛ سواء كانت مشاعر حُزْن أو فرح، والمادة كلها تدور حول تعريف مجهول بمعلوم. وهكذا يفعل مُفسِّر الرُّؤْيا حين يَعبُر - من خلال رموزها - من الخيال إلى الحقيقة. ولم يعرف الملأ الذين حول المَلِك تفسيراً للرُّؤيا التي رآها في منامه. ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم: {قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما أراد الله الفرج عن يوسف وإخراجه من السجن، رأى ملك مصر رؤيا عجيبة أفزعته، فجمع السحرةَ والكهنة والمنجمين وأخبرهم بما رأى في منامه، وسألهم عن تأويلها فأعجزهم الله جميعاً ليكون ذلك سبباً في خلاص يوسف من السجن. اللغَة: {عِجَافٌ} هزيلة ضعيفة جمع أعجف والأنثى عجفاء {تَعْبُرُونَ} التعبير: معرفة تفسير الرؤيا المنامية {أَضْغَاثُ} جمع ضِغث وهو الحزمة من الحشيش اختلط فيها اليابس بالرطب {أَحْلاَمٍ} جمع حُلم وهو ما يراه النائم ومعناه أخلاط منامات اختلط فيها الحق بالباطل {وَٱدَّكَرَ} تذكّر بعد النسيان {دَأَباً} الدَّأب: الاستمرار على الشيء يقال: دأب على عمله فهو دائب أي استمر عليه {تُحْصِنُونَ} تحرزون وتدخرون {حَصْحَصَ} ظهر وبان {مَكِينٌ} ذو مكانة رفيعة {رِحَالِهِمْ} جمع رحل وهو ما على ظهر المركوب من متاع الراكب وغيره {نَمِيرُ} نأتي لهم بالميرة وهي الطعام {يُحَاطَ بِكُمْ} تهلكوا جميعاً. التفِسير: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} أي قال ملك مصر إني رأيت في منامي سبع بقرات سمانٍ خرجت من نهرٍ يابسٍ، وفي أثرها سبع بقراتٍ هزيلة في غاية الهُزال فابتلعت العجافُ السمانَ {وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} هذا من تتمة الرؤيا أي ورأيتُ أيضاً سبع سنبلاتٍ خضر قد انعقد حبُّها وسبعاً آُخر يابسات قد استحصدت، فالتوتْ اليابسات على الخضر فأكلنهنَّ {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} أي يا أيها الأشراف من رجالي وأصحابي أخبروني عن تفسير هذه الرؤيا {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} أي إن كنتم تجيدون تعبيرها وتعرفون مغزاها {قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي أخلاط رؤيا كاذبة لا حقيقة لها قال الضحاك: أحلامٌ كاذبة {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} أي ولسنا نعرف تأويل مثل هذه الأحلام الكاذبة {وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} أي وقال الذي نجا من السجن وهو الساقي وتذكّر ما سبق له مع يوسف بعد مدة طويلة {أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} أي أنا أخبركم عن تفسير هذه الرؤيا ممن عنده علم بتأويل المنامات {فَأَرْسِلُونِ} أي فأرسلوني إليه لآتيكم بتأويلها، خاطب الملك بلفظ التعظيم قال ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة ولهذا قال فأرسلون {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ} في الكلام محذوف دلَّ عليه السياق وتقديره: فأرسلوه فانطلق الساقي إلى السجن ودخل على يوسف وقال له: يا يوسف يا أيها الصِّديق وسمّاه صديقاً لأنه كان قد جرب صدقه في تعبير الرؤيا التي رآها في السجن، والصدّيق مبالغةٌ من الصدق {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} أي أخبرنا عن تأويل هذه الرؤيا العجيبة {لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} أي لأرجع إلى الملك وأصحابه وأخبرهم بها ليعلموا فضلك وعلمك ويخلصوك من محنتك قال الإِمام الفخر: وإنما قال {لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ} لأنه رأى عجز سائر المعبّرين عن جواب هذه المسألة فخاف أن يعجز هو أيضاً عنها فلهذا السبب قال لعلّي {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً} أي تزرعون سبع سنين دائبين بجدٍ وعزيمة {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} أي فما حصدتم من الزرع فاتركوه في سنبله لئلا يسوّس {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} أي إلا ما أردتم أكله فادرسوه واتركوا الباقي في سنبله {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ} أي ثمَّ يأتي بعد سنيّ الرخاء سبع سنين مجدبات ذات شدة وقحط على الناس {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} أي تأكلون فيها مما ادخرتم أيام الرخاء {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} أي إلا القليل الذي تدخرونه وتخبئونه للزراعة {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} أي ثم يأتي بعد سنيّ القحط والجدب العصيبة عام رخاء، فيه يُمطر الناس ويُغاثون، وفيه يعصرون الأعناب وغيرها لكثرة خصبه، قال الزمخشري: تأول عليه السلام البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشّرهم بأن العام الثامن يجيء مباركاً خصيباً، كثير الخير، غزير النعم، وذلك من جهة الوحي {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ} أي ولما رجع الساقي إلى الملك وعرض عليه ما عبَّر به يوسف رؤياه استحسن ذلك فقال: أحضروه لي لأسمع منه تفسيرها بنفسي ولأبصره {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ} أي فلما جاء رسول الملك يوسف {قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي قال يوسف للرسول: ارجع إلى سيدك الملك {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي سلْه عن قصة النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن هل يعلم أمرهنَّ؟ وهل يدري لماذا حُبست ودخلت السجن؟ وأني ظُلمت بسببهنَّ؟ أبى عليه السلام أن يخرج من السجن حتى تُبرأ ساحته من تلك التهمة الشنيعة، وأن يعلم الناس جميعاً أنه حُبس بلا جرم {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} أي إنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور وبما دبّرن من كيدٍ لي {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} جمع الملك النسوة ودعا امرأة العزيز معهن فسألهن عن أمر يوسف وقال لهن: ما شأنكن الخطير حين دعوتن يوسف إلى مقارفة الفاحشة؟ {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ} أي معاذ الله أن يكون يوسف أراد السوء، وهو تنزيهٌ له وتعجب من نزاهته وعفته {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} أي ظهر وانكشف الحق وبان بعد خفائه {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي أنا التي أغريتُه ودعوتُه إلى نفسي وهو بريءٌ من الخيانة وصادقٌ في قوله "هي راودتني عن نفسي" وهذا اعتراف صريحٌ ببراءة يوسف على رءوس الأشهاد {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} الأظهر أن هذا من كلام يوسف قاله لمّا وصله براءة النسوة له والمعنى ذلك الأمر الذي فعلتُه من ردّ الرسول حتى تظهر براءتي ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته في غيبته بل تعففت عنها {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} أي لا يوفق الخائن ولا يسدّد خطاه {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ} أي لا أزكي نفسي ولا أنزّهها، فإن النفس البشرية ميَّالة إلى الشهوات، قاله يوسف على وجه التواضع قال الزمخشري: أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه، لئلا يكون لها مزكياً، وبحالها معجباً ومفتخراً {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} أي إلا من رحمه الله بالعصمة {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي عظيم المغفرة واسع الرحمة {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} أي ائتوني بيوسف اجعله من خاصتي وخلصائي، قال ذلك لمّا تحقق براءته وعرف عفته وشهامته وعلمه {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} أي فلما أتوا به وكلَّمه يوسف وشاهد الملك فضله، ووفور عقله، وحُسن كلامه قال إنك اليوم قريب المنزلة رفيع الرتبة، مؤتمنٌ على كل شيء {قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ} أي قال يوسف للملك اجعلني على خزائن أرضك {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} أي أمينٌ على ما استودعتني، عليمٌ بوجوه التصرف، وإنما طلب منه الولاية رغبةً في العدل، وإقامة الحق والإِحسان، وليس هو من باب التزكية للنفس، وإنما هو للإِشعار بحنكته ودرايته لاستلام وزارة الماليَّة {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} أي وهكذا مكنّا ليوسف في أرض مصر، وجعلنا له العزَّ والسلطان بعد الحبس والضيق {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ} أي يتخذ منها منزلاً حيث يشاء ويتصرف في الممكلة كما يريد {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ} أي نخص بإنعامنا وفضلنا من نشاء من عبادنا {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي لا نضيع أجر من أحسن عمله وأطاع ربه بل نضاعفه له {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} أي أجر الآخرة وثوابها خير للمؤمنين المتقين من أجر الدنيا، وفيه إشارة إلى أن المطلب الأعلى هو ثواب الآخرة، وأن ما يُدَّخر لهؤلاء المحسنين أعظم وأجلُّ من هذا النعيم العاجل في الدنيا {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} أي دخلوا على يوسف فعرف أنهم إخوته ولكنهم لم يعرفوه لهيبة المُلْك، وبُعْد العهد، وتغير الملامح قال ابن عباس: كان بين إلقائه في الجب وبين دخولهم عليه اثنتان وعشرون سنة فلذا أنكروه، وكان سبب مجيئهم أنهم أصابتهم مجاعة في بلادهم بسبب القحط الذي عمَّ البلاد، فخرجوا إلى مصر ليشتروا من الطعام الذي ادخره يوسف، فلما دخلوا على يوسف قال كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ قالوا: جئنا للميرة، قال: لعلكم عيونٌ "جواسيس" علينا؟ قالوا: معاذ الله، قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبيُّ الله، قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم كنا اثني عشر فذهب أصغرنا وهلك في البرية - وكان أحبَّنا إليه - وبقي شقيقه فاحتبسه ليتسلّى به عنه وجئنا نحن العشرة، فأمر بإنزالهم وإكرامهم {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} أي هيأ لهم الطعام والميرة وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم {قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ} أي ائتوني بأخيكم بنيامين لأصدقكم {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ} أي ألا ترون أني أتم الكيل من غير بخسٍ {وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ} أي خير من يكرم الضيفان وخير المضيفين لهم، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ} أي إن لم تأتوني بأخيكم فليس لكم عندي بعد اليوم ميرة، ولا تقربوا بلادي مرة ثانية، رغبهم ثم توعدهم قال في البحر: والظاهر أن كل ما فعله يوسف عليه السلام كان بوحيٍ من الله وإلا فمقتضى البر أن يبادر إلى أبيه ويستدعيه لكنَّ الله أراد تكميل أجر يعقوب ومحنته، ولتتفسَّر الرؤيا الأولى {قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} أي سنخادعه ونحتال في انتزاعه من يده، ونجتهد في طلبه منه، وإنّا لفاعلون ذلك {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ} أي قال يوسف لغلمانه الكيالين اجعلوا المال الذي اشتروا به الطعام في أوعيتهم {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ} أي لكي يعرفوها إذا رجعوا إلى أهلهم وفتحوا أوعيتهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي لعلهم يرجعون إلينا إذا رأوها، فإنه علم أنَّ دينهم يحملهم على رد الثمن لأنهم مطهّرون عن أكل الحرام فيكون ذلك أدعى لهم إلى العود إليه {فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ} أي فلما عادوا إلى أبيهم قالوا له - قبل أن يفتحوا متاعهم - يا أبانا لقد أُنذرنا بمنع الكيل في المستقبل إن لم نأت بأخينا بنيامين، فإنَّ ملك مصر ظنَّ أننا جواسيس وأخبرناه بقصتنا فطلب أخانا ليتحقق صدقنا {فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ} أي أرسل معنا أخانا بنيامين لنأخذ ما نستحقه من الحبوب التي تُكال لنا {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي نحفظه من أن يناله مكروه {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ} أي قال لهم يعقوب: كيف آمنكم على بنيامين وقد فعلتم بأخيه يوسف ما فعلتم بعد أن ضمنتم لي حفظه، ثمَّ خنتم العهد؟ فأًخاف أن تكيدوا له كما كدتم لأخيه؟ فأنا لا أثق بكم ولا بحفظكم، وإِنما أثق بحفظ الله {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً} أي حفظ الله خيرٌ من حفظكم {وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} أي هو أرحم من والديه وإخوته، فأرجو أن يمُنَّ عليَّ بحفظه ولا يجمع عليَّ مصيبتين {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ} أي ولما فتحوا الأوعية التي وضعوا فيها الميرة وجدوا ثمن الطعام في متاعهم {قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي} أي ماذا نبغي؟ وأيَّ شيءٍ نطلب من إكرام الملك أعظم من هذا؟ {هَـٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا} أي هذا ثمن الطعام قد رُدَّ إلينا من حيثُ لا ندري، فهل هناك مزيدٌ فوق هذا الإِحسان، أوفى لنا الكيل، وردَّ لنا الثمن!! أرادوا بذلك استنزال أبيهم عن رأيه {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} أي نأتي بالميرة والطعام لأهلنا {وَنَحْفَظُ أَخَانَا} أي نحفظه من المكاره، وكرروا حفظ الأخ مبالغةً في الحض على إرساله {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} أي ونزداد باستصحابنا له حمل بعير، روي أنه ما كان يعطي الواحد إلا كيل بعير من الطعام، فأعطاهم حمل عشرة جمال ومنعهم الحادي عشر حتى يحضر أخوهم {ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} أي سهلٌ على الملك إعطاؤه لسخائه {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} أي قال لهم أبوهم: لن أرسل معكم بنيامين إلى مصر حتى تعطوني عهداً مؤكداً وتحلفوا بالله لترُدنه عليَّ {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} أي إلا أن تُغلبوا فلا تقدّروا على تخليصه، ولا يبقى لكم طريق أو حيلة إلى ذلك قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلُّكم فيكون ذلك عذراً عندي {فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ} أي فلما حلفوا له وأعطوه العهد المؤكد {قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} أي الله شهيد رقيب على ذلك {وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ} أي لا تدخلوا مصر من بابٍ واحد قال المفسرون: خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين إذ كانوا أهل جمالٍ وهيبة، والعينُ حقٌ تُدخل الرجلَ القبرَ، والجملَ القِدر كما جاء في الحديث {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي لا أدفع عنكم بتدبيري شيئاً مما قضاه الله عليكم، فإن الحذر لا يدفع القدر {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} أي ما الحكم إلا لله جلَّ وعلا وحده لا يشاركه أحد، ولا يمانعه شيء {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي عليه وحده اعتمدت وبه وثقت {وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} أي وعليه فليعتمدْ أهل التوكل والإِيمان، ولْيفوضوا أمورهم إليه {وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم} أي دخلوا من الأبواب المتفرقة كما أوصاهم أبوهم {مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي ما كان دخولهم متفريقن ليدفع عنهم من قضاء الله شيئاً {إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} أي إلا خشية العين شفقةً منه على بنيه {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} أي وإن يعقوب لذو علمٍ واسع لتعليمنا إياه بطريق الوحي، وهذا ثناءٌ من الله تعالى عظيمٌ على يعقوب، لأنه علم بنور النبوة أن القدر لا يدفعه الحذر {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون ما خصَّ الله به أنبياءه وأصفياءه من العلوم التي تنفعهم في الدارين. البَلاغَة: 1- {إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ} صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. 2- {سِمَانٍ ... وعِجَافٌ} بينهما طباقٌ وكذلك بين {خُضْرٍ ... ويَابِسَاتٍ} طباقٌ. 3- {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} هذا من أَبلغ أَنواع الاستعارة وألطفها فإن الأضغاث هو المختلط من الحشيش المضموم بعضه إلى بعض، فشبه اختلاط الأحلام وما فيها من المحبوب والمكروه، والخير والشر باختلاط الحشيش المجموع من أصناف كثيرة. 4- {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ} هذا من براعة الاستهلال فقد قدَّم الثناء قبل السؤال طمعاً في إجابة مطلبه. 5- {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} فيه مجاز عقلي لأن السنين لا تأكل وإنما يأكل الناس ما ادَّخروه فيها، فهو من باب الإِسناد إلى الزمان كقول الفصحاء: نهارُ الزاهدِ صائم وليلُه قائم. 6- {لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ} لم يقل آمرة مبالغة في وصف النفس بكثرة الدفع في المهاوي، والقود إلى المغاوي لأن "فعّال" من أبنية المبالغة. 7- {فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} بين عرف وأنكر طباقٌ. 8- {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ} فيه إطناب وهو زيادة اللفظ على المعنى، وفائدتُه تمكين المعنى من النفس، وفيه أيضاً من المحسنات البديعية ما يسمى "طباق السلب". فَائِدَة: أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على يوسف الصدِّيق في كرمه وصبره وحلمه فقال: "حديث : لو لبثتُ في السجن ما لبثَ يوسفُ لأجبتُ الداعي" تفسير : وكفى بهذا برهاناً على عفة يوسف ونزاهته عليه السلام. لطيفَة: ذكر بعض العلماء أن يوسف عليه السلام ما زال النساء يملن إليه ميل شهوة حتى نبأه الله، فألقى عليه هيبة النبوة فشغلت هيبتُه كل من رآه عن حسنه.
الأندلسي
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ} الآية، لما دنا فرج يوسف صلى الله عليه وسلم رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته فرأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها أرى يعني في منامه ودل على ذلك أفتوني في رؤياي وأرى حكاية حال فلذلك جاء بالمضارع دون رأيت وجاء لفظ بقرات وسنبلات مجموعاً جمع سلامة في المؤنث لأنه موضوع في القلة فناسب لفظ سبع وللرؤيا مفعول تعبرون قوي تعدى الفعل باللام لتأخره فتقول زيداً ضربت ولزيد ضربت فلو تأخر المفعول عن الفعل لم يجىء باللام إلا قليلاً كقول الشاعر: شعر : فلما ان توافقنا قليلاً انحنا للكلا كل ما ارتمينا تفسير : يريد انحنا الكلاكل وأضغاث خبر مبتدأ محذوف تقديره هي أي تلك الرؤيا أضغاث أحلام والأضغاث جمع ضغث أي تخاليط أحلام وهو ما يكون من حديث النفس أو وسوسة الشيطان أو مزاج الإِنسان وأصله أخلاط النبات استعير للأحلام وجمعوا الأحلام وإن كانت رؤياه واحدة اما باعتبار متعلقاتها إذ هي أشياء ونفوا عن أنفسهم العلم بتأويل الأحلام أي لسنا من أهل تعبير الرؤيا. {وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا} أي تذكر ما سبق له مع يوسف. {بَعْدَ أُمَّةٍ} أي مدة طويلة والجملة من قوله: واذكر حالية وأصله إذتكر أبدلت التاء دالاً وأدغمت الدال فيها فصار ادّكر. {أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} أي أخبركم عمن عنده علمه. {فَأَرْسِلُونِ} أي ابعثوني وفي الكلام حذف تقديره فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقص عليه رؤيا الملك قال: تزرعون إلى آخره تضمن هذا الكلام من يوسف عليه السلام ثلاثة أنواع من القول أحدهما تعبير بالمعنى لا باللفظ الثاني عرض رأي وأمر به وهو قوله: فذروه في سنبله والثالث الاعلام بالغيب في أمر العام الثاني والظاهر أن قوله: تزرعون سبع سنين دأباً خبر أخبر أنهم تتوالى لهم هذه السنون السبع لا ينقطع فيها زرعهم للري الذي يوجد. {فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} إشارة برأي نافع بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين بوجه إلا بحيلة إبقائها في السنبل فإِذا بقيت منها انحفظت والمعنى اتركوا الزرع في السنبل إلا ما لا غنى عنه للأكل فيجمع الطعام ويتركب ويؤكل الاقدم فالاقدم فإِذا جاءت السنون الجدبة تقوت الأقدم فالأقدم من ذلك المدخر وحذف المميز في قوله: سبع شداد أي سبع سنين شداد لدلالة قوله: سبع سنين عليه وأسند الأكل إليهن في قوله: يأكلن على سبيل المجاز من حيث أنه يؤكل فيها كما قال تعالى: {أية : وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً}تفسير : [يونس: 67] ومعنى تحصنون تحرزون وتخبئون مأخوذ من الحصن وهو الحرز والملجأ وقرىء: دأباً بفتح الهمزة وسكونها وما شرطية وجوابه فذروه قال ابن عباس. {يُغَاثُ} من الغيث وقيل من الغوث وهو من الفرج ففي الأول يبنى من ثلاثي وفي الثاني من رباعي تقول: غاثنا الله من الغيث وأغاثنا من الغوث وقرىء: تعصرون بالتاء على الخطاب وقرىء: بالياء على الغيبة والجمهور على أنه من عصر النبات كالعنب والقصب والزيتون والسمسم والفجل وجميع ما يعصر ومصر بلد عصير لأشياء كثيرة وفي الكلام حذف تقديره فأتى المستفتي يوسف إلى الملك وأخبره بفتيا يوسف صلى الله عليه وسلم فقال الملك ائتوني به فلما جاء الرسول يوسف قال له ارجع إلى ربك وهو الملك فسأله ما بال النسوة ليعلم الملك براءة يوسف صلى الله عليه وسلم مما نسب إليه فأحضر الملك النسوة وقال الملك: ما خطبكن ومن كرم يوسف صلى الله عليه وسلم أنه سكت عن زوج العزيز ما صنعت به وسببت فيه من السجن والعذاب واقتصر على ذكر مقطعات الأيدي. {إِنَّ رَبِّي} أي الله تعالى. {بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} أراد كيدهن عظيم لا يعلمه إلا الله لبعد غوره واستشهد بعلم الله تعالى على أنهن كدنه وأنه بريء مما قذف به فالضمير في بكيدهن عائد على النسوة المذكورات لا للجنس لأنها حالة توقيف على ذنب وجاء النسوة بالألف واللام للعهد في قوله: وقال النسوة كما قال تعالى: {أية : أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ}تفسير : {المزمل: 15ـ16]. {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ} في الكلام حذف تقديره فرجع إليه الرسول فأخبره بما قال يوسف فجمع الملك النسوة وامرأة العزيز وقال لهنّ ما خطبكنّ وهذا استدعاء منه أن يعلمنه بالقصة ونزه جانب يوسف بقوله: {إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} ومراودتهن له قولهن له أطع مولاتك فأجاب النسوة بجواب جيد تظهر منه براءة أنفسهن جملة وتنزيه يوسف بقولهن: {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ} فلما سمعت امرأة العزيز مقالتهن في براءة يوسف أقرت بأعظم ما أقررن به إذ كانت هي من أقوى سبب فيما جرى من المراودة ومن سجن يوسف. {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} وقرىء: حصحص مبنياً للمفعول واتبعت ولني خزائن أرضك. {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ}. {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} الآية، الظاهر أن هذا من كلام امرأة العزيز وهو داخل تحت قوله: قالت والمعنى ذلك الإِقرار والاعتراف بالحق ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته وأكذب عليه وأرمه بذنب هو بريء منه ثم اعتذرت عما وقعت فيه مما يقع فيه البشر من الشهوات بقولها: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} والنفوس مائلة إلى الشهوات أمارة بالسوء ومن ذهب إلى أن قوله ذلك ليعلم إلى آخره من كلام يوسف يحتاج إلى تكلف ربط بينه وبين ما قبله ولا دليل يدل على أنه من كلام يوسف إذ لم يكن يوسف حاضراً وقت سؤال الملك النسوة وإقرار امرأة العزيز بما أقرت به. {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} الآية، روي أن الرسول جاءه فقال: أجب الملك فخرج من السجن ودعا لأهله فلما دخل على الملك قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية فقال: ما هذا اللسان؟ قال لسان آبائي وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً فكلمه بها فأجابه يوسف عليه السلام بجميعها فتعجب منه ومعنى استخلصه اجعله خالصاً لنفسي وخاصاً لي وفي الكلام حذف تقديره فأتوه به والظاهر أن الفاعل بكلمة ضمير يوسف أي فلما كلم يوسف الملك ورأى الملك حسن منطقة بما صدق به الخير. {قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ} أي ذو مكانة ومنزلة. {أَمِينٌ} مؤتمن على كل شىء ولما وصفه الملك بالتمكن عنده والأمانة طلب من الأعمال ما يناسب هذين الوصفين. {قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ} أي ولني خزائن أرضك. {إِنِّي حَفِيظٌ} أحفظ ما تستحفظه. {عَلِيمٌ} بوجوه التصرف وصف نفسه بالأمانة والكفاءة وهما مقصود الملوك ممن يولونه إذ هما يعمان وجوه التثقيف والحياطة ولا خلل معهما لعامل وجاء حفيظ بضمة المبالغة وهي مقصودة ولمناسبة قوله عليم وكان الملك لا يصدر عن رأي يوسف ولا يعترض عليه في كل ما رأى وكان في حكم التابع. {وَكَذٰلِكَ} أي مثل ذلك التمكين في نفس الملك. {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} مصر. {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ} أي يتخذ منها مباءة ومنزلاً كل مكان أراد فاستولى على جميعها ودخلت تحت سلطانه روي أن الملك توجه بتاجه وختمه ورداه بسيفه وجعل له سريراً من ذهب مكللاً بالدرّ والياقوت فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوض الملك إليه أمره وعزل العزيز قطفير ثم مات بعد فزوجه الملك امرأته زليخا فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما طلبت فوجدها عذراء لأن العزيز كان لا يطأها فولدت له ولدين أفراثيم ومنشا وأقام العدل بمصر وأحبه الرجال والنساء وأسلم على يده الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدراهم والدنانير في السنة الأولى حتى لم يبقى معه شىء ثم بالحلي والجواهر ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم ثم استرقهم جميعاً فقالو: والله ما رأينا كاليوم ملكاً أجل ولا أعظم منه فقال للملك: كيف رأيت صنع الله في وفيما خولني فما ترى؟ قال: الرأي رأيك، قال: فإِني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطاً بين الناس وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا واحتبس بنيامين. {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا} أي بنعمتنا من الملك والغنى غيرهما ولا نضيع في الدنيا أجر من أحسن ثم ذكر أن أجر الآخرة خير لأنه الدائم الذي لا يفنى وفي الآية إشارة إلى أن حال يوسف في الآخرة خير من حالته العظيمة في الدنيا. {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} الآية، أي جاؤا من القريات من أرض فلسطين بغور الشام إلى مصر ليمتاروا منها فتوصلوا إلى يوسف للميرة فعرفهم لأنه فارقهم وهم رجال ورأى زيهم قريباً من زيه إذ ذاك ولأن همته كانت معمورة بهم وبمعرفتهم وكان يتأمل ويتفطن وإنكارهم إياه كان لطول العهد ومفارقته إياهم في سن الحداثة ولاعتقادهم أنه قد هلك ولذهابه عن قلة أفكارهم فيه ولبعد ماله التي بلغها من الملك والسلطان عن حالته التي فارقوه عليها طريحاً في البئر مشرياً بدراهم معدودة حتى لو تحيل لهم أنه هو لكذبوا أنفسهم ولأن الملك مما يبدل الزي ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ما ينكر منه المعروف. {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} وكان الجهاز الذي لهم هو الطعام الذي امتاروه وفي الكلام حذف تقديره وقد كان استوضح منهم أنه لهم أخ قعد عند أبيه روي أنه لما عرفهم أراد أن يخبروه بجميع أمرهم فباحثهم بأن قال لهم ترجمانه أظنكم جواسيس فاحتاجوا إلى التعريف بأنفسهم فقالوا نحن أبناء رجل صديق وكنا اثني عشرة ذهب منا واحد في البرية وبقي أصغرنا عند أبينا ونحن جئنا للميرة وسقنا بعير الباقي منا وكانوا عشرة بعيراً فقال لهم يوسف ولم تخلف أحدكم قالوا لمحبة أبينا فيه قال: فأتوني بهذا الأخ حتى أعلم حقيقة قولكم وأرى لم أحبه أبوكم أكثر منكم إن كنتم صادقين ثم ذكر ما يحرضهم به على الإِتيان بأخيهم بقوله: {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ} أي المضيفين يعني في قطره وفي زمانه يؤنسهم بذلك ويستميلهم ثم توعدهم إن لم يأتوا إليه بحرمانهم من الميرة في المستقبل واحتمل قوله: {وَلاَ تَقْرَبُونِ} ان يكون نهياً وان يكون نفياً مستقلاً ومعناه النهي وحذفت النون وهو مرفوع كما حذفت في قوله: {أية : فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} تفسير : [الحجر: 54]، وان يكون نفياً داخلاً في الجزاء معطوفاً على محل فلا كيل لكم عندي فيكون مجزوماً، والمعنى: انهم لا يقربون له بلداً ولا طاعة وظاهر كل ما فعله يوسف عليه السلام معهم أنه بوحي من الله وإلا فإِنه كان مقتضى البر أن يبادر إلى أبيه ويستدعيه لكن الله أراد تكميل أجر يعقوب ومحنته وليفسر الرؤيا الأولى. {قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} أي سنخادعه ونستميله في رفق إلى أن يتركه يأتي معنا إليك أكدوا ذلك الوعد بأنهم فاعلوا ذلك لا محالة لا نفرط فيه ولا نتوانى وقرىء: {لِفِتْيَانِهِ} ولفتيته فالكثرة على مراعاة المأمورين والقلة على مراعاة المتناولين فهم الخدمة الكائلون أمرهم بجعل المال الذي اشتروا به الطعام في رحالهم مبالغة في استمالتهم. {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ} أي يعرفون حق ردها وحق التكريم بإِعطاء البدلين فيرغبون فيها. {إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ} وفرغوا ظروفهم ولعلهم يعرفونها تعليق بالجعل. و{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تعليق بترجي معرفة البضاعة للرجوع إلى يوسف قيل وكانت بضاعتهم النعال والأدم. {فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ} الآية، أي رجعوا من مصر ممتارين بادروا بما كان أهم الأشياء عندهم من التوطئة لإِرسال أخيهم معهم وذلك قبل فتح متاعهم وعلمهم إحسان العزيز إليهم من ردّ بضاعتهم وأخبروا بما جرى لهم مع العزيز الذي على إهراء مصر وانه استدعى منهم العزيز أي يأتوا بأخيهم حتى يتبين له صدقهم أنهم ليسوا جواسيس وقولهم: منع منا الكيل إشارة إلى قول يوسف قال: فإِذا لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ويكون منع يراد به في المستأنف وإلا فقد كيل لهم وجاؤا بالميرة لكن لما أنذروا بمنع الكيل قالوا: منع وقيل أشاروا إلى بعير بنيامين الذي منع من الميرة وهذا أولى بحمل منع على الماضي حقيقة ولقولهم فأرسل معنا أخانا نكتل ويقويه قراءة يكتل بالياء أي يكتل أخونا فإِنما منع كيل بعبره لغيبته. {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ} هذا تقرير وتوقيف وتألم من فراقه بنيامين ولم يصرح بمنعه من حمله لما رأى في ذلك من المصلحة وشبه هذا الائتمان في ابنه هذا بائتمانه إياهم في حق يوسف قلتم فيه وإنا له لحافظون كما قلتم في هذا فأخاف أن تكيدوا له كما كدتم لذلك لكن يعقوب لم يخف عليه كما خاف على يوسف واستسلم لله فقال: {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً} وقرىء: حافظاً اسم فاعل وانتصب حفظاً وحافظاً على التمييز والمنسوب له الخير هو حفظ الله والحافظ الذي من جهة الله وجاز الزمخشري أن يكون حافظاً حالاً وليس بجيد لأن فيه تقييد خير بهذه الحالة. {وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} اعتراف بأن الله تعالى هو ذو الرحمة الواسعة فارجو منه حفظه ولا يجمع على مصيبته ومصيبة أخيه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما أراد الله تعالى أن يخرج يوسف من السجن، أرى الله الملك هذه الرؤيا العجيبة، الذي تأويلها يتناول جميع الأمة، ليكون تأويلها على يد يوسف، فيظهر من فضله، ويبين من علمه ما يكون له رفعة في الدارين، ومن التقادير المناسبة أن الملك الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي رآها، لارتباط مصالحها به. وذلك أنه رأى رؤيا هالته، فجمع لها علماء قومه وذوي الرأي منهم وقال: { إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ } أي: سبع من البقرات { عِجَافٌ } وهذا من العجب، أن السبع العجاف الهزيلات اللاتي سقطت قوتهن، يأكلن السبع السمان التي كنَّ نهاية في القوة. { وَ } رأيت { سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ } يأكلهن سبع سنبلات { يَابِسَاتٍ } { يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ } لأن تعبير الجميع واحد، وتأويله شيء واحد. { إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } فتحيروا، ولم يعرفوا لها وجها. و { قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ } أي أحلام لا حاصل لها، ولا لها تأويل. وهذا جزم منهم بما لا يعلمون، وتعذر منهم، [بما ليس بعذر] ثم قالوا: { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعَالِمِينَ } أي: لا نعبر إلا الرؤيا، وأما الأحلام التي هي من الشيطان، أو من حديث النفس، فإنا لا نعبرها. فجمعوا بين الجهل والجزم، بأنها أضغات أحلام، والإعجاب بالنفس، بحيث إنهم لم يقولوا: لا نعلم تأويلها، وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحجا، وهذا أيضا من لطف الله بيوسف عليه السلام. فإنه لو عبرها ابتداء - قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم، فيعجزوا عنها -لم يكن لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتما لها غاية، فعبرها يوسف- وقعت عندهم موقعا عظيما، وهذا نظير إظهار الله فضل آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن سألهم فلم يعلموا. ثم سأل آدم، فعلمهم أسماء كل شيء، فحصل بذلك زيادة فضله، وكما يظهر فضل أفضل خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في القيامة، أن يلهم الله الخلق أن يتشفعوا بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم السلام، فيعتذرون عنها، ثم يأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: "أنا لها أنا لها" فيشفع في جميع الخلق، وينال ذلك المقام المحمود، الذي يغبطه به الأولون والآخرون. فسبحان من خفيت ألطافه، ودقَّت في إيصاله البر والإحسان، إلى خواص أصفيائه وأوليائه. { وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا } أي: من الفتيين، وهو: الذي رأى أنه يعصر خمرا، وهو الذي أوصاه يوسف أن يذكره عند ربه { وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ } أي: وتذكر يوسف، وما جرى له في تعبيره لرؤياهما، وما وصاه به، وعلم أنه كفيل بتعبير هذه الرؤيا بعد مدة من السنين فقال: { أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ } إلى يوسف لأسأله عنها. فأرسلوه، فجاء إليه، ولم يعنفه يوسف على نسيانه، بل استمع ما يسأله عنه، وأجابه عن ذلك فقال: { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ } أي: كثير الصدق في أقواله وأفعاله. { أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } فإنهم متشوقون لتعبيرها، وقد أهمتهم. فعبر يوسف، السبع البقرات السمان والسبع السنبلات الخضر، بأنهن سبع سنين مخصبات، والسبع البقرات العجاف، والسبع السنبلات اليابسات، بأنهن سنين مجدبات، ولعل وجه ذلك - والله أعلم - أن الخصب والجدب لما كان الحرث مبنيا عليه، وأنه إذا حصل الخصب قويت الزروع والحروث، وحسن منظرها، وكثرت غلالها، والجدب بالعكس من ذلك. وكانت البقر هي التي تحرث عليها الأرض، وتسقى عليها الحروث في الغالب، والسنبلات هي أعظم الأقوات وأفضلها، عبرها بذلك، لوجود المناسبة، فجمع لهم في تأويلها بين التعبير والإشارة لما يفعلونه، ويستعدون به من التدبير في سني الخصب، إلى سني الجدب فقال: { تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا } أي: متتابعات. { فَمَا حَصَدْتُمْ } من تلك الزروع { فَذَرُوهُ } أي: اتركوه { فِي سُنْبُلِهِ } لأنه أبقى له وأبعد من الالتفات إليه { إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ } أي: دبروا أيضا أكلكم في هذه السنين الخصبة، وليكن قليلا ليكثر ما تدخرون ويعظم نفعه ووقعه. { ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } أي: بعد تلك السنين السبع المخصبات. { سَبْعٌ شِدَادٌ } أي: مجدبات جدا { يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } أي: يأكلن جميع ما ادخرتموه ولو كان كثيرا. { إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ } أي: تمنعونه من التقديم لهن. { ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } أي: بعد السبع الشداد { عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } أي: فيه تكثر الأمطار والسيول، وتكثر الغلات، وتزيد على أقواتهم، حتى إنهم يعصرون العنب ونحوه زيادة على أكلهم، ولعل استدلاله على وجود هذا العام الخصب، مع أنه غير مصرح به في رؤيا الملك، لأنه فهم من التقدير بالسبع الشداد، أن العام الذي يليها يزول به شدتها،.ومن المعلوم أنه لا يزول الجدب المستمر سبع سنين متواليات، إلا بعام مخصب جدا، وإلا لما كان للتقدير فائدة، فلما رجع الرسول إلى الملك والناس، وأخبرهم بتأويل يوسف للرؤيا، عجبوا من ذلك، وفرحوا بها أشد الفرح. __________
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):