١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ} أي فأرسل إلى يوسف فجاءه فقال يا يوسف، وإنما وصفه بالصديق وهو المبالغ في الصدق لأنه جرب أحواله وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه. {أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَـٰبِسَـٰتٍ } أي في رؤيا ذلك. {لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ } أعود إلى الملك ومن عنده، أو إلى أهل البلد إذا قيل إن السجن لم يكن فيه. {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } تأويلها أو فضلك ومكانك، وإنما لم يبت الكلام فيهما لأنه لم يكن جازماً بالرجوع فربما اخترم دونه ولا يعلمهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : يا {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِيقُ } الكثير الصدق {أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَٰبِسَٰتٍ لَّعَلِّى أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ } أي الملك وأصحابه {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } تعبيرها.
ابن عطية
تفسير : المعنى: فجاء الرسول - وهو الساقي - إلى يوسف فقال له: يا يوسف {أيها الصديق} - وسماه صديقاً من حيث كان جرب صدقه في غير شيء - وهو بناء مبالغة من صدق، وسمي أبو بكر صديقاً من صدق غيره، إذ مع كل تصديق صدق، فالمصدق بالحقائق صادق أيضاً، وعلى هذا سمي المؤمنون صديقين في قوله تعالى: {أية : والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} تفسير : [الحديد: 19]. ثم قال: {أفتنا في سبع بقرات} أي فيمن رأى في المنام سبع بقرات، وحكى النقاش حديثاً روى فيه: أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف في السجن وبشره بعطف الله تعالى عليه، وأخرجه من السجن وأنه قد أحدث للملك منامة جعلها سبباً لفرج يوسف. ويروى أن الملك كان يرى {سبع بقرات سمان} يخرجن من نهر، وتخرج وراءها {سبع عجاف}، فتأكل العجاف السمان، فكان يعجب كيف غلبتها وكيف وسعت السمان في بطون العجاف، وكان يرى {سبع سنبلات خضر} وقد التفت بها سبع يابسات، حتى كانت تغطي خضرتها فعجب أيضاً لذلك. وقوله: {لعلهم يعلمون} أي تأويل هذه الرؤيا، فيزول هم الملك لذلك وهم الناس. وقيل: {لعلهم يعلمون} مكانتك من العلم وكنه فضلك فيكون ذلك سبباً لتخلصك. وقوله تعالى: {قال تزرعون} الآية، تضمن هذا الكلام من يوسف عليه السلام ثلاثة أنواع من القول: أحدها: تعبير بالمعنى لا باللفظ. والثاني: عرض رأي وأمر به، وهو قوله: {فذروه في سنبله}. والثالث: الإعلام بالغيب في أمر العام الثامن، قاله قتادة. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل هذا ألا يكون غيباً، بل علم العبارة، أعطى انقطاع الجدب بعد سبع، ومعلوم أنه لا يقطعه إلا خصب شاف، كما أعطى أن النهر مثال للزمان. إذ هو أشبه شيء به فجاءت البقرات مثالاً للسنين. و {دأبا} معناه: ملازمة لعادتكم في الزراعة، ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : كدأبك من أم الحويرث قبلها ............................ البيت تفسير : وقرأ جمهور السبعة "دأْباً" بإسكان الهمزة، وقرأ عاصم وحده "دأَباً" بفتح الهمزة، وأبو عمرو يسهل الهمزة عند درج القراءة، وهما مثل: نهر ونهر. والناصب لقوله: {دأباً} {تزرعون}، عند أبي العباس المبرد، إذ في قوله {تزرعون} تدأبون، وهي عنده مثل قولهم: قعد القرفصاء، واشتمل الصماء؛ وسيبويه يرى نصب هذا كله بفعل مضمر من لفظ المصدر يدل عليه هذا الظاهر، كأنه قال: تزرعون تدأبون دأباً. وقوله {فما حصدتم فذروه} هي إشارة برأي نبيل نافع بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين بوجه إلا بحيلة إبقائها في السنبل، فإن الحبة إذا بقيت في خبائها انحفظت والمعنى: اتركوا الزرع في السنبل إلا ما لا غنى عنه للأكل، فيجتمع الطعام هكذا ويتركب، ويؤكل الأقدم فالأقدم؛ فإذا جاءت السنون الجدبة تقوت الناس الأقدم فالأقدم من ذلك المدخر، وادخروا أيضاً الشيء الذي يصاب في أعوام الجدب على قلته، وحملت الأعوام بعضها على بعض حتى يتخلص الناس، وإلى هذه السنين أشار النبي عليه السلام في دعائه على قريش: "حديث : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" تفسير : ، فابتدأ ذلك بهم ونزلت سنة حصت كل شيء حتى دعا لهم النبي عليه السلام فارتفع ذلك عنهم ولم يتماد سبع سنين، وروي أن يوسف عليه السلام لما خرج ووصف هذا الترتيب للملك وأعجبه أمره، قال له الملك: قد أسندت إليك تولي هذا الأمر في الأطعمة هذه السنين المقبلة، فكان هذا أول ما ولي يوسف. وأسند الأكل في قوله: {يأكلن} إلى السنين اتساعاً من حيث يؤكل فيها كما قال تعالى: {أية : والنهار مبصراً} تفسير : [النمل: 86، يونس: 67، غافر: 61] وكما قال: نهارك بطال وليلك قائم؛ وهذا كثير في كلام العرب. ويحتمل أن يسمى فعل الجدب وإيباس البلالات أكلاً، وفي الحديث: "حديث : فأصابتهم سنة حصت كل شيء"تفسير : ؛ وقال الأعرابي في السنة جمشت النجم، والتحبت اللحم، وأحجنت العظم. و {تحصنون} معناه تحرزون وتخزنون، قاله ابن عباس، وهو مأخوذ من الحصن وهو الحرز والملجأ، ومنه تحصن النساء لأنه بمعنى التحرز. وقوله: {يغاث} جائز أن يكون من الغيث، وهو قول ابن عباس ومجاهد وجمهور المفسرين، أي يمطرون، وجائز أن يكون من أغاثهم الله، إذا فرج عنهم، ومنه الغوث وهو الفرج. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم "يَعصِرون" بفتح الياء وكسر الصاد، وقرأ حمزة والكسائي ذلك بالتاء على المخاطبة، وقال جمهور المفسرين: هي من عصر النباتات كالزيتون والعنب والقصب والسمسم والفجل وجميع ما يعصر، ومصر بلد عصر لأشياء كثيرة؛ وروي أنهم لم يعصروا شيئاً مدة الجدب، والحلب منه لأنه عصر للضروع. وقال أبو عبيدة وغيره: ذلك مأخوذ من العصرة والعصر وهو الملجأ ومنه قول أبي زبيد في عثمان رضي الله عنه: [الخفيف] شعر : صادياً يستغيث غيـــر مغـــاث ولقـــد كـــان عصــرة المنجــود تفسير : ومنه قول عدي بن زيد: [الرمل] شعر : لو بغير الماء حلقـــــي شــــرق كنت كالغصّان بالماء اعتصاري تفسير : ومنه قول ابن مقبل" [البسيط] شعر : وصاحبي وهوه مستوهل زعل يحول بين حمار الوحش والعصر تفسير : ومنه قول لبيد: [الطويل] شعر : فبات وأسرى القوم آخر ليلهـم ومـا كـان وقافــاً بغيــر معصـــر تفسير : أي بغير ملتجأ، فالآية على معنى ينجون بالعصرة. وقرأ الأعرج وعيسى وجعفر بن محمد "يُعصَرون" بضم الياء وفتح الصاد، وهذا مأخوذ من العصرة، أي يؤتون بعصرة؛ ويحتمل أن يكون من عصرات السحاب ماءها عليهم، قال ابن المستنير: معناها يمطرون، وحكى النقاش أنه قرىء "يعصرون" وجعلها من عصر البلل ونحوه. ورد الطبري على من جعل اللفظة من العصرة رداً كثيراً بغير حجة.
ابن عبد السلام
تفسير : {سُنبُلاتٍ خُضْرٍ} بقر الخصب سمان وسنابله خضر، وبقر الجدب عجاف وسنابلها يابسات فعبّر ذلك بالسنين. {النَّاسِ} الملك وقومه، ويحتمل أنه عبّر بالناس عن الملك تعظيماً له.
النسفي
تفسير : {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ } أيها البليغ في الصدق وإنما قال له ذلك لأنه ذاق وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما أوَّل {أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَـٰبِسَـٰتٍ لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ } إلى الملك وأتباعه {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } فضلك ومكانك من العلم فيطلبوك ويخلصوك من محنتك {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ } هو خبر في معنى الأمر كقوله: {أية : تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَتُجَـٰهِدُونَ} )تفسير : الصف: 11) دليله قوله {فذروه في سنبله} وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في وجود المأمور به فيجعل كأنه موجود فهو يخبر عنه {دَأَبًا } بسكون الهمزة وحفص يحركه وهما مصدرا دأب في العمل، وهو حال من المأمورين أي دائبين {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ } كي لا يأكله السوس {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ } في تلك السنين {ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ } هو من إسناد المجاز جعل كل أهلهن مسنداً إليهن {مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } أي في السنين المخصبة {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ }تحرزون وتخبئون.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا}: المعنى: فجاء الرسُولُ، وهو الساقِي، إِلى يوسُفَ، فقال له: يوسُفُ أيها الصديق، وسمَّاه صِدِّيقاً من حيث كانَ جَرَّب صَدقه في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وهو بناء مبالغة مِنَ الصِّدْق، ثم قال له: {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَٰتٍ }، أي: فيمَنْ رأَى في المنامِ سَبْعَ بقراتٍ. وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ }، أي: تأويل هذه الرؤيا، فيزولَ هَمُّ المَلِكِ لذلك، وهَمُّ الناس، وقيل: {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } مكانَتَك من العلْمِ، وكُنُهَ فضلك؛ فيكونَ ذلك سبباً لتخلُّصك و{دَأَبًا }: معناه: ملازمةً لعادَتِكم في الزِّراعة. وقوله: {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ }: إِشارة برَأْي نافعٍ؛ بحسب طعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِهَا التي لا تبقَى عامين بوجْهٍ إِلا بحيلةِ إِبقائها في السُّنْبُلِ، والمعنَى: ٱتركوا الزرْعَ في السُّنبُلِ إِلا ما لا غِنَى عنه للأكْلِ فيجتمع الطَّعام هكذا، ويتركَّب ويؤكَل الأَقْدَمُ فالأقدم، وروي أنَّ يوسُفَ عليه السلام لَمَّا خَرَجَ وَوَصَفَ هذا الترتيبَ للمَلِكِ، وأعجبه أمره، قال له المَلِكُ: قَدْ أسْنَدتُّ إِليك تولِّيَ هذا الأمْرِ في الأطْعِمَةِ هذه السنينَ المُقْبِلَة، فكان هذا أوَّلَ ما وَلِيَ يوسُفُ، و{تُحْصِنُونَ } معناه: تحرزون وتخزنون؛ قاله ابن عباس، وهو مأخوذٌ من الحِصْنِ، وهو الحِرْز والمَلْجَأُ؛ ومنه: تحصُّن النساءِ؛ لأنه بمعنى التحرُّز. وقوله: {يُغَاثُ ٱلنَّاسُ}: جائز أنْ يكون من الغَيث، وهو قول ابن عبَّاس، وجمهور المفسِّرين، أي: يُمْطَرُون، وجائزٌ أنْ يكون من أغاثهم اللَّهُ: إِذا فَرَّجَ عنهم؛ ومنه الغَوْث، وهو الفَرَجُ، {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ }: قال جمهور المفسِّرين: هي من عَصْر النباتاتِ، كالزيتون، والعَنَبِ، والقَصَبِ، والسِّمْسِمِ، والفِجْلِ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصْرٍ لأشياء كثيرة.
ابو السعود
تفسير : {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ} أي أُرسل إليه فأتاه فقال: يا يوسف ووصفَه بالمبالغة في الصدق حسبما شاهده وذاق أحوالَه وجرّبها لكونه بصدد اغتنامِ آثارِه واقتباس أنوارِه فهو من باب براعة الاستهلال {أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَـٰبِسَـٰتٍ} أي في رؤيا ذلك وإنما لم يصرّح به لوضوح مرامِه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدَلالة مضمونِ الحادثة عليه حيث لا إمكان لوقوعه في عالم الشهادةِ، أي بـيِّنْ لنا مآلَها وحكمَها، وحيث عاين علوَّ رتبتِه عليه السلام في الفضل عبّر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال هو وصاحبُه أولاً: نبّئنا بتأويله وفي قوله: أفتنا مع أنه المستفتي وحده وإشعارٌ بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسةٌ بأمور العامة وأنه في ذلك مَعْبرٌ وسفيرٌ كما آذن بذلك حيث قال: {لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ} أي إلى الملك ومن عنده أو إلى أهل البلد إن كان السجنُ في الخارج كما قيل فأُنبّئهم بذلك {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} ذلك ويعملون بمقتضاه أو يعلمون فضلَك ومكانك مع ما أنت فيه من الحال فتتخلّصَ منه وإنما لم يبُتَّ القولَ في ذلك مجاراةً معه على نهج الأدب واحترازاً عن المجازفة إذ لم يكن على يقين من الرجوع فربما اختُرم دونه أو لعل المنايا دون ما تعدّاني، ولا مِنْ علمهم بذلك فربما لم يعلموه. {قَالَ} استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال يوسفُ عليه السلام في التأويل؟ فقيل: قال: {تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا} قرىء بفتح الهمزة وسكونِها وكلاهما مصدرُ دأب في العمل إذ جدّ فيه وتعِب، وانتصابُه على الحالية من فاعل تزرعون أي دائبـين أو تدأبون دأباً على أنه مصدرٌ مؤكدٌ لفعل هو الحال. أوّلَ عليه السلام البقراتِ السمانَ والسنبلاتِ الخضْرَ بستينَ مخاصيبَ والعجافَ واليابساتِ بسنينَ مُجدبةٍ فأخبرهم بأنهم يواظبون سبعَ سنين على الزراعة ويبالغون فيها إذ بذلك يتحقق الخِصْبُ الذي هو مصداقُ البقراتِ السمان وتأويلُها، ودلهم في تضاعيف ذلك على أمر نافعٍ لهم فقال: {فَمَا حَصَدتُّمْ} أي في كل سنة {فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ} ولا تَذْروه كيلا يأكلَه السوسُ كما هو شأنُ غلالِ مصرَ ونواحيها، ولعله عليه السلام استدل على ذلك بالسنبلات الخُضرِ وإنما أمرهم بذلك إذ لم يكن معتاداً فيما بـينهم، وحيث كانوا معتادين للزراعة لم يأمرهم بها وجعلَها أمراً محققَ الوقوع وتأويلاً للرؤيا مصداقاً لما فيها من البقرات السمان {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ} في تلك السنسن وفيه إرشادٌ منه عليه السلام لهم إلى التقليل في الأكل والاقتصارِ على استثناء المأكولِ دون البَذْر لكون ذلك معلوماً من قوله: تزرعون سبعَ سنين، وبعد إتمام ما أمرهم به شرَع في بـيان بقيةِ التأويلِ التي يظهر منها حكمةُ الأمر المذكور فقال:
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ} سماه الصديق فى دعواه علم الغيب ومكاشفته وعلم بانبائه العجبية صادق فى مكاشفة الذى استقام الصديقية فيه وذلك تتابع انوار الايقان والعرفان بعد كشف انوا راتلجلى فى قلبه ووصف هذا استواء الحال واستقامة الاعمال قال ابو حفص الصديق الذى لا يتغير عليه باطن امره من ظاهره قال بعضهم الصديق هو الصادق قولا وفعلا وعزما وزينة وعقدوا وقال بعضهم الصيق الذى لا يتخالف قوله فعله ولا حاله عمله قال ابن الفرجى الصديق كابى بكر رضى الله عنه الذى يبذل الكونين فى رؤية الحق لما قال النبى صلى الله عليه وسلم ما ابقيت لنفسك قال الله ورسوله.
اسماعيل حقي
تفسير : وقال يا {يوسف ايها الصديق} البليغ فى الصدق وانما وصفه بذلك لانه جرب احواله وعرف صدقه فى تاويل رؤياه صاحبه {افتنا فى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات} اى فى رؤيا ذلك فان الملك قد رأى هذه الرؤيا ففى قوله أفتنا مع ان المستفتى واحد اشعار بان الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسة بامور العامة وانه فى ذلك سفير ولم يغير لفظ الملك واصاب فيه اذ قد يكون بعد عبارات الرؤيا متعلقة باللفظ {لعلى ارجع الى الناس} [تا باشد كه بازكردم بآن جواب تمام بسوى مردمان يعنى ملك وملازمان او] {لعلهم يعلمون} [تا باشدكه ايشان ببركت تو بدانند تأويل اين واقعه را] كأنه قيل فماذا قال يوسف فىالتأويل
الطوسي
تفسير : حكى الله تعالى عن الذي نجا من الفتيين انه جاء يوسف بعد أن قال لهم أبعثوني. وقال له يا {يوسف} وحذف حرف النداء، لأنه إِسم علم {أيها الصديق} والصديق الكثير التصديق بالحق للأدلة عليه، وكل نبيّ صدّيق بهذا المعنى {أفتنا في سبع بقرات} أي اخبرنا عن حكم هذه الرؤيا، و (الفتيا) جواب عن حكم المعنى، وقد يكون الجواب عن نفس المعنى فلا يسمى فتيا. وقوله {لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون} معنى (لعل) الشك، لأنها طمع واشفاق، وانما قال ذلك لطمعه أن يكون، واشفق ان لا يكون، ولو قال لأرجع الى الناس ليعلموا، لكان فيه تعليل السؤال، غير ان الشك في (لعل) قد يكون للمتكلم، وقد يكون للمخاطب، و (الرجوع) الى الشيء المرور الى الجهة التي جاء منها، والرجوع عنه الذهاب عنه. وقوله {لعلهم يعلمون} يحتمل أمرين: - أحدهما لعلهم يعلمون بمكانك ومنزلتك. الثاني - لعلهم يعلمون تأويل الرؤيا.
الجنابذي
تفسير : {يُوسُفُ} يا يوسف {أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ} منصوب على الاختصاص او منادى ثان والمقصود ذكره بوصف مدحٍ ترغيباً فى الاهتمام بالتّعبير {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ} يعنى بعمل تأويل ذلك لاستبعاد ترجّى الرّجوع المطلق {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} تأويله او يعلمون قدرك ومنزلتك فيخرجونك من السّجن قيل: انّه نسب الرّؤيا الى نفسه فقال يوسف (ع): ما انت رأيت ذلك ولكنّ الملك رأى وعبّر الرّؤيا ثمّ بيّن لهم تدبير ذلك كما حكى الله بقوله {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً}.
اطفيش
تفسير : {يُوسُفُ} حذف حرف النداء ومتعاطفات أى فأرسلوه فأتى يوسف فى السجن فقال له: يا يوسف الخ، وروى أن الذى نجا قال: إن قول هؤلاء بأنها أضغاث أحلام باطل، بل رؤياك حق، وأن لها برهانا وإن أرسلنى إلى السجن آتك بالعجب العجاب، إن فى حبسك رجلا حكيما عليما عنده من رؤياك علم عجيب، وقد كنت أنا وصاحبى فى السجن فى المدة التى غضبت علينا فيها ورأينا كذا وكذا، وعبر لنا كذا وكذا، فكان كما قال، فقال الملك: ما منعك أن تعرفنى بأمره؟ فقال: أيها الملك خفت أن تذكر ما قيل عنا، فيكون سببا للمعاقبة، فقال له: انطلق إليه، فقد أذنت لك. وروى أنه لما قال الملك: إن لم تخبرونى بتأويلها أقتلكم، حرك الساقى رأسه وبكى، فقال له الملك: مالك تبكى؟ فقال: أيها الملك إن رؤياك هذه لا يعرفها ولا ينبئك بها إلا الغلام العبرانى الذى فى السجن، فتغير وجه الملك وقال له: إنى لم أذكره سبع سنين، ولا خطر ببالى إلا الساعة، وقال له الساقى: وأنا كذلك، فقال: من أين تدرى أنه الم بتأويل الرؤيا، فقص عليه قصته وقصة الخباز، فقال له: امض إليه واسأله عن تلك الرؤيا، فقال له: والله إنى أستحى منه، فقال له الملك: لا تستحى منه، فإنه على دين يرى أن الخير والشر من مولاه، فلا يلومنك. فأتاه الساقى يبكى وكمه على وجهه استحياء من يوسف، وتمالك واعتذر بأنه لم يقصر، ولكنه نسى، فقال له: ارفع كمك، فإن الشيطان أنساك أن تذكرنى عند ربك، فسجد الساقى بين يديه حين رضى عنه، فقال له: لمن سجدت؟ فقال: لمن أرضاك عنى، فإنى كنت خائفا من سطوتك، فقال: من أين لى سطوة؟ فقال: تيقنت أنك تصير ملكا، ثم قال له: ما حاجتك؟ فقص عليه رؤيا الملك، وأنه يريد تعبيرها، وقيل: إن الملك نسى رؤياه، فقال لهم: إن لم تخبرونى بها وبتأويلها أقتلكم، فذهب الساقى إليه فسأله فقال له: رأى كذا وكذا وتأويلها كذا وكذا، فرجع الساقى إلى الملك، وقد تذكرها الملك فأخبر بها الحاضرين بعد ذهاب الساقى، فأخبره الساقى بما قال يوسف، فتعجب فقال: كأنه الذى رآها، وأقر هو والحاضرون بفضله، وما قيل من أن الساقى لم يخبره الملك بالرؤيا، وأنه قال ليوسف: أريد أن تعلم ما رأى الملك، وأن تعلم تعبيره يرده قول يوسف: {أيُّها الصِّدِّيق أفْتِنَا فى سَبْع} أى فى رؤيا سبع {بقَراتٍ سمانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عِجافٌ وسَبعِ سُنْبلاتٍ خُضْرٍ وأخر يابِساتٍ} وإن صح ذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالآية حكاية للمعربات قوله: أخبرنا بما رأى بتفسيره بمنزلة قوله: إنه رأى كذا وكذا، فأخبرنا أيها الصديق بتفسيره، والصدِّيق المبلغ فى الصدق، وإنما عرفه صديقا لأنه فاق احواله، وظهر صدقه فى تفسير رؤياه ورؤيا الخباز، ولم يجبر عليه كذبا قط. {لَعلِّى أرْجعُ إلى النَّاسِ} الملك ومن عنده، أو أهل البلد على ما قيل: إن السجن لم يكن فى البلد، فأخبرهم بتعبيرها {لَعلَّهم يعْلَمُون} تأويلها أو فضلك ومكانك فى العلم، فيطلبوك ويخلصوك من السجن، وإنما تلفظ بلعل فى الموضعين، لأنه ليس على يقين من الرجوع لجواز أن يموت قبل الرجوع، أو يمنعه مانع، ولا على يقين من علمهم لاحتمال أن لا يصدقوه، أو لا يصدقوا يوسف، ولما سمع يوسف الرؤيا من الساقى لم يمتنع من شرحها فقال: قل للملك إن فى رؤياك هذه بلية تدخل على رعيتك، فأنظر لها قبل نزولها، لأن الملك بالرعية، والرعية بصلاح الأحوال، وحاجة الملك للخدم كحاجة الرأس للقدم، وانتفاع الملك بأعوانه كانتفاع الجسد بأعيانه، ثم أخذ يفسرها كما قال الله جل وعلا: {قَالَ تزْرَعُونَ...}
اطفيش
تفسير : {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} تقدير الكلام فأَرسلونى إِلى من يعبرها ولم تعلموه، فأَرسلوه فجاءَ إِلى يوسف، وقال: يا يوسف أَيها الصديق، وصفه بالمبالغة فى الصدق لما رأَى من خصاله الحسنة فى السجن كما مر، وصدقه فى تعبير رؤْياه إِذ قال: أَما أَحد كما إِلخ، ولم يقل أَرسلون إلى يوسف خوفاً من أَن يعرفوا أَن يوسف يعبر فيرسلوا إِليه غيره؛ ليفوز بحبهم خص بمعرفته، سمع قولهم: وما نحن بتأْويل الأَحلام بعالمين، فجثا بين يدى الملك وقال: إن فى السجن رجلا يعبر الرؤْيا فابعثونى إِليه فبعثوه، والسجن فى غير مدينة الملك عند ابن عباس، وقيل: فيها، ويقال هو على النيل بينه وبين الفسطاط ثمانية أَميال {أَفْتِنَا} لم يقل أَفتنى مع أَنه السائل وحده؛ لأَن الرؤْيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسة بأَمر العامة {فِى سَبْعِ} شأْن سبع {بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سبْعٌ عِجَافٌ وسَبْعِ} وفى سبع {سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخرَ يَابِسَاتٍ} ملتوية عليهن مزيلات لخضرتهن {لعَلَّى أَرْجِعُ} بالتأْويل {إِلَى النَّاسِ} العامة مطلقاً مع الملك، أَو الملك والسحرة والكهان والمنجمين بحضرة الملك سواءً كان السجن فى بلد الملك أَو فى بلد آخر يسير إِليه ذلك الناجى فيرجع إِلى الملك {لعَلَّهُمْ يَعْلمُونَ} تأْويلها أَو فضلك أَو كليهما: وصيغة الترجى أَولا جاءَت على أسلوب العظماءِ إِذ يأْتون بصيغة الترجى فى مقام الجزم فإِنه جازم، وكان عظيم الشأْن تحت السلطان الريان، أَو على أُسلوب البلغاءِ ولو بلا تعاظم، أَو صيغة الترجى لخوف أَن لا يصل إلى الناس بالموت أو النسيان، أَو بكم، أَو جنون أَو مانع، وصيغة الترجى ثانياً لذلك، أو لكونهم قد لا يصدقونه عن يوسف، وقد لا يفهمون، وقد لا يعتدون بتعبير يوسف، أَو لعل فى الموضعين للأدب.
الالوسي
تفسير : {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ} في الكلام حذف اي فأرسلوه فأتاه فقال: يا يوسف. ووصفه بالمبالغة في الصدق حسبما علمه وجرب أحواله في مدة إقامته معه في السجن لكونه بصدد اغتنام آثاره واقتباس أنواره، فهو من باب براعة الاستهلال. وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للمستفتي أن يعظم المفتي، واستدل بذلك على أنهما لم يكذبا على يوسف في منامهما وأنهما كذبا في قولهما: كذبنا إن ثبت. {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} أي في رؤيا ذلك، وإنما لم يصرح به لوضوح مرامه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدلالة مضمون الحادثة عليه حيث إن مثله لا يقع في عالم الشهادة، والمعنى بين لنا مآل ذلك وحكمه. وعبر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال هو وصاحبه أولاً { أية : نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } تفسير : [يوسف: 36] تفخيماً لشأنه عليه السلام حيث عاين رتبته في الفضل، ولم يقل: أفتني مع أنه المستفتي وحده إشعاراً بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسة بأمور العامة وأنه في ذلك معبر وسفير، ولذا لم يغير لفظ الملك، ويؤذن بهذا قوله: {لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ} أي إلى الملك ومن عنده أو إلى أهل البلد فأنبئهم بما أفتيت {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} ذلك ويعملون بمقتضاه أو يعلمون فضلك ومكانك مع ما أنت فيه من الحال فتتخلص منه. والجملة عند أبي حيان على الأول كالتعليل للرجوع وعلى الثاني كالتعليل لأفتنا - وإنما لم يبت القول بل قال: {لَّعَلِّيۤ} و {لَعَلَّهُمْ} مجاراة معه عليه السلام على نهج الأدب واحترازاً عن المجازفة إذ لم يكن على يقين من الرجوع: شعر : فبينما المرء في الأحياء مغتبط إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير تفسير : ولا من علمهم بذلك فربما لم يعلموه إما لعدم فهمهم أو لعدم اعتمادهم.
ابن عاشور
تفسير : الخطاب بالنداء مؤذن بقول محذوف في الكلام، وأنه من قول الذي نجا وادكر بعد أمة. وحُذف من الكلام ذكر إرساله ومشيه ووصوله، إذ لا غرض فيه من القصة. وهذا من بديع الإيجاز. و{الصدّيق} أصله صفةُ مبالغة مشتقة من الصّدْق، كما تقدم عند قوله تعالى: {وأمه صدّيقةٌ} في سورة العقود (75)، وغلب استعمال وصف الصدّيق استعمال اللقب الجامع لمعاني الكمال واستقامة السلوك في طاعة الله تعالى، لأن تلك المعاني لا تجتمع إلا لمن قوي صدقه في الوفاء بعهد الدين. وأحسنُ ما رأيت في هذا المعنى كلمة الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن قال: «الصديقون هم دُوَيْن الأنبياء». وهذا ما يشهد به استعمال القرآن في آيات كثيرة مثل قوله: { أية : فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين } تفسير : [سورة النساء: 69] الآية، وقوله: { أية : وأمه صدّيقة } تفسير : [سورة المائدة: 75]. ومنه ما لَقّب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالصدّيق في قوله في حديث رجف جبل أحُد "حديث : أُسْكُنْ أُحُد فإنما عليك نبي وصدّيق وشهيدان"تفسير : . من أجل ذلك أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه على أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جَمع الله هذا الوصف مع صفة النبوءة في قوله: { أية : واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صدّيقاً نبياً } تفسير : في سورة مريم (56). وقد يطلق الصدّيق على أصل وصفه، كما في قوله تعالى: { أية : والذين آمنوا بالله ورُسله أولئك هم الصدّيقون } تفسير : [سورة الحديد: 19] على أحد تأويلين فيها. فهذا الذي استفتَى يوسف عليه السّلام في رؤيا الملِك وَصَف في كلامه يوسف عليه السّلام بمعنى يدل عليه وصف الصدّيق في اللسان العربي، وإنما وصفه به عن خبرة وتجربة اكتسبها من مخالطة يوسف عليه السّلام في السجن. فضمّ ما ذكرناه هنا إلى ما تقدم عند قوله تعالى: { أية : وأمه صدّيقةٌ } تفسير : في سورة العقود (75)، وإلى قوله: {أية : مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين} تفسير : في سورة النساء (69). وإعادة العِبارات المحكية عن الملك بعينها إشارة إلى أنه بلّغ السؤال كما تلقاه، وذلك تمام أمانة الناقل. و{الناس} تقدم في قوله: { أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله } تفسير : في سورة البقرة (8). والمراد بـــ {الناس} بعضهم، كقوله تعالى: { أية : الذينَ قال لهم النّاس إن النّاس قد جمعوا لكم } تفسير : [سورة آل عمران: 173]. والناس هنا هم الملك وأهل مجلسه، لأن تأويل تلك الرؤيا يهمهم جميعاً ليعلم الملك تأويل رؤياه ويعلم أهل مجلسه أن ما عجزوا عن تأويله قد علمه من هو أعلم منهم. وهذا وجه قوله: {لعلهم يعلمون} مع حذف معمول {يعلمون} لأن كل أحد يعلم ما يفيده علمه.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَقَرَاتٍ} {سُنْبُلاَتٍ} {يَابِسَاتٍ} (46) - وَجَاءَ الشَّابُّ إِلى يُوسُفَ، وَسَأَلَهُ عَنْ تَفْسِيرِ حُلْمِ المَلِكِ، وَنَعَتَهُ بِالصَّدِّيقِ، لِمَا عَرَفَهُ فِيهِ مِنَ الصَّلاَحِ وَالصِّدْقِ، وَرَجَاهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ تَفْسِيرَ حُلْمٍ رَأَى فِيهِ المَلِكُ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ مَهَازِيلُ، وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ يَابسَات، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ بَالتَّفْسِيرِ الصَّحِيحِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ مَعْنَى هذا الحُلْمِ، وَلِيَعْرِفُوا لِيُوسُفَ فَضْلَهُ وَعِلْمَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله: {أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ ..} [يوسف: 46]. يدل على أنه قد جرَّبه في مسائل متعددة، وثبت صدقه. و"صِدِّيق" لا يقتصر معناها على أنه صادق في كل أقواله؛ وصادق في كل أفعاله، وصادق في كل أحواله، ولكن معناها يتسع لِيدُلَّنا على أن الصدق ملازم له دائماً في القول وفي الفعل. أما في الأقوال فصدقه واضح؛ لأنه يقول القضية الكلامية ولها واقع من الخارج يدلُّ عليها. وأما صدق الأفعال فهو ألاَّ تُجرِّب عليه كلاماً، ثم يأتي فعله مخالفاً لهذا الكلام؛ وهذا هو مَنْ نطلق عليه "صِدِّيق". ونحن نعلم أن حركات الإنسان في الحياة تنقسم قسمين؛ إما قول وإما فعل؛ والقول أداته اللسان، والفعل أداته كل الجوارح. إذن: فهناك قول، وهناك فعل؛ وكلاهما عمل؛ فالقول عمل؛ والرؤية بالعين عمل؛ والسمع بالأذن عمل، والمسُّ باليد عمل. لكن القول اختصَّ باللسان، وأخذتْ بقية الجوارح الفعل؛ لأن الفعل هو الوسيلة الإعلامية بين متكلم وبين مخاطب، وأخذ شق الفعل. وهكذا نعلم أن الفعل قسمان: إما قول؛ وإما فعل. والصِّدِّيق هو الذي يصدُق في قوله، بأن تطابق النسبة الكلامية الواقع، وصادق في فعله بألاَّ يقول ما لا يفعل. ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف: 3] . ونعلم أن ساقي الملك كانت له مع يوسف تجربتان: التجربة الأولى: تجربة مُعَايشته في السجن هو وزميله الخباز، وقولهما له: {أية : إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [يوسف: 36]. وكان قولهما هذا هو حيثية سؤالهم له أن يُؤوِّل لهما الرؤييين: {أية : قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 36]. والتجربة الثانية: هي مجيء واقع حركة الحياة بعد ذلك مطابقاً لتأويله للرؤييين. ولذلك يقول له هنا: {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 46]. أي: أفتِنَا في رُؤيا سبع بقرات سِمَان؛ يأكلهن سبعُ بقرات شديدة الهُزَال، وسبع سُنْبلات خُضْر، وسبع أُخر يابسات، لَعلِّي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون. وقوله: {أَفْتِنَا ..} [يوسف: 46]. يوضح أنه لا يسأل عن رؤيا تخصُّه؛ بل هي تخص رائياً لم يُحدده، وإنْ كنا قد عرفنا أنها رُؤيا الملك. وقوله: {لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ ..} [يوسف: 46]. هو تحرُّز واحتياط في قضية لا يجزم بها؛ وهو احتياط في واقع قدر الله مع الإنسان، والسائل قد أخذ أسلوب الاحتياط؛ ليخرجه من أن يكون كاذباً، فهو يعلم أن أمر عودته ليس في يده؛ ولذلك يُعلمنا الله: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} تفسير : [الكهف: 23-24]. وساعة تقول: "إن شاء الله" تكون قد أخرجتَ نفسك من دائرة الكذب؛ وما دُمْتَ قد ذكرتَ الله فهو سبحانه قادر على أن يَهديك إلى الاختيار المناسب في كل أمر تواجه فيه الاختيار. فكأن الله يُعلِّم عباده أن يحافظوا على أنفسهم، بأن يكونوا صادقين في أقوالهم وأفعالهم؛ لأنك مهما خططتَ فأنت تخطط بعقل موهوب لك من الله؛ وحين تُقدِم على أيِّ فعل؛ فأيُّ فعل مهما صَغُر يحتاج إلى عوامل متعددة وكثيرة، لا تملك منها شيئاً؛ لذلك فعليك أنْ تردَّ كلَّ شيء إلى مَنْ يملكه. وهنا قال الساقي: {لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ ..} [يوسف: 46]. وبذلك يُعلِّمنا الحق سبحانه الاحتياط. وأضاف الحق سبحانه على لسان الرجل: {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 46]. وكأن الرجل قد عرف أنه حين يأخذ التأويل من يوسف عليه السلام؛ ويعود به إلى الناس؛ فهو لا يعلم كيف يستقبلون هذا التأويل؟ أيستقبلونه بالقبول، أم بالمُحاجَّة فيه؟ أو يستقبلون التأويل بتصديق، ويعلمون قَدْرك ومنزلتك يا يوسف؛ فيُخلِّصوك مما أنت فيه من بلاء السجن. وقوله تعالى: {لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ ..} [يوسف: 46]. قد يدفع سائلاً أن يقول: مَنِ الذي كلَّف الساقي بالذَّهاب إلى يوسف؛ أهو الملك أم الحاشية؟ ونقول: لقد نسبها الساقي إلى الكل؛ للاحتياط الأدائي. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {قَالَ تَزْرَعُونَ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1317- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ}: [الآية: 46]، قال: أما السمان، فسنُونٌ فيها خصب، وأما السبع العجاف فسنُون مجدبةٌ لا تنبت شيئاً وأما قوله: {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً}: [الآية: 48]، فيقول: يأكلن ماكنتُم اتخذتم فيهن من القوت {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ}: [الآية: 48]، قال: قتادة: فزاده الله علم سنة لم يسألوه عنها. فقال: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [الآية: 49]، قال: يعْصِرُون الأعناب والثمار.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):