Verse. 1643 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

قَالَ تَزْرَعُوْنَ سَبْعَ سِنِيْنَ دَاَبًا۝۰ۚ فَمَا حَصَدْتُّمْ فَذَرُوْہُ فِيْ سُنْۢبُلِہٖۗ اِلَّا قَلِيْلًا مِّمَّا تَاْكُلُوْنَ۝۴۷
Qala tazraAAoona sabAAa sineena daaban fama hasadtum fatharoohu fee sunbulihi illa qaleelan mimma takuloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال تزرعون» أي ازرعوا «سبع سنين دأبا» متتابعة وهي تأويل السبع السمان «فما حصدتم فذروه» أي اتركوه «في سنبله» لئلا يفسد «إلا قليلا مما تأكلون» فادرسوه.

47

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه عليه السلام ذكر تعبير تلك الرؤيا فقال: {تَزْرَعُونَ } وهو خبر بمعنى الأمر، كقوله: { أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ } تفسير : [البقرة: 228] { أية : وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ } تفسير : [البقرة: 233] وإنما يخرج الخبر بمعنى الأمر، ويخرج الأمر في صورة الخير للمبالغة في الإيجاب، فيجعل كأنه وجد فهو يخبر عنه والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: {فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ } وقوله: {دَأَبًا } قال أهل اللغة: الدأب استمرار الشيء على حالة واحدة وهو دائب بفعل كذا إذا استمر في فعله، وقد دأب يدأب دأباً ودأباً أي زراعة متوالية في هذه السنين. قال أبو علي الفارسي: الأكثرون في دأب الإسكان ولعل الفتحة لغة، فيكون كشمع وشمع، ونهر ونهر. قال الزجاج: وانتصب دأباً على معنى تدأبون دأباً. وقيل: إنه مصدر وضع في موضع الحال، وتقديره تزرعون دائبين فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون كل ما أردتم أكله فدوسوه ودعوا الباقي في سنبله حتى لا يفسد ولا يقع السوس فيه، لأن إبقاء الحبة في سنبله يوجب بقاءها على الصلاح {ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ } أي سبع سنين مجدبات، والشداد الصعاب التي تشتد على الناس، وقوله: {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } هذا مجاز، فإن السنة لا تأكل فيجعل أكل أهل تلك السنين مسنداً إلى السنين. وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ } الإحصان الإحراز، وهو إلقاء الشيء في الحصن يقال أحصنه إحصاناً إذا جعله في حرز، والمراد إلا قليلاً مما تحرزون أي تدخرون وكلها ألفاظ ابن عباس رضي الله عنهما، وقوله: {ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ } قال المفسرون السبعة المتقدمة سنو الخصب وكثرة النعم والسبعة الثانية سنو القحط والقلة وهي معلومة من الرؤيا، وأما حال هذه السنة فما حصل في ذلك المنام شيء يدل عليه بل حصل ذلك من الوحي فكأنه عليه السلام ذكر أنه يحصل بعد السبعة المخصبة والسبعة المجدبة سنة مباركة كثيرة الخير والنعم، وعن قتادة زاده الله علم سنة. فإن قيل: لما كانت العجاف سبعاً دل ذلك على أن السنين المجدبة لا تزيد على هذا العدد، ومن المعلوم أن الحاصل بعد انقضاء القحط هو الخصب وكان هذا أيضاً من مدلولات المنام، فلم قلتم إنه حصل بالوحي والإلهام؟ قلنا: هب أن تبدل القحط بالخصب معلوم من المنام، أما تفصيل الحال فيه، وهو قوله: {فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } لا يعلم إلا بالوحي، قال ابن السكيت يقال: غاث الله البلاد يغيثها غيثاً إذا أنزل فيها الغيث وقد غيثت الأرض تغاث، وقوله: {يُغَاثُ ٱلنَّاسُ } معناه يمطرون، ويجوز أن يكون من قولهم: أغاثه الله إذا أنقذه من كرب أو غم، ومعناه ينقذ الناس فيه من كرب الجدب، وقوله: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } أي يعصرون السمسم دهناً والعنب خمراً والزيتون زيتاً، وهذا يدل على ذهاب الجدب وحصول الخصب والخير، وقيل: يحلبون الضروع، وقرىء {يَعْصِرُونَ } من عصره إذا نجاه، وقيل: معناه يمطرون من أعصرت السحابة إذا عصرت بالمطر، ومنه قوله: { أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً } تفسير : [النبأ: 14].

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {قَالَ تَزْرَعُونَ} لما أعلمه بالرؤيا جعل يفسّرها له، فقال: السبع من البقرات السّمان والسّنبلات الخضر سبع سنين مخصِبات؛ وأما البقرات العِجاف والسّنبلات اليابسات فسبع سنين مجدِبات؛ فذلك قوله: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً} أي متوالية متتابعة؛ وهو مصدر على غير المصدر، لأن معنى «تَزْرَعُونَ» تدأبون كعادتكم في الزراعة سبع سنين. وقيل: هو حال؛ أي دائبين. وقيل: صفة لسبع سنين، أي دائبة. وحكى أبو حاتم عن يعقوب «دَأَباً» بتحريك الهمزة، وكذا روى حفص عن عاصم، وهما لغتان، وفيه قولان، قول أبي حاتم: إنه من دَئِب. قال النحاس: ولا يعرف أهل اللغة إلا دَأَبَ. والقول الآخر: إنه حُرِّكَ لأن فيه حرفاً من حروف الحلق؛ قاله الفراء، قال: وكذلك كل حرف فتح أوله وسكن ثانيه فتثقيله جائز إذا كان ثانيه همزة، أو هاء، أو عيناً، أو غيناً، أو حاء، أو خاء؛ وأصله العادة؛ قال:شعر : كدَأْبِكَ مِنْ أمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا تفسير : وقد مضى في «آل عمران» القول فيه. {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} قيل: لئلا يتسوّس، وليكون أبقى؛ وهكذا الأمر في ديار مصر. {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} أي ٱستخرجوا ما تحتاجون إليه بقدر الحاجة؛ وهذا القول منه أمر، والأول خبر. ويحتمل أن يكون الأول أيضاً أمراً، وإن كان الأظهر منه الخبر؛ فيكون معنى «تَزْرَعُونَ» أي ٱزرعوا. الثانية: هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال؛ فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور فهو مصلحة، وكل ما يُفوّت شيئاً منها فهو مفسدة، ودفعه مصلحة؛ ولا خلاف أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية؛ ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية، ومراعاة ذلك فضل من الله عز وجل ورحمة رحم بها عباده، من غير وجوب عليه، ولا ٱستحقاق؛ هذا مذهب كافة المحقِّقين من أهل السنّة أجمعين؛ وبسطه في أصول الفقه.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا}أي على عادتكم المستمرة وانتصابه على الحال بمعنى دائبين، أو المصدر بإضمار فعله أي تدأبون دأباً وتكون الجملة حالاً. وقرأ حفص {دَأَبًا } بفتح الهمزة وكلاهما مصدر دأب في العمل. وقيل {تَزْرَعُونَ } أمر أخرجه في صورة الخبر مبالغة لقوله: {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ } لئلا يأكله السوس، وهو على الأول نصيحة خارجة عن العبارة. {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ } في تلك السنين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ تَزْرَعُونَ } أي ازرعوا {سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا } متتابعة وهي تأويل (السبع السمان) {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ } أي اتركوه {فِى سُنبُلِهِ } لئلا يفسده {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ } فادرسوه.

ابن عبد السلام

تفسير : {دَأَباً} تباعاً، أو العادة المألوفة في الزراعة. {تَزْرَعُونَ} خبر أو أمر لأنه نبي يأمر بالمصالح. {فَذَرُوهُ} أمر لأن ما في السنبل مدخر لا يؤكل.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. "حديث : لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه - والله يغفر له - حين سئل عن البقرات العجاف والسمان. ولو كنت مكانه - والله يغفر له - حين أتاه الرسول، لبادرتهم الباب. ولكنه أراد أن يكون له العذر ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد - رضي الله عنه - قال: لم يرض يوسف عليه السلام أن أفتاهم بالتأويل حتى أمرهم بالرفق، فقال: {تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله} لأن الحب إذا كان في سنبله لا يؤكل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فذروه في سنبله} قال: أراد يوسف عليه السلام بالبقاء. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله {فذروه في سنبله} قال في بعض القراءة الأولى: هو أبقى له لا يؤكل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم - رضي الله عنه - أن يوسف عليه السلام في زمانه كان يصنع لرجل طعام اثنين، فيقربه إلى الرجل فيأكل نصفه ويدع نصفه، حتى إذ ما كان يوماً قرَّبهُ له فأكله فقال له يوسف عليه السلام: هذا أول يوم من السبع الشداد. وأخرج عبد الرزاق وابن جرر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد} قال: هن السنون المحول الجدوب. وفي قوله {يأكلن ما قدمتم لهن} يقول: يأكلن ما كنتم اتخذتم فيهن من القوت {إلا قليلاً مما تحصنون} أي مما تدخرون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {مما تحصنون} يقول: تخزنون. وفي قوله {وفيه يعصرون} يقول: الأعناب والدهن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {عام فيه يغاث الناس} يقول: يصيبهم فيه غيث {وفيه يعصرون} يقول: يعصرون فيه العنب، ويعصرون فيه الزيت، ويعصرون من كل الثمرات. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه آخر، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وفيه يعصرون} يحتلبون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنهما - في قوله {وفيه يعصرون} يحتلبون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس} قال: يغاث الناس بالمطر، {وفيه يعصرون} الثمار والأعناب والزيتون من الخصب. وهذا علم آتاه الله علمه لم يكن فيما سئل عنه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {ثم يأتي من بعد ذلك عام ...} الآية. قال: زادهم يوسف عليه السلام علم سنة لم يسألوه عنه. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {ثم يأتي من بعد ذلك عام} قال: أخبرهم بشيء لم يسألوه عنه وكان الله تعالى قد علمه إياه {فيه يغاث الناس} بالمطر {وفيه يعصرون} السمسم دهناً، والعنب خمراً، والزيتون زيتاً. وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه {فيه يغاث الناس} قال: بالمطر {وفيه يعصرون} قال: يعصرون أعنابهم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك - رضي الله عنه {فيه يغاث الناس} قال: يغاث الناس بالمطر {وفيه يعصرون} قال: الزيت. وأخرج ابن جرير، عن علي بن طلحة - رضي الله عنه - قال: كان ابن عباس - رضي الله عنه - يقرأ {وفيه تعصرون} بالتاء، يعني تحتلبون. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عبدان المروزي - رضي الله عنه - عن عيسى بن عبيد عن عيسى بن عمير الثقفي - رضي الله عنه - قال: سمعته يقرأ {فيه يغاث الناس وفيه تعصرون} بالتاء، يعني الغياث المطر، ثم قرأ {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً}.

القشيري

تفسير : لم يقدِّم الدعاءَ إلى الله تعالى على تعبير هذه الرؤيا كما فعل في المرة الأولى، لأن هذا السائل هو الذي دعاه في المرة الأولى. فإمَّا أنه قد قَبِلَ في المرة الثانية، وإمَّا أنه لم يقبل فَيَئِسَ منه فأهمله. وصاحبُ الرؤيا الثانية كانت المَلِكَ وكان غائباً، والوعظ والدعاء لا يكونا إلا في المشاهدة دون المغايبة. ويقال يحتمل أن يكون قد تفرَّس في الفَتَيان قبولَ التوحيد فإنَّ الشباب ألينُ قلباً، أمَّا في هذا الموضع فقد كان المَلِكُ أصلبَ قلباً وأفظَّ جانِباً؛ فلذلك لم يَدْعُه إلى التوحيد لِمَا تفرَّسَ فيه من الغِلظة.

اسماعيل حقي

تفسير : فقيل {قال تزرعون سبع سنين دأبا} مصدر دأب فى العمل اذا جدّ فيه وتعب وانتصابه على الحالية من فاعل تزرعون بمعنى دائبين مستمرين على الزراعة على عادتكم بجد واجتهاد والفرق بين الحرث والزرع ان الحرث القاء البذر وتهيئة الارض والزرع مراعاته وانباته ولهذا قال {أية : افرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون} تفسير : فاثبت لهم الحرث ونفى عنهم الزرع فالزرع اعم لانه يقال زرع اى طرح البذر وزرع الله اى انبت كما فى القاموس اخبرهم انهم يواظبون سبع سنين على الزراعة ويبالغون فيها اذ بذلك يتحقق الخصب الذى هو مصداق البقرات السمان وتأويلها ودلهم فى تضاعيف ذلك على امر نافع لهم فقال {فما حصدتم} [بس آنجه بدرويد ازغلات در هر سال] {فذروه فى سنبله} الا تركوه فيه ولا تذروه كيلا يأكله السوس كما هو شأن غلال مصر ونواحيها ولعله استدل على ذلك بالسنبلات الحضر وانما امرهم بذلك اذ لم يكن معتادا فيما بينهم وحيث كانوا معتادين للزراعة لم يأمرهم بها وجعلها امرا محقق الوقوع وتأويلا للرؤيا ومصداقا لما فيها من البقرات السمان {الا قليلا} [مكراندكى بقدر حاجت] {مما تأكلون} فى تلك السنين فأنتم تدرسون وقت حاجتكم اليه. وفيه ارشاد منه عليه السلام لهم الى التقليل فى الاكل والاقتصار على استثناء المأكول دون البذر لكون ذلك معلوما من قوله قال تزرعون سبع سنين وبعد اتمام ما امرهم به شرع فى بيان بقية التأويل التى يظهر منها حكمة الامر المذكور

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى عن يوسف ما أجاب به المستفتي عن تعبير الرؤيا التي رآها الملك، فقال له إنكم {تزرعون سبع سنين دأباً} أي مستمرة. وقيل: متوالية. وقيل: على عادتكم. والدأب استمرار الشيء على عادة، يقال هو دأب بفعل كذا إذا استمر في فعله، وقد دأب يدأب دأباً. وسكن القراء كلهم الهمزة، إِلا حفصاً فانه فتحها، وهي لغة مثل سمع، وسمع، ونهر ونهر. ونصب {دأباً} على المصدر أي تدأبون دأباً، وكلهم همز إلا من مذهبه ترك الهمزة وأبو عمرو اذا أدرج. وقوله {فما حصدتم فذروه في سنبله إِلا قليلاً مما تأكلون} حكاية عن تمام ما قال يوسف له: من أن ما تحصدونه لا تذرّوه ولا تدرسونه، ودعوه في السنبل إلا القليل الذي تأكلونه. وقيل إنما أمرهم بذلك، لأن السنبل لا يقع فيه السوس، ولا يهلك، وان بقي مدة من الزمان، واذا صفي أسرع اليه الهلاك، و (الزرع) طرح الحب في الارض بالدفن مع التعاهد له بالسقي، تقول. زرع يزرع زرعاً، وازرع ازراعاً، وزارعه مزارعة، و (الحصد) قطع الزرع، حصده يحصده حصداً واستحصد الزرع إذا جاز حصاده.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً} قرئ بسكون الهمزة وفتحها وهما مصدرا دَآبَ فى الأمر استمرّ على عادته فيه وهو جواب السّؤال كان مذكوراً لم يحك او لسؤال مقدّر كأنّه قال: ما ندبّر لذلك؟- قال: تزرعون، ويجوز ان يكون تعبيراً للرّؤيا مع شيءٍ زائدٍ فانّه افاد القحط والتّدبير والخصب قبل القحط {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} لئلاّ يفسد ويتدوّد {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} فى تلك السّنين تخرجونه من سنبله.

الهواري

تفسير : قوله: { قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً} [أي: دائبين كعادتكم] { فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ} أراد بذلك البقاء. لأنه إذا كان في السنبل كان أبقى له { إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ}. قال: { ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ} أي: مجدبة {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} أي: في السنين المخاصب { إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} أي: إلا قليلاً مما [تحرزون وتدخرون]. { ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} قد فسّرناه في الآية الأولى. فأخبرالملك أن يوسف هو الذي عبر الرؤيا. { وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ} أي: رسولُ الملك جاء يوسفَ. { قَال} له يوسف { ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} أي: إلى سيدك، يعني الملك، وهذا كلامهم يومئذٍ، قال: {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي: حززن أيديهن {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رحم الله أخي يوسف، لو كنت أنا دعيت لأسرعت في الإِجابة تفسير : ، قال بعضهم: أراد ألا يخرج حتى يكون له عذر. فأرسل إليهن الملك، فدعاهن فـ {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ} في يوسف، أي: ما حجتكن. { إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} أي: بالكلام والدعاء إلى المرأة. قال الحسن: قد كان منهن عون للمرأة عليه، وكان منهن شيء. { قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} فانتفين من ذلك {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ} أي: من زنا. والسوء ها هنا الزنا. {قَالَتِ امْرَأَتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ} أي: الأن تبيّن الحق {أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} فانقضى كلام المرأة.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} يوسف {تزْرَعُون سَبْع سِنينَ دَأبا} أى تزرعون على عادتكم المستمرة، فالجملة خبرية لفظا ومعنى، والدأب العادة، العادة، قال أبو عمرو الدانى: قرأ حفص:دأبا بتحريك الهمزة، يعنى تحريكها بالفتح كدال والباقون بإسكان ا هـ، وعلى القراءتين هو مصدر دأب فى العمل ونصبه على نزع الخافض، أى على العادة، ولكنه نكر للتعظيم فإنهم كانوا يزرعون فى العادة بجد واجتهاد، وقد فسر بعضهم دأبا بجد واجتهاد، أو على الحالية من وقوع المصدر حالا مبالغة، أو بتأويل بأسم الفاعل فى دائبين، أو تقدير مضاف أى ذوى دأب، أو على المفعولية المطلقة لتزرعون بتقدير مضاف، أى زراعة دأب، أو لمحذوف أى تدأبون دأبا، وعلى هذا فالجملة المقدرة حال، وقيل تزرعون فى معنى الأمر، وإنما جاء بصيغة الأخبار مبالغة فى أن يمتثلوا كأنهم قد امتثلوا قوله وقبلوه، فهو يخبر عن قبولهم بدليل قوله: {فَما حَصَدْتم فَذَرُوه} اتركوه {فى سُنْبلهِ} لئلا يأكله السوس، على عادة طعام مصر وحنطتها التى لا لتبقى عامين بوجه إلا بحيلة إبقائها فى السنبل، وذلك نصيحة خارجة عن عبارة الرؤيا، سواء جعلنا تزرعون إخبارا أو بمعنى الأمر. {إلا قَليلاً ممَّا تأكُلُون} فى تلك السنين فادرسوه، أى تدرسون كل سنة قليلا يكفى السنة بمرة، أو تدرسون ما يكفى السنة شيئا فشيئا بحسب الحاجة، وهذا أولى تأكلونه فيها، ويجمع الطعام هكذا للسنين المجدبة، ويأكل الأقدم فالأقدم، والورق، والسوق، والتبن، والقشور للدواب، كذلك الفاء الأولى رابطة لشرط محذوف، والثانية فى جواب شرط مذكور، ومن للبيان، فتلك السنون هى البقرات السمان، والسنبلات الخضر لو ألقيت الحبة فيهن على حجر يابس لنبتت وأخرجت الحب الكثير ولا تُخطئ حبة من بذر إلا نبتت، واصنعوا فى الأرض الهواء واخزنوه فيها وفى المخازن، ويكون التبن والسوق والأوراق علفاً للدواب.

اطفيش

تفسير : {قَالَ تَزْرَعُونَ} الخطاب للملك ومن معه {سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً} هذا جواب سؤال، كأَنه قيل: فماذا قال يوسف؟ فقيل: قال: تزرعون سبع سنين دأَبا،أَى اللائِق برؤياكم أَن تزرعوا سبع سنين دأَبا أَى عادة مفعول مطلق أَى زرع دأَب أَى زرع عادتكم، ولو زاد بقدرة الله حتى تقع الحبة فى تراب قليل وندى قليل فتنبت االثمرة، أَو تدأَبون دأَباً أَو ذوى دأَب أَو دائِبين، والمراد التعب، يقال دأَب أَى كد فى العمل، ونقل إِلى معنى العادة، والجملة إِخبار بالغيب أَنهم يزرعون دأَباً، إِلخ، أَو بمعنى الأَمر فيكون جيىءَ به فى صيغة الخبر مبالغة كأَنه أَمرهم بالزرع فوقع فهو يخبر به {فَمَا حَصدتُّمْ} إِلخ عطف طلب على طلب، إِذا قلنا تزرعون بمعنى ازرعوا وطلب خبرين قلنا تزرعون إِخبار بالغيب وإِنما قلت ما حصدتم إِلخ طلب لأَن جواب الشرط طلب وهو ذروه، وما الشرط إِلا قيد له، لا ما قيل إِن جملة الشرط والجزاء خبرية، ولو كان الجزاءُ طلباً ليت شعرى أَى شىءٍ أَخبر وهو يقول: افعل كذا ولا تفعل، ولا مانع من أَن يقال جواب شرط محذوف أَى أَن تزرعوا فما حصدتم إلخ على أَن تزرعون مراد به أَمر، وأَما على الإِخبار بالغيب فلا يصح أَن تزرعوا فما حصدتم إِلا بالتوسع {فَذَرُوهُ} اتركوه {فِى سُنْبُلِهِ} لئَلا يأْكله الدود الذى يأْكل الثمار المنزوعة عن نبتها فى مصر ونواحيها لا تبقى عامين أَو أَكثر إِلا باحتيال، والمراد بالذات الأَمر بتركه فى سنبله، وأَما الزرع فمما يزرعون بالأَمر منه كذا قيل، وهو مبنى على أَن المعنى تزرعون على عادتكم ولا يتعين لجواز أن يكون المعنى جدوا فى الزرع وبالغوا كما مر التلويح، وحينئذ يناسب أَن المعنى ازرعوا سبع سنين باجتهاد وذروا ما حصدتم فى سنبله إِلا أَن كون تزرعون بمعنى الإِخبار كلفظه هو المناسب لكون ذلك تفسير الرؤْيا ولو لم يخل الأَمر عن مناسبة كأَنه قيل: افعلوا كذا يحصل تأْويلها {إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ} مثل أَن تنزعوا عن التبن ما يكفى يوماً أَو أُسبوعاً أَو شهراً، وهكذا إِلى تمام سبع السنين الخصيبة، وفى ذلك حرز التبن أَيضاً للدواب، وكان عليه السلام بعد ما أَخبرهم بتوقع الشدة، وكان يصنع لرجل طعاماً فيقر به للرجل فيأْكل نصفه، ولما قربت أَكل الرجل طعام اثنين، فقال هذا أَول يوم من الشداد.

الالوسي

تفسير : {قَالََ} مستأنف على قياس ما مر غير مرة {تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً} قرأ حفص بفتح الهمزة والجمهور بإسكانها، وقرئ - داباً - بألف من غير همز على التخفيف، وهو في كل ذلك مصدر لدأب وأصل معناه التعب، ويكنى به عن العادة المستمرة لأنها تنشأ من مداومة العمل اللازم له التعب، و انتصابه على الحال من ضمير {تَزْرَعُونَ} أي دائبين أو ذوي دأب، وأفرد لأن المصدر الأصل فيه الإفراد أو على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف أي تدأبون دأباً. والجملة حالة أيضاً، وعند المبرد مفعول مطلق - لتزرعون - وذلك عنده نظير قعد القرفصاء وليس بشيء. وقد أوَّل عليه السلام البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، فأخبرهم بأنهم يوظبون على الزراعة سبع سنين ويبالغون فيها إذ بذلك يتحقق الخصب الذي هو مصداق البقرات السمان وتأويلها، وقيل: المراد الأمر بالزراعة كذلك، فالجملة خبر لفظاً أمر معنى، وأخرج على صورة الخبر مبالغة في إيجاب إيجاده حتى كأنه وقع وأخبر عنه. وأيد بأن قوله تعالى: {فَمَا حَصَدتُّمْ} أي في كل سنة {فَذَرُوهُ في سُنبُله} ولا تذروه كيلا يأكله السوس كما هو شأن غلال مصر ونواحيها إذا مضى عليها نحو عامين، ولعله استدل على ذلك بالسنبلات الخضر يناسب كونه أمراً مثله، قيل: لأنه لو لم يؤوّل ذلك بالأمر لزم عطف الإنشاء على الخبر لأن - ما - إما شرطية أو موصولة متضمنة لمعنى الشرط، وعلى كل حال فلكون الجزاء إنشاء / تكون إنشائية معطوفة على خبرية. وأجيب بأنا لا نسلم أن الجملة الشرطية ا لتي جوابها إنشائي إنشائية، ولو سلم فلا نسلم العطف بل الجملة مستأنفة لنصحهم وإرشادهم إلى ما ينبغي أن يفعلوه حيث لم يكن معتاداً لهم كما كان الزرع كذلك، أو هي جواب شرط مقدر أي إن زرعتم فما حصدتم الخ، وأيضاً يحتمل الأمر عكس ما ذكروه بأن يكون ذروه بمعنى تذروه، وأبرز في صورة الأمر لأنه بإرشاده فكأنهم أمرهم به. والتحقيق ما في "الكشف" من أن الأظهر أن {تَزْرَعُونَ} على أصله لأنه تأويل المنام بدليل قوله الآتي: { أية : ثُمَّ يَأْتِي } تفسير : [يوسف: 48] وقوله: {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ} اعتراض اهتماماً منه عليه السلام بشأنهم قبل تتميم التأويل، وفيه ما يؤكد أمر السابق واللاحق كأنه قد كان فهو يأمرهم بما فيه صلاحهم وهذا هو النظم المعجز انتهى. وذكر بعضهم أن - ما حصدتم - الخ على تقدير كون {تَزْرَعُونَ} بمعنى ازرعوا داخل في العبارة فإن أكل السبع العجاف السبع السمان وغلبة السنبلات اليابسات الخضر دال على أنهم يأكلون في السنين المجدبة ما حصل في السنين المخصبة، وطريق بقائه تعلموه من يوسف عليه السلام فبقي لهم في تلك المدة. وقيل: إن تزرعون على هذا التقدير وكذا ما بعده خارج عن العبارة، والكل كما ترى. {إلاَّ قَليلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} أي اتركوا ذلك في السنبل إلا ما لا غنى عنه من القليل الذي تأكلونه في تلك السنين، وفيه إرشاد إلى التقليل في الأكل. وقرأ السلمي (مما يأكلون) بالياء على الغيبة أي يأكل الناس، والاقتصار على استثناء المأكول دون البذر لكون ذلك معلوماً من قوله عليه السلام: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سنينَ}

ابن عاشور

تفسير : عبر الرؤيا بجميع ما دلّت عليه، فالبقرات لسنين الزراعة، لأن البقرة تتخذ للإثمار. والسِمَن رمز للخصب. والعجَف رمز للقحط. والسنبلات رمز للأقوات؛ فالسنبلات الخضر رمز لطعام ينتفع به، وكونها سبعاً رمز للانتفاع به في السبع السنين، فكل سنبلة رمز لطعام سنة، فذلك يقتاتونه في تلك السنين جديداً. والسنبلات اليابسات رمز لما يدخر، وكونُها سبعاً رمز لادخارها في سبع سنين لأن البقرات العجاف أكلت البقرات السمان، وتأويل ذلك: أن سني الجدب أتت على ما أثمرته سنو الخصب. وقوله: {تزرعون} خبر عما يكون من عملهم، وذلك أن الزرع عادتهم، فذكره إياه تمهيد للكلام الآتي ولذلك قيده بـــ{دأباً}. والدأب: العادة والاستمرار عليها. وتقدم في قوله: { أية : كدأب آل فرعون } تفسير : في سورة آل عمران (11). وهو منصوب على الحال من ضمير {يزرعون}، أي كدَأبكم. وقد مزج تعبيره بإرشاد جليل لأحوال التموين والادخار لمصلحة الأمة. وهو منام حكمته كانت رؤيا الملك لطفاً من الله بالأمة التي آوت يوسف ـــ عليه السّلام ـــ، ووحيا أوحاه الله إلى يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بواسطة رؤيا الملك، كما أوحى إلى سليمان ـــ عليه السّلام ـــ بواسطة الطير. ولعل الملك قد استعد للصلاح والإيمان. وكان ما أشار به يوسف ـــ عليه السّلام ـــ على الملك من الادخار تمهيداً لشرع ادخار الأقوات للتموين، كما كان الوفاء في الكيل والميزان ابتداء دعوة شعيب ـــ عليه السّلام ـــ، وأشار إلى إبقاء ما فضل عن أقواتهم في سنبله ليكون أسلم له من إصابة السوس الذي يصيب الحب إذا تراكم بعضه على بعض فإذا كان في سنبله دفع عنه السوس، وأشار عليهم بتقليل ما يأكلون في سنوات الخصب لادخار ما فضل عن ذلك لزمن الشدة، فقال: {إلاّ قليلاً مما تأكلون}. والشداد: وصف لسني الجدب، لأن الجدب حاصل فيها، فوصفها بالشدة على طريقة المجاز العقلي. وأطلق الأكل في قوله: {يأكلن} على الإفناء، كالذي في قوله: { أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } تفسير : [سورة النساء: 2]. وإسناده بهذا الإطلاق إلى السنين إسنادُ مجاز عقلي، لأنهن زمن وقوع الفناء. والإحصان: الإحراز والادخار، أي الوضع في الحصن وهو المطمور. والمعنى: أن تلك السنين المجدبة يفنى فيها ما ادخر لها إلا قليلاً منه يبقى في الإهراء. وهذا تحريض على استكثار الادخار. وأما قوله: {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس} فهو بشارة وإدخال المسرة والأمل بعد الكلام المؤيس، وهو من لازم انتهاء مدة الشدة، ومن سنن الله تعالى في حصول اليسر بعد العسر. و{يغاث} معناه يعطون الغيث، وهو المطر. والعصر: عصر الأعناب خموراً. وتقدم آنفاً في قوله: { أية : أعصر خمراً } تفسير : [سورة يوسف: 36].

الواحدي

تفسير : {قال تزرعون} أَيْ: ازرعوا {سبع سنين دأباً} متتابعةً، وهذا السَّبع تأويل البقرات السِّمان {فما حصدتم} ممَّا زرعتم {فذروه في سنبله} لأنَّه أبقى له وأبعد من الفساد {إلا قليلاً ممًّا تأكلون} فإنَّكم تدوسونه. {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد} مُجدباتٌ صعابٌ، وهذه تأويل البقرات العجاف {يأكلن} يُفنين ويُذهبن {مَا قدَّمتم لهن} من الحَبِّ {إلاَّ قليلاً ممَّا تحصنون} تحرزون وتدَّخرون. {ثمَّ يأتي من بعد ذٰلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} يمطرون ويخصبون حتى يعصروا من السِّمسم الدُّهن، ومن العنب الخمر، ومن الزَّيتون الزَّيت، فرجع الرَّسول بتأويل الرُّؤيا إلى الملك، فعرف الملك أنَّ ذلك تأويلٌ صحيحٌ، فقال: {ائتوني} بالذي عبَّر رؤياي، فجاء الرَّسول يوسف، وقال: أجب الملك فقال للرسول: {ارجع إلى ربك} يعني: الملك {فسله} أن يسأل {ما بال النسوة} ما حالهنَّ وشأنهنَّ، ليعلم صحَّة براءتي ممَّا قُذفت به، وذلك أنَّ النِّسوة كنَّ قد عرفن براءته بإقرار امرأة العزيز عندهنَّ، وهو قولها: {أية : ولقد رَاودْتُه عن نفسِهِ فاستعصم} تفسير : فأحبَّ يوسف عليه السَّلام أن يُعلم الملك أنَّه حُبس [ظلماً]، وأنَّه بريءٌ ممَّا قُذِف به، فسأله أن يستعلم النِّسوة عن ذلك {إن ربي بكيدهنَّ} ما فعلن في شأني حين رأينني وما قلن لي {عليم} فدعا الملك النِّسوة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: دأبا: أي متتابعة على عادتكم. فذروه في سنبله: أي اتركوه في سنبله لا تدرسوه. سبع شداد: أي صعاب قاسية لما فيها من الجدب. بما تحصنون: أي تحفظونه وتدخرونه للبذر والحاجة. يغاث الناس: أي يُغيثهم ربهم بالأمطار وجريان النيل. وفيه يعصرون: أي ما من شأنه أن يعصر كالزيتون والعنب وقصب السكر. معنى الآيات: قوله تعالى {قَالَ تَزْرَعُونَ} إلى آخره هو جواب يوسف للذي استفتاه أي طلب منه تعبير رؤيا الملك قال له في بيان تأويل الرؤيا تزرعون بمعنى ازرعوا سبع سنين دأبا أي متتالية كعادتكم في الزرع كل سنة وهي تأويل السبع البقرات السمان، فما حصدتم من زروع فذروه في سنبله أي اتركوه بدون درس حتى لا يفسد إلا قليلا مما تأكلون أي فادرسوه لذلك. ثم يأتي بعد ذلك أي من بعد المخصبات سبع شداد أي مجدبات صعاب وهي تأويل السبع البقرات العجاف يأكلن ما قدمتم لهن ما قدمتم لهن أي من الحبوب التي احتفظتم بها من السبع المخصبات يريد تأكلونه فيهن إلا قليلا مما تحصنون أي تدخرونه للبذور ونحوه. ثم يأتي بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون أي يأتي من بعد السبع النسين المجدبات عام فيه يغاث الناس بالمطر وفيه يعصرون العنب والزيت وكل ما يعصر لوجود الخصب فيه. وقوله ثم يأتي من بعد ذلك عام الخ. هذا لم تدل عليه الرؤيا وإنما هو مما علّمه الله تعالى يوسف فأفادهم به من غير ما سألوه ذلك إحساناً منه ولحكمة عالية أرادها الله تعالى. وهو الحكيم العليم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- أرض مصر أرض فلاحة وزراعة من عهدها الأول. 2- الاحتفاظ بالفائض في الصوامع وغيرها مبدأ اقتصادي هام ومفيد. 3- كمال يوسف في حسن تعبير الرؤى شيء عظيم. 4- فضل يوسف عليه السلام على أهل مصر حيث أفادهم بأكثر مما سألوا.

د. أسعد حومد

تفسير : (47) - فَقَالَ يُوسُفُ مُفَسِّراً الحُلْمَ: إِنَّهُمْ سَتَأْتِيهِمْ سَبْعُ سِنِينَ مِنَ الخَصْبِ وَالمَطَر مُتَوَالِياتٍ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا الغَلَّةَ فِي سَنَابِلِهَا لِيَكُونَ ذَلِكَ أَحْفَظَ، وَأَبْعَدَ عَنْ إِسْرَاعِ الفَسَادِ إِلَيْهَا، إِلاّ القَلِيلَ مِمَّا يَأْكُلُونَهُ. (فَقَدْ أَوْصَاهُمْ بِالاقْتِصَادِ وَالتَّوْفِيرِ، وَالأَكْلِ دُونَ إِسْرَافٍ لِيَبْقَى لَهُمْ وَفْرٌ كَافٍ لِسِنِيِّ الجَدْب التَّالِيةِ). دَأَباً - دَائِبِينَ كَعَادَتِكُمْ فِي الزِّرَاعَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذه بداية تأويل رُؤْيا الملك. والدَّأْب معناه: المُواظبة؛ فكأن يوسف عليه السلام قد طلب أن يزرع أهل مصر بدأبٍ وبدون كسل. ويتابع: {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} [يوسف: 47]. أي: ما تحصدونه نتيجة الزرع بجِدٍّ واجتهاد؛ فلكم أنْ تأكلوا القليل منه، وتتركوا بقيته محفوظاً في سنابله. والحفظ في السنابل يُعلِّمنا قَدْر القرآن، وقدرة مَنْ أنزل القرآن سبحانه، وما آتاه الله جل علاه ليوسف عليه السلام من علم في كل نواحي الحياة، من اقتصاد ومقومات التخزين، وغير ذلك من عطاءات الله، فقد أثبت العلم الحديث أن القمح إذا خُزِّن في سنابله؛ فتلك حماية ووقاية له من السوس. وبعض العلماء قال في تفسير هذه الآية؛ إن المقصود هو تخزين القمح في سنابله وعيدانه. وأقول: إن المقصود هو تَرْك القمح في سنابله فقط؛ لأن العيدان هي طعام الحيوانات. ونحن نعلم أن حبة القمح لها وعاءان؛ وعاء يحميها؛ وهو ينفصل عن القمحة أثناء عملية "الدَّرْس"؛ ثم يطير أثناء عملية "التذرية" مُنفصِلاً عن حبوب القمح. ولحبة القمح وعاء ملازم لها، وهو القشرة التي تنفصل عن الحبة حين نطحن القمح، ونسميها "الردة" وهي نوعان: "ردة خشنة" و"ردة ناعمة". ومن عادة البعض أن يَفصِلوا الدقيق النقي عن "الردة"، وهؤلاء يتجاهلون - أو لا يعرفون - الحقيقة العلمية التي أكدت أن تناول الخبز المصنوع من الدقيق الأبيض الخالي من "الردة" يصيب المعدة بالتلبُّك. فهذه القشرة الملازمة لحبة القمح ليست لحماية الحبة فقط؛ بل تحتوي على قيمة غذائية كبيرة. وكان أغنياء الريف في مصر يقومون بتنقية الدقيق المطحون من "الردة" ويسمُّونه "الدقيق العلامة"؛ الذي إنْ وضعت ملعقة منه في فمك؛ تشعر بالتلَبُّك؛ أما إذا وضعت ملعقة من الدقيق الطبيعي الممتزج بما تحتويه الحبة من "ردة"؛ فلن تشعر بهذا التلبُّك. ويمتنُّ الله على عباده بذلك في قوله الحق: {أية : وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} تفسير : [الرحمن: 12]. وقد اهتدى علماء هذا العصر إلى القيمة الفاعلة في طَحْن القمح، مع الحفاظ على ما فيه من قشر القمح، وثبت لهم أن مَنْ يتناول الخبز المصنوع من الدقيق النقي للغاية؛ يعاني من ارتباك غذائي يُلجِئه إلى تناول خبز مصنوع من قِشْر القمح فقط، وهو ما يسمى "الخبز السِّن"؛ ليعوض في غذائه ما فقده من قيمة غذائية. وهنا يقول الحق سبحانه: {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} [يوسف: 47]. وهكذا أخبر يوسف الساقي الذي جاء يطلب منه تأويل رُؤْيا الملك؛ بما يجب أن يفعلوه تحسُّباً للسنوات السبع العجاف التي تلي السبع سنوات المزدهرة بالخُضْرة والعطاء، فلا يأكلوا مِلْء البطون؛ بل يتناولوا من القمح على قَدْر الكفاف: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} [يوسف: 47]. ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف عليه السلام من بقية التأويل لحُلْم الملك: {ثُمَّ يَأْتِي مِن ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قَالَ} أي: يوسف القلب، {تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً} يشير به إلى أن تربية صفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة، وذلك في سني أوان الطفولية قبل البلوغ وظهور العقل وجريان قلم التكليف عليه {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} [يوسف: 47] أي: فما حصدتم من هذه الصفات عند الكمالية فلا تستعملوه وذروه في أماكنة، {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} [يوسف: 47] أي: قليلاً مما تعيشون به وهو بمنزلة الغناء لمصالح قيام القالب إلى أن يبلغوا حد البلاغة، ويظهر نور العقل في مصباح السر عن زجاجة القلب كأنه كوكب دُري {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ} [يوسف: 48] من صفات الروحانية والأخلاق الحميدة. {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} [يوسف: 48] يشير به إلى أن نور العقل إذا أيدناه بتأييد أنوار تكاليف الشرع بعد البلوغ وشرفه بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وهو صفات البشرية السبع وتقواها، وهو الاجتناب بالتزكية عن هذه الصفات، والتحلية بصفات الروحانية السبع العجاف قد أكلت السبع السمان، وإنما سمي السبع العجاف؛ لأنها من عالم الأرواح وهو لطيف فسميت العجاف، وصفات البشرية عن عالم الأجسام كثيفات وهو كثيف فسميت السمان، {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} [يوسف: 48] أي: لا يبقى من صفات البشرية عند غلبات الصفات الروحانية إلا قليلاً تحصن بها الإنسان حياة قالبه وبقاء صورته. {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف: 49] يشير به إلى أن بعد غلبات صفات الروحانية، واضمحلال صفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية يتبرأ العبد عن معاملاته، وينجو عن محبة وجوده وحجب أنانيته، وكان حصنه وملجأه الحق تبارك وتعالى {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ} [يوسف: 50] أي: الروح، {ٱئْتُونِي بِهِ} [يوسف: 50] أي: فلمَّا أخبر القلب بنور الله كما رآه الروح في عالم الملكوت وتأويله استحق لقربة الروح وصحبته فاستدعى حضوره، {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ} [يوسف: 50] وهو النفس، ولاقى رسالة الروح في استحضاره وخلاصه عن سجن صفات البشرية. {قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ} [يوسف: 50] إي: الروح، {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 50] يشير بالنسوة إلى الأوصاف الإنسانية، فلمَّا رأين جمال يوسف القلب المنور بنور الله ولهن من حسنه وجماله، وقطعن أيديهن عن الدنيا وملاذها وشهواتها، {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] أي: بكيد أوصاف الإنسانية في طلب شهوات الدنيا وتبدأ إنما قطعن أيدي طلبهن عنها لما شاهدت كمالات السعادات الأخروية الباقية فآثروها على الدنيا الفانية.