Verse. 1644 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

ثُمَّ يَاْتِيْ مِنْۢ بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَّاْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَہُنَّ اِلَّا قَلِيْلًا مِّمَّا تُحْصِنُوْنَ۝۴۸
Thumma yatee min baAAdi thalika sabAAun shidadun yakulna ma qaddamtum lahunna illa qaleelan mimma tuhsinoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم يأتي من بعد ذلك» أي السبع المخصبات «سبع شداد» مجدبات صعاب وهي تأويل السبع العجاف «يأكلن ما قدمتم لهن» من الحب المزروع في السنين المخصبات أي تأكلونه «إلا قليلا مما تحصنون» تدخرون.

48

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {سَبْعٌ شِدَادٌ} يعني السّنين المجدِبات. {يَأْكُلْنَ} مجاز، والمعنى يأكل أهلهنّ. {مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} أي ما ادّخرتم لأجلهن؛ ونحوه قول القائل: شعر : نهارُك يا مغرورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ ولَيلُكَ نَوْمٌ والرَّدَى لَكَ لازمُ تفسير : والنهار لا يَسهو، والليل لا ينام؛ وإنما يُسهى في النهار، ويُنام في الليل. وحكى زيد بن أسلم عن أبيه: أن يوسف كان يضع طعام الاثنين فيقرِّبه إلى رجل واحد فيأكل بعضه، حتى إذا كان يومٌ قَرَّبه له فأكله كلَّه؛ فقال يوسف: هذا أوّل يوم من السّبع الشداد. {إِلاَّ قَلِيلاً} نصب على الاستثناء. {مِّمَّا تُحْصِنُونَ} أي مما تحبسون لتزرعوا؛ لأن في استبقاء البذر تحصين الأقوات. وقال أبو عبيدة: تحرزون. وقال قتادة: «تُحْصِنُونَ» تدّخرون، والمعنى واحد؛ وهو يدلّ على جواز احتكار الطعام إلى وقت الحاجة. الثانية: هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تُخرّج على حسب ما رأى، لاسيما إذا تعلقت بمؤمن، فكيف إذا كانت آية لنبيّ، ومعجزة لرسول، وتصديقاً لمصطفى للتبليغ، وحجة للواسطة بين الله ـ جل جلاله ـ و(بين) عبادِه.

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } أي يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن فأسند إليهن على المجاز تطبيقاً بين المعبر والمعبر به. {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ } تحرزون لبذور الزراعة. {ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ } يمطرون من الغيث أو يغاثون من القحط من الغوث. {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } ما يعصر كالعنب والزيتون لكثرة الثمار. وقيل يحلبون الضروع. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على تغليب المستفتي، وقرىء على بناء المفعول من عصره إذا أنجاه ويحتمل أن يكون المبني للفاعل منه أي يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضاً، أو من أعصرت السحابة عليهم فعدي بنزع الخافض أو بتضمينه معنى المطر. وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة، ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب بالخصب، أو بأن السنة الإِلهية على أن يوسع على عباده بعدما ضيق عليهم: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ } بعد ما جاءه الرسول بالتعبير {فَلَمَّا جَاءهُ ٱلرَّسُولُ } ليخرجه. {قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } إنما تأنى في الخروج وقدم سؤال النسوة وفحص حالهن لتظهر براءة ساحته ويعلم أنه سجن ظلماً فلا يقدر الحاسد أن يتوسل به إلى تقبيح أمره. وفيه دليل على أنه ينبغي أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعـت الإِجابة»تفسير : وإنما قال فاسأله ما بال النسوة ولم يقل فاسأله أن يفتش عن حالهن تهييجاً له على البحث وتحقيق الحال، وإنما لم يتعرض لسيدته مع ما صنعت به كرماً ومراعاة للأدب وقرىء {ٱلنّسْوَةِ } بضم النون. {إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } حين قلن لي أطع مولاتك، وفيه تعظيم كيدهن والاستشهاد بعلم الله عليه وعلى أنه بريء مما قذف به والوعيد لهن على كيدهن. {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ } قال الملك لهن ما شأنكن والخطب أمر يحق أن يخاطب فيه صاحبه. {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للَّهِ } تنزيه له وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله. {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } من ذنب. {قَالَتِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ ٱلئَنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ } ثبت واستقر من حصحص البعير إذا ألقى مباركهُ ليناخ قال:شعر : فَحَصْحَصَ فِي صُمَ الصفَا ثَفَنَاتِه وَنَاءَ بِسَلْمَى نَوأَة ثُمَّ صَمَّمَا تفسير : أو ظهر من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه. وقرىء على البناء للمفعول. {أَنَاْ رٰوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في قولهِ: {أية : هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى }تفسير : [يوسف: 26] {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ} قاله يوسف لما عاد إليه الرسول وأخبره بكلامهن أي ذلك التثبت ليعلم العزيز. {أَنّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} بظهر الغيب وهو حال من الفاعل أو المفعول أي لم أخنه وأنا غائب عنه، أو وهو غائب عني أو ظرف أي بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ } لا ينفذه ولا يسدده، أو لا يهدي الخائنين بكيدهم فأوقع الفعل على الكيد مبالغة. وفيه تعريض براعيل في خيانتها زوجها وتوكيد لأمانته ولذلك عقبه بقوله: {وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِى} أي لا أنزهها تنبيهاً على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله، بل إظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتوفيق. وعن ابن عباس أنه لما قال: {لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } قال له جبريل ولا حين هممت فقال: ذلك. {إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوء} من حيث إنها بالطبع مائلة إلى الشهوات فتهم بها، وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كل الأوقات. {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } إلا وقت رحمة ربي، أو إلا ما رحمه الله من النفوس فعصمه من ذلك. وقيل الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإِساءة. وقيل الآية حكاية قول راعيل والمستثنى نفس يوسف وأضرابه. وعن ابن كثير ونافع {بالسّو} على قلب الهمزة واواً ثم الادغام. {إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر هَمَّ النفس ويرحم من يشاء بالعصمة أو يغفر للمستغفر لذنبه المعترف على نفسه ويرحمه ما استغفره واسترحمه مما ارتكبه. {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى} أجعله خالصاً لنفسي. {فَلَمَّا كَلَّمَهُ } أي فلما أتوا به فكلمه وشاهد منه الرشد والدهاء. {قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ } ذو مكانة ومنزلة. {أَمِينٌ} مؤتمن على كل شيء. روي أنه لما خرج من السجن اغتسل وتنظف ولبس ثياباً جدداً، فلما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرية فقال الملك: ما هذا اللسان قال: لسان آبائي، وكان الملك يعرف سبعين لساناً فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه فقال: أحب أن أسمع رؤياي منك، فحكاها ونعت له البقرات والسنابل وأماكنها على ما رآها فأجلسه على السرير وفوض إليه أمره. وقيل توفي قطفير في تلك الليالي فنصبه منصبه وزوج منه راعيل فوجدها عذراء وولد له منها أفرائيم وميشا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي السبع المخصبات {سَبْعٌ شِدَادٌ } مجدبات صعاب وهي تأويل (السبع العجاف) {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } من الحب المزروع في السنين المخصبات: أي تأكلونه فيهنّ {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ } تدّخرون.

ابن عبد السلام

تفسير : {شِدَادٌ} على أهلها لجدبها، كان يوسف يضع طعام اثنين فيقربه إلى رجل فيأكل نصفه ويدع نصفاً، فقربه إليه يوماً فأكله كله فقال يوسف هذا أول يوم من السبع الشداد، {قَدَّمْتُمْ} ادخرتم لهن. {تُحْصِنُونَ} تدخرون، أو تخزنون في الحصون.

البقاعي

تفسير : ولما أتم المشورة، رجع إلى بقية عبارة الرؤيا، فقال: {ثم يأتي} ولما كانت مدة الإتيان غير مستغرقة لزمان البعد، أتى بالجار فقال: {من بعد ذلك} أي الأمرالعظيم، وهي السبع التي تعملون فيها هذا العمل {سبع} أي سنون {شداد} بالقحط العظيم، وهن ما أشارت إليه رؤيا صاحبك الذي طار برزقه الطيور، وسار بروحه غالب المقدور، ودلت عليه رؤيا الملك من البقرات العجاف والسنابل اليابسات {يأكلن} أسند الأكل إليهن مجازاً عن أكل أهلهن تحقيقاً للأكل {ما قدمتم} أي بالادخار من الحبوب {لهن} والتقديم: التقريب إلى جهة القدام، وبشرهم بأن الشدة تنقضي ولم يفرغ ما أعدوه، فقال: {إلا قليلاً مما تحصنون *} والإحصان: الإحراز، وهو إلقاء الشيء فيما هو كالحصن المنيع - هذا تعبير الرؤيا، ثم زادهم على ذلك قوله: {ثم يأتي} وعبر بالجار لمثل ما مضى فقال: {من بعد ذلك} أي الجدب العظيم {عام} وهو اثنا عشر شهراً، ونظيره الحول والسنة، وهو مأخوذ من العلوم - لما لأهله فيه من السبح الطويل - قاله الرماني. والتعبير به دون مرادفاته إشارة إلى أنه يكون فيه - من السعة بعموم الريّ وظهور الخصب وغزير البركة - أمر عظيم، ولذا اتبعه بقوله: {فيه}. ولما كان المتشوف إليه الإغاثة، على أنه من المعلوم أنه لا يقدر عليها إلا الله، قال بانياً للمفعول: {يغاث الناس} من الغيث وهو المطر، أو من الغوث وهو الفرج، ففي الأول يجوز بناءه من ثلاثي ومن رباعي، يقال غاث الله الأرض وأغاثها: أمطرها، وفي الثاني هو رباعي خاصة، يقال: استغاث به فأغاثه، من الغوث وهو واوي، ومعناه النفع الذي يأتي على شدة حاجته بنفي المضرة، والغيث يائي وهو المطر الذي يأتي في وقت الحاجة {وفيه} أي ذلك العام الحسن. ولما كان العصر للأدهان وغيرها لا يكون إلا عن فضله، قال: {يعصرون *} أي يخرجون عصارات الأشياء وخلاصاتها، وكأنه أخذ من انتهاء القحط ابتداء الخصب الذي دل عليه العصر في رؤيا السائل، والخضرة والسمن في رؤيا الملك فإنه ضد القحط، وكل ضدين انتهاء أحدهما ابتداء الآخر لا محالة، فجاء الرسول فأخبر الملك بذلك، فأعجبه ووقع في نفسه صدقه {وقال الملك} أي الذي العزيز في خدمته {ائتوني به} لأسمع ذلك منه وأكرمه، فأتاه الرسول ليأتي به إلى الملك {فلما جاءه} أي يوسف عليه الصلاة والسلام عن قرب من الزمان {الرسول} بذلك وهو الساقي {قال} له يوسف: {ارجع إلى ربك} أي سيدك الملك {فاسأله} بأن تقول له مستفهماً {ما بال النسوة} ولوح بمكرهن به ولم يصرح، ولا ذكر امرأة العزيز كرماً وحياء فقال: {ٱللاَّتِي قطعن أيديهن} أي ما خبرهن في مكرهن الذي خالطني، فاشتد به بلائي فإنهن يعلمن أن امرأة العزيز ما دعتهن إلا بعد شهادتهن بأنها راودتني، ثم اعترفت لهن بأنها راودتني، وأني عصيتها أشد عصيان، فإذا سألهن بان الحق، فإن ربك جاهل بأمرهن. ولما كان هذا موطناً يسأل فيه عن علم ربه سبحانه لذلك، قال مستأنفاً مؤكداً لأنهم عملوا في ذلك الأمر بالجهل عمل المكذب بالحساب الذي هو نتيجة العلم: {إن ربي} أي المدبر لي والمحسن إلي بكل ما أتقلب فيه من شدة ورخاء {بكيدهن} لي حين دعونني إلى طاعة امرأة العزيز {عليم *} وأنا لا أخرج من السجن حتى يعلم ربك ما خفي عنه أمرهن الذي علمه ربي، لتظهر براءتي على رؤوس الأشهاد مما وصموني به من السجن الذي من شأنه أن لا يكون إلا عن جرم، وإن لم تظهر براءتي لم ينقطع عني كلام الحاسدين، ويوشك أن يسعوا في حط منزلتي عند الملك، ولئلا يقولوا: ما لبث هذا السجن إلا لذنب عظيم فيكون في ذلك نوع من العار لا يخفى، وفي هذا دليل على أن السعي في براءة العرض حسن، بل واجب، وأخرج الكلام على سؤال الملك عن أمرهن - لا على سؤاله في أن يفحص عن أمرهن - لأن سؤال الإنسان عن علم ما لم يعلم يهيجه ويلهبه إلى البحث عنه، بخلاف سؤاله في أن يفتش لغيره، ليعلم ذلك الغير، فأراد بذلك حثه لأن يجدّ في السؤال حتى يعلم الحق، ليقبل بعد ذلك جميع ما حدثه به؛ والكيد: الاحتيال في إيصال الضرر. وإنما فسرت" بال" بذلك لأن مادته - يائية بتراكيبها الخمسة: بلى، وبيل، ولبى، وليب، ويلب، وواوية بتراكيبها الستة: بول، وبلو، وولب، ووبل، ولوب، ولبو، ومهموزة - بتراكيبها الأربعة: لبأ، وبأل، وأبل وألب - تدور على الخلطة المحيلة المميلة، وكأن حقيقتها البلاء بمعنى الاختبار والامتحان والتجربة، ويكون في الخير والشر، أي خالطه بشيء يعرف منه خفي أمره؛ قال القزاز: والفتنة تكون في الشر خاصة، والبلاء: النعمة، من قولك: أبليته خيراً - إذا اصطنعته عنده، وقد تقدم في سورة الأنفال شيء من معاني المادة، وناقة بلو سفر وبلى سفر - إذا أنضاها السفر، وإذا كانت قوية عليه، والبلوى: البلية، وأبليت فلاناً عذراً، أي جئت فيما بيني وبينه ما لا لوم فيه، أي خالطته بشيء أزال اللوم، والبلية: دابة كانت تشد في الجاهلية عند قبر صاحبها ولا تعلف ولا تسقي حتى تموت، ويقال: الناس بذي بلى وبذي بليان، أي متفرقين، كأن حقيقته أنه حل بهم صاحب خلطة شديدة فرقت بينهم، وبلى الشيء - بالكسر بلى مقصوراً وبلاء ممدوداً - إذا فنى وعطب، وبلي فلان بكذا - مبنياً للمفعول، وابتلى به - إذا أصابه ذلك؛ والبول: ولد الرجل، والعدد الكثير، والانفجار، وضد الغائط، ولا ريب أن كلاً من ذلك إذا خالطه الحيوان أحال حاله؛ والبال: الاكتراث والفكر والهم، ومن ذلك عندي: ما باليت به: لم أكترث به، وكذا ما أباليه بالة، وهي مصدر منه، ولم أبال به، ولم أبل، ولكنهم قلبوه من: باولت به، لئلا يلتبس بالبول - والله أعلم، وحقيقتهما: ما استعملتُ بالي الذي هو فكري فيه وإن أعمل هو فكره في أمري، أي إنه أقل من أن يفكر في أمره، ومن المعلوم أن الفكر محل الخلطة المميلة، والبال: المر الذي يعتمل به في أرض الزرع - لمشقة العمل به، والبال: سمكة غليظة تسمى جمل البحر - لأن من خالطته أحالت أمره، والبال: رخاء العيش، والحال، والبالة: القارورة - كأنها من البول، والجراب، ووعاء الطيب، والولب: الوصل، ولبت الشيء: وصلته، وولب هو: وصل ودخل وأسرع، والوالب: الذاهب في وجهه - كأنه خالطه من الهم ما حمله على ذلك، وولب الزرع - إذا صارت له والبة، وهي أفراخ تولدت من أصوله، والوالبة: نسل القوم، ونسل المال، والوالبة: سريع النبات؛ ولاب يلوب - إذا عطش، واللابة: الحرة، وهي مكان ذو حجارة سود كبيرة متصلة صلبة حسنة، فمن خالطها أتعبته وأعطشته، وبها سميت الإبل السود المجتمعة، والصمان، واللابة: شقشقة البعير، وهي شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج - كأنها هي التي أهاجته، والملاب: ضرب من الطيب، والزعفران، والملوب - كمعظم - من الحديد: الملوى، واللوب - بالضم: البضعة التي تدور في القد - لأنها تغير ما في القدر بدورانها، واللواب أيضاً: اللعاب، والأب: عطشت إبله، واللبوة: أنثى الأسد؛ والوابل: المطر الكثير الشديد الوقع الضخم القطر، والوابلة: نسل الإبل والغنم، ورأس العضد الذي في الحق، وما التف من لحم الفخذ، والموابلة: المواظبة، والميبل: ضفيرة من قد مركبة في عود تضرب به الإبل، ووبل الصيد: طرد حثيث شديد، بالنعجة وبلة شديدة - إذا أرادت الفحل، والوبال: الشدة وسوء العاقبة، وهو من الشدة والثقل، وأصابه وبل الجوع، أي جوع شديد، والوبيل: المرعى الوخيم، واستوبلت الأرض - إذا لم توافقك في مطعمك وإن كنت محباً لها، وهي من الوبيل - للطعام الذي لا يشتهي، والوبيل من العقوبة: الشديدة، وهو أيضاً العصا، وخشبة القصار التي يدق بها الثياب بعد الغسل، وخشبة صغيرة يضرب بها الناقوس، والحزمة من الحطب؛ وبلى: حرف يجاب بها الاستفهام الداخل على كلام منفي فتحيله إلى الإثبات بخلاف "نعم" فإنه يجاب بها الكلام الموجب، وتأتي "بلى" في النفي من غير استفهام، يقال: ما أعطيتني درهماً، فتقول: بلى؛ ولبى من الطعام - كرضى: أكثر منه، واللباية - بالضم: شجر الأمطىّ؛ واللياب - بتقديم التحتانية وزن سحاب: أقل من ملء الفم؛ واليلب - محركة: الترسة، ويقال: الدرق، والدروع من الجلود، أو جلود يخرز بعضها إلى البعض، تلبس على الرؤوس خاصة، والعظيم من كل شيء، والجلد؛ والأبيل - كأمير: العصا، والحزين - بالسريانية، ورئيس النصارى، أو الراهب، أو صاحب الناقوس، صنيع مختصر العين يقتضي أن همزته زائدة، وصنيع القاموس أنها أصلية، وعلى كلا التقديرين هو من مدار المادة، فإن من خالطته العصا غيرته، وكذا الرئيس؛ ومن مهموزة اللبأ - كضلع: أول اللبن، وهو أحق الأشياء بالإحالة، وألبأ الفصيل: شدة إلى رأس الخلف - أي حلمة ضرع الناقة - ليرضع اللبأ، ولبأت وهي ملبىء: وقع اللبأ في ضرعها، ولا يكون ذلك إلا بما يخالطها، فيحيل ذلك منها، واللبء - بالفتح: أول السقي، وهو أشد مما في الأثناء في الخلطة والإحالة، وبهاء: الأسدة، وخلطتها محيلة للذكور من نوعها، ولغيرها بالنفرة منها، وكذا اللبوة - بالواو، وعشار ملابي - كملاقح: دنا نتاجها، وهو واضح في الإحالة: ولبأت الشاة ولدها وألبأته: أرضعته اللبأ، ولبأت الشاة والتبأتها: حلبت لبأها؛ والبئيل - كأمير: الصغير الضعيف، بؤل - ككرم، ويقال ضئيل بئيل؛ والإبل - بكسرتين وتسكن الباء - معروف، واحد يقع على الجمع، ليس بجمع ولا اسم جمع، جمعه آبال، الإحالة في خلطتها بالركوب والحمل وغيرهم واضحة، والإبل: السحاب الذي يحمل ماء المطر، وهو ظاهر في ذلك، وتأبّل عن امرأته: امتنع عن غشيانها - من الإزالة، ونسك: أي امتنع عن خلطة الدنيا المحيلة، وبالعصا: ضرب، ومن خالطته العصا أحالته، وأبل العشب أبولاً: طال، فاستمكن منه الإبل، وهو ظاهر في الإحالة، والإبالة - كالإجانة: القطعة من الطير والخيل والإبل أو المتتابعة منها، من نظر شيئاً من ذلك أحاله عن حاله، وكأمير: العصا، ورئيس النصارى، أو الراهب، أو صاحب الناقوس، وكل ذلك واضح في الإحالة، والأبل - بالضم الباء: الحزمة من الحشيش، وخلطتها محيلة لما يأكلها، والإبالة - ككتابة: السياسة، وهي في غاية الإحالة لمن خولط بها، والأبلة - كفرحة: الحاجة والطلبة، وهي معروفة في ذلك، والمباركة في الإبل، وإنه لا يأتبل: لا يثبت على رعية الإبل ولا يحسن مهنتها، أو لا يثبت عليها راكباً، أي إنه سريع التأثر والإحالة من خلطتها، وتأبيل الإبل: تسمينها، أي مخالطتها بما أحالها، والإبلة - بالكسر: العداوة، وإحالتها معروفة، بالضم - العاهة، وهي كذلك، وبالفتح أو بالتحريك: الثقل والوخامة والإثم كذلك، وتأبيل الميت: تأبينه، أي الثناء عليه بعد موته، وهو يهيج الحزن عليه، وجاء في إبالته - بالكسر، وأبلته - بضمتين مشددة: أصحابه، ولا شك أن من جاء كذلك أحال من أتاه، وضغث على إبالة كإجانة ويخفف: بلية على أخرى، أو خصب على خصب - كأنه ضد، وهو واضح الإحالة، وأبلت الإبل تأبُل وتأبل أبولا وأبلا: جزأت - أي اكتفت - بالرطب عن الماء، والرُطُب بضمتين: الإخضر من البقل والشجر أو جماعة العشب الأخضر، والأبول: الإقامة في المرعى، ولا شك في أن من خالطه ذلك أحاله؛ وألب إليه القوم: أتوه من كل جانب، وذلك محيل، وألب الإبل: ساقها، والإبل: انساقت وانضم بعضها إلى بعض، والحمار طريدته: طردها شديداً، وجمع، واجتمع، وأسرع، وعاد، والإحالة في كل ذلك ظاهرة، والسماء: دام مطرها، أي فأحال الأرض وأهلها، والتألب كثعلب: المجتمع منا ومن حمر الوحش والوعل، وهي بهاء، وما كان كذلك أحال ما خالطه، والإلب - بالكسر: الفتر، وشجرة كالأترج سم، وذلك ظاهر في الإحالة، وبالفتح: نشاط الساقي، وميل النفس إلى الهوى، والعطش، والتدبير على العدو من حيث لا يعلم، ومسك السخلة، والسم، والطرد الشديد، وشدة الحمى والحر، وابتداء برء الدمل، وكل ذلك ظاهر الإحالة، وريح ألوب: باردة تسفي التراب، ورجل ألوب: سريع إخراج الدلو، أو نشيط، فمن خالطه أحاله، وهم عليه ألب وإلب واحد: مجتمعون عليه بالظلم والعداوة، وذلك محيل لا شك فيه، والإلبة بالضم: المجاعة، وبالتحريك: اليلبة، والتأليب: التحريض والإفساد، وكل ذلك ظاهر في الإحالة، وكذا المئلب - للسريع، والألب: الصفو، وهو محيل، والألب - بالتحريك: اليلب، وقد مضى أنها الترسة - والله أعلم. ولما قال يوسف عليه الصلاة والسلام ذلك وأبى أن يخرج من السجن قبل تبين الأمر، رجع الرسول إلى الملك فأخبره بما قال عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل: فما فعل الملك؟ فقيل: {قال} للنسوة بعد أن جمعهن: { ما خطبكن} أي شأنكن العظيم؛ وقوله: {إذ راودتن} أي خادعتن بمكر ودوران ومراوغة {يوسف عن نفسه} دليل على أن براءته كانت متحققة عند كل من علم القصة، فكأن الملك وبعض الناس - وإن علموا مراودتهن وعفته - ما كانوا يعرفون المراودة هل هي لهن كلهن أو لبعضهن، فكأنه قيل: ما قلن؟ فقيل: مكرن في جوابهن إذ سألهن عما عملن من السوء معه فأعرضن عنه وأجبن بنفي السوء عنه عليه الصلاة والسلام، وذلك أنهن {قلن حاش لله} أي عياذاً بالملك الأعظم وتنزيهاً له من هذا الأمر، فأوهمن بذلك براءتهن منه؛ ثم فسرن هذا العياذ بأن قلن تعجباً من عفته التي لم يرين مثلها، ولا وقع في أوهامهن أن تكون لآدمي وإن بلغ ما بلغ: {ما علمنا عليه} أي يوسف عليه الصلاة والسلام، وأعرقن في النفي فقلن: {من سوء} فخصصنه بالبراءة، وهذا كما تقدم عند قول الملأ {أضغاث أحلام} هذا وهو جواب للملك الذي تبهر رؤيته وتخشى سطوته، فكان من طبع البلد عدم الإفصاح في المقال - حتى لا ينفك عن طروق احتمال فيكون للتفصي فيه مجال - وعبادة الملوك إلا من شاء الله منهم. ولما تم ذلك، كان كأنه قيل: فما قالت التي هي أصل هذا الأمر؟ فقيل: {قالت امرأت العزيز} مصرحة بحقيقة الحال: { الآن حصحص الحق} أي حصل على أمكن وجوهه، وانقطع عن الباطل بظهوره، من: حص شعره. إذا استأصل قطعه بحيث ظهر ما تحته، ومنه الحصة: القطعة من الشيء، ونظيره: كب وكبكب، وكف وكفكف، فهذه زيادة تضعيف، دل عليه الاشتقاق وهو قول الزجاج - قاله الرماني. ووافقه الرازي في اللوامع وقال: وقال الأزهري: هو من حصحص البعير: أثرت ثفناته في الأرض إذا برك حتى تستبين آثارها فيه {أنا راودته} أي خادعته وراودته {عن نفسه} وأكدت ما أفصحت به مدحاً ونفياً لكل سوء بقولها مؤكداً لأجل ما تقدم من إنكارها: {وإنه لمن الصادقين *} أي العريقين في هذا الوصف في نسبة المراودة إليّ وتبرئة نفسه، فقد شهد النسوة كلهن ببراءته، وإنه لم يقع منه ما ينسب به شيء من السوء إليه، فمن نسب إليه بعد ذلك هماً أو غيره فهو تابع لمجرد الهوى في نبي من المخلصين.

ابو السعود

تفسير : {ثُمَّ يَأْتِى} وهو عطفٌ على تزرعون فلا وجه لجعله بمعنى الأمر حثاً لهم على الجد والمبالغة في الزراعة، على أنه يحصل بالإخبار بذلك أيضاً {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد السنين السبعِ المذكوراتِ وإنما لم يقل من بعدهن قصداً إلى الإشارة إلى وصفهن فإن الضمير ساكتٌ عن أوصاف المرجعِ بالكلية {سَبْعٌ شِدَادٌ} أي سبعُ سنينَ صعابٌ على الناس {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} من الحبوب المتروكةِ في سنابلها، وفيه تنبـيهٌ على أن أمرَه عليه السلام بذلك كان لوقت الضرورة وإسنادُ الأكل إليهن ـ مع أنه حالُ الناس فيهن ـ مجازيٌّ كما في نهارُه صائمٌ، وفيه تلويحٌ بأنه تأويلٌ لأكل العجافِ السمانَ واللام في لهن ترشيحٌ لذلك فكأن ما ادُّخر في السنابل من الحبوب شيءٌ قد هُيِّـيء وقُدِّم لهن كالذي يقدَّم للنازل وإلا فهو في الحقيقة مقدَّمٌ للناس فيهن {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ} تُحرِزون مبذوراً للزراعة. {ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد السنين الموصوفةِ بما ذكر من الشدة وأكلِ الغلال المدَّخرة {عَامٌ} لم يعبّر عنه بالسنة تحاشياً عن المدلول الأصليِّ لها من عام القحط وتنبـيهاً من أول الأمرِ على اختلاف الحالِ بـينه وبـين السوابق {فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ} من الغيث أي يُمطَرون يقال: غِيثت البلادُ إذا مُطرت في وقت الحاجة أو من الغوث، يقال: أغاثنا الله تعالى أي أمدنا برفع المكاره حين أظلّتنا {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} أي ما مِن شأنه أن يُعصر من العنب والقصَب والزيتون والسمسم ونحوِها من الفواكة لكثرتها. والتعرضُ لذكر العصر مع جواز الاكتفاءِ عنه بذكر الغيث المستلزمِ له عادة كما اكتُفي به عن ذكر تصرِفهم في الحبوب إما لأن استلزامَ الغيثِ له ليس كاستلزامه للحبوب إذ المذكوراتُ يتوقف صلاحُها على مبادٍ أخرى غيرِ المطر، وإما لمراعاة جانبِ المستفتي باعتبار حالتِه الخاصة به بشارةً له وهي التي يدور عليها حسنُ موقع تغليبِه على الناس في القراءة بالفوقانية، وقيل: معنى يعصرون يحلبون الضروعَ، وتكريرُ فيه إما للإشعار باختلاف أوقاتِ ما يقع فيه من الغيث والعصر زماناً ـ وهو ظاهرٌ ـ وعنواناً فإن الغيثَ والغوثَ من فضل الله تعالى والعصرُ من فعل الناس، وإما لأن المقام مقامُ تعداد منافعِ ذلك العام ولأجله قُدّم في الموضعين على الفعلين فإن المقصودَ الأصليَّ بـيان أنه يقع في ذلك العام هذا النفعُ وذاك النفعُ لا بـيانُ أنهما يقعان في ذلك العام يفيده التأخير، ويجوز أن يكون التقديمُ للقصر على معنى أن غيثهم وعصرَهم في سائر السنين بمنزلة العدمِ بالنسبة إلى عامهم ذلك وأن يكون ذلك في الأخير لمراعاة الفواصلِ وفي الأول لرعاية حالِه، وقرىء يُعصَرون على البناء للمفعول من عصره إذا أنجاه وهو المناسبُ للإغاثة ويجوز أن يكون المبنيُّ للفاعل أيضاً منه كأنه قيل: فيه يغاث الناسُ وفيه يُغيثون أي يغيثهم الله ويغيثُ بعضُهم بعضاً، وقيل: معنى يُعصَرون يمطَرون من أعصرت السحابةُ إما بتضمين أعصرت معنى مطرَت وتعديتِه وإما بحذف الجارِّ وإيصالِ الفعل، على أن الأصلَ أعصرت عليهم، وأحكامُ هذا العام المبارك ليست مستنبَطةً من رؤيا الملكِ وإنما تلقاها عليه السلام من جهة الوحي فبشَّرهم بها بعد ما أوّل الرؤيا بما أول وأمرَهم بالتدبـير اللائقِ في شأنه إبانةً لعلو كعبِه ورسوخِ قدمِه في الفضل وأنه محيطٌ بما لم يخطُر ببال أحدٍ فضلاً عما يُرى صورتُه في المنام على نحو قوله لصاحبـيه عند استفتائِهما في منامهما: {أية : لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} تفسير : [يوسف: 37] وإتماماً للنعمة عليهم حيث لم يشاركه عليه السلام في العلم بوقوعها أحدٌ ولو برؤية ما يدل عليها في المنام.

اسماعيل حقي

تفسير : فقال {ثم ياتى من بعد ذلك} اى من بعد السنين المذكورات وهو عطف على تزرعون {سبع شداد} جمع شديدة اى سبع سنين صعاب على الناس لان الجوع اشد من الاسر والقتل {يأكلن ما قدمتم لهن} اى يأكل اهلهن ما ادخرتم من الحبوب المتروكة فى سنابلها. وفيه تنبيه على ان امره بذلك كان لوقت الضرورة واسناد الاكل اليهن مع انه حال الناس فيهن مجاز كما فى نهاره صائم. وفيه تلويح بانه تأويل لاكل العجاف السمان واللام فى لهن ترشيح لذلك فكأن ما ادخر فى السنابل من الحبوب شيء قد هيئ وقدم لهن كالذى يقدم للنازل والا فهو فى الحقيقة مقدم للناس فيهن {الا قليلا مما تحصنون} تحرزون وتدخرون للبذر

الطوسي

تفسير : وهذا تمام حكاية ما فسر به الرؤيا يوسف (ع)، فقال لهم: إنه يجيء بعد هذه السنين التي زرعتم فيها وحصدتم، سبع سنين أخر شداد وهي جمع شديدة، والشدة قوة الالتفاف، والشدة والصلابة والصعوبة نظائر. وشدة الزمان وصعوبته بمعنى. وضدها الرخاء. وقيل الشدة تكون في سبعة أصناف في الاصل: في العقد، والمد، والزمان، والغضب، والالم، والشراب، والبدن. وقوله {يأكلن ما قدمتم لهن} اضاف الأكل الى السنين، لأنها بمنزلة ما يأكل ذلك لوقوع الأكل فيها كما يكون الاكل في الآكل قال الشاعر: شعر : نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم تفسير : والتقديم التقريب الى جهة القدام، والتأخير التبعيد الى جهة الخلف، والاحصان الاحراز، وهو إلقاء الشيء فيما هو كالحصن المنيع، أحصنه إحصاناً اذا أحرزه.

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ} نسبة الاكل الى السّنين مجاز عقلىّ ومراعاة للتّطبيق بين الرّؤيا وتعبيرها {مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} لبذور الزّراعات واحتياط المجاعة قبل وصول الزّراعة.

اطفيش

تفسير : {ثمَّ يأتى مِنْ بَعْد ذلِكَ} المذكور من السنين المخصبة {سَبعٌ} سبع سنين {شِدادٌ} جمع شديدة أى صعاب على الناس بالقحط والجدب، لا تنزل فيهن قطرة من السماء، ولا تنبت خصرة من الأرض {يأكُلُن ما قَدَّمتم لهنَّ} أى ما أعددتم لأجلهن فى السبع المخصبة، أو ما أعددتم لهن يأكلنه، كما تقول: أعددت لابنى ما يأكل، وإسناد الأكل إليهن مجاز عقلى من إسناد ما للمظروف فإن الآكلين هم الناس الذين فيهن. ويجوز أن يكون معنى يأكلن يفنين، فاستعمل المقيد وهو الأكل فى المطلق وهو الإفناء، فإن الإفناء واقع بالأكل، ويقع أيضا بسائر الإتلافات، فذلك مجاز لغوى، وإسناد الإفناء إليهن مجاز عقلى فعليه فهنا مجاز مبنى على مجاز، والوجه الأول أولى وأخف، وفائدة ذلك التجوز المبالغة فى الإذهاب، حتى كأن الزمان نفسه آكل أو متلف، والمطابقة لما رأى الملك فى المنام، فإنه رأى السبع العجاف آكلات للسبع السمان، والسبع اليابسات ملتويات على الخضر، وماصات لهن، فإن هذه السنين الشداد السبع هن البقرات العجاف، والسنبلات اليابسات اللاتى رآهن فى المنام. {إلا قَليلاً ممَّا تُحصِنُون} تخزنون وتدخرون، فإن هذه القليل يبقى بعد السنين الشداد، ليكون بذرا يزرع بعدهن.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} من بعد ما ذكر من سبع سنى الخصب، واختار هذا عن أن يقال ثم يأْتى من بعدهن ليلوح إِلى وصفهن والبعد باللام لعلو شأْن الخصب {سَبْعٌ} سبع سنين {شِدَادٌ} صعبة بالقحط والجوع، وعطف يأْتى على تزرعون يضعف كون تزرعون بمعنى الزرع؛ لأَن يأْتى إِخبار الأَمر إِلا أَن يقدر محذوف هكذا تزرعون ثم يأْتى من بعد ذلك سبع شداد {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} فى سبع سنى الخصب، واللام للتعليل، أَو للاستحقاق، وإِسناد الأَكل للسنين مجاز علقلى لعلاقة الحلول؛ لأَن الاكلين حالون فيهن والأَكل مجاز مرسل لتلك العلاقة وليس فى تفسير الأًكل بالإِفناءِ تخلص عن المجاز بل هو مجاز على حد ما مر لأَن المفنى هو الذين يأكلون، ومثل ذلك قولك أَكل السفر أَو أَكل السير لحم الناقة، وفى ذلك تطبيق بين الآكلين، وتشبيه لأَكل البقرات العجاف للسمان بأَكل سنى القحط لما ادخر فى سنى الخصب، وشبه أَعوام القحط بالبقرات العجاف، وأَعوام الخصب بالسمان، وشبه أَكل أَهل زمان القحط ما ادخر فى زمان الخصب بأْكل البقرات العجاف للبقرات السمان، ولما كان الأَكل فى طرف المشبه به البقر جعل الأَكل فى طرف المشبه السنة لينطبق الأَكلان ويتناسب المعبر الذى هو البقرات السبع العجاف والمعبر به الذى هو أَعوام القحط السبع فى إِسناد الأَكل إليهما، ولو قدر مضاف هكذا يأْكل أَهلهن لفات التطابق وفى الآية المشاكلة {إِلا قليلاً} القلة بالنسبة إِلى المأكول ولو حصلت الكثرة، والقليل المستثنى بالنسبة إِلى الأَقدم فالأَقدم يبدأُ فى سنى الجذب بالمدخر الأَقدم فى سنى الخصب فيؤْكل ذلك المدخر الأَقدم إِلا قليلا للحرث {مِمَّا تُحْصِنُونَ} تحرزون للحرث بعد سنى القحط.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ يَأتي من بَعْد ذَلكَ} أي من بعد السنين السبع المذكورات، وإنما لم يقل من بعدهن قصداً إلى تفخيم شأنهن {سَبْعٌ شدَادٌ} اي سبع سنين صعاب على الناس، وحذف التمييز لدلالة الأول عليه {يَأكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} أي ما ادخرتم في تلك السنين من الحبوب المتروكة في سنابلها لأجلهن. وإسناد الأكل إليهن مع أنه حال الناس فيهن مجازي كما في قوله تعالى: { أية : وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } تفسير : [يونس: 67] واللام في {لَهُنَّ} ترشيح لذلك، وكان الداعي إليه التطبيق بين المعبر والمعبر به، ويجوز أن يكون التعبير بذلك للمشاكلة لما وقع في الواقعة. وفسر بعضهم الأكل بالإفناء كما في قولهم: أكل السير لحم الناقة أي أفناه وذهب به {إلاَّ قَليلاً مِّمَّا تُحْصنُونَ} أي تحرزونه وتخبئونه لبزور الزراعة مأخوذ من الحصن وهو الحرز والملجأ.

د. أسعد حومد

تفسير : (48) ثُمَّ تَأْتِي بَعْدَ هذِهِ السِّنِينَ، مِنَ الخَصْبِ وَالخَيْرِ، سَبْعُ سِنينَ مِنَ الجَدْبِ وَالشِّدَّةِ، يَزْرَعُونَ فِيهَا وَلا يَحْصُدُونَ غَلَّةً، فَتَسْتَهْلِكُ هذهِ السِّنُونَ السَّبْعُ الشِّدَادُ مَا جَمَعُوهُ فِي سِنِيِّ الخَصْبِ، إِلاّ القليلَ الذِي أَحْصَنُوهُ، وَاحْتَاطُوا لَهُ. تُحْصِنُونَ - تُخَبِّئُونَ مِنَ البَذْرِ لِلزِّرَاعَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا أوضح يوسف عليه السلام ما سوف يحدث في مصر من جَدْب يستمر سبع سنوات عجاف بعد سبع سنوات من الزرع الذي يتطلب هِمَّة لا تفتر. وقوله سبحانه في وصف السبع "سنوات" بأنها: {شِدَادٌ ..} [يوسف: 48]. يعني: أن الجَدْب فيها سوف يُجهِد الناس؛ فإنْ لم تكُنْ هناك حصيلة تَمَّ تخزينها من محصول السبع السنوات السابقة، فقد تحدُث المجاعة، وليعصم الناسُ بطونهم في السنوات السبع الأولى، وليأكلوا على قَدْر الضرورة؛ ليضمنوا مواجهة سنوات الجَدْب. ونحن نعلم أن الإنسان يستبقي حياته بالتنفس والطعام والشراب؛ والطعام إنما يَمْري على الإنسان، ويعطيه قوة يواجه بها الحياة. ولكن أغلب طعامنا لا نهدف منه القوة فقط؛ بل نبغي منه المتعة أيضاً، ولو كان الإنسان يبغي سَدَّ غائلة الجوع فقط، لاكتفى بالطعام المسلوق، أو بالخبز والإدام فقط، لكننا نأكل للاستمتاع. ويتكلم الحق سبحانه عن ذلك فيقول: {أية : فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4]. أي: بدون أن يضرك، ودون أن يُلجِئك هذا الطعام إلى المُهْضِمات من العقاقير. وهذا هو المقصود من قول الحق سبحانه: {أية : هَنِيئاً ..} تفسير : [النساء: 4]. أما المقصود بقوله: {أية : مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4]. فهو الطعام الذي يفيد ويمدُّ الجسم بالطاقة فقط؛ وقد لا يُستساغ طعمه. وهنا قال الحق سبحانه: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} [يوسف: 48]. وبطبيعة الحال نفهم أن السنوات ليست هي التي تأكل؛ بل البشر الذين يعيشون في تلك السنوات هم الذين يأكلون. ونحن نفهم ذلك؛ لأننا نعلم أن أي حدث يحتاج لزمان ولمكان؛ ومرة يُنسب الحَدث للزمان؛ ومرة يُنسب الحَدث للمكان. والمثال على نسبة الحَدث للمكان هو قول الحق سبحانه: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ..} تفسير : [يوسف: 82]. وطبعاً نفهم أن المقصود هو سؤال أهل القرية التي كانوا فيها، وأصحاب القوافل التي كانت معهم. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ نجد الحدث منسوباً للزمان؛ وهم سيأكلون مما أحصنوا إلا قليلاً؛ لأنهم بعد أن يأكلوا لا بد لهم من الاحتفاظ بكمية من الحبوب والبُذُور لاستخدامها كتقاوي في العام التالي لسبع سنوات موصوفة بالجدب. وقوله تعالى: {مِّمَّا تُحْصِنُونَ} [يوسف: 48]. نجده من مادة "حصن" وتفيد الامتناع؛ ويقال: "أقاموا في داخل الحصن" أي: أنهم إنْ هاجمهم الأعداء؛ يمتنعون عليهم؛ ولا يستطيعون الوصول إليهم. ويقول الحق سبحانه: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ..} تفسير : [النساء: 24]. أي: المُمْتنعات عن عملية الفجور؛ وهُنَّ الحرائر. وأيضاً يقول الحق سبحانه: {أية : وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ..} تفسير : [الأنبياء: 91]. أي: التي أحكمتْ صيانة عِفَّتها، وهي السيدة مريم البتول عليها السلام، وهكذا نجد مادة "حصَن" تفيد الامتناع. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} معناه تُحْرِزُونَ.