١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
50
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف عليه السلام استحسنه الملك فقال: ائتوني به، وهذا يدل على فضيلة العلم، فإنه سبحانه جعل علمه سبباً لخلاصه من المحنة الدنيوية، فكيف لا يكون العلم سبباً للخلاص من المحن الأخروية، فعاد الشرابي إلى يوسف عليه السلام قال أجب الملك، فأبى يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن إلا بعد أن ينكشف أمره وتزول التهمة بالكلية عنه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه لما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوا لي ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال: {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبّكَ } ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة وبادرتهم إلى الباب؛ ولما ابتغيت العذر أنه كان حليماً ذا أناة » تفسير : . واعلم أن الذي فعله يوسف من الصبر والتوقف إلى أن تفحص الملك عن حاله هو اللائق بالحزم والعقل، وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو خرج في الحال فربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثرها، فلما التمس من الملك أن يتفحص عن حال تلك الواقعة دل ذلك على براءته من تلك التهمة فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوسل بها إلى الطعن فيه. الثاني: أن الإنسان الذي بقي في السجن اثنتي عشرة سنة إذا طلبه الملك وأمر بإخراجه الظاهر أنه يبادر بالخروج، فحيث لم يخرج عرف منه كونه في نهاية العقل والصبر والثبات، وذلك يصير سبباً لأن يعتقد فيه بالبراءة عن جميع أنواع التهم، ولأن يحكم بأن كل ما قيل فيه كان كذباً وبهتاناً. الثالث: أن التماسه من الملك أن يتفحص عن حاله من تلك النسوة يدل أيضاً على شدة طهارته إذ لو كان ملوثاً بوجه ما، لكان خائفاً أن يذكر ما سبق. الرابع: أنه حين قال للشرابي: {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } فبقي بسبب هذه الكلمة في السجن بضع سنين وههنا طلبه الملك فلم يلتفت إليه ولم يقم لطلبه وزناً، واشتغل بإظهار براءته عن التهمة، ولعله كان غرضه عليه السلام من ذلك أن لا يبقى في قلبه التفات إلى رد الملك وقبوله، وكان هذا العمل جارياً مجرى التلافي لما صدر من التوسل إليه في قوله: {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } ليظهر أيضاً هذا المعنى لذلك الشرابي، فإنه هو الذي كان واسطة في الحالتين معاً. أما قوله: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ ٱلرَّسُولُ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير والكسائي {فسله} بغير همز والباقون {رَبّكَ فَاسْأَلْهُ } بالهمز، وقرأ عاصم برواية أبي بكر عنه {ٱلنّسْوَةِ } بضم النون والباقون بكسر النون، وهما لغتان. المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية فيها أنواع من اللطائف: أولها: أن معنى الآية: فسل الملك يأن يسأل ما شأن تلك النسوة وما حالهن ليعلم براتي عن تلك التهمة، إلا أنه اقتصر على أن يسأل الملك عن تلك الواقعة لئلا يشتمل اللفظ على ما يجري مجرى أمر الملك بعمل أو فعل وثانيها: أنه لم يذكر سيدته مع أنها هي التي سعت في إلقائه في السجن الطويل، بل اقتصر على ذكر سائر النسوة. وثالثها: أن الظاهر أن أولئك النسوة نسبنه إلى عمل قبيح وفعل شنيع عند الملك، فاقتصر يوسف عليه السلام على مجرد قوله: {مَا بَالُ ٱلنّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } وما شكا منهن على سبيل التعيين والتفصيل. ثم قال يوسف بعد ذلك: {إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } وفي المراد من قوله: {إِنَّ رَبّى } وجهان: الأول: أنه هو الله تعالى، لأنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور. والثاني: أن المراد الملك وجعله رباً لنفسه لكونه مربياً وله وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك عالماً بكيدهن ومكرهن. واعلم أن كيدهن في حقه يحتمل وجوهاً: أحدها: أن كل واحدة منهن ربما طمعت فيه، فلما لم تجد المطلوب أخذت تطعن فيه وتنسبه إلى القبيح. وثانيها: لعل كل واحدة منهن بالغت في ترغيب يوسف في موافقة سيدته على مرادها، ويوسف علم أن مثل هذه الخيانة في حق السيد المنعم لا تجوز، فأشار بقوله: {إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } إلى مبالغتهن في الترغيب في تلك الخيانة. وثالثها: أنه استخرج منهن وجوهاً من المكر والحيل في تقبيح صورة يوسف عليه السلام عند الملك فكان المراد من هذا اللفظ ذاك، ثم إنه تعالى حكى عن يوسف عليه السلام أنه لما التمس ذلك، أمر الملك بإحضارهن وقال لهن: {مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } وفيه وجهان: الأول: أن قوله: {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } وإن كانت صيغة الجمع، فالمراد منها الواحدة كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 173] والثاني: أن المراد منه خطاب الجماعة. ثم ههنا وجهان: الأول: أن كل واحدة منهن راودت يوسف عن نفسها. والثاني: أن كل واحدة منهن راودت يوسف لأجل امرأة العزيز فاللفظ محتمل لكل هذه الوجوه، وعند هذا السؤال {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } وهذا كالتأكيد لما ذكرن في أول الأمر في حقه وهو قولهن: {مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ }. واعلم أن امرأة العزيز كانت حاضرة، وكانت تعلم أن هذه المناظرات والتفحصات إنما وقعت بسببها ولأجلها فكشفت عن الغطاء وصرحت بالقول الحق وقالت: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه شهادة جازمة من تلك المرأة بأن بوسف صلوات الله عليه كان مبرأ عن كل الذنوب مطهراً عن جميع العيوب، وههنا دقيقة، وهي أن يوسف عليه السلام راعى جانب امرأة العزيز حيث قال: {مَا بَالُ ٱلنّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } فذكرهن ولم يذكر تلك المرأة ألبتة فعرفت المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية لحقها وتعظيماً لجانبها وإخفاء للأمر عليها، فأرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء واعترفت بأن الذنب كله كان من جانبها وأن يوسف عليه السلام كان مبرأ عن الكل، ورأيت في بعض الكتب أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر، فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى تتمكن الشهود من إقامة الشهادة، فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك، فإني مقر بصدقها في دعواها، فقالت المرأة لما أكرمتني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمتك من كل حق لي عليك. المسألة الثانية: قال أهل اللغة: {حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ } معناه: وضح وانكشف وتمكن في القلوب والنفوس من قولهم: حصحص البعير في بروكه، إذا تمكن واستقر في الأرض. قال الزجاج: اشتقاقه في اللغة من الحصة، أي بانت حصة الحق من حصة الباطل. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن قوله: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } كلام من؟ وفيه أقوال: القول الأول: وهو قول الأكثرين أنه قول يوسف عليه السلام. قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة عليه ومثاله قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } تفسير : [النمل: 34] وهذا كلام بلقيس. ثم إنه تعالى قال: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ } وأيضاً قوله تعالى: { أية : رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : [آل عمران: 9] كلام الداعي. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } بقي على هذا القول سؤالات: السؤال الأول: قوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى الغائب، والمراد ههنا: الإشارة إلى تلك الحادثة الحاضرة. والجواب: أجبنا عنه في قوله: { أية : ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : [البقرة: 2] وقيل: ذلك إشارة إلى ما فعله من رد الرسول كأنه يقول ذلك الذي فعلت من ردي الرسول إنما كان، ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب. السؤال الثاني: متى قال يوسف عليه السلام هذا القول؟ الجواب: روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك قال ذلك ليعلم وإنما ذكره على لفظ الغيبة تعظيماً للملك عن الخطاب والأولى أنه عليه السلام إنما قال ذلك عند عود الرسول إليه لأن ذكر هذا الكلام في حضرة الملك سوء أدب. السؤال الثالث: هذه الخيانة وقعت في حق العزيز فكيف يقول: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ }. والجواب: قيل المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بالغيبة، وقيل إنه إذا خان وزيره فقد خانه من بعض الوجوه، وقيل إن الشرابي لما رجع إلى يوسف عليه السلام وهو في السجن قال ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب ثم ختم الكلام بقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى يُحِبُّ ٱلخَـٰئِنِينَ } ولعل المراد منه أني لو كنت خائناً لما خلصني الله تعالى من هذه الورطة، وحيث خلصني منها ظهر أني كنت مبرأ عما نسبوني إليه. والقول الثاني: أن قوله: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } كلام امرأة العزيز والمعنى: أني وإن أحلت الذنب عليه عند حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه عند غيبته، أي لم أقل فيه وهو في السجن خلاف الحق. ثم إنها بالغت في تأكيد الحق بهذا القول، وقالت: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ } يعني أني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت وأنه لما كان بريئاً عن الذنب لا جرم طهره الله تعالى عنه. قال صاحب هذا القول: والذي يدل على صحته أن يوسف عليه السلام ما كان حاضراً في ذلك المجلس حتى يقال لما ذكرت المرأة قولها: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ } ففي تلك الحالة يقول يوسف: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } بل يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول من ذلك المجلس إلى السجن ويذكر له تلك الحكاية، ثم إن يوسف يقول ابتداء {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين ما جاء ألبتة في نثر ولا نظم فعلمنا أن هذا من تمام كلام المرأة. المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على طهارة يوسف عليه السلام من الذنب من وجوه كثيرة: الأول: أن الملك لما أرسل إلى يوسف عليه السلام وطلبه فلو كان يوسف متهماً بفعل قبيح وقد كان صدر منه ذنب وفحش لاستحال بحسب العرف والعادة أن يطلب من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة، لأنه لو كان قد أقدم على الذنب ثم إنه يطلبه من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة كان ذلك سعياً منه في فضيحة نفسه وفي تجديد العيوب التي صارت مندرسة مخفية والعاقل لا يفعل ذلك، وهب أنه وقع الشك لبعضهم في عصمته أو في نبوته إلا أنه لا شك أنه كان عاقلاً، والعاقل يمتنع أن يسعى في فضيحة نفسه وفي حمل الأعداء على أن يبالغوا في إظهار عيوبه. والثاني: أن النسوة شهدن في المرة الأولى بطهارته ونزاهته حيث قلن: { أية : حَاشَ للَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } تفسير : [يوسف: 31] وفي المرة الثانية حيث قلن: {حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } والثالث: أن امرأة العزيز أقرت في المرة الأولى بطهارته حيث قالت: { أية : وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ } تفسير : [يوسف: 32] وفي المرة الثانية في هذه الآية. واعلم أن هذه الآية دالة على طهارته من وجوه: أولها: قول المرأة: {أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ } وثانيها: قولها: {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } وهو إشارة إلى أنه صادق في قوله: { أية : هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } تفسير : [يوسف: 26] وثالثها: قول يوسف عليه السلام: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } والحشوية يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام قال جبريل عليه السلام، ولا حين هممت، وهذا من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية في كتاب معتمد، بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعياً منهم في تحريف ظاهر القرآن. ورابعها: قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ } يعني أن صاحب الخيانة لا بد وأن يفتضح، فلو كنت خائناً لوجب أن افتضح وحيث لم افتضح وخلصني الله تعالى من هذه الورطة، فكل ذلك يدل على أني ما كنت من الخائنين، وههنا وجه آخر وهو أقوى من الكل، وهو أن في هذا الوقت تلك الواقعة صارت مندرسة، وتلك المحنة صارت منتهية، فإقدامه على قوله: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } مع أنه خانه بأعظم وجوه الخيانة إقدام على وقاحة عظيمة، وعلى كذب عظيم من غير أن يتعلق به مصلحة بوجه ما، والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلاً لا يليق بأحد من العقلاء، فكيف يليق إسناده إلى سيد العقلاء، وقدوة الأصفياء؟ فثبت أن هذه الآية تدل دلالة قاطعة على براءته مما يقوله الجهال والحشوية.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ} أي فذهب الرسول فأخبر الملك، فقال: ٱئتوني به {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ} أي يأمره بالخروج قال: {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ} أي حال النسوة. {ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} فأبى أن يخرج إلا أن تصحّ براءته (عند) الملك مما قُذِف به، وأنه حبس بلا جرم. وروى الترمذيّ عن أبي هُريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم (ابن الكريم) يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ـ قال ـ ولو لبِثتُ في السجن ما لَبِث ثم جاءني الرسول أجبت ـ ثم قرأ ـ {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} ـ قال ـ ورحمةُ الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد (إذ قال {لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِىۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ}) فما بعث الله من بعده نبياً إلا في ذروة من قومه». تفسير : وروى البخاريّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ونحن أحق من إبراهيم إذ قال له: {أية : أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} تفسير : [البقرة: 260] وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يرحم الله أخي يوسف لقد كان صابراً حليماً ولو لبثت في السجن ما لبثه أجبت الداعيَ ولم ألتمس العُذْر». تفسير : وروي نحو هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك، في كتاب التفسير من صحيح البخاري، وليس لابن القاسم في الديوان غيره. وفي رواية الطّبريّ: «حديث : يرحم الله يوسف لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إليّ لخرجت سريعاً أَنْ كان لحليماً ذا أناة». تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات لو كنت مكانه لما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب». تفسير : قال ٱبن عطية: كان هذا الفعل من يوسف عليه السلام أناة وصبراً، وطلباً لبراءة الساحة؛ وذلك أنه ـ فيما روي ـ خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحاً فيراه الناس بتلك العين أبداً ويقولون: هذا الذي راود ٱمرأة مولاه؛ فأراد يوسف عليه السلام أن يبيّن براءته، ويحقّق منزلته من العفّة والخير؛ وحينئذ يخرج للإحْظَاءِ والمنزلة؛ فلهذا قال للرسول: ٱرجع إلى ربك وقل له ما بال النسوة، ومقصد يوسف عليه السلام إنما كان: وقل له يستقصي عن ذنبي، وينظر في أمري هل سجنت بحق أو بظلم؛ ونَكَب عن ٱمرأة العزيز حُسن عشرة، ورعاية لذِمام الملك العزيز له. فإن قيل: كيف مدح النبي صلى الله عليه وسلم يوسف بالصبر والأناة وترك المبادرة إلى الخروج، ثم هو يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره؟ فالوجه في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ لنفسه وجهاً آخر من الرأي، له جهة أيضاً من الجودة؛ يقول: لو كنت أنا لبادرت بالخروج، ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك؛ وذلك أن هذه القصص والنوازل هي معرّضة لأن يقتدي الناس بها إلى يوم القيامة؛ فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الناس على الأحزم من الأمور؛ وذلك أن ترك الحزم في مثل هذه النازلة، التاركَ فرصة الخروج من مثل ذلك السجن، ربما نَتَجَ له البقاء في سجنه، وانصرفت نفس مخرجه عنه، وإن كان يوسف عليه السلام أمن من ذلك بعلمه من الله، فغيره من الناس لا يأمن ذلك؛ فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم، وما فعله يوسف عليه السلام صبر عظيم وجلَدٌ. قوله تعالى: {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ} ذكر النّساء جملة ليدخل فيهنّ امرأة العزيز مدخل العموم بالتلويح حتى لا يقع عليها تصريح؛ وذلك حُسن عشرة وأدب؛ وفي الكلام محذوف، أي فاسأله أن يتعرّف ما بال النّسوة. قال ٱبن عباس: فأرسل الملك إلى النسوة وإلى امرأة العزيز ـ وكان قد مات العزيز ـ فدعاهنّ فَـ{قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ} أي ما شأنكنّ. {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} وذلك أن كل واحدة منهنّ كلمت يوسف في حق نفسها، على ما تقدّم، أو أراد قول كل واحدة قد ظلمت ٱمرأة العزيز، فكان ذلك مراودة منهنّ. {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ} أي معاذ الله. {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ} أي زِنًى. {قَالَتِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} لما رأت إقرارهنّ ببراءة يوسف، وخافت أن يشهدن عليها إن أنكرت أقرّت هي أيضاً؛ وكان ذلك لطفاً من الله بيوسف. و«حَصْحَصَ الْحَقُّ» أي تبيّن وظهر؛ وأصله حَصَصَ، فقيل: حَصْحَصَ؛ كما قال: كُبْكِبُوا في كببوا، وكفكف في كفف؛ قاله الزجاج وغيره. وأصل الحَصّ ٱستئصال الشيء؛ يقال: حصَّ شعره إذا ٱستأصله جَزًّا؛ قال أبو القيس بن الأسْلَت:شعر : قد حَصّتِ البيْضَةُ رأسِي فَمَا أطْعَمُ نوماً غيرَ تَهْجاعِ تفسير : وسَنَةٌ حصّاء أي جرداء لا خير فيها، قال جَرير:شعر : يأوِي إليكم بلاَ مَنٍّ ولا جَحَدٍ مَن ساقه السَّنةُ الحَصَّاءُ والذِّيبُ تفسير : كأنه أراد أن يقول: والضّبع، وهي السنة المجدبة؛ فوضع الذئب موضعه لأجل القافية؛ فمعنى «حَصْحَص الْحَقُّ» أي ٱنقطع عن الباطل بظهوره وثباته؛ قال:شعر : أَلاَ مُبْلِغٌ عنِّي خِدَاشاً فإنَّهُ كذوبٌ إذا ما حَصْحَصَ الحقُّ ظالمُ تفسير : وقيل: هو مشتق من الحِصّة؛ فالمعنى بانت حِصّة الحق من حصّة الباطل. وقال مجاهد وقتَادة: وأصله مأخوذ من قولهم؛ حَصَّ شَعْره إذا استأصل قطعه؛ ومنه الحصَّة من الأرض إذا قطعت منها. والحِصْحِص بالكسر التراب والحجارة؛ ذكره الجوهري. {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} وهذا القول منها ـ وإن لم يكن سأل عنه ـ إظهار لتوبتها وتحقيق لصدق يوسف وكرامته؛ لأن إقرار المقرّ على نفسه أقوى من الشهادة عليه؛ فجمع الله تعالى ليوسف لإظهار صدقه الشهادة والإقرار، حتى لا يخامر نفساً ظنٌّ، ولا يخالطها شك. وشدّدت النون في «خَطْبُكُنَّ» و«رَاوَدْتُنَّ» لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى إخباراً عن الملك، لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأيقنه، فعرف فضل يوسف عليه السلام، وعلمه، وحسن اطلاعه على رؤياه، وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه، فقال: {ٱئْتُونِى بِهِ} أي: أخرجوه من السجن، وأحضروه، فلما جاءه الرسول بذلك، امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلماً وعدواناً، فقال: {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ} الآية. وقد وردت السنة بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وشرفه، وعلو قدره وصبره، صلوات الله وسلامه عليه، ففي المسند والصحيحين من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: {رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ} الآية، ويرحم الله لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي»تفسير : ، وفي لفظ لأحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو كنت أنا، لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر»تفسير : وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر»تفسير : ، هذا حديث مرسل. وقوله تعالى: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} إخبار عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز، فقال مخاطباً لهن كلهن، وهو يريد امرأة وزيره، وهو العزيز، قال الملك للنسوة اللاتي قطعن أيديهن: {مَا خَطْبُكُنَّ} أي: شأنكن وخبركن {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} يعني: يوم الضيافة، {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ} أي: قالت النسوة جواباً للملك: حاش لله أن يكون يوسف متهماً، والله ما علمنا عليه من سوء، فعند ذلك {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلئَنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: تقول: الآن تبين الحق، وظهر وبرز، {أَنَاْ رَٰوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} أي: في قوله: {هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى} {ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي؛ ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع، فلهذا اعترفت؛ ليعلم أني بريئة {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِىۤ} تقول المرأة: ولست أبرىء نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى، ولهذا راودته؛ لأن {ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّى} أي: إلا من عصمه الله تعالى: {إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام. وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه الله، فأفرده بتصنيف على حدة، وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف عليه السلام يقول: {ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ} في زوجته {بِٱلْغَيْبِ} الآيتين، أي: إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي، وليعلم العزيز {أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ} في زوجته {بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ} الآية، وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه؟ {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلئَنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} الآية، قال يوسف: {ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} فقال جبريل عليه السلام: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِىۤ} الآية، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وابن أبي الهذيل والضحاك والحسن وقتادة والسدي، والقول الأول أقوى وأظهر؛ لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ } لما جاءه الرسول وأخبره بتأويلها {ٱئْتُونِى بِهِ } أي بالذي عبرها {فَلَمَّا جَآءَهُ } أي يوسفَ {ٱلرَّسُولُ } وطلبه للخروج {قَالَ } قاصداً إظهار براءته {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبّكَ فَاسئَلْهُ } أن يسأل {مَا بَالُ } حال {ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى } سيدي {بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } فرجع فأخبر الملك فجمعهن.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ } في الكلام حذف قبل هذا، والتقدير: فذهب الرسول إلى الملك فأخبره بما أخبره به يوسف من تعبير تلك الرؤيا، وقال الملك لمن بحضرته: {ائتوني به} أي: بيوسف، رغب إلى رؤيته ومعرفة حاله، بعد أن علم من فضله ما علمه، من وصف الرسول له ومن تعبيره لرؤياه. {فَلَمَّا جَاءهُ } أي: جاء إلى يوسف {ٱلرَّسُولَ } واستدعاه إلى حضرة الملك، وأمره بالخروج من السجن {قَالَ } يوسف للرسول {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبّكَ } أي: سيدك {فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} أمره بأن يسأل الملك عن ذلك، وتوقف عن الخروج من السجن، ولم يسارع إلى إجابة الملك، ليظهر للناس براءة ساحته ونزاهة جانبه، وأنه ظلم بكيد امرأة العزيز ظلماً بيناً، ولقد أعطى عليه السلام من الحلم والصبر والأناة ما تضيق الأذهان عن تصوّره، ولهذا ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي»تفسير : يعني: الرسول الذي جاء يدعوه إلى الملك. قال ابن عطية: هذا الفعل من يوسف أناة وصبراً، وطلباً لبراءة ساحته، وذلك أنه خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة، ويسكت عن أمر ذنبه فيراه الناس بتلك العين يقولون: هذا الذي راود امرأة العزيز، وإنما قال: {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنّسْوَةِ } وسكت عن امرأة العزيز رعاية لذمام الملك العزيز، أو خوفاً منه من كيدها وعظيم شرّها، وذكر السؤال عن تقطيع الأيدي ولم يذكر مراودتهنّ له، تنزهاً منه عن نسبة ذلك إليهنّ، ولذلك لم ينسب المراودة فيما تقدّم إلى امرأة العزيز إلاّ بعد أن رمته بدائها وانسلت. وقد اكتفى هنا بالإشارة الإجمالية بقوله: {إِنَّ رَبّى بكيدهن عَلِيمٌ } فجعل علم الله سبحانه بما وقع عليه من الكيد منهنّ مغنياً عن التصريح. وجملة {قَالَ فَمَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا قال الملك بعد أن أبلغه الرسول ما قال يوسف؟ والخطب: الشأن العظيم الذي يحق له أن يخاطب فيه صاحبه خاصة، والمعنى: ما شأنكنّ إذ راودتنّ يوسف عن نفسه. وقد تقدّم معنى المراودة، وإنما نسب إليهنّ المراودة، لأن كل واحدة منهن وقع منها ذلك كما تقدم، ومن جملة ما شمله خطاب الملك امرأة العزيز، أو أراد بنسبة ذلك إليهنّ وقوعه منهنّ في الجملة كما كان من امرأة العزيز تحاشياً عن التصريح منه بنسبة ذلك إليها لكونها امرأة وزيره وهو العزيز، فأجبن عليه بقولهنّ: {قُلْنَ حَاشَ لله} أي: معاذ الله {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } أي: من أمر سيء ينسب إليه، فعند ذلك {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ } منزهة لجانبه مقرّة على نفسها بالمراودة له {الآن حصحص الحق} أي: تبين وظهر. وأصله: حصّ، فقيل: حصحص كما قيل في كبوا: {أية : فكبكبوا}تفسير : [الشعراء: 94] قاله الزجاج، وأصل الحصّ: استئصال الشيء، يقال: حصَّ شعره، إذا استأصله، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت:شعر : قد حَصت البيضةُ رأسي فما أطعمُ نوما غيرَ تهجاعِ تفسير : والمعنى: أنه انقطع الحق عن الباطل بظهوره وبيانه، ومنه:شعر : فمن مبلغ عني خِداشا فإنه كَذوبٌ إذا ما حَصحَص الحق ظالِمُ تفسير : وقيل: هو مشتق من الحصة، والمعنى: بانت حصّة الباطل. قال الخليل: معناه ظهر الحق بعد خفائه، ثم أوضحت ذلك بقولها: {أَنَاْ رٰوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ } ولم تقع منه المراودة لي أصلاً {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } فيما قاله من تبرئة نفسه، ونسبة المراودة إليها، وأرادت بالآن زمان تكلمها بهذا الكلام. قوله: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ }: ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذا من كلام يوسف عليه السلام. قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، إذا دلت القرينة الصارفة إلى كل منهما إلى ما يليق به، والإشارة إلى الحادثة الواقعة منه، وهي تثبته وتأنيه، أي: فعلت ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه في أهله بالغيب، والمعنى: بظهر الغيب، والجار والمجرور في محل نصب على الحال أي: وهو غائب عني، أو وأنا غائب عنه، قيل: إنه قال ذلك وهو في السجن بعد أن أخبره الرسول بما قالته النسوة، وما قالته امرأة العزيز. وقيل: إنه قال ذلك وقد صار عند الملك، والأوّل أولى، وذهب الأقلون من المفسرين إلى أن هذا من كلام امرأة العزيز، والمعنى: ذلك القول الذي قلته في تنزيهه، والإقرار على نفسي بالمراودة ليعلم يوسف أني لم أخنه، فأنسب إليه ما لم يكن منه، وهو غائب عني، أو وأنا غائبة عنه، والإقرار على نفسي به. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ } أي: لا يثبته ويسدّده، أو لا يهديهم في كيدهم حتى يوقعوه على وجه يكون له تأثير يثبت به ويدوم، وإذا كان من قول يوسف ففيه تعريض بامرأة العزيز حيث وقع منها الكيد له والخيانة لزوجها. وتعريض بالعزيز حيث ساعدها على حبسه بعد أن علم براءته ونزاهته. {وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } إن كان من كلام يوسف فهو من باب الهضم للنفس، وعدم التزكية بها مع أنه قد علم هو وغيره من الناس أنه بريء، وظهر ذلك ظهور الشمس، وأقرّت به المرأة التي ادّعت عليه الباطل، ونزهته النسوة اللاتي قطعن أيديهنّ، وإن كان من كلام امرأة العزيز فهو واقع على الحقيقة؛ لأنها قد أقرت بالذنب، واعترفت بالمراودة وبالافتراء على يوسف. وقد قيل: إن هذا من قول العزيز وهو بعيد جدّاً، ومعناه: وما أبرىء نفسي من سوء الظن بيوسف، والمساعدة على حبسه بعد أن علمت ببراءته {إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوء } أي: إن هذا الجنس من الأنفس البشرية شأنه الأمر بالسوء لميله إلى الشهوات، وتأثيرها بالطبع، وصعوبة قهرها، وكفها عن ذلك {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } أي: إلاّ من رحم من النفوس فعصمها عن أن تكون أمارة بالسوء، أو إلاّ وقت رحمة ربي وعصمته لها، وقيل: الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن رحمة ربي هي التي تكفها عن أن تكون أمارة بالسوء، وجملة {إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تعليل لما قبلها، أي: إن من شأنه كثرة المغفرة لعباده والرحمة لهم. قوله: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى } الملك هو الريان بن الوليد لا العزيز كما تقدّم. ومعنى {أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى }: أجعله خالصاً لي دون غيري، وقد كان قبل ذلك خالصاً للعزيز، والاستخلاص: طلب خلوص الشيء من شوائب الشركة، قال ذلك لما كان يوسف نفيساً، وعادة الملوك أن يجعلوا الأشياء النفيسة خالصة لهم دون غيرهم {فَلَمَّا كَلَّمَهُ } في الكلام حذف، وتقديره فأتوه به، فلما كلمه، أي: فلما كلم الملك يوسف، ويحتمل أن يكون المعنى: فلما كلم يوسف الملك، قيل: والأوّل أولى؛ لأن مجالس الملوك لا يتكلم فيها ابتداء إلاّ هم دون من يدخل عليهم. وقيل: الثاني أولى؛ لقول الملك: {قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ } فإن هذا يفيد أنه لما تكلم يوسف في مقام الملك جاء بما حببه إلى الملك، وقربه من قلبه، فقال هذه المقالة، ومعنى {مكين}: ذو مكانة وأمانة بحيث يتمكن مما يريده من الملك ويأمنه الملك على ما يطلع عليه من أمره، أو على ما يكله إليه من ذلك. قيل: إنه لما وصل إلى الملك أجلسه على سريره، وقال له: إني أحبّ أن أسمع منك تعبير رؤياي، فعبرها له بأكمل بيان، وأتمّ عبارة، فلما سمع الملك منه ذلك قال له: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ }. فلما سمع يوسف منه ذلك قال {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأَرْضِ } أي: ولني أمر الأرض التي أمرها إليك وهي أرض مصر، أو اجعلني على حفظ خزائن الأرض، وهي الأمكنة التي تخزن فيها الأموال. طلب يوسف عليه السلام منه ذلك ليتوصل به إلى نشر العدل، ورفع الظلم، ويتوسل به إلى دعاء أهل مصر إلى الإيمان بالله، وترك عبادة الأوثان. وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق، ويهدم ما أمكنه من الباطل، وطلب ذلك لنفسه، ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها، ترغيباً فيما يرومه، وتنشيطاً لمن يخاطبه من الملوك بإلقاء مقاليد الأمور إليه، وجعلها منوطة به، ولكنه يعارض هذا الجواز ما ورد عن نبينا صلى الله عليه وسلم من النهي عن طلب الولاية والمنع من تولية من طلبها، أو حرص عليها. والخزائن جمع خزانة، وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء، والحفيظ: الذي يحفظ الشيء، أي: {إِنّى حَفِيظٌ } لما جعلته إليّ من حفظ الأموال لا أخرجها في غير مخارجها، ولا أصرفها في غير مصارفها {عَلِيمٌ } بوجوده جمعها وتفريقها ومدخلها ومخرجها. {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ } أي: ومثل ذلك التمكين العجيب مكنا ليوسف في الأرض أي: جعلنا له مكاناً، وهو عبارة عن كمال قدرته، ونفوذ أمره ونهيه، حتى صار الملك يصدر عن رأيه، وصار الناس يعملون على أمره ونهيه {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } أي: ينزل منها حيث أراد ويتخذه مباءة، وهو عبارة عن كمال قدرته كما تقدّم، وكأنه يتصرف في الأرض التي أمرها إلى سلطان مصر، كما يتصرف الرجل في منزله. وقرأ ابن كثير بالنون، وقد استدلّ بهذه الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر، بل الكافر لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق. وقد قدمنا الكلام على هذا مستوفياً في قوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } تفسير : [هود: 113] {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء } من العباد فنرحمه في الدنيا بالإحسان إليه، والإنعام عليه، وفي الآخرة بإدخاله الجنة وإنجائه من النار {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } في أعمالهم الحسنة التي هي مطلوب الله منهم، أي: لا نضيع ثوابهم فيها، ومجازاتهم عليها {وَلأجْرُ ٱلأخِرَةِ } أي: أجرهم في الآخرة، وأضيف الأجر إلى الآخرة للملابسة، وأجرهم هوالجزاء الذي يجازيهم الله به فيها، وهو الجنة التي لا ينفد نعيمها ولا تنقضي مدّتها {خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ } بالله {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الوقوع فيما حرّمه عليهم. والمراد بهم: المحسنون المتقدم ذكرهم، وفيه تنبيه على أن الإحسان المعتدّ به، هو الإيمان والتقوى. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {مَا بَالُ ٱلنّسْوَةِ } قال: أراد يوسف العذر قبل أن يخرج من السجن. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الشعب عنه قال: لما قالت امرأة العزيز: أنا راودته، قال يوسف: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } فغمزه جبريل فقال: ولا حين هممت بها؟ فقال: {وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ } قال: تبين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والسدّي مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، عن حكيم بن حزام في قوله: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } فقال له جبريل: ولا حين حللت السراويل؟ فقال عند ذلك {وما أبرئ نفسي}. وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى } قال: فأتاه الرسول فقال: ألقِ عنك ثياب السجن والبس ثياباً جدداً وقم إلى الملك، فدعا له أهل السجن وهو يومئذٍ ابن ثلاثين سنة، فلما أتاه رأى غلاماً حدثاً، فقال: أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة؟ وأقعده قدّامه وقال: لا تخف، وألبسه طوقاً من ذهب وثياب حرير، وأعطاه دابة مسروجة مزينة كدابة الملك، وضرب الطبل بمصر: إن يوسف خليفة الملك. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: قال الملك ليوسف: إني أحبّ أن تخالطني في كل شيء إلاّ في أهلي. وأنا آنف أن تأكل معي، فغضب يوسف، وقال: أنا أحق أن آنف، أنا ابن إبراهيم خليل الله، وأنا ابن إسحاق ذبيح الله، وأنا ابن يعقوب نبيّ الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن شيبة بن نعامة الضبي في قوله: {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلاْرْضِ } يقول: على جميع الطعام {إِنّى حَفِيظٌ } لما استودعتني {عَلِيمٌ } بسني المجاعة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ } قال: ملكناه فيها يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا يصنع فيها ما يشاء. وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم، أن يوسف تزوج امرأة العزيز فوجدها بكراً، وكان زوجها عنينا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وقال الملك ائتوني به}يعني يوسف عليه السلام. {فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك}يعني الملك. {فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن}وإنما توقف عن الخروج مع طول حبسه ليظهر للملك عذره قبل حضوره فلا يراه مذنباً ولا خائناً. فروى أبو الزناد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يرحم الله يوسف إنه كان ذا أناةٍ لو كنت أنا المحبوس ثم أُرسل لخرجت سريعاً ". تفسير : وفي سؤاله عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن دون امرأة العزيز ثلاثة أوجه: أحدها: أن في سؤاله عنها ظنَّةً ربما صار بها متهماً. والثاني: صيانة لها لأنها زوج الملك فلم يتبذلها بالذكر. الثالث: أنه أرادهن دونها لأنهن الشاهدات له عليها. {إن ربي بكيدهن عليم} فيه وجهان: أحدهما: معناه إن الله بكيدهن عليم. الثاني: أن سيدي الذي هو العزيز بكيدهن عليم. قوله عز وجل: {قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه}فهذا سؤال الملك قد تضمن تنزيه يوسف لما تخيله من صدقه لطفاً من الله تعالى به حتى لا تسرع واحدة منهن إلى التكذب عليه. وفي قوله: {راودتن}وإن كانت المراودة من إحداهن وجهان: أحدهما: أن المراودة كانت من امرأة العزيز وحدها فجمعهن في الخطاب وإن توجه إليها دونهن احتشاماً لها. الثاني: أن المراودة كانت من كل واحدة منهن. {قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوءٍ} فشهدن له بالبراءة من السوء على علمهن لأنها شهادة على نفي، ولو كانت شهادتهن على إثبات لشهدن قطعاً، وهكذا حكم الله تعالى في الشهادات أن تكون على العلم في النفي، وعلى القطع في الإثبات. {قالت امرأة العزيز الآنَ حصحص الحق}معناه الآن تبين الحق ووضح، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وأصله مأخوذ من قولهم حَصّ شعره إذا استأصل قطعه فظهرت مواضعه ومنه الحصة من الأرض إذا قطعت منها. فمعنى حصحص الحق أي انقطع عن الباطل بظهوره وبيانه. وفيه زيادة تضعيف دل عليها الاشتقاق مثل قوله: (كبوا، وكبكبوا) قاله الزجاج. وقال الشاعر: شعر : ألا مبلغ عني خداشاً فإنه كذوب إذا ما حصحص الحق ظالم تفسير : {أنا راودته عن نفسه، وإنه لمن الصادقين}وهذا القول منها وإن لم تسأل عنه إظهار لتوبتها وتحقيق لصدق يوسف ونزاهته لأن إقرار المقر على نفسه أقوى من الشهادة عليه، فجمع الله تعالى ليوسف في إظهار صدقه الشهادة والإقرار حتى لا يخامر نفساً ظن ولا يخالجها شك. قوله عز وجل: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب}فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قول امرأة العزيز عطفاً على ما تقدم، ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، يعني الآن في غيبه بالكذب عليه وإضافة السوء إليه لأن الله لا يهدي كيد الخائنين، حكاه ابن عيسى. الثاني: أنه قول يوسف بعد أن علم بظهور صدقه، وذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب عنه في زوجته، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي. {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين}معناه وأن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم.
ابن عطية
تفسير : في تضاعيف هذه الآية محذوفات يعطيها ظاهر الكلام ويدل عليها، والمعنى هنا: فرجع الرسول إلى الملأ والملك فقص عليهم مقالة يوسف، فرأى الملك وحاضروه نبل التعبير وحسن الرأي وتضمن الغيب في أمر العام الثامن، مع ما وصفه به الرسول من الصدق في المنامة المتقدمة، فعظم يوسف في نفس الملك، {وقال ائتوني به} ، فلما وصل الرسول في إخراجه إليه، وقال: إن الملك قد أمر بأن تخرج، قال له: {ارجع إلى ربك} - أي الملك - وقل له: {ما بال النسوة} ومقصد يوسف عليه السلام إنما كان - وقل له: يستقصي عن ذنبي وينظر في أمري، هل سجنت بحق أو بظلم. فرسم قصته بطرف منها إذا وقع النظر عليه بان الأمر كله. ونكب عن ذكر امرأة العزيز حسن عشرة ورعاية لذمام ملك العزيز له. وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو حيوة "النُّسوة" بضم النون، وقرأ الباقون "النِّسوة" بكسر النون. وهما لغتان في تكسير نساء الذي هو اسم جمع لا واحد له من لفظه. وقرأت فرقة "اللايي" بالياء، وقرأ فرقة "اللاتي" بالتاء وكلاهما جمع التي. وكان هذا الفعل من يوسف عليه السلام أناة وصبراً وطلباً لبراءة الساحة، وذلك أنه فيما روي خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحاً، فيراه الناس بتلك العين أبداً، ويقولون: هذا الذي راود امرأة مولاه، فأراد يوسف عليه السلام أن تبين براءته وتتحقق منزلته من العفة والخير، وحينئذ يخرج للإخطاء والمنزلة؛ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يرحم الله أخي يوسف، لقد كان صابراً حليماً، ولو لبثت في السجن لبثه لأجبت الداعي ولم ألتمس العذر حينئذ"تفسير : ، وروي نحو هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك في كتاب التفسير من صحيح البخاري، وليس لابن القاسم في الديوان غيره. وهنا اعتراض ينبغي أن ينفصل عنه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما ذكر هذا الكلام على جهة المدح ليوسف، فما باله هو، يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره، فالوجه في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ لنفسه وجهاً آخر من الرأي له جهة أيضاً من الجودة، أي لو كنت أنا لبادرت بالخروج ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك؛ وذلك أن هذه القصص والنوازل إنما هي معرضة ليقتدي الناس بها يوم القيامة، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الناس على الأحزم من الأمور، وذلك أن المتعمق في مثل هذه النازلة التارك فرصة الخروج من مثل ذلك السجن، ربما تنتج له من ذلك البقاء في سجنه، وانصرفت نفس مخرجه عنه، وإن كان يوسف عليه السلام أمن من ذلك بعلمه من الله فغيره من الناس لا يأمن ذلك؛ فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم ومدح، وما فعله يوسف عليه السلام صبر عظيم وجلد. وقوله {إن ربي بكيدهن عليم} يحتمل أن يريد بالرب الله عز وجل، وفي الآية وعيد - على هذا - وتهديد، ويحتمل أن يريد بالرب العزيز مولاه، ففي ذلك استشهاد به وتقريع له. والضمير في {كيدهن} لـ {النسوة} المذكورات لا للجنس لأنها حالة توقيف على ذنب.
ابن عبد السلام
تفسير : {ارْجِعْ إِلَىَ رَبِّكَ} توقف عن الخروج لئلا يراه الملك خائناً ولا مذنباً. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله يوسف أن كان ذا أناة لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إليَّ لخرجت سريعاً " تفسير : {مَا بَالُ النِّسْوَةِ} سأل عنهن دونها إرادة أن لا يبتذلها بالذكر، أو لأنهن شاهدات عليه. {إِنَّ رَبِّى} الله ـ تعالى ـ أو سيده العزيز.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ ٱلرَّسُولُ...} الآية: لمَّا رأى المَلِكُ وحاضروه نُبْلَ التَّعْبِير وحُسْنَ الرأْيِ، وتضمَّن الغيب في أمْر العامِ الثامِنِ، مع ما وُصِفَ به من الصِّدْق عَظُمَ يوسُفُ في نَفْس الملك، وقال: {ٱئْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ }: يعني: المَلِكَ، {فَسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}، وقصْدُه عَلَيْه السلام بيانُ براءته، وتحقُّق منزلته من العِفَّة والخَيْرِ، فرسَمَ القصَّة بطَرَف منها، إِذا وقع النظَرُ عَلَيْه، بان الأمْرُ كله، وَنَكَبَ عن ذِكْرِ ٱمْرأةِ العزيز؛ حُسْنَ عِشْرةٍ ورعايةٍ لذِمَامِ مُلْك العزيز له، وفي «صحيح البخاري»، عن عبد الرحمٰن بن القاسِمِ صاحبِ مَالِكٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ لُبْثَ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِي » تفسير : : المعنى: لو كُنْتَ أنا، لَبَادَرْتُ بالخروج، ثم حاوَلْتُ بيان عُذْرِي بَعْدَ ذلك؛ وذلك أَنَّ هذه القصص والنوازل، إِنما هي معرَّضة ليقتدي النَّاسُ بها إِلى يوم القيامة، فأراد صلى الله عليه وسلم حَمْلَ الناسِ على الأحزمِ من الأمورِ؛ وذلك أن التارِكَ لمِثْلِ هذه الفُرْصَة ربَّما نَتَجَ له بسَبَبِ التأخير خلاَفُ مقصوده، وإِن كان يوسف قد أَمِنَ ذلك؛ بِعِلْمِهِ من اللَّه، فغيْرهُ من الناس لا يأمَنُ ذلك، فالحالة التي ذَهَبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بنفسه إِلَيْها حالَةُ حَزْمٍ ومدحٍ؛ ليقتدى به، وما فعله يوسَفُ عليه السلام حالةُ صَبْرٍ وتجلُّد، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: وٱنظر إِلى عظيمِ حلْمِ يوسُف عليه السلام وَوُفُورِ أدبه، كيف قال: {مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ }، فذكر النساءَ جملةً؛ لتدخُلَ فيهنَّ امرأة العزيزِ مدْخَلَ العمومِ؛ بالتلويحِ دون التصريح. انتهى. وهذه كانَتْ أخلاقُ نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، لا يقابل أحداً بمكروهٍ، وإِنما يقول: « مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا »، من غير تعيينٍ، وبالجملة فكلُّ خَصْلة حميدةٍ مذكُورَةٍ في القُرآنَ ٱتَّصَفَ بها الأنبياءُ والأصفياءُ، فقد ٱتصفَ بها نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، إِذ كان خلقه القرآن، كما روته عائشةُ في الصحيحِ، وكما ذكر اللَّه سبحانه: { أية : أُوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام:90] انتهى. وقوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}، فيه وعيدٌ، وقوله: {مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ }: المعنى: فَجَمَعَ المَلِكُ النِّسوة، وٱمرَأةُ العزيزِ معَهُنَّ، وقال لهنَّ: {مَا خَطْبُكُنَّ...} الآية: أي: أيُّ شيء كانَتْ قصَّتَكُن، فجاوب النساءُ بجوابٍ جيدٍ، تظهر منه براءَةُ أَنفُسِهِنَّ، وأعطَيْنَ يوسُفَ بعْضَ براءةٍ، فقلْنَ: {حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ}، فلما سمعت ٱمرأةُ العزيزِ مقالَتَهُنَّ وَحَيْدَتَهُنَّ، حضَرَتْها نيَّةٌ وتحقيقٌ، فقالتِ: {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ}، أي: تبيَّنَ الحقُّ بعد خفائِهِ؛ قاله الخليل وغيره، قال البخاريُّ: حَاشَ وحَاشَى: تنزيهٌ وٱستثناءٌ، وحَصْحَصَ: وَضَح. انتهى. ثم أقرَّتْ على نفسها بالمراودةِ، وٱلتزَمَتِ الذنْبَ، وأبرأَتْ يوسُفَ البراءةَ التامَّة. وقوله: {ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } إِلى قوله: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }: ٱختلفَ فيه أَهْلُ التأويل، هل هو مِنْ قولِ يوسُفَ أَو من قول ٱمرأةِ العَزِيزِ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ} الآية. حديث : اعلم أنَّ الساقي لما رجع إلى الملك، وأخبره بما أفتاه يوسف من تأويل رؤياه، وعرف الملك أنَّ الذي قاله كائنٌ قال ائتُونِي به، فلمَّا جَاءه الرسُول قال: أجب الملكَ، فأبى أن يخرج مع الرسول، حتَّى تظهر براءته، فقال للرسول: ارْجِعْ إلى ربِّكَ، أي: سيِّدك، قال ـ عليه الصلاة السلام ـ: "عَجِبْتُ مِن يُوسفَ وكَرمهِ وصَبْرهِ واللهُ يَغْفرُ لهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقراتِ العِجِافِ والسِّمانِ، ولوْ كُنْتُ مَكانَهَ ما أخْبرْتُهمْ حتَّى أشْترطَ أنْ يُخْرِجُونِي ولقَدْ عِجِبْتُ منهُ حِينَ أتاهُ الرَّسولُ فقَال لَهُ: ارْجِعْ إلى ربِّك، ولوْ كُنْتُ مَكَانَهُ ولَبِثْتُ في السِّجن طول ما لبِثَ لأسْرعْتُ إلى الإجَابةِ وبَادرتُهُم البَابَ" . تفسير : قال ابن الخطيب: الذي فعله يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ من الصَّبر، والتَّوقٌُّف إلى أن يفحص الملك عن حاله، هو الأليقُ بالحزم والعقل، وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو خرج في الحالِ، فربما كان يبقى في قلب الملك أثر ما، فلما التمس من الملكِ أن يفحص عن حال تلك الواقعةِ، دلَّ ذلك على براءته من التهمةِ، فبعد خروجه لا يقدر أحدٌ أن يلطِّخه بتلك الرذيلة، وأن يتوصل بها إلى الطعن فيه. والثاني: أن الإنسان الذي يبقى في [السجن] اثنتي عشرة سنةً، إذا طلبه الملك، وأمر بإخراجه، فالظاهر أنه يبادرُ إلى الخروج، فحيث لم يخرج، عرف منه أنه في نهايةِ العقلِ، والصَّبر، والثباتِ؛ وذلك [يكون] سبباً لاعتقادِ البراءةِ فيه عن جميع أنواع التهم، وأن يحكم بأنَّ كلَّ ما قيل فيه، كان كذباً. الثالث: أن التماسهُ من الملك أن يفحص عن حاله من تلك النسوةِ، يدل ـ أيضاً ـ على شدَّة طهارته، إذ لو كان ملوثاً بوجه ما، لكان يخاف أن يذكر ما سبق. الرابع: أنه قال للشَّرابي: "اذكُرْنِي عندَ ربِّكَ" فبقي بسبب هذه الكلمة في السجن [بضع] سنين، وهنا طلبهُ الملك فلم يلتفت إليه، ولم يقمْ لطلبه وزناً، واشتغل بإظهار براءته من التُّهمةِ، ولعلَّه كان غرضه ـ عليه الصلاة والسلام ـ من ذلك ألاَّ يبقى في قلبه التفاتٌ إلى ردِّ الملك وقبوله، وكان هذا العمل جارياً مجرى التَّلافي، لما صدر منه من التوسُّلِ إليه، في قوله: "اذْكُرنِي عِندَ ربِّك"، وليظهر هذا المعنى لذلك الشرابي؛ فإنه هو الذي كان واسطةً في الحالين معاً. قوله: {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ} قرأ ابن كثير، والكسائي: "فَسَلهُ"، بغير همز، والباقون: بالهمز؛ وهما لغتان. والعامة على كسر نونِ "النِّسوةِ" وضمها عاصم في رواية أبي بكرٍ ـ رضي الله عنهما ـ وليست بالمشهورة، وكذلك قرأها أبو حيوة. وقرىء "اللاَّئِي" بالهمز، وكلاهما جمع لـ:"الَّتي"، و"الخَطْبُ": الأمْرُ والشَّأن الذي فيه خطرٌ؛ وأنشد [الطويل] شعر : 3115ـ ومَا المَرْءُ ما دَامتْ حُشَاشَةُ نَفْسهِ بمُدْرِك أطرْافِ الخُطوبِ ولا آلِ تفسير : وهو في الأصل مصدر: خَطَبَ يُخْطبُ وإنَّما يُخْطَبُ في الأمور العظام. فصل ما في الآية من لطائف أولها: أنَّ المعنى؛ قوله تعالى {فَاسْأَلْهُ} سئل الملك {مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ} ليعلم براءتي من تلك التهمة إلا أنَّه اقتصر على سؤال الملك عن تلك الواقعة؛ لئلاًَ يشتمل اللفظ على ما يجرى مجرى أمر الملك بعمل أو فعلٍ. وثانيها: أنَّه لم يذكر سيدته مع أنها التي سعت في إلقائه في السجن الطويل، بل اقتصر على ذكر سائر النسوة. وثالثها: أنَّ الظاهر أن أولئك النسوة نسبنه إلى عملٍ قبيحٍ عند الملك، فاقتصر يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ على مجرَّد قوله: {مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}، وما شكى منهم على سبيل التَّعيين، والتفصيل. ثم قال يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ {إنّ ربي بكيدهن عليم}. وفي المراد بقوله "إنَّ ربِّي" وجهان: أحدهما: أنه هو الله ـ تعالى ـ فإنه هو العالم بخفيَّات الأمور. والثاني: المراد به الملك، وجعله ربًّا؛ لكونه مربِّياً، وفيه إشارةٌ إلى كون ذلك الملك عالماً بمكرهنَّ وكيدهنَّ. واعلم أنَّ كيدهن في حقه يحتمل وجوهاً: أحدها: أنَّ كل واحدٍ منهن طمعت فيه، فلما لم يجدن المطلوب أخذن يطعن فيه، وينسبنه إلى القبيح. وثانيها: لعلَّ كلَّ واحدةٍ منهن بالغت في ترغيب يوسف في موافقته سيدته على مرادها، ويوسف علم أنَّ مثل هذه الخيانة في حقِ السَّيِّد المنعم لا تجوزُ. وأشار بقوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} إلى مبالغتهنَّ في الترغيب في تلك الخيانة. وثالثها: أنه استخرج منهنَّ وجوهاً من المكرِ والحيل في تقبيح صورة يوسف عند الملك، فكان المراد منهم اللفظ ذلك. ثم إنه ـ تعالى ـ حَكَى أنَّ يوسف عليه السلام لما التمس من الملك ذلك، أمر الملكُ بإحْضَارهنَّ، وقال لهُنَّ: "مَا خَطْبُكُنَّ": ما شَأنُكُنَّ، وأمركنَّ "إذْ رَاودتُّنَّ يوسف عَنْ نَفْسِهِ"، وفيه وجهان: الأول: أن قوله {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ}، وإن كان صيغة جمع، فالمراد منها الواحد؛ كقوله ـ جلَّ ذكره: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ}تفسير : [آل عمران:173]. والثاني: أنَّ المراد منه خطابُ الجماعة، ثم هاهنا وجهان: الأول: أنَّ كلَّ واحدة منهنَّ راودتْ يوسف عن نفسه. والثاني: أنَّ كلَّ واحدةٍ منهنَّ راودتْ يوسف؛ لأجل امرأة العزيز، فاللفظ محتمل لكل هذه الوجوه. وعند هذا السؤال {قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء}، وهذا كالتأكيد؛ لما ذكرنا في أوَّل الأمر في حقه، وهو قولهنَّ: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}تفسير : [يوسف:31]. وقوله "إذْ رَوادتنَّ"، هذا الظرف منصوبٌ بـ "خَطْبُكُنَّ"؛ لأنه في معنى الفعل إذ المعنى: ما فعلتُنَّ، وما أردتنَّ به في ذلك الوقتِ. وكانت امرأةُ العزيز حاضرة، وكانت تعلم أن هذه المناظرات، والتفحصات، إنما وقعت بسببها، ولأجلها. وقيل: إنَّ النسوة أقبلن على امرأة العزيز يقررنها. وقيل: خَافتْ أن يَشْهدْنَ عليها؛ فأقرَّت، وقالت: {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} أي: ظهر، وتبيَّن: {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ}، في قوله: {أية : هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي}تفسير : [يوسف:26]. هذه شهادةٌ جازمةٌ من تلك المرأة أنَّ يوسفَ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ راعى جانب العزيز حيثُ قال: {ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن}؛ ولم يذكر تلك المرأة ألبتة؛ فعرفت المرأةُ أنَّهُ ترك ذكرها؛ رعايةً، وتعظيماً لجانبها، وإخفاءً للأمر عليها؛ فأرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن، فلا جرم كشفت الغطاء، واعترفت بأنَّ الذنب كُلَّه من جانبها، وأنَّ يوسف كان مُبَرّأ عن الكل. حُكِيَ أنَّ امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي، فادَّعت عليه المهر، فأمر القَاضِي أن يَكْشفَ عَنْ وَجْهِها؛ حتَّى يتمَكَّنَ الشُّهودُ من إقَامةِ الشَّهادةِ، فقال الزَّوحُ: لا حَاجةَ إلى ذلِكَ؛ فإنِّي مقرٌّ بصَداقِهَا في دَعْواهَا، فقالت المرأةُ: أكْرمْتَنِي إلى هذا الحد؟ اشْهَدُوا أنِّي أبْرَأتُ ذمَّتهُ من كُلِّ حقِّ لِي عليْهِ. قوله "الآنَ" منصوب بما بعده، و"حَصْحَصَ" معناه: تبيَّن وظهر بعد خفاءٍ، قاله الخليل ـ رحمه الله ـ. وقال بعضهم: هو مأخوذٌ من الحصَّة، والمعنى: بانتْ حصَّةُ الحق من حصَّة الباطل، كما تتميَّزُ حِصَصُ الأرَاضِي وغيرها، وقيل: بمعنى ثبت واستقرَّ. وقال الرَّاغب: "حَصْحَصَ الحقُّ"، أي: وضَحَ ذلِكَ بانكِشافِ ما يُقهِره، وحصَّ وحَصْحَصَِ، نحو: كفَّ وكَفْكَفَ، وكَبَّ وكَبْكَبَ، وحصَّه: قطعهُ؛ إمَّا بالمباشرة وإمَّا بالحكمِ؛ فمن الأولِ قول الشاعر: [السريع]. شعر : 3116ـ قَدْ حَصَّتِ البَيْضَةُ رَأسِي فَمَا ......................... تفسير : ومنه: رجُلٌ أحَصّ: انقطع بعض شعره، وامرأةٌ حصَّاءُ، والحَصَّةُ: القطعة من الجملة، ويستعمل استعمال النصيب. وقيل: هو مِنْ حَصْحَصَ البعير، إذا ألقى ثفناته؛ للإناخَةِ؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3117ـ فَحَصْحَصَ في صُمِّ القَنَا ثَفِنَاتِهِ ونَاءَ بِسلمَى نَوْءَة ثُمَّ صَمَّمَا تفسير : قوله تعالى: "ذَلِكَ" خبرُ مبتدإٍ مضمرٍ، أي: الأمرُ ذلك، و"لِيَعْلمَ"، متعلقٌ بضميرٍ، أي: أظهر ذلك؛ ليعلم، أو مبتدأ، وخبره محذوفٌ، أي: ذلك الذي صرَّحتُ به عن براءته، أمرٌ من الله لا بُدَّ منه، و"لِيَعْلمَ" متعلقٌ بذلك الخبر، أو يكون "ذَلِكَ" مفعولاً لفعلٍ مقدَّرٍ يتعلق به هذا الجار أيضاً، أي: فعل الله ذلك، أو فعلته أنا بتيسير الله. قوله: "بِالغَيْبِ" يجوز أن تكون الباءُ ظرفية قال الزمخشريُّ: أي مكان الغيب، وهو الخفاء، والاستتارُ وراء الأبواب السبعة المغلقةِ، ويجوز أن تكون الباءُ للحالِ، إمَّا من الفاعل، على معنى: وأنا غائبٌ عنه خفي عن عينه. وإمَّا من المعفولِ على معنى: وهو غائب عني خفي عن عيني. "وأنَّ اللهَ" نسقٌ على "أنِّي"، أي: ليعلم الأمرينِ، وهذا من كلام يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وبه بدأ الزمخشري، كالمختار له. وقال غيره: إنه من كلام امرأة العزيزِ، وهو الظَّاهرُ. فإن قلنا: هو من كلام يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ فمتى قالهُ؟. وروى عطاءٌ، عن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهم ـ: أنَّ يوسف لما دخل على الملك، قال "ذلكَ"، وإنما ذكره بلفظِ الغيبة تعظيماً للملك عن الخطاب. قال ابنُ الخطيب: "والأولى أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إنما قال ذلك عند عود الرسول إليه، لأنَّ ذكر هذا الكلام في حضرةِ الملك، سوء أدبٍ". فإن قيل: هذه الخيانة لو وقعت، كانت في حقِّ العزيزِ، فكيف قال: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}؟. فالجوابُ: قيل: المرادُ ذلك ليعلم الملك أنِّي لم أخنِ العزيز بالغيبِ، فتكون الهاءُ في "أخُنْهُ" تعود على العزيز. وقيل: إنَّه إذا خان وزيره، فقد خانه من بعض الوجوه. وقيل: إن الشرابي لما رجع إلى يوسف ـ عليه السلام ـ وهو في السجن ـ، قال: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ}، العزيزُ {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}. ثم ختم الكلام بقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ}، ولعلَّ المراد منه: أني لو كنت خائناً، لما خلَّصني الله من هذه الورطةِ، وحيث خلصني منها، ظهر أنِّي كنت بريئاً مما نسبوني إليه. وإن قلنا: إن قوله: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} كلام امرأة العزيز، فالمعنى: أني ولو أدخلت الذنب عليه عند حضوره، لكنني لم أدخل الذنب عليه عند غيبته؛ لأني لم أقلْ فيه وهو في السجن خلاف الحقِّ، ثم إنها بالغت في تأكيد هذا القول وقالت: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ}، أي: لما أقدمتُ على الكيدِ، والمكرِ، لا جرم افتضحْتُ؛ فإنه لمَّا كان بريئاً، لا جرم أظهره الله ـ عز وعلا ـ. قال صاحبُ هذا القولِ: الي يدلُّ على صحَّتهِ: أنَّ يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ما كان حاضراً في ذلك المجلس حتَّى يقال: لمَّا ذكرتِ المرأةُ قولها: {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ}، ففي تلك الحالة قال يوسف: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}، بل يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول عن ذلك المجلس إلى السجن، ويذكر تلك الحكاية. ثم إنَّ يوسف يقول ابتداء: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} ومثلُ هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين، ما جاء ألبتة في نثر ولا نظم؛ فعلمنا أن هذا من تمام كلام المرأة. قال القرطبي: وهو متصلٌ بقولِ امرأة العزيز: "الآنَ حَصْحَصَ الحقٌّ" أي: أقررتُ بالصدقِ؛ {لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} بالكذب عليه، ولم أذكره بسوءٍ، وهو غائبٌ، بل صدقتُ، وزجرت عنه الخيانة، ثم قالت: "ومَا أبرِّىءُ نَفسِي"؛ بل أنا راودته، وعلى هذا هي كانت مقرة بالصانع؛ ولهذا قالت: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقيل:{ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}، مِنْ قولِ العزيز، وإنِّي لم أغفل عن مجازاته على أمانته. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} معناه: إنَّ الله لا يهدي الخائنين بكيدهم. فصل دلَّت هذه الآية على طهارةِ يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من الذنب من وجوه: الأول: أن الملك لما أرسل إلى يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وطلبه، فلو كان يوسف متهماً بفعلٍ قبيحٍ، وقد كان صدر منه ذنبٌ، وفحشٌ؛ لاستحال بحسب العرفِ والعادةِ، أن يطلب من الملك أن يفحص عن تلك الواقعة، وكان ذلك سعياً منه في فضيحةِ نفسه، وفي حمل الأعداءِ على أن يبالغوا في إظهار عيوبه. والثاني: أنَّ النسوة شهدن في المرة الأولى بطهارته، ونزاهته، {أية : وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}تفسير : [يوسف:31]، وفي المرة الثانية: {قُلنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ}. والثالث: أنَّ امرأة العزيز اعترفت في المرة الأولى بطهارته، حيثُ قالت: {أية : وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ}تفسير : [يوسف:32]، وفي المرة الثانية قولها: {الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين}، وهذا إشارةٌ إلى أنَّه صادقٌ في قوله: {أية : هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي}تفسير : [يوسف:26]. والرابع قول يوسف {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}. قال ابن الخطيب: "والحشويَّةُ يذكرون أنَّه لما قال هذا الكلام، قال جبريل ـ عليه السلام ـ: ولا حين هَمَمْتَ، وهذا من رواياتهم الخبيثة، وما صحَّت هذه الروايةُ في كتابٍ معتمدٍ، بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعياً منهم في تحريفِ ظاهر القرآن". والخامس: قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ}، يقتضي أن الخائن لا بدَّ أن يفتضح، فلو كان خائناً، لوجب أن يفتضح؛ ولما خلصه الله من هذه الورطة، دلَّ ذلك على أنه لم يكن من الخائنين. ووجه آخر: وهو أنَّ ـ في هذا الوقت ـ تلك الواقعة صارت مندرسةً، فإقدامه في قوله {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}، مع أنَّهُ [خانه] بأعظم وجوه الخيانة وأقدم على فاحشةٍ عظيمةٍ، وعلى كذبٍ عظيمٍ من غير أن يتعلق به مصلحة بوجهٍ ما، والإقدامُ على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلاً؛ لا يليق بأحدٍ من العقلاءِ، فكيف يليق إسناده إلى سيِّد العقلاء، وقدوة الأصفياء، فثبت أنَّ هذه الآية تدلُّ دلالة قطعيَّة على براءته مما يقول الجُهَّال. قوله تعالى: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} الآية اعلمْ أنَّ تفسير هذه الآية يختلف باخلاف ما قبلها؛ لأنَّه إن قلنا قوله {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}، كلام يوسف، كان هذا ـ أيضاً ـ كلام يوسف، وإن قلنا::إنه من تمام كلام المرأة، كان هذا ـ أيضاً ـ كذلك، وإذا قلنا: إنه من كلام يوسف ـ عليه الصلاة والسلام، فقالوا: إنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لما قال: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}، قال جبريلُ ـ عليه السلامُ ـ ولا حين هَمَمْتَ، فعند هذا، قال يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ}، أي: بالزِّنا، {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} أي عصم، {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ} لِلْهمِّ الذي همَّ به، "رَحِيمٌ"، أي لو فعلته، لتابَ عليَّ. قال ابنُ الخطيب ـ رحمه الله ـ: "هذا ضعيفٌ؛ فإنَّا بينا في الآية الأولى برهاناً قاطعاً على براءته من الذنب". فإن قيل: ما جوابكم عن هذه الآية؟. فنقول: فيه وجهان: الأول: أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لما قال {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}، كان ذلك جارياً مجرى المدحِ لنفسه، وتزكيتها؛ وقال ـ سبحانه ـ {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [النجم:32] فاستدركه على نفسه بقوله: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ}، والمعنى: فلا أزكِّى نفسي؛ {إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ}، ميَّالةٌ إلى القبائحِ، راغبٌ في المعصيةِ. الثاني: أنَّ الآية لا تدلُّ ألبتة على شيءٍ مما ذكروه؛ لأنَّ يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لما قال: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}، بيَّن أنَّ ترك الخيانة ما كان لعدمِ الرغبة، ولعدم ميل النفس، والطبيعةِ؛ لأنَّ النفس أمَّارة بالسوءِ، توَّاقةٌ إلى اللذات، فبيَّن بهذا الكلام أن ترك الخيانة، ما كان لعدم الرغبةِ، بل لقيام الخوف من الله ـ تعالى ـ. وإذا قلنا: إنَّ هذا الكلام من بقية كلامِ المرأةِ، ففيه وجهان: الأول: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ}، عن مراودته، ومرادها تصديقُ يوسف في قوله: {أية : هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي}تفسير : [يوسف:26]. والثاني: أنها لما قالت: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}، قالت: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ}، من الخيانة مطلقاً؛ فإنٍّي قد خنته حين أحلت الذنب عليه، وقلت: {أية : مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [يوسف:25]؛ وأودعته في السِّجن، كأنَّها أرادت الاعتذارَ مما كان. فإن قيل: أيُّهما أولى، جعل هذا الكلام كلاماً ليوسف، أم جعله كلاماً للمرأة. قلنا: جعله كلاماً ليوسف مشكل؛ لأنَّ قوله: "قالت امرأةُ العَزيزِ الآن حَصْحَصَ الحقٌّ" كلامٌ موصولٌ بغضه ببعضٍ إلى آخره، فالقول بأنَّ بعضه كلام المرأةِ، والبعض كلام يوسف، تخلُّل الفواصل الكثيرة بين القولين، وبين المجلسين بعيد. فإن قيل: جعله كلاماً للمرأة مشكل أيضاً؛ لأن قوله {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} كلامٌ لا يحسنُ صدوره إلاَّ ممَّن احترز عن المعاصِي، ثم يذكر هذا الكلام على سبيل كسر النَّفس، ولا يليق ذلك بالمرأةِ التي استفرغت جهدها في المعصية. قوله: {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} فيه أوجهٌ: أحدها: أنه مستثنى من الضمير المستكنِّ في "أمَّارةٌ" كأنه قيل: إن النفس لأمارةٌ بالسوءِ إلاَّ نفساً رحمها ربِّي، فيكون أراد بالنفس الجنس؛ فلذلك ساغ الاستثناء منها؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}تفسير : [العصر:2، 3] وإلى هذا نحا الزمخشريُّ ـ رحمه الله ـ فإنه قال: "إلا البعض الذي رحمهُ ربِّي بالعصمة؛ كالملائكة". وفيه نظرٌ؛ من حيث إيقاع "ما" على من يعقل، والمشهور خلافه. قال ابن الخطيب: "ما" بمعنى "مَنْ" أي: إ لا من رحم ربي، و"مَا" و"مَنْ" كلُّ واحدٍ منهما يقوم مقام الآخر؛ قال تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النساء:3]، وقال: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ}تفسير : [النور:45]. والثاني: أنَّ "مَا" في معنى الزمان؛ فيكون مستثنى من الزمنِ العامِّ المقدر، والمعنى: إنَّ النَّفس لأمارة بالسوءِ في كل وقتٍ وأوانٍ، إلاَّ ـ وقت رحمة ـ ربِّي إيَّاها بالعصمةِ. ونظره أبو البقاءِ بقوله: {أية : وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ}تفسير : [النساء:92]، وقد تقدَّم [النساء:92] أنَّ الجمهور لا يجيزون أن تكون "أنْ" واقعة موقع ظرف الزمان. والثالث: أنه مستثنى من معفولِ "أمَّارةٌ"، أي: لأمَّارة صاحبها بالسُّوءِ إلا الذي رحمه الله، وفيه إيقاع "مَا" على العاقل. والرابع: أنه استثناء منقطع، قال ابن عطيَّة: وهو قول الجمهور. وقال الزمخشريُّ: ويجوز أن يكن استثناء منقطعاً، أي: ولكن رحمةُ ربي التي تصرفُ الإساءة؛ كقوله: {أية : وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا}تفسير : [يس:43، 44]. فصل في أن الإيمان والطاعات لا يحصلان للعبد إلا برحمة الله له هذه الآية تدل على أن الطاعات والإيمان لا يحصلان إلا من الله تعالى؛ لقوله ـ تعالى ـ: {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} فدلَّ ذلك على أنَّ انصراف النفس من السوءِ لا يكون إلا برحمة الله، ودلَّت الآية على أنَّ من حصلت تلك الرحمةُ له، حصل ذلك الانصرافُ، ولا يمكن تفسيرُ هذه الرحمة بإعطاءِ العقل، والقدرةِ، والألطافِ، كما قاله القاضي ـ رحمه الله ـ؛ لأنَّ كلَّ ذلك مشتركٌ بين الكافر والمؤمن، فوجب تفسيرها بشيءٍ آخر، وهو ترجيحُ داعية الطاعة على داعيةِ المعصيةِ.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} فقال: "لو كنت أنا لأسرعت الاجابة وما ابتغيت العذر" . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يرحم الله يوسف إن كان لذا أناة حليماً، لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إليّ لخرجت سريعاً ". تفسير : وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه - والله يغفر له - حيث أرسل إليه ليستفتى في الرؤيا، وإن كنت أنا لم أفعل حتى أخرج، وعجبت من صبره وكرمه - والله يغفر له - أتى ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا لبادرت الباب، ولكنه أحب أن يكون له العذر ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر، عن الحسن - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رحم الله أخي يوسف، لو أنا أتاني الرسول بعد طول الحبس لأسرعت الإجابة، حين قال {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة} ". تفسير : وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} قال: أراد يوسف عليه السلام العذر قبل أن يخرج من السجن. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما جمع الملك النسوة قال لهن: انتن راودتن يوسف عن نفسه؟ {قلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} قال يوسف: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} فغمزه جبريل عليه السلام فقال: ولا حين هممت بها؟ فقال {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {الآن حصحص الحق} قال: تبين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد والسدي مثله. وأخرج الحاكم في تاريخه، وابن مردويه والديلمي، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : قرأ هذه الآية {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال "لما قالها يوسف عليه السلام، قال له جبريل عليه السلام: يا يوسف، اذكر همك. قال: {وما أبرئ نفسي} . تفسير : وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: لما قال يوسف عليه السلام {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال له جبريل عليه السلام: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء}. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة قال: لما قال يوسف عليه السلام {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال الملك - وطعن في جنبه - يا يوسف، ولا حين هممت؟ قال {وما أبرئ نفسي} . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم، عن حكيم بن جابر في قوله {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال: قال له جبريل: ولا حين حللت السراويل؟ فقال عند ذلك {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء} . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال: هو قول يوسف لمليكه حين أراه الله عذره. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج قال: أراد يوسف عليه السلام العذر قبل أن يخرج من السجن، فقال {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم ...} و {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال ابن جريج: وبين هذا وبين ذلك ما بينه، قال: وهذا من تقديم القرآن وتأخيره. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال يوسف - يقول - لم أخن سيدي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال هذا قول يوسف عليه السلام، لم يخن العزيز في امرأته. قال: فقال له جبريل عليه السلام: ولا حين حللت السراويل؟ فقال يوسف عليه السلام {وما أبرئ نفسي ...} إلى آخر الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال: قال له جبريل عليه السلام: اذكر همك. قال {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} فقال له الملك أو جبريل: ولا حين هممت بها؟ فقال يوسف عليه السلام {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء}. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال: فقال له الملك: ولا حين هممت؟ فقال {وما أبرئ نفسي}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - قال: ذكر لنا أن الملك الذي كان مع يوسف عليه السلام قال له: اذكر ما هممت به. قال {وما أبرئ نفسي}. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال: خشي نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يكون زكى نفسه فقال {وما أبرئ نفسي ...} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {وما أبرئ نفسي} قال: يعني همته التي هم بها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد العزيز بن عمير - رضي الله عنه - قال: النفس أمارة بالسوء، فإذا جاء العزم من الله، كانت هي التي تدعو إلى الخير.
ابو السعود
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ} بعد ما جاءه السفيرُ بالتعبـير وسمع منه ما سمع من نقير وقِطمير {ٱئْتُونِى بِهِ} لِما علم من علمه وفضله {فَلَمَّا جَاءهُ} أي يوسفَ {ٱلرَّسُولُ} واستدعاه إلى الملك {قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبّكَ} أي سيدك {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي ففتشه عن شأنهن وإنما لم يقل: فاسأله أن يفتش عن ذلك حثاً للملك على الجد في التفتيش ليتبـين براءتُه ويتضح نزاهتُه إذ السؤالُ مما يهيج الإنسانَ على الاهتمام في البحث للتفصّي عما توجه إليه وأما الطلب فمما قد يتسامح ويُتساهل فيه ولا يبالىٰ به وإنما لم يتعرض لامرأة العزيزِ مع ما لقِيَ من مقاساة الأحزان ومعاناة الأشجانِ محافظةً على مواجب الحقوق واحترازاً عن مكرها حيث اعتقدها مقيمةً في عُدوة العداوة، وأما النسوةُ فقد كان يطمع في صَدْعهن بالحق وشهادتِهن بإقرارها بأنها راودتْه عن نفسه فاستعصم ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي ولم يصرّح بمراودتهن له وقولِهن: أطع مولاتك واكتفي بالإيماء إلى ذلك بقوله: {إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} مجاملةً معهن واحترازاً عن سوء قالتِهن عند الملكِ وانتصابِهن للخصومة مدافعةً عن أنفسهن متى سمعن بنسبته لهن إلى الفساد {قَالَ} استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا كان بعد ذلك؟ فقيل: قال الملكُ إثَر ما بلّغه الرسولُ الخبر وأحضرهن: {مَا خَطْبُكُنَّ} أي شأنكن وهو الأمرُ الذي يحِق لعُظْمه أن يخاطِبَ المرءُ فيه صاحبه {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ} وخادعتُنّه {عَن نَّفْسِهِ} ورغبتُنّه في إطاعة مولاته هل وجدتُن فيه شيئاً من سوء وريبة؟ {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ} تنزيهاً له وتعجباً من نزاهته وعفته {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء} بالغْن في نفي جنس السوءِ عنه بالتنكير وزيادة من {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ} وكانت حاضرةً في المجلس وقيل: أقبلت النسوةُ عليها يقرِّرنها، وقيل: خافت أن يشهَدْن عليها بما قالت لهن: {أية : وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن ٱلصَّـٰغِرِينَ} تفسير : [يوسف: 32] فأقرت قائلة: {الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} أي ثبت واستقرَّ أو تبـيّن وظهر بعد خفاء، قاله الخليل، وقيل: هو مأخوذ من الحِصة وهي القطعة من الجملة أي تبـين حصةُ الحقِّ من حصة الباطل كما تتبـين حِصصُ الأراضي وغيرها، وقيل: بان وظهر من حصّ شعرَه إذا استأصله بحيث ظهرت بشرةُ رأسه، وقرىء على البناء للمفعول من حَصحَص البعيرُ مباركَه أي ألقاها في الأرض للإناخة قال: شعر : فحصحَص في صُمّ الصفا ثفَناتِه وناء بسلمىٰ نوأةً ثم صمّما تفسير : والمعنى أُقرَّ الحقُّ في مقرّه ووُضع في موضعه ولم ترِدْ بذلك مجردَ ظهور ما ظهر بشهادتهن من مطلق نزاهتِه عليه السلام فيما أحاط به علمُهن من غير تعرض لنزاهته في سائر المواطنِ خصوصاً فيما وقع فيه التشاجرُ بمحضر العزيز، ولا بحثٍ عن حال نفسها وما صنعت في ذلك بل أرادت ظهورَ ما هو متحققٌ في نفس الأمر وثبوتِه من نزاهته عليه السلام في محل النزاعِ وخيانتِها فقالت: {أَنَاْ رٰوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} لا أنه راودني عن نفسي {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} أي في قوله ـ حين افتريت عليه ـ هي راودتني عن نفسي وأرادت بالآن زمانَ تكلّمها بهذا الكلام لا زمانَ شهادتِهن فتأمل أيها المنصفُ هل ترى فوق هذه المرتبةِ نزاهةً حيث لم تتمالك الخُصماء من الشهادة بها، والفضلُ ما شهدت بهِ الخصماءُ وإنما تصدى عليه السلام لتمهيد هذه المقدمة قبل الخروج ليُظهر براءةَ ساحتِه مما قُذف به لا سيما عند العزيزِ قبل أن يحُلّ ما عقَده كما يُعرب عنه قوله عليه السلام لما رجع إليه الرسولُ وأخبره بكلامهن.
القشيري
تفسير : أراد عليه السلام ألا يلاحظه الملِكُ بعين الخيانة فيُسْقِطَه عيبُه من قلبه؛ فلا يؤثِّر فيه قوله، فلذلك توقَّفَ حتى يَظْهَرَ أمرُه للمَلِكِ وتنكشفَ براءةُ ساحته.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال الملك} اى ملك مصر وهو الريان {ائتونى به} اى بيوسف وذلك ان الساقى لما رجع بتعبير الواقعة من عند يوسف الى الملك وفى محضره الاشراف اعجب به تعبيره وعلم ان له علما وفضلا فاراد ان يكرمه ويقربه ويستمع التعبير المذكور من فمه بالذات شعر : سخن كزدوست آرى شكراست آن ولى كرخود بكويد خوشتراست آن تفسير : ولذا قال ائتونى به فعاد الساقى {فلما جاءه} اى يوسف {الرسول} وهو الساقى ليخرجه شعر : كه اى سرو رياض قدس بخرام سوى بستان سراى شاه نه كام تفسير : وقال ان الملك يدعوك فابى ان يخرج معه {قال} للرسول {ارجع الى ربك} اى سيدك {فاسأله} ليسأل ويتفحص {ما بال النسوة اللاتى} [كه جه حال بود حال آن زنان كه] {قطعن ايديهن} فى مجلس زليخا كما سبق مفصلا شعر : بكفتا من جه آيم سوى شاهى كه جون من بيكسى را بى كناهى بزندان سالها محبوس كردست زآثار كرم مأيوس كردست اكر خواهد كه من بيرون نهم باى ازين غمخانه كو اول بفرماى كه آنانى كه جون رويم بديدند زحيرت دررحم كفها بريدند كه جرم من جه بوداز من جه ديدند جرا رختم سوى زندان كشيدند بودكين سرشود بر شاه روشن كه باكست خيانت دامن من مرابه كرزنم ثقب خزائن كه باشم درفراش خانه خائن تفسير : ولم يذكر سيدته تأدبا ومراعاة لحقها واحترازا عن مكرها حيث اعتقدها مقيمة فى عدوة العداوة واما النسوة فقد كان يطمع فى صدعهن بالحق وشهادتهن باقرارها بانها راودته عن نفسه فاستعصم. قال العلماء انما ابى يوسف عليه السلام ان يخرج من السجن الا بعد ان يتفحص الملك عن حاله مع النسوة لتنكشف حقيقة الحال عنده لا سيما عند العزيز ويعلم انه سجن ظلما فلا يقدر الحاسد الى تقبيح امره وليظهر كمال عقله وصبره ووقاره فان من بقى فى السجن ثنتى عشرة سنة اذا طلبه الملك وامر باخراجه ولم يبادر الى الخروج وصبر الى ان تتبين براءته من الخيانة فى حق العزيز واهله دل ذلك على براءته من جميع انواع التهم وعلى ان كل ما قيل فيه كان كذبا وبهتانا وفيه دليل على انه ينبغى ان يجتهد فى نفى التهمة ويتقى مواضعها وفى الحديث "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعن مواقع التهم" تفسير : ومنه حديث : قال عليه السلام للمارين به فى معتكفه وعنده بعض نسائه "هى فلانة"تفسير : نفيا للتهمة وروى عن النبى عليه السلام انه استحسن حزم يوسف وصبره حيث دعا الملك فلم يبادر الى الخروج حيث قال عليه السلام "حديث : لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما اخبرتهم حتى اشترطت ان يخرجونى ولقد عجبت حين اتاه الرسول فقال ارجع الى ربك الآية ولو كنت مكانه ولبثت فى السجن ما لبث لأسرعت الاجابة وبادرتهم الباب وما ابتغيت العذر انه كان حليما ذا اناة" تفسير : الحلم بكسر الحاء تاخير مكافاة الظالم. والاناة على وزن القناة التأنى وترك العجلة. قال ابن الملك هذا ليس اخبارا عن نبينا عليه السلام بتضجره وقلة صبره بل فيه دلالة على مدح صبر يوسف وترك الاستعجال بالخروج ليزول عن قلب الملك ما كان متهما به من الفاحشة ولا ينظر اليه بعين مشكوكة انتهى. وقال الطيبى هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع لا انه كان مستعجلا فى الامور غير متأن والتواضع لا يصغر كبيرا ولا يضع رفيعا بل يوجب لصاحبه فضلا ويورثه جلالا وقدرا {ان ربى} ان الله {بكيدهن} بمكرزنان وفريب ايشان {عليم} حين قلن لى اطع مولاتك. وفيه استشهاد بعلم الله على انهن كدنه وانه بريئ من التهمة كأنه قيل احمله على التعرف يتبين له براءة ساحتى فان الله يعلم ان ذلك كان كيدا منهن شعر : جوانمرد اين سخن جون كفت باشاه زنان مصررا كردند آكاه كه بيش شاه يكسر جمع كشتند همه بروانه آن شمع كشتند
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: ولما جاء الرسول من عند يوسف بالتعبير، وسمعه الملك، تعجب منه، واستعظم علمه وعقله، وقال: لا ينبغي لمثل هذا أن يُسجن، {ائتوني به فلما جاءه الرسولُ} ليُخرجه، {قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بالُ النسوة اللاتي قَطَّعْنَ أيديهن}: ما شأنهن حتى قطعن أيديهن، وهل رأين مني ميلاُ إليهن. وإنما تأنى في الخروج، وقدَّم سؤال النسوة، والفحص عن حاله؛ ليظهر براءة ساحته، وليعلم الملك أنه سُجن ظلماً، فلا يقدر الحاسد أن يتوسل به إلى تقبيح أمره. وفيه دليل على أنه ينبغي أن يتقي مواضع التهم، ويجتهد، في نفيها، وفي الحديث:"حديث : مَنْ كََان يُؤمِنُ بِالله ِواليومِ االآخِرِفلا يَقِفَنَّ مَواقِفَ التُّهَم ". تفسير : وفيه دليل على حلمه وصبره، وعدم اهتباله بضيق السجن؛ إذ لم يُجب الداعي ساعة دُعي بعد طول سجنه. ومن هذا المعنى تواضع معه نبينا صلى الله عليه وسلم حيث قال"حديث : لَو لَبِثت في السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِي" تفسير : ولم يذكر امرأة العزيز كرماً، ومراعاةً للأدب، ورعياً لذمام زوجها، وستراً لها. بل ذكر النسوة اللاتي قطعن أيديهن. ثم قال: {إن ربي بكيدهن عليم} حين قلن لِي: أطع مولاتك. وفي عبارته تعظيم لكيدهن، والاسشهاد عليه بعلم الله، وبراءته مما قذف به، والوعيد لهن على كيدهن. ثم جمع الملك النسوة، وكُن ستاً أو سبعاً، مات منهن ثلاث ويوسف في السجن، وبقي أربع ومعهن امرأة العزيز، و {قال} لهن: {ما خطبكُنَّ}؛ ما شأنكن {إذ راودتُنَّ} أي: حين راودتن {يوسفَ عن نفسه}، وأسند المراودة إلى جميعهن؛ لأن المَلِك لم يتحقق أن امرأة العزيز هي التي راودته وحدها. {قلنَ حاشَ لله}؛ تنزيهاً لله أن يعجز عن خلق عفيف مثله، أو تنزيهاً ليوسف أن يعصيه؛ لأجل خوف الله. وهذا تبرئة ليوسف ولهن، أو لهن فقط. وتكون تبرئة يوسف في قولهن: {ما علمنا عليه من سُوءٍ}: من ذنب. {قالت امرأةُ العزيز الآن حَصْحَصَ الحق}: أي: تبين ووضح، أو ثبت واستقر، {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} في قوله: {راودتني عن نفسي} فلما رجع إليه الرسول، وذكر ما قالته النسوة، وما أقرت به امرأة العزيز، قال: {ذلك ليعلم أني لم أخُنْهُ بالغيب} أي: فعلت ذلك التثبت والتأني في الخروج ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته {بالغيب} في حال غيبته، أو بظهر الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة، بل تعففت عنها. {وأن الله لا يهدي كيدَ الخائنين} أي: لا ينفذه ولا يسدده. أو لا يهدي الخائنين ليكدهم. وأوقع الفعل على الكيد؛ مبالغةً. وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها زوجها، وتوكيد لأمانته. رُوي عن ابن عباس أنه لما قال: {لم أخُنْهُ بالغيب} قال جبريل عليه السلام: ولا حين هممت. فقال: {وما أُبرئُ نفسي} لا أنزهها في عموم الأحوال، أو لا أزكيها على الدوام. قاله تواضعاً وإظهاراً للعبودية؛ وتنبيهاً على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه، ولا العجب بحاله، بل إظهاراً لنعمة العصمة والتوفيق. ثم قال: {إنَّ النفسَ لأمارةٌ بالسوء} بحيث إنها مائلة بالطبع إلى الشهوات، فتهُم بها، وتستعمل القوى والجوارح في نيلها في كل الأوقات، {إلا ما رحم ربي}: إلا وقت رحمة ربي بالعصمة والحفظ، أو: إلا ما رحم الله من النفوس فيعصمها من ذلك. وقيل: الاستثناء منقطع، أي: لكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، {إن ربي غفور رحيم}، يغفرما همت به النفوس، ويرحم من يشاء بالعصمة. أو يغفر للمستغفر ذنبه المعترف على نفسه، ويرحمه بالتقريب بعد تعرضه للإبعاد. وقيل: إن قوله تعالى: {ذلك ليعلم أني لم أخُنْه بالغيب} إلى هنا، هو من كلام زليخا. والأول أرجح. {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي} أي: أجعله خاصتي وخلاصتي، أو أجعله خالصاً لنفسي. قال أولاً: {ائتوني به} فقط، فلما تبين له حاله وظهر كماله، قال: {ائتوني به أستخلصه لنفسي} رُوي أنه لما أراد ان يخرجه أرسل إليه بخلعة يأتي فيها، وكان بين السجن والبلد: أربعة فراسخ، فقال يوسمف: لا أخرج من السجن حتى لا يبقى فيه أحد، فأمر الملك بخروج جميع مَن فيه. فلما خرج من السجن اغتسل وتنظف، ولبس ثياباً جدداً، فلما دخل على الملك، قال: اللهم إني أسألك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره. ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسان؟. فقال: لسان آبائي. وكان الملك يعرف سبعين لساناً، فكلمه بها، فأجابه بجميعها، فتعجب منه، فقال: أحب أن أسمع رؤياي، فحكاها، ونعت له البقرات والسنابل وأماكنها فأجلسه على السرير، وفوض إليه أمره. وهذا معنى قوله تعالى: {فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} أي: فلما أتوا به وكلمه وشاهد منه الرشد والدعاء، {قال إنك اليوم} عندنا {مكينٌ} أي: في مكانه ومنزلة، {أمين}: مؤتمن على كل شيء، ثم فوض إليه أمر المملكة. وقيل: توفي قطفير ـ أي: العزيز ـ فنَصَّبه منصبه، وزوجه من زليخا بعد أن شاخت، وافتقرت، فدعا الله تعالى فرد عليها جمالها وشبابها، فوجدها عذراء وولد منها إفراثيم وميشا. ثم قال له الملك: ما ترى نصنع في هذه السنين المخصبة؟. {قال اجعلني على خزائنِ الأرض} أي: أرض مصر ألى أمرها. والخزائن: كل ما يخزن فيه طعام ومال وغيرهما. {إني حفيظٌ} لها ممن لا يستحقها، {عليم} بوجوه التصرف فيها. قال البيضاوي: ولعله عليه السلام لما رأى أنه يستعمله في أمره لا محالة، آثر ما تعم فوائده وعوائده، وفيه دليل على جواز طلب التولية، وإظهار أنه مستعد لها، والتولي من يد الكافر، إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به. وعن مجاهد: ان الملك أسلم على يديه. هـ. قلت: وقد تقدم عن الورتجبي ما يدل عليه. وقال ابن عطية: وطلب يوسف للعمل إنما هو حسبة منه عليه السلام؛ لرغبته أن يقع العدل، ونحو هذا هو دخول أبي بكر رضي الله عنه في الخلافة، مع نهيه المستشيرَ له من الأنصار عن أن يتأمَّر على اثنين. فجائز للفاضل أن يعمل ويطلب العمل إذا رأى ألا عوض منه.هـ. وفي "الاكتفاء في أخبار الخلفاء": أن عمر أراد أبا هريرة على العمل، فامتنع، فقال له: أوليس يوسف خيراً منك، وقد طلب العمل؟ فقال: يوسف نبي ابن نبي، وأنا ابن أميمَةَ، فأنا أخاف ثلاثاً واثنين: أن أقول بغير علم، وأقضي بغير عدل، وأن يضرب ظهري، ويشتم عرضي، ويؤخذ مالي. هـ. {وكذلك مَكَّنَا ليوسف} أي: ومثل ذلك الصنع الجميل الذي صنعنا بيوسف مكناه {في الأرض}؛ أرض مصر، {يتبوأ منها حيثُ يشاءُ}: ينزل من بلادها حيث يريد هو، أو ينزل منها حيث نريد، {نُصيب برحمتنا من نشاء} في الدنيا والآخرة، {ولا نُضيع أجر المحسنين}، بل نوفي أجورهم عاجلاً وآجلاً. ويوسف أفضلهم في زمانه، فمكَّنه الله من أرض مصر، حتى ملكها بأجمعها؛ وذلك أنه لما فوض إليه الملك اجتهد في جمع الطعام وتكثير الزراعات، حتى دخلت السنون المجدبة، وعم القحط مصر والشام، ونواحيهما، وتوجه الناس إليه، فباعهم في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق لهم منها شيء، ثم في السنة الثانية بالحلي والحلل، ثم في السنة الثالثة بأمتعة البيوت، هم في الرابعة بالدواب، ثم في الخامسة بالرباع والعقار، ثم في السادسة بأولادهم، ثم في السابعة برقابهم حتى استرقهم جيمعاً، ثم عرض الأمر على الملك، فقال: الرأي رأيك. فأعتقهم ورد إليهم أموالهم. قال تعالى: {ولأجرُ الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} الشرك والفواحش، فهو أحق بالرغبة وأولى بالطلبة. وقال ابن جزي في قوله: {نُصيب برحمتنا من نشاء}: الرحمة هنا المراد بها الدنيا، وكذلك الأجر في قوله: {ولا نُضيع أجر المحسنين}؛ بدليل قوله بعد ذلك: {ولأجرُ الآخرة خير} فأخبر تعالى أن رحمته في الدنيا يصيب بها من يشاء من مؤمن وكافر، وطائع وعاص، وأن المحسنين لا بد من أجرهم في الدنيا. فالأول في المشيئة، والثاني واقع لا محالة. ثم أخبر أن أجر الآخرة خير من ذلك كله {للذين آمنوا وكانوا يتقون}، وفيه إشارة إلى أن يوسف عليه السلام جمع الله له بين الدنيا والآخرة. هـ. الإشارة: في الآية ثلاث فوائد: الأولى: مدح التأني في الأمور، ولو كانت جلالية؛ لأنه يدل على كمال العقل والرزانة، وطمأنينة القلب. وذم العجلة؛ لأنها من خفة العقل والطيش، وعدم الصبر والاحتمال. يؤخذ ذلك من تأني يوسف عليه السلام في السجن بعد طول مدته. وفي الحديث "حديث : التَأَنِّي مِن اللَّهِ، والعَجَلَةُ من الشَّيطَانِ ". تفسير : الثانية: عدم تزكية النفس، ودوام اتهامها، ولو بلغت من التصفية ما بلغت. وقد تقدم في قوله تعالى:{أية : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ}تفسير : [الأنعام:70]، وقال بعض الصوفية: وكيف يصلح لعاقل أن يزكي نفسه والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يقول: {إنا النفس لأمارة بالسوء}، والنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة. وزاد بعضهم: اللهامة من قوله تعالى:{أية : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} تفسير : [الشمس: 8].. الثالثة: تسلية أهل البلاء، إذا صحبهم الإحسان والتقوى، وبشارتهم بالعز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والنصر والتمكين في الأرض بعد الاستضعاف والهوان، يؤخذ ذلك من قوله: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين}. وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : وكُلُّ عَبْدٍ أَرَادَ الله عِزَّتَه فَهُو َالعَزِيزُ، وعزُّ اللهِ يغْشَاه قََدْ لاَحَ عِزُّ لَه في الأرْضِ مُنْتَشِرٌ فَهُو الحَبِيبُ لِمَنْ نَادَاهُ لبّاهُ يا حُسْنَهُ ومَتى قَد طَالَ مَطْلَبُه تَاجُ البرية والرحمنُ صَفَّاهُ ولما أصاب أرض كنعان ما أصاب سائر البلاد، وسمع يعقوب عليه السلام بأن مَلِكَ مصر يبيع الطعام، أرسل، بنيه ـ غير بنيامين ـ إلى مصر للميرة، كما قال تعالى: {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ البرجمي والسلموني {النسوة} بضم النون. والباقون بكسرها، وهما لغتان. والكسر افصح. وفي الكلام حذف، لأن تقديره إِن الناجي الذي استفتى يوسف عن تفسير رؤيا الملك حين فسره له، رجع الى الملك واخبره به، وعرّفه ان ذلك فسره له يوسف، فقال الملك عند ذلك: ائتوني به والكلام دال عليه، وذلك من عجائب القرآن، وعظم فصاحته. ومعنى {ائتوني به}. أجيئوني به {فلما جاءه الرسول} يعني رسول الملك، قال له يوسف ارجع الى سيدك. {فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} وانما رد الرسول ليبين للملك براءته مما قرف به، وانه حبس بظلم من غير بينة، ولا اعتراف بذنب، وقال قتادة: طلب العذر. وقوله {إن ربي بكيدهن عليم} قيل في معناه قولان: احدهما - وهو الصحيح - انه أخبر ان الله تعالى عالم بكيد النسوة. والثاني - ان سيدي العزيز عليم بكيدهن. والاول عليه اكثر المفسرين. والملك هو القادر الواسع المقدور الذي اليه السياسة والتدبير، وكان هذا الملك ملك مصر. ويجوز ان يمكّن الله تعالى الظالم من الظلم، وينهاه عن فعله، ولا يجوز أن يملكه الظلم، لأن ما يملكه، فقد جعله له، وذلك لا يليق بعدله. والتمليك تمكين الحي مما له ان يتصرف فيه في حكم الله تعالى بحجة العقل والسمع، وعلى هذا اذا مكَّن الله تعالى من الظلم او الغصب لا يكون ملكه، لأنه لم يجعل له التصرف فيه. بل زجره عنه، قال الرماني: يجوز أن يسلب الله تعالى الخلق ما ملكهم في الدنيا بسوء افعالهم، كما يسلب بعضهم بكفرهم، والا فهو له، فان اخذ بالموت عنه على طريق العارية ثم يرد اليه ويعوض مما فاته بكرمه تعالى، وقيل: إن يوسف انما قال ما بال النسوة جميع النساء ولم يخص امرأة العزيز حسن عشرة منه، وقال قوم ذلك يدل على ان كل واحدة منهن دعته الى نفسها مثل امرأة العزيز.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ} لخواصّه {ٱئْتُونِي بِهِ} فأرسلوا اليه لاحضاره {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ} وقال انّ الملك يطلبك ويستحضرك {قَالَ} انّى اتّهمت عند الملك بالخيانة ومراودة النّساء وما لم اخرج من الاتّهام لم آت الملك لعدم منزلة وعرض لى عنده {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ} اى العزيز او الرّيان {فَاسْأَلْهُ} ان يتجسّس ويطلب {مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} فانّى اتّهمت بهنّ حتّى يعلم انّى لم اكن خائناً وسجنت ظلماً ولم يذكر امرأة العزيز مع انّ الاتّهام والسّجن كانا منها تكرّماً وصوناً لعرضها بخصوصه عن التّفضيح {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} تعليل لطلبه سؤال الملك عن النّسوة يعنى انّهنّ كدننى وانّى بريىٌّ واكّد هذا المعنى بالاستشهاد بعلم الله فرجع الرّسول وحكى ما قاله يوسف للملك فأحضر الملك اى العزيز او الرّيان النّسوة.
الأعقم
تفسير : {وقال الملك ائتوني به}، قيل: معناه ولما رجع الساقي إلى الملك وأخبره بحديث يوسف (عليه السلام) وتعبيره الرؤيا {قال الملك ائتوني به} يعني بيوسف الذي عبر الرؤية {فلما جاءه الرسول} يعني رسول الملك جاء إلى يوسف (عليه السلام) فقال: أجب الملك فقال يوسف: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} أي ما شأنهنَّ؟، وقيل: ما ذنبي في النسوة؟ قال ابن عباس: إن خرج يوسف (عليه السلام) من السجن يومئذ قبل أن يعلم الملك شأنه ما زالت نفس العزيز منه يقول هذا الذي راود امرأتي، وقيل: ما أحب أن يخرج حتى يعلم طهارته وعصمته وبراءته مما قذف فيه وأنه حبس ظلماً {إن ربي بكيدهن عليم} {قال ما خطبكن إذ راودتن} وفي الكلام حذف تقديره لما سمع الملك ذلك دعاهن ودعا امرأة العزيز وقال: ما خطبكنَّ؟ أي ما شأنكنَّ وما أمركنَّ؟ وأمر {يوسف عن نفسه قلن حاشَ لله} أي عياذاً بالله وتنزيهاً من هذا الأمر وأن نقول عليه سوءاً {ما علمنا عليه من سوء} فاعترفوا ببراءته وإنهنَّ ظلمنه وحبس مظلوماً {الآن حصحص الحق} أي تبين وظهر عن ابن عباس {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} في كلامه {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} أي لم أخنه في حال غيبته، أي ردّي الرسول وامتناعي من الخروج ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب، وقيل: ليعلم الملك أني لم أخن العزيز، وقيل: ذلك الإقرار ليعلم يوسف اني لم أخنه بالغيب، وروي أن الملك قطفير أسلم والله أعلم {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين}. قوله تعالى: {وما أبرئ نفسي}، قيل: هذا من كلام يوسف، قال الحسن: لما زكى نبي الله نفسه استدرك فقال: {وما أبرئ نفسي}، وقيل: هو من كلام امرأة العزيز، ومعنى ذلك أي لا أمدح نفسي ولا أحكم لها بالبراءة، وقيل: ما أبرئ نفسي عن ذنب هممت به {إن النفس لأمَّارة بالسوء} إذا غلبت الشهوة، وقوله: النفس أراد الجنس، لأمَّارة بالسوء: أي بحب الشهوات وتدعو اليها وإن كانت قبيحة {إلاَّ ما رحم ربي} أي رحمه فعصمه كالملائكة، وقيل: عصمه بألطافه فاعتصم، وقيل: هو من كلام يوسف (عليه السلام) بيَّن أن إمتناعه منها كان بحول الله تعالى وقوته ولطفه، وقيل: من كلام امرأة العزيز، ويدل على توبتها، ولما تبيَّن الملك أمانة يوسف وبراءته وعلمه أمر بإحضاره ليجعله من خلصائه، كما حكى الله تعالى بقوله: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي} أي أجعله خالصاً لي في تدبيري ومهمات أمري {فلما كلمه} فيه حذف يعني فلما جاءه الرسول وخرج من السجن ودخل على الملك وكلمه الملك: {قال إنك اليوم لدينا مكين أمين}، قيل: كان ليوسف يومئذ ثلاثين سنة، ثم قال: إني أحب أن أسمع رؤياي، فأعادها عليه فقال الملك: ومن يكفيني هذا الأمر؟ فقال يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض} يعني أرض مصر {إني حفيظ عليم} بوجوه التدابير فيها وذلك أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) علم أنه إذا تولى الخزائن وتمكن منها آل الأمر إليه، فلهذا طلب ذلك، ففوض الملك أمر مصر اليه وعزل قطفير نفسه، وسلم سلطانه وخزائن أرضه إلى يوسف، ودخل بيته، وهلك العزيز في تلك الأيام، وتزوج يوسف امرأته، واستوى له ملك مصر فعدل فيما بينهم، وأحبه الرجال والنساء.
اطفيش
تفسير : {وقالَ الملِكُ ائتُونى بهِ} أى ليأت به واحد منكم، أى بيوسف هذا الذى عبرها، فذهب إليه الساقى {فَلمَّا جاءَهُ} أى وصل يوسف {الرَّسولُ} وهو الساقى وقال له: ائت الملك، فإنه يدعوك ليكرمك ويشرفك، فإنه قد عرف فضلك. {قالَ} يوسف للرسول: {ارْجعْ إلَى ربِّكَ} سيدك وهو الملك {فاسْأله ما بالُ} ما شأن {النِّسْوةِ} وقرئ بضم النون {اللاَّتى قَطَّعْن أيدْيهنَّ} قدم سؤال النسوة على الخروج والتوصل بالملك لتظهر براءته مما نسب إليه من خيانة العزيز فى امرأته، وأنه سجن ظلما، فلا يمكن للحاسد بعد ذلك أن يوسوس للملك بأنه خائن ولا أن يتهيأ للملك فى بعض الأحيان أن هذا هو الذى خان العزيز فى زوجته، والاجتهاد فى نفى التهم واجب. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : من كان يؤمن بالله وليوم الآخر فلا يقفنَّ مواقف التهم"تفسير : ومر به صلى الله عليه وسلم مع بعض نسائه فى معتكفه بعض الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنها فلانة" فقال المار: ما كنا لنتهمك يا رسول الله، قال: "كذلك ينبغى أن أخبرك" وإنما قال: {اسأله ما بال النسوة} يعنى اسأل الملك يخبرك، ولم يقل: اسأله أن يفتش، لأن السؤال مما يهيج الإنسان ويحركه للبحث عما سئل ليجيب السائل، بخلاف ما إذا قالت: اسأل لى غيرك عن كذا، فلا يتحرك ولا يهيج، لأنه لا فضل فى المسئول إذا أجاب عن لسان غيره فلا تشتهيه النفس. ولم يذكر يوسف سيدته مع ما صنعت به كرما ومراعات للأدب، وذلك من غاية الصبر، وسماحة النفس، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لقد عجبت ليوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ولبثت فى السجن ما لبث لأسرعت الأجابة وبادرتهم الباب ولما انتفيت العذر فى أمر النسوة قبل الخروج، إن كان حليما ذا أناة"تفسير : وعنه:"حديث : رحم الله أخى يوسف، عبر لهم الرؤيا قبل خروجه من السجن، لو كنت أنا لبادرت الخروج، ورحم الله أخى لوطا حين قال: {لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد} لقد أوى إلى ركن شديد"تفسير : وإنما عنى وصف يوسف بالصبر والكرم، لا وصف نفسه بالعجلة، ولكنه آتى بعبارة توهمها هضما لنفسه، وليقتدى به فى الأخذ بالحزم إذ لسنا كيوسف، فإنه نبى، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرم من يوسف وأصبر منه. {إنَّ ربِّى بِكَيْدِهنَّ عليمٌ} أى لا يعلم غاية كيدهن إلا الله، لبعد غوره، ولو كان يمكن للملك وغيره أن يعلموا طرفا منه، أو أراد أن الله عليم به ولو جهلتموه، وفى ذكر علمه تعالى بكيدهن تلويح بعقابهن عليه فى الآخرة، وفيها وفى الدنيا، واستشهاد بالله سبحانه على براءته، وكيدهن هو قولهن: أطع مولاتك، أو مراودتهن له لأنفسهن إذا خلون به، أو جميع ذلك فجمعهن الملك، وهن ستة أو سبعة فيهن زليخا، ماتت ثلاثة حسرة على يوسف وبقيت أربع وتقدم غير ذلك.
اطفيش
تفسير : {وَقَالَ الْمَلِكُ} الريان لما أَخبره الساقى بتأْويل الرؤيا يوسف {ائْتُونِى بِهِ} أَى بيوسف بهذا المعبر لرؤياى تعبيراً لائِقاَ غريباً لعلمه وفضله {فَلَمَّا جاءَه} أَى يوسف {الرَّسُولُ} ليخرجه من السجن إلى الملك، وقال اخرج بإِذن الملك الريان وأَته، وهو الذى استفتاه وهو الساقى، {قَالَ ارْجع إِلَى رَبِّكَ} سيدك الريان {فاسْأَلْهُ مَا بَالَُ} شأْن {النِّسْوةِ اللاَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} لأَنه إِذا أَقررن بما علمن من شأْنه معهن ومع امرأَة العزيز المقرة باستعصامه تحقق على المعتاد عنده أَنه برىءٌ وفى الأَية حث الإِنسان على نفى التهم عنه، روى أَن رجلا مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه امرأَة فقال: "هذه زوجى" وفى رواية "هذه زوجى فلانة" فقال: كل من أَظن به لا أَظن بك. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم"تفسير : يعنى فقد يمكن أَن تظن بى، وكان الزمخشرى يقضى بين الناس المعتزلة وغيرهم لأَن أَمر القضاءِ لا يخاف منه نزغة اعتزالية لأَنه ليس ديانة، وكل بلد دخله قاضياً أَخبرهم أَن رجله سقطت لثلج فى سفر لا لجناية، وكان يمشى بخشبة، وقوله: فاسأَله ما بال النسوة، أَو عد من قوله فاسأَله أَن يفتش عن حالهن لأَنه إِن قال اسأْله أَن يفتش، وكان ذلك حكماً عليه فقد يأْنف ويلغيه بخلاف السؤَال عن حالهن فقد يحركه للبحث بلا أَنفة لأَن النفس تحب الاطلاع على ما خفى؛ ولأَنه يأْنف أَن يمسك عن شىءٍ جاهلا له مع أَنه قد طلب بمعرفته، ولم يتعرض لامرأَة العزيز مع أَنها السبب فى تلك الشدائِد تأدباً معها وإِكراماً لها، ولأَنها قد أَقرت وافتضحت ولأَنه خاف أَن تزيد فيه مكراً آخر وهو يراها على ضلالها القديم، ولذلك التأَدب قابلته بإِقرارها بنزاهته، واستعمل الجميل مع النسوة إِذا اقتصر على ذكر التقطيع والكيد دون ذكر المراودة {إِنَّ ربِّى} الله، وزعم بعض أَن المراد أَن سيدى الريان وهو عالم بأَمرهن مع يوسف {بِكَيْدِهِنَّ} قولهن أَطع مولاتك ومراودتهن له إِلى أَنفسهن، وقيل الضمير للنساءِ مطلقا على طريق الاستخدام فتدخل هؤلاءِ النسوةِ بالأَولى والبرهان والأَول أَولى {عَلِيمٌ} استعظم كيدهن فاستشهد عليه بعلم الله وعلى براءَته من ذلك، وفى ذلك تضمن الوعيد لهن عند الله فإن الصحيح أَن ربى بمعنى الله، ولو جاز أَن يكون الريان على أَن لفظ ربى يقال للملك، أَو باعتبار ما يقال فى العامة له من أَنه رب لهم أَى سيد، أَو اعتبار أَن يوسف مرمى بالعبودية، وما يقال لأَنه رباه لا يظهر لأَنه رباه العزيز إِلا أَن يقال: مال العزيز من الملك أَو متسبب منه ولم يعجل بالخروج ليبرىءَ ساحته أَولا فلا يجد أَحد إِليه سبيلا بالريبة والتهمة، والبهتان، على أَنه علم بالوحى أَو الإِلهام أَنه يقررن فلا ينظر إِليه الملك بالعين الأُولى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : رحم الله أَخى يوسف لو دعيت من السجن لأَعجلت الخروج" تفسير : ولفظ الطبرانى وابن راهويه وابن مردويه عن ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهم: لو كنت مكانه ولبثت فى السجن ما لبث لأَسرعت الإِجابة، وفى رواية: "حديث : لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئِل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أَخبرتهم حتى يخرجونى، ولقد عجبت منه حين أَتاه الرسول فقال: إِرجع إِلى ربك، ولو كنت مكانه ولبثت فى السجن ما لبث لأَسرعت الإِجابة وبادرتهم الباب، ولما ابتغيت العذر إِن كان لحليما ذا أَناة"تفسير : قال صلى الله عليه وسلم ذلك تواضعا، وإِلا فحلمه وصبره ليس دون يوسف، وقوله: يغفر الله له توقير كما يقال: عفا الله عنك ما جوابك، أَو قال: غفر الله له لاشتغاله بإِظهار براءَة نفسه عن تبليغ التوحيد، وفيه أَن الاشتغال بذلك شهيد لقبول قوله: لأَن الأَنبياءَ مبرءُون عما يتهمون به، أَو قال صلى الله عليه وسلم: لو كنت إِلخ تعليما للسامعين، لانتهاز الفرصة، وقد يظهر للملك أَمر يمنع من إِخراجه حين تأَخره عن الخروج، أَو ذلك جرى على مقتضى سعة رحمة الله أًكثر من وسعها على غيرها {قَالَ} الملك {مَا خَطْبُكُنَّ} الخطب الأَمر العظيم الذى يحق أَن يخاطب فى شأْنه أَو لأَجله صاحبه، ويخطب فيه الناس، ولذا قال الجوهرى: الخطب سبب الأَمر {إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُف عَنْ نَفْسِهِ} أَراد زليخاءَ أَو راعيل، والاسمان لامرأَة العزيز، وهى التى راودته وحدها، وخاطبهن بالمراودة كلهن سترا عليها وهى فى جملتهن حاضرة، فذلك حكم على المجموع كل لا كلية، وقيل: راودنه كلهن، وقيل: عد قولهن أَطع مولاتك مراودة؛ لأَن قولهن تحصيل لمراودته زليخاءَ، وكذا يوسف، إِذ قال: ما بال النسوة، ولم يقل ما بال زليخاءَ فعلت ما فعلت، إِبقاءً عليها وأَدبا معها ومراعاة لما سبق من إِكرامها إِياه وإِذ متعلق بخطب، إِذ المعنى؛ ما فعلتن إِذ راودتن يوسف عن نفسه؟ هل وجدتن منه ميلا إِليكن {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا علِمْنَا علَيْهِ مِنْ سُوءٍ} زنا أَو إِشارة إِليه أَو خيانة أَو ذنبا، وذلك تعجب من قدرة الله تعالى على خلق عفة يوسف مع وجود الملاذ، وذلك بعد إطلاعهن على براءَته، وسمى الذنب سوءاً؛ لأَن القلب يغتم به {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} تبين بعد خفاءِ قاله الخليل ابن أَحمد - رحمه الله - أَو بانت حصة الحق من حصة الباطل وتميزت، وهو راجع إِلى ما قال الخليل، وقيل معناه ثبت ورسخ، كما يقال حصحص البعير إِذا أَلقى مباركه ليناخ، قال فى شرح التسهيل: الآن هنا بمعنى القرب مجازا، فيصح على الماضى والمستقبل، وهو اسم لدخول أَل وحرف الجر، يقال إِلى الآن ومن الآن بفتح النون مع دخول الجار فهو مبنى؛ لأَنه اسم إِشارة، والإِشارة إِنشاء كهلا وهل ولعل، وضع من أَول الأَمر على أَن المعنى الإِشارة، فلا يعترض بأَن اسم الإِشارة لا يدخله أَل وأَلفه عن واو لأَنه يفسر بالأَوان، أَو عن ياءٍ من آن يئِين قرب، واعترض بأَنه ليس بمعنى القرب {أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ} لا هو راودنى، ومثل هذا اختصاص هو كالحصر كقوله: أَنا فعلت أَى لا غيرى {وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} فى قوله: هى راودتنى، هذا أولى من قولها إِنه لصادق؛ لأَنه كالبرهان، قالت ذلك لما رأَت منه الستر عليها ومراعاة الأَدب معها، إِذ قال: ما بال النسوة، ولم يذكرها مع أَن الفتنة كلها من جهتها.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ} بعد ما جاء السفير المعبر بالتعبير وسمع منه ما سمع من نقير وقطمير. {ٱئْتُونِي بِهِ} لما رأى من علمه وفضله وإخباره عما لا يعلمه إلا اللطيف الخبير {فَلَمَّا جَآءَهُ} أي يوسف عليه السلام {ٱلرَّسُولُ} وهو صاحبه الذي استفتاه، وقال له: إن الملك يريد أن تخرج إليه. {قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي سيدك وهو الملك {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي فتشه عن شأنهن وحالهن، وإنما لم يقل فاسأله أن يفتش عن ذلك حثاً للملك على الجد في التفتيش لتتبين براءته وتتضح نزاهته فإن السؤال عن شيء ما يهيج الإنسان ويحركه للبحث لأنه يأنف من الجهل، ولو قال: سله أن يفتش لكان تهييجاً له عن الفحص عن ذلك، وفيه جراءة عليه فربما امتنع منه ولم يلتفت إليه. وإنما لم يتعرض عليه السلام لامرأة العزيز مع أنها الأصل الأصيل لما لاقاه تأدباً وتكرماً، ولذا حملها ذلك على الاعتراف بنزاهته وبراءة ساحته، وقيل: احترازاً عن مكرها حيث اعتقدها باقية في ضلالها القديم، وأما النسوة فقد كان يطمع في صدعهن بالحق وشهادتهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم، ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي ولم يصرح بمراودتهن له واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} مجاملة معهن واحترازاً عن سوء مقالتهن وانتصابهن عند رفعهن إلى الملك للخصومة عن أنفسهن متى سمعن بنسبته لهن إلى الفساد. وفي "الكشاف" أنه عليه السلام أراد بهذا أنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله تعالى، أو استشهد بعلم الله تعالى على أنهن كدنه وأنه برئ مما قرف به، أو أراد الوعيد لهن أي عليم بكيدهن فمجازيهن عليه انتهى. وكان الحصر على الأول من قربه من زيد يعلم وصلوحه لإفادته عنده أو من اقتضاء المقام لأنه إذا / حمله على السؤال ثم أضاف علمه إلى الله تعالى دل به على عظمته، وأن الكنه غير مأمول الوصول لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وهذا هو الوجه، وفيه زيادة تشويق وبعث إلى تعرف الأمر، فالجملة عليه تتميم لقوله: {فَاسْأَلْهُ} الخ والكيد اسم لما كدنه به، وعلى الوجه الثاني تكون تذييلاً كأنه قيل: احمله على التعرف يتبين له براءة ساحتي فإن الله سبحانه يعلم أن ذلك كان كيداً منهن وإذا كان كيداً يكون لا محالة بريئاً، والكيد هو الحدث؛ وعلى الثالث تحتملهما؛ والمعنى بعث الملك على الغضب له والانتقام منهن، وإلا لم يتلاءم الكلام ولا يطابق كرم يوسف عليه السلام الذي عجب منه نبينا عليه الصلاة والسلام؛ فقد أخرج غير واحد عن ابن عباس وابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حديث : لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله تعالى يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال: {قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ} ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر أن كان حليماً ذا أناة " تفسير : ودعاؤه له صلى الله عليه وسلم قيل: إشارة إلى ترك العزيمة بالرخصة وهي تقديم حق الله تعالى بتبليغ التوحيد والرسالة على براءة نفسه، وجعله العلامة الطيبي من قبيل قولك لمن تعظمه: رضي الله تعالى عنك ما جوابك عن كلامي. وقيل: يمكن أن يقال: إن في براءته النفس من حق الله تعالى ما فيها فإنها إذا تحققت عندهم وقع ما تلاها موقع القبول. وقد ذكر أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : من كان يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم " تفسير : . وأخرج مسلم من رواية أنس "حديث : أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان مع إحدى نسائه فمرّ به رجل فدعاه، وقال: هذه زوجتي، فقال: يا رسول الله من كنت أظن به فلم أكن أظن بك؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " تفسير : وكأنه لهذا كان الزمخشري وكان ساقط الرجل قد أثبت على القضاة أن رجله لم تقطع في جناية ولا فساد بل سقطت من ثلج أصابها في بعض الأسفار، وكان يظهر مكتوب القضاة في كل بلد دخله خوفاً من تهمة السوء، فلعله عليه السلام خشي أن يخرج ساكتاً عن أمر ذنبه غير متضحة براءة ساحته عما سجن فيه وقرف به من أن يتسلق به الحاشدون إلى تقبيح أمره ويجعلوه سلماً إلى حط قدره ونظر الناس إليه بعين الاحتقار فلا يعلق كلامه في قلوبهم ولا يترتب على دعوته قبولهم، وفي ذلك من تعري التبليغ عن الثمرة ما فيه، وما ذكره صلى الله عليه وسلم " حديث : ولو كنت مكانه " تفسير : الخ كان تواضعاً منه عليه الصلاة والسلام لا أنه لو كان مكانه بادر وعجل وإلا فحلمه صلى الله عليه وسلم وتحمله واهتمامه بما يترتب عليه قبول الخلق أوامر الحق سبحانه وتعالى أمر معلوم لدى الخواص والعموم. وزعم ابن عطية أنه يحتمل أن يكون عليه السلام أراد بالرب العزيز كما قيل في قوله: { أية : إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ } تفسير : [يوسف: 23] ففي ذلك استشهاد به وتقريع له وليس بشيء، ومثله ما قيل: إن ضمير (كيدهن) ليس عائداً على النسوة المذكورات بل عائد على الجنس فافهم. وقرأ أبو حيوة وأبو بكر عن عاصم في رواية {النسوة} بضم النون، وقرأت فرقة اللائي - بالياء وهو كاللاء / جمع التي.
ابن عاشور
تفسير : قال الملك: ائتوني به لما أبلغه الساقي صورة التعبير. والخطاب للملأ ليرسلوا مَن يعينونه لجلبه. ولذلك فرع عليه {فلما جاءه الرسول}. فالتقدير: فأرسلوا رسولاً منهم. وضميرا الغائب في قوله: {به} وقوله: {جاءه} عائدان إلى يوسف ـــ عليه السّلام ـــ. وضمير {قال} المستتر كذلك. وقد أبى يوسف ـــ عليه السّلام ـــ الخروج من السجن قبل أن تثبت براءته مما رمي به في بيت العزيز، لأن ذلك قد بلغ الملك لا محالة لئلا يكون تبريزه في التعبير الموجب لإطلاقه من السجن كالشفيع فيه فيبقى حديث قرفه بما قرف به فاشياً في الناس فيتسلق به الحاسدون إلى انتقاص شأنه عند الملك يوماً ما، فإن تبرئة العرض من التهم الباطلة مقصد شرعي، وليكون حضوره لدى الملك مرموقاً بعين لا تنظر إليه بشائبة نقص. وجعل طريق تقرير براءته مفتتحةً بالسؤال عن الخبر لإعادة ذكره من أوله، فمعنى {فاسألْه} بلَغ إليه سؤالاً من قِبلي. وهذه حكمة عظيمة تحق بأن يؤتسى بها. وهي تطلب المسجون باطلاً أن يَبقى في السجن حتى تتبين براءته من السبب الذي سجن لأجله، وهي راجعة إلى التحلي بالصبر حتى يظهر النصر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : لو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي »تفسير : ، أي داعيَ الملك وهو الرسول الذي في قوله تعالى: {فلما جاءه الرسول}، أي لما راجعت الملك. فهذه إحدى الآيات والعبر التي أشار إليها قوله تعالى: { أية : لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين } تفسير : [سورة يوسف: 7]. والسؤال: مستعمل في التنبيه دون طلب الفهم، لأن السائل عالم بالأمر المسؤول عنه وإنما يريد السائل حث المسؤول عن علم الخبر. وقريب منه قوله تعالى: { أية : عم يتساءلون } تفسير : [سورة النبإ: 1]. وجعل السؤال عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن دون امرأة العزيز تسهيلاً للكشف عن أمرها، لأن ذكرها مع مكانة زوجها من الملك ربما يصرف الملك عن الكشف رعياً للعزيز، ولأن حديث المُتّكأ شاع بين الناس، وأصبحت قضية يوسف عليه السّلام مشهورة بذلك اليوم، كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه } تفسير : [سورة يوسف: 35]، ولأن النسوة كن شواهد على إقرار امرأة العزيز بأنها راودت يوسف عليه السّلام عن نفسه. فلا جرم كان طلب الكشف عن أولئك النسوة منتهى الحكمة في البحث وغاية الإيجاز في الخطاب. وجملة {إن ربي بكيدهن عليم} من كلام يوسف ـــ عليه السّلام ـــ. وهي تذييل وتعريض بأن الكشف المطلوب سينجلي عن براءته وظهور كيد الكائدات له ثقة بالله ربه أنه ناصره. وإضافة كيد إلى ضمير النسوة لأدنى ملابسة لأن الكيد واقع من بعضهن، وهي امرأة العزيز في غرضها من جمع النسوة فأضيف إلى ضمير جماعتهن قصداً للإبهام المعين على التبيان.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وقال الملك ائتوني به: أي بيوسف. فلما جاءه الرسول: أي مبعوث الملك. ارجع إلى ربّك: أي سيدك. ما بال النسوة: ما حالهن. ما خطبكن: ما شأنكن. حاش لله: أي تنزيهاً لله تعالى عن العجز أن يخلق بشراً عفيفا. حصص الحق: وضح وظهر الحق. معنى الآيات: إن رؤيا الملك كانت تدبيرا من الله تعالى لإِخراج يوسف من السجن إنه بعد أن رآى الملك الرؤيا وعجز رجاله عن تعبيرها وتذكّر أحد صاحبي السجن وما وصّاه به يوسف، وطلب من الملك أن يرسله إلى يوسف في السجن ليستفتيه في الرؤيا وأرسلوه واستفتاه فأفتاه وذهب به إلى الملك فأعجبه التعبير وعرف مدلوله أمر بإِحضار يوسف لإِكرامه لما ظهر له من العلم والكمال وهو ما أخبر تعالى به في قوله {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ} أي يوسف {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ} أي جاء يوسف رسول الملك وهو صاحبه الذي كان معه في السجن ونجا من العقوبة وعاد إلى خدمة الملك فقال له إن الملك يدعوك فقال له عد إليه واسأله {مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي قل له يسأل عن حال النسوة اللائي قطعن أيديهن والمرأة التي اتهمتني فجمع الملك النسوة وسألهن قائلا ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ فأجبن قائلات حاش لله ما علمنا عليه من سوء أي نُنَزِهُ الله تعالى أن يعجز أن يخلق بشرا عفيفا مثل هذا. ما علمنا عليه من سوء. وهنا قالت امرأة العزيز زليخا ما أخبر تعالى به عنها {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} أي وضح وبان وظهر {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} وليس هو الذي راودني، {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} وقوله تعالى {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} هذا إخبار عن يوسف عليه السلام فإِنه قال ذلك أي امتناعي من الخروج من السجن وعدم إجابتي الملك وطلبي إليه أن يسأل عن حال النسوة حتى تم الذي تم من براءتي على لسان النسوة عامة، وامرأة العزيز خاصة حيث اعترفت قطعياً ببراءتي وقررت أنها هي التي راودتني عن نفسي فأبيت ورفضت فعلت هذا ليعلم زوجها العزيز أني لم أخنه في أهله في غيبته وأن عرضه مصان وشرفه لم يدنس لأنه ربي أحسن مثواي. وإن الله لا يهدي كيد الخائنين فلو كنت خائنا ما هداني لمثل هذا الموقف المشرف والذي أصبحت به مبرأ الساحة سليم العرض طاهر الثوب والساحة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضل العلم وشرفه إذ به رفع الملك يوسف إلى حضرته وهو رفيع. 2- فضيلة الحلم والأناة وعدم التسرع في الأمور. 3- فضيلة الصدق وقول الحق ولو كان على النفس. 4- شرف زليخا بإِقرارها بذنبها رفعها مقاما ساميا وأنزلها درجة عالية فقد تصبح بعد قليل زوجة لصفي الله يوسف الصديق بن الصديق زوجة له في الدنيا وزوجة له في الآخرة وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
القطان
تفسير : ما بال النسوة: ما شأنهن. ما خطبكن: ما شأنكن: حَصْحَص الحق: ثبت واستقر. ولما عاد رئيس السقاة الى الملك وأخبره بتأويل رؤياه سُرَّ الملك بذلك، وعَلِمَ أنه تأويلٌ مناسب مع الرؤيا فقال: ائتوني بيوسف، فلما جاؤا ليوسف وطلبوا منه ان يخرج من السجن أبى حتى يعرف أمره على حقيقته. كذلك طلب الى الرسول ان يعود ويسأل عن النسوة اللاتي قطعّن أيديَهن، فلما سألوهن قلن: حاشَ لله ما علمنا عليه من سوء، وأنكرن ان يكنّ سمعن شيئا عن شأنه وشأن امرأة العزيز. ولما سمعت امرأةُ العزيز بشهادة النسوة، وان الأمر قد استبان على حقيقته ببراءة يوسف، ورأت انه اصبح من هَمِّ الملك ان يأتي بيوسف من السجن ليستخلصه لنفسه - أقّرت بجريمتها وباحت بما كتمته عن زوجها عدة سنين. فقالت: {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}. الحق أنني لم أنلْ من امانته أو أطعن في شرفه وعفته، بل صرّحتُ للنسوة بأني قد راودته عن نفسه لكنه تعفّف، وها أنذا أقرّ بهذا أمامَ الملِك ورجال دولته. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وبهذا الاقرار من امرأة العزيز انتهت تلك المحنة التي وقع فيها يوسف، وجاءت خاتمتُها خيرا.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَاسْأَلْهُ} {ٱللاَّتِي} (50) - فَعَرَفَ المَلِكُ فَضْلَ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَعِلْمَهُ وَحُسْنَ اطِّلاَعِهِ عَلَى رُؤْيَاهُ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ أَخْرِجُوهُ مِنَ السِّجْنِ، وَأَحْضِرُوهُ إِليَّ، وَذَلِكَ لِيَسْتَمِعَ مِنُهُ، وَيَتَحَقَّقَ مِنْ صِدْقِهِ. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ المَلِكِ إِلَى يُوسُفَ امْتَنَعَ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ المَلِكُ، وَمَنْ حَوْلَهُ، مِنْ بَرَاءَتِهِ وَنَزَاهَةِ عرْضِهِ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنْ قِبَلِ امْرَأَةِ العَزِيزِ. فَقَالَ يُوسُفُ لِرَسُولِ المَلِكِ: قُلْ لِلْمَلِكِ لِيَسْأَلَ النِّسْوَةَ اللاتي قَطعْنَ أَيْدِيَهُنَّ حِينَمَا كُنَّ عِنْدَ امْراةِ العَزِيزِ، لِمَاذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ، وَفِي جَوَابِهِنَّ مَا يَكْشِفُ عَنْ بَرَاءَتِي مِنَ التُّهْمَةِ التِي أُلْصِقَتْ بِي، أَمَّا رَبِّي فَإِنَّهُ عَلِيمٌ بِكَيْدِهِنَّ وَاحْتِيَالِهِنَّ. مَا بَالُ النِّسْوَةِ - مَا حَالُهُنَّ وَمَا شَأْنُهُنَّ.
الثعلبي
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ} الآية، وذلك أن بنو لمّا رجع إلى الملك وأخبره بما أفتاه به يوسف من تأويل رؤياه كالنهار، وعرف الملك أنّ الذي قال كائن، قال: ائتوني بالذي عبر رؤياي هذه، {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ} يوسف، وقال له: أخبر الملك أبى أن يخرج مع الرسول حتى يُظهر عذره وبراءته ويعرف صحة أمره من قبل النسوة فَ {قَالَ } للرسول {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ} أيّ سيّدك يعني الملك {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} والمرأة التي سجنت بسوء فعلها وروى عبدالحميد بن صباح البرجمي ومحمد بن حبيب الشموني عن أبي بكر بن عباس عن عاصم قرأ النسوة بضمّ النون. {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} إنّ الله تعالى بصنيعهنّ عالم، وقيل: معناه: إنّ سيدي قطفير العزيز عالم ببراءتي ممّا ترميني به المرأة. قال ابن عباس: فأخرج يوسف يومئذ قبل أن يسلّم الملك لشأنه، فمازالت في نفس العزيز منه شيء يقول: هذا الذي راود امرأتي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَقَد عَجبتُ من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له حين سُئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حتى أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربّك، ولو كنتُ مكانه ولبث في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة ولبادرتهم الباب، وما ابتغيت الغفران كان حليماً ذا أناة ". تفسير : {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ}: الآية، في الكلام متروك قد استُغني عنه (يدلّ) الكلام عليه، وهو: فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالة، فدعا الملك النسوة اللاتي قطّعنَ أيديهنّ وامرأة العزيز فقال لهنّ: ما خطبكنّ: ما شأنكنّ وأمركنّ {إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ}، فأحبنه {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ} معاذ الله، {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} أيّ ظهر وتبيّن والأصل فيه: حصّ وقيل: حصّص، كما قيل: كبكبوا في كبوا، وكفكف في كفّ، وردد في ردّ، وأصل الحَص استئصال الشيء، يقال حصَّ شعره إذا استأصله جَزّاً، وقال أبو قيس ابن الأصلت: شعر : قد حصّت البَيضة رأسي فما أطعم نوماً غير تهجاع تفسير : وتعني بالآن حصحص الحقّ: ذهب الباطل والكذب وانقطع وتين الحق فظهر وبهر {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} فتنتُه عن نفسه، {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} في قوله: {هِيَ رَاوَدَتْنِي}. فلمّا سمع {ذٰلِكَ} يوسف، قال: ليعلم ذلك الذي [مضى] من ردّي رسول الملك في شأن النسوة {لِيَعْلَمَ} العزيز. {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ} في زوجته {بِٱلْغَيْبِ} في حال غيبتي عنه {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} واتّصل قول يوسف: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} بقول المرأة: {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} من غير تبيين، وفرّق بينهما لمعرفة السامعين معناه، كاتّصال قول الله تعالى:{أية : وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ}تفسير : [النمل: 34] بقول بلقيس: {أية : وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً}تفسير : [النمل: 34] وكذلك قول فرعون لأصحابه: {أية : فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}تفسير : [الشعراء: 35] وهو متّصل بقول الملأ: {أية : يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ}تفسير : [الشعراء: 35]. روى أبو عُبيدة عن الفراء أنّه قال هذا من أغمض ما يأتي في الكلام أنّه حكى عن رجل شيئاً ثمّ يقول في شيء آخر من قول رجل آخر لم يجر له ذكر. وحدّثنا الحسين بن محمد بن الجهمين، عبدالله بن يوسف بن أحمد بن علي قال: حدّثنا علي بن الحسين بن مجلز، قال الحسن بن علي البغدادي، خلف بن تيم عن عطاء بن مسلم عن الخفاف عن جعفر بن نوفان عن ميمون بن مهران عن عبدالله بن عمر أنّ علي بن أبي طالب أتى عثمان وهو محصور فأرسل إليه السلام وقال إنّي قد جئتُ لأنصرك فأرسل إليه بالسلام وقال: جزاك الله خيراً، لا حاجة في قتال القوم، فأخذ عليّ عمامته عن رأسه، فنزعها فألقاها في الدار ثمّ ولّى وهو يقول {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ}. قال أهل التفسير: لما قال يوسف هذه المقالة قال له جبرئيل: ولا حين هممت بها؟ فقال عند ذلك يوسف {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} من الخطأ والزلل فاركبها، {إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ} بالمعصية {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} يعني إلاّ من رحمه ربي فعصم، و {مَآ} بمعنى مَن كقوله تعالى {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النساء: 3]أي مَن طاب، وقوله إلاّ استثناء منقطع عمّا قبله كقوله تعالى: {أية : وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ * إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا}تفسير : [يس: 43-44]يعني إلاّ أن يُرحموا، فإنّ إذا كانت في معنى المصدر تضارع ما. {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، فلمّا تبيّن للملك [حق] يوسف وعرف أمانته وعلمه، قال: {ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} أجعله خالصاً لي دون غيره، فلمّا جاء الرسول يوسف قال له: أجب الملك، الآن، فخرج يوسف ودعا لأهل السجن بدعوة تعرف إلى اليوم وذلك أنّه قال: اللهمّ اعطف عليهم بقلوب الأخيار وأنعم عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في كّل بلدة، فلمّا خرج من السجن كتب على باب السجن: (هذا قبر الأحياء وبيت الأحزان وحرقة الأصدقاء وشماتة الأعداء)، ثمّ اغتسل يوسف (عليه السلام) وتنظّف من قذر السجن، ولبس ثياباً جدداً حساناً، وقصد الملك. قال وهب: فلمّا وقف بباب الملك قال (عليه السلام): حسبي ربي من دُنياي، وحسبي ربّي من خلقه، عزّ جاره، وجلّ ثناؤه ولا إله غيره. ثمّ دخل الدار، فلمّا دخل على الملك قال: اللهمّ إنّي أسألك عزّك من خيره، وأعوذ بك من شرّه وشرّ غيره، فلمّا نظر إليه الملك سلّم عليه يوسف بالعربية، فقال له: الملك، ما هذا اللسان؟ قال: لسان عمّي اسماعيل، ثمّ دعا له بالعبرانية، فقال له الملك: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي. قال وهب: وكان الملك يتكلّم بسبعين لساناً، فكلّما كلّم يوسف بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان، فأجابه الملك، فأعجب الملك ما رأى منه، وكان يوسف يومئذ ابن الاثين سنة، فلمّا رأى الملك حداثة سنة، قال لمن عنده: إنّ هذا علم تأويل رؤياي ولم يعلمه السحرة والكهنة، ثمّ أجلسه على سريره، وقال له: إنّي أحبّ أن أسمع رؤياي منك شفاهاً، فقال له يوسف: نعم، أيّها الملك، رأيت سبع بقرات سمان هب غرّ حسان، كشف لك عنهنّ النيل وطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهنّ لبناً، فبينا أنت تنظر إليهنّ وتتعجّب من حسنهنّ إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبساً، فخرج من حمأته ووحله سبع بقرات عجاف شُعث غُبر مقلّصات البطون، ليس لهُنّ ضروع ولا أخلاف، ولهنّ أنياب وأضراس وأكفّ كأكف الكلاب خراطيم كخراطيم السباع، فاختلطن بالسمان فافترسنهنّ افتراس السبع، فأكلن لحومهنّ ومزّقنَ جلودهنّ وحطّمن عظامهنّ وتشمشن مخّهنّ. فبينا أنت تنظر وتتعجّب وإذا بسبع سنابل خضر وسبع أُخر سود في منبت واحد عروقهنّ في الثرى والماء، فبينا أنتَ تقول في نفسك: أنّى هذا؟ هؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد، وأصولهنّ في الماء إذ هبّت ريح ذرّت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت فيهنّ النار فاحرقتهنّ وصرنَ سوداً متغيّرات. فهذا آخر ما رأيت من الدنيا ثمّ انتبهت من نومك مذعوراً، فقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا وإن كانت عجباً بأعجب ممّا سمعته منك، فما ترى في رؤياي أيّها الصدّيق؟ فقال يوسف: أرى أن تجمع الطعام، وتزرع الزرع الكثير في هذه السنين المخصبة وتبني [الأهواء] والخزائن، فتجعل الطعام فيها بقصبه وسنبله ليكون قصبه وسنبله علفاً للدواب، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، وتأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك، ويجتمع عندك من الكنوز مالم يجتمع لأحد قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه و[يبيعه] ويكفي الشغل فيه؟ فقال: يوسف {ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ} مجاز الآية: على خزائنّ أرضك وهي جمع الخزانة فدخلت الألف واللام خلفاً من الإضافة، كقول النابغة: والأحلام غيرُ كواذب. {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}: كاتب حاسب، قتادة: حفيظ لما وليت، علهم بأمره، ابن اسحاق: حفيظ لما استودعتني، عليمٌ بما وليّتني، شيبة الضبي: حفيظ لما استودعتني وعليمٌ بسنيّ المجاعة، الأعشى: حافظ للحساب عليم بالألسن أعلم لغة من سألني، الكلبي: حفيظ التقدير في هذه السنين الجدبة، عليمٌ بوقت الجوع متى يقع، وقيل: حفيظ لما وصل إليّ عليم بحسابة المال، فقال له الملك: ومَن أحقّ به منك؟ فولاّه ذلك، وَقَالَ لَهُ: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} ذو مكانة ومنزلة، أمين على الخزائن، روى جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله أخي يوسف لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنّه أخّر ذلك سنة فأقام عنده في بيته سنة مع الملك. تفسير : روى سفيان عن أبي سنان عن عبدالله بن أبي الهذيل، قال: قال الملك ليوسف: إنّي أُريد أن تخالطني في كلّ شيء غير أنّي آنف أن تأكل معي، فقال يوسف (عليه السلام): أنا أحقّ أن آنف، أنا ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، فكان يأكل بعدئذ معه. روى حمزة الريّان عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة، قال: لما رأى العزيز رأي يوسف وظرفه دعاه وكان يتغدّى ويتعشى معه دون غلمانه، فلمّا كان بينه وبين المرأة ما كان، قالت له مرّة: فليتغدّ مع الغلمان، فقال: اذهب فتغدّ مع الغلمان فقال له يوسف في وجهه استنكفتَ أن تأكل معي، أنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله ابن إسحاق ذبيح الله إبن إبراهيم خليل الله. روى مقاتل عن يحيى بن أبي كثير أنّ عمر بن الخطاب عرض على أبي هريرة الإمارة فقال: لا أفعل ولا أريدها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من طلب الإمارة لم يعدل"تفسير : فقال عمر: لقد طلب الإمارة من هو خير منك، يوسف (عليه السلام)، قال: اجعلني على خزائن الأرض. روى بن اسحاق عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة دعاه الملك فتوَّجَهُ ورَدَّأُهُ سيفه، ووضع له سريراً من ذهب، مكلّلا بالدرّ والياقوت، وضرب عليه حلّة من استبرق، وكان طول السرير ثلاثين ذراعاً وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشاً وتسعون مرفقة، ثمّ أمره أن يخرج فخرج متوّجاً، لونه كالثلج ووجهه كالقمر، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه، فانطلق حتى جلس على السرير ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته مع نسائه، وفوّض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عمّا كان عليه وجعل يوسف مكانه. قال ابن اسحاق: قال ابن زيد: وكان لفرعون ملك مصر خزائن كثيرة غير الطعام، فسلّم سلطانه كلّه إليه، وجعل أمره وقضاءه نافذاً، ثمّ أنّ قطفير هلك في تلك الليالي فزوّج الملك يوسف راحيل إمرأة قطفير، فلمّا دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما كنتِ تريدين؟ فقالت: أيّها الصدّيق لا تلمني فإنّي كنتُ امرأة حسناء ناعمة كما ترى، في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك الله في حُسنك وهيئتك فغلبتني نفسي، فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له رجلين: أفرائيم بن يوسف ومنشا بن يوسف. واستوسق ليوسف ملك مصر وأقام فيهم العدل فأحبّه الرجال والنساء فذلك قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} يعني أرض مصر: أي مكّناه {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا} أين نزل {حَيْثُ يَشَآءُ}: ويصنع فيها ما يشاء، والبواء المنزل يقال: بوّأته فتبوّأ، وقرأ أهل مكّة: حيث نشاء بالنون ردّاً على قوله مكّنا وبعده، {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ} أي بنعمتنا. {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} قال ابن عباس ووهب: يعني الصابرين كصبره في البئر، وصبره في السجن وصبره في الرق، وصبره عما دعته اليه المرأة، قال مجاهد وغيره: فلم يزل يدعو ويتلطف له حتى أسلم الملك وكثير من الناس فهذا في الدنيا {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ} [نعيم] الآخرة {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} قال البحتري: شعر : أما في رسول الله يوسف أسوة لمثلك محبوساً [....] أقام جميل الصبر في الحبس برهة فآلَ به الصبرُ الجميلُ إلى الملك تفسير : وكتب بعضهم إلى صديق له: شعر : وراء مضيق الخوف مُتّسعُ الأمنِ وأوّل مفروح به آخر الحُزن فلا تيأسَنْ فالله مَلَّك يوسفاً خزائنه بعد الخلاص من السجن
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومعنى ذلك أن الساقي ذهب إلى مجلس الملك مباشرة، ونقل له تأويل الرُّؤيا، وأصرَّ الملك أنْ يأتوا له بهذا الرجل؛ فقد اقتنع بأنه يجب الاستفادة منه؛ وعاد الساقي ليُخرِج يوسف من السجن الذي هو فيه. لكنه فُوجِيء برفض يوسف للخروج من السجن، وقوله لمن جاء يصحبه إلى مجلس الملك: {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50]. وهكذا حرص يوسف على ألاَّ يستجيب لمَنْ جاء يُخلِّصه من عذاب السجن الذي هو فيه؛ إلا إذا برئتْ ساحته براءةً يعرفها الملك؛ فقد يكون من المحتمل أنهم ستروها عن أذن الملك. وأراد يوسف عليه السلام بذلك أن يُحقق المَلِك في ذلك الأمر مع هؤلاء النسوة اللاتي قَطَّعْنَ أيديهن؛ ودَعَوْنَهُ إلى الفحشاء. واكتفى يوسف بالإشارة إلى ذلك بقوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50]. ويُخفي هذا القول في طيَّاته ما قالته النسوة من قبل ليوسف بضرورة طاعة امرأة العزيز في طلبها للفحشاء. وهكذا نجد القصص القرآني وهو يعطينا العِبْرة التي تخدمنا في واقع الحياة؛ فليست تلك القصص للتسلية، بل هي للعبرة التي تخدمنا في قضايا الحياة. وبراءة ساحة أي إنسان هو أمر مُهِمٌ؛ كي تزول أيُّ ريبة من الإنسان قبل أن يُسند إليه أي عمل. وهكذا طلب يوسف عليه السلام إبراء ساحته، حتى لا يَقُولَنَّ قائل في وشاية أو إشاعة "همزاً أو لَمْزاً": أليس هذا يوسف صاحب الحكاية مع امرأة العزيز، وهو مَنْ راودته عن نفسه؟ وها هو رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه - والله يغفر له - حيث أُرْسِل إليه ليُستفتى في الرؤيا، وإن كنت أنا لم أفعل حتى أخرج، وعجبت من صبره وكرمه - والله يغفر له - أُتِي ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا لبادرت الباب، ولكنه أحب أن يكون له العذر ". تفسير : وشاء نبينا صلى الله عليه وسلم أن يُوضِّح لنا مكانة يوسف من الصبر وعزة النفس والنزاهة والكرامة فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الكريمَ، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. قال - لو لبثتُ في السجن ما لبثَ، ثم جاءني الرسول أجبتُ ثم قرأ صلى الله عليه وسلم -: {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ..} [يوسف: 50] ". تفسير : وهكذا بيَّنَ لنا الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة يوسف من الصبر والنزاهة، وخشيته أن يخرج من السجن فَيُشَار إليه: هذا مَنْ راود امرأة سيده. وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم إشارة إلى مبالغة يوسف في ذلك الأمر، وكان من الأحوط أن يخرج من السجن، ثم يعمل على كَشْف براءته. ومعنى ذلك أن الكريم لا يستغل المواقف استغلالاً أحمق، بل يأخذ كل موقف بقدْره ويُرتِّب له؛ وكان يوسف واثقاً من براءته، ولكنه أراد ألاَّ يكون الملك آخر مَنْ يعلم. وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال: "حديث : دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبك، فإن الصدقَ طُمأنينة، وإن الكذبَ ريبة ". تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم يرى أن الإيمان بالله يقتضي ألاَّ يقف المؤمن موقفَ الرِّيبة؛ لأن بعض الناس حين يَرَوْنَ نَابِهاً، قد تثير الغيرةُ من نباهته البعضَ؛ فيتقوَّلون عليه. لذلك فعليك أن تحتاطَ لنفسك؛ بألاَّ تقف موقف الرِّيبة، والأمر الذي تأتيك منه الرِّيبة؛ عليك أن تبتعد عنه. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، حديث : فقد جاءته زَوْجه صفية بن حُيي تزوره وهو معتكف في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة من العشاء، ثم قامتْ تنقلب - أي: تعود إلى حجرتها - فقام معها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا بلغت باب المسجد الذي عند مسكن أم سلمة زوج رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، مرّ بهما رجلان من الأنصار فسلَّما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نفذا، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على رِسْلكما، إنما هي صفية بنت حُيي. قالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما ما قال. قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما" ". تفسير : وهنا في الموقف الذي نتناوله بالخواطر، نجد الملك وهو يستدعي النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن، ورَاودْنَ يوسف عن نفسه، وهو ما يذكره الحق سبحانه: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} لما سمع الشرابي من يوسف ما سمع، تسارع إلى الملك وأخبره ما سمع من التعبير {قَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ} فأرسل من يحضره {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ} ليخرجه من السجن {قَالَ} يوسف: لا أخرج من السجن ما لم يظهر براءتي وعصمتي وطهار ذيلي وكمال عفتي مما يرمونني ويسجنونني بسببه {ٱرْجِعْ} أيها الرسول {إِلَىٰ رَبِّكَ} وسيدك {فَاسْأَلْهُ} أن يكشف عن أمره وما جرى عليَّ من ظلم أولئك المفترين، سيما ليسأل: {مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} وما شأنهن معي {إِنَّ رَبِّي} الذي رباني بكمال العصمة والعفة {بِكَيْدِهِنَّ} ومكرهن الذي قصدن معي {عَلِيمٌ} [يوسف: 50] على التفصيل الذي يخفون في نفوسهن، يجازيهن في يوم الجزاء على مقتضى علمه. ثم لما رجع الرسول إلى الملك وأخبر عن حاله ومقاله، بادر الملك إلى إحضار أولئك النسوان فحضرن {قَالَ} الملك منتقماً عنهن، مفتشاً عما جرى بينهن وبين يوسف: {مَا خَطْبُكُنَّ} وشأنكن أيتها الماكرات المحتالات {إِذْ رَاوَدتُّنَّ} وخادعتن بأنواع الحيلة والخداع {يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} وأي شيء ظهر منه من أمارات الفساد وعلامات الفسوق حتى تجترئن بمراودته؟! {قُلْنَ} بأجمعهن بعدما سمعن كلام الملك واستفساره على وجه الانتقام: {حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ} أي: فعلة ذميمة وديدنة قبيحة باعثة لنا إلى مراودته، سوى أنا رأيناه على صورة عجيبة وحسن بديع، مِلْنا إلأيه وأردنا مخالطته فاستعصم من كمال عفته ونجابة طينته، ثم {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ} عند الملك بعدما بدأ ما أخفت وفشا ما سترت، مقرة مقررة لطهارة ذيله: {ٱلآنَ حَصْحَصَ} أي: لاح وظهر {ٱلْحَقُّ} وارتفع عنه الحجب انكشف الأستار {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} بعدما شغفني حبه وأزعجني ميله {وَإِنَّهُ} في ذاته وأقواله وأفعاله {لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [يوسف: 51] المبرين المنزهين عما افترينا عليه ورمينا به. ثم لما انشكف أمره عند الملك وثبت براءته، أرسل الرسول إليه ثانياً ليخرجه من السجن، قال يوسف على مقتضى الحكمة الصادرة من ألسنة الأنبياء؛ توطيناً لنفس ال عزيز تسلية له، ليجزم أنه ما أساء الأدب معه في السر والعلانية {ذٰلِكَ} الكشف والتفتيش إنما هو {لِيَعْلَمَ} العزيز يقيناً {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} حين انغلاق الأبواب السبعة، وأنا مع زوجته فكيف في غيرها {وَ} ليعلم العزيز أيضاً {أَنَّ ٱللَّهَ} المطبع لجميع ما جرى على عباده {لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} [يوسف: 52] أي: لا يوصل أهل الخيانة إلى ما يقصدون إليه بكيدهم وحيلتهم، بل يفضحونهم بها على رءوس الأشهاد في الأولى والأخرى. ثم قال: {وَمَآ أُبَرِّىءُ} وأنزه {نَفْسِيۤ} عن الفرطات والغفلات والخواطر القبيحة والديدنة الشنيعة على مقتضى القوى الشهوية واللذة البهيمية، وكيف ابرئ وأنزه {إِنَّ ٱلنَّفْسَ} المركوزة في الجبلة الإنسانية {لأَمَّارَةٌ} مائلة بالطبع {بِٱلسُّوۤءِ} والفساد متوجهة نحوه إذا خلى وطبعها {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} أي: حفظها الله من كمال رحمته وشفقته من طغيانها ووسوسة الشيطان إليها {إِنَّ رَبِّي} الذي رباني بالعصمة والعفاف {غَفُورٌ} لما صدر عني من الخواطر النفسانية {رَّحِيمٌ} [يوسف: 53] يرحمني بفضله ويعصمني بلطفه عما يبعدني من كنفه وجواره.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَقَالَ الْمَلِكُ } لمن عنده { ائْتُونِي بِهِ } أي: بيوسف عليه السلام، بأن يخرجوه من السجن ويحضروه إليه، فلما جاء يوسف الرسول وأمره بالحضور عند الملك، امتنع عن المبادرة إلى الخروج، حتى تتبين براءته التامة، وهذا من صبره وعقله ورأيه التام. فـ { قَالَ } للرسول: { ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ } يعني به الملك. { فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } أي: اسأله ما شأنهن وقصتهن، فإن أمرهن ظاهر متضح { إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } . فأحضرهن الملك، وقال: { مَا خَطْبُكُنَّ } أي: شأنكن { إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ } فهل رأيتن منه ما يريب؟ فبرَّأنه و { قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ } أي: لا قليل ولا كثير، فحينئذ زال السبب الذي تنبني عليه التهمة، ولم يبق إلا ما عند امرأة العزيز، فـ { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ } أي: تمحض وتبين، بعد ما كنا ندخل معه من السوء والتهمة، ما أوجب له السجن { أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } في أقواله وبراءته. { ذَلِكَ } الإقرار، الذي أقررت [أني راودت يوسف] { لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } يحتمل أن مرادها بذلك زوجها أي: ليعلم أني حين أقررت أني راودت يوسف، أني لم أخنه بالغيب، أي: لم يجر منِّي إلا مجرد المراودة، ولم أفسد عليه فراشه، ويحتمل أن المراد بذلك ليعلم يوسف حين أقررت أني أنا الذي راودته، وأنه صادق أني لم أخنه في حال غيبته عني. { وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } فإن كل خائن، لا بد أن تعود خيانته ومكره على نفسه، ولا بد أن يتبين أمره. ثم لما كان في هذا الكلام نوع تزكية لنفسها، وأنه لم يجر منها ذنب في شأن يوسف، استدركت فقالت: { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي } أي: من المراودة والهمِّ، والحرص الشديد، والكيد في ذلك. { إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، أي: الفاحشة، وسائر الذنوب، فإنها مركب الشيطان، ومنها يدخل على الإنسان { إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي } فنجاه من نفسه الأمارة، حتى صارت نفسه مطمئنة إلى ربها، منقادة لداعي الهدى، متعاصية عن داعي الردى، فذلك ليس من النفس، بل من فضل الله ورحمته بعبده. { إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي: هو غفور لمن تجرأ على الذنوب والمعاصي، إذا تاب وأناب، { رَحِيمٌ } بقبول توبته، وتوفيقه للأعمال الصالحة،. وهذا هو الصواب أن هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف، فإن السياق في كلامها، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر. فلما تحقق الملك والناس براءة يوسف التامة، أرسل إليه الملك وقال: { ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي } أي: أجعله خصيصة لي ومقربا لديَّ فأتوه به مكرما محترما، { فَلَمَّا كَلَّمَهُ } أعجبه كلامه، وزاد موقعه عنده فقال له: { إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا } أي: عندنا { مَكِينٌ أَمِينٌ } أي: متمكن، أمين على الأسرار، فـ { قَالَ } يوسف طلبا للمصلحة العامة: { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْضِ } أي: على خزائن جبايات الأرض وغلالها، وكيلا حافظا مدبرا. { إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } أي: حفيظ للذي أتولاه، فلا يضيع منه شيء في غير محله، وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع، والتصرف في جميع أنواع التصرفات، وليس ذلك حرصا من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه. فلذلك طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض، فجعله الملك على خزائن الأرض وولاه إياها. قال تعالى: { وَكَذَلِكَ } أي: بهذه الأسباب والمقدمات المذكورة، { مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ } في عيش رغد، ونعمة واسعة، وجاه عريض، { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ } أي: هذا من رحمة الله بيوسف التي أصابه بها وقدرها له، وليست مقصورة على نعمة الدنيا. { وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } ويوسف عليه السلام من سادات المحسنين، فله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ولهذا قال: { وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ } من أجر الدنيا { لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } أي: لمن جمع بين التقوى والإيمان، فبالتقوى تترك الأمور المحرمة من كبائر الذنوب وصغائرها، وبالإيمان التام يحصل تصديق القلب، بما أمر الله بالتصديق به، وتتبعه أعمال القلوب وأعمال الجوارح، من الواجبات والمستحبات.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ} [50] 273- أنا العباس بن عبد العظيم، نا عبد الله بن محمد، أنا جُويرية بن أسماء، عن مالك بن أنس، عن الزُّهري، أن سعيد بن المسيب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رحم الله إبراهيم، نحن أحقُّ بالشِّك منه. قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] وقال: "يرحم الله لوطا، كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السِّجن ما لبث يوسف ثم جاءني الدَّاعي لأجبته ". تفسير : قوله تعالى: {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ / فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [50] 274- أنا يوسف بن عيسى، أنا الفضل، أنا محمد، نا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ". تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الداعي لأجبته إذ {جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):