١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
51
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ } شأنكنّ {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } هل وجدتن منه ميلاً إليكن؟ {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلئَٰنَ حَصْحَصَ } وضح {ٱلْحَقُّ أَنَاْ رٰوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ } في قوله {هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } فأُخْبر يوسف بذلك فقال.
ابن عطية
تفسير : المعنى: فجمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، وقال لهن: {ما خطبكن...} الآية، أي: أي شيء كانت قصتكن؟ فهو استدعاء منه أن يعلمنه القصة فجاوب النساء بجواب جيد، تظهر منه براءة أنفسهن جملة وأعطين يوسف بعض براءة، وذلك أن الملك لما قرر لهن أنهن راودنه قلن - جواباً عن ذلك - {حاش لله} وقد يحتمل - على بعد - أن يكون قولهن {حاش لله} في جهة يوسف عليه السلام، وقولهن: {ما علمنا عليه من سوء} ليس بإبراء تام، وإنما كان الإبراء التام وصف القصة على وجهها حتى يتقرر الخطأ في إحدى الجهتين، ولو قلن: ما علمن عليه إلا خيراً لكان أدخل في التبرية. وقد بوب البخاري على هذه الألفاظ على أنها تزكية، وأدخل قول أسامة بن زيد في حديث الإفك: أهلك ولا نعلم إلا خيراً. قال القاضي أبو محمد: وأما مالك رحمه الله فلا يقنع بهذا في تزكية الشاهد، لأنه ليس بإثبات العدالة. قال بعض المفسرين فلما سمعت زوجة العزيز مقالتهن وحيدتهن عن الوقوع في الخزي حضرتها نية وتحقيق، فقالت: {الآن حصحص الحق}. و {حصحص} معناه: تبين بعد خفائه، كذا قال الخليل وغيره وقيل: هو مأخوذ من الحصة، أي بانت حصته من حصة الباطل. ثم أقرت على نفسها بالمراودة والتزمت الذنب وأبرأت يوسف البراءة التامة.
ابن عبد السلام
تفسير : {رَاوَدتُّنَّ} راودنه على طاعتها فيما طلبت منه، أو راودته وحدها فجمعهن احتشاماً. {مَا عَلِمْنَا} شهدن على نفي علمهن لأنه نفى {حَصْحَصَ الْحَقُّ} وضح وبان "ع"، وفيه زيادة تضعيف مثل كبو وكبكبوا قاله الزجاج، مأخوذ من حص شعره إذا استأصل قطعه، والحصة من الأرض قطعة منها، فحصحص الحق انقطع عن الباطل بظهوره وبيانه. {أَنَاْ رَاوَدتُّهُ} برأه الله ـ تعالى ـ عند الملك بشهادة النسوة وبإقرار امرأة العزيز واعترافها بذلك توبة بما قرفته به.
النسفي
تفسير : {قَالَ } لهن {مَا خَطْبُكُنَّ } ما شأنكن {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } هل وجدتن منه ميلاً إليكن {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ } تعجبا من قدرته على خلق عفيف مثله {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } من ذنب {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلئَنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ } ظهر واستقر {أَنَاْ رٰوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في قوله {هي روادتني عن نفسي} ولا مزيد على شهادتهم له للبراءة والنزاهة واعترافهن على أنفسهن إنه لم يتعلق بشيء مما قذف به. ثم رجع الرسول إلى يوسف وأخبره بكلام النسوة وإقرار امرأة العزيز وشهادتها على نفسها فقال يوسف {ذٰلِكَ } أي امتناعي من الخروج والتثبت لظهور البراءة {لِيَعْلَمَ } العزيز {أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } بظهر الغيب في حرمته، و{بالغيب} حال من الفاعل أو المفعول على معنى وأنا غائب عنه أو وهو غائب عني، أو ليعلم الملك أني لم أخن العزيز {وَأَنَّ ٱللَّهَ } أي وليعلم أن الله {لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ } لا يسدده وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها. ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه لئلا يكون لها مزكياً وليبين أن ما فيه من الأمانة بتوفيق الله وعصمته فقال {وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } من الزلل وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها في عموم الأحوال، أو في هذه الحادثة لما ذكرنا من الهم الذي هو الخطرة البشرية لا عن طريق القصد والعزم {إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوء } أراد الجنس أي إن هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه لما فيه من الشهوات {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة ويجوز أن يكون ما رحم في معنى الزمان أي إلا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت العصمة، أو هو استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت العصمة أو هو استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، وقيل: هو من كلام امرأة العزيز أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، وما أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة فإني قد خنته حين قذفته وقلت {ما جزاء من أراد بأهلك سوءأً إلا أن يسجن} وأودعته السجن، تريد الاعتذار مما كان منها إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إلا نفسها رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف {إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت وإنما جعل من كلام يوسف ولا دليل عليه ظاهر لأن المعنى يقود إليه. وقيل: هذا من تقديم القرآن وتأخيره أي قوله {ذلك ليعلم} متصل بقوله {فاسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن}.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ}. الحقائق لا تنكتِم أصلاً ولا بُدَّ من أن تَبينَ... ولو بعد حين. نُسِبَ يوسفُ إلى ما كان منه بَريئاً، وأُنِّبَ على ذلك مدةً، وكان أمرهُ في ذلك خَفِيًّا. ثم إن الله تعالى دَفَعَ عنه التهمة ورفع عنه المَظَنّة، وأنطق عِذّالَه، وأظهر حالَه، عما فرق به سرباله؛ فَقُلْنَ: {حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ}. قوله جلّ ذكره: {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ}. لمّا كانت امرأةُ العزيز غيرَ تامّةٍ في محبة يوسف تركَتْ ذنبَهَا عليه وقالت لزوجها: {مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ولم يكن ليوسف عليه السلام ذنب. ثمَّ لمّا تناهَتْ في محبته أقَرَّت بالذنبِ على نفسها فقالت: {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ....} فالتناهي في الحبِّ يوجب هتكَ الستر، وقلة المبالاة بظهور الأمر والسِّر، وقيل: شعر : لِيُقلْ مَنْ شاءَ ما شاء فإني لا أُبالي
اسماعيل حقي
تفسير : فلما حضرن {قال} الملك لهن {ما خطبكن} اى شأنكن العظيم {اذ راودتن} ظاهر الآية يدل على انهن جميعا قد راودن لا امرأة العزيز فقط فلا يعدل عنه الا بدليل والمراودة المطالبة {يوسف} وخادعتنه {عن نفسه} هل وجدتن منه ميلا اليكن شعر : كزان شمع حريم جان جه ديديد كه بروى تيغ بدنامى كشيديد زرويش در بهار وباغ بوديد جراره سوى زندانش نموديد بتى كازار باشد برتنش كل كى ازدانا سزد بر كردنش غل كلى كش نيست تاب باد شبكير ببايش جون نهد جزآب زنجير تفسير : {قلن} اى جماعة النساء مجيبة للملك {حاش لله} اصله حاشا بالالف فحذفت للتخفيف وهو فى الاصل حرف وضع هنا موضع المصدر اى التنزيه واللام لبيان من يبرأ وينزه وقد سبق فى هذه السورة فهو تنزيه له وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله. والمعنى بالفارسية [با كست خداى تعالى آزانكه عاجز باشد از آفريدن مرد باكيزه جو يوسف] {ما علمنا عليه من سوء} من ذنب وخيانة> شعر : زيوسف ما يجز باكى نديديم بجز عز وشرفنا كى نديديم نباشددر صدف كوهر جنان باك كه بود ارتهمت آن جان جهان باك تفسير : {قالت امرأة العزيز} اى زليخا وكانت حاضرة فى المجلس. قال الكاشفى [جون زليخا ديدكه جزراستى فائده ديكر نيست وى نيز بباكى يوسف اقرار كرد] {الآن} ارادت بالآن زمان تكلمها بهذا الكلام لا زمان شهادتهن {حصص الحق} اى وضح وانكشف وتمكن فى القلوب والنفوس {انا راودته عن نفسه} [مى جستم يوسف را از نفس او وآرزوى وصال كردم] لا انه راودنى عن نفسى {وانه لمن الصادقين} اى فى قوله هى راودتنى عن نفسى: قال المولى الجامى شعر : بجرم خويش كرد اقرار مطلق برأمد زوصداى حصحص الحق بكفتا نيست يوسف را كناهى منم در عشق اوكم كرده راهى نخست اورا بوصل خويش خواندم جوكام من نداد از بيش راندم بزندان از ستمهاى من افتاد دران غمها زغمهاى من افتاد غم من جون كذشت ازحدوغايت بجانش كرد حال من سرايت جفايى كر رسيد اورا زجافى كنون واجب بود اورا تلافى هر احسان كايد از شاه نكوكار بصد جندان بود يوسف سزاوار تفسير : قال ابن الشيخ لما علمت زليخا ان يوسف راعى جانبها حيث قال {أية : ما بال النسوة اللاتى قطعن ايديهن} تفسير : فذكرهن ولم يذكر اياها مع ان الفتن كلها انما نشأت من جانبها وجزمت بان رعايته اياها انما كانت تعظيما لجانبها واخفاء للامر عليها فارادت ان تكافئه على هذا الفعل الحسن فلذلك اعترفت بان الذنب كله كان من جانبها وان يوسف كان بريئا من الكل - روى - ان امرأة جاءت بزوجها الى القاضى وادعت عليه المهر فامر القاضى بان تكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من اداء الشهادة على وجهها فقال الزوج لا حاجة الى ذلك فانى مقر بصدقها فى دعواها فقالت المرأة لما اكرمتنى الى هذا الحد فاشهدوا انى ابرأت ذمتك عن كل حق كان لى عليك. قال فى الارشاد فانظر ايها المتصف هل ترى فوق هذه المرتبة نزاهة حيث لم تتمالك الخصماء عدم الشهادة بها والفضل ما شهدت به الخصماء. قال بعض ارباب التأويل ان قول نسوة القوى {حاش لله} وقول امرأة العزيز التى هى النفس الامارة {الآن حصحص الحق} اشارة الى تنور النفس والقوى بنور الحق واتصافها بصفة الانصاف والصدق وحصول ذلك انما هو بتكميل الاسماء السبعة او الاثنى عشر فى سجن الخلوة فان القلب بهذه الخلوة والتكميل يصل الى نور الوحدة ويحصل للنفس التزكية والاطمئنان والاقرار بفضيلة القلب وصدقه وبراءته فان من كمال اطمئنان النفس اعترافها بالذنب واستغفارها مما فرط منها حالة كونها امارة والصدق فى الاعمال كونها موافقة لرضى الله تعالى وخالية عن الاغراض وفى الاحوال كونها على وفق رضى الله تعالى وطاهرة عن الصفات النفسانية
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى انه حين رجع الرسول الى الملك برسالة يوسف جمع النساء وقال لهنّ ما خطبكن اذ راودتنّ يوسف عن نفسه، والخطب الأمر الذي يخاطب به صاحبه، مما يستعظم شأنه، يقال هذا خطب جليل، وما خطبك، وما شأنك؟. وقوله {قلن حاش لله} حكاية عما اجابته به النسوة، فانهن قلن للملك على وجه التنزيه {حاش لله} اي عياذ بالله، وتنزيهاً من هذا الأمر، كقوله {معاذ الله}. وقد يستثني به، فيقال أتاني القوم حاشى زيد، بمعنى إلا زيداً {ما علمنا عليه من سوء} اي لم نعلم عليه امراً قبيحاً. قالت امرة العزيز عند ذلك معترفة بخطئها {الآن حصحص الحق} أي بان الحق يقال حصحص الأمر وحصحص الحق اي حصل على امكن وجوهه، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة، واصله حصّ من قولهم حص شعره اذا استأصل قطعة منه، والحصة اي القطعة من الشيء، فمعنى {حصحص الحق} انقطع عن الباطل بظهوره. ومثله كبوا وكبكبوا، وكف الدمع وكفكفه، ورده وردده، فهو زيادة تضعيف دل عليها الاشتقاق ذكره الزجاج. واصله من حصحص البعير ثفناتة في الارض إذا برك حتى يستبين آثارها فيها. قال حميد بن ثور الهذلي: شعر : وحصحص في صمّ القنا ثفناتة ورام القيام ساعة ثم صمما تفسير : ويقال انحص الوبر عن جنب البعير وانحت اذا انحسر ومعنى {أنا راودته} انا طالبته بذلك، {وإنه لمن الصادقين} في امتناعه من ذلك.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ} ءانتن روادتنّ يوسف ام يوسف (ع) روادكنّ؟ ام كانت المراودة من الطّرفين؟ - {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} نسب المراودة اليهنّ مع انّ سؤاله يقتضى الجهل او التّجاهل اشارة الى انّ سؤاله كان لمحض احتمال ان يكون يوسف شريكاً لهنّ فى المراودة لانّ مراودتهنّ كانت مشهورة بحيث لم يكن لاحدٍ شكّ فيها {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ} قد مضى بيان تلك الكلمة {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ قَالَتِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ} بعد اعتراف سائر النّساء ببراءته وخروجها عن شدّة حيائها {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} ظهر غاية الظّهور {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} فى البراءة من الخيانة.
اطفيش
تفسير : {قالَ} الملك لهن {ما خَطْبكنَّ} أى ما شأنكن وكل أمر من الأمور يسمى خطبا عظيما أو صغيرا ولذلك فسره الشيخ هود رحمه الله بالحجة، فإن الحجة أمر من الأمور، وكثر فى الأمر العظيم وحقيقته أمر يحق أن يخاطب فيه صاحبه {إذْ} متعلق بنسبه الخبر إلى المبتدأ و متعلق بخطب، ولو كان خطب جامدا غير مصدر، لأن فيه معنى القصد والاعتماد. {رَاودْتُنَّ يوسف عن نَفْسِهِ} وذلك أن كلا منهن راودته عن نفسه لنفسها كما مر، أو لأنهن أمرنه بطاعة زليخا فيما راودته فيه، فكأنهن مراودات، أو المراود امرأة العزيز وحدها، وخاطب الكل سترا لها، لأنها فيهن، فذلك على الأول كلية حقيقة، وعلى الثانى كلية مجازا، وعلى الثالثة كل وحكم على المجموع، هل وجدتن ميلا منه إليكن حتى راودنه. {قُلْنَ حاشَ} فيه القراءات السابقة {للّهِ} تعجب من لغته البالغة مع وجود أسباب عدمها، ومن قدرة الله جل وعلا على خلق مثله {مَا عِلمنَا عَليه مِن سُوءٍ} أم قبيح من الزنى، ولا من مقدماته، أو من ذنب مطلقا فضلا عن ذلك. ولأنها فيهن، فذلك على الأول كلية حقيقة، وعلى الثانى كلية مجازا، رأودتنَّه. {قالَتِ امرأة العزيز الآن حَصْحصَ الحقُّ} ثبت واستقر متمكنا راسخا، من قولك حصحص البعير إذا ألقى ركبتيه على الأرض وتمكن قاعدا، وقال البخارى: حصحص اتضح، وهو من قولك حص الشعر إذا استأصله حتى ظهرت جلدة الرأس، وقرئ بالبناء للمفعول، أى ظهر الحق وبان، أو أثبت وأقر، فإن الحصحصة بمعنى الثبوت تستعمل متعدية ولازمة. {أنا رَوادْتُه عَنْ نَفْسه وإنَّه لمنَ الصَّادقينَ} فى قوله:{أية : هى راودتنى عن نفسى}تفسير : أو أرادت أنه صادق فى أقواله وأفعاله مطلقا ولا من يدل على شهادتها ببراءته، إذ لا يبقى لأحد مقال إذا اعترف الخصم، وإنما اعترفت بذلك لأن النسوة أقبلن عليها وقررنها، وقيل: خافت أن يشهدن عليها فأقرت، وها هنا تم كلام المرأة بحضرة الملك، ثم ذكر الله جل وعلا بقية كلام يوسف الذى تكلم به للساقى حين رجع إليه ليأتى به إلى الملك، كما قال ابن جريج بقوله: {ذَلكَ لِيَعلَمَ...}
الالوسي
تفسير : {قَالَ} استئناف مبني على السؤال كما سبق كأنه قيل: فما كان بعد ذلك؟ فقيل: قال الملك إثر ما بلغه الرسول الخبر وأحضرهن: {مَا خَطْبُكُنَّ} أي شأنكن، وأصله الأمر العظيم الذي يحق لعظمته أن يكثر فيه التخاطب ويخطب له {إذْ راوَدتُّنَّ يُوسُفَ} وخادعتنه {عَن نَّفْسه} ورغبتنه في طاعة مولاته هل وجدتن فيه ميلاً إليكن؟ {قُلْنَ حَٰشَ للَّهِ} تنزيهاً له وتعجيباً من نزاهته عليه السلام وعفته {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ} بالغن في نفي جنس السوء عنه بالتنكير وزيادة {مِن}. وفي "الكشف" في توجيه كون السؤال المقدر في نظم الكلام عن وجدانهن فيه الميل، وذلك لأنه سؤال عن شأنهن معه عند المراودة، وأوله الميل ثم ما يترتب عليه، وحمله على السؤال يدعي النزاهة الكلية فيكون سؤال الملك منزلاً عليه إذ لا يمكن ما بعده إلا إذا سلم الميل، وجوابهن عليه ينطبق لتعجبهن عن نزاهته بسبب التعجب من قدرة الله تعالى على خلق عفيف مثله ليكون التعجب منها على سبيل الكناية فيكون أبلغ وأبلغ، ثم نفيهن العلم مطلقاً وطرفاً أي طرف دهم من سوء أن سوء فضلاً عن شهود الميل معهن اهـ، وهو من الحسن بمكان. وما ذكره ابن عطية - من أن النسوة قد أجبن بجواب جيد يظهر منه براءة أنفسهن جملة وأعطين يوسف عليه السلام بعض براءة وذلك أن الملك لما قررهن أنهن راودنه قلن جواباً عن ذلك وتنزيهاً لأنفسهن: {حَاشَ للَّهِ} ويحتمل أن يكون في جهته عليه السلام، وقولهن: {مَا عَلِمْنَا} الخ ليس بإبرام تام، وإنما هو شرح القصة على وجهها حتى يتقرر الخطأ في جهتهن - ناشئ عن الغفلة عما قرره المولى صاحب "الكشف". {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ} وكانت حاضرة المجلس، قيل: أقبلت النسوة عليها يقررنها، وقيل: خافت أن يشهدن عليها بما قالت يوم قطعن أيديهن فأقرت قائلة: {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} أي ظهر وتبين بعد خفاء قاله الخليل، وهو مأخوذ من الحصة وهي القطعة من الجملة أي تبينت حصة الحق من حصة الباطل، والمراد تميز هذا عن هذا، وإلى ذلك ذهب الزجاج أيضاً، وقيل: هو من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه، وعلى ذلك قوله: شعر : قد حصت البيضة رأسي فما أطعم نوماً غير تهجاع تفسير : ويرجع هذا إلى الظهور أيضاً، وقيل: هو من حصحص البعير إذا ألقى مباركه ليناخ، قال حميد بن ثور الهلالي يصف بعيراً: شعر : فحصحص في صم الصفا ثفناته وناء بسلمى نوءة ثم صمما تفسير : والمعنى الآن ثبت الحق واستقر. وذكر الراغب وغيره أن حص وحصحص ككف وكفكف وكب وكبكب. وقرئ بالبناء للمفعول على معنى أقر الحق في مقره ووضع في موضعه. و {الآن} من الظروف المبنية في المشهور وهو اسم للوقت الحاضر جميعه كوقت فعل الإنشاء حال النطق به أو الحاضر بعضه كما في هذه الآية وقوله سبحانه: { أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ }تفسير : [الأنفال: 66] وقد يخرج عند ابن مالك عن الظرفية كخبر "فهو يهوي في النار الآن حين انتهى إلى مقرها" فإن الآن فيه في موضع رفع على الابتداء، و "حين" خبره وهو مبني لإضافته إلى جملة صدرها ماض وألفه منقلبة عن واو لقولهم في معناه: الأوان، وقيل: عن ياء لأنه من / آن يئين إذا قرب، وقيل: أصله أوان قلبت الواو ألفاً ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ورد بأن الواو قبل الألف لا تقلب كالجواد والسواد، وقيل: حذفت الألف وغيرت الواو إليها كما في راح ورواح استعملوه مرة على فعل وأخرى على فعال كزمن وزمان. واختلفوا في علة بنائه فقال الزجاج: بني لتضمنه معنى الإشارة لأن معناه هذا الوقت، وردّ بأن المتضمن معنى الإشارة بمنزلة اسم الإشارة وهو لا تدخله أل، وقال أبو علي: لتضمنه معنى لام التعريف لأنه استعمل معرفة وليس علماً وأل فيه زائدة، وضعف بأن تضمن اسم معنى حرف اختصاراً ينافي زيادة ما لا يعتد به هذا مع كون المزيد غير المضمن معناه فكيف إذا كان إياه، وقال المبرد وابن السراج: لأنه خالف نظائره إذ هو نكرة في الأصل استعمل من أول وضعه باللام، وبابها أن تدخل على النكرة وإليه ذهب الزمخشري، ورده ابن مالك بلزوم بناء الجماء الغفير ونحوه مما وقع في أول وضعه باللام، وبأنه لو كانت مخالفة الاسم لسائر الأسماء موجبة لشبه الحرف واستحقاق البناء لوجب بناء كل اسم خالف الأسماء بوزن أو غيره وهو باطل بإجماع، واختار أنه بني لشبه الحرف في ملازمة لفظ واحد لأنه لا يثنى ولا يجمع ولا يصغر بخلاف حين ووقت وزمان ومدة، وردّه أبو حيان بما ردّ هو به على من تقدم، وقال الفراء: إنما بني لأنه نقل من فعل ماض وهو آن بمعنى حان فبقي على بنائه استصحاباً على حد "أنهاكم عن قيل وقال" وردّ بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه أل كما لا تدخل على ما ذكر، وجاز فيه الإعراب كما جاز فيه. وذهب بعضهم إلى أنه معرب منصوب على الظرفية، واستدل بقوله: شعر : كأنهما ملآن لم يتغيرا تفسير : بكسر النون أي من الآن فحذفت النون والهمزة وجر فدل على أنه معرب وضعف باحتمال أن تكون الكسرة كسرة بناء ويكون في بناء الآن لغتان: الفتح والكسر كما في شتان إلا أن الفتح أكثر وأشهر، وفي "شرح الألفية" لابن الصائغ أن الذي قال: إن أصله أوان يقول بإعرابه كما أن وأنا معرب. واختار الجلال السيوطي القول بإعرابه لأنه لم يثبت لبنائه علة معتبرة فهو عنده منصوب على الظرفية، وإن دخلت من جرّ وخروجه عن الظرفية غير ثابت، وفي الاستدلال بالحديث السابق مقال، وأياً مّا كان فهو هنا متعلق - بحصحص - أي حصحص الحق في هذا الوقت. {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} لا أنه راودني عن نفسي، وإنما قالت ذلك بعد اعترافها تأكيداً لنزاهته عليه السلام، وكذا قولها: {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي في قوله حين افتريت عليه { أية : هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي } تفسير : [يوسف: 26]. قيل: إن الذي دعاها لذلك كله التوخي لمقابلة الاعتراف حيث لا يجدي الإنكار بالعفو، وقيل: إنها لما تناهت في حبه لم تبال بانتهاك سترها وظهور سرها. وفي "إرشاد العقل السليم" أنها لم ترد بقولها: {الآن} الخ مجرد ظهور ما ظهر بشهادة النسوة من مطلق نزاهته عليه السلام فيما أحاط به علمهن من غير تعرض لنزاهته في سائر المواطن خصوصاً فيما وقع فيه التشاجر بمحضر العزيز ولا بحث عن حال نفسها وما صنعت في ذلك بل أرادت ظهور ما هو متحقق في نفس الأمر وثبوته من نزاهته عليه السلام في محل النزاع وخيانتها، ولهذا قالت: {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ} الخ، وأرادت - بالآن - زمان تكلمها بهذا الكلام لا زمان شهادتهن اهـ فافهم وتأمل هل ترى فوق هذه المرتبة نزاهة حيث لم يتمالك الخصماء من الشهادة بها على أتم وجه. شعر : والفضل ما شهدت به الخصماء تفسير : وليت من نسب إليه السوء - وحاشاه - كان عنده عشر معشار ما كان / عند أولئك النسوة الشاهدات من الإنصاف.
ابن عاشور
تفسير : جملة {قال ما خطبكن} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن الجمل التي سبقتها تثير سؤالاً في نفس السامع عما حصل من المَلِك لَمّا أُبلغ إليه اقتراح يوسف ـــ عليه السّلام ـــ مع شدة تشوقه إلى حضوره بين يديه، أي قال الملك للنسوة. ووقوع هذا بعد جملة { أية : ارجع إلى ربك } تفسير : [سورة يوسف: 50] إلى آخرها مؤذن بكلام محذوف، تقديره: فرجع فأخبر الملك فأحضر الملكُ النسوة اللائي كانت جمعتْهن امرأةُ العزيز لمّا أعتدت لهنّ مُتّكَأ فقال لهن: {ما خطبكن} إلى آخره. واسندت المراودة إلى ضمير النسوة لوقوعها من بعضهن غير معين، أو لأن القالة التي شاعت في المدينة كانت مخلوطة ظَنا أن المراودة وقعت في مجلس المتّكأ. والخطب: الشأن المهم من حالة أو حادثة. قيل: سمي خطباً لأنه يقتضي أن يخاطِب المرء صاحبه بالتساؤل عنه. وقيل: هو مأخوذ من الخُطبة، أي يُخطب فيه، وإنما تكون الخطبة في أمر عظيم، فأصله مصدر بمعنى المفعول، أي مخطوب فيه. وجملة {قلن} مفصولة لأجل كونها حكاية جواب عن كلام الملك أي قالت النسوة عدا امرأة العزيز، بقرينة قوله بعد: {قالت امرأة العزيز}. و{حاش لله} مبالغة في النفي والتنزيه. والمقصود: التبرؤ مما نسب إليهن من المراودة. وقد تقدم تفسيرها آنفاً واختلاف القراء فيها. وجملة {ما علمنا عليه من سوء} مبينة لإجمال النفي الذي في {حاش لله}. وهي جامعة لنفي مراودتهن إياه ومراودته إياهن لأن الحالتين من أحوال السوء. ونفي علمهن ذلك كناية عن نفي دعوتهن إياه إلى السوء ونفي دعوته إياهن إليه لأن ذلك لو وقع لكان معلوماً عندهن، ثم إنهن لم يزدن في الشهادة على ما يتعلق بسؤال الملك فلم يتعرضن لإقرار امرأة العزيز في مجلسهن بأنها راودته عن نفسه فاستعصم، خشيةً منها، أو مودّةً لها، فاقتصرن على جواب ما سُئلن عنه. وهذا يدل على كلام محذوف وهو أن امرأة العزيز كانت من جملة النسوة اللاتي أحضرهن الملك. ولم يشملها قول يوسف ـــ عليه السّلام ـــ: { أية : ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } تفسير : [سورة يوسف: 5] لأنها لم تقطّعْ يدها معهن، ولكن شملها كلام الملك إذ قال: {إذ راودتن يوسف عن نفسه} فإن المراودة إنما وقعت من امرأة العزيز دون النسوة اللاتي أعدّت لهن متكئاً، ففي الكلام إيجاز حذف. وجملة {قالت امرأة العزيز} مفصولة لأنها حكاية جواب عن سؤال الملك. والآن: ظرف للزمان الحاضر، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : الآن خفف الله عنكم } تفسير : في سورة الأنفال (66). و{حصحص}: ثبت واستقر. و{الحق}: هو براءة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ مما رمته به امرأة العزيز، وإنما ثبت حينئذٍ لأنه كان محل قيل وقال وشك، فزال ذلك باعترافها بما وقع. والتعبير بالماضي مع أنه لم يثبت إلا من إقرارها الذي لم يسبق لأنه قريب الوقوع فهو لتقريب زمن الحال من المضي. ويجوز أن يكون المراد ثبوت الحق بقول النسوة {ما علمنا عليه من سوء} فيكون الماضي على حقيقته. وتقديم اسم الزمان للدلالة على الاختصاص، أي الآن لا قبله للدلالة على أن ما قبل ذلك الزمان كان زمنَ باطل وهو زمن تهمة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بالمراودة، فالقصر قصر تعيين إذ كان الملك لا يدري أي الوقتين وقتُ الصدق أهو وقت اعتراف النسوة بنزاهة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ أم هو وقت رمي امرأة العزيز إياه بالمراودة. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في جملة {أنا راودته} للقصر، لإبطال أن يكون النسوة راودنه. فهذا إقرار منها على نفسها، وشهادة لغيرها بالبراءة، وزادت فأكدت صدقه بـــ (إن) واللام. وصيغة {من الصادقين} كما تقدم في نظائرها، منها قوله تعالى: { أية : قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين } تفسير : في سورة الأنعام (56).
الواحدي
تفسير : {ما خطبكنَّ} ما قصتكنَّ وما شأنكنَّ {إذ راودتنَّ يوسف عن نفسه} جمعهنَّ في المُراوَدة؛ لأنَّه لم يعلم مَنْ كانت المُراوِدة {قلن حاشَ لله} بَعُدَ يوسف عمَّا يُتَّهم به {ما علمنا عليه من سوء} من زنا، فلمَّا برَّأْنَهُ أقرَّت امرأة العزيز فقالت: {الآن حصحص الحق} أَيْ: بان ووضح، وذلك أنَّها خافت إنْ كذَّبت شهدت عليها النِّسوة فقالت: {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} في قوله: {أية : هي راودتني عن نفسي }. تفسير : {ذلك} أَيْ: ما فعله يوسف من ردِّ الرَّسول إلى الملك {ليعلم} وزير الملك - وهو الذي اشتراه - {أني لم أخنه} في زوجته {بالغيب وأنَّ الله لا يهدي كيد الخائنين} لا يرشد مَنْ خان أمانته، أَيْ: إنَّه يفتضح في العاقبة بحرمان الهداية من الله عزَّ وجلَّ، فلمَّا قال يوسف عليه السَّلام: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال جبريل عليه السَّلام: ولا حين هممت بها يوسف، فقال: {وما أبرىء نفسي} وما أُزكِّي نفسي {إنَّ النفس لأمَّارة بالسوء} بالقبيح وما لا يحبُّ الله {إلاَّ ما} مَنْ {رحم ربي} فعصمه.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَاوَدتُّنَّ} {حَاشَ} {ٱمْرَأَتُ} {ٱلآنَ} {رَاوَدْتُّهُ} {ٱلصَّادِقِينَ} (51) - فَجَمَعَ المَلِكُ النِّسْوَةَ اللاَّتِي قَطَعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وَمَعَهُنَّ امْرَأَةُ العَزِيزِ التِي كَانَ يُوسُفُ فِي بَيْتِهَا، وَاتَّهَمَتْهُ بِمُرَاوَدَتِها عَنْ نَفْسِهَا، وَسَأَلَهُنَّ المَلِكُ عَنْ حَالِهِنَّ مَعَ يُوسُفَ، وَمَا اتَّهَمْنَهُ بِهِ مِنْ مُرَاوَدَتِهِ إِيَّاهُنَّ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ (وَهُوَ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِسُؤَالِهِ امْرَأَةَ العَزِيزِ). فَقُلْنَ: حَاشَ للهِ لَمْ نَعْرِفْ عَلَيْهِ سُوءاً، وَمَا عَرَفْنَا مِنْهُ إِلا طُهْراً وَعِفَّةً وَوَقَاراً. وَهُنَا اعْتَرَفَتْ امْرَأَةُ العَزِيزِ بِفِعْلِهَا، فَقَالَتْ لَقَدْ حَانَ الوَقْتُ لإِظْهَارِ الحَقِّ، وَجَلاَءِ مَا خَفِيَ، وَإِنَّهَا هِيَ التِي رَاوَدَتْ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ صَادِقٌ فِيمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهَا هِيَ التِي رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَمْسَكَ بِعِصْمَتِهِ، وَأَنَّهُ هَرَبَ مِنْهَا نَحْوَ البَابِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونعلم أن المُرَاودة الأولى ليوسف كانت من امرأة العزيز؛ واستعصم يوسف، ثم دَعَتْ هي النسوة إلى مجلسها؛ وقطَّعْنَ أيديهن حين فُوجئْنَ بجمال يوسف عليه السلام، وصدرت منهن إشارات، ودعوات إثارة وانفعال. قال عنها يوسف ما أورد الحق سبحانه: {أية : وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [يوسف: 33]. واستدعاهن الملك، وسألهن: {مَا خَطْبُكُنَّ ..} [يوسف: 51]. والخَطْب: هو الحَدَثْ الجَلَل، فهو حدث غير عادي يتكلم به الناس؛ فهو ليس حديثاً بينهم وبين أنفسهم؛ بل يتكلمون عنه بحديث يصل إلى درجة تهتز لها المدينة؛ لأن مثل هذا الحادث قد وقع. ولذلك نجد إبراهيم عليه السلام، وقد قال لجماعة من الملائكة: {أية : قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ}تفسير : [الذاريات: 31-32]. أي: أن الملائكة طمأنتْ إبراهيم عليه السلام؛ فهي في مهمة لعقاب قوم مجرمين. وموسى عليه السلام حين عاد إلى قومه، ووجد السامري قد صنع لهم عِجْلاً من الذهب الذي أخذوه من قوم فرعون نجده يقول للسامري: {أية : قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ} تفسير : [طه: 95]. وقَوْل الملك هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ..} [يوسف: 51]. يدلُّ على أنه قد سمع الحكاية بتفاصيلها فاهتزَّ لها؛ واعتبرها خَطْباً؛ مما يوضح لنا أن القيم هي القيم في كل زمان أو مكان. وبدأ النسوة الكلام، فقُلْنَ: {حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ..} [يوسف: 51]. ولم يذكُرْنَ مسألة مُرَاودتهِنَّ له، وكان الأمر المهم هو إبراء ساحة يوسف عند المَلِك. وقولهن: {حَاشَ للَّهِ ...} [يوسف: 51] أي: نُنزِّه يوسف عن هذا، وتنزيهُنَا ليوسف أمْرٌ من الله. وهنا تدخلتْ امرأة العزيز: {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ ..} [يوسف: 51]. أي: أنها أقرَّتْ بأنه لم يَعُدْ هناك مجال للستر، ووضح الحقُّ بعد خفاء، وظهرتْ حِصَّة الحق من حِصَّة الباطل، ولا بُدَّ من الاعتراف بما حدث: {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [يوسف: 51]. وواصلت امرأة العزيز الاعتراف في الآية التالية: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} معناهُ السَّاعةُ وَضَحَ الحَقُّ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قَالَ} [يوسف: 51] يعني: الروح للأوصاف الإنسانية، {مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} [يوسف: 51] أي: يوسف القلب هل رأيتن فيه مناسبة حتى ملن إليه؟ {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ} [يوسف: 51] يناسب حالنا، {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} [يوسف: 51] ظهر الحق وخفي الباطل إذا الأوصاف الإنسانية شاهدة جمال يوسف القلب وعزته في طلب الحق وترك زليخاء الدنيا، {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} بكمال جماله حاله ونقصان قبيح حالي، {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [يوسف: 51] في طلب الحق، وترك متابعة الهوى في طلب الدنيا. {ذٰلِكَ} [يوسف: 52] الرد من الرسول لنفسه؛ أي: طلب الروح، {لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} [يوسف: 52] يشير إلى كلام القلب المنظور بنظر العناية أنه لمَّا غاب عن حضرة الروح؛ لانشغاله بتربية النفس والقالب وتدبير مصالحهما ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها، {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} [يوسف: 52] أي: لا يرشد كيد من خانه؛ أي: بائع الدين بالدنيا.
همام الصنعاني
تفسير : 1318- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ}. [الآية: 51]، قال: تبين الحق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):