Verse. 1648 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ اَنِّىْ لَمْ اَخُنْہُ بِالْغَيْبِ وَاَنَّ اللہَ لَا يَہْدِيْ كَيْدَ الْخَاۗىِٕنِيْنَ۝۵۲
Thalika liyaAAlama annee lam akhunhu bialghaybi waanna Allaha la yahdee kayda alkhaineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» أي طلب البراءة «ليعلم» العزيز «أني لم أخنه» في أهله «بالغيب» حال «وأن الله لا يهدي كيد الخائنين» ثم تواضع لله فقال.

52

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} ٱختلف فيمن قاله، فقيل: هو من قول ٱمرأة العزيز، وهو متصل بقولها: {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} أي أقررتُ بالصدق ليعلم أني لم أخنه بالغيب أي بالكذب عليه، ولم أذكره بسوء وهو غائب، بل صدقت وحدت عن الخيانة؛ ثم قالت: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} بل أنا راودته؛ وعلى هذا هي كانت مقرّة بالصانع، ولهذا قالت: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقيل: هو من قول يوسف؛ أي قال يوسف: ذلك الأمر الذي فعلته، من رد الرسول «لِيَعْلَمَ» العزيز «أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» قاله الحسن وقَتَادة وغيرهما. ومعنى «بالغيب» وهو غائب. وإنما قال يوسف ذلك بحضرة الملك، وقال: «لِيَعْلَمَ» على الغائب توقيراً للملك. وقيل: قاله إذ عاد إليه الرسول وهو في السجن بعدُ؛ قال ٱبن عباس: جاء الرسول إلى يوسف عليه السلام بالخبر وجبريل معه يحدثه؛ فقال يوسف: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} أي لم أَخُنْ سيّدي بالغيب؛ فقال له جبريل عليه السلام: يا يوسف! ولا حين حَلَلْت الإزار، وجلست مجلس الرجل من المرأة؟ٰ فقال يوسف: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} الآية. وقال السّديّ: إنما قالت له ٱمرأة العزيز ولا حين حَلَلْتَ سراويلك يا يوسف؟ٰ فقال يوسف: «وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي». وقيل: «ذَلِكَ لِيَعْلَمَ» من قول العزيز؛ أي ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، وأني لم أغفل عن مجازاته على أمانته. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} معناه أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم. قوله تعالى: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} قيل: هو من قول المرأة. وقال القُشَيْريّ: فالظاهر أن قوله: «ذَلِكَ لِيَعْلَمَ» وقوله: «وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي» من قول يوسف. قلت: إذا ٱحتمل أن يكون من قول المرأة فالقول به أولى حتى نبرّىء يوسف من حَلّ الإزار والسّراويل؛ وإذا قدرناه من قول يوسف فيكون مما خطر بقلبه، على ما قدّمناه من القول المختار في قوله: «وَهَمَّ بِهَا». قال أبو بكر الأنباريّ: من الناس من يقول: «ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» إلى قوله: «إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ» من كلام ٱمرأة العزيز؛ لأنه متصل بقولها: «أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ» وهذا مذهب الذين ينفون الهمّ عن يوسف عليه السلام؛ فمن بنى على قولهم قال: من قوله: «قَالَتِ آمْرَأَةُ الْعَزِيزِ» إلى قوله: «إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ» كلام متصل بعضه ببعض، ولا يكون فيه وقف تام على حقيقة؛ ولسنا نختار هذا القول ولا نذهب إليه. وقال الحسن: لما قال يوسف: «ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» كره نبيّ الله أن يكون قد زكّى نفسه فقال: «وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي» لأنّ تزكية النفس مذمومة؛ قال الله تعالى: {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [النجم: 32] وقد بيّناه في «النساء». وقيل: هو من قول العزيز؛ أي وما أبرىء نفسي من سوء الظن بيوسف. {إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ} أي مشتهية له. {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} في موضع نصب بالاستثناء؛ و«ما» بمعنى مَنْ؛ أي إلا مَن رحم ربي فعصمه؛ و«ما» بمعنى من كثير؛ قال الله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3] وهو ٱستثناء منقطع، لأنه ٱستثناء المرحوم بالعصمة من النفس الأمارة بالسوء؛ وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما تقولون في صاحب لكم إن أنتم أكرمتموه وأطعمتموه وكسوتموه أفضى بكم إلى شرّ غاية وإن أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب في الأرض. قال: «فوالذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم».

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } أي طلب البراءة {لِيَعْلَمَ } العزيز {أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ } في أهله {بِٱلْغَيْبِ } حال {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَٰئِنِينَ } ثم تواضع لله تعالى فقال:.

ابن عطية

تفسير : قالت جماعة من أهل التأويل: هذه المقالة هي من يوسف عليه السلام، وذلك: {ليعلم} العزيز سيدي {أني لم أخنه} في أهله وهو غائب، وليعلم أيضاً أن الله تعالى {لا يهدي} كيد خائن ولا يرشد سعيه. قال القاضي أبو محمد: والهدى للكيد مستعار، بمعنى لا يكلمه ولا يمضيه على طريق إصابة، ورب كيد مهدي إذا كان من تقي في مصلحة. واختلفت هذه الجماعة فقال ابن جريج: هذه المقالة من يوسف هي متصلة بقوله للرسول: {أية : إن ربي بكيدهن عليم} تفسير : [يوسف: 50]، وفي الكلام تقديم وتأخير، فالإشارة بقوله: {ذلك} - على هذا التأويل - هي إلى بقائه في السجن والتماسه البراءة أي هذا ليعلم سيدي أني لم أخنه. وقال بعضهم: إنما قال يوسف هذه المقالة حين قالت امرأة العزيز كلامها، إلى قولها: {أية : وإنه لمن الصادقين} تفسير : [يوسف: 51] فالإشارة - على هذا - إلى إقرارها، وصنع الله تعالى فيه، وهذا يضعف، لأنه يقتضي حضوره مع النسوة عند الملك، وبعد هذا يقول الملك: {أية : ائتوني به} تفسير : [يوسف: 54]. وقالت فرقة من أهل التأويل: هذه الآية من قول امرأة العزيز، وكلامها متصل، أي قولي هذا وإقراري ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته بأن أكذب عليه أو أرميه بذنب هو بريء منه؛ والتقدير - على هذا التأويل توبتي وإقراري ليعلم أني لم أخنه وأن الله لا يهدي.. وعلى أن الكلام من يوسف يجيء التقدير: وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين. وقوله تعالى: {وما أبرىء نفسي} الآية، هذه أيضاً مختلف فيها هل هي من كلام يوسف أم من كلام المرأة، حسب التي قبلها: فمن قال من كلام يوسف روى في ذلك: عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما قال يوسف: {أني لم أخنه بالغيب} قال له جبريل: ولا حين هممت وحللت سراويلك، وقال نحوه ابن عباس وابن جبير وعكرمة والضحاك. وروي أن المرأة قالت له ذلك، قاله السدي، وروي أن يوسف تذكر من تلقائه ما كان هم به فقال: {وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء}، قاله ابن عباس أيضاً. ومن قال: إن المرأة قالت {وما أبرىء نفسي} فوجه كلامها الاعتذار عن وقوعها فيما يقع فيه البشر من الشهوات، كأنها قالت: وما هذا ببدع ولا ذلك نكير على البشر فأبرىء أنا منه نفسي، والنفوس أمارات بالسوء مائلة إليه. و {أمارة} بناء مبالغة، و {ما} في قوله: {إلا ما رحم} مصدرية، هذا قول الجمهور فيها، وهو على هذا. استثناء منقطع، أي إلا رحمة ربي، ويجوز أن تكون بمعنى "من"، هذا على أن تكون النفس يراد بها النفوس إذ النفس تجري صفة لمن يعقل كالعين والسمع، كذا قال أبو علي، فتقدير الآية: إلا النفوس التي يرحمها الله. قال القاضي أبو محمد: وإذن النفس اسم جنس، فصح أن تقع {ما} مكان "من" إذ هي كذلك في صفات من يعقل وفي أجناسه، وهو نص في كلام المبرد، وهو - عندي - معنى كلام سيبويه، وهو مذهب أبي علي - ذكره في البغداديات. ويجوز أن تكون {ما} ظرفية، المعنى: أن النفس لأمارة بالسوء إلا مدة رحمة الله العبد وذهابه عن اشتهاء المعاصي. ثم ترجى في آخر الآية بقوله: {إن ربي غفور رحيم}.

ابن عبد السلام

تفسير : {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ} يوسف أني لم أكذب عليه الآن في غيبته.

البقاعي

تفسير : ولما انجلى الأمر، أمر الملك بإحضاره، ليستعين به فيما إليه من الملك، لكن لما كانت براءة الصديق أهم من ذلك - وهي المقصود من رد الرسول - قدم بقية الكلام فيها عليه، وليكون كلامه في براءته متصلاً بكلام النسوة في ذلك، والذي دل على أن ذلك كلامه ما فيه من الحكم التي لا يعرفها في ذلك الزمان غيره، فقال - بناء على ما تقديره: فلما رجع الرسول إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فأخبره بشهادتهن ببراءته قال -: {ذلك} أي الخلق العظيم في تثبتي في السجن إلى أن تبين الحق {ليعلم} العزيز علماً مؤكداً {أني لم أخنه} أي في أهله ولا في غيرها {بالغيب} أي والحال أن كلاً منا غائب عن صاحبه {و} ليعلم بإقرارها وهي في الأمن والسعة، وتثبتي وأنا في محل الضيق والخوف ما من شأنه الخفاء عن كل من لم يؤيده الله بروح منه من {وأن الله} أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال {لا يهدي} أي يسدد وينجح بوجه من لوجوه {كيد الخائنين} أي العريقين في الخيانة، بل لا بد أن يقيم سبباً لظهور الخيانة وإن اجتهد الخائن في التعمية؛ والخيانة: مخالفة الحق بنقض العهد العام. وضدها الأمانة، والغدر: نقضه خاصاً، والمعنى أني لما كنت بريئاً سدد الله أمري، وجعل عاقبتي إلى خير كبير وبراءة تامة، ولما كان غيري خائناً، أنطقه الله بالإقرار بها. ولما كان ذلك ربما جر إلى الإعجاب، قال: {وما أبرىء} أي تبرئة عظيمة {نفسي} عن مطلق الزلل وإن غلبه التوفيق والعصمة، أي لم أقصد بالبراءة عما تقدم مجرد التزكية للنفس، وعلل عدم التبرئة بقوله - مؤكداً لما لأكثر الناس من الإنكار، أو لأن اتباعهم لأهويتهم فعل من ينكر فعل الأمارة -: {إن النفس} أي هذا النوع {لأمارة} أي شديدة الأمر {بالسوء} أي هذا الجنس دائماً لطبعها على ذلك في كل وقت {إلا ما} أي وقت أن {رحم ربي} بكفها عن الأمر به أو بستره بكفها عن فعله بعد إطلاقها على الأمر به، أو إلا ما رحمه ربي من النفوس فلا يأمر بسوء؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكداً دفعاً لظن من يظن أنه لا توبة له: {إن ربي} أي المحسن إليّ {غفور} أي بليغ الستر للذنوب {رحيم *} أي بليغ الإكرام لمن يريد. ولما أتم ما قدمه مما هو الأهم - من نزاهة الصديق، وعلم الملك ببراءته وما يتبعها - على ما كان قلبه من أمر الملك بإحضاره إليه، أتبعه إياه عاطفاً له على ما كان في نسقه من قوله { قال ما خطبكن} فقال: {وقال الملك} صرح به ولم يستغن بضميره كراهية الإلباس لما تخلل بينه وبين جواب امرأة العزيز من كلام يوسف عليه الصلاة والسلام، ولو كان الكل من كلامها لاستتغنى بالضمير ولم يحتج إلى إبرازه {ائتوني به أستخلصه} أي أطلب وأوجد خلوصه {لنفسي} أي فلا يكون لي فيه شريك، قطعاً لطمع العزيز عنه، ودفعاً لتوهم أنه يرده إليه، ولعل هذا هو مراد يوسف عليه الصلاة والسلام بالتلبث في السجن إلى إنكشاف الحال، خوفاً من أن يرجع إلى العزيز فتعود المرأة إلى حالها الأولى فيزداد البلاء. ولما كان التقدير: فرجع رسول الملك إليه فأخبره أن الملك سأل النسوة فقلن ما مضى، وأمر بإحضاره ليستخلصه لنفسه، فقال يوسف عليه الصلاة والسلام ما تقدم من تلك الحكم البالغة، وأجاب أمر الملك فأتى إليه بعد أن دعا لأهل السجن فقال: اللهم! عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار، وكتب على باب السجن: هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وبيوت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء. ثم اغتسل وتنظف ولبس ثياباً جدداً وقصد إليه، عطف عليه بالفاء - دليلاً على إسراعه في ذلك - قوله: {فلما كلمه} وشاهد الملك فيه ما شاهد من جلال النبوة وجميل الوزارة وخلال السيادة ومخايل السعادة {قال} مؤكداً تمكيناً لقوله دفعاً لمن يظن أنه بعد السجن وما قاربه لا يرفعه هذه الرفعة: {إنك اليوم} وعبر بما هو لشدة الغرابة تمكيناً للكلام أيضاً فقال: {لدينا مكين} أي شديد المكنة، من المكانة، وهي حالة يتمكن بها صاحبها من مراده {أمين *} من الأمانة، وهي حال يؤمن معها نقض العهد، وذلك أنه قيل: إن الملك كان يتكلم بسبعين لساناً فكلمه بها، فعرفها كلها، ثم دعا للملك بالعبراني، فلم يعرفه الملك فقال له: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي، فعظم عنده جداً، فكأنه قيل: فما قال الصديق؟ فقيل: {قال} ما يجب عليه من السعي في صلاح الدين والدنيا {اجعلني} قيماً {على خزائن الأرض} أي أرض مصر التي هي لكثرة خيرها كأنها الأرض؛ ثم علله بما هو مقصود الملوك الذي لا يكادون يقفون عليه فقال: {إني حفيظ} أي قادر عل ضبط ما إليّ أمين فيه {عليم *} أي بالغ العلم بوجوه صلاحه واستنمائه فأخبر بما جمع الله له من أداتي الحفظ والفهم، مع ما يلزم الحفظ من القوة والأمانة، لنجاة العباد مما يستقبلهم من السوء، فيكون ذلك سبباً لردهم عن الدين الباطل إلى الدين الحق. ولما سأل ما تقدم، قال معلماً بأنه أجيب بتسخير الله له: {وكذلك} أي ومثل ما مكنا ليوسف في قلب الملك من المودة والاعتقاد الصالح وفي قلوب جميع الناس، ومثل ما سأل من التمكين {مكنا} أي بما لنا من العظمة { ليوسف في الأرض} أي مطلقاً لا سيما أرض مصر بتولية ملكها إياه عليها {يتبوأ} أي يتخذ منزلاً يرجع إليه، من باء - إذا رجع {منها حيث يشاء} بإنجاح جميع مقاصده، لدخولها كلها تحت سلطانه. لتبقى أنفس أهل المملكة وما ولاها على يده، فيجوز الأجر وجميل الذكر مع ما يزيد يه من علو الشأن وفخامة القدر، فكأنه قيل: لم كان هذا؟ فقال: لأمرين: أحدهما أن لنا الأمر كله {نصيب} على وجه الاختصاص {برحمتنا} بما لنا من العظمة {من نشاء} من مستحق فيما ترون وغيره، لا نسأل عما نفعل، وقد شئنا إصابة يوسف بهذا، والثاني أنه محسن يعبد الله فانياً عن جميع الأغيار {و} نحن {لا نضيع} بوجه {أجر المحسنين *} أي العريقين في تلك الصفة وإن كان لنا أن نفعل غير ذلك؛ روى أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم في أول فتوح مصر من طريق الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فأتاه الرسول فقال: ألق عنك ثياب السجن، والبس ثياباً جدداً، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلما أتاه رأى غلاماً حدثاً فقال: أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة! وأقعده قدامه ثم قال: قال عثمان - يعني ابن صالح - وغيره في حديثهما: فلما استنطقه وسايله عظُم في عينه، وجل أمره في قلبه، فدفع إليه خاتمة وولاه ما خلف بابه - ورجع إلى ابن عباس قال: وضرب بالطبل بمصر أن يوسف خليفة الملك؛ وعن عكرمة أن فرعون قال ليوسف: قد سلطتك على مصر غير أني أريد أن أجعل كرسيّ أطول من كرسيك بأربع أصابع! قال يوسف: نعم.

ابو السعود

تفسير : {ذٰلِكَ} أي ذلك التثبـيتُ المؤدي إلى ظهور حقيقة الحال {لِيَعْلَمَ} أي العزيز {أَنّى لَمْ أَخُنْهُ} في حرمته كما زعمه لا علماً مطلقاً فإن ذلك لا يستدعي تقديمَ التفتيشِ على الخروج من السجن بل قبل ما ذكر من نقص ما أبرمه ولعله لمراعاة حقوقِ السيادةِ لأن المباشرَة للخروج من حبسه قبل ظهورِ بُطلانِ ما جعله سبباً له ـ وإن كان ذلك بأمر الملك ـ مما يوهم الافتياتَ على رأيه، وأما أن يكون ذلك لئلا يُتمكن من تقبـيح أمرِه عند ذلك تمحلاً لإمضاء ما قضاه فلا يليق بشأنه عليه السلام في الوثوق بأمره والتوكل على ربه جل جلاله {بِٱلْغَيْبِ} أي بظهر الغيبِ وهو حالٌ من الفاعل أو المفعول أي لم أخُنه وأنا غائبٌ عنه أو وهو غائبٌ عني أو ظرف أي بمكان الغيب وراءَ الأستار والأبوابِ المغلقة، وأياً ما كان فالمقصودُ بـيانُ كمالِ نزاهتِه عن الخيانة وغايةِ اجتنابه عنها عند تعاضد أسبابِها {وَأَنَّ ٱللَّهَ} أي وليعلم أنه تعالى {لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ} أي لا يُنفِذه ولا يسدّده بل يُبطله ويُزهِقه أو لا يهديهم في كيدهم إيقاعاً للفعل على الكيد مبالغة كما في قوله تعالى: {أية : يُضَـٰهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }تفسير : [التوبة: 30] أي يضاهئونهم في قولهم، وفيه تعريضٌ بامرأته في خيانتها أمانتَه وبه في خيانته أمانةَ الله تعالى حين ساعدها على حبسه بعد ما رأوا آياتِ نزاهتِه عليه السلام ويجوز أن يكون ذلك لتأكيد أمانته وأنه لو كان خائناً لما هدى الله عز وجل أمره وأحسن عاقبتَه. {وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى} أي لا أنزّهها عن السوء قاله عليه السلام هضماً لنفسه الكريمة البريئةِ عن كل سوء وربأً بمكانها عن التزكية والإعجاب بحالها عند ظهورِ كمالِ نزاهتِها على أسلوب قوله عليه السلام: «حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر»تفسير : أو تحديثاً بنعمة الله عز وجل عليه وإبرازاً لسره المكنونِ في شأن أفعال العبادِ أي لا أنزهها عن السوء من حيث هي هي، ولا أُسند هذه الفضيلةَ إليها بمقتضى طبعِها من غير توفيقٍ من الله عز وعلا {أَنَّ ٱلنَّفْسَ} البشريةَ التي من جملتها نفسي في حد ذاتِها {لامَّارَةٌ بِٱلسُّوء} مائلةٌ إلى الشهوات مستعمِلةٌ للقوى والآلاتِ في تحصيلها بل إنما ذلك بتوفيق الله وعصمته ورحمتِه كما يفيده قوله: {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى} من النفوس التي يعصمها من الوقوع في المهالك ومن جملتها نفسي أو هي أمارةٌ بالسوء في كل وقت إلا وقتَ رحمةِ ربـي وعصمتِه لها، وقيل: الاستثناءُ منقطعٌ أي لكنْ رحمةٌ بـي هي التي تصرِف عنها السوء كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً}تفسير : [يس: 43, 44] {إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ} عظيمُ المغفرة لما يعتري النفوسَ بموجب طباعِها ومبالِغٌ في الرحمة لها بعصمتها من الجريان بمقتضى ذلك، وإيثارُ الإظهار في مقام الإضمارِ مع التعرض لعنوان الربوبـيةِ لتربـية مبادىءِ المغفرةِ والرحمة، وقيل: إلى هنا من كلام امرأةِ العزيز، والمعنى ذلك الذي قلتُ ليعلم يوسفُ عليه السلام أني لم أخُنه ولم أكذِب عليه في حال الغَيبة وجئت بما هو الحقُّ الواقعُ وما أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة حيث قلت في حقه ما قلت وفعلتُ به ما فعلت، إن كل نفس لأمارةٌ بالسوء إلا ما رحم ربـي أي إلا نفساً رحِمها الله بالعصمة كنفس يوسفَ إن ربـي غفورٌ لمن استغفر لذنبه واعترف به رحيمٌ له، فعلى هذا يكون تأنّيه عليه السلام في الخروج من السجن لعدم رضاه عليه السلام بملاقاة الملكِ وأمرُه بَـيْنَ بـينَ ففعل ما فعل حتى يتبـين نزاهتُه وأنه إنما سجن بظلم عظيم مع ما له من الفضل ونباهةِ الشأن ليتلقاه الملك بما يليق به من الإعظام والإجلال وقد وقع.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}[52] قال: لم أنقض له عهداً، ولم أكشف له ستراً.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ}. إنما أراد اللَّهُ أن يُظْهِرَ براءةَ ساحةِ يوسف، لأنه علم أنهم يستحقون العقوبة على ما يبسطون فيه من لسان الملامة وذكر القبيح، ولم يُرِدْ يوسف أن يصيبَهم بسببه - من قِبلِ اللَّهِ - عذابٌ شَفَقَةً منه عليهم، وهذه صفةُ الأولياءِ: أن يكونوا خَصْمَ أَنْفسِهم، ولهذا قيل: الصوفي دمه هَدرٌ ومِلْكُه مُبَاحُ - ولذلك قال: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. لمَّا تمدَّح بقوله: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} كأنه نودي في سِرِّه: ولا حين همَمْتَ؟ فقال::{وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ}. ويقال: قوله: {لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} بيانُ الشكر على ما عصمه الله، وقوله: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} بيانُ العُذْرِ لما قصَّر في أمر الله، فاستوجب شكرُه زيادةَ الإحسان، واستحقَّ بعذره العفوَ. والعفو بادٍ من قوله: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}. لما اتضحت للملِك طهارةُ فِعْلِه ونزاهةُ حالِه استحضره لاستصفائه لنفسه، فلمَّا كَلَّمَه وسَمِعَ بيانَه رَفَعَ مَحلَّه ومكانه، وضمنه بِرَّه وإحسانَه، فقال: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} اخبر الله سبحانه ان يوسف لما دعى من السجن لم يبادر سريعا الى الخروج حتى تفحص شان النسوة وزليخا حين قالت لسيدها اجزاء من اراد باهلك سوءا بقوله ما بال النسوة اللاتى قطعن ايديهن انظر كيف كان ادبه عليه السلام حيث لم يذكر زليخا وذكر النسوة وغرضه فى ذلك زليخا ولكن اخرج نفسه من محل التهمة باللطف والرمز فيه كانه قال للرسول ما بال بالنسوة اللاتى قطعن ايديهن فى وجهى واستغراقهن فى حبى كانه تكلم من المسره من الام سرهن وفيه ما فيه من لطائف الاشارات وغرضه من تفحص اثبات الحجة على قومه وبيان طهارته من علة الزنا حتى لا يشوش اعتقادهم فى شان نبوته ورسالته لا انه ينظر الى الخلق وجاههم فانه كان فى محل التمكين من التوكل والرضا فقوله ذلك ليعلم انى لم اخنه بالغيب مظنة هذه المعانى لم اخنه فى غيبته بنظر السوء الى اهله وايضا لم اخنه فى غيب خاطرى بميل سرى الى غير الله وكيف احزن وهو تعالى لا يهدى الخاين الى مراده لان من خان لا يظفر بما يريد ولا يهدى من طبعه الخياننة الى محبته ومعرفته ومشاهدته قال ابن عطا لم === فيما يتمنى من الاهل والمال وقال سهل لم انقض له عهد ولم اكشف له سر او قال الاستاد فى قوله ليعلم انى لم اخنه بالغيب بيان الشكر ما عصمت الله ولما قال انى لم اخنه بالغيب عارضه لسان الحق فى السر فيما هم بقوله ولقد همت بها وهم بها وقال اهل التفسير لما قال يوسف هذه المقالة قال له جبرئيل ولا حين همت بها فلما سمع يوسف اصوات الغيب بتغيير سره ادرك ما فاته من غيبته عن مراعاة النفس ولزم لسانها بالدعاوى واعتذر بقوله {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} مقالة الاولى من يوسف خبر عن بدايته فى وقوعه فى البلاء وهناك جبلته النبوة المقدسة عن التهمة وما جرت فى البين هو لطيفة الله من قهره وامتحانه وغلبة قدره السابق على رسوم الامر وما ذكر فى العذر خبر من تلك اللطيفة وافهم ان سر قوله وما ابرئ نفسى ان النفس لامارة بالسوء ان هذه النفس ليست لشيطان ولا قلب ولا ملك ولا عقل ولا شئ له اعين يتبين لاحد فبعضهم يسمى النفس الهوة وبعضهم يسمى النفس الطبيعة والبشرية وميلها الى الشهوة يسمى النفس وهذه الاقوال هى صورة رسوم العلم وحقيقتها والله اعلم انها هى وجود قهر القدم يظه رفغلبته فى الفعل ويحرك طباع الانسانية المستعدة المخلوقة لقبول ما يصدر من القهريات مما يؤول اواخره الى سخط الله وامتحانه وحجابه فالقوم حكموا بما صدر من القهر انه نفس وانا ارجع الى الاصل لان القهر صفة دائمة ازلية محركة طباع البشر الى طلب الشهوات ولا يطيق احد ان يخرج من تحته الا بلطف الله بقوله الا ما رحم ربى لانه صفة غالبة على جميع الذرات وهو صفة الله سبحانه وهو نفس النفس لان ذاته تعالى موصوف بصفت القهر وان قهره حار جميع الحدثان تحت غلبته ومن يدعى ان يبعد نفسه من سلطان قهره بقوله وما ابرئ نفسى اى ما ابرئ نفسى من غلبة قهر الله عليها وانها مقهورة بين يديه وايضا ما ابرئ نفس النفس عن القهر والغلبة فان نفس النفس امارة الى ما يقتضى القهر وما يقتضى القهر يقتضى الامتحان وما يقتضى الامتحان يقتضى الملامة فى رسوم العلم وقوله الا ما رحم ربى اى الا من عصمه الحق بلطفه عن قهره واشار بهذا الى وجوده حين عصمت بلطفه عن قهره وقوله وما ابرئ نفسى اثبات ما جرى من الهمت اى ما ابرئ نفسى من الهمت التى همت بها وهذا محل من عرف سر القهر وسر الخطاب وسر الامتحان وسر النفس وغلبة الربوبية بقوله عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه ولما عرف حقائق النفس صلى الله عليه وسلم استعاذ منها الا الاصل وقال اعوذ برضاك من سخطك واعوذ بمعافاتك من عقوبتك واعلمنا عليه السلام انه تعالى نفس النفوس بقوله اعوذ بك منك ومن اراد ان برأ نفسه فقد نازع الربوبية فان النفس اصل القدر السابق على ما جرى من البلاء والامتحان الا ترى الى قوال الواسطى كيف قال من لام نفسه فقد اشرك وقال ايضا رؤية التقصير من النفس شرك لان من لاحظ نفسا من نفسه فقد جحد الازلية للحق ومن لام نفسه فى شئ من اموره فقد اشرك لانه اضاف الى نفسه ما لم يكن منه قط وقال ابن عطا ما ابرئ نفسى بنفسى انما ابرئ نفسى ربى قال ابو حفص من لم يتهم نفسه على دوام الاوقات ولم يخالفها فى جميع الحوال ولم يجرها الى مكروهها ومخالفتها فى سائر ايامه كان مغرورا ومن نظر اليها بامتحان شئ منها فقد اهلكها وكيف يصح لاقل رضى نفسه والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكرين يقول وما ابرئ نفسى ان النفس لامارة بالسوء تحملك على الطاعة وتضمن فيها شر او قال سهل خلق الله النفس وجعل طبعها الجهل وجعل الهوى اقرب الاشياء منها وجعل الهوى الباب الذى منه هلاك الخلق قال الله تعالى ان النفس لامارة بالسوء هى نفس الروح والروح هو نفس الجسد وقال سهل النفس الامارة هى الشهوة والنفس المطمئنة هى نفس المعرفة وقال ابو حفص النفس ظلمة كلها وسراجها سرها ونور سراجها التوفيق فمن لم يصحبه توفيق فى سره من ربه كان ظلمة كلها وقال سهل ان النفس لامارة بالسوء موضع الطبع الا ما رحم ربى موضع العصمة وقال الواسطى النفس ظلمة وسراجها سرها فمن يكن له فهم فى ظلمة ابدا وقال الاستاد فى قوله وما ابرئ نفسى بيان العذر لما قصر فى امر الله فاستوجب واستحق بعذره العفو والغفران فلما ثبت الحجة والسلطان وظهر قدسه وطهارته من علل الشيطان طمع الملك فى ان راه ويعظمه بقوله {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} اى استخلصه لموعظة نفسى ليعرفنى طريق نجاة نفسى من عذاب الله وايضا استخلصه بخالص محبتى له ليعرفنى خالص محبة الله وخصائص صفة ربوبيته وايضا استخلصه لنفسى حتى افش عنده ما فى نفسى من اسرارى قال ابن عطا كيف يستخلصه لنفسه وقد استخلصه الحق من قبل فهو لديه من المخلصين قوله تعالى {فَلَمَّا كَلَّمَهُ} اخبره عما فى ضمائره من اسرار الغيب وما فى غيب الغيب وما يتعلق بصفاء العقول وما فى حيات القلوب وما كان من وصف الله وصف الطريق اليه بلسان فصيح ووجه صبيح الذى يبرز نور الحق منه للعالمين {قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} اى انت بما تخبر من الحق واسراره متمكن امين فما اودع الله فى شرك من النبوة والرسالة والولاية حيث يشهد بصدقك جمالك وجلالك فان معنى الباطن يظهر من ظاهرك انت عندنا ذا مكانة وذا امانة فاحكم بنا ما شئت فانى لا اوثر على امرك شيئا قال بعضهم راى شاهد صدق يخبر عن صدق فغلبه عز الصدق وروية صديقه فقال انك اليوم مكين امين وقال الشبلى فلما كلمه اخبر يوسف عما فى قلبه من كوامن سره فقال انك متمكن فى نفسك امين حيث اطلعت على الاسرار فاما الملك ايات الله فى بلاد الله وعباده من يوسف بجله واكرمه واعزه واختار على جميع الخلق فعلم يوسف ان ما عرف الملك فى جنب ما لم يعرفه منه اقل القليل فاظهر ما وهبه الله له من علمه بالله وبطريقه وحفظ حدوده فى شريعته وشفقته على خلقه فقال {ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} اخبر الله يوسف الملك ايضا عن مقام تمكينه وقدرته بالتصرف فى ملك الدنيا بان لا يحتجب فى تصرفها عن مشاهدة الله وملك الآخرة وليس كل من ينصرف فى الدنيا متمكن الا من كان على وصف يوسف ووصف يوسف حفظ الانفاس بالذكر وحفظ القلب بالفكر حفظ انفاسه عن الوسواس وحفظ قلبه وفكره عن ذكر غير الله عليهم بذات الله وصفاته وآياته وعبادته وايضًا انى حفيظ بنور تفرس نبوتى ما يقع من امور المقادير عليهم بعلم الله ما يجرى فى القلوب من الغيوب وخزائن الارض فى الاشارة قلوب الربانيين من الاولياء والصديقين قا لالواسطى مدح النفس قبيح فى الشاهد الانى وقت الاذن فيه وله حين واوان الا ترى يوسف كيف قال انى حفيظ عليم وقال بعضهم خزاين الارض رجالها فقال اجعلنى عليهم ومينا فانى حفيظ لما يظهرونه مكشوف لى ما يضمرونه وكذلك الانبياء صلوات الله عليهم وقال ابو سعيد الخراز ان لله عباد يدخل عليهم الخلل ولولا ذاك فسدوا وتعطلوا وذاك انهم بلغوا من العلم غاية صاروا الى علم الجهول الذى لم ينصه كتاب ولا جاء به خبر ولكن العقلاء العارفون يحتجبون له من الكتاب والسنة وذلك بحسن استنباطهم وفهومهم وهو قول يوسف اجعلنى على خزائن الارض ثم بين سبحانه تمكين يوسف ومكانته واستقلاله بنفسه فى مقام الرسالة والنبوة بقوله {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} الاشارة فيه ملك بحسنه وجماله ولطفه وكماله ارض قلوب الخلق محبة وهيبة تجلس محبته حيث شاءت فى صميم فواد الناس بقوله {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ} اضاف مكانه يوسف الى نفسه لا الى سبب من اسباب الحدثان وذلك اشارة الى سبق العناية له بالرسالة واكسائه كسوة جماله وجلاله ثم بين ان ذلك رحمته الازلية التى خص بها من يشاء من عباده {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ} رحمته كشف مشاهدته للانبياء والاولياء وتعريف نفسه بكشف الصفات لهم اياهم حتى عرفوه به وسهل عليهم طريق عرفانه حيث رفع بينه وبينه علل المجاهدات والرياضات وذلك منة عظيمة ورحمة كافية اذا كشف عزة السرمدية للادميين وما مالى بانهم لا يستحقون شهودهم مشاهدته وانى لهم مع حدوثيتهم البقاء مع القديم الازلى الابدى ويتلاشى الاكوان والحدثان فى الاول بديهة سطوات عزته وظهور مجد جلاله ولكن تجاوز عنهم وعن حدوثيتهم برحمته واراهم ما لم يكن لغيرهم من المكروبين والروحانيين لانه تعالى اختار لهم فى الازل لنفسه ولوصاله وكشف جماله ووضع اسراره فى قلوبهم اى بلغنا يوسف الى هذه المراتب السنية الرفيعة برحمتنا بعنايتنا وكرمنا هذا مكان العناية التى انقطع عندها الاسباب ثم بين انه مع جلاله ولطفه لا يضيع اجر العاملين الذين سلكوا سبيل الاعمال ليصلوا الى درجة الاحوال بقوله {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} اجر اهل الاحسان كشف الجمال مشاهدة الرحمن واحسانهم طلب طلوع صبح الازل من مشارق الابد بعيون الارواح ودوران بصائر الاسرار الا ترى الى قوله عليه الصلاة والسلام فى جوابه السائل عن الاحسان قال الاحسان ان تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك فاحسان يوسف مراقبة الله فى بلائه وذلك الاحسان والمراقبة من عصمة الله ورحمته لان العصمة مقرونة بالاصطفائية وكيف كان معصوماً من لم يسبق له الاصطفائية فى الازل وايضا احسان يوسف العفو والكرم للخاطئين وتعريف الله بوصفه وصفاته الى عباده يحبوه ويطيعوه وايضا احسان يوسف كشف جماله لاهل البلاء والقحط حتى عاشوا بالنظر الى وجهه قال الواسطى فى قوله نصيب برحمتنا من نشاء من لم يفصل بين اول هذه الاية واخرها التبست عليه آيات القران واشكلت اوله للعلماء واخره للجهال به الا ترى الى قوله نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع اجر المحسنين فبرحمته استوجب اسم الاحسان وبرحمته عرف الهداية والبيان وبرحمته اشار الى غوامض القران قال الله الرحمن علم القران وقال ابن عطا نصيب برحمتنا من نشاء بفضلنا يهدى من يشاء الى سبيل المعرفة وقال بعضهم المحسن من يرى جميع ما يجرى عليه من الاحسان منه من الحق عليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} من كلام يوم يوسف اى طلب البراءة او ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة. قال الكاشفى [ملك يوسف راببغام دادكه زنان بكناه معترف شدند بياتا بحضورتو ايشانرا عقوبت كنم يوسف فرمودكه غرض من قوبت نبود اين خواست براى آن كردم كه] {ليعلم} اى العزيز {انى لم اخنه} فى حرمه لان المعصية خيانة {بالغيب} بظهر الغيب وهو حال من الفاعل اى لم اخنه وانا غائب عنه خفى على عينه او من المفعول اى وهو غائب عنى خفى عن عينى او ظرف اى بمكان الغيب اى وراء الاستار والابواب المغلقة {وان الله} اى وليعلم ان الله {لا يهدى كيد الخائنين} اى لا ينفده ولا يسدده بل يبطله ويزهقه كما لم يسدد كيد امرأته حتى اقرت بخيانة امانة زوجها وسمى فعل الخائن كيدا لان شانه ان يفعل بطريق الاحتيال والتلبيس فمعنى هداية الكيد اتمامه وجعله مؤديا الى ما قصد به. وفيه تعريض بامرأة العزيز فى خيانتها امانته وبنفس العزيز فى خيانة امانة الله حين ساعدها على حبس يوسف بعد ما رأوا آيات نزاهته ويجوز ان يكون ذلك لتأكيد امانته وانه لو كان خائنا لما هدى الله امره واحسن عاقبته. وفيه اشارة الى ان الله تعالى يوصل عباده الصادقين بعد الغم الى السرور ويخرجهم من الظلمات الى النور. قال بعضهم كنت اقرأ الحديث من الشيخ ابى حفص وكان بقربنا حانوت عطار فجاء رجل فاخذ منه العطر بعشرة دراهم فسقط من يده ففزع الرجل فقلنا تفزع على يسير من الدنيا قال لو فزعت على الدنيا لفزعت حين سقط منى ثلاثة آلاف دينار مع جوهرة قيمتها كذاك ولكن الليلة ولد ولد لى فكلفت بلوازمه ولم يكن له غير هذه العشرة وقد ضاعت فلم يبق لى غير الفرار ففزعى لفراق الاهل والاولاد فسمع جندى قوله فاخرج كيسا فيه الدنانير والجوهرة بالعلامة التى اخبر بها الرجل ولم يؤخذ منه شيء فسبحان من ابتلى عبده اولا بالشدائد ثم انجاه: قال المولى الجامى شعر : درين دهر كهن رسميست ديرين كه بى تلخى نباشد عيش شيرين خورد نه ماه طفلى در رحم خود كه آيد بارخ جون ماه بيرون بسا سختى كه بيند لعل درسنك كه خورشيد در خشانش دهدرنك تفسير : وفى الآية دلالة على ان الخيانة من الصفات الذميمة كما ان الامانة من الخصائل المحمودة فالصلاة والصوم والوزن والكيل والعبيد والاماء والودائع كلها امانات وكذا الامامة والخطابة والتأذين ونحوها امانات يلزم على الحكام تأديتها بان يقلدوها ارباب الاستحقاق ثم فى الوجود الانفسى امانات مثل السمع والبصر واليد والرجل ونحوها وكل اولئك كان عنه مسئولا والقلب امانة فاحفظه عن الميل الى ما سوى المولى: قال الصائب شعر : ترا بكوهر دل كرده اند اما نتدار زدزدامانت حق رانكاه دار مخسب تفسير : فمن تيقن انه تعالى حاضر لديه ناظر عليه لم يجترئ على سوء الادب بموافقة النفس التى هى منبع القباحة والخيانة ـ وحكى - ان شابا كان له رائحة طيبة فقيل له لك مصرف عظيم فى تلك الرائحة فقال هى عطاء من الله تعالى وذلك ان امرأة ادخلتنى بحيلة فى بيتها وراودتنى فلطخت نفسى وثيابى بالنجاسة فخلتنى بظن الجنون فاعطانى الله تعالى تلك الرائحة ورأى الشاب فى المنام يوسف الصديق فقال له طوبى خلصك الله من تلك المرأة بدون هم منك وقد صدر منى هم اى هجوم الطبيعة البشرية وان لم يكن هناك وجود مقتضاها نسأل الله العصمة والتوفيق فى الدارين تم الجز الثانى عشر فى العشرين من جمادى الاولى سنة ثلاث ومائة والف

الطوسي

تفسير : اختلفوا في من هذا الكلام حكاية عنه؟ فقال اكثر المفسرين كالحسن ومجاهد وقتادة والضحاك: انه من قول يوسف {ذلك} يعني ذلك الامر من فعلي من ردّ الرسول ليعلم العزيز اني لم اخنه بالغيب، وقطع الحكاية عن المرأة، وجاز ذلك لظهور الكلام الدال على ذلك، كما قال {وكذلك يفعلون} وقبله حكاية عن المرأة {أية : وجعلوا أعزة أهلها أذلة}تفسير : وكما قال {فماذا تأمرون} ومثله حكاية قول الملأ {أية : يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره}تفسير : وقال الجبائي والبلخي: انه من قول المرأة. والمعنى ان اعترافي على نفسي بذلك ليعلم يوسف اني لم اخنه بالغيب، لان العزيز سألها ولم يكن يوسف حاضراً وكلا الأمرين جائز ان، والاول أشبه، والخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر، وضد الخيانة الامانة، وهي تأدية الحق على ما وقع به العقد. والفرق بين الخيانة والغدر أن الخيانة تكون على وجه السر والغدر نقض العهد بخلاف الحق جهراً، والكيد الاحتيال في ايصال الضرر الى صاحبه، كاده يكيده كيداً، فهو كائد. واللام في قوله {ليعلم} لام (كي) ومعناها تعليق ما دخلت عليه بالفعل الذي قبله، بمعنى انه وقع من اجله، وانما يتعلق بذلك الارادة. وقوله {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} اي لا يدعوهم اليها ولا يرغبهم فيها وانما يفعلونها بسوء اختيارهم.

الجنابذي

تفسير : {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ} ربّك امّا مرتبط بسابقه وقوله قال ما خطبكنْ الى الآخر معترض بينهما فى الحكاية، او قال ذلك يوسف (ع) بعد ما رجع الرّسول اليه وسأل عنه لم تثبّتّ فى الخروج وطلبت مسئلة الملك عن حال النّساء؟ - فاجاب وقال ذلك التّثبّت ليعلم العزيز وهو دليل على انّ المراد بالرّبّ هو العزيز لا الملك {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} متلبّساً بالغيب او واقعاً فى الغيب منّى، حال من الفاعل او المفعول {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} يعنى ليعلم انّ امرأته كادتنى وانّ كيدها ما نفذ وما اثّر فىّ وهو مبالغة فى اظهار طهارته ولمّا بالغ فى اظهار طهارته اراد ان يدفع وصمة الاعجاب والتّزكية عن نفسه وينسب ذلك الى الله فقال: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ}.

الهواري

تفسير : فقال يوسف عليه السلام: { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ} لما قالت امرأة العزيز {الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} بلغ ذلك يوسف فقال: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ} وكان الملك فوق العزيز. قوله: {وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ} أي: لا يصلح عمل الزناة. قال بعضهم: فلما قال يوسف هذا قال الملك الذي تشبه بيعقوب حين فرج سقف البيت، فأشرف عليه حين همّت به وهمّ بها، قال: ولا حين حللت سراويلك، أي: لم تخنه ولا حين حللت سراويلك. وقال بعضهم: إن جبريل عليه السلام قال: فما فعلت السراويل؟ قال يوسف: {وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يعني الهمّ الذي همّ بها. كان بعض السلف يقول: إذا أذنب أنبياؤه عجّلَ لهم العقوبة في الدنيا والتنبيه والتذكير، يريدهم التطهير. وإنما أخرنا نحن إذ لم يعجل عقوبتنا، لعقاب الآخرة، وليس ذلك لما هو خير لنا. بل ذلك شرّ لنا. قال الحسن: {الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ} أي: الآن جاء الحق. وذكر بعضهم في قوله: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ} قال: ذكر لنا أن الملك الذي كان مع يوسف قال له: اذكر ما كنت هممت به، فقال يوسف: وما أبرىء نفسي.

اطفيش

تفسير : {ذَلكَ} المذكور من من أمرى لك أيها الساقى بالرجوع إلى الملك وبسؤالك إياه، ما بال النسوة، أو ذلك التثبيت لأن الأمر بذلك تثبيت، وإنما أشار بصيغة البعد لعلو شأن التثبيت، فكأنه بعد مسافة، ولأن الكلام إذا انقضى فقد غاب وليس بشئ حاضر فى الحس، ولو بقى الذهن، وقيل: هذا كلام يوسف حين رجع إليه الساقى ليخبره بما قالت النسوة، إذ جمعهن الملك، وبه قال أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول ابن جريج، والبعد واضح على هذا. وقال عطاء، عن ابن عباس: إنه قال ذلك بحضرة الملك، وعلى هذا فإن كانت الإشارة لأمره الساقى بما ذكر أو للتثبيت المأمور به، فالبعد ظاهر، وإن كانت للتثبيت الحاصل من الملك بحضرة يوسف والنسوة، فالبعد لانقضاء الكلام، وعلو شأن التثبيت، وإن قال يوسف ذلك بحضرة الملك ولم يحضر للتثبيت، فإن أخبرته فأشار إليه، فالبعد لذلك أيضا ولبعد إتمام التثبيت عن كلامه، وإلا فأشار إلى أمره الساقى أو للثتبيت المأمورية، فالبعد لهذه الأوجه. {ليَعْلم} وضمير يعلم لله، والهاء بعد على هذا لله، أى لم أخن الله، أى لم أعصه فى زوجة العزيز، وقيل: الإشارة إلى الامتناع من مطلوبتها {أنِّى لَم أخنْهُ} فى زوجته {بالغَيْب} أو للعزيز متعلق بأخن أى أخنه فى وقت غيبته، أو فى مكان غيبته وراء الأستار والأبواب المغلقة أو حال من الهاء، أى لم أخنه ثابتا فى وقت الغيبة عنى أو فى مكان الغيبة عنى، إذ ذهب إلى الملك أو السوق أو غيرهما، أو حال من المستتر فى أخن، أى لم أخنه ثابتا فى وقت غيبتى، أو مكان غيبتى عنه بأن ذهب إلى ما ذكر وتركنى خلفه فى أهله {وانَّ الله لا يَهْدى} لا يوفق ولا يرشد {كَيْدَ الخائنينَ} ومعنى عدم توفيق كيدهم وعدم رشده أنه لا يجعله متأثر ناقدا، بل يفضحه ويبطله، أو الأصل لا يهدى الخائنين بكيدهم، فأوقع عدم الهداية على الكيد مبالغة، وفى ذلك كناية عن أنه لو كان خائنا لم يخلصه الله من تلك الورطة الواقع هو فيها، وعن أنه أمين ولا بد وتعريض بخيانتها زوجها وبخيانة زوجها والملك أمانة لله، إذ ساعداها على حبسه بعد ظهور الآيات على أن الملك قد سمع بهن، ولم تضمن كلامه هذا تنزيه نفسه كما علمت، قال: خروجا عن تزكية النفس والعجب.

اطفيش

تفسير : {ذَلِك} أَى قال يوسف طلب إِظهار ذلك {لِيَعْلَمَ} أَى العزيز وقد بعد ذكره لكن دل عليه قوله: {أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} أَى فى أَهله، والباءُ ظرفية متعلقة بأَخنْه، أَى فى مكان الغيب عن وجهه، أَو زمان الغيب عنه، أَو متعلق بمحذوف حال من الهاءِ أَو ضمير أُخن، وقيل: ضمير يعلم وهاء أَخنه لله عز وجل، والصحيح الأول {وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ الْخَائِنِينَ} أَى لا ينفذه فهو زائل، وهداية الكيد مجاز عن إِنفاذه بعلاقة اللزوم، والتنفيذ لازم للهداية، استعارة تبعية إِذ التنفيذ كالهداية فى وصول المطلوب، أَو لا يهدى الخائنين بكيدهم، فالمجاز فى الإِيقاع والهداية على حقيقتها أَو وقعت على الكيد لكونها سببا لعدم الهداية، وإِذا عدم السبب عدم مسببه بالأَولى، وفيه تعريض لزليخاءَ أَو راعيل لأَنها خانت العزيز، وقد يقال ضمير يعلم للملك أَى ليعلم الملك أَنى لم أَخنه فى وزيره العزيز؛ لأَن خيانة الوزير خيانة للملك، وفى ذلك أَيضاً تأْكيد لأَمانته، أَى لو كنت خائِنا لم يهد الله كيدى، وسمى ثباته كيدا للمشاكلة، أَو استعارة، وصاحب الفعلة السيئة لا يذكر أَصحابها بسوءٍ ولا يدعو عليهم لأَن ذلك ذكر لنفسه ودعاء على نفسه، ولكونه تأْكيدا عقبه متواضعا بقوله: {وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِى} عن السوءِ من حيث هى هى، بل من حيث عصمه الله إِنعاما على "أية : وَأَما بنعمة ربك فحدث"تفسير : [الضحى: 11] {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارةٌ بِالسُّوءِ} فتستخدم الجوارح فىالمعصية، تميل بالطبع إِلى الشهوات وتعرض عن الطاعات، سواءٌ أَنفس الأَبرار وأَنفس الفجار، لاَ يمكن دفعها فى بدءِ الأَمر، وإِنما المعتبر ثانى الحال فيقدم إِليها من لم يفارقه التوفيق، فيجوز أَن يكون المعنى؛ ما فى وسعى أَن أَبرىءَ نفسى عن الهم بما تشتهى، وإِنما دفعته ببرهان، وروى أَنه لما قال: {إٍِن الله لا يهدى} إِلخ، أَو إِذ قال: {وما أُبرىءُ} إِلخ، أَو إِذ قال: {لم أًخنه} قالت هى أَو جبريل: ولا حين هممت، أَو قالت: ولا حين حللت السراويل، وأَجاز بعضهم الصغيرة على الأَنبياءِ قبل النبوة، وأَنت خبير بأَنه لم يصح حل السراويل، ولا الهم إِلا الخطور بل مطلق ما بالطبع لا يدخل تحت التكيليف، فأَجابهما بقوله: {وما أُبرىءُ نفسى} فى أَحوالها، وليس هذا إِقرار اللهم إَلا أَن يقر لجبريل عليه السلام بالهم الطبعى الذى لا يدخل تحت التكليف، وليس قصدا إِِليها فيكون جبريل قابله بما هو طبعى تنبيها وزيادة فى اتضاعه {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّى} ما مصدرية والاستثناءُ منقطع، والمعنى؛ ولكن رحمة ربة هى المعتبرة أَو الصارفة عن السوءِ كقوله تعالى: "أية : ولا هم ينقذون إِلا رحمة منا"تفسير : [يس: 43 - 44] أَو اسم واقع على النفس والاستثناء من النفس أَو من المستتر فى أَماره متصل، أَى إِلا ما رحم ربى من النفوس، كنفوس الملائكة والأَنبياءِ فلا تأْمر بالسوءِ، والنفس غير عاقل فصحت له ما فهو أولى من إِيقاع ما على الأَنبياءِ لأَنهم عاقلون، قيل: أَو ما مصدرية والمصدر ظرف أَى إِلا رحمة ربى أَى وقت رحمة ربى فإٍنها لا تأَمر بالسوءِ، وفيه التفريغ فى الإٍثبات، والمعنى الأَمارة بالسوءِ فى جميع الأَوقات إِلا وقت رحمة ربى، والمراد جنس النفس لا الاستغراق فلا يدخل نفسه يوسف والأَنبياءُ مع أَن أَكثر الأَوقات تأْمر فيه أَنفسهم بالسوءِ، وقيل الآية إِلى قوله {إِنَّ ربِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ} من قول زليخاءَ وهى راعيل، فتكون داخلة فى قوله: قالت امرأَة العزيز فيكون المعنى ذلك الاعتراف ليعلم يوسف أَنى لم أَخنه بنسبه المراودة إِليه والافتراءُ عليه فى غيبته كما نسبناها إِليه فى حضوره، والجمهور على أَن ذلك من كلام يوسف، قال أَبو حيان: لا يبعد وصل كلام إِنسان بكلام إِنسان آخر كقوله تعالى:"أية : إِن الملوك إٍذا دخلوا قرية"تفسير : [النمل: 34] إٍلخ وصل بكلام بلقيس قوله: "أية : وكذلك يفعلون"تفسير : [النمل: 34] وليس منه، هذا وجه والنفس البدن والقلب، والنفس العقل، والنفس شىء كالعقل إِذا دعا للمعصية فالأَمارة بالسوءِ، وإِذا امتنعت فاللوامة، وإِذا أَمرت بالطاعة فالمطمئنة، وإِن ربى غفور لمن استغفر من ذنبه بعينه، أَو من ذنوبه عموماً، ولم يقصد الإِصرار على واحد منها ذلك من كلام المرأَة خال عن الإِشكال، وعلى أَنه من كلام يوسف غير اعتراف بأَنه هم ولا خان، لكن جاءَ به عموماً أَو هضماً لنفسه بأَن عد الهم الذى هو ضرورى لا يدخل تحت التكليف ذنبا، أَو أَراد غفران ذنب زليخاءَ وهى راعيل.

الالوسي

تفسير : {ذَلكَ ليَعْلَمَ} الذي ذهب إليه غير واحد أن (ذلك) إشارة إلى التثبت مع ما تلاه من القصة أجمع فهو من كلام يوسف عليه السلام جعله فذلكة منه لما نهض له أولاً من التشمر لطهارة ذيله وبراءة ساحته، وقد حكى الله تعالى ما وقع من ذلك طبق الوجود مع رعاية ما عليه دأب القرآن من الإيجاز كحذف فرجع إلى ربه فأنهاه مقالة يوسف فأحضرهن سائلاً قال: ما خطبكن الخ؛ وكذلك كما قيل في { أية : قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ } تفسير : [يوسف: 51] الخ، وكذلك هذا أيضاً لأن المعنى فرجع إليه الرسول قائلاً فتش الملك عن كنه الأمر وبان له جلية الحق من عصمتك وأنك لم ترجع في ذلك المقام الدحض بمس ملام فعند ذلك قال عليه السلام: ذلك ليعلم العزيز {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ} في حرمته {بِٱلْغَيْبِ} أي بظهر الغيب، وقيل: ضمير {يَعْلَمَ} للملك، وضمير {أَخُنْهُ} للعزيز، وقيل: للملك أيضاً لأن خيانة وزيره خيانة له، والباء إما للملابسة أو للظرفية، وعلى الأول هو حال من فاعل {أَخُنْهُ} أي تركت خيانته وأنا غائب عنه، أو من مفعوله أي وهو غائب عني وهما متلازمان، وجوز أن يكون حالاً منهما وليس بشيء، وعلى الثاني فهو ظرف لغو لما عنده أي لم أخنه بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة، ويحتمل الحالية أيضاً. {وَأَنَّ ٱللَّهَ} اي وليعلم أن الله تعالى {لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} أي لا ينفذه ولا يسدّده بل يبطله ويزهقه فهداية الكيد مجاز عن تنفيذه، ويجوز أن يكون المراد لا يهدي الخائنين بسبب كيدهم فأوقع الهداية المنفية على الكيد وهي واقعة عليهم تجوزاً للمبالغة لأنه إذا لم يهد السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى. وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانته وبه في خيانته أمانة الله تعالى حين ساعدها على حبسه بعدما رأوا الآيات الدالة على نزاهته عليه السلام، ويجوز أن يكون مع ذلك تأكيداً لأمانته عليه السلام على معنى لو كنت خائناً لما هدى الله تعالى كيدي ولا سدّده، وتوهم عبارة بعضهم عدم اجتماع التأكيد والتعريض، والحق أنه لا مانع من ذلك؛ وأراد بكيده تشمره وثباته ذلك، وتسميته كيداً على فرض الخيانة على بابها حقيقة كما لا يخفى، فما في "الكشف" من أنه سماه كيداً استعارة أو مشاكلة ليس بشيء. وقيل: إن ضمير {لِيَعْلَمَ} و {لَمْ أَخُنْهُ} لله تعالى أي ذلك ليعلم الله تعالى أني لم أعصه أي ليظهر أني غير عاص ويكرمني به ويصير سبب رفع منزلتي وليظهر أن كيد الخائن لا ينفذ وأن العاقبة للمطيع لا للعاصي فهو نظير قوله تعالى: { أية : لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ } تفسير : [البقرة: 143] وله نظائر أخر في القرآن كثيرة إلا أن الله تعالى أخبر عن نفسه بذلك وأما غيره فلم يرد في الكتاب العزيز، وفيه نوع إيهام التحاشي عنه أحسن على أن المقام لما تقدم أدعى.

ابن عاشور

تفسير : ظاهر نظم الكلام أن الجملة من قول امرأة العزيز، وعلى ذلك حمله الأقل من المفسرين، وعزاه ابن عطية إلى فرقة من أهل التأويل، ونُسب إلى الجبائي، واختاره الماوردي، وهو في موقع العلة لما تضمنته جملة { أية : أنا راودته عن نفسه } تفسير : [سورة يوسف: 51] وما عطف عليها من إقرار ببراءة يوسف عليه السّلام بما كانت رمتْه به. فالإشارة بذلك إلى الإقرار المستفاد من جملة {أنا راودته} أي ذلك الإقرار ليعلم يوسف ـــ عليه السّلام ـــ أني لم أخنه. واللام في {ليعلم} لام كي، والفعل بعدها منصوب بــ (أنْ) مضمرة، فهو في تأويل المصدر، وهو خبر عن اسم الإشارة. والباء في {بالغيب} للملابسة أو الظرفية، أي في غيبته، أي لم أرمه بما يقدح فيه في مغيبه. ومحل المجرور في محل الحال من الضمير المنصوب. والخيانة: هي تهمتهُ بمحاولة السوء معها كذباً، لأن الكذب ضد أمانة القول بالحق. والتعريف في {الغيب} تعريف الجنس. تمدحت بعدم الخيانة على أبلغ وجه إذ نَفت الخيانة في المغيب وهو حَائلٌ بينه وبين دفاعه عن نفسه، وحالة المغيب أمكن لمريد الخيانة أن يخون فيها من حالة الحضرة، لأن الحاضر قد يتفطن لقصد الخائن فيدفع خيانته بالحجة. و{أنّ الله لا يهدي كيد الخائنين} عطف على {ليعلم} وهو علة ثانية لإصداعها بالحق، أي ولأن الله لا يهدي كيد الخائنين. والخبر مستعمل في لازم الفائدة وهو كون المتكلم عالماً بمضمون الكلام، لأن علة إقرارها هو علمها بأن الله لا يهدي كيد الخائنين. ومعنى {لا يهدي كيد الخائنين} لا ينفذه ولا يسدده. فأطلقت الهداية التي هي الإرشاد إلى الطريق الموصلة على تيسير الوصول، وأطلق نفيها على نفي ذلك التيسير، أي أن سنة الله في الكون جرت على أن فنون الباطل وإن راجت أوائلها لا تلبث أن تنقشع { أية : بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهقً } تفسير : [سورة الأنبياء: 18]. والكيد: تقدم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْخَائِنِينَ} (52) - وَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: إِنَّهُ إِنَّمَا رَدَّ الرَّسُولَ، وَرَجَا المَلِكَ سُؤَالَ النِّسْوَةِ، وَالتَّحَقُّقَ مِمَّا جَرَى، لِتَظْهَرَ بَرَاءَتُهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخُنْ مَوْلاَهُ العَزِيزَ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ الذِي رُبِّيَ فِي بَيْتِهِ، وَاللهُ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ. وَهَذا مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ بِهِ مُجَاهِدٌ وَالحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّي، وَهُوَ الأَقْرَبُ إِلى مَضْمُونِ النَّصِّ الذِي يَسْتَعْمِلِ القَائِلُ فِيهِ اسْمَ اللهِ، وَعِبَارَاتٍ لاَ يَقُولُها غَيْرُ المُؤْمِنِينَ وَالإِيمَانُ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَخَلَ حَتَّى ذَلِكَ الحِينِ أَرْضَ مِصْرَ. ثُمَّ إِنَّ القَوْلَ - إِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ هِيَ قَائِلَتُهُ - قِيلَ فِي حَضْرَةِ المَلِكِ وَهُوَ كَافِرٌ يَفْرِضُ عَلَى الشَّعْبِ عِبَادَةَ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ المَعْقُولِ أَنْ تَتَجَرَّأَ المَرْأَةُ عَلَى ذِكْرِ اسْمِ اللهِ أَمَامَ المَلِكِ. (وَقِيلَ إِنَّ هَذا الكَلامَ قَالَتْهُ امْرَأَةُ العَزِيزِ لِتُظْهِرَ بَرَاءَتَهَا أَمَامَ زَوْجِهَا، وَأَنَّهَا إِنَّمَا رَاوَدَتْ يُوسُفَ مُرَاوَدَةً فَقَطْ. وَلَكِنَّ السِّيَاقَ يَدْعُو إِلَى الأَخْذِ بِالقَوْلِ الأَوَّلِ: 1 - لأنَّ يُوسُفَ هُوَ الذِي طَرَحَ السُّؤَالَ وَرَفَضَ الخُرُوجَ مِنَ السِّجْنِ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ بَرَاءَتُهُ، وَيَثْبُتَ أَنَّهُ لَمْ يَخُنْ سَيِّدَهُ فِي أَهْلِهِ. 2 - لأِنَّ المَرْأَةَ خَانَتْ زَوْجَهَا فِعْلاً بِمُرَاوَدَةِ يُوسُفَ. أَمَّا القَوْلَ بِأَنَّهَا إِنَّمَا قَصَدَتْ بِقَوْلِهَا (لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ..) يُوسفَ وَلَيْسَ زَوْجهَا. فَإِنَّ النَّصَّ لاَ يَحْتَمِلْ هَذا التَّأْوِيلَ الذِي لاَ سَنَدَ لَهُ. 3 - لأنَّ المَرْأَةَ كَافِرَةٌ لاَ تَعْرِفُ اللهَ وَلاَ تُؤْمِنُ بِهِ حَتَّى تَقُولَ: (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ) وَ (وَإِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي). 4 - أَمَّا القَوْلُ بِأَنَّ المَرْأَةَ آمَنَتْ فَإِنَّ النَّصَّ لاَ يَحْتَمِلُهُ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الأَخْذِ بِهَذا القَوْلِ أَوْ ذَاكَ كَبِيرُ أَثَرٍ لأَِنَّ القِصَّةَ إِنَّمَا سِيقَتْ لِيَعْتَبِرَ النَّبِيُّ وَالمُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ أَمْراً هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَهُ وَتَلَطَّفَ بِهِ بِبَالِغِ حِكْمَتِهِ حَتَّى تَأْتِيَ النَّتَائِجُ كَمَا أَرَادَهَا تَعَالَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قالت ذلك حتى تُعلِنَ براءة يوسف عليه السلام، وأنها لم تنتهز فرصة غيابه في السجن وتنتقم منه؛ لأنه لم يستجِبْ لمُراودتها له، ولم تنسج له أثناء غيابه المؤامرات، والدسائس، والمكائد. وهذا يدلُّنا على أن شِرَّةَ الإنسان قد تتوهج لغرض خاص، وحين يهدأ الغرض ويذهب، يعود الإنسان إلى توازنه الكمالي في نفسه، وقد يجعل من الزَّلة الأولى في خاطره وسيلة إلى الإحسان فيما ليس له فيه ضعف، كي تستر الحسنةُ السيئة، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} تفسير : [هود: 114]. ولو أن إنساناً عمل سيئة وفضحه آخر عليها؛ فالفاضح لتلك السيئة إنما يحرم المجتمع من حسنات صاحب السيئة. ولذلك أقول: استروا سيئات المسيء؛ لأنها قد تلهمه أن يقدم من الخير ما يمحو به سيئاته. ولذلك قالوا: إذا استقرأتَ تاريخ الناس، أصحاب الأنفس القوية في الأخلاق والقيم؛ قد تجد لهم من الضعف هنات وسَقَطات؛ ويحاولون أن يعملوا الحسنات كي تُذهِب عنهم السيئات؛ لأن بالَ الواحد منهم مشغولٌ بضعفه الذي يُلهِبه؛ فيندفع لفعل الخيرات. وبعد أن اعترفتْ امرأة العزيز بما فعلت؛ قالت: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} [يوسف: 52]. أي: أنها أقرَّتْ بأنه سبحانه وتعالى لا يُنفِذ كيد الخائنين، ولا يُوصِّله إلى غايته. وتواصل امرأة العزيز فتقول: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 407 : 27 : 24 - سفين عن ليث عن مجاهد في قوله {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} قال، ليعلم الله أني لم أخنه بالغيب. قال له الملك: "ولا حين هممت؟" قال: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ}. [الآية 52-53].

همام الصنعاني

تفسير : 1319- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ}: [الآية: 52]، قال: هو قول يوسف قال: بلغنا أن الملك حين قال ما قال: اذكر همَّك قال: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: [الآية: 53].