١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
53
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن تفسير هذه الآية يختلف بحسب اختلاف ما قبلها لأنا إن قلنا إن قوله: { أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [يوسف: 52] كلام يوسف كان هذا أيضاً من كلام يوسف، وإن قلنا إن ذلك من تمام كلام المرأة كان هذا أيضاً كذلك ونحن نفسر هذه الآية على كلا التقديرين، أما إذا قلنا إن هذا كلام يوسف عليه السلام فالحشوية تمسكوا به وقالوا: إنه عليه السلام لما قال: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } قال جبريل عليه السلام ولا حين هممت بفك سراويلك فعند ذلك قال يوسف: {وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى إِنَّ ٱلنَّفْسَ لامَّارَةٌ بِٱلسُّوء } أي بالزنا {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } أي عصم ربي {إِنَّ رَبّى غَفُورٌ } للهم الذي هممت به {رَّحِيمٌ } أي لو فعلته لتاب علي. واعلم أن هذا الكلام ضعيف فإنا بينا أن الآية المتقدمة برهان قاطع على براءته عن الذنب بقي أن يقال: فما جوابكم عن هذه الآية فنقول فيه وجهان: الوجه الأول: أنه عليه السلام لما قال: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } كان ذلك جارياً مجرى مدح النفس وتزكيتها، وقال تعالى: { أية : فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النجم: 32] فاستدرك ذلك على نفسه بقوله: {وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } والمعنى: وما أزكي نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية. والوجه الثاني: في الجواب أن الآية لا تدل ألبتة على شيء مما ذكروه وذلك لأن يوسف عليه السلام لما قال: {أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } بين أن ترك الخيانة ما كان لعدم الرغبة ولعدم ميل النفس والطبيعة، لأن النفس أمارة بالسوء والطبيعة تواقة إلى الذات فبين بهذا الكلام أن الترك ما كان لعدم الرغبة، بل لقيام الخوف من الله تعالى. أما إذا قلنا: إن هذا الكلام من بقية كلام المرأة ففيه وجهان: الأول: وما أبرىء نفسي عن مراودته ومقصودها تصديق يوسف عليه السلام في قوله: {هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } الثاني: أنها لما قالت: { أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [يوسف: 52] قالت وما أبرىء نفسي عن الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قد أحلت الذنب عليه وقلت: { أية : مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } تفسير : [يوسف: 25] وأودعته السجن كأنها أرادت الاعتذار مما كان. فإن قيل جعل هذا الكلام كلاماً ليوسف أولى أم جعله كلاماً للمرأة؟ قلنا: جعله كلاماً ليوسف مشكل، لأن قوله: { أية : قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلئَنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ } تفسير : [يوسف: 51] كلام موصول بعضه ببعض إلى آخره، فالقول بأن بعضه كلام المرأة والبعض كلام يوسف مع تخلل الفواصل الكثيرة بين القولين وبين المجلسين بعيد، وأيضاً جعله كلاماً للمرأة مشكل أيضاً، لأن قوله: {وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى إِنَّ ٱلنَّفْسَ لامَّارَةٌ بِٱلسُّوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } كلام لا يحسن صدوره إلا ممن احترز عن المعاصي، ثم يذكر هذا الكلام على سبيل كسر النفس، وذلك لا يليق بالمرأة التي استفرغت جهدها في المعصية. المسألة الثانية: قالوا: {مَا } في قوله: {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } بمعنى «من» والتقدير: إلا من رحم ربي، وما ومن كل واحد منهما يقوم مقام الآخر كقوله تعالى: { أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 3] وقال: { أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ أَرْبَعٍ } تفسير : [النور: 45] وقوله: {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } استثناء متصل أو منقطع، فيه وجهان: الأول: أنه متصل، وفي تقريره وجهان: الأول: أن يكون قوله: {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } أي إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة. الثاني: إلا ما رحم ربي أي إلا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت العصمة. والقول الثاني: أنه استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة كقوله: { أية : وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } تفسير : [البقرة: 48] { أية : إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا } تفسير : [يس: 44]. المسألة الثالثة: اختلف الحكماء في أن النفس الإمارة بالسوء ما هي؟ والمحققون قالوا إن النفس الإنسانية شيء واحد، ولها صفات كثيرة فإذا مالت إلى العالم الإلهي كانت نفساً مطمئنة، وإذا مالت إلى الشهوة والغضب كانت أمارة بالسوء، وكونها أمارة بالسوء يفيد المبالغة والسبب فيه أن النفس من أول حدوثها قد ألفت المحسوسات والتذت بها وعشقتها، فأما شعورها بعالم المجردات وميلها إليه، فذلك لا يحصل إلا نادراً في حق الواحد، فالواحد وذلك الواحد فإنما يحصل له ذلك التجرد والانكشاف طول عمره في الأوقات النادرة فلما كان الغالب هو انجذابها إلى العالم الجسداني وكان ميلها إلى الصعود إلى العالم الأعلى نادراً لا جرم حكم عليها بكونها أمارة بالسوء، ومن الناس من زعم أن النفس المطمئنة هي النفس العقلية النطقية، وأما النفس الشهوانية والغضبية فهما مغايرتان للنفس العقلية، والكلام في تحقيق الحق في هذا الباب مذكور في المعقولات. المسألة الرابعة: تمسك أصحابنا في أن الطاعة والإيمان لا يحصلان إلا من الله بقوله: {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } قالوا دلت الآية على أن انصراف النفس من الشر لا يكون إلا برحمته؛ ولفظ الآية مشعر بأنه متى حصلت تلك الرحمة حصل ذلك الانصراف. فنقول: لا يمكن تفسير هذه الرحمة بإعطاء العقل والقدرة والألطاف كما قاله القاضي لأن كل ذلك مشترك بين الكافر والمؤمن فوجب تفسيرها بشيء آخر، وهو ترجيح داعية الطاعة على داعية المعصية وقد أثبتنا ذلك أيضاً بالبرهان القاطع وحينئذ يحصل منه المطلوب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمآ أُبَرِّىءُ نَفْسِى } من الزلل {إِنَّ ٱلنَّفْسَ } الجنس {لأَمَّارَةٌ } كثيرة الأمر {بِٱلسُّوءِ إِلاَّ مَا } المعنى (مَنْ ){رَحِمَ رَبِّى } فعصمه {إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وما أبرىء نفسي} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قول العزيز أي وما أبرىء نفسي من سوء الظن بيوسف. {إنَّ النفس لأمارة بالسوء} يحتمل وجهين: أحدهما: الأمارة بسوء الظن. الثاني: بالاتهام عند الارتياب. {إلا ما رحم ربي}يحتمل وجهين: أحدهما: إلاَّ ما رحم ربي إن كفاه سوء الظن. الثاني: أن يثنيه حتى لا يعمل. فهذا تأويل من زعم أنه قول العزيز. الوجه الثاني: أنه قول امرأة العزيز وما أبرىء نفسي إن كنت راودت يوسف عن نفسه لأن النفس باعثة على السوء إذا غلبت الشهوة عليها. {إلا ما رحم ربي} يحتمل وجهين: أحدهما: إلا ما رحم ربي من نزع شهوته منه. الثاني: إلا ما رحم ربي في قهره لشهوة نفسه، فهذا تأويل من زعم أنه من قول امرأة العزيز. الوجه الثاني: أنه من قول يوسف، واختلف قائلو هذا في سببه على أربعة أقاويل: أحدها: أن يوسف لما قال{ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب}قالت امرأة العزيز: ولا حين حللت السراويل؟ فقال: وما أبريء نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء، قاله السدي. الثاني: أن يوسف لما قال ذلك غمزه جبريل عليه السلام فقال: ولا حين هممت؟ فقال{وما أُبريء نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء} قاله ابن عباس. الثالث: أن الملك الذي مع يوسف قال له: اذكر ما هممت به، فقال: {وما أبرىء نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء} قاله قتادة. الرابع: أن يوسف لما قال{ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب}كره نبي الله أن يكون قد زكى نفسه فقال {وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء}قاله الحسن. ويحتمل قوله{لأمارة بالسوء}وجهين: أحدهما: يعني أنها مائلة إلى الهوى بالأمر بالسوء. الثاني: أنها تستثقل من عزائم الأمور ما إن لم يصادف حزماً أفضت إلى السوء. قوله عز وجل: {وقال الملك ائتوني به اسْتخلصه لنفسي}وهذا قول الملك الأكبر لما علم أمانة يوسف اختاره ليستخلصه لنفسه في خاص خدمته. {فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين}لأنه استدل بكلامه على عقله، وبعصمته على أمانته فقال: {إنك اليوم لدينا مكين أمين}وهذه منزلة العاقل العفيف. وفي قوله{مكين} وجهان: أحدهما: وجيه، قاله مقاتل. الثاني: متمكن في المنزلة الرفيعة. وفي قوله {أمين} ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بمعنى آمن لا تخاف العواقب، قاله ابن شجرة. الثاني: أنه بمعنى مأمون ثقة، قاله ابن عيسى. الثالث: حافظ، قاله مقاتل. قوله عز وجل: {قال اجعلني على خزائن الأرض}أي على خزائن أرضك، وفيها قولان: أحدهما: هو قول بعض المتعمقة أن الخزائن ها هنا الرجال، لأن الأفعال والأقوال مخزونة فيهم فصاروا خزائن لها. الثاني: وهو قول أصحاب الظاهر أنها خزائن الأموال، وفيها قولان: أحدهما: أنه سأله جميع الخزائن، قاله ابن زيد. الثاني: أنه سأله خزائن الطعام، قاله شيبة بن نعامة الضبي. وفي هذا دليل على جواز أن يخطب الإنسان عملاً يكون له أهلاً وهو بحقوقه وشروطه قائم. فيما حكى ابن سيرين عن أبي هريرة قال: نزعني عمر بن الخطاب عن عمل البحرين ثم دعاني إليها فأبيت، فقال: لم؟ وقد سأل يوسف العمل. فإن كان المولي ظالماً فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين: أحدهما: جوازها إن عمل بالحق فيما تقلده، لأن يوسف عليه السلام ولي من قبل فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره. الثاني: لا يجوز ذلك له لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم وتزكيتهم بتنفيذ أعمالهم. وأجاب من ذهب إلى هذا القول عن ولايته من قبل فرعون بجوابين: أحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحاً، وإنما الطاغي فرعون موسى. الثاني: أنه نظر له في أملاكه دون أعماله فزالت عنه التبعة فيه. والأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه كالصدقات والزكوات فيجوز توليته من جهة الظالمين لأن النص على متسحقيه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن التنفيذ. والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفردوا به ويلزم الإجتهاد في مصرفه كأموال الفيء فلا يجوز توليته من جهة الظالم لأنه يتصرف بغير حقٍ ويجتهد فيما لا يستحق. والقسم الثالث: ما يجوز أن يتولاه أهله وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد فيه محلول، فإن كان النظر تننفيذاً لحكم بين متراضيين أو توسطاً بين مجبورين جاز، وإن كان إلزام إجبار لم يجز. {إني حفيظ عليم}فيه أربعة تأويلات: أحدها: حفيظ لما استودعتني عليم بما وليتني، قاله ابن زيد. الثاني: حفيظ بالكتاب، عليم بالحساب، حكاه ابن سراقة، وأنه أول من كتب في القراطيس. الثالث: حفيظ بالحساب، عليم بالألسن، قاله الأشجع عن سفيان. الرابع: حفيظ لما وليتني، قاله قتادة، عليم بسني المجاعة، قاله شيبة الضبي. وفي هذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل، وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات ولكن مخصوص فيما اقترن بوصلة أو تعلق بظاهر من مكسب وممنوع منه فيما سواه لما فيه من تزكية ومراءاة، ولو تنزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله، فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله ولما يرجوه من الظفر بأهله.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِى} لأن راودته، لأن النفس باعثة على السوء إذا غلبت الشهوة، قالته امرأة العزيز، أو قال يوسف بعد ظهور صدقه {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ} العزيز أني لم أخنه في زوجته، فقالت امرأة العزيز: ولا حين حللت السراويل، فقال: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِى}، أو غمزه جبريل ـ عليه السلام ـ فقال: ولا حين هممت، فقال: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِى} "ع" أو قال الملك الذي مع يوسف: اذكر ما هممت به، فقال: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِى} قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ، أو قال العزيز {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ} يوسف {أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} وأغفل عن مجازاته على أمانته {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِى} من سوء الظن به.
الخازن
تفسير : {وما أبرئ نفسي} من قول من؟ على قولين أيضاً: أحدهما: أنه من قول المرأة وهذا التفسير على قول من قال إن قوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب من قول المرأة فعلى هذا يكون المعنى وما أبريء نفسي من مراودتي يوسف عن نفسه وكذبي عليه. والقول الثاني: وهو الأصح وعليه أكثر المفسرين أنه من قول يوسف عليه الصلاة والسلام وذلك أنه لما قال ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب قال له جبريل ولا حين هممت بها فقال يوسف عند ذلك وما أبرئ نفسي وهذه رواية عن ابن عباس أيضاً وهو قول الأكثرين وقال الحسن إن يوسف لما قال ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب خاف أن يكون قد زكى نفسه فقال وما أبرئ نفسي لأن الله تعالى قال فلا تزكوا أنفسكم، ففي قوله وما أبرئ نفسي هضم للنفس وانكسار وتواضع لله عز وجل فإن رؤية النفس في مقام العصمة والتزكية ذنب عظيم فراد إزالة ذلك عن نفسه فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين {إن النفس لأمارة بالسوء} والسوء لفظ جامع لكل ما يهم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية والسيئة الفعلة القبيحة. واختلفوا في النفس الأمارة بالسوء ما هي فالذي عليه أكثر المحققين من المتكلمين وغيرهم أن النفس الإنسانية واحدة ولها صفات: منها الأمارة بالسوء، ومنها اللوامة، ومنها المطمئنة فهذه الثلاث المراتب هي صفات لنفس واحدة فإذا دعت النفس إلى شهواها مالت إليها فهي النفس الأمارة بالسوء فإذا فعلتها أتت النفس اللوامة فلامتها على ذلك الفعل القبيح من ارتكاب الشهوات ويحصل عند ذلك الندامة على ذلك الفعل القبيح وهذا من صفات النفس المطمئنة، وقيل: إن النفس أمارة بالسوء بطبعها فإذا تزكت وصفت من أخلاقها الذميمة صارت مطمئنة. وقوله {إلا ما رحم ربي} قال ابن عباس: معناه إلا من عصم ربي فتكون ما بمعنى من فهو كقوله {أية : ما طاب لكم من النساء}تفسير : [النساء: 3] يعني من طاب لكم وقيل هذا استثناء منقطع معناه لكن من رحم ربي فعصمه من متابعة النفس الأمارة بالسوء {إن ربي غفور} يعني غفور لذنوب عباده {رحيم} بهم. قوله تعالى: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي} وذلك أنه لما تبين للملك عذر يوسف وعرف أمانته وعلمه طلب حضوره إليه فقال أئتوني به يعني بيوسف أستخلصه لنفسي أي أجعله خالصاً لنفسي والاستخلاص طلب خلوص الشيء من جميع شوائب الاشتراك وإنما طلب الملك أن يستخلص يوسف لنفسه، لأن عادة الملوك أن ينفردوا بالأشياء النفيسة العزيزة ولا يشاركهم فيها أحد من الناس وإنما قال الملك ذلك لما عظم اعتقاده في يوسف لما علم من غزارة علم يوسف وحسن صبره وإحسانه إلى أهل السجن وحسن أدبه وثباته على المحن كلها لهذا حسن اعتقاد الملك فيه وإذا أراد الله تعالى أمراً هيأ أسبابه فألهم الملك ذلك فقال ائتوني به أستخلصه لنفسي {فلما كلمه} فيه اختصار تقديره فلما جاء الرسول إلى يوسف فقال له أجب الملك الآن بلا معاودة فأجابه. روي أن يوسف لما قام ليخرج من السجن دعا لأهله فقال اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلد، فلما خرج من السجن كتب على بابه هذا بيت البلواء وقبر الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثياباً حسنة ثم قصد باب الملك. قال وهب: فلما وقف بباب الملك قال: حسبي ربي من دنياي وحسبي ربي من خلقه عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ثم دخل الدار فلما أبصر الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بك من شره وشر غيره فلما نظر إليه الملك سلم يوسف عليه بالعربية فقال له الملك ما هذا اللسان؟ قال لسان عمي إسماعيل ثم دعا له بالعبرانية فقال له وما هذا اللسان أيضاً قال يوسف هذا لسان آبائي قال وهب وكان الملك يتكلم بسبعين لغة فلم يعرف هذين اللسانين وكان الملك كلما كلمه بلسان أجاباه يوسف وزاد عليه بالعربية والعبرانية فلما رأى الملك منه ذلك أعجبه ما رأى مع حداثة سن يوسف عليه السلام وكان له من العمر يومئذ ثلاثون سنة فأجلسه إلى جنبه فذلك قوله تعالى فلما كلمه يعني فلما كلم الملك يوسف لأن مجالس الملوك لا يحسن لأحد أن يبدأ بالكلام فيها وإنما يبدأ فيها بالكلام وقيل معناه فلما كلم يوسف الملك قال الساقي أيها الملك هذا الذي علم تأويل الملك رؤياك مع عجز السحرة والكهنة عنها فأقبل عليه الملك و{قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} يقال: اتخذ فلان عند فلان مكانة أي منزلة وهي الحالة التي يتمكن بها صاحبها مما يريد، وقيل: المكانة المنزلة والجاه والمعنى قد عرفت أمانتك ومنزلتك وصدقك وبراءتك مما نسبت إليه وقوله مكين أمين كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب في أمر الدين والدنيا. روي أن الملك قال ليوسف عليه الصلاة والسلام أحب أن أسمع تأويل رؤياي منك شفاهاً فقال: نعم أيها الملك رأيت سبع بقرات سمان شهب غر حسان غر عجاف كشف لك عنهن النيل فطلعن من شاطئه تشخب أخلافهن لبناً فبينما أنت تنظر إليهن وقد أعجبك حسنهن إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبسه فخرج من حمأته سبع بقرات عجاف شعث غبر ملصقات البطون ليس لهما ضروع ولا أخلاف ولهن أنياب وأضراس وأكف كأكف الكلاب وخراطيم كخراطيم السباع فاختلطن بالسمان فاترسن السمان فافترس السبع فأكلن لحومهن ومزقن جلودهن وحطمن عظامهن ومشمشن مخهن فبينما أنت تنظر وتتعجب كيف غلبنهن وهن مهازيل ثم لم يظهر منهن سمن ولا زيادة بعد أكلهن إذ سبع سنبلات خضر طريات ناعمات ممتلئات حباً وماء وإلى جانبهن سبع أخر سود يابسات في منبت واحد عروقهن في الثرى والماء فبينا أنت تقول في نفسك أي شيء هؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد وأصولهن في الثرى والماء. إذ هبت الريح فذرت أوراق اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت فيهن النار فأحرقتهن فصرن سوداً فهذا ما رأيت أيها الملك ثم انتبهت مذعوراً فقال الملك والله ما أخطأت منها شيئاً فما شأن هذه الرؤيا وإن كان عجباً فما هو بأعجب مما سمعت منك وما ترى في تأويل رؤياي أيها الصديق؟ قال يوسف عليه الصلاة والسلام: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعاً كثيراً في هذه السنين المخصبة وتجعل ما يتحصل من ذلك الطعام في الخزائن بقصبه وسنبله فإنه أبقى له فيكون ذلك القصب والسنبل علفاً للدواب وتأمر الناس فليرفعوا الخمس من زروعهم أيضاً فيكفيك ذلك الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها وتأتيك الخلق من سائر النواحي للميرة ويجتمع عندك من الكنز والأموال ما لا يجتمع لأحد قبلك فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه لي ويكفيني العميل فيه فعند ذلك.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ}[53] قال: إن النفس الأمارة هي الشهوة، وهي موضع الطبع، {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ}[53] موضع العصمة، والنفس المطمئنة هي نفس المعرفة، وأن الله تعالى خلق النفس وجعل طبعها الجهل، وجعل الهوى أقرب الأشياء إليها، وجعل الهوى الباب الذي منه تدخل هلاك الخلق. فسئل سهل عن معنى الطبع، وعما يوجب العصمة عنه. فقال: طبع الخلق على أربع طبائع: أولها طبع البهائم البطن والفرج والثاني طبع الشياطين اللعب واللهو، والثالث طبع السحرة المكر والخداع، والرابع طبع الأبالسة الإباء والاستكبار. فالعصمة من طبع البهائم الإيمان، والسلامة من طبع الشياطين التسبيح والتقديس وهو طبع الملائكة، والسلامة من طبع السحرة الصدق والنصيحة والإنصاف والتفضل، والسلامة من طبع الأبالسة الالتجاء إلى الله تعالى بالتضرع والصراخ، وطبع العقل العلم، وطبع النفس الجهل، وطبع الطبع الدعوى.
اسماعيل حقي
تفسير : الجزء الثالث عشر من الاجزاء الثلاثين {وما ابرئ نفسى} من كلام يوسف عليه السلام اى لا انزهها عن السوء ولا اشهد لها بالبراءة الكلية قاله تواضعا لله تعالى وهضما لنفسه الكريمة لا تزكية لها وعجبا بحالة فى الامانة ومن هذا القبيل قوله عليه السلام "حديث : انا سيد ولد آدم ولا فخر لى" تفسير : او تحديثا بنعمة الله تعالى عليه فى توفيقه وعصمته اى لا انزهها عن السوء من حيث هى هى ولا اسند هذه الفضيلة اليها بمقتضى طبعها من غير توفيق من الله تعالى {ان النفس} اللام للجنس اى جميع النفوس التى من جملتها نفسى فى حد ذاتها {لامارة بالسوء} تأمر القبائح والمعاصى لانها اشد استلذاذا بالباطل والشهوات واميل الى انواع المنكرات ولولا ذلك لما صارت نفوس اكثر الخلق مسخرة لشهواتهم فى استنباط الحيل لقضاء الشهوة وما صدرت منها الشرور اكثر ومن ههنا وجب القول بان كل من كان اوفر عقلا واجل قدرا عند الله كان ابصر بعيوب نفسه ومن كان ابصر بعيوبها كان اعظم اتهاما لنفسه واقل اعجابا {الا ما رحم ربى} من النفوس التى يعصمها من الوقوع فى المهالك ومن جملتها نفسى ونفوس سائر الانبياء ونفوس الملائكة اما الملائكة فانه لم تركب فيهم الشهوة واما الانبياء فهم وان ركبت هى فيهم لكنهم محفوظون بتأييد الله تعالى معصومون فما موصولة بمعنى من. وفيه اشارة الى ان النفس من حيث كالبهائم والاستثناء من النفس او من الضمير المستتر فى امارة كأنه قيل ان النفس لامارة بالسوء الا نفسا رحمها ربى فانها لا تأمر بالسوء او بمعنى الوقت اى هى امارة بالسوء فى كل وقت الا وقت رحمة ربى وعصمته لها ودل على عموم الاوقات صيغة المبالغة فى امارة يقال فى اللغة امرت النفس بشيء فهى آمرة واذا اكثرت الامر فهى امارة {ان ربى غفور} عظيم المغفرة لما يعترى النفوس بموجب طباعها {رحيم} مبالغ فى الرحمة لها بعصمتها من الجريان بمقتضى ذلك. قال فى التأويلات النجمية خلقت النفس على جبلة الامارية بالسوء طبعا حين خليت الى طبعها لا يأتى منها الا الشر ولا تأمر بالسوء ولكن اذا رحمها ربها ونظر اليها بنظر العناية يقلبها من طبعها ويبدل صفاتها ويجعل اماريتها مبدلة بالمأمورية وشريرتها بالخيرية فاذا تنفس صبح الهداية فى ليلة البشرية واضاء افق سماء القلب صارت النفس لوامة تلوم نفسها على سوء فعلتها وندمت على ما صدر عنها من الامارية بالسوء فيتوب الله عليها فان الندم توبة واذا طلعت شمس العناية من افق الهداية صارت النفس ملهمة اذ هى تنورت بانوار شمس العناية فالهمها نورها فجورها وتقواها واذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية واشرقت الارض بنور ربها صارت النفس مطمئنة مستعدة لخطاب ربها بحذبة ارجعى الى ربك راضية مرضية انتهى. يقول الفقير سلوك الانبياء عليهم السلام وان كان من النفس المطمئنة الى الراضية والمرضية والصافية الا ان طبع النفوس مطلقا اى سواء كانت نفوس الانبياء او غيرهم على الامارية وكون طبعها عليها لا يوجب ظهور آثار الامارة بالنسبة الى الانبياء ولذا لم يقل يوسف عليه السلام ان نفسى لامارة بالسوء بعد ما قال وما ابرئ نفسى بل اطلق القول فى الامارية واستثنى النفوس المعصومة فلولا العصمة لوقع من النفس ما وقع ولذا قال عليه السلام "حديث : رب لا تكلنى الى نفسى طرفة عين ولا اقل من ذلك" تفسير : فالدليل على امارية مطلق النفوس هذه الآية. وقد قال ابن الشيخ فى هذه السورة عند قوله تعالى {أية : ولما بلغ اشده آتيناه حكما وعلما} تفسير : يحتمل ان يكون المراد من الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على نفسه الامارية مستعلية عليها قاهرة لها انتهى فاثبت الامارية لنفس يوسف. وقال سعدى المفتى عند قوله تعالى {أية : اصب اليهن} تفسير : فى هذه السورة ايضا على قول البيضاوى اى امل الى جانبهن او الى انفسهن بطبعى ومقتضى شهوتى قوله بطبعى اى بسبب طبعى ونفسى الامارة بالسوء انتهى. وقال حضرة الشيخ نجم الدين دايه قدس سره عند قوله تعالى فى سورة الانعام {أية : وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الانس والجن} تفسير : فشيطان الانس نفسه الامارة بالسوء وهى اعدى الاعداء انتهى. وصرح ايضا بذلك فى مواضع اخر من تأويلاته وهكذا ينبغى ان يفهم ها المقام فانه من مزالق الاقدام وقد رأيت من تحير فيه وزلق ووقع فى هاوية الاضطراب والقلق مع شهرته التامة والعامة فى الافواه القائلة بمكاشفاته ووصوله الى الله فليجتهد العبد مع النفس الامارة حتى يصل الى الاطمئنان فيتخلص من كيدها والتوحيد اقوى الامور فى هذا الباب لانه اشد تأثيرا فى تزكية النفس وطهارتها من الشرك الجلى والخفى. قال فى نفائس المجالس النفس منبع العناد والخيانة ومعدن الشر والجناية فهى منشأ الفتن فى الانفس والآفاق وسبب ظهور الظلم على الاطلاق فلو حصل بين سلطان الروح ووزير العقل ومفتى القلب اتفاق لارتفع من القوى النفسانية والطبيعية خلاف وشقاق -وحكى- ان ثلاثة اثوار احدها اصفر والثانى ازرق والثالث اسود استولت على جبل باتفاق منها بحيث لم يقدر غيرها ان يرعى فى ذلك الجبل فتشاور الحيوانات يوما فى ذلك فقال اسدانا اتدارك الامر فجاء الى سفح الجبل فلما هجم الاثوار لمنعه قال الاسد يا اخوتى الاثوار اتركننى حتى اكون معكن فانه يحصل بسببى زيادة قوة فرضين باخوته وكونه بينهن فيوما قال للثور الاصفر والازرق ايها الاخوان ألا تريان ان لا مناسبة بيننا وبين الاسود فلو دبرنا فيه لكان خيرا قالا ماذا نفعل قال افعل ما ارى ان سامحتما وسكتتما قالا فافعل ما شئت فأتاه الاسد وهو يرعى فصال عليه فاستمد الثور الاسود من اخويه فلم يلتفتا فافترسه الاسد واكله ثم بعد زمان قال للاصفر يا اخى شعرك يشابه شعرى فبينى وبينك مناسبة تامة ولكن اى مناسبة فى ان يكون هذا الازرق بيننا فتعال حتى نرفعه من البين ويخلو لنا الجبل فقال افعل ما شئت فاتاه وهو يرعى فلما اراد ان يتعرض له خار واستمد من اخيه فلم يرفع له اخوه رأسا فاكله ثم بعد زمان قال للاصفر تهيأ فانى آكلك فانه أى مناسبة فى ان يكون بيننا اخوة واتفاق فتضرع ولكن لم يسمعه الاسد فقال الثور قد كنت اتصور مجيئ هذا الى رأسى منذ ما جاء الى رأس اخى الثور الاسود ما جاء فافترسه واكله فالنفس مثل هذا الاسد اذا ظهرت فى جبل الوجود غلبت على القوى واكلتها وفى هذا التمثيل مواعظ كثيرة لمن تأمل فيه: قال المولى جلال الدين الرومى قدس سره شعر : بيت من بيت نيست اقليمست هزل من هزل نيست تعليمست
الطوسي
تفسير : هذا اخبار عما قال يوسف على وجه التواضع لله لست أبريء نفسي من السوء، والتبرئة ازالة الشيء عما كان لازماً له، لان النفس امارة بالسوء اي تنازع الى السوء، فلست ابرىء نفسي من ذلك، وان كنت لا اطاوعها فيما نازعت اليه، والأمّارة الكثيرة الامر بالشيء، والنفس بهذه المنزلة لكثرة ما تشتهيه وتنازع اليه مما يقع الفعل لأجله، وهذا مجاز في الاصل غير انه كثر استعماله في العرف، فيقال نفسي تأمرني بكذا وتدعوني الى كذا من جهة شهوتي له، والا فلا يصح ان تأمر الانسان نفسه، لانه يقتضي الرتبة، لانه قول القائل لمن دونه (افعل) وذلك لا يصح بين الانسان وبين نفسه، واكثر المفسرين على ان هذا من قول يوسف. وقال ابو علي الجبائي هو من كلام المرأة. وقوله {إلا ما رحم ربي} استثناء من الانفس التي يرحمها الله، فلا تدعو الى القبيح، بان يفعل معها من الالطاف ما تنصرف عن ذلك. وقوله {إن ربي غفور رحيم} تمام الحكاية عن قائل ذلك انه اعترف بان الله تعال غفور رحيم اي ساتر عليهم ذنوبهم رحيم بهم بان يعفو عنهم ويقبل توبتهم.
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} فانّ شأنها التّلوثّ بالواث الذّنوب لا التّنزّه منها {إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} الاّ وقت رحمة ربّى او الاّ الّتى رحمها ربّى يعنى انّ التنزّه من محض الرّحمة لا من فعل النّفس وقيل قوله تعالى ذلك ليعلم (الى آخرها) من تتمّة كلام زليخا اى ذلك الاعتراف بخيانتى وطهارته ليعلم يوسف (ع) انّى لم اخنه بالغيب بنسبة الكذب اليه وانّ الله لا يهدى كيد الخائنين بابقائه مستوراً من غير ان يظهره وما ابرّء نفسى عن نسبة الخيانة والكذب اليه حيث خنته بنسبتهما اليه انّ النّفس لامّارة بالسّوء فبأمرها اسأت الاّ ما رحم ربّى {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ} لامر النّفس بالسّوء {رَّحِيمٌ} بعصمتى عن اتّباعها ولمّا ظهر لهم طهارته وعفّته كمال الظّهور اشتدّ طلبهم له.
اطفيش
تفسير : {وما أبِّرئ نفسى} من كل سوء على الإطلاق، ولو برئت من هذا يمن الله تعالى علىّ بالعصمة، وهذا منه هضم لنفسه، وتواضع لله عز وجل، وسكن غير نافع، وأبى عمرو الياء، ويجوز أن يكون المعنى لا أبرئ نفسى فى هذه الحادثة لميل نفسه ميلا طبيعيا أنه مؤاخذ عليه لعدم القصد والعزم عليه، ولأنه ضرورى إلى ما أحبت زليخا. {إنَّ النَّفْسَ} جنس النفوس، وهذا استئناف للتعليل أو المجرد بيان أمر النفس، كأنه قيل: هل النفس أمارة بالسوء؟ فقال: {إن النفس} {لأمارة بالسوء} بدليل التأكيد، فإنه حسن إذا كان المخاطب طالبا متردد جنس السوء، أكد أمر النفس بالجملة الاسمية وبأن وبلام التأكيد وبصفة المبالغة، وذلك أنها تميل بالطبع إلى الشهوة وتستغرق فيها، وتستعمل القوى والجوارح فيها ما وجت، ولا تقول قطنى. والتحقيق عندى أن النفس واحدة تميل بالطبع إلى الشهوات، وتميل بالطبع أيضا عما يضرها، ولكنها لا تتمالك عن اللذة بالعاجلة، فإذا تمكنت منها وثبت إليها، فمن ذلك وصفت بأنها أمارة بالسوء، فإن كانت مما يترتب عليه ضرر دنيوى أو أخروى ندمت، فمن هذا توصف بأنها لوَّامة، وإذا غلبها نور العقل وجبرها على الامتثال والاجتناب لم تفعل السوء وسكنت العقل، وخضعت فانها من ثم توصف بأنها مطمئنة كذا ظهر لى. {إلاَّ ما رَحم ربِّى} مصدرية، والمصدر نائب عن اسم الزمان، أى إلا رحمة ربى، أى إلا وقت رحمة ربى، وهذا جار على القليل من وقوع التفريغ فى الإثبات نحو: زيد يقرأ إلا يوم السبت، أى يقرى فى كل وقت إلى يوم السبت، والتقدير فى الآية: إن النفس لأمارة بالسوء فى كل وقت إلا وقت رحمة ربِّى، وقد أجاز بعضهم قياس ذلك، وذلك الوقت الذى لا تأمر فيه بالسوء، هو وقت غلبة العقل عليها، والوقت الذى لا تجد فيه سبيلا إلى شر، أو ما مصدرية والاستثناء منقطع، أى ما أبرئ نفسى، لكن رحمة ربى تمنع من السوء. ويجوز أن يكون ما اسما موصولا بمعنى من والاستثناء أيضا منقطع أى إلا من رحم ربى بالعصمة كما قال ابن عباس، وإنما قلت: منقطع لأن الإنسان مثلا ليس من جنس النفس، أو ما واقعه على أنواع من يعقل، فالاستثناء أيضا منقطع، ويحتمله كلام ابن عباس، وذلك المرحوم كالملائكة، ويجوز كون ما على أصلها لغير العاقل فى اصطلاح لنحو واقعة على النفس، فيكون الاستثناء متصلا، أى إلا النفس التى رحمها ربى بأن يعصهما أصلا عن الأمر بالسوء، كنفس الملائكة، فإن أنفسهم لا تأمرهم بالسوء، وإنما قلت: إن النفس غير عاقلة فى الاصطلاح، لأن العاقل فى الاصطلاح الإنسان يحملنه، والملك والجنى مثلا، فلو عبر عن العقل والنفس لعبر عنها بما لا يمن، والمنصوص عن ورش تحقيق همزة السوء وهمزة إلا، والمشهور عنه فى الأداء أنه يجعل الثانية من همزتين مكسورتين، إحداهما آخر كلمة، وأخرى أول كلمة كالياء الساكنة وكذا يفعل قليل. وعن على بن خاقان، عن ورش أنه يحمل الثانية ياء مكسورة فى البقرة فى قوله: {هؤلاء إن كنتم} وفى النور على البناء: {إن أردن} وقرأ قالون والبزى بالسوّ بتشديد الواو إبدالا لهمزة السوء واواً وإدغام الواو فى الواو، وتحقيق همزة إلا، وأبو عمرو يسقط الثانية على أصله والباقون يحققون الهمزتين. {إنَّ ربِّى غَفورٌ} للذنوب، من استغفره منها واعترف بها كهم النفس غير الضرورى {رَحِيمٌ} بالعصمة لمن يشاء وبالتوبة على من استرحمه مما ارتكب، وروى أنه لما قال ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب قال له جبريل: ولا حين هممت بها، فقال:{وما أبرئ نفسى} الآية، وقيل: لما قال ذلك قال له الملك الذى معه: اذكر ما هممت به، فقال: {وما أبرئ نفسى} الآية، وقيل: لما قال ذلك قال له جبريل: فما فعلت السراويل؟ فقال: {وما أبرئ نفسى} الآية. وروى أنه لما قال ذلك قال له الملك الذى تشبه بيعقوب منفرجا عن السقف: حين راودته ولا حين حللت سراويلك؟ فقال: {وما أبرئ نفسى} الآية وأثبت بكل تلك الروايات الشيخ هود، وأنكرهن الزمخشرى، وخطأ من قال بهن قال. ولقد لفتت المبطلة روايات مصنوعة، فزعموا أن يوسف حين قال:{أية : إنى لم أخنه بالغيب}تفسير : قال له جبريل عليه السلام: ولا حين هممت بها، قالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف، وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسوله أ هـ. وما تقدم من كون قوله:{أية : ذلك ليعلم أنى لم أخنه}تفسير : إلى {رحيم} من كلام يوسف هو قول الأكثرين، ولو وقع الفصل بكلامها لظهور المراد كما قيل فى قوله تعالى: {بماذا تأمرون} إنه من كلام فرعون مستشيرا بعد قول الملأ:{أية : إن هذا لساحر عليم يريد}تفسير : الخ ومثل: {وكذلك يفعلون} فإنه قيل: من كلام الله لأمر كلام بلقيس، ولم يميز بشىء، وقيل: إن قوله: {ذلك ليعلم} إلى {رحيم} من قول المرأة أيضا متصلا بكلامها فيكون المعنى أن ذلك الذى قلت على نفسى من مراودتى له ليعلم يوسف أنى لم أخنه بالكذب حال الغيبة، وجبت بالصحيح من القول حين سئلت، وذلك على أنها سئلت وهو فى السجن بحضرة الملك [فقالت:] وما أبرئ نفسى فإنى قد خنته حين بهتنه وقلت لزوجى:{أية : ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم}تفسير : وحين سجنته وإن النفس لأمارة بالسوء إلا نفسا رحمها ربى بالعصمة كنفس يوسف، واستنفرت واسترحمت الله مما ارتكب.
الالوسي
تفسير : {وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى} أي لا أنزهها عن السوء قال ذلك عليه السلام: هضماً لنفسه البرية عن كل سوء وتواضعاً لله تعالى وتحاشياً عن التزكية والإعجاب بحالها على أسلوب قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر» تفسير : أو تحديثاً بنعمة الله تعالى وإبرازاً لسره المكنون في شأن أفعال العباد أي لا أنزهها من حيث هي ـ هي ـ ولا أسند هذه الفضيلة إليها بمقتضى طبعها من غير توفيق من الله سبحانه بل إنما ذلك بتوفيقه جل شأنه ورحمته، وقيل: إنه أشار بذلك إلى أن عدم التعرض لم يكن لعدم الميل الطبيعي بل لخوف الله تعالى: {أَنَّ ٱلنَّفْسَ } البشرية التي من جملتها نفسي في حد ذاتها {لامَّارَةٌ } لكثيرة الأمر {بِٱلسُّوء } أي بجنسه، والمراد أنها كثيرة الميل إلى الشهوات مستعملة في تحصيلها القوى والآلات. وفي كثير من التفاسير أنه عليه السلام حين قال: {أية : لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [يوسف: 52] قال له جبريل عليه السلام: ولا حين هممت؟ فقال: {وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى} الخ، وقد أخرجه الحاكم في "تاريخه" وابن مردويه بلفظ قريب من هذا عن أنس مرفوعاً، وروي ذلك عن ابن عباس وحكيم بن جابر والحسن وغيرهم، وهو إن صح يحمل الهم فيه على الميل الصادر عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق العزم والقصد، وقيل: لا مانع من أن يحمل على الثاني ويقال: إنه صغيرة وهي تجوز على الأنبياء عليهم السلام قبل النبوة، ويلتزم أنه عليه السلام لم يكن إذ ذاك نبياً. والزمخشري جعل ذلك وما أشبهه من تلفيق المبطلة وبهتهم على الله تعالى ورسوله، وارتضاه وهو الحري بذلك ابن المنير وعرض بالمعتزلة بقوله: وذلك شأن المبطلة من كل طائفة. {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } قال ابن عطية: الجمهور على أن الاستثناء منقطع و {مَا } مصدرية أي لكن رحمة ربـي هي التي تصرف عنها السوء على حد ما جوز في قوله سبحانه: {أية : وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ * إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا } تفسير : [يس: 43-44] وجوز أن يكون استثناء من أعم الأوقات و {مَا } مصدرية ظرفية زمانية أي هي أمارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت رحمة ربـي وعصمته، والنصب على الظرفية لا على الاستثناء كما توهم، لكن فيه التفريغ في الإثبات والجمهور على أنه لا يجوز إلا بعد النفي أو شبهه. نعم أجازه بعضهم في الإثبات إن استقام المعنى كقرأت إلا يوم الجمعة. وأورد على هذا بأنه يلزم عليه كون نفس يوسف وغيره من الأنبياء عليهم السلام مائلة إلى الشهوات في أكثر الأوقات إلا أن يحمل ذلك على ما قبل النبوة بناءاً على جواز ما ذكر قبلها أو يراد جنس النفس لا كل واحدة. وتعقب بأن الأخير غير ظاهر لأن الاستثناء معيار العموم ولا يرد ما ذكر رأساً لأن المراد هضم النوع البشري اعترافاً بالعجز لولا العصمة على أن وقت الرحمة قد يعم العمر كله لبعضهم اهـ، ولعل الأولى الاقتصار على ما في حيز العلاوة فتأمل، وأن يكون استثناءً من النفس أو من الضمير المستتر في ـ أمارة ـ الراجع إليها/ أي كل نفس أمارة بالسوء إلا التي رحمها الله تعالى وعصمها عن ذلك كنفسي أو من مفعول ـ أمارة ـ المحذوف أي أمارة صاحبها إلا ما رحمه الله تعالى، وفيه وقوع {مَا } على من يعقل وهو خلاف الظاهر، ولينظر الفرق في ذلك بينه وبين انقطاع الاستثناء. {إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } عظيم المغفرة فيغفر ما يعتري النفس بمقتضى طباعها ومبالغ في الرحمة فيعصمها من الجريان على موجب ذلك، والإظهار في مقام الإضمار مع التعرض لعنوان الربوبية لتربية مبادىء المغفرة والرحمة، ولعل تقديم ما يفيد الأولى على ما يفيد الثانية لأن التخلية مقدمة على التحلية، وذهب الجبائي واستظهره أبو حيان إلى أن {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ } تفسير : [يوسف: 52] إلى هنا من كلام امرأة العزيز، والمعنى ذلك الإقرار والاعتراف بالحق ليعلم يوسف إني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال غيبته وما أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة حيث قلت ما قلت وفعلت به ما فعلت إن كل نفس أمارة بالسوء إلا نفساً رحمها الله تعالى بالعصمة كنفس يوسف عليه السلام إن ربـي غفور لمن استغفر لذنبه واعترف به رحيم له. وتعقب ذلك صاحب "الكشف" بأنه ليس موجبه إلا ما توهم من الاتصال الصوري وليس بذاك، ومن أين لها أن تقول: {وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } بعد ما وضح ولا كشية الأبلق أنها أمها يرجع إليها طمها ورمها. ومن الناس من انتصر له بأن أمر التعليل ظاهر عليه، وهو على تقدير جعله من كلامه عليه السلام غير ظاهر لأن علم العزيز بأنه لم يكن منه ما قرف به إنما يستدعي التفتيش مطلقاً لا خصوص تقديمه على الخروج حين طلبه الملك والظاهر على ذلك التقدير جعله له. وأجيب بأن المراد ليظهر علمه على أتم وجه وهو يستدعي الخصوص، ويساعد على إرادة ظهور العلم أن أصل العلم كان حاصلاً للعزيز قبل حين شهد شاهد من أهلها وفيه نظر، ويمكن أن يقال: إن في التثبت وتقديم التفتيش على الخروج من مراعاة حقوق العزيز ما فيه حيث لم يخرج من جنسه قبل ظهور بطلان ما جعله سبباً له مع أن الملك دعاه إليه، ويترتب على ذلك علمه بأنه لم يخنه في شيء من الأشياء أصلاً فضلاً عن خيانته في أهله لظهور أنه عليه السلام إذا لم يقدم على ما عسى أن يتوهم أنه نقض لما أبرمه مع قوة الداعي وتوفر الدواعي فهو بعدم الإقدام على غيره أجدر وأحرى، فالعلة للتثبت مع ما تلاه من القصة هي قصد حصول العلم بأنه عليه السلام لم يكن منه ما يخون به كائناً ما كان مع ما عطف عليه، وذلك العلم إنما يترتب على ما ذكر لا على التفتيش ولو بعد الخروج كما لا يخفى، أو يقال: إن المراد ليجري على موجب العلم بما ذكر بناءً على التزام أنه كان قبل ذلك عالماً به لكنه لم يجر على موجب علمه وإلا لما حبسه عليه السلام فيتلافى تقصيره بالإعراض عن تقبيح أمره أو بالثناء عليه ليحظى عند الملك ويعظمه الناس فتينع من دعوته أشجارها وتجري في أودية القلوب أنهارها، ولا شك أن هذا مما يترتب على تقديم التفتيش كما فعل، وليس ذلك مما لا يليق بشأنه عليه السلام بل الأنبياء عليهم السلام كثيراً ما يفعلون مثل ذلك في مبادي أمرهم؛ وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعطي الكافر إذا كان سيد قومه ما يعطيه ترويجاً لأمره، وإذا حمل قوله عليه السلام لصاحبه الناجي {أية : ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } تفسير : [يوسف: 42] على مثل هذا كما فعل أبو حيان تناسب طرفا الكلام أشد تناسب، وكذا لو حمل ذاك على ما اقتضاه ظاهر الكلام وتظافرت عليه الأخبار. وقيل: هنا: إن ذلك لئلا يقبح العزيز أمره عند الملك تمحلاً لإمضاء ما قضاه، ويكون ذلك من قبيل السعي في تحقيق المقتضى لخلاصه وهذا من قبيل التشمير لرفع المانع لكنه مما لا يليق بجلالة شأنه عليه السلام. / ولعل الدعاء بالمغفرة في الخبر السالف على هذا إشارة إلى ما ذكر، ويقال: إنه عليه السلام إنما لم يعاتب عليه كما عوتب على الأول لكونه دونه مع أنه قد بلغ السيل الزبـى، ولا يخفى أن عوده عليه السلام لما يستدعي أدنى عتاب بالنسبة إلى منصبه بعد أن جرى ما جرى في غاية البعد، ومن هنا قيل: الأولى أن يجعل ما تقدم كما تقدم ويحمل هذا على أنه عليه السلام أراد به تمهيد أمر الدعوة إلى الله تعالى جبراً لما فعل قبل واتباعاً لخلاف الأولى بالنظر إلى مقامه بالأولى، وقيل: في وجه التعليل غير ذلك، وأخرج ابن جرير عن ابن جريج أن هذا من تقديم القرآن وتأخيره وذهب إلى أنه متصل بقوله: {أية : فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } تفسير : [يوسف: 50] الخ ويرد على ظاهره ما لا يخفى فتأمل جميع ما ذكرناه لتكون على بصيرة من أمرك. وفي رواية البزي عن ابن كثير. وقالون عن نافع أنهما قرآ {بالسو} على قلب الهمزة واواً والإدغام.
ابن عاشور
تفسير : ظاهر ترتيب الكلام أن هذا من كلام امرأة العزيز، مضت في بقية إقرارها فقالت: {وما أبرىء نفسي}. وذلك كالاحتراس مما يقتضيه قولها: { أية : ذلك لِيَعْلَم أني لم أخنْه بالغيب } تفسير : [سورة يوسف: 52] من أن تبرئة نفسها من هذا الذنب العظيم ادعاءٌ بأن نفسها بريئة براءة عامة فقالت: {وما أبرىء نفسي}، أي ما أبرىء نفسي من محاولة هذا الإثم لأن النفس أمّارة بالسوء وقد أمرتني بالسوء ولكنه لم يقع. فالواو التي في الجملة استئنافية، والجملة ابتدائية. وجمة {إن النفس لأمارة بالسوء} تعليل لجملة {وما أبرىء نفسي}، أي لا أدعي براءة نفسي من ارتكاب الذنب، لأن النفوس كثيرة الأمر بالسوء. والاستثناء في {إلا ما رحم ربي} استثناء من عموم الأزمان، أي أزمان وقوع السوء، بناءً على أن أمر النفس به يبعث على ارتكابه في كلّ الأوقات إلاّ وقت رحمة الله عبده، أي رحمته بأن يقيّض له ما يصرفه عن فعل السوء، أو يقيض حائلاً بينه وبين فعل السوء، كما جعل إباية يوسف ــــ عليه السلام ــــ من إجابتها إلى ما دعتْه إليه حائلاً بينها وبين التورط في هذا الإثم، وذلك لطف من الله بهما. ولذلك ذيلته بجملة {إن ربي غفور رحيم} ثناءً على الله بأنه شديد المغفرة لمن أذنب، وشديد الرحمة لعبده إذا أراد صرفه عن الذنب. وهذا يقتضي أن قومها يؤمنون بالله ويحرمون الحرام، وذلك لا ينافي أنهم كانوا مشركين فإن المشركين من العرب كانوا يؤمنون بالله أيضاً، قال تعالى: { أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولُن الله } تفسير : [سورة العنكبوت: 61] وكانوا يعرفون البر والذنب. وفي اعتراف امرأة العزيز بحضرة الملك عبرة بفضيلة الاعتراف بالحق، وتبرئة البريء مما ألصق به، ومن خشية عقاب الله الخائنين. وقيل: هذا الكلام كلام يوسف عليه السلام متصل بقوله: { أية : ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } تفسير : الآية [سورة يوسف: 50]. وقوله: { أية : قال ما خَطْبُكُنّ إذ رَاوَدْتُنّ يوسف } تفسير : [سورة يوسف: 51] إلى قوله { أية : وأن الله لا يهدي كَيْد الخائنين } تفسير : [سورة يوسف: 52] اعتراض في خلال كلام يوسف عليه السلام. وبذلك فسّرها مجاهد وقتادة وأبو صالح وابن جريج والحسن والضحّاك والسدّي وابن جبير، واقتصر عليه الطبري. قال في الكشاف: (وكفى بالمعنى دليلاً قائداً إلى أن يجعل من كلام يوسف ــــ عليه السلام ــــ، ونحوُه قوله: { أية : قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم} تفسير : [سورة الأعراف: 109 - 110] ثم قال {أية : فماذا تأمرون } تفسير : [سورة الأعراف: 110] وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم) ا هـ. يريد أن معنى هذه الجملة أليق بأن يكون من كلام يوسف عليه السلام لأن من شأنه أن يصدر عن قلب مليء بالمعرفة. وعلى هذا الوجه يكون ضمير الغيبة في قوله: { أية : لم أخنه } تفسير : [سورة يوسف: 52] عائداً إلى معلوم من مقام القضية وهو العزيز، أي لم أخن سيدي في حرمته حال مغيبه. ويكون معنى {وما أبرىء نفسي} الخ. مثل ما تقدم قصد به التواضع، أي لست أقول هذا ادعاء بأن نفسي بريئة من ارتكاب الذنوب إلا مدة رحمة الله النفس بتوفيقها لأكف عن السوء، أي أني لم أفعل ما اتهمت به وأنا لست بمعصوم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لأمارة بالسوء: أي كثيرة الأمر والسوء هو ما يُسيء إلى النفس البشرية مثل الذنوب. إلا ما رحم ربي: أي إلا من رحمه الله فإِن نفسه لا تأمر بالسوء لطيبها وطهارتها. استخلصه لنفسي: أجعله من خلصائي من أهل مشورتي وأسراري. مكين أمين: أي ذو مكانة تتمكن بها من فعل ما تشاء، أمين مؤتمن على كل شيء عندنا. خزائن الأرض: أي خزائن الدولة في أرض مصر. إني حفيظ عليم: أي أحافظ على ما تسنده إليّ واحفظه، عليم بتدبيره. يتبوأ: أي ينزل ويحل حيث يشاء بعد ما كان في غيابة الجُب وضيق السجن. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث على يوسف عليه السلام فقوله تعالى: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} هذا من قول يوسف عليه السلام، إذ قال لما طلب إلى الملك أن يحقق في قضية النسوة اللاتي قطعن أيديهن وامرأة العزيز وتم التحقيق بالإِعلان عن براءة يوسف مما اتهم به قال ذلك، أي فعلت ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. وهضماً لنفسه من جهة ومن جهة أخرى فقد همَّ بضرب زليخا كما تقدم، قال: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} وعلل لذلك فقال {إِنَّ ٱلنَّفْسَ} أي البشرية {لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} إلا نفساً رحمها ربي بتوفيقها إلى تزكيتها وتطهيرها بالإِيمان وصالح الأعمال فإنها تصبح نفساً مطمئنة تأمر بالخير وتنهى عن الشر، وقوله: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ذكر هذه الجملة تعليلاً لقوله: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} فذكر وإن حصل منيّ هم بضرب وهو سوء فإني تبت إلى الله، والله غفور أي يعفو ويصفح فلا يؤاخذ من تاب إليه ويرحمه فإنه رحيم بالمؤمنين من عباده. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [53] أما الآية الثانية [54] والثالثة [55] فقد تضمنت استدعاء الملك ليوسف وما دار من حديث بينهما إذ قال تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ} الريان بن الوليد {ٱئْتُونِي بِهِ} أي بيوسف بعد أن ظهر له علمه وكماله الروحي {أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} أي أجعله خالصاً لي أستشيره في أمري وأستعين به على مهام ملكي وجاء يوسف من السجن وجلس إلى الملك وتحدث معه وسأله عن موضوع سني الخصب والجدب فأجابه بما أثلج صدره من التدابير الحكيمة السديدة وهنا قال له ما أَخْبَر تعالى به قال له: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} أي ذو مكانة عندنا تمكنك من التصرف في البلاد كيف تشاء أمين على كل شيء عندنا فأجابه يوسف بما أخبر به تعالى بقوله: {قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ} أي أرض مصر ومعنى هذا أنه حل محل العزيز الذي قد مات في تلك الأيام. وعلل لطلبه وزارة المال والاقتصاد بقوله: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} أي حفيظ على ما أتولى تدبيره عليم بكيفية الإِدارة وتدبير الشؤون. وقوله تعالى في الآية الرابعة [56]: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ} أي بمثل هذه الأسباب والتدابير مكنا ليوسف في أرض مصر يتبوأ منها أي ينزل حيث يشاء يتقلب فيها أخذاً وعطاء وإنشاء وتعميراً لأنه أصبح وزيراً مطلق التصرف. وقوله تعالى: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ} أي رحمته من عبادنا ولا نضيع أجر المحسنين، وهذا وعد من الله تعالى لأهل الإِحسان بتوفيتهم أجورهم، ويوسف عليه السلام من شاء الله رحمتهم كما هو من أهل الإِحسان الذين يوفيهم الله تعالى أجورهم في الدنيا والآخرة، وأخبر تعالى أن أجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون، ترغيباً في الإِيمان والتقوى إذ بهما تنال ولاية الله تعالى عز وجل إذ أولياؤه هم المؤمنون المتقون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضيلة هضم النفس باتهامها بالنقص والتقصير. 2- تحقيق الحكمة القائلة: المرءُ مخبوء تحت لسانه. 3- جواز ذكْرِ المُرشِّح للعمل كحذق الصنعة ونحوه ولا يعد تزكية للنفس. 4- فضيلة الإِحسان في المعتقد والقول والعمل. 5- فضل الإِيمان والتقوى.
د. أسعد حومد
تفسير : (53) - ثُمَّ قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: وَإِنِّي لاَ أُبْرِيءُ نَفْسِي مِنَ التَّفْكِيرِ بِالسُّوءِ، لأََنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِهِ، وَكُلُّ نَفْسٍ تُفَكِّرُ بِالسُّوءِ إِلاَّ النَّفْسَ التِي عَصَمَهَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا القول من تمام كلام امرأة العزيز؛ وكأنها توضح سبب حضورها لهذا المجلس؛ فهي لم تحضر لتبرىء نفسها: {إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ ..} [يوسف: 53]. ومجيء قول الحق سبحانه المؤكِّد أن النفس على إطلاقها أمَّارة بالسوء؛ يجعلنا نقول: إن يوسف أيضاً نفس بشرية. وقد قال بعض العلماء: إن هذا القول من كلام يوسف، كردٍّ عليها حين قالت: {أية : أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ * ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} تفسير : [يوسف: 51-52]. وكان من المناسب أن يرد يوسف عليه السلام بالقول: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ..} [يوسف: 53]. ويمكن أن يُنسب هذا القول إلى يوسف كَلَوْنٍ من الحرص على ألاَّ يلمسه غرور الإيمان، فهو كرسول من الله يعلم أن الله سبحانه هو الذي صرف كيدهُنَّ عنه. وهذا لَوْن من رحمة الله به؛ فهو كبشر مُجرّد عن العصمة والمنهج من الممكن أن تحدث له الغواية؛ لكن الحق سبحانه عصمه من الزَّلَل. ومن لُطْف الله أن قال عن النفس: إنها أمَّارة بالسوء؛ وفي هذا توضيح كافٍ لطبيعة عمل النفس؛ فهي ليستْ آمرةً بالسوء، بمعنى أنها تأمر الإنسان لتقع منه المعصية مرة واحدة وينتهي الأمر. لا، بل انتبه أيها الإنسان إلى حقيقة عمل النفس، فهي دائماً أمَّارة بالسوء، وأنت تعلم أن التكليفات الإلهية كلها إمَّا أوامر أو نَوَاهٍ، وقد تستقبِل الأوامر كتكليف يشقُّ على نفسك، وأنت تعلم أن النواهي تمنعك من أفعال قد تكون مرغوبة لك، لأنها في ظاهرها ممتعة، وتلبي نداء غرائز الإنسان. ولذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "حديث : حُفَّتْ الجنة بالمكاره، وحُفَّتْ النار بالشهوات ". تفسير : أي: أن المعاصي قد تُغريك، ولكن العاقل هو من يملك زمام نفسه، ويُقدِّر العواقب البعيدة، ولا ينظر إلى اللذة العارضة الوقتية؛ إلا إذا نظر معها إلى الغاية التي تُوصِّله إليها تلك اللذة؛ لأن شيئاً قد تستلِذُّ به لحظة قد تَشْقى به زمناً طويلاً. ولذلك قلنا: إن الذي يُسرف على نفسه غافل عن ثواب الطاعة وعن عذاب العقوبة، ولو استحضر الثواب على الطاعة، والعذاب على المعصية؛ لامتنع عن الإسراف على نفسه. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". تفسير : إذن: فلحظة ارتكاب المعصية نجد الإنسان وهو يستر إيمانه؛ ولا يضع في باله أنه قد يموت قبل أن يتوبَ عن معصيته، أو قبل أن يُكفِّر عنها. ويخطىء الإنسان في حساب عمره؛ لأن أحداً لا يعلم ميعاد أجله؛ أو الوقت الذي يفصل بينه وبين حساب الموْلَى - عَزَّ وجَلَّ - له على المعاصي. وكل مِنَّا مُطَالب بأن يضع في حُسْبانه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : الموت القيامة، فمَنْ مات فقد قامت قيامته ". تفسير : ولنا أسوة طيبة في عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وهو الخليفة الثالث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتلَّ لحيته، فسُئِل عن ذلك؛ وقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي إذا وقفتَ على قبر؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن القبر أول منازل الآخرة، فإنْ نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم يَنْجُ منه، فما بعده أشد ". تفسير : لذلك فلا يستبعد أحد ميعاد لقائه بالموت. وتستمر الآية: {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [يوسف: 53]. ونعلم أن هناك ما يشفي من الداء، وهناك ما يُحصِّن الإنسان، ويعطيه مناعة أن يصيبه الداء، والحق سبحانه غفور، بمعنى أنه يغفر الذنوب، ويمحوها، والحق سبحانه رحيم، بمعنى أنه يمنح الإنسان مناعة، فلا يصيبه الداء، فلا يقع في زلة أخرى. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ..} تفسير : [الإسراء: 82]. فساعةَ تسمع القرآن فهو يشفيك من الداء الذي تعاني منه نفسياً ويُقوِّي قدرتك على مقاومة الداء؛ ويُفجِّر طاقات الشفاء الكامنة في أعماقك. وهو رحمة لك حين تتخذه منهجاً، وتُطبِّقه في حياتك؛ فيمنحك مناعة تحميك من المرض، فهو طِبّ علاجيّ وطبّ وقائيّ في آنٍ واحد. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم قال: إظهار للعجز من نفس والفضل من ربه، {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} [يوسف: 53] يعني: خلقت النفس على جبلة الأمارية بالسوء طبعاً حين خليت إلى طبعها لا يأتي منها إلا الشر ولا تأمر بالسوء، ولكن إذا رحمها ربها ونظر إليها بنظر العناية يقبلها من طبعها ويبدل صفاتها، ويجعل أماريتها مبدلة بالمأمورية وشريتها بالخيرية، فإذا تنفس صبح الهداية في ليلة البشرية وأضاء أفق سماء القلب صارت النفس لوامة تلوم نفسها على شر فعلتها، وندمت على ما صدر عنها من الأمارية بالسوء، فيتوب الله عليها فان الندم توبة، وإذا طلعت شمس العناية من أفق الهداية صارت النفس ملهمة إذ هي تنورت بأنوار شمس العناية فألهمها نورها فجورها وتقواها، وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية وأشرقت الأرض بنور ربها صارت النفس مطمئنة مستعدة لخطاب ربها بجذبة {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}تفسير : [الفجر: 28]، {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ} [يوسف: 53] لنفس تائبة راجعة إليه، {رَّحِيمٌ} [يوسف: 53] لمن أحسن طاعته وعبوديته. {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54]، ويشير إلى أن ملك الروح لمَّا وقف على حسن استعداد يوسف القلب، وأن له اختصاصاً بالله في علم تأويل ما يرى الروح ما أراه الحق تعالى من مكنونات الغيب، ولم يعلم حقيقته إلا أن يؤوله له القلب له بما خص الله تعالى القلب بالنظر إليه، وهو ينظر بنور الله الذي هو من خصوصيته نظر الله تعالى إليه فيرى حقائق الأشياء بالنور، فالروح تسعى في خلاص القلب عن سجن صفات البشرية؛ ليكون خالصاً له في كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم أنه خلق لإصلاح جميع رعايا مملكته روحانية وجمسانية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا أصلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب ". تفسير : وللقلب اختصاص آخر بالله تعالى دون سائر المخلوقات فهو به خالصته للحق دون الخلق وهو قوله: "حديث : لا يسعني أرضي ولا سمائي، وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن"تفسير : وهذا كما كان حال ملك مصر مع يوسف لمَّا رأى أن له علم تأويل رؤياه الذي هو بمعزل عن عمله قال: {ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} [يوسف: 54] لمَّا علم أنه خلق لإصلاح جميع رعاياها ملك مصر وغيرها، وهو خالصة الله تعالى لا يصلح أن يكون خالصة للملك، ولكن الله تعالى استحسن من الملك إحسانه مع يوسف واستخلاصه من السجن، فما أحسن إليه بأن رزقه الإيمان، واستخلصه من سجن الكفر والجهل، وجعله خالصته بحضرته بالعبودية، وترك الدنيا وزخارفها، وطلب الآخرة ودرجاتها. {قَالَ} يوسف القلب لملك الروح {ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ} [يوسف: 55] أي: خزائن أرض الجسد، فإن لله تعالى في كل عضو من أعضاء ظاهر الجسد وباطنه خزانة من اللطف والقهر فيما نعمة أخرى، كالعين فيها نعمة البصر فإن استعملها في رؤية البصر ورؤية الآيات والصنائع فيجد اللطف وينتفع به، وإن استعملها في مستلذاتها وشهوات النفس ولم يحفظ نفسه منها فتجد القهر ويضره ذلك، وقس الباقي على هذا المثال، ولهذا قال يوسف: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] أي: حافظ نفس فيها عمَّا يضرها عليم بنفعها وضرها واستعمالها فيما ينفع ولا يضر. {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} ليوسف القلب، {فِي ٱلأَرْضِ} أرض الجسد، {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا} أي: يتصرف في جميع الأعضاء، {حَيْثُ يَشَآءُ} [يوسف: 56] من تلك الخزائن، {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ} [يوسف: 56] يشر إلى أن إصابة اللطف من تلك الخزائن دون القهر موكلة إلى مشيئة الله تعالى لا إلى مشيئة الخلق، فإن الخلق لو وصلوا إلى شيمهم ومشيئتهم أصابوا من تلك الخزائن باستعمالهم نعمها في مشتهيات نفوسهم القهر الموجع فيها دون اللطف. {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56] أي: الحافظين نفوسهم عن هواها وشهواتها العالمين بالتصرف في تلك الخزائن على وفق الشرع وخلاف الطبع، {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ} [يوسف: 57] أي: رفعة الدرجات الأخرويات والنعم الباقيات، {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [يوسف: 57] من الشهوات الدنيويات الفانيات بالطاعات والقربات، فملَّا تمكن يوسف القلب في حمي مملكة مصر الجسد بالتأييد الرباني، وصارت خزائن أرض الجسد تحت تصرفه واحتاجت رعايا الأعضاء والجوارح إليه حتى أوصاف البشرية التي هي بمثابة إخوة يوسف فجاءوا إليه في طلب الميسرة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):