Verse. 1650 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُوْنِيْ بِہٖۗ اَسْتَخْلِصْہُ لِنَفْسِيْ۝۰ۚ فَلَمَّا كَلَّمَہٗ قَالَ اِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنٌ اَمِيْنٌ۝۵۴
Waqala almaliku itoonee bihi astakhlishu linafsee falamma kallamahu qala innaka alyawma ladayna makeenun ameenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي» أجعله خالصا لي دون شريك فجاءه الرسول وقال: أجب الملك فقام وودع أهل السجن ودعا لهم ثم اغتسل ولبس ثيابا حسانا ودخل عليه «فلما كلمه قال» له «إنك اليوم لدينا مكين أمين» ذو مكانة وأمانة على أمرنا فماذا ترى أن نفعل؟ قال: اجمع الطعام وازرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة وادخر الطعام في سنبله فتأتي إليك الخلق ليمتاروا منك فقال: ومن لي بهذا؟.

54

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في هذا الملك فمنهم من قال: هو العزيز، ومنهم من قال: بل هو الريان الذي هو الملك الأكبر، وهذا هو الأظهر لوجهين: الأول: أن قول يوسف: {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأَرْضِ } يدل عليه. الثاني: أن قوله: {أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى } يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً له، وقد كان يوسف عليه السلام قبل ذلك خالصاً للعزيز، فدل هذا على أن هذا الملك هو الملك الأكبر. المسألة الثانية: ذكروا أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام وهو في الحبس وقال: «قل اللهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث لا أحتسب» فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه من السجن، وتقرير الكلام: أن الملك عظم اعتقاده في يوسف لوجوه: أحدها: أنه عظم اعتقاده في علمه، وذلك لأنه لما عجز القوم عن الجواب وقدر هو على الجواب الموافق الذي يشهد العقل بصحته مال الطبع إليه، وثانيها: أنه عظم اعتقاده في صبره وثباته، وذلك لأنه بعد أن بقي في السجن بضع سنين لما أذن له في الخروج ما أسرع إلى الخروج بل صبر وتوقف وطلب أولاً ما يدل على براءة حاله عن جميع لتهم، وثالثها: أنه عظم اعتقاده في حسن أدبه، وذلك لأنه اقتصر على قوله: { أية : مَا بَالُ ٱلنّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } تفسير : [يوسف: 50] وإن كان غرضه ذكر امرأة العزيز فستر ذكرها، وتعرض لأمر سائر النسوة مع أنه وصل إليه من جهتها أنواع عظيمة من البلاء وهذا من الأدب العجيب. ورابعها: براءة حاله عن جميع أنواع التهم فإن الخصم أقر له بالطهارة والنزاهة والبراءة عن الجرم. وخامسها: أن الشرابي وصف له جده في الطاعات واجتهاده في الإحسان إلى الذين كانوافي السجن. وسادسها: أنه بقي في السجن بضع سنين، وهذه الأمور كل واحد منها يوجب حسن الاعتقاد في الإنسان، فكيف مجموعها، فلهذا السبب حسن اعتقاد الملك فيه وإذا أراد الله شيئاً جمع أسبابه وقواها. إذا عرفت هذا فنقول: لما ظهر للملك هذه الأحوال من يوسف عليه السلام رغب أن يتخذه لنفسه فقال: {ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى } روي أن الرسول قال ليوسف عليه السلام ثم إلى الملك متنظفاً من درن السجن بالثياب النظيفة والهيئة الحسنة فكتب على باب السجن هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء، ولما دخل عليه قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم دخل عليه وسلم ودعا له بالعبرانية والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك وهذا الملك طلب أن يكون يوسف له وحده وأنه لا يشاركه فيه غيره لأن عادة الملوك أن ينفردوا بالأشياء النفيسة الرفيعة فلما علم الملك أنه وحيد زمانه وفريد أقرانه أراد أن ينفرد به. روي أن الملك قال ليوسف عليه السلام ما من شيء إلا وأحب أن تشركني فيه إلا في أهلي وفي أن لا تأكل معي فقال يوسف عليه السلام، أما ترى أن آكل معك، وأنا يوسف بن يعقوب بن إسحق الذبيح بن إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم قال: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ } وفيه قولان: أحدهما: أن المراد فلما كلم الملك يوسف عليه السلام قالوا لأن في مجالس الملوك لا يحسن لأحد أن يبتدىء بالكلام وإنما الذي يبتدىء به هو الملك، والثاني: أن المراد: فلما كلم يوسف الملك قيل: لما صار يوسف إلى الملك وكان ذلك الوقت ابن ثلاثين سنة، فلما رآه الملك حدثاً شاباً قال للشرابي: هذا هو الذي علم تأويل رؤياي مع أن السحرة والكهنة ماعلموها قال نعم، فأقبل على يوسف وقال: إني أحب أن أسمع تأويل الرؤيا منك شفاهاً، فأجاب بذلك الجواب شفاهاً وشهد قلبه بصحته، فعند ذلك قال له: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ } يقال: فلان مكين عند فلان بين المكانة أي المنزلة، وهي حالة يتمكن بها صاحبها مما يريد. وقوله: {أَمِينٌ } أي قد عرفنا أمانتك وبراءتك مما نسبت إليه. واعلم أن قوله: {مِكِينٌ أَمِينٌ } كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب، وذلك لأنه لا بد في كونه مكيناً من القدرة والعلم. أما القدرة فلأن بها يحصل المكنة. وأما العلم فلأن كونه متمكناً من أفعال الخير لا يحصل إلا به إذ لو لم يكن عالماً بما ينبغي وبما لا ينبغي لا يمكنه تخصيص ما ينبغي بالفعل، وتخصيص ما لا ينبغي بالترك، فثبت أن كونه مكيناً لا يحصل إلا بالقدرة والعلم. أما كونه أميناً فهو عبارة عن كونه حكيماً لا يفعل الفعل لداعي الشهوة بل إنما يفعله لداعي الحكمة، فثبت أن كونه مكيناً أميناً يدل على كونه قادراً، وعلى كونه عالماً بمواقع الخير والشر والصلاح والفساد، وعلى كونه بحيث يفعل لداعي الحكمة لا لداعية الشهوة، وكل من كان كذلك فإنه لا يصدر عنه فعل الشر والسفه فلهذا المعنى لما حاولت المعتزلة إثبات أنه تعالى لا يفعل القبيح قالوا إنه تعالى لا يفعل القبيح لأنه تعالى عالم بقبح القبيح عالم بكونه غنياً عنه وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح قالوا: وإنما يكون غنياً عن القبيح إذا كان قادراً، وإذا كان منزهاً عن داعية السفه فثبت أن وصفه بكونه مكيناً أميناً نهاية ما يمكن ذكره في هذا الباب ثم حكى تعالى أن يوسف عليه السلام قال في هذا المقام {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلاْرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال المفسرون: لما عبر يوسف عليه السلام رؤيا الملك بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنون المجدبة بعنا الغلات فيحصل بهذا الطريق مال عظيم فقال الملك ومن لي بهذا الشغل فقال يوسف: {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلاْرْضِ } أي على خزائن أرض مصر وأدخل الألف واللام على الأرض، والمراد منه المعهود السابق. روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أنه قال: « حديث : رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لأستعمله من ساعته لكنه لما قال ذلك أخره عنه سنة » تفسير : وأقول هذا من العجائب لأنه لما تأبى عن الخروج من السجن سهل الله عليه ذلك على أحسن الوجوه ولما تسارع في ذكر الالتماس أخر الله تعالى ذلك المطلوب عنه وهذا يدل على أن ترك التصرف والتفويض بالكلية إلى الله تعالى أولى. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: لم طلب يوسف الإمارة والنبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة» وأيضاً فكيف طلب الإمارة من سلطان كافر، وأيضاً لم لم يصبر مدة ولم أظهر الرغبة في طلب الأمارة في الحالة، وأيضاً لم طلب أمر الخزائن في أول الأمر، مع أن هذا يورث نوع تهمة وأيضاً كيف جوز من نفسه مدح نفسه بقوله: {إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } مع أنه تعالى يقول: { أية : فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النجم: 32] وأيضاً فما الفائدة في قوله: {إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } وأيضاً لم ترك الاستثناء في هذا فإن الأحسن أن يقول: إني حفيظ عليم إن شاء الله بدليل قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الكهف: 23، 24] فهذه أسئلة سبعة لا بد من جوابها فنقول: الأصل في جواب هذه المسائل أن التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه، فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان، إنما قلنا: إن ذلك التصرف كان واجباً عليه لوجوه: الأول: أنه كان رسولاً حقاً من الله تعالى إلى الخلق، والرسول يجب عليه رعاية مصالح الأمة بقدر الإمكان، والثاني: وهو أنه عليه السلام علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد الذي ربما أفضى إلى هلاك الخلق العظيم، فلعله تعالى أمره بأن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق، والثالث: أن السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم أمر مستحسن في العقول. وإذا ثبت هذا فنقول: إنه عليه السلام كان مكلفاً برعاية مصالح الخلق من هذه الوجوه، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فكان هذا الطريق واجباً عليه ولما كان واجباً سقطت الأسئلة بالكلية، وأما ترك الاستثناء فقال الواحدي: كان ذلك من خطيئة أوجبت عقوبة وهي أنه تعالى أخر عنه حصول ذلك المقصود سنة، وأقول: لعل السبب فيه أنه لو ذكر هذا الاستثناء لاعتقد فيه الملك أنه إنما ذكره لعلمه بأنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي فلأجل هذا المعنى ترك الاستثناء، وأما قوله لم مدح نفسه فجوابه من وجوه: الأول: لا نسلم أنه مدح نفسه لكنه بين كونه موصوفاً بهاتين الصفتين النافعتين في حصول هذا المطلوب، وبين البابين فرق وكأنه قد غلب على ظنه أنه يحتاج إلى ذكر هذا الوصف لأن الملك وإن علم كماله في علوم الدين لكنه ما كان عالماً بأنه يفي بهذا الأمر، ثم نقول هب أنه مدح نفسه إلا أن مدح النفس إنما يكون مذموماً إذا قصد الرجل به التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل، فأما على غير هذا الوجه فلا نسلم أنه محرم فقوله تعالى: { أية : فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النجم: 32] المراد منه تزكية النفس حال مايعلم كونها غير متزكية، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ } أما إذا كان الإنسان عالماً بأنه صدق وحق فهذا غير ممنوع منه والله أعلم. قوله ما الفائدة في وصفه نفسه بأنه حفيظ عليم؟ قلنا: إنه جار مجرى أن يقول حفيظ بجميع الوجوه التي منها يمكن تحصيل الدخل والمال، عليم بالجهات التي تصلح لأن يصرف المال إليها، ويقال: حفيظ بجميع مصالح الناس، عليم بجهات حاجاتهم أو يقال: حفيظ لوجوه أياديك وكرمك، عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والخضوع وهذا باب واسع يمكن تكثيره لمن أراده.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} لما ثبت للملك براءته مما نُسب إليه؛ وتحقّق في القصة أمانته، وفهم أيضاً صبره وجَلَده عظمت منزلته عنده، وتيقّن حسن خلاله قال: «ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي» فانظر إلى قول الملك أولاً ـ حين تحقق علمه ـ «ٱئْتُونِي بِهِ» فقط، فلما فعل يوسف ما فعل ثانياً قال: {ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} ورُوي عن وهب بن منَبِّه قال: لما دُعي يوسف وقف بالباب فقال: حسبي ربّي من خلقه، عزَّ جاره وجلّ ثناؤه ولا إلٰه غيره. ثم دخل فلما نظر إليه الملك نزل عن سريره فخرّ له ساجداً؛ ثم أقعده الملك معه على سريره فقال: «إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ». «قَالَ» له يوسف: «اجْعَلْني عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ» للخزائن «عَلِيمٌ» بوجوه تصرفاتها. وقيل: حافظ للحساب، عليم بالألسن. وفي الخبر: «حديث : يرحم الله أخي يوسف لو لم يقل ٱجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكن أخَّر ذلك سنة»تفسير : . وقيل: إنما تأخر تمليكه إلى سنة لأنه لم يقل إن شاء الله. وقد قيل في هذه القصة: إن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شرّه وشرّ غيره؛ ثم سلّم على الملك بالعربية فقال: ما هذا اللسان؟ قال: هذا لسان عَمِّي إسمعيل، ثم دعا (له) بالعبرانية فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب؛ وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً، فكلما (تكلم الملك) بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان، فأعجب الملك أمره، وكان يوسف إذ ذاك ٱبن ثلاثين سنة؛ ثم أجلسه على سريره وقال: أحب أن أسمع منك رؤياي، قال يوسف: نعم أيها الملك! رأيتَ سبع بقرات سِمانٍ شُهْباً غُرًّا حساناً، كشف لك عنهن النِّيل فطلعن عليك من شاطئه تَشخُب أخلافها لبناً؛ فبينا أنت تنظر إليهنّ وتتعجب من حسنهنّ إذ نَضَب النِّيل فغار ماؤه، وبدا أُسُّه، فخرج من حَمَئه وَوَحَله سبع بقرات عِجاف شُعْث غُبْر مُقَلَّصات البطون، ليس لهنّ ضروع ولا أخلاف، لهنّ أنياب وأضراس، وأكفّ كأكف الكلاب وخراطيم كخراطيم السّباع، فاختلطن بالسِّمان فافترسنهنّ ٱفتراس السّباع، فأكلن لحومهنّ، ومزّقن جلودهنّ، وحطّمن عظامهنّ، ومشمشن مخّهنّ؛ فبينا أنت تنظر وتتعجب كيف غلبنهنّ وهنّ مهازيل! ثم لم يظهر منهنّ سِمَن ولا زيادة بعد أكلهن إذا بسبع سنابل خضر طريات ناعمات ممتلئات حباً وماء، وإلى جانبهنّ سبع يابسات ليس فيهنّ ماء ولا خضرة في منبت واحد، عروقهنّ في الثرى والماء، فبينا أنت تقول في نفسك: أي شيء هذا؟ هؤلاء خضر مثمرات، وهؤلاء سود يابسات، والمنبت واحد، وأصولهن في الماء، إذ هبّت ريح فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات، فأشعلت فيهن النار فأحرقتهنّ؛ فصرن سوداً مغبرات؛ فانتبهتَ مذعوراً أيها الملك؛ فقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا وإن كان عجباً بأعجب مما سمعتُ منك! فما ترى في رؤياي أيها الصدّيق؟ فقال يوسف: أرى أن تجمع الطعام، وتزرع زرعاً كثيراً في هذه السنين المخصبة؛ فإنك لو زرعت على حجر أو مَدَر لنبت، وأظهر الله فيه النّماء والبركة، ثم ترفع الزرع في قصبه وسنبله تبني له المخازن العظام؛ فيكون القصب والسّنبل عَلَفاً للدواب، وحبه للناس، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم إلى أهْرَائك الخُمْس؛ فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، ويأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك؛ فقال الملك: ومن لي بتدبير هذه الأمور؟ ولو جمعت أهل مصر جميعاً ما أطاقوا، ولم يكونوا فيه أمناء؛ فقال يوسف عليه السلام (عند ذلك): «ٱجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ» أي على خزائن أرضك؛ وهي جمع خِزانة؛ ودخلت الألف واللام عوضاً من الإضافة، كقول النابغة:شعر : لَهُمْ شِيمَةٌ لم يُعْطِهَا الله غَيْرَهُمْ مِنَ الجُودِ والأَحْلاَمِ غَيْرُ كَوَاذِبِ تفسير : قوله تعالى: {أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} جزم لأنه جواب الأمر؛ وهذا يدلّ على أن قوله: «ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» جَرَى في السّجن. ويحتمل أنه جرى عند الملك، ثم قال في مجلس آخر: «ٱئْتُونِي بِهِ» تأكيداً «أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي» أي أجعله خالصاً لنفسي، أفوّض إليه أمر مملكتي؛ فذهبوا فجاؤوا به؛ ودلّ على هذا {فَلَمَّا كَلَّمَهُ} أي كلّم الملك يوسف، وسأله عن الرؤيا فأجاب يوسف؛ فـ{قَالَ} الملك: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} أي متمكن نافذ القول، «أَمِينٌ» لا تخاف غدراً.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى إخباراً عن الملك حين تحقق براءة يوسف عليه السلام ونزاهة عرضه مما نسب إليه، قال: {ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى} أي: أجعله من خاصتي وأهل مشورتي، {فَلَمَّا كَلَّمَهُ} أي: خاطبه الملك، وعرفه، ورأى فضله وبراعته، وعلم ما هو عليه من خلق وخلق وكمال، قال له الملك: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} أي: إنك عندنا قد بقيت ذا مكانة وأمانة، فقال يوسف عليه السلام {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ} مدح نفسه، ويجوز للرجل ذلك إذا جهل أمره للحاجة، وذكر أنه {حَفِيظٌ} أي: خازن أمين، {عَلِيمٌ} ذو علم وبصيرة بما يتولاه. وقال شيبة بن نعامة: حفيظ لما استودعتني، عليم بسني الجدب، رواه ابن أبي حاتم، وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه، ولما فيه من المصالح للناس، وإنما سأله أن يجعله على خزائن الأرض، وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلات، لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها، فيتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه وتكرمة له، ولهذا قال تعالى:

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى } أجعله خالصاً لي دون شريك، فجاءه الرسول وقال: أجب الملك، فقام وودّع أهل السجن ودعا لهم، ثم اغتسل ولبس ثياباً حسنة ودخل عليه {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ } له {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ } ذو مكانة وأمانة على أمرنا، فماذا ترى أن نفعل؟ قال: اجمع الطعام وازرع زرعاً كثيراً في هذه السنين المخصبة وادّخر الطعام في سنبله فتأتي إليك الخلق ليمتاروا منك، فقال: ومن لي بهذا؟.

ابن عطية

تفسير : المعنى أن الملك لما تبينت له براءة يوسف مما نسب إليه، وتحقق في القصة أمانته، وفهم أيضاً صبره وجلده، عظمت منزلته عنده وتيقن حسن خلاله فقال: {ائتوني به أستخلصه لنفسي}. قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي أمّ يوسف عليه السلام بتثبته في السجن أن يرتقي إلى أعلى المنازل، فتأمل أن الملك قال أولاً - حين تحقق علمه - {أية : ائتوني به} تفسير : [يوسف: 50] فقط، فلما فعل يوسف ما فعل، فظهرت أمانته وصبره وعلو همته وجودة نظره قال: {ائتوني به أستخلصه لنفسي}، فلما جاءه وكلمه قال: {إنك اليوم لدينا مكين أمين} فدل ذلك على أنه رأى من كلامه وحسن منطقه ما صدق به الخبر أو أربى عليه، إذ المرء مخبوء تحت لسانه؛ ثم لما زاول الأعمال مشى القدمية حتى ولاه خطة العزيز. و {أمين} من الأمانة، وقالت فرقة هو بمعنى آمن. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأنه يخرج من نمط الكلام وينحط إكرام يوسف كثيراً ويروى أن الملك لما أدنى يوسف قال له: إني أشاركك في كل شيء إلا أني أحب أن لا تشركني في أهلي وأن لا يأكل معي عبدي، فقال له يوسف: أتأنف أن آكل معك؟ أنا أحق أن آنف، أنا ابن إبراهيم الخليل، وابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الصديق. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الحديث بعد وضعف، وقد قال ابن ميسرة: إنما جرى هذا في أول أمره، كان يأكل مع العزيز، فلما جرت قصة المرأة قالت للعزيز: أتدع هذا يواكلك؟ فقال له: اذهب فكل مع العبيد؛ فأنف وقال ما تقدم. اما ان الظاهر من قصته وقت محاورة الملك أنه كان على عبودية، وإلا كان اللائق به أن ينتحي بنفسه عن عمل الكافر، لأن القوم كانوا أهل أوثان ومحاورة يوسف لصاحبي السجن تقضي بذلك. وسمى الله تعالى فرعون مصر ملكاً إذ هي حكاية اسم مضى حكمه وتصرم زمنه، ولو كان حياً لكان حكماً له إذا قيل لكافر: ملك أو أمير، ولهذا كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل فقال: "حديث : عظيم الروم"تفسير : ، ولم يقل: ملكاً ولا أميراً، لأن ذلك حكم، والحق أن يسلم ويسلموا. وأما كونه عظيمهم فتلك صفة لا تفارقه كيفما تقلب، ولو كتب له النبي عليه السلام: أمير الروم، لتمسك بتلك الحجة على نحو تمسك زياد في قوله: شهد - والله - لي أبو الحسن. وقوله تعالى: {اجعلني على خزائن الأرض} الآية، فهم يوسف عليه السلام من الملك أنه عزم على تصريفه والاستعانة بنظره في الملك، فألقى يده في الفصل الذي تمكنه فيه المعدلة ويترتب له الإحسان إلى من يجب ووضع الحق على أهله وعند أهله. قال بعض أهل التأويل: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فصل ما لا يعارض فيه، فيصلح منه ما شاء؛ وأما إن كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز له ذلك. قال القاضي أبو محمد: وطلبة يوسف للعمل إنما هي حسبة منه عليه السلام لرغبته في أن يقع العدل، ونحو هذا هو دخول أبي بكر الصديق في الخلافة مه نهيه المستشير من الأنصار عن أن يتأمر على اثنين... الحديث بكماله فجائز للفاضل أن يعمل وأن يطلب العمل إذا رأى ألا عوض منه، وجائز أيضاً للمرء أن يثني على نفسه بالحق إذا جهل أمره. و {خزائن} لفظ عام لجميع ما تختزنه المملكة من طعام ومال وغيره. و {حفيظ عليم} صفتان تعم وجوه التثقيف والحيطة لا خلل معهما لعامل. وقد خصص الناس بهاتين الصفتين أشياء، مثل قولهم: "حفيظ" بالحساب "عليم" بالألسن، وقول بعضهم: "حفيظ" لما استودعتني، "عليم" بسني الجوع، وهذا كله تخصيص لا وجه له، وإنما أراد باتصافه أن يعرف الملك بالوجه الذي به يستحق الكون على خزائن الأرض فاتصف بأنه يحفظ المجبي من كل جهة تحتاج إلى الحفظ. ويعلم التناول أجمع. وروي عن مالك بن أنس أنه قال: مصر خزانة الأرض، واحتج بهذه الآية. وقوله {خزائن الأرض} يريد أرض مصر إذ لم تكن مملكة فرعون إلا بها فقط، ويؤكد أن تسمى خزانة الأرض نصبتها في بلاد الأرض وتوسطها، فمنها ينقل الناس إلى أقطار الأرض وهي محل كل جالب. وقوله تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف} الآية، الإشارة بذلك إلى ما تقدم من جميل صنع الله به كهذه الفعال المنصوصة، درجناه في الرتب ونقلناه فمكنا له في الأرض. قال القاضي أبو محمد: فروي أن العزيز مات في تلك الليالي، وقال ابن إسحاق: بل عزله الملك ثم مات أطفير، فولاه الملك مكانه وزوجه زوجته، فلما دخلت عليه عروساً قال لها: أليس هذا خيراً مما كنت أردت؟ فقالت له: أيها الصديق كنت في غاية الجمال، وكنت شابة عذراء، وكان زوجي لا يطأ، فغلبتني نفسي في حبك، فدخل يوسف بها فوجدها بكراً، وولدت له ولدين. وروي أن الملك عزل العزيز، وولاه موضعه، ثم عظم ملك يوسف وتغلب على حال الملك أجمع، قال مجاهد: وأسلم الملك آخر أمره، ودرس أمر العزيز وذهبت دنياه، ومات وافتقرت زوجته، وزمنت وشاخت، فلما كان في بعض الأيام. لقيت يوسف في طريق، والجنود حوله ووراءه، وعلى رأسه بنود عليها مكتوب {أية : هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله، وما أنا من المشركين} تفسير : [يوسف: 108] فصاحت به وقالت: سبحان من أعز العبيد بالطاعة، وأذل الأرباب بالمعصية، فعرفها، وقالت له: تعطف عليَّ وارزقني شيئاً فدعاها وكلمها، وأشفق لحالها، ودعا الله تعالى، فرد عليها جمالها وتزوجها. قال القاضي أبو محمد: وروي في نحو هذا من القصص ما لا يوقف على صحته، ويطول الكلام بسوقه. وقرأ الجمهور: "حيث يشاء" على الإخبار عن يوسف؛ وقرأ ابن كثير وحده "حيث نشاء" بالنون على ضمير المتكلم. أي حيث يشاء الله من تصرف يوسف على اختلاف تصرفه، وحكى أبو حاتم هذه القراءة عن الحسن وشيبة ونافع وأبي جعفر بخلاف عن الثلاثة المدنيين؛ وقال أبو علي: إما أن يكون تقدير هذه القراءة: حيث يشاء من المحاريب والمتعبدات وأحوال الطاعات، فهي قرب يريدها الله ويشاؤها؛ وإما أن يكون معناها: حيث يشاء يوسف، لكن أضاف الله عز وجل المشيئة التي ليوسف إليه من حيث هو عبد من عبيده، وكانت مشيئته بقدرة الله تعالى وقوته كما قال: {أية : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} تفسير : [الأنفال: 17]. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله من أبي على نزغة اعتزالية، وتحفظ من أن أفعال العباد من فاعلين، فتأمله. واللام في قوله: {مكنا ليوسف} يجوز أن تكون على حد التي في قوله {أية : ردف لكم} تفسير : [النمل: 72] و {أية : للرؤيا تعبرون} تفسير : [يوسف: 43]. وقوله: {يتبوأ} في موضع نصب على الحال، و {حيث يشاء} نصب على الظرف أو على المفعول به، كما قال الشماخ: حيث تكوى النواحز. وباقي الآية بين. ولما تقدم في هذه الآية الإحسان من العبد، والجري على طريق الحق لا يضيع عند الله ولا بد من حسن عاقبته في الدنيا، عقب ذلك بأن حال الآخرة أحمد وأحرى أن تجعل غرضاً ومقصداً، وهذا هو الذي ينتزع من الآية بحسب المقيدين بالإيمان والتقوى من الناس وفيها مع ذلك إشارة إلى أن حاله من الآخرة خير من حاله العظيمة في الدنيا.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَسْتَخْلِصْهُ} لما علم الملك الأكبر أمانته طلب استخدامه في خاص خدمته {مَكِينٌ} وجيه، أو متمكن في الرفعة والمنزلة {أَمِينٌ} آمن لا يخاف العواقب، أو ثقة مأمون، أو حافظ {فَلَمَّا كَلَّمَهُ} استدل بكلامه على عقله، وبعفته على أمانته.

النسفي

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى } أجعله خالصاً لنفسي {فَلَمَّا كَلَّمَهُ } وشاهد منه ما لم يحتسب {قَالَ } الملك ليوسف {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ } ذو مكانة ومنزلة، أمين مؤتمن على كل شيء. روي أن الرسول جاءه ومعه سبعون حاجباً وسبعون مركباً وبعث إليه لباس الملوك فقال: أجب الملك، فخرج من السجن ودعا لأهله: اللهم عطّف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار فهم أعلم الناس بالأخبار في الواقعات. وكتب على باب السجن: هذه منازل البلواء وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء. ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثياباً جدداً، فلما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية فقال: ما هذا اللسان قال: لسان آبائي، وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه وقال: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك. قال: رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن ومكان خروجهن، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك وقال له: من حقك أن تجمع الطعام في الأهراء فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك. قال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه؟

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {حيث نشاء} بالنون: ابن كثير. الآخرون بياء الغيبة {أني أوف} بفتح ياء المتكلم: نافع غير إسماعيل: {لفتيانه} {خير حافظاً} حمزة وعلي وخلف غير أبي بكر وحماد. الباقون {لفتيته} {خير حافظاً} {يكتل} بيان الغيبة: حمزة علي وخلف. الباقون بالنون. {تؤتوني} بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو يزيد وإسماعيل في الوصل. الوقوف: {لنفسي} ج {أمين} ه {الأرض} ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى {عليم} ه {في الأرض} ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال {حيث نشاء} ط {المحسنين} ه {يتقون} ه {منكرون} ه {من أبيكم} ج لحق الاستفهام مع اتحاد القائل {المنزلين} ه {ولا تقربون} ه {لفاعلون} ه {يرجعون} ه {لحافظون} ه {من قبل} ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار {حافظاً} ص {الراحمين} ه {إليهم} ط لتمام جواب "لما" {ما نبغي} ط لأن ما بعده جملة مستأنفة موضحة للاستفهامية أو المنفية قبلها {إلينا} ج لاحتمال الاستئناف والعطف على ونحن نمير {كيل بعير} ه ط {يسير} ه {بكم} ط {قال الله} قيل: يسكت بين الفعل والاسم لأن القائل يعقوب لا الله سبحانه، والأحسن أن يفرق بينهما بقوة النغمة فقط لئلا يلزم الفصل بين القائل والمقول {وكيل} ه {متفرقة} ط {من شيء} ط {الله} ط {توكلت} ط {المتوكلون} ه {أبوهم} ط لأن جواب "لما" محذوف أي سلموا بإذن الله {قضاها} ط {لا يعلمون} ه. التفسير: الأظهر أن هذا الملك هو الريان لا العزيز لأن قوله {أستخلصه لنفسي} يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً له وقد كان يوسف قبل ذلك خالصاً للعزيز. وفي قول يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض} دلالة أيضاً على ما قلنا. والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك، ومن عادة الملوك أن يتفردوا بالأشياء النفسية. روي أن جبريل دخل على يوسف في السجن وقال: قل اللَّهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث لا أحتسب. فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه فجاءه الرسول وقال: أجب الملك فخرج من السجن ودعا لأهله وكتب على باب السجن: "هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء" ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثياباً جدداً، فما دخل على الملك قال: اللَّهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم سلم عليه. {فلما كلمه} احتمل أن يكون ضمير الفاعل ليوسف وللملك. وهذا أولى لأن مجالس الملوك لا يحسن ابتداء الكلام فيها لغيرهم. يروى أن الملك قال له: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك. قال: رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن. ومكان خروجهن، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك بعينها، فتعجب من وفور علمه وحدسه - وكان قد علم من حاله ما علم من نزاهة ساحته وعدم مسارعته في الخروج من السجن - وقد وصف له الشرابي من جده في الطاعة والإحسان إلى سكان السجن ما وصف فعظم اعتقاده فيه فعند ذلك {قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} ويندرج في المكان كمال القدرة والعلم. أما القدرة فظاهرة، وأما العلم فلأن كونه متمكناً من أفعال الخير يتوقف على العلم بأفعال الخير وبأضدادها، وكونه أميناً متفرع عن كونه حكيماً لأن لا يفعل لداعي الشهوة وإنما يفعله لداعي الحكمة. قال المفسرون: لما حكى يوسف رؤيا الملك وعبرها بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟ قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن والأهراء وتجمع الطعام فيها فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد من قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟ فقال يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض} اللام للعهد أي ولني خزائن أرض مصر. والخزائن جمع الخزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ {إني حفيظ} للأمانات وأموال الخزائن {عليم} بوجوه التصرف فيها على وجه الغبطة والمصلحة. وقيل: حفيظ لوجوه أياديكم عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والشفقة. قال الواحدي: هذا الطلب خطيئة منه فكانت عقوبته أن أخر عنه المقصود سنة. عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكن لما قال ذلك أخره الله تعالى عنه سنة"تفسير : وقال آخرون: إن التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه لأن النبي يجب عليه رعاية الأصلح لأمته بقدر الإمكان، وقد علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضنك فأراد السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى دفع الظلم والضر عن الناس إلا بالاستعانة من كافر أو فاسق فله أن يستظهر به، على أن مجاهداً قد زعم أن الملك كان قد أسلم. وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه فكان في حكم التابع لا المتبوع. ووصف نفسه عليه السلام بالحفظ والعلم على سبيل المبالغة لم يكن لأجل التمدح ولكن للتوصل إلى الغرض المذكور. {وكذلك} أي مثل ذلك التقريب والإنجاء من السجن {مكنا ليوسف في الأرض} أرض مصر وهي أربعون فرسخاً في أربعين. {يتبؤّأ منها حيث يشاء} هو أو نشاء نحن على القراءتين والمراد بيان استقلاله بالتقلب والتصرف فيها بحيث لا ينازعه أحد. {نصيب برحمتنا من نشاء} فيه أن الكل من الله وبتيسيره. وقالت المعتزلة: تلك المملكة لما لم تتم إلا بأمور فعلها الله صارت كأنها من قبل الله تعالى، وعلقوا أيضاً المشيئة بالحكمة ورعاية الأصلح. والأشاعرة ناقشوا في هذا القيد. {ولا نضيع أجر المحسنين} لأن إضاعة الأجر تكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حقه تعالى. {ولأجر الآخرة خير} من أجر الدنيا أو خير في نفسه. وفي قوله المحسنين وقوله: {للذين آمنوا وكانوا يتقون} إشارة إلى أن يوسف كان في الزمان السابق من المحسنين ومن المتقين ففيه دلالة على نزاهة يوسف عن كل سوء. قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق. يروى. أن الملك توجه وختمه بخاتمه وردّاه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت فقال له: أما السرير فأشدّ به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي. فقال: قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك. فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوّض الملك إليه أمره وعزل قطفير، ثم مات بعد فزوّجه الملك امرأته فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما طلبت فوجدها عذراء فولدت له ولدين: افراثيم وميشا. وأقام العدل بمصر وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم جميعاً فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكاً أجل ولا أعظم منه فقال للملك: كيف رأيت صنع الله بي فيما خوّلني مما ترى؟ قال: الرأي رأيك. قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم. وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطاً بين الناس. وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا فذلك قوله سبحانه: {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون} لم يعرفوه لأن طول العهد ينسي ولاعتقادهم أنه قد هلك أو لذهابه عن أوهامهم حين فارقوه مبيعاً بدراهم معدودة ثم رأوه ملكاً مهيباً جالساً على السرير في زي الفراعنة، ويحتمل أن يكون بينه وبينهم مسافة وما وقفوا إلا حيث يقف طلاب الحوائج. وإنما عرفهم لأن أثر تغيير الهيئات عليهم كان أقل لأنه فارقهم وهم رجال ولم يغيروا زيهم عما هو عادتهم، ولأن همته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم، ويحتمل أن يكون عرفهم بالوحي. وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرفوا له. {ولما جهزهم بجهازهم} هو ما يحتاج إليه في كل باب ومنه جهاز العروس والميت. قال الليث: جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهازاً للسفر. قال: وسمعت أهل البصرة يحكون الجهاز بالكسر. وقال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم والكسر لغة جيدة {قال ائتنوني بأخ لكم من أبيكم} قال العلماء: لا بد من كلام يجر هذا الكلام فروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: ما أنتم؟ وما شأنكم فإني أنكركم. قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد وجئنا نمتار. فقال: لعلكم جئتم عيوناً؟ قالوا: معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب. قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد. فقال: فكم أنتم ههنا؟ قالوا: عشرة قال: فأين الأخ الحادي عشر؟ قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك. قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون؟ قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد. قال: فدعوا بعضكم عندي رهيناً وأتوني بأخيكم من أبيكم يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم. فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده. وقيل: كانوا عشرة فأعطاهم عشرة أحمال فقالوا: إن لنا شيخاً كبيراً وأخاً آخر فبقي معه ولا بد لهما من حملين آخرين. فاستدل الملك ببقائه عند أبيه على زيادة محبته إياه وكونه فائقاً في الجمال والأدب فاستدعى منهم إحضاره. وقيل: لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف: فلم تركتموه وحيداً فريداً؟ فقالوا: بل بقي عنده واحد. فقال لهم: لم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده؟ قالوا: لا بل لزيادة محبته. فقال: إن أباكم رجل عالم حكيم. ثم إنه خصه بمزيد المحبة مع أنكم فضلاء أدباء فلا بد أن يكون هو زائداً عليكم في الكمال والجمال فائتوني به لأشاهده. والأوّل قول المفسرين، والآخران محتملان. ولما طلب منهم إحضار الأخ جمع لهم بين الترغيب والترهيب فالأوّل قوله: {ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين} المضيفين وكان قد أحسن ضيافتهم أو زاد لكل من الأب والأخ الغائب حملاً، والثاني {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون} مجزوم على النهي أو لأنه داخل في حكم الجزاء كأنه قيل: فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا {قالوا سنراود عنه أباه} سنخادعه عنه ونجتهد حتى ننتزعه من يده {وإنا لفاعلون} كل ما في وسعنا في هذا الباب أو لقادرون على ذلك. {وقال لفتيانه} أو {لفتيته} قراءتان وهما جمع فتى كالأخوان والإخوة في أخ ففعلة للقلة ووجهه أن هذا العمل من الأسرار فوجب كتمانه عن العدد الكثير، وفعلان للكثرة ووجهه أنه قال: {اجعلوا بضاعتهم في رحالهم} والرحال عدد كثير ويناسبه الجم الغفير من الغلمان الكيالين، والبضاعة ما قطع من المال للتجارة، والرحال جمع رحل والمراد به ههنا ما يستصبحه الرجل معه من الأثاث. والأكثرون على أنه أمر بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجه لا يعرفون بدليل قوله: {لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم} وفرغوا ظروفهم {لعلهم يرجعون} لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا وكانت بضاعتهم النعل والأدم. وقيل: أمر بوصفها على وجه عرفوها، والمعنى لعلهم يعرفون حق ردّها. أما السبب الذي لأجله أمر يوسف بذلك فقيل: ليعلموا كرم يوسف فيبعثهم ذلك على المعاودة. وقيل: خاف أن لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يدعوهم إلى الرجوع، أو أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان قحط، أو لأن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم، أو أراد أن يرجعوا ليعرفوا سبب الرد لأنهم أولاد الأنبياء فيحترزوا أن يكون ذلك على سبيل السهو، أو أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم عيب ولا منة فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه. وقيل: {يرجعون} متعدٍ أي لعلهم يردونها. {قالوا: يا أبانا منع منا الكيل} أرادوا قول يوسف {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم} لأن إنذار المنع بمنزلة المنع يؤيده قراءة من قرأ {نكتل} بالنون أي نرفع المانع ونأخذ من الطعام ما نحتاج إليه، ويحتمل أن يراد بالمنع أنهم إذا طلبوا الطعام لأبيهم والأخ المخلف فلعله منع من ذلك، ويقوّي هذا الاحتمال قراءة الغيبة أي {يكتل} أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا. {قال هل آمنكم عليه} ضمنوا كونهم حافظين له فقال يعقوب: إنك ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف فهل يكون أماني الآن إلا كأماني فيما قبل يعني كما لم يحصل الأمان وقتئذ فكذا الآن. والظاهر أن ههنا إضماراً والتقدير فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم وقال: {فالله خير حافظاً} و {حافظاً} نصب على التمييز واحتمل الثاني الحال نحو "لله درّه فارساً" وهو أرحم الراحمين} أرجوا أن لا يجمع عليّ مصيبتين. وقيل: إنه تذكر يوسف فقال: فالله خير حافظاً أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي {ولما فتحوا متاعهم} هو عام في كل ما يستمتع به ويجوز أن يراد به ههنا الطعام أو الأوعية. أما قوله{ما نبغي} فالبغي بمعنى الطلب و "ما" نافية أو استفهامية. المعنى ما نطلب شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان أو ما نريد منك بضاعة أخرى أو أيّ شيء نطلب وراء هذا نستظهر بالبضاعة المردودة إلينا. {ونمير أهلنا} في رجوعنا إلى الملك {ونحفظ أخانا} فما يصيبه شيء مما يخافه {ونزداد} باستصحاب أخينا وسق بعير زائداً على أوساق أباعرنا فأيّ شيء نبغي وراء هذه المباغي؟!. ويجوز أن يكون البغي بمعنى الكذب والتزيد في القول على أن "ما" نافية أي ما نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا تلك الكرامة. قال في الكشاف: فعلى هذا التفسير لا يكون قوله: {ونمير} معطوفاً على معنى قوله: {هذه بضاعتنا} وإنما يكون قوله: {هذه بضاعتنا} بياناً لصدقهم، وقوله: {ونمير} معطوفاً على {ما نبغي} أو يكون كلاماً مبتدأ أي ونبغي أن نمير كما تقول: سعيت في حاجة فلان ويجب أو ينبغي أن أسعى ويجوز أن يراد ما نبغي ما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من إرسال أخينا معنا. ثم بينوا كونهم مصيبين في رأيهم بقولهم: {هذه بضاعتنا} نستظهر بها ونميرأهلنا إلى آخره. يقال: ماره يميره إذا أتاه بميرة أي بطعام {ذلك كيل يسير} أي ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه ما يكال لأجل أخينا. وقال مقاتل. ذلك إشارة إلى كيل بعير أي ذلك القدر سهل على الملك لا يضايقنا فيه ولا يطول مقامنا بسببه. واختاره الزجاج. وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام يعقوب يعني أن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد. {قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً} تعطوني ما أثق به من عند الله وهو الحلف {لتأتنني به إلا أن يحاط بكم} استثناء من أعم العام في المفعول وقد يقع مثل هذا الاستثناء في الإثبات إذا استقام المعنى نحو "قرأت إلا يوم كذا" وإن شئت فأوّله بالنفي أي لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا بعلة واحدة هي أن يحاط بكم أي تهلكوا جميعاً قاله مجاهد، أو تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به قاله قتادة: {على ما نقول} من طلب الموثق وإعطائه {وكيل} مطلع رقيب. قال جمهور المفسرين: إنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد خوفاً عليهم من إصابة العين. وههنا مقامان: الأوّل أن الإصابة بالعين حق لإطباق كثير من الأمة ولما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: حديث : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة.تفسير : أي جامعة لشر من لمه إذا جمعه أو المراد ملمة والتغيير للمزاوجة. وعن عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول النهار فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه آخر النهار فرءَته معافى. فقال: إن جبرائيل عليه السلام أتاني فرقاني وقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من كل عين وحاسد الله يشفيك. قال: فأفقت. حديث : وروي أنه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا: يا رسول الله أصابته العين. قال: أفلا تسترقون له من العين؟ وعنه صلى الله عليه وسلم: "العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر" تفسير : وقالت عائشة: كان يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين. المقام الثاني في الكشف عن حقيقته. قال الجاحظ: يمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص المستحسن فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم. واعترض الجبائي وغيره بأنه لو كان كذلك لأثر في غير المستحسن كتأثيره في المستحسن. وأجيب بأن المستحسن إن كان صديقاً للعائن عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله، وإن كان عدواً حصل له خوف شديد من حصوله، وعلى التقديرين يسخن الروح وينحصر في داخل القلب ويحصل في الروح الباصرة كيفية مسخنة مؤثرة، فلهذا السبب أمر النبي صلى الله عليه وسلم العائن بالوضوء من أصابته العين بالاغتسال منه. وقال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن غير الله ذلك الشخص حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقاً به. وقال الحكماء: ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً أو وهمياً كما للماشي على الجذع، أو تصوّرياً كما في الحركات البدنية، وقد يكون للنفوس خواص عجيبة تتصرف غير أبدانها بحسبها فمنها المعجز ومنها السحر ومنها الإصابة بالعين. أما الجبائي وغيره ممن أنكر العين فقد قالوا: إن أولاد يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بكمالهم وجمالهم وهيئتهم فلم يأمن يعقوب أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم. وقيل: إنه كان عالماً بأن الملك ولده إلا أن الله تعالى لم يأمره بإظهاره وكان غرضه أن يصل بنيامين إليه في غيبتهم قاله إبراهيم النخعي. واعلم أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ولكنه بعد السعي البليغ يجب أن يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فهو بقضاء الله وقدره وأن الحذر لا يغني عن القدر فلهذا قال يعقوب: {وما أغني عنكم من الله من شيء} فقوله الأوّل مبني على رعاية الأسباب والوسائط، وقوله الثاني إلى آخر الآية إشارة إلى الحقيقة وتفويض الأمر بالكلية إلى مسبب الأسباب. وقد صدقه الله تعالى في ذلك بقوله: {ما كان يغني عنهم من الله من شيء} قال ابن عباس: ما كان ذلك التفرق يردّ قضاء الله تعالى. وقال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم. وقال آخرون: ما كان يغني عنهم رأي يعقوب شيئاً قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وأخذ الأخ وتضاعف المصيبة على الأب {إلا حاجة} استثناء منقطع أي ولكن حاجة {في نفس يعقوب قضاها} وهي إظهار الشفقة والنصيحة، أو الخوف من إصابة العين، أو من حسد أهل مصر، أو من قصد الملك. ثم مدحه الله تعالى بقوله: {وإنه لذو علم} يعنى علمه بأن الحذر لا يدفع القدر {لما علمناه} "ما" مصدرية أو موصولة أي لتعليمنا إياه، أو للذي علمناه. وقيل: العلم الحفظ والمراقبة. وقيل: المضاف محذوف أي لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وإشارة إلى كونه عاملاً بعلمه {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} مثل علم يعقوب أو لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة في العلم. وقيل: المراد بأكثر الناس المشركون لا يعلمون أنالله تعالى كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة. التأويل: لما تبين لملك الروح قدر يوسف القلب وأمانته وصدقه وحسن استعداده سعى في خلاصه من سجن صفات البشرية ليكون خالصاً له في كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم أنه خلق لصلاح جميع رعايا ممكلة روحانية وجسمانية. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن في جسد بني آدم مضغة، إن صلحت صلح بها سائر الجسد وإن فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب"تفسير : . وللقلب اختصاص آخر بالله دون سائر المخلوقات قال سبحانه: "حديث : لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن"تفسير : {اجعلني على خزائن} أرض الجسد فإن لله تعالى في كل عضو من الأعضاء خزانة من اللطف إن استعمله الإنسان فيما خلق ذلك العضو لأجله، وخزانة من القهر إن استعمله في ضده {إني حفيظ} للخزائن {عليم} باستعمالها فيما ينفعها دون ما يضرها {نصيب برحمتنا} فيه أن إصابة اللطف من تلك الخزائن دون القهر موكولة إلى مشيئة الله تعالى. {وجاء إخوة يوسف} وهم الأوصاف البشرية {فعرفهم} يوسف القلب لأنه ينظر بنور الله {وهم له منكرون} لبقائهم في الظلمة حرمانهم عن النور. {ولما جهزهم} يشير إلى أن يوسف القلب لما التجأت إليه الأوصاف البشرية بدل صفاتها الذميمة النفسانية بالصفات الحميدة الروحانية، فاستدعى منهم إحضار بنيامين السر لأن السر لا يحضر مع القلب إلا بعد التبديل المذكور، وإذا حضر معه يوفى بأوفى الكيل ما لم يوف إلى الأوصاف البشرية {اجعلوا بضاعتهم في رحالهم} فيه أن البضاعة كل عمل من الأعمال البدنية التي تحيا بها الأوصاف البشرية إلى حضرة يوسف مردودة إليها، لأن القلب مستغن عنها. وإنما الأوصاف البشرية محتاجة إليها لأن النفس تتأدب وتتزكى بها كما قال تعالى {أية : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم}تفسير : [الإسراء: 7] وأن تربية القلب بالأعمال القلبية كالنيات الصالحة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نية المؤمن خير من عمله"تفسير : . وكالعزائم الخالصة والأخلاق الحميدة والتوكل والإخلاص. ثم قال: كمال تربية القلب بالتخلية وتجلي صفات الحق وصفات ذاته {لعلهم يرجعون} من صفة الأمارية إلا المأمورية والاطمئنان فيستحق بجذبة {أية : ارجعي إلى ربك}تفسير : [الفجر: 28] {ردّت إلينا} فوائده ما ترجع إلى يوسف القلب {ونمير أهلنا} الأعضاء والجوارح نحصل لهم قوّة زائدة على الطاعة بواسطة رسوخ الملكة له {ونحفظ أخانا} من الحوادث النفسانية والوساوس الشيطانية {ونزداد} بواسطة حضور السر عند القلب {كيل بعير} من الفوائد الربانية {وذلك كيل يسير} لمن يسره الله {لتأتنني به} مع الفوائد الربانية {إلا أن يحاط بكم} إلا أن يغالب عليكم الأحكام الأزلية {لا تدخلوا من باب واحد} لا تتقربوا إلى القلب بنوع واحد من المعاملات فللأسباب مدخل في التقريب إلا أن الكل موكل إلى مسبب الأسباب.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي }: المعنى: أن الملك، لَمَّا تَبَيَّنَتْ له براءة يُوسُفُ وتحقَّق في القصَّة أمانته، وفَهِمَ أيضاً صبره وعُلُوَّ همته، عظُمَتْ عنده منزلتُهُ، وتيقَّن حُسْنَ خلاله، فقال: {ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي}، فلما جاءه وكلَّمه قال: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ}: قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: قوله: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ }: أي: متمكِّن مما أردتَّ، أمين على ما ٱئْتُمِنْتَ عليه من شيء؛ أمَّا أمانته فلظهورِ براءَتِهِ، وأمَّا مكانته، فلثبوت عفَّته: ونَزَاهَتِهِ انتهى، وَلَمَّا فهم يوسُفُ عليه السلام من المَلِكِ أنَّه عزم على تصريفه وٱلاستعَانَة بِنَظَرِهِ، قال: {ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأَرْضِ }، لما في ذلك من مصالح العباد. قال * ع *: وطِلبَةُ يوسُفَ للعملِ إِنما هي حِسْبَةٌ منه عليه السلام في رغبته في أنْ يقع العدلُ، وجائزٌ أيضاً للمرء أنْ يُثْنِيَ على نفسه بِالْحَقِّ، إِذا جهل أمره، و{خَزَائِنِ }: لفظٌ عامٌّ لجميع ما تختزنه المَمْلَكَة من طعامٍ ومالٍ وغيره. وقوله سبحانه: {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ }: الإِشارة بـــ «ذلك» إِلى جميع ما تقدَّم من جميلِ صنعِ اللَّه به، فروي أن العزيز ماتَ في تلك الليالي، وقال ابنُ إِسحاق: بل عَزَلَه المَلِكُ، ثم مات أظفير، فولاه المَلِكُ مكانَهُ، وَزَوَّجَه زوجَتَهُ، فلما دخَلَتْ علَيْه عَرُوساً، قال لها: أَلَيْسَ هذا خيراً مما كُنْتِ أردتِّ، فدخَلَ يوسُفُ بها، فَوَجَدَهَا بكْراً، وولَدَتْ له ولدَيْنِ، ورُوِيَ أيضاً؛ أَنَّ الملك عزَلَ العزيزَ، وولَّى يوسُفَ موضعَهُ، ثم عظُمَ مُلْكُ يوسُفَ وتغلَّب على حالِ المَلِكِ أجمع، قال مجاهدٌ: وأسْلَمَ المَلِكِ آخِرَ أمْره، ودَرَسَ أمر العزيز، وذهبتْ دنياه، وماتَ، وٱفتقَرَتْ زوجته، وشاخَتْ، فلما كان في بعض الأيامِ، لَقِيَتْ يوسُفَ في طريقٍ، والجنودُ حوله ووراءه، وعلى رأسه بُنُودٌ عليها مكتوبٌ: { أية : هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [يوسف:108] فَصَاحَتْ به، وقالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ أَعَزَّ العبيدَ بالطَّاعةَ، وأذَلَّ الأربابَ بالمَعْصِيةِ، فعرفَهَا، وقالَتْ له: تَعَطَّفَ عَلَيَّ وٱرزقْنِي شيئاً، فدعا لها، وكلَّمها، وأشفَقَ لحالها ودعا اللَّه تعالَىٰ فرَدَّ عليها جمالَهَا، وتزوَّجها، ورُوِيَ في نحو هذا مِنَ القصص ما لا يُوقَفُ على صحَّته، ويطولُ الكلامُ بسَوْقه، وباقي الآية بيِّن واضحٌ للمستبصرين، ونورٌ وشفاءٌ لقلوب العارفين. وقوله: «لِيُوسُفَ»: أبو البقاء: اللام زائدةٌ، أي: مَكَّنّا يُوسُفَ، ويجوز ألا تكون زائدة، فالمفعول محذوفٌ، أي: مكنا ليوسف الأمورَ. انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي}. لما تبيَّن للملكِ عذرُ يوسف وعرف أمانتهُ وعلمهُ، قال: {ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي}، أي: أجعله خالصاً لنفسي. قال القرطبيُّ: "انظر إلى قولِ الملكِ أولاً حين تحقَّق علمهُ: "ائتُونِي بِهِ"، فقط فلمَّا فعل يوسف ما فعل، قال ثانياً: {ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} والاستخلاصُ: طلب خلوصِ الشَّيء من شوائبِ الإشراكِ". قال القرطبي: "أسْتَخْلصهُ" جزم؛ لأنه جواب الأمرِ؛ وهذا يدل على أنَّ قوله: "ذلِكَ ليَعْلمَ"، جرى في السجن، ويحتمل أنه جرى عند الملك، ثم قال في جلس آخر: "ائتُوني بِهِ"؛ تأكيداً. واختلفوا في هذا الملك، فقيل: هو العزيز، وقيل هو الملك الأكبر. وهذا هو الأظهر لوجهين: الأول: لقول يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ}. الثاني: أن قوله: {أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} يدلُّ على أنه قبل ذلك، ما كان خالصاً له، وكان خالصاً للعزيز، فدلَّ ذلك على أنَّ هذا الملك هو الملك الأكبر. قوله: "فَلمَّا كَلَّمهُ"، يجوز أن يكون الفاعل ضمير الملكِ، والمفعول ضمير يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وهو الظاهر؛ لأنَّ مجالس الملوكِ لا يحسنُ لأحدٍ أن يبدأ فيها بالكلام، وإنما الملك هو الذي يبدأ، ويجوز العكس، وفي الكلام اختصارٌ تقديره: فجاء الرسول يوسف، فقال له: أجب الملك الآن. فصل رُوِيَ أنَّه قام، ودعا لأهلِ السِّجن، فقال: اللَّهُمَّ اعطف عليهم قلوب الأخيار، ولا تعمِّ عليهم الأخبار، فهم أعلمُ النَّاس بالأخبار في كل بلدٍ. فلما خرج من السِّجن، كتب على السجن: هذا قبرُ الأحياءِ، وبيتُ الأحزانِ، وتجربة الأصدقاءِ، وشماتةُ الأعداءِ، ثمَّ اغتسل، وتنظَّف من درنِ السِّجن، ولبس ثِياباً حسنة وقصد الملكَ. وقال وهبٌ ـ رحمه الله ـ: كَانَ يوسفُ ـ يومئذ ـ ابن ثلاثين سنة، ولما دخل عليه دعا، وقال: اللهمَّ إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذُ بعزَّتكَ وقُدرتِكَ من شرِّه، ثمَّ سلَّم عليه العربيَّة، فقال الملك: ما هذا اللسانُ؟ قال: لِسانُ عمِّي، إسماعيل، ثم دعا لهُ بالعِبرانِيّةِ، فقال: ما هذا اللسانُ؟ قال: لِسانُ آبائي: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وكان الملك يتكلَّم بسبعين لساناً، وكُلمَّا كَلَّمَ يوسف بلسانٍ، أجابه بذلك اللسان؛ فأعجب الملك أمرهُ، كان يوسف إذ ـ ذاك ـ ابن ثلاثين سنة، فلما رآه الملكُ حدثاً شابًّا، قال للشرابي: هذا هو الذي علم تأويل رُؤياي؟ قال: نعم، فأقبل على يوسف، فقال الملك: أحبُّ أن أسمع منك تأويل رؤياي شفاهاً. فأجابه بذلك الجواب شفاهاً، وشهد قلبه بصحته؛ فعند ذلك قال له الملك: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} يقال: فلانٌ مكينٌ عند فلانِ، بَيِّنُ المكانة، أي: المنزلة، وهي حالةٌ يتمكن بها صاحبها مما يريد، وقوله: "أمِينٌ" أي: قد عرفنا أمانتكَ، وبراءتك مما نسبت إليه. واعلم أن قوله: "أمِينٌ" كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يحتاج إليه من الفضائلِ، والمناقبِ؛ وذلك لأنَّه لا بُدَّ في كونه أميناً من القدرة والعلم، أما القدرة؛ فلأن يحصل بها المكنةُ، وأما العلم؛ فلأنَّ كونه متمكِّناً من أفعال الخيرِ لا يحصل إلاَّ به، إذ لو لم يكن عالماً بما ينبغي، وبما لا ينبغي، لا يمكن تخصيص بيان ما ينبغي بالفعل، ولا تخصيص ما لا ينبغي بالتِّرك؛ فثبت أنَّ كونه مكيناً لا يحصل إلاَّ بالقدرةِ والعلمِ، وأما كونه أميناً، فهو عبارةٌ عن كونه لا يفعل الفعل لداعي الشَّهوة، وإنَّما يفعله لداعي الحكمةِ، فثبت أنَّ كونه مكيناً أميناً يدلُّ على كونه قادراً، وعلى كونه عالماً بمواضع الصَّلاح، والفسادِ، وعلى كونه يفعل لداعي الحكمة، لا لداعي الشَّهوة، وكل من كان كذلك، فإنَّه لا يصدر عنه فعلُ السُّوء والفحشاء. ثم حكى ـ سبحانه وتعالى ـ أنَّ يوسف عليه الصلاة والسلام ـ قال في هذا المقام: {ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} قال المفسرون: لمَّا عبَّر يوسف رؤيا الملك بين يديه، قال له الملك: فما ترى أيُّها الصديقُ؟ فقال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً، وتبني الخزائن، وتجمع فيها الطَّعام، فإذا جاءت السنون المجدبةُ بعت الغلات، فيحصل بهذا الطريق مالٌ عظيمٌ، فقال الملك: ومن لي بهذا الشُّغل؟ فقال يوسف: {ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ}، أي: على خزائن أرض مصر. أدخل الألف واللام على الأرض والمراد منه المعهود السابق. روى ابنُ عبَّاسٍ ـ رضي البله عنهما ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: "حديث : رحِمَ اللهُ أخي يوسف، لو لَمْ يقُل: اجعلنِي على خَزائنِ الأرض لا ستَعْملهُ من سَاعتهِ لكنَّهُ لمَّا قال ذلِكَ أخَّرهُ عنهُ سنَةً ". تفسير : قال ابن الخطيب: "وهذا من العجائب؛ لأنه لما تأبَّى عن الخروج من السِّجن، سهَّل الله عليه ذلك على أحسنِ الوجوه، ولما سارع في ذكر هذا الالتماسِ، أخَّر الله ذلك المطلوب عنه، وهذا يدلُّ على أنَّ ترك التَّصرفِ، والتفويض إلى الله ـ تعالى ـ أولى. فإن قيل: لِمَ طلب يوسف الإمارة، "حديث : والنبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدِ الرَّحمنِ بن سمُرة: يَا عَبْدَ الرَّحمنِ: لا تَسْألِ الإمَارَةَ "تفسير : ؟. وأيضاً: فكيف طلب الإمارة من سُلطانٍ كافرٍ؟ وأيضاً: لِمَ لَمْ يصبر مُدَّة فأظهر الرغبة في طلب الإمارة؟ وأيضاً: لم طلب أمر الخزائنِ في أوَّل الأمْرِ، مع أنَّ هذا يورثُ نوع تهمةٍ؟ وأيضاً: كيف مدح نفسه بقوله: "إني حفيظ عليم"؟ مع أنه ـ تعالى ـ قال: {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [النجم:32]، وأيضاً ما الفائدة في قوله: "إنِّي حفيظٌ عليمٌ"؟ ولِمَ لَمْ يقل: إن شاء الله ـ تعالى ـ؛ لقوله تعالى {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الكهف:23ـ24]؟. فالجواب: أن الأصل في جواب هذه المسألةِ: أنَّ التَّصرف في أمور الخَلقِ كان واجباً عليه فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان إنما قلنا إن ذلك التصرف كان واجباً عليه لوجوه: الأول: أنه كان رسُولاً حقًّا من الله ـ تعالى ـ إلى الخلق، والرسول تجب عليه مصالحُ الأمةِ بقدر الإمكانِ. والثاني: أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ علمَ بالوحي أنَّهُ سَيحْصُلُ القَحْطُ والضيقُ الشديد، الذي ربَّما أفضى إلى هلاك الخلق، فلعلَّه ـ تعالى ـ أمره بأن يدبِّر في ذلك الوقت، ويأتي بطريقٍ في آجله يقلُّ ضَررُ ذلك القحْطِ في حق الخلق. الثالث: أنَّ السَّعي في إيصال النفع إلى المُستضعفين، ودفع الضرر عنهم ـ أمرٌ مستحسنٌ في العقول. وإذا ثبت هذا، فنقولُ: إنه صلى الله عليه وسلم مكلَّفاً برعاية المصالح من هذه الوجوه،و ما كان يمكنه رعايتها إلاَّ بهذا الطريق، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به، فهو واجبٌ، فكان هذا الطريق واجباً، ولمَّا كان واجباً، سقطتِ الأسئلة بالكلية. وأما تركُ الاستثناءِ، فقال الواحديُّ: "كان ذلك من خطيئةٍ أوجبتْ عُقوبةٌ وهو أنه ـ تعالى ـ أخَّر عنه حصول ذلك المقصودِ سنةً". قال ابنُ الخطيب: "لعلَّ السبب فيه أنه لو ذكر هذا الاستثناء، لاعتقد الملكُ فيه أنه ذكره لعلمه بأنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي؛ فلأجل هذا المعنى ترك الاستثناء". وأما قوله لِمَ مَدحَ نفسه؟ فجوابه من وجوه: الأولك لا نُسلِّمُ أنه مدح نفسه، بل بيَّن كونه موصوفاً بهاتين الصفتين الوافيتين بحصولِ هذا المطلوبِ، فاحتاج إلى ذكر هذا الوصفِ؛ لأنَّ الملك ـ وإن علمَ كمالهُ في علومِ الدين ـ ما كان عالماً بأنه يفي بهذا الأمر. ثم نقول: هبْ أنَّه مدح نفسه، إلاَّ أنَّ مدح النفس لا يكونُ مذموماً؛ إلا إذا قصد به الرجل التَّطاول، والتفاخر، والتوصل إلى ما لا يحلُّ، وأمَّا على هذا الوجه، فلا نسلِّم أنه يحرمُ، وقوله تعالى {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [النجم:23]، والمراد منه: تزكيةٌ النفس وهو يعلمُ كونها غير زَكيَّةٍ؛ ويدلُّ عليه قوله تعالى ـ بعده: {أية : هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ}تفسير : [النجم:23] أما إذا كان عالماً بأنه صدقٌ، فهو غير ممنوعٍ منه، والله أعلم. وأما القول: ما الفائدة في وصف نفسه بأنه حفيظٌ عليمٌ؟. قلنا: إنه جار مجرى أن يقول: حفيظٌ بجميع الوجوه التي منها يمكن الرجل تحصيل المالِ، عليمٌ بالجهاتِ التي تصلح لأن يصرف المال إليها، أو حفيظ للخزائن عليمٌ بوجوه مصَالِحهَا أو كاتبٌ حَاسِبٌ، أو حفيظٌ لِمَا اسْتودَعْتَنِي، عليمٌ بما وليتني، أو حفيظ للحساب، عليمٌ بالألسن، أعلمُ لغة من يأتيني. وقال الكلبيُّ: "حفيظٌ بتقديره في السِّنين الخصبةِ، عليم بوقت الجوعِ حين يقعُ في الأرض الجَدبةِ". فقال الملك: من أحقُّ به مِنْكَ فولاَّهُ ذلك، وقال له: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} ذُو مكانةٍ ومنزلةٍ، أمينٌ على خزائنِ الأرض.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: فأتاه الرسول فقال له: ألق عنك ثياب السجن، والبس ثياباً جدداً وقم إلى الملك، فدعا له أهل السجن - وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة - فلما أتاه، رأى غلاماً حدثاً. فقال: أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة؟!... وأقعده قدامه وقال له: لا تخف، وألبسه طوقاً من ذهب وثياب حرير وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابة الملك، وضرب الطبل بمصر أن يوسف عليه السلام خليفة الملك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {أستخلصه لنفسي} قال: أتخذه لنفسي. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن زيد العمي - رضي الله عنه - قال: لما رأى يوسف عليه السلام عزيز مصر قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزتك من شره. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن أبي ميسرة - رضي الله عنه - قال: لما رأى العزيز لبق يوسف وكيسه وظرفه، دعاه. فكان يتغدى معه ويتعشى دون غلمانه، فلما كان بينه وبين المرأة ما كان، قالت: لم تدني هذا من بين غلمانك؟... مره فليتغد مع الغلمان. قال له: اذهب فتغد مع الغلمان. فقال له يوسف: أترغب أن تأكل معي ... أنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال الملك ليوسف: إني أحب أن تخالطني في كل شيء، إلا في أهلي، وأنا آنف أن تأكل معي. فغضب يوسف عليه السلام فقال: أنا أحق أن آنف، أنا ابن إبراهيم خليل الله، وأنا ابن إسحاق ذبيح الله، وأنا ابن يعقوب نبي الله. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: أسلم الملك الذي كان معه يوسف عليه السلام.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ} أجعله خالصاً {لِنَفْسِى} وخاصاً بـي {فَلَمَّا كَلَّمَهُ} أي فأتَوا به، فحُذف للإيذان بسرعة الإتيانِ به فكأنه لم يكن بـين الأمرِ بإحضاره والخطابِ معه زمانٌ أصلاً، والضميرُ المستكنُّ في (كلّمه) ليوسف، والبارزُ للملك أي فلما كلّمه يوسفُ إثرَ ما أتاه فاستنطقه وشاهد منه ما شاهد {قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ} ذو مكانةٍ ومنزلةٍ رفيعة {أَمِينٌ} مؤتمنٌ على كل شيء، (واليومَ) ليس بمعيار لمدة المكانةِ والأمانةِ بل هو آنُ التكلم والمرادُ تحديد مبدئهما احترازاً عن احتمال كونِهما بعد حين. روي أنه عليه السلام لما جاءه الرسولُ خرج من السجن ودعا لأهله واغتسل ولبِس ثياباً جُدُداً فلما دخل على الملك قال: «اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتِك من شرّه وشرِّ غيره» ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية فقال: ما هذا اللسانُ؟ قال: لسانُ آبائي، وكان الملك يعرف سبعين لساناً فكلّمه بها فأجابه بجميعها فتعجّب منه فقال: أحب أن أسمعَ منك رؤياي فحكاها ونعت له البقراتِ والسنابلَ وأماكنَها على ما رآها فأجلسه على السرير وفوّض إليه أمرَه، وقيل: توفي قطفيرُ في تلك الليالي فنصّبه منصِبه وزوجه راعيل فوجدها عذراءَ وولدت له إفرايـيم وميشا ولعل ذلك إنما كان بعد تعيـينِه عليه السلام لِما عُيّن له من أمر الخزائنِ كما يعرب عنه قوله عز وجل: {قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأَرْضِ} أي أرض مصرَ أي ولِّني أمرَها من الإيراد والصرف {إِنّى حَفِيظٌ} لها ممن لا يستحقها {عَلِيمٌ} بوجوه التصرّفِ فيها، وفيه دليل على جواز طلبِ الولايةِ إذا كان الطالبُ ممن يقدر على إقامة العدلِ وإجراءِ أحكامِ الشريعة وإن كان من يد الجائرِ أو الكافر. وعن مجاهد أنه أسلم الملكُ على يده عليه السلام، ولعل إيثارَه عليه السلام لتلك الولايةِ خاصة إنما كان للقيام بما هو أهمُّ أمورِ السلطنة إن ذاك من تدبـير أمرِ السنين حسبما فُصل في التأويل لكونه من فروع تلك الولايةِ لا لمجرد عمومِ الفائدة كما قيل، وإنما لم يُذكر إجابةُ الملكِ إلى ما سأله عليه السلام من جعله على خزائن الأرضِ إيذاناً بأن ذلك أمرٌ لا مردَّ له غنيٌّ عن التصريح به لا سيما بعد تقديمِ ما يندرج تحته من أحكام السلطنةِ بحذافيرها من قوله: إنك اليوم لدينا مكين أمين للتنبه على أن كلَّ ذلك من الله عز وجل وإنما الملكُ آلة في ذلك كما قيل.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الملك} [آودره اندكه جون باملك مصر سخنان يوسف باز كفتند آرزومندئ وى بديدار يوسف زياده شد] {ائتونى به} [بياريد يوسف را بيش من] {استخلصه} اجعله خالصا {لنفسى} وخاصا بى. قال سعدى المفتى كان استدعاء الملك يوسف اولا بسبب علم الرؤيا فلذلك قال ائتونى به فقط فلما فعل يوسف ما فعل وظهرت امانته وصبره وهمته وجودة نظره وتأنيه فى عدم التسرع واليه باول طلب عظمت منزلته عنده وطلبه ثانيا بقوله ائتونى به استخلصه لنفسى {فلما كلمه} اى فاتوا به فلما كلمه يوسف اثر ما اتاه فاستنطقه وشاهد منه ما شاهد من الرشد والدهاء وهو جودة الرأى {قال} له ايها الصديق {انك اليوم لدنيا} عندنا وبحضرتنا {مكين} ذو مكانة ومنزلة رفيعة {امين} مؤتمن على كل شيء واليوم ليس بمعيار لمدة المكانة بل هو آن التكلم والمراد تحديد مبدأهما احترازا عن احتمال كونهما بعد حين -روى- ان الرسول اى الساقى جاء الى يوسف فقال اجب الملك: قال الحافظ شعر : ماه كنعانى من مسند مصر آن توشد كاه آنست كه بدرود كنى زندانرا تفسير : قال المولى الجامى شعر : شب يوسف بكذشت از درازى طلوع صبح كردش كار سازى جو شد كوه كران برجانش اندوه برآمد آفتابش از بس كوه تفسير : فخرج من السجن ووودع اهل السجن ودعا لهم وقال اللهم اعطف قلوب الصالحين عليهم ولا تستر الاخبار عنهم فمن ثم تقع الاخبار عن اهل السجن قبل ان تقع عند عامة الناس وكتب على باب السجن هذه منازل البلوى وقبور الاحياء وشماتة الاعداء وتجربة الاصدقاء ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا جددا [در تيسير آورده كه ملك هفتاد حاجب را باهفتاد مركب آراسته با تاج ولباس ملوكانه بزندان فرستاد] شعر : جو يوسف شد سوى خسرو روانه بخلعتهاى خاص خسروانه فراز مركبى از باى تا فرق جوكوهى كشته دردرو كهر غرق بهر جا طبلهاى مشك وعنبر زهر سو بدرهاى زر وكوهر براه مركب اة مى فشاندند كدا را از كدايى مى رهاندند تفسير : [وجون نزديك ملك رسيد اورا احترام تمام نموده استقبال فرمود] شعر : زقرب مقدمش شه جون خبر يافت باستقبال او جون بخت بشتافت كشيدش دركنار خويشتن تنك جو سرو كلرخ وشمشاد كلرنك به بهلوى خودش برتخت بنشاند به بر سشهاى خوش با او سخن راند تفسير : -روى- انه لما دخل على الملك قال اللهم انى اسألك بخيرك من خيره واعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية وكان يوسف بتكلم باثنين وسبعين لسلنا فلم يفهمها الملك فقال ما هذا اللسان قال لسان آبائى ابراهيم واسحاق ويعقوب ثم كلمه بالعربية فلم يفهمها الملك فقال ما هذا اللسان قال لسان عمى اسماعيل وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه. وفيه اشارة الى حال اهل الكشف مع اهل الحجاب فان اصحاب الحقيقة يتكلمون فى كل مرتبة شريعة كانت او طريقة او معرفة او حقيقة واما ارباب الظاهر فلا قدرة لهم على التكلم الا فى مرتبة الشريعة وعلمان خير من علم واحد. وقال الملك ايها الصديق انى احب ان اسمع رؤياى منك فحكاها فعبرها يوسف على وجه بديع واجاب لكل ما سأل باسلوب عجيب شعر : جوابى دلكشن ومطبوع كفتش جنان كامدازان كفتن شكفتش تفسير : وفى الآية اشارتان. الاولى ان الروح يسعى فى خلاص القلب من سجن صفات البشرية ليكون خالصا له فى كشف حقائق الاشياء ولم يعلم انه خلق لصالح جميع رعايا مملكته روحانية وجسمانية كما قال عليه السلام "حديث : ان فى جسد ابن آدم لمضغة اذا صلحت صلح بها سائر الجسد واذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهى القلب"تفسير : . والثانية ان الله استحسن من الملك احسانه مع يوسف واستخلاصه من السجن فاحسن اليه بان رزقه الايمان واستخلصه من سجن الكفر والجهل وجعله خالصا لحضرته بالعبودية وترك الدنيا وزخارفها وطلب الآخرة ودرجاتها. قال مجاهد اسم الملك على يده وجمع كثير من الناس لانه كان مبعوثا الى القوم الذين كان بين اظهرهم. يقول الفقير ايده الله القدير اذا كان الاحسان الى يوسف والاكرام له سببا للايمان والعرفان فما ظنك بمن آسى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذب عنه ما دام حيا وهو عمه ابو طالب فالاصح انه ممن احياه الله للايمان كما سبق فى المجلد الاول. واعلم ان اللطف والكرم من آثار السعادة الازلية فلو صدر من الكافر يرجى ان ذلك يدعوه الى الايمان والتوحيد ويصير عاقبته الى الفلاح والنجاح ولو صدر من اهل الانكار اداه الى الاستسعاد بسعادة التوفيق الخاص كما لا يخفى على اهل المشاهدة

الطوسي

تفسير : هذه السياقة تدل على ان ما مضى حكاية عن قول المرأة، لان يوسف لم يكن حاضراً ذلك المجلس، وان الملك حين سمع جميع ذلك قال ائتوني بيوسف استخلصه لنفسي، وطلب هذا الملك ان يكون يوسف له وحده دون شريك فيه، والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شائب الاشتراك. وقال ابن اسحاق كان هذا الملك: الوليد ابن ريان. وقوله {فلما كلمه} فيه حذف، وتقديره انه لما امر باحضاره فأحضر قال له بعد ان كلمه {إنك} يا يوسف {اليوم لدينا مكين أمين} اي عرفنا امانتك، وثقتك، وانت على حالة يتمكن من كان عليها مما يريد، يقال لفلان مكانة عند الملك، وهو مكين عنده، واصله التمكن من الامر (والامين) الموثوق به، والامانة حالة ثقة يؤمن معها نقض العهد بالفتح، وذلك كالعقد في الوديعة وفي التخلية والعقد في الدين، والعقد في القيام بالحق.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} بجلعه من خواصّى من غير حكومة لغيرى عليه فذهب الرّسول واحضره {فَلَمَّا كَلَّمَهُ} ووجده صاحب رشدٍ وكمال وكلام وقد علم عفّته وامانته سابقاً {قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ} ذو مكانة ومنزلة لرشد وعقلك {أَمِينٌ} لظهور عفّتك وامانتك.

الهواري

تفسير : قوله: { وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} أي: أتخذه لنفسي. فأتوه به من السجن. {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا} أي: عندنا { مَكِينٌ} أي: في المكانة والمنزلة. { أَمِينٌ} أي: من الأمانة، كقول الجارية لأبيها في موسى. إذ قالت: (أية : يَا أَبَتِ اسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَئْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ).تفسير : [القصص:26] يعني موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء. وسنذكر ذلك إذا أتينا عليه في سورة القصص [إن شاء الله]. فولاَّه الملك وعزل العزيز. { قَالَ} يوسف: { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ} يعني أرض مصر، أي: على أقوات أهل الأرض { إِنِّي حَفِيظٌ} لما وليت عليه، { عَلِيمٌ} بأمره. وقال الحسن: يعني عليم بما يصلحهم من ميرتهم. قال بعضهم: باع منهم يوسف قوتهم عاماً بكل ذهب عندهم، فصار ذهبهم كله له. ثم باعهم عاماً آخر بكل فضة عندهم، ثم باعهم عاماً آخر بكل نحاس عندهم، ثم باعهم عاماً آخر بكل رصاص عندهم، ثم باعهم عاماً آخر بكل حديد عندهم، ثم باعهم عاماً آخر برقاب أنفسهم، فصارت رقابهم وأموالهم كلها له.

اطفيش

تفسير : {وقَالَ الملِكَ} عطف على محذوف، أى ورجع الساقى مرة ثانية أو ثالثة من السجن على ما مر، وقال الملك: أرسله أولا ليعبر له، ثم ثانيا ليخرج فلم يخرج، ثم ثالثا ليخبره بما قالت النسوة، ثم طلبت الآن أن يؤتى به بلا معاودة {ائتُونى} بيوسف. من كتب هذا إلى قوله: {المحسنين} وقد عطل عن التصرف والعمل، وصام الخميس والجمعة أول الشهر، وقرأ ذلك ليلة الجمعة عند دخول فراشه للنوم، وكتبه يوم الجمعة بين الظهر والعصر، وإذا أفطر قرأه ثم صلى العشاء، ثم قرأه ودخل الفراش، وقرأه أيضا وهلل مائة تهليلة، وكبر مائة تكبيرة، وحمد الله سبحانه وتعالى مائة حمدة، وسبحه مائة تسبيحة، واستغفر مائة استغفار، وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة مرة ثم نام وإذا أصبح نوى ألا يظلم أحدا ولا يتعدى الحق، ثم علق الكتاب خارج داره على نفسه فإنه يتصرف ويعلن من جمعته تلك أو قريب منها، ولم يحسن أو يقرأ الآيات جعلها تحت رأسه وفعل ما مر. {أسْتخلِصْه} السين والتاء للمبالغة، أى أبالغ فى اختصاصى به، وفى جعله خالصا لنفسى، ومن عادة الملوك الانفراد بالأشياء النفسية، قال ذلك لما رأى من براءته وأمانته وعلمه، وتعبير رؤياه كما روى الخباز والساقى، وصبره وإحسانه إلى أهل السجن، وأدبه وثباته فى المحن، فذهب الساقى وغيره ليأتوا بيوسف. روى أنه أرسل إليه عجلته التى كان يركبها، وهى من ذهب وشدت، فى أعناق الفيلة بسلاسل الذهب، وأحاطت الفرسان بها، واصطفت الرجال خلف الفرسان، وضربوا له سماطا من باب السجن إلى باب الملك، وأمر أن تزين مصر بأنواع الزينة، وأن ترخى الستور على الحيطان، وأرسل حوارى مكشوفات الوجوه بالمجامير فى أيديهن، وعليهن أنواع الحرير والديباج، وأرسل العسكر كله لاستقبال يوسف عليه السلام، قيل: كان بين السجن ومصر أربعة فراسخ، وبعث إليه خلعة عظيمة وقال: لا أخرج من السجن حتى لا يبقى فيه أحد، فأمر الملك بإطلاق جميع ما فيه فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ثم ركب. وروى أنه لما أراد الخروج دعا لأهل السجون: اللهم عطِّف عليهم قلوب الأخيار ولا تُعمِّ عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخيار فى كل بلد، ولما خرج كتب بباب السجن: هذا بيت البلوى، وقبر الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء. وإنما خرج بعد ما غسل نفسه من درن السجن، ولبس الثياب الضيقة الجديدة، ولما وقف على باب الملك قال: حسبى ربى من دنياى وحسبى ربى من خلقه، عز جاره، وجل ثناؤه، ولا إله غيره، ولما أبصر الملك قال: اللهم إنى أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره وشر غيره، قاله وهب بن منبه، ولما نظر إليه الملك سلم عليه يوسف بالعبرية، ودعا له بها، فقال له: ما هذا اللسان؟ أى ما هذه اللغة؟ فقال: لسان آبائى وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا، وكلما كلمه بلسان أجابه يوسف به، وزاد عليه بالعربية والعبرية، وكان الملك لا يعرفهما، وأعجب الملك ما رأى منه مع حداثة سنه، كان ابن ثلاثين سنة. ولما نظر إليه الملك ألقيت الهيبة عليه، فتزحزح عن مكانه تعظيما له، ولم يتزحزح لأحد قط، فأقعده معه على سريره، وقال له: إنى أريد أن أسمع تأويل رؤياى منك مشافهة، فقصها عليه على حد ما مر، فتعجب وقال: من أخبرك بها، قال: أمين يأتينى من ربى يقال له جبريل، وقيل: ذكر ذلك لى وللملك أن الملك رأى أن الريح هبت فذرت أوراق السنبلات اليابسات على الخضر، فاشتعلت فيهن النار فاحترقن فصرن سوداً. {فَلمَّا كلَّمه} الملك بعد دخوله عليه ورأى منه ما رأى من تبين الرؤيا وغيره، أو لما كلم يوسف الملك فى أمر الرؤيا {قال إنَّكَ اليوْمَ لدَيْنا} عندنا وهما متعلقان بقوله: {مَكينٌ} أى ذو مكانة ومنزلة، وجاء لا يرد أمرك {أمينٌ} مؤتمن على كل شئ، لا تطرقك تهمة، قال له الملك: فما ترى فى أمر الزراعة؟ قال: تجتهد فى الحرث، ويرفع الناس من طعامهم الخمس فقط، ويكفى الباقى لأهل مصر ومن حولها ممن يصبك ليمتاروا، لقحط يعم الأرض كلها، وإذا فعلت ذلك لم يوجد الطعام إلا عندك، ويجتمع لك من الأموال مالم يجتمع لغيرك، فقال: يا يوسف، وكيف هذا؟ ومن القائم عليه، ومن يديره ويجمعه؟ ويحصيه ويبيعه؟ ولو جمعت أهل مصر كلهم ما أطاقوه ولا بلغوا منه ما تقول؟ قال: فوض إلىّ ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى قضى ذلك على يدى، فإنى كافيك ذلك كما قال الله جل وعلا {قالَ اجْعَلنى...}.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنفْسِى} من شأْن الملوك أَن يؤثروا أَنفسهم بما هو نفيس كأًرض فى الربيع زاهرة وجوهرة لا يوجد مثلها، ووزير عظيم الشأْن وعالم ماهر، فاختار يوسف مختصاً به لكماله صبراً وعلمً وإِحساناً وأَدباً وتعبيراً وورعاً، وهذا جواب لمحذوف أَى لما عبر الرؤيا قال: {ائتونى به أَستخلصه لنفسى} فيكون قال إِيتونى به مرتين، قال: أَولاً إِيتونى به لأَنه عبر الرؤيا، وقال ثانياً إِيتونى به أَختص به لأَمانته وفوائده، فعاد الرسول الأَول إِلى يوسف فى السجن بعد التعبير وهو فى السجن وقال: أَجب الملك فى الحين واطرح ثياب السجن والبس ثياباً حسنة جدداً، واغتسل، فقام وودع أهل السجن ودعا لهم ولأَهل السجن مطلقاً: اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأَخبار، قيل: فمن ذلك يوجد فى السجن من الأخبار ما لا يوجد فى غيرها، ثم اغتسل وليس ثياباً حسنة، وكتب على باب السجن من خارج: هذا بيت البلوى، وقبر الأَحياءَ، وشماتة الأَعداءِ، وتجربة الأَصدقاءِ ودخل على الملك فكلمه وشاهد منه الملك الرشد {فَلَمَّا كَلَّمهُ} وشاهد منه ما يوجب الرغبة فيه، والضمير فى كلم ليوسف والهاءُ للملك، سلم عليه بالعربية فقال الملك: ما هذا اللسان؟ قال: لسان عمى إِِسماعيل، ودعا له بالعبرانية فقال الملك: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائى، وكان الملك يتكلم بسبعين لغة ولا يعرف العربية والعبرانية، وكلما كلمه بلسان أَجابه بما تكلم به وزاد بالعربية والعبرانية، فأعجبه أَمره مع صغر سنه ابن ثلاثين سنة فأَجلسه إِلى جنبه، وقيل: الضمير فى كلم للملك والهاءُ ليوسف؛ لأَن الملوك هي التي تبدأُ بالكلام، والصحيح ما تقدم، فإِنه عهد أَن يبدأَ الداخل بالسلام والثناءِ فكذا فعل يوسف، وقد روى أَنه لما أَراد الدخول قال: حسبى آخرتى من دنياى، وحسبى ربى من خلقه، عز جارك، وجل ثناؤُك، ولا إِله غيرك، ولما دخل على الملك قال: اللهم إِنى أَسأْلك من خيره وأَعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ولكن هذا قد يقوله سراً، أَو حيث لا يسمعه الملك، ويقدر فأَتوا به، ودخل على الملك فكلمه فلما كلمه، والحذف للدلالة على سرعة الإِتيان به، كأَنه اتصل بقوله: فلما كلمه، وروى أَنه قال له: أَحب أَيها الصديق أَن أَسمع تفسير رؤْياى من لسانك ففسرها كما ذكرها عنه الرسول بلا نقص ولا زيادة ولا تقديم ولا تأْخير، ولم يكن حاضراً مع النسوة فى المجلس، وزعم بعض أَنه حاضر، وأَن معنى إِيتونى به قربوه إِلى {قَالَ} الملك {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ} الظرفان متعلقان بمكين، والمراد باليوم عصرى {أَمِينٌ} ذو تمكن ورسوخ فى قلوبنا وملكنا، والجاه على أَموالنا وأَحوالنا من أُمور السلطنة والوزارة، وقيل: أَمين من كل مكروه لا تخاف مما مر عليك، فماذا ترى أَيها الصديق فى أَمر السبع الخصبة والسبع المجدبة؟ قيل: ابتلاهم الله بالسبع المجدبة لأَنه أَقام فى السجن سبعاً وهو مظلوم، فقال: أَجمع الطعام وأَكثر الحرث فى السنين المخصبة وأًخزن الحبوب للناس، والتبن والقصب أَيضاً للدواب، وتأْمر الناس أَن يرفعوا الخمس من زورعهم فيكفيك لأَهل مصر ومن حولها، ويأْتيك الناس من سائِر النواحى للميرة فيجتمع عندك من الكنوز مالم يجتمع لأحد قط، ولو زرعت على حجر لأَنبت وأَثمر؛ وذلك من الله - عز وجل -، وروى أَنه لما قال: أُحب أَن أَسمع منك قال: رأَيت سبع بقرات سمان خرجن من النيل يقطرن لبناً ونظرت إِليهن معجباً فغار النيل فخرج من طينه سبع عجاف بأَنياب وأَضراس، وأَكف الكلاب وخراطيم السباع فأَكلن لحوم السمان ومخهن، وأَنت تنظر معجباً إِذا لم يسمن، ورأيت سبع سنابل خضراً وسبعاً يابسات فى منبت واحد ماءٍ، وترى وأَنت تتعجب فى اختلافهن مع اتحاد المنبت فهبت ريح أَضرمت اليابسات على الخضر فانبهت مذعوراً، فقال: والله ما أَخطأْت فيم رأَيت فى المنام، وما رؤْياى بأَعجب من علمك به، كأَنك الرائِى، ومن تفسيرها، ولما قال: اجمع الطعام فتأْتيك أَهل النواحى للميرة، قال: من لى بذلك الحرث والخزائِن وذلك التصرفات وأَهل مصر كلهم لو جمعتهم ما طاقوا ذلك، وليسوا مأْمونين على ذلك فمن يكفينى ذلك؟ فقال يوسف ما قال الله عز وجل عنه: {قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ} خزائن الطعام والأَموال، خزائِن أَرض مصر التى تحت يدك، وقال الربيع بن أَنس: اجعلنى على خزائِن خراج مصر، فأَجلسه على السرير وفوض الأَمر إِليه، وذلك كله بعد عبر الرؤْيا، وزعم بعض أَنه قبل عبرها قيل جعله وزيراً، وقيل: أَسلم السلطنة إِليه، وروى أَنه توفى قطفير زوج زليخاءَ أَو راعيل فى تلك الليالى فجعله فى مرتبته فزوجه زليخاءَ أَو راعيل فوجدها عذراءَ، وكان قطفير عنينا فيما قيل، وولدت له إِفرايم وميشا والد رحمة زوجة أَيوب فى قول، ويقال: ميشا جد يوشع، وقيل: رحمة زوج أَيوب هى بنت يوسف، وقيل: لم يلد يوسف، وقيل: لم يلد نبياً، وتزوجها بلا عدة لجواز ذلك فى دين يوسف، والمشهور أَنه تزوجها بعد مدة طويلة، وبه قال القرطبى، وروى أَنه أَصابتها حاجة فقيل لها: لو أًتيت يوسف فقيل لها: لا تفعلى نخافه عليك قالت: لا أَخاف ممن خاف الله تعالى: فأْدخلت عليه وقالت: الحمد لله الذى جعل العبيد ملوكاً لطاعته، والملوك عبيداً بمعصيته، فقضى حاجتها، وتزوجها، ولما أَذاه قطفير وهو العزيز أَورثه منصبه وزوجه، وقيل: قالت له ذلك فى الطريق فعرفها وقضى لها وتزوجها وقيل: عزله وولى يوسف ولم يتزوجها إِلا بعد موته، وبحث فيه بأَن المؤْذى زوجه، قلت: كلاهما لأَن زوجها وافقها، ويقال: لما تنزه عن السوءِ أَنعم الله عليه بذلك {إِنِّى حَفِيظٌ} للخزائن من السنين المخصبة للمجدبة بحساب لا أَضيعها، ولا تضيع لمحافظتى عليها بإٍذن الله {عَلِيمٌ} بمصالحها وبالكتابة، وبوقت الجوع وبلغات من يأْتينى، وبأْمر الدين فقال له الملك: ومن أَحق بذلك منك فجعله عليها، وقد كان الملك يعرف عنه أَنه من أََهل دين الله ولكن لا يعرف أَنه من أَهل العلم بأْمر الدنيا أَيضاً فقال له يوسف: إِنى عارف بهما جميعاً، وإٍنما طلب الجعل على خزائن الأَرض ليقوم بمصالح العباد، وهذا الطلب واجب عليه لأَنه يجب على الأَنبياءِ القيام بمصالح الأُمم دينا ودنيا، ولولا ذلك الطلب لماتت أُمم بالجوع، ووصف نفسه بالحفظ والعلم ليتوصل إِلى مصالح العباد والقيام بالدين لا ترفعاً، ووصف النفس بذلك لغرض جائز شرعاً أَو واجب غير مكروه ولا محرم، بل هو من الشرع، ويجب حيث يجب فلا يشكل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: "حديث : لا تسأَل الإِمارة فإِنك إِن أُوتيتها عن مسأَلة وكلت إِليها، وإِن أُعطيتها عن غير مسأَلة أُعنت عليها"تفسير : لأَن الحديث فى طلبها لغرض النفس من مال أَو فخر، وعن مجاهد: أَن الملك أَسلم على يد يوسف قبل هذا الطلب مع أَنا لا نسلم أَن طلب الولاية من مشرك أَو موحد جائز لإِقامة الدين أَو مصالح الخلق ممنوع، إِذا كان غرض الطالب ذلك، ولا يتبعه فى جوره أَو ديانته، وإِلا فحرام كبعض قضاة العصر يطلبونها أَو يقبلونها ويتبعون أَحكامهم، ويوفرون مصالحهم، ويقصدون جمع المال ويحكمون تارة بالجهل وتارة بالجور عمدا، قال ابن عباس رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله أَخى يوسف لو لم يقل اجعلنى على خزائِن الأَرْض لاستعمله من ساعته ولكنه أَخر ذلك سنة"تفسير : رواه البغوى، ولا أَعرف أَنه صحيح {وَكذَلِكَ} أَى كما أَنجيناه من السجن، أَو كما مكناه من عبر الرؤْيا، أَو تأْكيدا لما بعده {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأَرْضِ} أَرض مصر وهى أَربعون فرسخا فى أَربعين فرسخاً، فأَل للعهد، والمراد مَكَّنَّا الأُمور أَو مكنا يوسف على زيادة اللام {يَتَبَوَّأُ} ينزل {مِنْهَا} أَى فى بعضها فمن تبعيضية أَو فيها، ويضعف أَن يكون المعنى يتخذ بعضها منزلا {حيْثُ} متعلق يتبوأُ، وزعم بعض أَنه مفعول لمكنا{يَشَاءُ} أَى هو أًى يوسف وهو الظاهر، أَو الله على طريق الالتفات كما قرأَ نشاءُ بالنون وهى قراءَتنا عن نافع، وكما يناسبه قوله {نُصِيبُ} بالنون {بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ} فى الدنيا المؤْمن والكافر، وقيل المراد الكافر، والمراد التوسع، وإِلا فكل حى فى نعمة من الله، ولو فى أَضيق عيش قال الله - عز وجل - "أية : عجلنا له فيها ما نشاءُ لمن نريد"تفسير : [الإِسراء: 18] أَى توسع له وهو كافر، فالنعمة تصيب الكافر ولا يشكرها، ولا وجه لقولك لا نعمة على كافر إِلا معنى أَنه يزيد بها كفرا فينتقم منه {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} فى الدنيا ولا فى الآخرة... وقد يوفر للمسحن للآخرة وليس تضييعاً، قال سفيان بن عيينة: المؤْمن يثاب على حسناته فى الدنيا والآخرة، والكافر يعجل له فى الدنيا وما له فى الآخرة من خلاق، وتلا هذه الآية، والحكم أَكثرى لا كلى، وفى الحديث: حديث : أَشد البلاءِ على الأَنبياءِ ثم الأَمثل فالأَمثلتفسير : ، وأَيضاً فالمشيئة بالنسبة إِلى مجموع الدنيا والآخرة، أَعطاه الملك تاجه وسيفه وخاتمه وسريره الذى هو مذهب مكلل باليواقيت فى طول ثلاثين ذراعا وعرض عشرة، وثلاثين فراشاً وستين مأَدبة وحلة من إِستبرق فأَمره أَن يطلع السرير فخرج إِليه بالتاج وجهه كالقمر يرى فيه الوجه من صفائِه، ودانت له الملوك، وقيل: قال أَشد بالسرير ملكك، وأَدر أَمرك بالخاتم، فقال يوسف: لا أَقبل التاج، فليس من لباسى، ولا لباس آبائى، فقال الملك: تركته إِجلالا لك، ودخل يوسف على زليخاءَ أو راعيل ووجدها عذراءَ ناعمة، فقال لها: أَليس هذا الحال أَولى؟ فقالت: لا تلمنى أَيها الصديق فإِنى ناعمة وزوجى لا يشتهى النساءَ، وأَنت فى جمالك الفائق، وشهر أَنه تزوجها بعد عماها وكبرها، وفقرها، وكانت تتكفف فتعطى أَو تمنع، فقيل لها لو تعرضت ليوسف إِذا خرج، وكان يخرج فى مائة أَلف من عظماء قومه كل أسبوع، ففعلت، فقالت: سبحان من جعل العبيد ملوكاً بالطاعة، والملوك عبيداً بالمعصية، فقال: ما هذا؟ فعرفها، وبكى بكاء شديداً، وتزوجها وزفت إِليه، فصلت وراءَه، ودعا الله أَن يرد بصرها وشبابها وجمالها، وروى أَنه قال لها لما تعرضت له: هل بقى من حبك شىءٌ؟ فقالت: خذ طرف عكازى، فكان يندفع فى يده متصلا بصدرها وروى أَنه أَحبها أَضعاف حبها، فقال: ما شأْن حبك لى نقص؟ فقالت: لشغل قلبى بحب الله، وروى أَنها: كانت تصلى فجذبها فقد قميصها من دبر، فقال جبريل: قد انقد، واشتغل يوسف ببناء البيوت للطعام، ويقال: إِنه كان يعطى الملك وحاشيته مرة نصف النهار، وأَول من أَصاب الجوع الملك نصف الليل فنادى يا يوسف الجوع الجوع، فقال يوسف: هذا أَول وقت القحط، وكان يوسف لا يشبع فقيل له بيدك خزائن الطعام، فقال: أَخاف نسيان الجائِع إن شبعت، وأَمر أَن يطبخ للملك نصف النهار لئلا ينسى الملك من جاع فكانت عادة الملك الأَكل نصف النهار، وفى أًول المجدبة قال الله - عز وجل- لجبريل: أَلا ترى كيف يأْكل عبادى رزقى ويعبدون غيرى، اهبط عليهم بالجوع، فنادى ليلا: يا أَهل مصر جوعوا سبع سنين، فانتبهوا جائعين، قيل: فلا مطر ولا نبات ولا ريح ولا نهر يجرى ولا حمار ينهق، ولا ثور ينعق، ولا دابة تحمل ولا طائر يفرخ للضعف بالجوع، هلك فى الأُولى كل ما أَعدوه، وباع لهم بالنقود، وفى الثانية بالحلى والجواهر، وفى الثالثة بالدواب، وفى الرابعة بالعبيد والجوارى، وفى الخامسة بالضياع، وفى السادسة بأَولادهم، وفى السابعة برقابهم، فقال للملك: كيف رأَيت صنع الله ربنا فيما أًعطانى؟ فقال: للملك الرأْى ونحن تبع لك، فقال: أَشهد الله وأَشهدك أَنى أَعتقتهم ورددت لهم أَموالهم، وعند مجاهد: لم يزل يلطف بالملك حتى أَسلم وأَسلم معه كثير ومات فى حياة يوسف، ولم يثبت إِيمان العزيز، قيل: أَصاب القحط أَهل الدنيا، وقيل مصر والشام وكنعان.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ} أجعله خالصاً {لِنَفْسِى} وخاصاً بـي {فَلَمَّا كَلَّمَهُ} في الكلام إيجاز أي فأتوا به فلما الخ، وحذف ذلك للإيذان بسرعة الإتيان فكأنه لم يكن بينه وبين الأمر بإحضاره عليه السلام والخطاب معه زمان أصلاً، ولم يكن حاضراً مع النسوة في المجلس كما زعمه بعض وجعل المراد من هذا الأمر قربوه إلي، والضمير المستكن في {كَلَّمَهُ } ليوسف عليه السلام والبارز للملك أي فلما كلم يوسف عليه السلام الملك إثر ما أتاه فاستنطقه ورأى حسن منطقه بما صدق الخبر الخبر، واستظهر في "البحر" كون الضمير الأول للملك والثاني ليوسف أي فلما كلمه الملك ورأى حسن جوابه ومحاورته. {قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ } ذو مكانة ومنزلة رفيعة {أَمِينٌ } مؤتمن على كل شيء، وقيل: آمن من كل مكروه، والوصف بالأمانة هو الأبلغ في الإكرام، و {ٱلْيَوْمَ } ليس بمعيار للمكانة والأمانة بل هو آن التكلم، والمراد تحديد مبدئهما احترازاً عن [احتمال] كونهما بعد حين، وفي اختيار ـ لدى ـ على عند ما لا يخفى من الاعتناء بشأنه عليه السلام، وكذا في اسمية الجملة وتأكيدها. روي أن الرسول جاءه فقال له: أجب الملك الآن بلا معاودة وألق عنك ثياب السجن واغتسل والبس ثياباً جدداً ففعل فلما قام ليخرج دعا لأهل السجن اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلد ثم خرج فكتب على الباب هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء، فلما وصل إلى باب الملك قال: حسبـي ربـي من دنياي وحسبـي ربـي من خلقه عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك، فلما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بك من شره وشر غيره ثم سلم عليه بالعربية فقال له الملك: ما هذا اللسان؟ فقال: لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية فقال له: وما هذا اللسان أيضاً؟ فقال: هذا لسان آبائي، وكان الملك يعرف سبعين لساناً فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه وقال: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك فحكاها عليه السلام له طبق ما رأى لم يخرم منها حرفاً، فقال الملك: أعجب من تأويلك إياها معرفتك لها فأجلسه معه على السرير وفوض إليه أمره؛ وقيل: إنه أجلسه قبل أن يقص الرؤيا. وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال: ذكروا أن قطفير هلك في تلك الليالي وأن الملك زوج يوسف امرأته راعيل فقال لها حين أدخلت عليه: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فقالت: أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جملاء ناعمة في ملك ودنيا وكان صاحبـي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله تعالى في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي على ما رأيت فيزعمون أنه وجدها عذراء فأصابها فولدت له رجلين أفراثيم وميشا. أخرج الحكيم الترمذي عن وهب قال: أصابت امرأة العزيز حاجة فقيل لها: لو أتيت يوسف بن يعقوب فسألتيه فاستشارت الناس في ذلك فقالوا: لا تفعلي فإنا نخافه عليك قالت: كلا إني لا أخاف ممن يخاف الله تعالى فأدخلت عليه فرأته في ملكه فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته ثم نظرت إلى نفسها فقالت: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته فقضى لها جميع حوائجها ثم تزوجها فوجدها بكراً الخبر. وفي رواية أنها تعرضت له في الطريق فقالت ما قالت فعرفها فتزوجها فوجدها بكراً وكان زوجها عنيناً، وشاع عند القصاص أنها عادت شابة بكراً إكراماً له عليه السلام بعدما كانت ثيباً غير شابة، وهذا مما لا أصل له، وخبر تزوجها أيضاً مما لا يعول عليه عند المحدثين؛ وعلى فرض ثبوت التزوج فظاهر خبر الحكيم أنه إنما كان بعد تعيينه عليه السلام لما عين له من أمر الخزائن، قيل: ويعرب عنه قوله تعالى: {قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأَرْضِ}.

سيد قطب

تفسير : نمضي في هذا الدرس مع قصة يوسف، في حلقة جديدة من حلقاتها ـ الحلقة الرابعة ـ وقد وقفنا في نهاية الجزء الثاني عشر عند نهاية الحلقة الثالثة. وقد أخرج من السجن، واستدعاه الملك ليكون له شأن معه، هو الذي سنعرفه في هذه الحلقة الجديدة. هذا الدرس يبدأ بآخر فقرة في المشهد السابق. مشهد الملك يستجوب النسوة اللاتي قطعن أيديهن ـ كما رغب إليه يوسف أن يفعل ـ تمحيصاً لتلك المكايد التي أدخلته السجن، وإعلاناً لبراءته على الملأ، قبل أن يبدأ مرحلة جديدة في حياته؛ وهو يبدؤها واثقاً مطمئناً، في نفسه سكينة وفي قلبه طمأنينة وقد أحس أنها ستكون مرحلة ظهور في حياة الدولة، وفي حياة الدعوة كذلك. فيحسن أن يبدأها وكل ما حوله واضح، ولا شيء من غبار الماضي يلاحقه وهو بريء. ومع أنه قد تجمل فلم يذكر عن امرأة العزيز شيئاً، ولم يشر إليها على وجه التخصيص، إنما رغب إلى الملك أن يفحص عن أمر النسوة اللاتي قطعن أيديهن، فإن امرأة العزيز تقدمت لتعلن الحقيقة كاملة: {الآن حصحص الحق. أنا راودته عن نفسه، وإنه لمن الصادقين. ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. وما أبرىء نفسي؛ إن النفس لأمارة بالسوء، إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم}.. وفي هذه الفقرة الأخيرة تبدو المرأة مؤمنة متحرجة، تبرئ نفسها من خيانة يوسف في غيبته، ولكنها تتحفظ فلا تدعي البراءة المطلقة، لأن النفس أمارة بالسوء ـ إلا ما رحم ربي ـ ثم تعلن ما يدل على إيمانها بالله ـ ولعل ذلك كان اتباعاً ليوسف ـ {إن ربي غفور رحيم}.. وبذلك يسدل الستار على ماضي الآلام في حياة يوسف الصديق. وتبدأ مرحلة الرخاء والعز والتمكين.. {وقال الملك: ائتوني به أستخلصه لنفسي.. فلما كلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين. قال: اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم.. وكذلك مكنا ليوسف في الأرض، يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين. ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون}.. لقد تبينت للملك براءة يوسف، وتبين له معها علمه في تفسير الرؤيا، وحكمته في طلب تمحيص أمر النسوة، كذلك تبينت له كرامته وإباؤه، وهو لا يتهافت على الخروج من السجن، ولا يتهافت على لقاء الملك. وأي ملك؟ ملك مصر! ولكن يقف وقفة الرجل الكريم المتهم في سمعته، المسجون ظلماً، يطلب رفع الاتهام عن سمعته قبل أن يطلب رفع السجن عن بدنه؛ ويطلب الكرامة لشخصه ولدينه الذي يمثله قبل أن يطلب الحظوة عند الملك.. كل أولئك أوقع في نفس الملك احترام هذا الرجل وحبه فقال: {ائتوني به أستخلصه لنفسي}.. فهو لا يأتي به من السجن ليطلق سراحه؛ ولا ليرى هذا الذي يفسر الرؤى؛ ولا ليسمعه كلمة "الرضاء الملكي السامي!" فيطير بها فرحاً.. كلا! إنما يطلبه ليستخلصه لنفسه، ويجعله بمكان المستشار واَلنجيّ والصديق.. فيا ليت رجالاً يمرغون كرامتهم على أقدام الحكام ـ وهم أبرياء مطلقو السراح ـ فيضعوا النير في أعناقهم بأيديهم؛ ويتهافتوا على نظرة رضى وكلمة ثناء، وعلى حظوة الأتباع لا مكانة الأصفياء.. يا ليت رجالاً من هؤلاء يقرأون هذا القرآن، ويقرأون قصة يوسف، ليعرفوا أن الكرامة والإباء والاعتزاز تدر من الربح - حتى المادي ـ أضعاف ما يدره التمرغ والتزلف والانحناء! {وقال الملك: ائتوني به أستخلصه لنفسي}.. ويحذف السياق جزئية تنفيذ الأمر لنجد يوسف مع الملك.. {فلما كلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين}.. فلما كلمه تحقق له صدق ما توسمه. فإذا هو يطمئنه على أنه عند الملك ذو مكانة وفي أمان. فليس هو الفتى العبراني الموسوم بالعبودية. إنما هو مكين. وليس هو المتهم المهدد بالسجن. إنما هو أمين. وتلك المكانة وهذا الأمان لدى الملك وفي حماه. فماذا قال يوسف؟ إنه لم يسجد شكراً كما يسجد رجال الحاشية المتملقون للطواغيت. ولم يقل له: عشت يا مولاي وأنا عبدك الخاضع أو خادمك الأمين، كما يقول المتملقون للطواغيت! كلا إنما طالب بما يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من الأعباء في الأزمة القادمة التي أوّل بها رؤيا الملك، خيراً مما ينهض بها أحد في البلاد؛ وبما يعتقد أنه سيصون به أرواحاً من الموت وبلاداً من الخراب، ومجتمعاً من الفتنة ـ فتنة الجوع ـ فكان قوياً في إدراكه لحاجة الموقف إلى خبرته وكفايته وأمانته، قوته في الاحتفاظ بكرامته وإبائه: {قال: اجعلني على خزائن الأرض. إني حفيظ عليم}.. والأزمة القادمة وسنو الرخاء التي تسبقها في حاجة إلى الحفظ والصيانة والقدرة على إدارة الأمور بالدقة وضبط الزراعة والمحاصيل وصيانتها. وفي حاجة إلى الخبرة وحسن التصرف والعلم بكافة فروعه الضروية لتلك المهمة في سنوات الخصب وفي سني الجدب على السواء. ومن ثم ذكر يوسف من صفاته ما تحتاج إليه المهمة التي يرى أنه أقدر عليها، وأن وراءها خيراً كبيراً لشعب مصر وللشعوب المجاورة: {إني حفيظ عليم}.. ولم يكن يوسف يطلب لشخصه وهو يرى إقبال الملك عليه فيطلب أن يجعله على خزائن الأرض.. إنما كان حصيفاً في اختيار اللحظة التي يستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أوقات الأزمة؛ وليكون مسؤولاً عن إطعام شعب كامل وشعوب كذلك تجاوره طوال سبع سنوات، لا زرع فيها ولا ضرع. فليس هذا غنماً يطلبه يوسف لنفسه. فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية لا يقول أحد إنه غنيمة. إنما هي تبعة يهرب منها الرجال، لأنها قد تكلفهم رؤوسهم، والجوع كافر، وقد تمزق الجماهير الجائعة أجسادهم في لحظات الكفر والجنون. وهنا تعرض شبهة.. أليس في قول يوسف ـ عليه السلام ـ: {اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم}.. أمران محظوران في النظام الإسلامي: أولهما: طلب التولية، وهو محظور بنص قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله (أو حرص عليه)"تفسير : .. (متفق عليه). وثانيهما: تزكية النفس، وهي محظورة بقوله تعالى: {أية : فلا تزكوا أنفسكم }؟ تفسير : ولا نريد أن نجيب بأن هذه القواعد إنما تقررت في النظام الإسلامي الذي تقرر على عهد محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنها لم تكن مقررة على أيام يوسف ـ عليه السلام ـ والمسائل التنظيمية في هذا الدين ليست موحدة كأصول العقيدة، الثابتة في كل رسالة وعلى يد كل رسول.. لا نريد أن نجيب بهذا، وإن كان له وجه، لأننا نرى أن الأمر في هذه المسألة أبعد أعماقاً، وأوسع آفاقاً من أن يرتكن إلى هذا الوجه؛ وأنه إنما يرتكن إلى اعتبارات أخرى لا بد من إدراكها، لإدراك منهج الاستدلال من الأصول والنصوص، ولإعطاء أصول الفقه وأحكامه تلك الطبيعة الحركية الأصيلة في كيانها، والتي خمدت وجمدت في عقول الفقهاء وفي عقلية الفقه كلها في قرون الخمود والركود! إن الفقه الإسلامي لم ينشأ في فراغ، كما أنه لا يعيش ولا يفهم في فراغ!.. لقد نشأ الفقه الإسلامي في مجتمع مسلم، ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع في مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية. كذلك لم يكن الفقه الإسلامي هو الذي أنشأ المجتمع المسلم؛ إنما كان المجتمع المسلم بحركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الإسلامية هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي.. وهاتان الحقيقتان التاريخيتان الواقعيتان عظيمتان الدلالة؛ كما أنهما ضروريتان لفهم طبيعة الفقه الإسلامي؛ وإدراك الطبيعة الحركية للأحكام الفقهية الإسلامية. والذين يأخذون اليوم تلك النصوص والأحكام المدونة، دون إدراك لهاتين الحقيقتين؛ ودون مراجعة للظروف والملابسات التي نزلت فيها تلك النصوص ونشأت فيها تلك الأحكام، ودون استحضار لطبيعة الجو والبيئة والحالة التي كانت تلك النصوص تلبيها وتوجهها؛ وكانت تلك الأحكام تصاغ فيها وتحكمها وتعيش فيها... الذين يفعلون ذلك؛ ويحاولون تطبيق هذه الأحكام كأنها نشأت في فراغ؛ وكأنها اليوم يمكن أن تعيش في فراغ.. هؤلاء ليسوا "فقهاء"! وليس لهم "فقه" بطبيعة الفقه! وبطبيعة هذا الدين أصلاً! إن "فقه الحركة" يختلف اختلافاً أساسياً عن "فقه الأوراق" مع استمداده أصلاً وقيامه على النصوص التي يقوم عليها ويستمد منها "فقه الأوراق"! إن فقه الحركة يأخذ في اعتباره "الواقع" الذي نزلت فيه النصوص، وصيغت فيه الأحكام. ويرى أن ذلك الواقع يؤلف مع النصوص والأحكام مركباً لا تنفصل عناصره. فإذا انفصلت عناصر هذا المركب فقد طبيعته، واختل تركيبه! ومن ثم فليس هنالك حكم فقهي واحد مستقل بذاته، يعيش في فراغ، لا تتمثل فيه عناصر الموقف والجو والبيئة والملابسات التي نشأ نشأته الأولى فيها.. إنه لم ينشأ في فراغ ومن ثم لا يستطيع أن يعيش في فراغ! ونأخذ مثالاً لهذا التقرير العام هذا الحكم الفقهي الإسلامي بعدم تزكية النفس وعدم ترشيحها للمناصب، وهو المأخوذ من قوله تعالى: {أية : فلا تزكوا أنفسكم} تفسير : ومن قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله ".. تفسير : لقد نشأ هذا الحكم ـ كما نزلت تلك النصوص ـ في مجتمع مسلم؛ ليطبق في هذا المجتمع؛ وليعيش في هذا الوسط؛ وليلبي حاجة ذلك المجتمع. وفق نشأته التاريخية، ووفق تركيبه العضوي، ووفق واقعه الذاتي. فهو من ثم حكم إسلامي جاء ليطبق في مجتمع إسلامي.. وقد نشأ في وسط واقعي ولم ينشأ في فراغ مثالي. وهو من ثم لا يطبق ولا يصلح ولا ينشئ آثاره الصحيحة إلا إذا طبق في مجتمع إسلامي.. إسلامي في نشأته، وفي تركيبه العضوي، وفي التزامه بشريعة الإسلام كاملة.. وكل مجتمع لا تتوافر فيه هذه المقوّمات كلها يعتبر "فراغاً" بالقياس إلى ذلك الحكم، لا يملك أن يعيش فيه، ولا يصلح له، ولا يصلحه كذلك! ومثل هذا الحكم كل أحكام النظام الإسلامي. وإن كنا في هذا المقام لا نفصل إلا هذا الحكم بمناسبة ذلك السياق القرآني.. ونريد أن نفهم لماذا لا يزكي الناس أنفسهم في المجتمع المسلم، ولا يرشحون أنفسهم للوظائف، ولا يقومون لأشخاصهم بدعاية ما كي يختاروا لمجلس الشورى أو للإمامة أو للإمارة... إن الناس في المجتمع المسلم لا يحتاجون لشيء من هذا لإبراز أفضليتهم وأحقيتهم. كما أن المناصب والوظائف في هذا المجتمع تكليف ثقيل لا يغري أحداً بالتزاحم عليه ـ اللهم إلا ابتغاء الأجر بالنهوض بالواجب وللخدمة الشاقة ابتغاء رضوان الله تعالى ـ ومن ثم لا يسأل المناصب والوظائف إلا المتهافتون عليها لحاجة في نفوسهم. وهؤلاء يجب أن يُمنعوها! ولكن هذه الحقيقة لا تفهم إلا بمراجعة النشأة الطبيعية للمجتمع المسلم، وإدراك طبيعة تكوينه العضوي أيضاً.. إن الحركة هي العنصر المكوّن لذلك المجتمع. فالمجتمع المسلم وليد الحركة بالعقيدة الإسلامية.. أولاً: تجيء العقيدة من مصدرها الإلهي متمثلة في تبليغ الرسول وعمله ـ على عهد النبوات ـ أو متمثلة في دعوة الداعية بما جاء من عند الله وما بلغه رسوله ـ على مدار الزمان بعد ذلك ـ فيستجيب للدعوة ناس؛ يتعرضون للأذى والفتنة من الجاهلية الحاكمة السائدة في أرض الدعوة. فمنهم من يفتن ويرتد، ومنهم من يصدق ما عاهد الله عليه فيقضي نحبه شهيداً ومنهم من ينتظر حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق.. هؤلاء يفتح الله عليهم، ويجعل منهم ستاراً لقدره، ويمكن لهم في الأرض تحقيقاً لوعده بنصر من ينصره، والتمكين في الأرض له، ليقيم مملكة الله في الأرض - أي لينفذ حكم الله في الأرض - ليس له من هذا النصر والتمكين شيء؛ إنما هو نصر لدين الله، وتمكين الله في العباد. وهؤلاء لا يقفون بهذا الدين عند حدود أرض معينة؛ ولا عند حدود جنس معين؛ ولا عند حدود قوم أو لون أو لغة أو مقوّم واحد من تلك المقومات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة! إنما ينطلقون بهذه العقيدة الربانية ليحرروا "الإنسان".. كل الإنسان: في "الأرض".. كل الأرض.. من العبودية لغير الله؛ وليرفعوه عن العبودية للطواغيت أياً كانت هذه الطواغيت. وفي أثناء الحركة بهذا الدين ـ وقد لاحظنا أنها لا تتوقف عند إقامة الدولة المسلمة في بقعة من الأرض، ولا تقف عند حدود أرض أو جنس أو قوم ـ تتميز أقدار الناس، وتتحدد مقاماتهم في المجتمع، ويقوم هذا التحديد وذلك التميز على موازين وقيم إيمانية، الجميع يتعارفون عليها، من البلاء في الجهاد، والتقوى والصلاح والعبادة والأخلاق والقدرة والكفاءة.. وكلها قيم يحكم عليها الواقع، وتبرزها الحركة، ويعرفها المجتمع ويعرف المتسمين بها.. ومن ثم لا يحتاج أصحابها أن يزكوا أنفسهم، ولا أن يطلبوا الإمارة أو مراكز الشورى والتوجيه على أساس هذه التزكية.. وفي المجتمع المسلم الذي نشأ هذه النشأة، وقام تركيبه العضوي على أساس التميز في أثناء الحركة بتلك القيم الإيمانية ـ كما حدث في المجتمع المسلم من تميز السابقين من المهاجرين ثم الأنصار، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، ومن أنفق من قبل الفتح ـ وقاتل ـ ثم ظل يتميز الناس فيه بحسن البلاء في الإسلام.. في هذا المجتمع لا يبخس الناس بعضهم بعضاً، ولا ينكر الناس فضائل المتميزين ـ مهما غلب الضعف البشري أصحابه أحياناً فغلبتهم الأطماع ـ وعندئذ تنتفي الحاجة ـ من جانب آخر ـ إلى أن يزكي المتميزون أنفسهم ويطلبوا الإمارة أو مراكز الشورى والتوجيه على أساس هذه التزكية.. ولقد يخيل للناس الآن أن هذه خاصية متفردة للمجتمع المسلم الأول بسبب نشأته التاريخية! ولكنهم ينسون أن أي مجتمع مسلم لن يوجد إلا بمثل هذه النشأة.. لن يوجد اليوم أو غداً، إلا أن تقوم دعوة لإدخال الناس في هذا الدين من جديد، وإخراجهم من الجاهلية التي صاروا إليها.. وهذه نقطة البدء.. ثم تعقبها الفتنة والابتلاء ـ كما حدث أول مرة ـ فأما ناس فيفتنون ويرتدون! وأما ناس فيصدقون ما عاهدوا الله عليه فيقضون نحبهم ويموتون شهداء. وأما ناس فيصبرون ويصابرون ويصرون على الإسلام، ويكرهون أن يعودوا إلى الجاهلية كما يكره أحدهم أن يلقى في النار؛ حتى يحكم الله بينهم وبين قومهم بالحق، ويمكّن لهم في الأرض ـ كما مكن للمسلمين أول مرة ـ فيقوم في أرض من أرض الله نظام إسلامي.. ويومئذ تكون الحركة من نقطة البدء إلى قيام النظام الإسلامي قد ميزت المجاهدين المتحركين إلى طبقات إيمانية، وفق الموازين والقيم الإيمانية.. ويومئذ لن يحتاج إلى ترشيح أنفسهم وتزكيتها، لأن مجتمعهم الذي جاهد كله معهم يعرفهم ويزكيهم ويرشحهم! ولقد يقال بعد هذا: ولكن هذا يكون في المرحلة الأولى. فإذا استقر المجتمع بعد ذلك؟ وهذا سؤال من لا يعرف طبيعة هذا الدين! إن هذا الدين يتحرك دائماً ولا يكف عن الحركة.. يتحرك لتحرير "الإنسان". كل الإنسان.. في "الأرض".. كل الأرض.. من العبودية لغير الله؛ وليرفعه عن العبودية للطواغيت؛ بلا حدود من الأرض أو الجنس أو القوم أو أي مقوم من المقومات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة! وإذن فستظل الحركة ـ التي هي طبيعة هذا الدين الأصيلة ـ تميز أصحاب البلاء وأصحاب الكفايات والمواهب؛ ولا تقف أبداً ليركد هذا المجتمع ويأسن ـ إلا أن ينحرف عن الإسلام ـ وسيظل الحكم الفقهي ـ الخاص بتحريم تزكية النفس وطلب العمل على أساس هذه التزكية ـ قائماً وعاملاً في محيطه الملائم.. ذات المحيط الذي نشأ أول مرة وعمل فيه. ثم يقال: ولكن المجتمع حين يتسع لا يعرف الناس بعضهم بعضاً؛ ويصبح الأكفاء الموهوبون في حاجة إلى الإعلان عن أنفسهم وتزكيتها وطلب العمل على أساس هذه التزكية! وهذا القول كذلك وهم ناشئ من التأثر بواقع المجتمعات الجاهلية الحاضرة.. إن المجتمع المسلم يكون أهل كل محلة فيه متعارفين متواصلين متكافلين ـ كما هي طبيعة التربية والتكوين والتوجيه، والالتزام في المجتمع المسلم ـ ومن ثم يكون أهل كل محلة عارفين بأصحاب الكفايات والمواهب فيهم؛ موزونة هذه الكفايات والمواهب بموازين و قيم إيمانية؛ فلا يعز عليهم أن ينتدبوا هم من بينهم أهل البلاء والتقوى والكفاية.. سواء لمجلس الشورى أو للشؤون المحلية. أما الإمارات العامة فيختار لها الإمام ـ الذي اختارته الأمة بعد ترشيح أهل الحل والعقد ـ أو أهل الشورى ـ له.. يختار لها من بين مجموعة الرجال المختارين الذين ميزتهم الحركة. والحركة دائبة كما قلنا في المجتمع المسلم، والجهاد ماض إلى يوم القيامة. إن الذين يفكرون في النظام الإسلامي اليوم وتشكيلاته ـ أو يكتبون ـ يدخلون في متاهة! ذلك أنهم يحاولون تطبيق قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية المدونة في فراغ! يحاولون تطبيقها في هذا المجتمع الجاهلي القائم، بتركيبه العضوي الحاضر! وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبرـ بالقياس إلى طبيعة النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية ـ فراغاً لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام ولا أن تطبق فيه هذه الأحكام.. إن تركيبه العضوي مناقض تماماً للتركيب العضوي للمجتمع المسلم. فالمجتمع المسلم - كما قلنا - يقوم تركيبه العضوي على أساس ترتيب الشخصيات والفئات كما ترتبها الحركة لإقرار هذا النظام في عالم الواقع، ولمجاهدة الجاهلية لإخراج الناس منها إلى الإسلام. مع تحمل ضغوط الجاهلية وما توجهه من فتنة وإيذاء وحرب على هذه الحركة، والصبر على الابتلاء وحسن البلاء من نقطة البدء إلى نقطة الفصل في نهاية المطاف. أما المجتمع الجاهلي الحاضر فهو مجتمع راكد، قائم على قيم لا علاقة لها بالإسلام، ولا بالقيم الإيمانية.. وهو ـ من ثم ـ يعد بالقياس إلى النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغاً لا يعيش فيه هذا النظام ولا تقوم فيه هذه الأحكام! هؤلاء الكاتبون الباحثون عن حل لتطبيق قواعد النظام وتشكيلاته وأحكامه الفقهية يحيرهم ـ أول ما يحيرهم ـ طريقة اختيار أهل الحل والعقد ـ أو أهل الشورى ـ من غير ترشيح من أنفسهم ولا تزكية! كيف يمكن هذا في مثل هذه المجتمعات التي نعيش فيها والناس لا يعرف بعضهم بعضاً ولا يزنون كذلك بموازين الكفاية والنزاهة والأمانة! كذلك تحيرهم طريقة اختيار الإمام؟ أيكون الاختيار من عامة الشعب أم يكون من ترشيح أهل الحل والعقد؟ وإذا كان الإمام سيختار أهل الحل والعقد ـ متابعة لعدم تزكيتهم لأنفسهم أو ترشيحها ـ فكيف يعودون هم فيختارون الإمام؟ ألا يؤثر هذا في ميزانهم؟ ثم إذا كانوا هم الذين سيعودون فيرشحون الإمام؟ ألا تكون لهم ولاية عليه وهو الإمام الأعظم؟ ثم ألا يجعله هذا يختار أشخاصاً يضمن ولاءهم له، ويكون هذا هو العنصر الأول في اعتباره؟... وأسئلة أخرى كثيرة لا يجدون لها جواباً في هذه المتاهة! أنا أعرف نقطة البدء في هذه المتاهة.. إنها هي افتراض أن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه مجتمع مسلم؛ وأن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية سيجاء بها لتطبق على هذا المجتمع الجاهلي بتركيبه العضوي الحاضر، وبقيمه وأخلاقه الحاضرة! هذه نقطة البدء في المتاهة.. ومتى بدأ منها الباحث فإنه يبدأ في فراغ، ويوغل في هذا الفراغ، حتى يبعد في التيه، وحتى يأخذه الدوار! إن هذا المجتمع الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم، ومن ثم لن يطبق فيه النظام الإسلامي ولن تطبق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام.. لن تطبق لاستحالة هذا التطبيق الناشئة من أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ؛ لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ، ولم تتحرك في فراغ كذلك! إن المجتمع الإسلامي ينشأ بتركيب عضوي آخر غير التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي.. ينشأ من أشخاص ومجموعات وفئات جاهدت ـ في وجه الجاهلية ـ لإنشائه؛ وتحددت أقدارها وتميزت مقاماتها في ثنايا تلك الحركة. إنه مجتمع جديد.. ومجتمع وليد.. ومجتمع متحرك دائماً في طريقه لتحرير "الإنسان".. كل الإنسان.. في "الأرض".. كل الأرض.. من العبودية لغير الله، ولرفع هذا الإنسان عن ذلة العبودية للطواغيت.. أياً كانت هذه الطواغيت.. ومثل قضية التزكية وطلب الإمارة، واختيار الإمام، واختيار أهل الشورى.. وما إليها... قضايا كثيرة تثار، ويطرقها الباحثون في الإسلام.. في الفراغ.. في هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه.. بتركيبه العضوي المختلف تماماً عن التركيب العضوي للمجتمع المسلم.. وبقيمه وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته المختلفة تماماً عن قيم المجتمع المسلم وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته.. أعمال البنوك وأساسها الربوي.. شركات التأمين وقاعدتها الربوية.. تحديد النسل وما أدري ماذا؟! إلى آخر هذه "المشكلات" التي يشغل "الباحثون" بها أنفسهم أو يجيبون فيها عن استفتاءات توجه إليهم.. إنهم جميعاً ـ مع الأسف ـ يبدأون من نقطة البدء في المتاهة! يبدأون من افتراض أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه سيجاء بها لتطبق على هذه المجتمعات الجاهلية الحاضرة بتركيبها العضوي الحاضر؛ فتنتقل هذه المجتمعات إذن ـ متى طبقت عليها أحكام الإسلام ـ إلى الإسلام! و هي تصورات مضحكة لولا أنها محزنة! إن الفقه الإسلامي بكل أحكامه ليس هو الذي أنشأ المجتمع المسلم. إنما المجتمع بحركته ـ في مواجهة الجاهلية ابتداء ـ ثم بحركته في مواجهة حاجة الحياة الحقيقية ثانياً، هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي مستمداً من أصول الشريعة الكلية.. والعكس لا يمكن أن يكون أصلاً! إن الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ، ولا يعيش في فراغ كذلك.. لا ينشأ في الأدمغة والأوراق؛ إنما ينشأ في واقع الحياة. وليست أية حياة. إنما هي حياة المجتمع المسلم على وجه التحديد.. ومن ثم لا بد أن يوجد المجتمع المسلم أولاً بتركيبه العضوي الطبيعي؛ فيكون هو الوسط الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي ويطبق.. وعندئذ تختلف الأمور جداً.. وساعتها قد يحتاج ذلك المجتمع الخاص ـ بعد نشأته في مواجهة الجاهلية وتحركه في مواجهة الحياة ـ إلى البنوك وشركات التأمين وتحديد النسل.. الخ وقد لا يحتاج! ذلك أننا لا نملك سلفاً أن نقدر أصل حاجته، ولا حجمها، ولا شكلها، حتى نشرع لها سلفاً! كما أن ما لدينا من أحكام هذا الدين لا يطابق حاجات المجتمعات الجاهلية ولا يلبيها.. ذلك أن هذا الدين لا يعترف ابتداء بشرعية وجود هذه المجتمعات الجاهلية ولا يرضى ببقائها. ومن ثم فهو لا يعني نفسه بالاعتراف بحاجاتها الناشئة من جاهليتها ولا بتلبيتها كذلك! إن المحنة الحقيقية لهؤلاء الباحثين أنهم يتصورون أن هذا الواقع الجاهلي هو الأصل، الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه! ولكن الأمر غير ذلك تماماً.. إن دين الله هو الأصل الذي يجب على البشرية أن تطابق نفسها عليه؛ وأن تحور من واقعها الجاهلي وتغير حتى تتم هذه المطابقة.. ولكن هذا التحور وهذا التغير لا يتمان عادة إلا عن طريق واحد.. هو التحرك ـ في وجه الجاهلية ـ لتحقيق ألوهية الله في الأرض وربوبيته وحده للعباد، وتحرير الناس من العبودية للطاغوت، بتحكيم شريعة الله وحدها في حياتهم.. وهذه الحركة لا بد أن تواجه الفتنة والأذى والابتلاء. فيفتن من يفتن ويرتد من يرتد، ويصدق الله من يصدقه فيقضي نحبه ويستشهد، ويصبر من يصبر ويمضي في حركته حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق، وحتى يمكن الله له في الأرض، وعندئذ فقط يقوم النظام الإسلامي، وقد انطبع المتحركون لتحقيقه بطابعه، وتميزوا بقيمه... وعندئذ تكون لحياتهم مطالب وحاجات تختلف في طبيعتها وفي طرق تلبيتها عن حاجات المجتمعات الجاهلية ومطالبها وطرق تلبيتها.. وعلى ضوء واقع المجتمع المسلم يومذاك تستنبط الأحكام؛ وينشأ فقه إسلامي حي متحرك ـ لا في فراغ ـ ولكن في وسط واقعي محدد المطالب والحاجات والمشكلات.. ومن ذا الذي يدرينا اليوم مثلاً أن يكون الناس في مجتمع مسلم تجبى فيه الزكاة وتنفق في مصارفها، ويقوم فيه التراحم والتكافل بين أهل كل محلة، ثم بين كل أفراد الأمة، وتقوم حياة الناس فيه على غير السرف والترف والمخيلة والتكاثر.. إلى آخر مقومات الحياة الإسلامية.. من يدرينا أن مجتمعاً كهذا سيكون في حاجة إلى شركات تأمين أصلاً؟! وعنده كل تلك التأمينات والضمانات مع تلك الملابسات والقيم والتصورات؟! وإذا احتاج إلى نوع من التأمين فمن يدرينا أنه سيكون هو هذا النوع المعروف في المجتمع الجاهلي، المنبثق من حاجات هذا المجتمع الجاهلي وملابساته وقيمه وتصوراته؟! وكذلك من يدرينا أن المجتمع المسلم المتحرك المجاهد سيكون في حاجة إلى تحديد النسل مثلاً؟.. وهكذا.. وإذا كنا لا نملك افتراض أصل حاجات المجتمع حين يكون مسلماً ولا حجم هذه الحاجات أو شكلها، بسبب اختلاف تركيبه العضوي عن تركيب المجتمع الجاهلي، واختلاف تصوراته ومشاعره وقيمه وموازينه.. فما هذا الضنى في محاولة تحوير وتطوير وتغيير الأحكام المدونة لكي تطابق حاجات هي في ضمير الغيب، شأنها شأن وجود المجتمع المسلم ذاته! إن نقطة البدء في المتاهة ـ كما قلنا - هي افتراض أن هذه المجتمعات القائمة هي المجتمعات الإسلامية؛ وانه سيجاء بأحكام الفقه الإسلامي من الأوراق لتطبق عليها، وهي بهذا التركيب العضوي ذاته، وبالتصورات والمشاعر والقيم والموازين ذاتها. كما أن أصل المحنة هو الشعور بأن واقع هذه المجتمعات الجاهلية وتركيبها الحاضر هو الأصل الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه. وأن يحور ويطور ويغير في أحكامه ليلاحق حاجات هذه المجتمعات ومشكلاتها.. حاجاتها ومشكلاتها المنبثقة أصلاً من مخالفتها للإسلام ومن خروج حياتها جملة من إطاره! ونحسب أنه قد آن للإسلام أن يستعلي في نفوس دعاته، فلا يجعلوه مجرد خادم للأوضاع الجاهلية، والمجتمعات الجاهلية، والحاجات الجاهلية. وأن يقولوا للناس ـ وللذين يستفتونهم بوجه خاص ـ تعالوا أنتم أولاً إلى الإسلام، وأعلنوا خضوعكم سلفاً لأحكامه.. أو بعبارة أخرى.. تعالوا أنتم أولاً فادخلوا في دين الله، وأعلنوا عبوديتكم لله وحده، واشهدوا أن لا إله إلا الله بمدلولها الذي لا يقوم الإيمان والإسلام إلا به. وهو إفراد الله بألوهيته في الأرض كإفراده بالألوهية في السماء؛ وتقرير ربوبيته ـ أي حاكميته وسلطانه ـ وحده في حياة الناس بجملتها. وتنحية ربوبية العباد للعباد، بتنحية حاكمية العباد للعباد، وتشريع العباد للعباد. وحين يستجيب الناس ـ أو الجماعة منهم ـ لهذا القول، فإن المجتمع المسلم يكون قد بدأ أولى خطواته في الوجود. وهذا المجتمع يكون حينئذ هو الوسط الواقعي الحي الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي الحي وينمو، لمواجهة حاجات ذلك المجتمع المستسلم لشريعة الله فعلاً.. فأما قبل قيام هذا المجتمع فالعمل في حقل الفقه والأحكام التنظيمية هو مجرد خداع للنفس، باستنبات البذور في الهواء، ولن ينبت الفقه الإسلامي في الفراغ، كما أنه لن تنبت البذور في الهواء! إن العمل في الحقل "الفكري" للفقه الإسلامي عمل مريح! لأنه لا خطر فيه! ولكنه ليس عملاً للإسلام؛ ولا هو من منهج هذا الدين ولا من طبيعه! وخير للذين ينشدون الراحة والسلامة أن يشتغلوا بالأدب وبالفن أو بالتجارة! أما الاشتغال بالفقه الآن على ذلك النحو بوصفه عملاً للإسلام في هذه الفترة فأحسب ـ والله أعلم ـ أنه مضيعة للعمر وللأجر أيضاً! إن دين الله يأبى أن يكون مجرد مطية ذلول، ومجرد خادم مطيع، لتلبية هذا المجتمع الجاهلي الآبق منه، المتنكر له، الشارد عنه.. الذي يسخر منه الحين بعد الحين باستفتائه في مشكلاته وحاجاته؛ وهو غير خاضع لشريعته وسلطانه.. إن فقه هذا الدين وأحكامه لا تنشأ في فراغ، ولا تعمل في فراغ.. وإن المجتمع المسلم الخاضع لسلطان الله ابتداء هو الذي صنع هذا الفقه وليس الفقه هو الذي صنع ذلك المجتمع.. ولن تنعكس الآية أبداً. إن خطوات النشأة الإسلامية ومراحلها هي دائماً واحدة؛ والانتقال من الجاهلية إلى الإسلام لن يكون يوماً ما سهلاً ولا يسيراً. ولن يبدأ أبداً من صياغة الأحكام الفقهية في الفراغ، لتكون معدة جاهزة يوم يقوم المجتمع الإسلامي والنظام الإسلامي. ولن يكون وجود هذه الأحكام المفصلة على "الجاهز" والناشئة في الفراغ هي نقطة البدء في التحول من الجاهلية إلى الإسلام. وليس الذي ينقص هذه المجتمعات الجاهلية لكي تتحول إلى الإسلام هو الأحكام الفقهية "الجاهزة"! وليست الصعوبة في ذلك التحول ناشئة عن قصور أحكام الفقه الإسلامي الحاضرة عن ملاحقة حاجات المجتمعات المتطورة.. إلى آخر ما يخادع به بعضهم، وينخدع به بعضهم الآخر! كلا! إن الذي يحول دون تحول هذه المجتمعات الجاهلية إلى النظام الإسلامي هو وجود الطواغيت التي تأبى أن تكون الحاكمية لله؛ فتأبى أن تكون الربوبية في حياة البشر والألوهية في الأرض لله وحده. وتخرج بذلك من الإسلام خروجاً كاملاً. يعد الحكم عليه من المعلوم من الدين بالضرورة.. ثم هو بعد ذلك وجود جماهير من البشر تعبد أولئك الطواغيت من دون الله ـ أي تدين لها وتخضع وتتبع ـ فتجعلها بذلك أرباباً متفرقة معبوده مطاعة. وتخرج هذه الجماهير بهذه العبادة من التوحيد إلى الشرك.. فهذا هو أخص مدلولات الشرك في نظر الإسلام.. وبهذا وذلك تقوم الجاهلية نظاماً في الأرض؛ وتعتمد على ركائز من ضلال التصور بقدر ما تعتمد على ركائز من القوة المادية. وصياغة أحكام الفقه لا تواجه هذه الجاهلية ـ إذن ـ بوسائل مكافئة. إنما الذي يواجهها دعوة إلى الدخول في الإسلام مرة أخرى؛ وحركة تواجه الجاهلية بكل ركائزها؛ ثم يكون ما يكون من شأن كل دعوة للإسلام في وجه الجاهلية. ثم يحكم الله بين من يسلمون لله وبين قومهم بالحق.. وعندئذ فقط يجيء دور أحكام الفقه، التي تنشأ نشأة طبيعية في هذا الوسط الواقعي الحي، وتواجه حاجات الحياة الواقعية المتجددة في هذا المجتمع الوليد، وفق حجم هذه الحاجات يومئذ وشكلها وملابساتها، وهي أمور كلها في ضمير الغيب ـ كما أسلفنا ـ ولا يمكن التكهن بها سلفاً، ولا يمكن الاشتغال بها من اليوم على سبيل الجد المناسب لطبيعة هذا الدين! إن هذا لا يعني ـ بحال ـ أن الأحكام الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة ليست قائمة الآن فعلاً من الوجهة الشرعية. ولكنه يعني فقط أن المجتمع الذي شرعت هذه الأحكام له، والذي لا تطبق هذه الأحكام إلا فيه بل الذي لا تعيش إلا به ـ ليس قائماً الآن فعلاً. ومن ثم يصبح وجودها الفعلي معلقاً بقيام ذلك المجتمع.. ويبقى الالتزام بها قائماً في عنق كل من يسلم من ذلك المجتمع الجاهلي ويتحرك في وجه الجاهلية لإقامة النظام الإسلامي؛ ويتعرض لما يتعرض له من يتحرك بهذا الدين في وجه الجاهلية وطواغيتها المتألهة وجماهيرها الخاضعة للطواغيت الراضية بالشرك في الربوبية.. إن إدراك طبيعة النشأة الإسلامية على هذا النحو الذي لا يتغير، كلما قامت الجاهلية وقامت في وجهها محاولة إسلامية.. هو نقطة البدء في العمل الحقيقي البناء لإعادة هذا الدين إلى الوجود الفعلي، بعد أن انقطع هذا الوجود منذ أن حلت شرائع البشر محل شريعة الله في خلال القرنين الأخيرين، وخلا وجه الأرض من الوجود الحقيقي للإسلام؛ وإن بقيت المآذن والمساجد، والأدعية والشعائر؛ تخدر مشاعر الباقين على الولاء العاطفي الغامض لهذا الدين؛ وتوهمهم أنه لا يزال بخير؛ وهو يمحى من الوجود محواً! إن المجتمع المسلم وجد قبل أن توجد الشعائر، وقبل أن توجد المساجد.. وجد من يوم أن قيل للناس: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، فعبدوه. ولم تكن عبادتهم له ممثلة في الشعائر، فالشعائر لم تكن بعد قد فرضت. إنما كانت عبادتهم له ممثلة في الدينونة له وحده ـ من ناحية المبدأ فلم تكن بعد قد نزّلت شرائع!ـ وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة لله وحده سلطان مادي في الأرض تنزلت الشرائع؛ وحين واجهوا الحاجات الحقيقية لحياتهم هم استنبطت بقية أحكام الفقه، إلى جانب ما ورد بنصه في الكتاب والسنة.. وهذا هو الطريق وحده؛ وليس هنالك طريق آخر.. وليت هنالك طريقاً سهلاً عن طريق تحول الجماهير بجملتها إلى الإسلام منذ أول وهلة في الدعوة باللسان، وببيان أحكام الإسلام! ولكن هذه إنما هي "الأمانيّ"! فالجماهير لا تتحول أبداً من الجاهلية وعبادة الطواغيت، إلى الإسلام وعبادة الله وحده إلا عن ذلك الطريق الطويل البطيء الذي سارت فيه دعوة الإسلام في كل مرة.. والذي يبدؤه فرد، ثم تتبعه طليعة، ثم تتحرك هذه الطليعة في وجه الجاهلية لتعاني ما تعاني حتى يحكم الله بينها وبين قومها بالحق ويمكّن لها في الأرض.. ثم.. يدخل الناس في دين الله أفواجاً.. ودين الله هو منهجه وشرعه ونظامه الذي لا يرضى من الناس ديناً غيره {أية : ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه }.. تفسير : ولعل هذا البيان أن يكشف لنا عن حقيقة الحكم في موقف يوسف ـ عليه السلام. إنه لم يكن يعيش في مجتمع مسلم تنطبق عليه قاعدة عدم تزكية النفس عند الناس وطلب الإمارة على أساس هذه التزكية. كما أنه كان يرى أن الظروف تمكن له من أن يكون حاكماً مطاعاً لا خادماً في وضع جاهلي. وكان الأمر كما توقع فتمكن بسيطرته من الدعوة لدينه ونشره في مصر في أيام حكمه. وقد توارى العزيز وتوارى الملك تماماً.. ثم نعود بعد هذا الاستطراد إلى صلب القصة وإلى صلب السياق. إن السياق لا يثبت أن الملك وافق. فكأنما يقول: إن الطلب تضمن الموافقة! زيادة في تكريم يوسف، وإظهار مكانته عند الملك. فيكفي أن يقول ليجاب، بل ليكون قوله هو الجواب.. ومن ثم يحذف رد الملك، ويدع القارئ يفهم أنه أصبح في المكان الذي طلبه. ويؤيد هذا الذي نقوله تعقيب السياق: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء. ولا نضيع أجر المحسنين.. ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون}.. فعلى هذا النحو من إظهار براءة يوسف، ومن إعجاب الملك به، ومن الاستجابة له فيما طلب.. على هذا النحو مكنا ليوسف في الأرض، وثبتنا قدميه، وجعلنا له فيها مكاناً ملحوظاً. والأرض هي مصر. أو هي هذه الأرض كلها باعتبار أن مصر يومذاك أعظم ممالكها. {يتبوأ منها حيث يشاء}.. ينخذ منها المنزل الذي يريد، والمكان الذي يريد، والمكانة التي يريد. في مقابل الجب وما فيه من مخاوف، والسجن وما فيه من قيود. {نصيب برحمتنا من نشاء}.. فنبدله من العسر يسراً، ومن الضيق فرجاً. ومن الخوف أمناً، ومن القيد حرية، ومن الهوان على الناس عزاً ومقاماً علياً. {ولا نضيع أجر المحسنين}.. الذين يحسنون الإيمان بالله، والتوكل عليه، والاتجاه إليه، ويحسنون السلوك والعمل والتصرف مع الناس.. هذا في الدنيا.. {ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون}.. فلا ينقص منه المتاع في الدنيا وإن كان خيراً من متاع الدنيا، متى آمن الإنسان واتقى. فاطمأن بإيمانه إلى ربه، وراقبه بتقواه في سره وجهره. وهكذا عوض الله يوسف عن المحنة، تلك المكانة في الأرض، وهذه البشرى في الآخرة جزاء وفاقاً على الإيمان والصبر والإحسان. ودارت عجلة الزمن. وطوى السياق دوراتها بما كان فيها طوال سنوات الرخاء. فلم يذكر كيف كان الخصب، وكيف زرع الناس. وكيف أدار يوسف جهاز الدولة. وكيف نظم ودبر وادخر. كأن هذه كلها أمور مقررة بقوله: {إني حفيظ عليم}.. وكذلك لم يذكر مقدم سني الجدب، وكيف تلقاها الناس، وكيف ضاعت الأرزاق.. لأن هذا كله ملحوظ في رؤيا الملك وتأويلها: {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون}.. كذلك لم يبرز السياق الملك ولا أحداً من رجاله بعد ذلك في السورة كلها. كأن الأمر كله قد صار ليوسف. الذي اضطلع بالعبء في الأزمة الخانقة الرهيبة. وأبرز يوسف وحده على مسرح الحوادث، وسلط عليه كل الأضواء. وهذه حقيقة واقعية استخدمها السياق استخداماً فنياً كاملاً في الأداء. أما فعل الجدب فقد أبرزه السياق في مشهد إخوة يوسف، يجيئون من البدو من أرض كنعان البعيدة يبحثون عن الطعام في مصر. ومن ذلك ندرك اتساع دائرة المجاعة، كما ندرك كيف وقفت مصر ـ بتدبير يوسف ـ منها، وكيف صارت محط أنظار جيرانها ومخزن الطعام في المنطقة كلها. وفي الوقت ذاته تمضي قصة يوسف في مجراها الأكبر بين يوسف وإخوته وهي سمة فنية تحقق هدفاً دينياً في السياق: {وجاء إخوة يوسف، فدخلوا عليه، فعرفهم وهم له منكرون. ولما جهزهم بجهازهم قال: ائتوني بأخ لكم من أبيكم. ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين؟ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون. قالوا: سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون. وقال لفتيانه: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم، لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون}.. لقد اجتاح الجدب والمجاعة أرض كنعان وما حولها. فاتجه إخوة يوسف ـ فيمن يتجهون ـ إلى مصر. وقد تسامع الناس بما فيها من فائض الغلة منذ السنوات السمان. وها نحن أولاء نشهدهم يدخلون على يوسف، وهم لا يعلمون. إنه يعرفهم فهم هم لم يتغيروا كثيراً. أما يوسف فإن خيالهم لا يتصور قط أنه هو ذاك! وأين الغلام العبراني الصغير الذي ألقوه في الجب منذ عشرين عاماً أو تزيد من عزيز مصر شبه المتوج في سنه وزيه وحرسه ومهابته وخدمه وحشمه وهيله وهيلمانه؟ ولم يكشف لهم يوسف عن نفسه. فلا بد من دروس يتلقونها: {فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون}.. ولكنا ندرك من السياق أنه أنزلهم منزلاً طيباً، ثم أخذ في إعداد الدرس الأول: {ولما جهزهم بجهازهم قال: ائتوني بأخ لكم من أبيكم}.. فنفهم من هذا أنه تركهم يأنسون إليه، واستدرجهم حتى ذكروا له من هم على وجه التفصيل، وأن لهم أخاً أصغر من أبيهم لم يحضر معهم لأن أباه يحبه ولا يطيق فراقه. فلما جهزهم بحاجات الرحلة قال لهم: إنه يريد أن يرى أخاهم هذا. {قال: ائتوني بأخ لكم من أبيكم}.. وقد رأيتم أنني أوفي الكيل للمشترين. فسأوفيكم نصيبكم حين يجيء معكم؛ ورأيتم أنني أكرم النزلاء فلا خوف عليه بل سيلقى مني الإكرام المعهود: {ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين؟}.. ولما كانوا يعلمون كيف يضن أبوهم بأخيهم الأصغر ـ وبخاصة بعد ذهاب يوسف ـ فقد أظهروا أن الأمر ليس ميسوراً، وإنما في طريقه عقبات من ممانعة أبيهم، وأنهم سيحاولون إقناعه، مع توكيد عزمهم على الرغم من هذه العقبات ـ على إحضاره معهم حين يعودون: {قالوا: سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون}.. ولفظ {نراود} يصور الجهد الذي يعلمون أنهم باذلوه.. أما يوسف فقد أمر غلمانه أن يدسوا البضاعة التي حضر بها إخوته ليستبدلوا بها القمح والعلف. وقد تكون خليطاً من نقد ومن غلات صحراوية أخرى من غلات الشجر الصحراوي، ومن الجلود والشعر وسواها مما كان يستخدم في التبادل في الأسواق.. أمر غلمانه بدسها في رحالهم ـ والرحل متاع المسافر ـ لعلهم يعرفون حين يرجعون أنها بضاعتهم التي جاءوا بها: {وقال لفتيانه: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون}.. وندع يوسف في مصر. لنشهد يعقوب وبنيه في أرض كنعان. دون كلمة واحدة عن الطريق وما فيه: {فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا منع منا الكيل، فأرسل معنا أخانا نكتل، وإنّا له لحافظون. قال: هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل؟ فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين. ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، قالوا: يا أبانا ما نبغي. هـذه بضاعتنا ردت إلينا، ونمير أهلنا، ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير. ذلك كيل يسير. قال: لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله: لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ـ فلما آتوه موثقهم قال: الله على ما نقول وكيل}.. ويبدو أنهم في دخلتهم على أبيهم، وقبل أن يفكوا متاعهم، عاجلوه بأن الكيل قد تقرر منعه عنهم ما لم يأتوا عزيز مصر بأخيهم الصغير معهم. فهم يطلبون إليه أن يرسل معهم أخاهم الصغير ليكتالوا له ولهم. وهم يعدون بحفظه: {فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا منع منا الكيل، فأرسل معنا أخانا نكتل، وإنّا له لحافظون}.. ولا بد أن هذا الوعد قد أثار كوامن يعقوب. فهو ذاته وعدهم له في يوسف! فإذا هو يجهر بما أثاره الوعد من شجونه: {قال: هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل!}.. فخلوني من وعودكم وخلوني من حفظكم، فإذا أنا طلبت الحفظ لولدي والرحمة بي.. {فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين}! وبعد الاستقرار من المشوار، والراحة من السفر فتحوا أوعيتهم ليخرجوا ما فيها من غلال فإذا هم يجدون فيها بضاعتهم التي ذهبوا يشترون بها، ولم يجدوا في رحالهم غلالاً! إن يوسف لم يعطهم قمحاً، إنما وضع لهم بضاعتهم في رحالهم. فلما عادوا قالوا: يا أبانا منع منا الكيل، وفتحوا رحالهم فوجدوا بضاعتهم. وكان ذلك ليضطرهم إلى العودة بأخيهم، وكان هذا بعض الدرس الذي عليهم أن يأخذوه. على أية حال لقد اتحذوا من رد بضاعتهم إليهم دليلاً على أنهم غير باغين فيما يطلبون من استصحاب أخيهم ولا ظالمين: {قالوا: يا أبانا ما نبغي. هذه بضاعتنا ردت إلينا}.. ثم أخذوا يحرجونه بالتلويح له بمصلحة أهلهم الحيوية في الحصول على الطعام: {ونمير أهلنا}.. والميرة الزاد، ويؤكدون له عزمهم على حفظ أخيهم.. {ونحفظ أخانا}.. ويرغبونه بزيادة الكيل لأخيهم: {ونزداد كيل بعير}.. وهو ميسور لهم حين يرافقهم: {ذلك كيل يسير}.. ويبدو من قولهم: {نزداد كيل بعير} أن يوسف ـ عليه السلام ـ كان يعطي كل واحد وسق بعير ـ وهو قدر معروف ـ ولم يكن يبيع كل مشتر ما يريد. وكان ذلك من الحكمة في سنوات الجدب، كي يظل هناك قوت للجميع: واستسلم الرجل على كره؛ ولكنه جعل لتسليم ابنه الباقي شرطاً: {قال: لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله: لتأتنني به إلا أن يحاط بكم}.. أي لتقسمن لي بالله قسماً يربطكم، أن تردوا عليّ ولدي، إلا إذا غلبتم على أمركم غلباً لا حيلة لكم فيه، ولا تجدي مدافعتكم عنه: {إلا أن يحاط بكم}.. وهو كناية عن أخذ المسالك كلها عليهم. فأقسموا: {فما آتوه موثقهم قال: الله على ما نقول وكيل}.. زيادة في التوكيد والتذكير. وبعد هذا الموثق جعل الرجل يوصيهم بما خطر له في رحلتهم القادمة ومعهم الصغير العزيز: {وقال: يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة. وما أغني عنكم من الله من شيء. إن الحكم إلا لله، عليه توكلت، وعليه فليتوكل المتوكلون}... ونقف هنا أمام قول يعقوب ـ عليه السلام ـ: {إن الحكم إلا لله}.. وواضح من سياق القول أنه يعني هنا حكم الله القدري القهري الذي لا مفر منه ولا فكاك. وقضاءه الإلهي الذي يجري به قدره فلا يملك الناس فيه لأنفسهم شيئاً. وهذا هو الإيمان بالقدر خيره وشره. وحكم الله القدري يمضي في الناس على غير إرادة منهم ولا اختيار.. وإلى جانبه حكم الله الذي ينفذه الناس عن رضى منهم واختيار. وهو الحكم الشرعي المتمثل في الأوامر والنواهي.. وهذا كذلك لا يكون إلا لله. شأنه شأن حكمه القدري، باختلاف واحد: هو أن الناس ينفذونه مختارين أو لا ينفذونه. فيترتب على هذا او ذاك نتائجه وعواقبه في حياتهم في الدنيا وفي جزائهم في الآخرة. ولكن الناس لا يكونون مسلمين حتى يختاروا حكم الله هذا وينفذوه فعلاً راضين.. وسار الركب، ونفذوا وصية أبيهم: {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم، ما كان يغني عنهم من الله من شيء ـ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ـ وإنه لذو علم لما علمناه، ولـكن أكثر الناس لا يعلمون}.. فيم كانت هذه الوصية؟ لم قال لهم أبوهم: لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة؟ تضرب الروايات والتفاسير في هذا وتبدى وتعيد، بلا ضرورة، بل ضد ما يقتضيه السياق القرآني الحكيم. فلو كان السياق يحب أن يكشف عن السبب لقال. ولكنه قال فقط ـ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ـ فينبغي أن يقف المفسرون عند ما أراده السياق، احتفاظاً بالجو الذي أراده. والجو يوحي بأنه كان يخشى شيئاً عليهم، ويرى في دخولهم من أبواب متفرقة اتقاء لهذا الشيء مع تسليمه بأنه لا يغني عنهم من الله من شيء. فالحكم كله إليه، والاعتماد كله عليه. إنما هو خاطر شعر به، وحاجة في نفسه قضاها بالوصية، وهو على علم بأن إرادة الله نافذة. فقد علمه الله هذا فتعلم. {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.. ثم ليكن هذا الشيء الذي كان يخشاه هو العين الحاسدة، أو هي غيرة الملك من كثرتهم وفتوتهم. أو هو تتبع قطاع الطريق لهم. أو كائناً ما كان فهو لا يزيد شيئاً في الموضوع. سوى أن يجد الرواة والمفسرون باباً للخروج عن الجو القرآني المؤثر إلى قال وقيل، مما يذهب بالجو القرآني كله في كثرة الأحايين! فلنطو نحن الوصية والرحلة كما طواها السياق، لنلتقي بإخوة يوسف في المشهد التالي بعد الوصول: {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه. قال: إني أنا أخوك، فلا تبتئس بما كانوا يعملون}.. ونجد السياق هنا يعجل بضم يوسف لأخيه في المأوى، وإطلاعه على أنه أخوه؛ ودعوته لأن يترك من خاطره ذكرى ما فعله إخوته به من قبل، وهي ذكرى لا بد كان يبتئس لها الصغير كلما علمها من البيت الذي كان يعيش فيه. فما كان يمكن أن تكون مكتومة عنه في وسطه في أرض كنعان. يعجل السياق بهذا، بينما الطبيعي والمفهوم أن هذا لم يحدث فور دخولهم على يوسف. ولكن بعد أن اختلى يوسف بأخيه. ولكن هذا ولا شك كان أول خاطر ساور يوسف عند دخولهم عليه، وعند رؤيته لأخيه، بعد الفراق الطويل. ومن ثم جعله السياق أول عمل لأنه كان أول خاطر. وهذه من دقائق التعبير في هذا الكتاب العجيب! ويطوي السياق كذلك فترة الضيافة، وما دار فيها بين يوسف وإخوته، ليعرض مشهد الرحيل الأخير. فنطلع على تدبير يوسف ليحتفظ بأخيه، ريثما يتلقى إخوته درساً أو دروساً ضروريةً لهم، وضرورية للناس في كل زمان ومكان: {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه، ثم أذن مؤذن: أيتها العير إنكم لسارقون. قالوا وأقبلوا ـ عليهم ـ ماذا تفقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم. قالوا: تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض، وما كنا سارقين. قالوا: فما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟ قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه، كذلك نجزي الظالمين. فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ـ كذلك كدنا ليوسف، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك، إلا أن يشاء الله، نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ـ قالوا: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل. فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم. قال: أنتم شر مكاناً. والله أعلم بما تصفون. قالوا: يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا، فخذ أحدنا مكانه، إنا نراك من المحسنين. قال: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده. إنـا إذاً لظالمون}.. وهو مشهد مثير، حافل بالحركات والانفعالات والمفاجآت، كأشد ما تكون المشاهد حيوية وحركة وانفعالاً، غير أن هذا صورة من الواقع يعرضها التعبير القرآني هذا العرض الحي الأخاذ. فمن وراء الستار يدس يوسف كأس الملك ـ وهي عادة من الذهب ـ وقيل: إنها كانت تستخدم للشراب، ويستخدم قعرها الداخل المجوف من الناحية الأخرى في كيل القمح، لندرته وعزته في تلك المجاعة. يدسها في الرحل المخصص لأخيه، تنفيذاً لتدبير خاص ألهمه الله له وسنعلمه بعد قليل. ثم ينادي مناد بصوت مرتفع، في صيغة إعلان عام، وهم منصرفون: {أيتها العير إنكم لسارقون}.. ويرتاع إخوة يوسف لهذا النداء الذي يتهمهم بالسرقة ـ وهم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ـ فيعودون أدراجهم يتبينون الأمر المريب: {قالوا ـ وأقبلوا عليهم ـ ماذا تفقدون؟}. قال الغلمان الذين يتولون تجهيز الرحال، أو الحراس ومنهم هذا الذي أذاع بالإعلان: {قالوا: نفقد صواع الملك}.. وأعلن المؤذن أن هناك مكافأة لمن يحضره متطوعاً. وهي مكأفاة ثمينة في هذه الظروف: {ولمن جاء به حمل بعير} من القمح العزيز {وأنا به زعيم}.. أي كفيل. ولكن القوم مستيقنون من براءتهم، فهم لم يسرقوا، وما جاءوا ليسرقوا وليجترحوا هذا الفساد الذي يخلخل الثقة والعلاقات في المجتمعات، فهم يقسمون واثقين: {قالوا: تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض}.. فقد علمتم من حالنا ومظهرنا ونسبنا أننا لا نجترح هذا.. {وما كنا سارقين}.. أصلاً فما يقع منا مثل هذا الفعل الشنيع. قال الغلمان أو الحراس: {فما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟}.. وهنا ينكشف طرف التدبير الذي ألهمه الله يوسف. فقد كان المتبع في دين يعقوب: أن يؤخذ السارق رهينة أو أسيراً أو رقيقاً في مقابل ما يسرق. ولما كان إخوة يوسف موقنين بالبراءة، فقد ارتضوا تحكيم شريعتهم فيمن يظهر أنه سارق. ذلك ليتم تدبير الله ليوسف وأخيه: {قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه. كذلك نجزي الظالمين}.. وهذه هي شريعتنا نحكمها في السارق. والسارق من الظالمين. كل هذا الحوار كان على منظر ومسمع من يوسف. فأمر بالتفتيش. وأرشدته حصافته إلى أن يبدأ برحالهم قبل رحل أخيه، كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش: {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه. ثم استخرجها من وعاء أخيه}.. ويدعنا السياق نتصور الدهشة بالمفاجأة العنيفة لأبناء يعقوب الموقنين ببراءتهم، الحالفين، المتحدين.. فلا يذكر شيئاً عن هذا، بل يتركه يتملاه الخيال على الصورة التي تكمل رسم المشهد بانفعالاته.. بينما يأخذ في التعقيب ببعض مرامي القصة، ريثما يفيق النظارة وأبناء يعقوب مما هم فيه: {كذلك كدنا ليوسف}.. أي كذلك دبرنا له هذا التدبير الدقيق. {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك}.. فلو حكّم شريعة الملك ما تمكن من أخذ أخيه، إنما كان يعاقب السارق على سرقته، دون أن يستولي على أخيه كما استولى عليه بتحكيم إخوته لدينهم هم. وهذا هو تدبير الله الذي ألهم يوسف أسبابه. وهو كيد الله له. والكيد يطلق على التدبير في الخفاء للخير أو للشر سواء. وإن كان الشر قد غلب عليه. وظاهر الأمر هنا أنه شر يحل بأخيه وهو شر يحل بإخوته لأحراجهم أمام أبيه. وهو سوء ـ ولو مؤقتاً ـ لأبيه. فلهذا اختار تسميته كيداً على إجمال اللفظ وبالإلماع إلى ظاهره. وهو من دقائق التعبير. {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك}.. {إلا أن يشاء الله}.. فيدبر مثل هذا التدبير الذي رأيناه. ويتضمن التعقيب الإشارة إلى ما ناله يوسف من رفعة: {نرفع درجات من نشاء}.. وإلى ما ناله من علم، مع التنبيه إلى أن علم الله هو الأعلى: {وفوق كل ذي علم عليم}.. وهو احتراس لطيف دقيق. ولا بد أن نقف أمام التعبير القرآني الدقيق العميق: {كذلك كدنا ليوسف.. ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك..}.. إن هذا النص يحدد مدلول كلمة "الدين" ـ في هذا الموضع ـ تحديداً دقيقاً.. إنه يعني: نظام الملك وشرعة.. فإن نظام الملك وشرعه ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه في جزاء سرقته. إنما هذا كان نظام يعقوب وشريعة دينه. وقد ارتضى إخوة يوسف تحكيم نظامهم هم وشريعتهم؛ فطبقها يوسف عليهم عندما وجد صواع الملك في رحل أخيه.. وعبر القرآن الكريم عن النظام والشريعة بأنها "الدين".. هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين عن الناس جميعاً. سواء منهم من يدعون أنفسهم مسلمين وغيرهم من الجاهلين! إنهم يقصرون مدلول "الدين" على الاعتقاد والشعائر.. ويعدون كل من يعتقد في وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ ويؤدي الشعائر المكتوبة.. داخلاً في "دين الله" مهما تكن دينونته بالطاعة والخضوع وإقراره بالحاكمية لغير الله من الأرباب المتفرقة في الأرض.. بينما النص القرآني هنا يحدد مدلول {دين الملك} بأنه نظام الملك وشريعته. وكذلك "دين الله" فهو نظامه وشريعته.. إن مدلول "دين الله" قد هزل وانكمش حتى صار لا يعني في تصور الجماهير الجاهلية إلا الاعتقاد والشعائر.. ولكنه لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين. لقد كان يعني دائماً: الدينونة لله وحده؛ بالتزام ما شرعه، ورفض ما يشرعه غيره. وإفراده ـ سبحانه ـ بالألوهية في الأرض مثل إفراده بالألوهية في السماء؛ وتقرير ربوبيته وحده للناس: أي حاكميته وشرعه وسلطانه وأمره. وكان مفرق الطريق دائماً بين من هم في دين "الله" ومن هم في {دين الملك} أن الأولين يدينون لنظام الله وشرعه وحده، وأن الآخرين يدينون لنظام الملك وشرعه. أو يشركون فيدينون لله في الاعتقاد والشعائر، ويدينون لغير الله في النظام والشرائع! وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن بديهيات العقيدة الإسلامية تماماً. وبعض المترفقين بالناس اليوم يتلمسون لهم عذراً في أنهم يجهلون مدلول كلمة "دين الله" وهم من ثم لا يصرون ولا يحاولون تحكيم شريعة الله وحدها بوصفها هي "الدين". وأن جهلهم هذا بمدلول الدين يعفيهم من أن يكونوا جاهليين مشركين! وأنا لا أتصور كيف أن جهل الناس ابتداء بحقيقة هذا الدين يجعلهم في دائرة هذا الدين! إن الاعتقاد بحقيقة فرع عن معرفتها. فإذا جهل الناس حقيقة عقيدة فكيف يكونون معتنقين لها؟ وكيف يحسبون من أهلها وهم لا يعرفون ابتداء مدلولها؟ إن هذا الجهل قد يعفيهم من حساب الآخرة، أو يخفف عنهم العذاب فيها؛ ويلقي بتبعاتهم وأوزارهم على كاهل من لا يعلمونهم حقيقة هذا الدين وهم يعرفونها.. ولكن هذه مسألة غيبية متروك أمرها لله، والجدل في الجزاء الأخروي لأهل الجاهلية عامة ليس وراءه كبير طائل. وليس هو الذي يعنينا نحن البشر الذين ندعو إلى الإسلام في الأرض! إن الذي يعنينا هو تقرير حقيقة الدين الذي فيه الناس اليوم.. أنه ليس دين الله قطعاً. فدين الله هو نظامه وشرعه وفق النصوص القرآنية الصريحة. فمن كان في نظام الله وشرعه فهو في "دين لله". ومن كان في نظام الملك وشرعه فهو في "دين الملك". ولا جدال في هذا. والذين يجهلون مدلول الدين لا يمكن أن يكونوا معتقدين بهذا الدين. لأن الجهل هنا وارد على أصل حقيقة الدين الأساسية. والجاهل بحقيقة هذا الدين الأساسية لا يمكن عقلاً وواقعاً أن يكون معتقداً به. إذ الاعتقاد فرع عن الإدراك والمعرفة.. وهذه بديهية.. وخير لنا من أن ندافع عن الناس ـ وهم في غير دين الله ـ ونتلمس لهم المعاذير، ونحاول أن نكون أرحم بهم من الله الذي يقرر مدلول دينه وحدوده!.. خير لنا من هذا كله أن نشرع في تعريف الناس حقيقة مدلول "دين الله" ليدخلوا فيه.. أو يرفضوه.. هذا خير لنا وللناس أيضاً.. خير لنا لأنه يعفينا من تبعة ضلال هؤلاء الجاهلين بهذا الدين، الذين ينشأ عن جهلهم به عدم اعتناقه في الحقيقة.. وخير للناس لأن مواجهتهم بحقيقة ما هم عليه ـ وأنهم في دين الملك لا في دين الله ـ قد تهزهم هزة تخرجهم من الجاهلية إلى الإسلام، ومن دين الملك إلى دين الله! كذلك فعل الرسل ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ وكذلك ينبغي أن يفعل الدعاة إلى الله في مواجهة الجاهلية في كل زمان ومكان.. ثم نعود إلى إخوة يوسف بعد هذا التعقيب القصير. نعود إليهم وقد حرك الحرج الذي يلاقونه كوامن حقدهم على أخي يوسف، وعلى يوسف من قبله، فإذا هم يتنصلون من نقيصة السرقة، وينفونها عنهم، ويلقونها على هذا الفرع من أبناء يعقوب: {قالوا: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}! إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل.. وتنطلق الروايات والتفاسير تبحث عن مصداق قولهم هذا في تعلات وحكايات وأساطير. كأنهم لم يكذبوا قبل ذلك على أبيهم في يوسف؛ وكأنهم لا يمكن أن يكذبوا على عزيز مصر دفعاً للتهمة التي تحرجهم، وتبرؤاً من يوسف وأخيه السارق، وإرواء لحقدهم القديم على يوسف وأخيه! لقد قذفوا بها يوسف وأخاه! {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم}.. أسر هذه الفعلة وحفظها في نفسه، ولم يبد تأثره منها. وهو يعلم براءته وبراءة أخيه. إنما قال لهم: {أنتم شر مكاناً}.. يعني أنكم بهذا القذف شر مكاناً عند الله من المقذوف ـ وهي حقيقة لا شتمة. {والله أعلم بما تصفون}.. وبحقيقة ما تقولون. وأراد بذلك قطع الجدل في الاتهام الذي أطلقوه، ولا دخل له بالموضوع!.. وعندئذ عادوا إلى الموقف المحرج الذي وقعوا فيه. عادوا إلى الموثق الذي أخذه عليهم أبوهم: {لتأتنني به إلا أن يحاط بكم}.. فراحوا يسترحمون يوسف باسم والد الفتى، الشيخ الكبير، ويعرضون أن يأخذ بدله واحداً منهم إن لم يكن مطلقه لخاطر أبيه؛ ويستعينون في رجائه بتذكيره بإحسانه وصلاحه وبره لعله يلين: {قالوا: يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً، فخذ أحدنا مكانه، إنا نراك من المحسنين}: ولكن يوسف كان يريد أن يلقي عليهم درساً. وكان يريد أن يشوقهم إلى المفاجأة التي يعدها لهم ولوالده وللجميع! ليكون وقعها أعمق وأشد أثراً في النفوس: {قال: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده. إنـا إذاً لظالمون}.. ولم يقل معاذ الله أن نأخذ بريئاً بجريرة سارق. لأنه كان يعلم أن أخاه ليس بسارق. فعبر أدق تعبير يحكيه السياق هنا باللغة العربية بدقة: {معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} وهي الحقيقة الواقعة دون زيادة في اللفظ تحقق الاتهام أو تنفيه.. {إنا إذاً لظالمون}.. وما نريد أن نكون ظالمين.. وكانت هي الكلمة الأخيرة في الموقف. وعرفوا أن لا جدوى بعدها من الرجاء، فانسحبوا يفكرون في موقفهم المحرج، أمام أبيهم حين يرجعون.

ابن عاشور

تفسير : السين والتاء في {أستخلصه} للمبالغة، مثلها في استجاب واستأجر. والمعنى أجْعَلْه خالصاً لنفسي، أي خاصّاً بي لا يشاركني فيه أحد. وهذا كناية عن شدة اتصاله به والعمل معه. وقد دلّ الملكَ على استحقاق يوسف ــــ عليه السلام ــــ تقريبَهُ منه ما ظهر من حكمته وعلمه، وصبره على تحمّل المشاق، وحسن خلقه، ونزاهته، فكل ذلك أوجب اصطفاءه. وجملة {فلما كلمه} مفرّعة على جملة محذوفة دل عليها {وقال الملك ائتوني به}. والتقدير: فأتوه به، أي بيوسف ــــ عليه السلام ــــ فحضر لديه وكلّمه {فلما كلمه}. والضمير المنصوب في {كلمه} عائد إلى الملك، فالمكلّم هو يوسف ــــ عليه السلام ــــ. والمقصود من جملة {فلما كلمه} إفادة أن يوسف ــــ عليه السلام ــــ كلم الملك كلاماً أعجب الملك بما فيه من حكمة وأدب. ولذلك فجملة {قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} جواب (لَمّا). والقائل هو الملك لا محالة. والمكين: صفة مشبهة من مكُن ــــ بضم الكاف ــــ إذا صار ذا مكانة، وهي المرتبة العظيمة، وهي مشتقة من المكان. والأمين: فعيل بمعنى مفعول، أي مأمون على شيء، أي موثوق به في حفظه. وترتّب هذا القول على تكليمه إياه دالّ على أن يوسف ــــ عليه السلام ــــ كلّم الملك كلام حكيم أديب فلما رأى حسن منطقه وبلاغة قوله وأصالة رأيه رآه أهلاً لثقته وتقريبه منه. وهذه صيغة تولية جامعة لكل ما يحتاج إليه ولي الأمر من الخصال، لأن المكانة تقتضي العلم والقدرة؛ إذ بالعلم يتمكن من معرفة الخير والقصد إليه، وبالقدرة يستطيع فعل ما يبدو له من الخير؛ والأمانة تستدعي الحكمة والعدالة، إذ بالحكمة يوثر الأفعال الصالحة ويترك الشهوات الباطلة، وبالعدالة يوصل الحقوق إلى أهلها. وهذا التنويه بشأنه والثناء عليه تعريض بأنه يريد الاستعانة به في أمور مملكته وبأن يقترح عليه ما يرجو من خير، فلذلك أجابه بقوله: {اجعلني على خزائن الأرض}. وجملة {قال اجعلني على خزائن الأرض} حكاية جوابه لكلام الملك ولذلك فصلت على طريقة المحاورات. و{على} هنا للاستعلاء المجازي، وهو التصرف والتمكن، أي اجعلني متصرّفاً في خزائن الأرض. و{خزائن} جمع خِزانة ــــ بكسر الخاء ــــ، أي البيت الذي يختزن فيه الحبوب والأموال. والتعريف في {الأرض} تعريف العهد، وهي الأرض المعهودة لهم، أي أرض مصر. والمراد من {خزائن الأرض} خزائن كانت موجودة، وهي خزائن الأموال؛ إذ لا يخلو سلطان من خزائن معدودة لنوائب بلاده لا الخزائن التي زيدت من بعد لخزن الأقوات استعداداً للسنوات المعبر عنها بقوله: { أية : مما تحصنون } تفسير : [سورة يوسف: 48]. واقتراح يوسف عليه السلام ذلك إعداد لنفسه للقيام بمصالح الأمة على سنة أهل الفضل والكمال من ارتياح نفوسهم للعلم في المصالح، ولذلك لم يسأل مالاً لنفسه ولا عَرَضاً من متاع الدنيا، ولكنه سأل أن يوليه خزائن المملكة ليحفظ الأموال ويعدل في توزيعها ويرفق بالأمة في جمعها وإبلاغها لمحالّها. وعلّل طلبه ذلك بقوله: {إني حفيظ عليم} المفيد تعليل ما قبلها لوقوع (إنّ) في صدر الجملة فإنه علم أنه اتصف بصفتين يعسر حصول إحداهما في الناس بل كلتيهما، وهما: الحفظ لما يليه، والعلم بتدبير ما يتولاه، ليعلم الملك أن مكانته لديه وائتمانه إياه قد صادفا محلهما وأهلهما، وأنه حقيق بهما لأنه متصف بما يفي بواجبهما، وذلك صفة الحفظ المحقّق للائتمان، وصفة العلم المحققّ للمكانة. وفي هذا تعريف بفضله ليهتدي الناس إلى اتباعه وهذا من قبيل الحِسبَة. وشبه ابن عطية بمقام يوسفَ ــــ عليه السلام ــــ هذا مقام أبي بكر ــــ رضي الله عنه ــــ في دخوله في الخلافة مع نهيه المستشير له من الأنصار من أن يتأمر على اثنين. قلت: وهو تشبيه رشيق، إذ كلاهما صدّيق. وهذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره لأن ذلك من النصح للأمة، وخاصة إذا لم يكن ممّن يتهم على إيثار منفعة نفسه على مصلحة الأمة. وقد علم يوسف ــــ عليه السلام ــــ أنه أفضل الناس هنالك لأنه كان المؤمن الوحيد في ذلك القطر، فهو لإيمانه بالله يبث أصول الفضائل التي تقتضيها شريعة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ــــ عليهم السلام ــــ. فلا يعارض هذا ما جاء في «صحيح مسلم» حديث : عن عبد الرحمان بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا عبد الرحمان لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتَها عن مسألة وُكلتَ إليها وإن أعطيتَها عن غير مسألة أُعنت عليها» تفسير : ، لأن عبد الرحمان بن سمرة لم يكن منفرداً بالفضل من بين أمثاله ولا راجحاً على جميعهم. ومن هذه الآية أخذ فقهاء المذهب جواز طلب القضاء لمن يعلم أنه أهل وأنه إن لم يُوَلّ ضاعت الحقوق. قال المازري: «يجب على من هو أهل الاجتهاد والعدالة السعي في طلب القضاء إن عَلم أنه إن لم يلِه ضاعت الحقوق أو وليه مَن لا يحلّ أن يولى. وكذلك إن كان وَلِيَه من لا تحلّ توليته ولا سبيل لعزله إلا بطلب أهله». وقال ابن مرزوق: لم أقف على هذا لأحد من قدماء أهل المذهب غير المازري. وقال عياض في كتاب الإمارة، أي من «شرح صحيح مسلم»، ما ظاهره الاتفاق على جواز الطلب في هذه الحالة، وظاهر كلام ابن رشد في «المقدمات» حِرمة الطلب مطلقاً. قال ابن مرزوق: وإنما رأيت مثل ما نقل المازري أو قريباً منه للغزالي في «الوجيز».

الواحدي

تفسير : {وقال الملك ائتوني به} بيوسف {أستخلصه لنفسي} أجعله خالصاً لي لا يشركني فيه أحدٌ {فلمَّا كلَّمه} يوسف {قال: إنك اليوم لدينا مكين} وجيهٌ ذو مكانةٍ {أمين} قد عرفنا أمانتك وبراءتك، ثمَّ سأله الملك أن يُعبِّر رؤياه شفاهاً، فأجابه يوسف بذلك، فقال له: ما ترى أن نصنع؟ قال: تجمع الطَّعام في السِّنين المخصبة ليأتيك الخلق فيمتارون منك بحكمك، فقال: مَنْ لي بهذا ومَنْ يجمعه؟ فقال يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض} على حفظها، وأراد بالأرض أرض مصر {إني حفيظٌ عليمٌ} كاتبٌ حاسبٌ. {وكذلك} وكما أنعمنا عليه بالخلاص من السِّجن {مكنَّا ليوسف} أقدرناه على ما يريد {في الأرض} أرض مصر {يتبوأ منها حيث يشاء} هذا تفسير التَّمكين في الأرض {نصيب برحمتنا مَنْ نشاء} أتفضَّل على مَنْ أشاء برحمتي {ولا نضيع أجر المحسنين} ثواب المُوحِّدين. {ولأجر الآخرة خير...} الآية. أَيْ: ما يعطي الله من ثواب الآخرة خيرٌ للمؤمنين، والمعنى: إنَّ ما يعطي الله تعالى يوسف في الآخرة خيرٌ ممَّا أعطاه في الدُّنيا، ثمَّ دخل أعوام القحط على النَّاس، فأصاب إخوة يوسف المجاعة، فأتوه مُمتارين، فذلك قوله: {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون} لأنِّهم على زيِّ الملوك، وكان قد تقرَّر في أنفسهم هلاك يوسف. وقيل: لأنَّهم رأوه من وراء سترٍ.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 54- فلما ظهرت براءة يوسف عند الملك، صمم على استدعائه، وكلف رجاله أن يحضروه ليجعله من خاصته وخلصائه، فلما حضر إليه وجرى بينهما الحديث، تجلى له من يوسف ما تجلى من طهارة النفس وثقوب الرأى فقال له: إن لك فى نفسى لمقاماً كريماً ثابتاً وأنت الأمين الموثوق به. 55- وعلم الملك منه حسن التدبير وكفاءته لما يقوم به، وأحسَّ يوسف بذلك، وحينئذ طلب منه أن يستوزره قائلا له: وَلّنى على خزائن ملكك ومستودعات غلات أرضك، لأنى كما تأكد لديك ضابط لأمور المملكة، حافظ لها، خبير بالتدبير وتصريف الأمور. 56- وقبل الملك عرضه، فاستوزره، وبذلك أنعم الله على يوسف نعمة جليلة، فجعل له سلطاناً وقدرة فى أرض مصر، ينزل منها بأى مكان يريد. وهذا شأن الله فى عباده، يهب نعمته لمن يختاره منهم، ولا يهدر ثوابهم وإنما يؤتيهم أجورهم على الإحسان بالإحسان فى الدنيا. 57- وأن ثوابه فى الآخرة لأفضل وأوفى لمن صدقوا به وبرسله، وكانوا يراقبونه ويخافون يوم الحساب. 58- واشتد القحط بما حول مصر، ونزل بآل يعقوب ما نزل بغيرهم من الشدة، وقصد الناس مصر من كل مكان، بعد ما علموا من تدبير يوسف للمؤن، واستعداده لسنوات الجدب. فبعث يعقوب إليها أبناءه طلباً للطعام، واحتجز معه ابنه شقيق يوسف خوفاً عليه، فلما بلغ أبناؤه مصر توجهوا من فورهم إلى يوسف، فعرفهم دون أن يعرفوه.

القطان

تفسير : أستخلصه لنفسي: أجعله خالصا لي. مكين أمين: ذو مكانة عالية وامانة. يتبوأ منها حيث يشاء: ينزل في اي مكان يشاء. ولما ظهرت براءة يوسف للملك طلب إحضاره من السجن بعد أن وفّى له بما اشترط لمجيئه. فجاء يوسف، وكلّمه الملك فأُعجب بكلامه لما رأى من حسن تعبير يوسف ووفرة عقله وحكمته وقال له: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} وسأله أي عمل يرضاه لنفسه ويكون فيه سروره؟ فقال يوسف: {ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ} وما يخرُجُ منها من الغلاّت والخيرات {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}. وقبِل الملك عرضَه، فاستوزره، وبذلك انعم الله على يوسف نعمة جليلة، فجعل له سلطانا وقدرة في أرض مصر، يتبوأ منها حيث يشاء. وهذا شأن الله في عباده، يهب نعمته لمن يختاره منهم، ولا يُضيع أجر المحسنين. وان ثوابه في الآخرة لأفضلِ واوفى لمن صدقوا به وبرسله، وكانوا يتقون الشرك، ويخافون يوم الحساب. قراءات: قرأ ابن كثير: "يتبوأ منها حيث نشاء" بالنون والباقون "حيث يشاء".

د. أسعد حومد

تفسير : (54) - فَلَمَّا تَحَقَّقَ المَلِكُ مِنْ بَرَاءَةِ يُوسُفَ قَالَ لأَِصْحَابِهِ: أَحْضِرُوهُ إِلَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَجْعَلَهُ مِنْ خَاصَّتِي أَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِي) فَلَمَّا جِيءَ بِيُوسُفَ، وَتَحَدَّثَ المَلِكُ إِلَيْهِ، وَعَرَفَ فَضْلَهُ. وَحُسْنَ رَأْيِهِ، وَكَانَ عَرَفَ حُسْنَ خُلُقِهِ، وَسِيرَتِهِ، وَطَهَارَةَ نَفْسِهِ، قَالَ لَهُ: إِنَّكَ عِنْدَنَا ذُو مَكَانَةٍ سَامِيَةٍ، وَأَمَانَةٍ تَامَّةٍ، فَأَنْتَ غَيْرُ مُنَازِعٍ فِي تَصَرُّفِكَ، وَلاَ مُتَّهَمٍ فِي أَمَانَتِكَ. مَكِينٌ - ذُو مَكَانَةٍ رَفِيعَةٍ وَنُفُوذٍ وَأَمْرٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلحظ أن الملك قد قال: {ٱئْتُونِي بِهِ} [يوسف: 54]. مرتين، مرة: بعد أن سمع تأويل الرؤيا؛ لكن يوسف رفض الخروج من السجن إلا بعد أن تثبت براءته؛ أو: أنه خرج وحضر المواجهة مع النسوة بما فيهنّ امرأة العزيز. ورأى الملك في يوسف أخلاقاً رفيعة؛ وسِعَة عِلْم. وانتهى اللقاء الأول ليتدبر الملك، ويُفكر في صفات هذا الرجل؛ والراحة النفسية التي ملأتْ نفس الملك؛ وكيف دخل هذا الرجل قلبه. والمرة الثانية عندما أراد الملك أن يستخلصه لنفسه ويجعله مستشاراً له. ويورد الحق سبحانه هذا المعنى في قوله: {ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54]. وهذا الاستخلاص قد جاء بعد أن تكلم الملك مع يوسف، وبعد أن استشفَّ خِفَّة يوسف على نفسه؛ وتيقَّن الملك من بعد الحوار مع يوسف أنه رجل قد حفظ نفسه من أعنف الغرائز؛ غريزة الجنس. وتيقن من أن يوسف تقبّل السجن، وعاش فيه لفترة طالتْ؛ وهو صاحب عِلْم، وقد ثبت ذلك بتأويل الرُّؤيا؛ وقد فعل ذلك وهو سجين، ولم يقبل الخروج من السجن إلا لإثبات براءته، أو بعد إثبات البراءة. ولكلِّ ذلك صار من أهل الثقة عند الملك، الذي أعلن الأمر بقوله: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54]. وذلك ليسُدَّ باب الوِشَاية به، أو التآمر عليه. ومكانة "المكين" هي المكانة التي لا ينال منها أيُّ أحد. ولذلك نجد الحق - سبحانه وتعالى - حينما تكلَّم عن الوحي من جبريل عليه السلام قال: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ} تفسير : [التكوير: 19-20]. فالمعنى: أن يوسف عليه السلام أَهْل ٌللثقة عند الحاكم؛ وهو الذي سيُنفذ الأمور، وله صِلَة بالمحكومين، وإذا كان هو المُمَكَّن من عند الحاكم؛ فهو أيضاً أمين مع المحكومين. والمشكلة في مجتمعاتنا المعاصرة إنما تحدث عندما يُرجِّح الحاكمُ مَنْ يراهم أهلَ الثقة على أهل الخبرة والأمانة، فتختل موازين العدل. وعلى الحاكم الذكيّ أن يختار الذين يتمتعون بالأمرين معاً: أمانة على المحكوم؛ وثقة عند الحاكم. وبهذا تعتدل الحياة على منهج الله. وحين سمع يوسف عليه السلام هذا الكلام من الحاكم: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54]. قرر أن يطلب منه شيئاً يتعلق بتعبيره لرُؤْياه، التي سبق أن أوَّلها يوسف: {أية : قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} تفسير : [يوسف: 47-49]. وهذه عملية اقتصادية تحتاج إلى تخطيط وتطبيق ومتابعة وحُسْن تدبير وحزم وعِلْم. لذلك كان مطلب يوسف عليه السلام فيه تأكيد على أن الواقع القادم سيأتي وفقاً لتأويله للرؤيا، فتقول الآيات: {قَالَ ٱجْعَلْنِي ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما فتش الملك عن أحواله وما جرى عليه، ثبت عنده أمانته وديانته ورعاية حقوق سيده ورشده في الأمور، سيما في التعبيرات والتأويلات، وصدقه في جيمع الأقوال الصادرة عنه {قَالَ ٱلْمَلِكُ} متحنناً عليه متشوقاً للقياه: {ٱئْتُونِي بِهِ} سريعاً {أَسْتَخْلِصْهُ} أي: أجعله خالصاً {لِنَفْسِي} ليكون أنيسي وجليسي ومولي أمري وظهيري في تدابير الأمور، فحضوره عنده وسلم على الملك ترحيباً وتعظيماً {فَلَمَّا كَلَّمَهُ} وأخذه بحمد الملك وثنائه ودعائه على اللغة العبرية، قال الملك: ما هذا اللسان؟ قال: هذا لسان آبائي وأجدادي وكان الملك يتكلم على سبعين لغة، فكلم معه بجميعها، فأجاب جميعها وأحسن فيها، فتعجب الملك منه وقال: أريد أن أسمع تأويل رؤياي منك مشافهة، فحكاه وبين وجوه المناسبات بين التعبيرات والسنوات المجدبة والمخصبة وكيفية الانتقالات والتعبيرات على مقدار فهم الملك وتأويلات السنابل الخضر واليابس على الوجه الذي أُلهم وأوحي، فازداد الملك محبة ومودة لذلك {قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ} ذو مكانة ومرتبة علية ومنزلة رفيعة {أَمِينٌ} [يوسف: 54] مؤتمن على جميع أمورنا، فلك التصريف في ملكنا كيف تشاء. وبعدما رأى يوسف عليه السلام ألاَّ محيص له عنه، ولا بدَّ له من ارتكاب أمر من أمور الملك {قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ} أي: أرض مصر {إِنِّي} بإقامة هذا الأمر {حَفِيظٌ} بوجوه محافظة أي جنس من الأجناس {عَلِيمٌ} [يوسف: 55] بطرق تدابيرها والتصرف فيها. قيلك اتفق وفات قطفير - هو سيد يوسف - في تلك الليالي، وكان هذا المنصب له لذلك طلبه، وتزوج زليخا زوجته التي قد شغفها حباً، فوجدها عذراء وولد يوسف منها أفرايم وميشا. {وَكَذٰلِكَ} أي: مثل ما سمعت من القصة {مَكَّنَّا} قدرنا {لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: أرض مصر بعدما أدخلناه رقيقاً مهاناً وصيرناه مسجوناً مدة متطاولة ورفعناه مكانته فيها إلى حيث {يَتَبَوَّأُ} أي: يتنعم ويترفه {مِنْهَا} أي: من نواحيها وبلادها {حَيْثُ يَشَآءُ} تهوى نفسه ويميل إليها طبعه؛ إذ من سنتنا أنا {نُصِيبُ} ونوفي {بِرَحْمَتِنَا} التي وسعت كل كل شيء {مَن نَشَآءُ} من خلص عبادنا المجبولين على فطرة توحدينا السالكين سبيل الإنابة والرجوع إلى فضاء فنائنا {وَ} بالجملة: إنا {لاَ نُضِيعُ} أي: لا نهمل ولا ننقص {أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56] الذين يحسنون الأدب مع الله في جميع حالاتهم وشئونهم ولا يغفلون منه طرفة ولا يلتفتون إلى غيره لمحة، ولا يخطرون ببالهم سواء خطرة، هذا حالهم في النشأة الأولى. {وَ} لله {لأَجْرُ} النشأة {ٱلآخِرَةِ} المعدة لهم فيها {خَيْرٌ} منها بالأضعاف والآلاف {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد الله عن ظهر القلب وصميم الفؤاد {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [يوسف: 57] عن محارم الله طلباً لمرضاته وقياماً بحسن آدابه، رجاء من ثوابه وخوفاً من عقابه.