١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ} قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: مصر خِزَانة الأرض؛ أما سمعت إلى قوله: «ٱجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ» أي على حفظها، فحذف المضاف. {إِنِّي حَفِيظٌ} لما وُلّيْت {عَلِيمٌ} بأمره. وفي التفسير: إني حاسب كاتب؛ وأنه أوّل من كتب في القراطيس. وقيل: «حَفِيظٌ» لتقدير الأقوات «عَلِيمٌ» بسنيّ المجاعات. قال جُويبر عن الضّحّاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رحم الله أخي يوسف لو لم يقل ٱجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكن أَخَّر ذلك عنه سنة»تفسير : . قال ابن عباس: لما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة دعاه الملك فتَوجَّه ورَدّاه بسيفه، ووضع له سريراً من ذهب، مكلّلاً بالدرّ والياقوت، وضرب عليه حُلّة من إِسْتَبرق؛ وكان طول السرير ثلاثين ذراعاً وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشاً وستون مِرْفَقة، ثم أمره أن يخرج، فخرج متوّجاً، لونه كالثلج، ووجهه كالقمر؛ يرى الناظر وجهه من صفاء لون وجهه، فجلس على السرير ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته مع نسائه، وفوّض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه. قال ابن زيد: كان لفرعون ملك مصر خزائن كثيرة غير الطعام، فسلّم سلطانه كلّه إليه، وهلك قطفير تلك الليالي، فزوّج الملك يوسف راعيل ٱمرأة العزيز، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ٰ فقالت: أيها الصدّيق لا تلمني؛ فإني كنت ٱمرأة حسناء ناعمة كما ترى، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك الله من الحسن فغلبتني نفسي. فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له رجلين: إفراثيم بن يوسف، ومنشا بن يوسف. وقال وهب بن منَبّه: إنما كان تزويجه زليخاء ٱمرأة العزيز بين دخلتي الإخوة، وذلك أن زليخاء مات زوجها ويوسف في السجن، وذهب مالها وعمي بصرها بكاء على يوسف، فصارت تَتَكفّف الناس؛ فمنهم من يرحمها ومنهم من لا يرحمها، وكان يوسف يركب في كل أسبوع مرة في موكب زُهَاء مائة ألف من عظماء قومه، فقيل لها: لو تعرّضت له لعله يسعفك بشيء؛ ثم قيل لها: لا تفعلي، فربما ذكربعض ما كان منك من المراودة والسجن فيسيء إليك، فقالت: أنا أعلم بخُلُق حبيبي منكم، ثم تركته حتى إذا ركب في موكبه، (قامت) فنادت بأعلى صوتها: سبحان من جعل الملوك عبيداً بمعصيتهم، وجعل العبيد ملوكاً بطاعتهم، فقال يوسف: ما هذه؟ فأتوا بها؛ فقالت: أنا التي كنت أخدمك على صدور قدميّ، وأُرَجِّل جُمَّتك بيديّ، وتربيت في بيتي، وأكرمت مثواك، لكن فرط ما فرط من جهلي وعُتوّي فذقت وبال أمري، فذهب مالي، وتضعضع ركني، وطال ذلّي، وعَمِي بصري، وبعد ما كنت مغبوطة أهل مصر صرت مرحومتهم، أتكفّف الناس، فمنهم من يرحمني، ومنهم من لا يرحمني، وهذا جزاء المفسدين؛ فبكى يوسف بكاء شديداً، ثم قال لها: هل بقيت تجدين مما كان في نفسك من حبك لي شيئاً؟ فقالت: والله لنظرة إلى وجهك أحب إليّ من الدنيا بحذافيرها، لكن ناولني صدر سوطك، فناولها فوضعته على صدرها، فوجد للسوط في يده ٱضطراباً وارتعاشاً من خفقان قلبها، فبكى ثم مضى إلى منزله فأرسل إليها رسولاً: إن كنتِ أَيِّماً تزوّجناك، وإن كنتِ ذات بعل أغنيناك، فقالت للرّسول: أعوذ بالله أن يستهزىء بي الملك! لم يُردْني أيام شبابي وغناي ومالي وعزّي أفيريدني اليوم وأنا عجوز عمياء فقيرة؟ٰ فأعلمه الرسول بمقالتها، فلما ركب في الأسبوع الثاني تعرّضت له، فقال لها: ألم يبلّغك الرسول؟ فقالت: قد أخبرتك أن نظرة واحدة إلى وجهك أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها؛ فأمر بها فأصلح من شأنها وهُيئت، ثم زُفّت إليه، فقام يوسف يصلّي ويدعو الله، وقامت وراءه، فسأل الله تعالى أن يعيد إليها شبابها وجمالها وبصرها، فردّ الله عليها شبابها وجمالها وبصرها حتى عادت أحسن ما كانت يوم راودته، إكراماً ليوسف عليه السلام لمّا عَفَّ عن محارم الله، فأصابها فإذا هي عذراء، فسألها؛ فقالت: يا نبيّ الله إن زوجي كان عِنِّيناً لا يأتي النساء، وكنت أنت من الحسن والجمال بما لا يوصف؛ قال: فعاشا في خَفْض عيش، في كل يوم يجدّد الله لهما خيراً، وولدت له ولدين، إفراثيم ومنشا. وفيما روي أن الله تعالى ألقى في قلب يوسف من محبتها أضعاف ما كان في قلبها، فقال لها: ما شأنك لا تحبينني كما كنت في أوّل مرة؟ فقالت (له): لما ذقت محبة الله تعالى شغلني ذلك عن كل شيء. الثانية: قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوّض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء؛ وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك. وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذا اليومَ غيرُ جائز؛ والأوّل أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه. والله أعلم. قال الماورديّ: فإن كان المولِّي ظالماً فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين: أحدهما: جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده؛ لأن يوسف وُلِّي من قبل فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره. الثاني: أنه لا يجوز ذلك؛ لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم، وتزكيتهم بتقلّد أعمالهم؛ فأجاب من ذهب إلى هذا المذهب عن ولاية يوسف من قبل فرعون بجوابين: أحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحاً، وإنما الطاغي فرعون موسى. الثاني: أنه نظر في أملاكه دون أعماله، فزالت عنه التبعة فيه. قال الماورديّ: والأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصّل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه كالصدقات والزكوات، فيجوز توليه من جهة الظالم، لأن النص على مستحقه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرّد أربابه به قد أغنى عن التقليد. والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفرّدوا به ويلزم الاجتهاد في مَصْرِفه كأموال الفيء، فلا يجوز تولّيه من جهة الظالم؛ لأنه يتصرف بغير حق، ويجتهد فيما لا يستحق. والقسم الثالث: ما يجوز أن يتولاه لأهله، وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد محلول، فإن كان النظر تنفيذاً للحكم بين متراضيين، وتوسطاً بين مجبورين جاز، وإن كان إلزام إجبار لم يجز. الثالثة: ودلّت الآية أيضاً على جواز أن يخطب الإنسان عملاً يكون له أهلاً؛ فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبد الرحمن بن سَمُرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكِلْت إليها وإن أُعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها»تفسير : . وعن أبي بُرْدة قال: قال أبو موسى: أقبلت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريّين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يستاك، فقال: «حديث : ما تقول يا أبا موسى ـ أو يا عبد الله بن قيس ـ» قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، قال: وكأني أنظر إلى سِواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: «لن ـ أو ـ لا نستعمل على عملنا من أراده» تفسير : وذكر الحديث؛ خرجه مسلم أيضاً وغيره؛ فالجواب: أوّلاً: أن يوسف عليه السلام إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعيّن ذلك عليه، ووجب أن يتولاّها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف عليه السلام، فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألاّ يطلب؛ لقوله عليه السلام لعبد الرحمن: «حديث : لا تسأل الإمارة» تفسير : (وأيضاً) فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك؛ وهذا معنى قوله عليه السلام: «حديث : وكِل إليها» تفسير : ومن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فَرّ منها، ثم إن ٱبتلى بها فيرجى له التخلص منها، وهو معنى قوله: «حديث : أعِينَ عليها»تفسير : . الثاني: أنه لم يَقل: إني حسيب كريم، وإن كان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكريم ابن الكريم ابن الكريم (ابن الكريم) يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم» تفسير : ولا قال: إني جميل مليح، إنما قال: «إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال. الثالث: إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى: «فَلاَ تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ». الرابع: أنه رأى ذلك فرضاً متعيناً عليه؛ لأنه لم يكن هنالك غيره، وهو الأظهر، والله أعلم. (الرابعة) ودلّت الآية أيضاً على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل؛ قال الماورديّ: وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات، ولكنه مخصوص فيما ٱقترن بوصله، أو تعلق بظاهر من مكسب، وممنوع منه فيما سواه، لما فيه من تزكية ومراءاة، ولو ميزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله؛ فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله، ولما يرجو من الظَّفر بأهله.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأَرْضِ } ولني أمرها والأرض أرض مصر. {إِنّي حَفِيظٌ } لها ممن لا يستحقها. {عَلِيمٌ } بوجوه التصرف فيه، ولعله عليه السلام لما رأى أنه يستعمله في أمره لا محالة آثر ما تعم فوائده وتجل عوائده، وفيه دليل على جواز طلب التولية وإظهار أنه مستعد لها والتولي من يد الكافر إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به. وعن مجاهد أن الملك أسلم على يده.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } يوسف {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ } أرض مصر {إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } ذو حفظ وعلم بأمرها، وقيل كاتب حاسب.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَزَآئِنِ} الأموال، أو الطعام، أو الخزائن: الرجال، لأن الأقوال والأفعال مخزونة فيهم، وهذا تعمق مخالف للظاهر، وهذا مجوز لطلب الولاية لمن هو أهل لها، فإن كان المولى ظالماً جاز تقلد الولاية منهم إذا عمل الوالي بالحق لأن يوسف قبل من فرعون، أو لا يجوز ذلك لما فيه من تولي الظالمين ومعونتهم بالتزكية وتنفيذ أعمالهم، وإنما قبل يوسف من الملك ولاية ملكه الخاص به، أو كان فرعون يوسف صالحاً وكان فرعون موسى طاغياً، والأصح أن ما جاز لأهله توليه من غير اجتهاد في تنفيذه جازت ولايته من الظالم كالزكوات المنصوصة، وما لا يجوز أن ينفردوا به كأموال الفيء لا يجوز توليه من الظالم، وما يجوز أن يتولاه أهله وللاجتهاد فيه مدخل كالقضاء فإن كان حكماً بين متراضيين أو توسطا بين مجبورين جاز، وإن كان إلزام إجبار لم يجز. {حَفِيظٌ} لما استودعتني. {عَلِيمٌ} بما وليتني، أو {حَفِيظٌ} بالكتاب، {عَلِيمٌ} بالحساب، وهو أول من كتب في القراطيس، أو {حَفِيظٌ} للحساب {عَلِيمٌ} بالألسن أو {حَفِيظٌ} بما وليتني، {عَلِيمٌ} بسني المجاعة، فيه دليل على جواز تزكية النفس عند حاجة تدعو إلى ذلك.
النسفي
تفسير : {قَالَ } يوسف {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأَرْضِ } ولني على خزائن أرضك يعني مصر {إِنّى حَفِيظٌ } أمين أحفظ ما تستحفظنيه {عَلِيمٌ } عالم بوجوه التصرف. وصف نفسه بالأمانة والكفاية وهما طلبة الملوك ممن يولونه. وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله وإقامة الحق وبسط العدل والتمكن مما لأجله بعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحداً غيره لا يقوم مقامه في ذلك فطلبه ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا، وفي الحديث «حديث : رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة» تفسير : قالوا: وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عمالة من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة. وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به. وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه ولا يتعرض عليه في كل ما رأى وكان في حكم التابع له. {وَكَذٰلِكَ } ومثل ذلك التمكين الظاهر {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ } أرض مصر وكان أربعين فرسخاً في أربعين، والتمكين الإقدار وإعطاء المكنة {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } أي كل مكان أراد أن يتخذه منزلاً لم يمنع منه لاستيلائه على جميعها ودخولها تحت سلطانه. {نشاء} مكي {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا } بعطائنا في الدنيا من الملك والغني وغيرهما من النعم {مَّن نَّشَاء } من اقتضت الحكمة أن نشاء له ذلك {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } في الدنيا {وَلأَجْرُ ٱلأَخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ } يريد يوسف وغيره من المؤمنين إلى يوم القيامة {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الشرك والفواحش. قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في ا لدنيا وماله في الآخرة من خلاق، وتلا الآية. روي أن الملك توج يوسف وختمه بخاتمه ورداه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر الياقوت، فقال: أما السرير فأشد به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي فجلس على السرير، ودانت له الملوك وفوض الملك إليه أمره وعزل قطفير ثم مات بعد فزوجه الملك امرأته، فلما دخل عليها قال أليس هذا خيراً مما طلبت! فوجدها عذراء فولدت له ولدين ــ أفراثيم وميشا ــ وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء، وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدارهم والدنانير في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر في الثانية، ثم بالدواب في الثالثة، ثم بالعبيد والإماء في الرابعة، ثم بالدور والعقار في الخامسة، ثم بأولادهم في السادسة، ثم برقابهم في السابعة، حتى استرقهم جميعاً، ثم أعتق أهل مصر عن آخرهم، ورد عليهم أملاكهم، وكان لايبيع لأحد من الممتارين أكثر من حمل بعير، وأصاب أرض كنعان نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا وذلك قوله.
الخازن
تفسير : {قال} يعني يوسف {اجعلني على خزائن الأرض} يعني على خزائن الطعام والأموال، وأراد بالأرض أرض مصر أي اجعلني على خزائن أرضك التي تحت يدك، وقال الربيع بن أنس اجعلني على خزائن خراج مصر ودخلها {إني حفيظ عليم} أي حفيظ الخزائن عليم بوجوه مصالحها وقيل معناه إني حاسب كاتب وقيل حفيظ لما استودعتني عليم بما وليتني وقيل حفيظ للحساب عليم أعلم لغة من يأتيني، وقال الكلبي: حفيظ بتقديره في السنين المخصبة للسنين المجدبة عليم بوقت الجوع حين يقع فقال الملك عند ذلك ومن أحق بذلك منك وولاَّه ذلك، وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يرحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة " تفسير : فإن قلت كيف طلب يوسف عليه الصلاة والسلام الإمارة والولاية مع ما ورد من النهي عنها مع كراهية طلبها لما صح من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أتيتها من غير مسألة أعنت عليها"تفسير : أخرجاه في الصحيحين. قلت إنما يكره طلب الإمارة إذا لم يتعين عليه طلبها فإذا تعين عليه طلبها وجب ذلك عليه ولا كراهية فيه فأما يوسف عليه الصلاة والسلام فكان عليه طلب الإمارة لأنه مرسل من الله تعالى والرسول أعلم بمصالح الأمة من غيره وإذا كان مكلفاً برعاية المصالح ولا يمكنه ذلك إلا بطلب الإمارة وجب عليه طلبها، وقيل إنه علم أنه سيحصل قحط وشدة إما بطريق الوحي من الله أو بغيره وربما أفضى ذلك إلى هلاك معظم الخلق، وكان في طلب الإمارة إيصال الخير والراحة إلى المستحقين وجب عليه طلب الأمارة لهذا السبب. فإن قلت كيف مدح يوسف نفسه بقوله إني حفيظ عليم والله تعالى يقول فلا تزكوا أنفسكم. قلت إنما يكره تزكية النفس إذا قصد به الرجل التطاول والتفاخر والتوسل به إلى غير ما يحل فهذا القدر المذموم في تزكية النفس. أما إذا قصد بتزكية النفس ومدحها إيصال الخير والنفع إلى الغير فلا يكره ذلك ولا يحرم بل يجب عليه ذلك مثاله أن يكون بعض الناس عنده علم نافع ولا يعرف به فإنه يجب عليه أن يقول أنا عالم، ولما كان المالك قد علم من يوسف أنه عالم بمصالح الدين ولم يعلم أنه عالم بمصالح الدنيا نبهه يوسف بقوله إني حفيظ عليم على أنه عالم بما يحتاج إليه في مصالح الدنيا أيضاً مع كمال علمه بمصالح الدين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والحاكم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: استعملني عمر - رضي الله عنه - على البحرين، ثم نزعني وغرمني اثني عشر ألفاً، ثم دعاني بعد إلى العمل فأبيت، فقال: لم؟ وقد سأل يوسف عليه السلام العمل، وكان خيراً منك. فقلت: إن يوسف عليه السلام نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا ابن أميمة، وأنا أخاف أن أقول بغير حلم، وأن أفتي بغير علم، وأن يضرب ظهري ويشتم عرضي ويؤخذ مالي. وأخرج الخطيب في رواية مالك، عن جابر رضي الله عنه قال: كان يوسف عليه السلام لا يشبع، فقيل له: ما لك لا تشبع وبيدك خزائن الأرض؟!.... قال: إني إذا شبعت، نسيت الجائع. وأخرج وكيع في الغرر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان، عن الحسن - رضي الله عنه - قال: قيل ليوسف عليه السلام: تجوع وخزائن الأرض بيدك؟ قال: إني أخاف أن أشبع فأنسى الجيعان. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن شيبة بن نعامة الضبي - رضي الله عنه - في قوله {اجعلني على خزائن الأرض} يقول: على جميع الطعام إني حفيظ لما استودعتني عليهم بسنين المجاعة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله {اجعلني على خزائن الأرض} قال: كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام، فأسلم سلطانه كله له، وجعل القضاء إليه أمره، وقضاؤه نافذ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إني حفيظ} قال: لما وليت، {عليم} بأمره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان رضي الله عنه في قوله {إني حفيظ عليم} قال: حفيظ للحساب، عليم بالألسن. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الأشجعي - رضي الله عنه - مثله.
القشيري
تفسير : إنما سأل ذلك ليضعَ الحقَّ مَوْضِعَه، وليصلَ نصيبُ الفقراءِ إليهم، فَطَلَبَ حقَّ الله تعالى في ذلك، ولم يطلب نصيباً لنفسه. ويقال لم يقل إني حَسَنٌ جميلٌ بل قال: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} أي كاتِبٌ حاسِبٌ، لِيُعْلَمَ أَنَّ الفضلَ في المعاني لا في الصورة.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} يوسف {اجعلنى على خزائن الارض} اى ارض مصر فاللام للعهد اى ولنى امرها من الايراد والصرف [يعنى مرا برآنجه حاصل ولايت مصر باشد از نقود واطعمه خازن كردان] {انى حفيظ} لها عمن لا يستحقها {عليم} بوجوه التصرف فيها. وذلك انه لما عبر رؤيا الملك واخبر باتيان السنين المجدبة قال له فما ترى يا يوسف قال ترزع زرعا كثيرا وتأخذ من الناس خمس زروعهم فى السنين المخصبة وتدخر الجميع فى سنبله فيكفيك واهل مصر مدة السنين المجدبة. وفى بحر العلوم قال له من حقك ان تجمع الطعام فى الاهراء فيأتيك الخلق من النواحى ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لاحد قبلك فقال الملك ومن لى بذاك فقال {اجعلنى} الآية شعر : ولى هركاررا بايد كفيلى كه از دانش بود باوى دليلى بدانش غايت آن كار داند جو داند كاررا كردن تواند زهر جيزى كه در عالم توان يافت جو من دانا كفيلى كم توان يافت بمن تفويض كن تدبير اين كار كه نابد ديكرى جون من بديدار تفسير : وذلك لانه علم فى الرؤيا التى رآها الملك ان الناس يصيبهم القحط فخاف عليهم القحط والتلف فاحب ان تكون يداه على الخزانة ليعينهم وقت الحاجة شفقة على عبادة الله وهى من اخلاق الخلفاء وكانت خدمته معجزة لفراعنة مصر ولهذا قال فرعون زمانه حبن بنى الفيوم له هذ من ملكوت السماء وهو اول من دون الدفاتر وعين علوم الحساب والهندسة بانواع الاقلام والحروف وفى الآية دليل على جواز طلب الولاية اذا كان الطالب ممن يقدر على اقامة العدل واجراء احكام الشريعة. قال العلماء سؤال تولية الاوقاف مكروه كسؤال تولية الامارة والقضاء -روى- ان قوما جاؤا الى النبى عليه السلام فسألوه ولاية فقال "حديث : انا لن نستعمل على عملنا من اراده" تفسير : وذلك لان الله تعالى يعين المجبور ويسدده ويكل الطالب الى نفسه والولاية امور ثقيلة فلا يقدر على رعاية حقوقها واذا تعين احد للقضاء او الامارة او نحوهما لزمه القبول لانها من فروض الكفاية فلا يجوز اهمالها ويوسف عليه السلام كان اصلح من يقوم بما ذكر من التدبير فى ذلك الوقت فاقتضت الحال تقلده وتطلبه اصلاحا للعالم. وفى الآية دلالة ايضا على جواز التقلد من يد الكافر والسلطان الجائر اذا علم انه لا سبيل الى الحكم بامر الله ودفع الباطل واقامة الحق الا بالاستظهار به وتمكينه وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة البغاة ويرونه - وحكى - الشيخ العلامة ابن الشحنة ان تيمور لنك ذكروا عنه كان يتعنت على العلماء فى الاسئلة ويجعل ذلك سببا لقتلهم وتعذيبهم مثل الحجاج فلما دخل حلب فتحها عنوة وقتل واسر كثيرا من المسلمين وصعد نواب المملكة وسائر الخواص الى القلعة وطلب علماءها وقضاتها فحضرنا اليه واوقفنا ساعة بين يديه ثم امرنا بالجلوس فقال لمقدم اهل العلم عنده وهو المولى عبد الجبار ابن العلامة نعمان الدين الحنفى قل لهم انى سائلهم عن مسألة سألت عنها علماء سمرقند وبخارى وهراة وسائر البلاد التى افتتحتها ولم يفصحوا عن الجواب فلا تكونوا مثلهم ولا يجاوبنى الا اعلمكم وافضلكم وليعرف ما يتكلم به فقال لى عبد الجبار سلطاننا يقول بالامس قتل منا ومنكم فمن الشهيد قتيلنا ام قتبلكم ففتح الله علىّ بجواب حسن بديع فقلت جاء اعرابى الى النبى عليه السلام فقال الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فى سبيل الله ومن قتل منا ومنكم لاعلاء كلمة الله فهو الشهيد فقال تيمور لنك "خوب خوب" وقال عبد الجبار ما احسن ما قلت وانفتح باب المؤانسة فتكررت الاسئلة والاجوبة وكان آخر ما سأل عنه ما تقولون فى على معاوية ويزيد فقلت لا شك ان الحق كان مع على وليس معاوية من الخلفاء فقال قل علىّ على الحق ومعاوية ظالم ويزيد فاسق قلت قال صاحت لهداية يجوز تقليد للقضاء من ولاة الجور فان كثيرا من الصحابة والتابعين تقلدوا القضاء من معاوية وكان الحق مع على فى توبته فسر لذلك واحسن الينا والى من يتعلق بنا فى البلدة -وروى- ان الملك لما عين يوسف عليه السلام لامر الخزائن توفى قطفير فى تلك الليالى كما قال المولى الجامى شعر : جو يوسف را خدا داد اين بلندى بقدر اين بلندى ار جمندى عزيز مصررا دولت زبون كشت لواى حشمت او سر نكون كشت دلش طاقت نياورد اين خلل را بزودى شد هدف تير اجل را زليخا روى در ديوار غم كرد زبار هجر يوسف بشت خم كرد نه از جاى عزيزش خانه آباد نه ازاندوه يوسف خاطر آزاد فلك كودير مهر وتيز كين است درين حرمان سرا كاروى اينست يكى را بركشد جون خور بلاك يكى را افكندجون سايه برخاك خوش آن دانا بهر كارى وبارى كه از كارش بكيرد اعتبارى نه از اقبال اة كردن فرازد نه از ادبار او جانش كدازد تفسير : -حكى- ان زليخا بعد ما توفى قطفير انقطعت عن كل شيء وسكنت فى خرابة من خرابات مصر سنين كثيرة وكانت لها جواهر كثير جمعت فى زمان زوجها فاذا سمعت من واحد خبر يوسف او اسمه بذلت منها محبة له حتى نفذت ولم يبق لها شيء وقال بعضهم اصاب زليخا ما اصاب الناس من الضر والجوع فى ايام القحط فباعت حليها وحللها وجميع ما كانت تملكه وذهب نعمتها وبكت بكاء الشوق ليوسف وهرمت شعر : جوانى تيره كشت از جرخ بيرش برنك شير موى حو قيرش برآمد صبح وشب هنكامه برجيد بمشكستان او كافور باريد به بشت خم آزان بودى سرش بيش كه جستى كم شده سرمايه خويش تفسير : ثم لما غيرها الجهد واشتد حالها بمقاساة شدائد الخلوة فى تلك الخرابة اتخذت لنفسها بيتا من القصب على قارعة الطريق التى هى ممر يوسف وكان يوسف يركب فى بعض الاحيان وله فرس يسمع صهيله على ميلين ولا يصهل الا وقت الركوب فيعلم الناس انه قد ركب فتقف زليخا على قارعة الطريق فاذا مر بها يوسف تناديه باعلى صوتها فلا يسمع لكثرة اختلاط الاصوات شعر : زبس بر كوشها ميزد زهرجا صهيل مركبان لاد بيما زبس برآسمان ميشد زهر سوى نفير جاوشان طرقوا كوى كس از غوغا بحال اونيفتاد بحالى شد كه اوراكس مبيناد جوكردى كوش آن حيران ومهجور زجاووشان صداى دور شودور زدى افغان كه من عمريست دورم بصد محنت دران دورى صبورم زجانان تابكى مهجور باشم همان بهتركه از خود دور باشم بكفتى اين وبيهوش اوفتادى زخود كرده فراموش اوفتادى تفسير : فاقبلت يوما على صنمها الذى كانت تعبده ولا تفارقه وقالت له تبا لك ولمن يسجد لك أما ترحم كبرى وعماى وفقرى وضعفى فى قواى فانا اليوم كافرة بك شعر : بكفت اين را بزد برسنك خاره خليل آسا شكستش باره باره تضرع كرد ورو بر خاك ماليد بدركاه خداى باك ناليد اكر رو دربت آوردم خدايا بآن بر خود جفا كردم خدايا بلطف خود جفاى من بيامرز خطا كردم خطاى من بيامرز زبس راه خطا بيمايى از من ستاندى كوهر بينايى ازمن جو آن كرد خطا ازمن فشاندى بمن ده باز آنجه از من ستاندى بود دل فارغ ازداغ تأسف بجينم لاله ازباغ يوسف تفسير : فآمنت برب يوسف وصارت تذكر الله تعالى صباحا ومساء فركب يوسف يوما بعد ذلك فلما صهل فرسه علم الناس انه ركب فاجتمعوا لمطالعة جماله ورؤية احتشامه فسمعت زليخا الصهيل فخرجت من بيت القصب فلما مر بها يوسف نادت باعلى صوتها سبحان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية وجعل العبيد ملوكا بالطاعة فامر الله تعالى الريح فالقت كلامها فى مسامع يوسف فاثر فيه فبكى ثم التفت فرآها فقال لغلامه اقض لهذه المرأة حاجتها فقال لها ما حاجتك قالت ان حاجتى لا يقضيها الا يوسف فحملها الى دار يوسف فلما رجع يوسف الى قصره نزع ثياب الملك ولبس مدرعة من الشعر وجلس في بيت عبادته يذكر الله تعالى فذكر العجوز فقال انها زعمت ان حاجتها لا يقضيها غيرك فقال ائتنى بها فاحضرها بين يديه فسلمت عليه وهو منكس الرأس فرق لها ورد عليها السلام وقال لها يا عجوز انى سمعت منك كلاما فاعيديه فقالت انى قلت سبحان الله من جعل العبيد ملوكا بالطاعة وجعل الملوك عبيدا بالمعصية فقال نعم ما قلت فما حاجتك قالت يا يوسف ما اسرع ما نسيتنى فقال من انت ومالى بك معرفة شعر : بكفت آنم كه جون روى توديدم ترا از جمله عالم بر كزيدم فشاندم كنج وكوهر در بهايت دل وجان وقف كردم درهوايت جوانى درغمت بر باد دادم بدين بيرى كه مى بينى فتادم كرفتى شاهد ملك اندر آغوش مرا يكبار تو كردى فراموش تفسير : أما انا زليخا فقال يوسف لا اله الا الله الذى يحيى ويميت وهو حى لا يموت وانت بعد فى الدنيا يا رأس الفتنة واساس البلية فقالت يا يوسف أبخلت علىّ بحياة الدنيا فبكى يوسف وقال ما صنع حسنك وجمالك ومالك قالت ذهب به الذى اخرجك من السجن واورثك هذا الملك فقال لها ما حاجتك قالت او تفعل قال نعم وحق شيبة ابراهيم فقالت لى ثلاث حوائج الاولى والثانية ان تسأل الله ان يرد علىّ بصرى وشبابى وجمالى فانى بكيت عليك حتى تذهب بصرى ونحل جسمى فدعا لها يوسف فرد الله بصرها وشبابها وحسنها شعر : سفيدى شد زمشكين مهره اش دور در آمد در سواد نركسش نور جوانى بيريش را كشت هاله بس از جل سالكى شد هزده ساله تفسير : وقال بعضهم كان عمرها يومئذ تسعين سنة والحاجة الثالثة ان تتزوجنى فسكت يوسف واطرق رأسه زمانا فاتاه جبريل وقال له يا يوسف ربك يقرأك السلام ويقول لك لا تبخل عنها بما طلبت شعر : كه ما عجز زليخا جو ديديم بتو عرض نيازش را شنيديم دلش ار تيغ نوميدى نخستيم بتو بالاى عرشش عقد بستيم تفسير : فتزوج بها فانها زوجتك فى الدنيا والاخرة شعر : جو فرمان يافت يوسف از خداوند كه بندد با زليخا عقد وبيوند تفسير : دعال سلطان مصر وجميع الاشراف وضاف لهم شعر : بقانون خليل ودين يعقوب بر أيين جميل وصورت خوب زليخارا بعقد خود در آورد بعقد خويش يكتا كوهر آورد تفسير : ونزلت عليه الملائكة تهنئة بزواجه بها وقالوا هناك الله بما اعطاك فهذا ما وعدك ربك وانت فى الجب فقال يوسف الحمد لله الذى انعم على واحسن الىّ وهوارحم الراحمين ثم قال الهى وسيدى اسألك ان تتم هذه النعمة وترينى وجه يعقوب وتقر عينه بالنظر الىّ وتسهل لاخوتى طريقا الى الاجتماع بى فانك سميع الدعاء وانت على كل شيء قدير وارسلت زليخا الى بيت الخلوة فاستقبلتها الجوارى بانواع الحلى والحلل فتزينت بها فلما جن الليل ودخل يوسف عليها قال لها أليس هذا خيرا مما كنت تريدين فقالت ايها الصديق لا تملنى فانى كنت امرأة حسناء ناعمة فى ملك ودنيا وكان زوجى عنينا لا يصل الى النساء وكنت كما جعلك الله فى صورتك الحسنة فغلبتنى نفسى شعر : شكيبايى نبود از تو حد من بكش دامان عفوى از بد من زجرمى كز كمال عشق خيزد كجا معشوق با عاشق ستيزد تفسير : فلما بنى بها يوسف وجدها عذراء واصابها وفك الخاتم شعر : كليد حقه او ياقوت ترساخت كشادش قفل دروى كوهر انداخت تفسير : فحملت من يوسف وولدت له ابنين فى بطن احدهما افراييم والآخر ميشا وكانا كالشمس والقمر فى الحسن والبهاء وباهى الله بحسنهما ملائكة السموات السبع واحب يوسف زليخا حبا شديدا وتحول عشق زليخا وحبها الاول اليه حتى لم يبق له بدونها قرار شعر : جو صدقش بود بيرون از نهايت در آخر بر يوسف سرايت تفسير : وحول الله تعالى عشق زليخا المجازى الى العشق الحقيقى فجعل ميلها الى الطاعة والعبادة وراودها يوسف يوما ففرت منه فتبعها وقد قميصها من دبر فقالت فان قددت قميصك من قبل فقد قددت قميصى الآن فهذا بذاك شعر : درين كار از تفاوت بى هراسيم به بيراهن درى رأسا برأسيم جو يوسف روى اورد بندكى ديد وزان نيت دلش را زندكى ديد بنام او ز زر كشاشنه ساخت نه كاشانه عبادت خانه ساخت تفسير : ووضع فى البيت الذى بناه سريرا مرصعا بالجواهر فاخذ بيدها واجلسها عليه وقال شعر : درو بنشين بى شكر خدايى كزو دارى بهرمويى عطايى توانكر ساخنت بعد از فقيرى جوانى داد بعد از ضعف بيرى بجشم نور رفته نور دادت وزان بررو در رحمت كشادت بس از عمرى كه زهر غم جشاندت بترياك وصال من رساندت زليخاهم بتوفيق الهى نشسته بر سرير بادشاهى دران خلوت سرامى بود خرسند بوصل يوسف وفضل خداوند تفسير : وسيأتى وفاتهما فى آخر السورة فانظر ايها المنصف ان الدنيا ما شغلتهما عن الله تعالى فاستعملا الاعضاء والجوارح فى خدمة الله تعالى والاشارة قال يوسف القلب لملك الروح {اجعلنى على خزائن الارض} ارض الجسد فان لله تعالى فى كل شيء وعضو من اعضاء ظاهر الجسد وباطنه خزانة من القهر واللطف فيها نعمة اخرى كالعين فيها نعمة البصر فان استعملها فى رؤية العين ورؤية الآيات والصنائع فيجد اللطف وينتفع به وان استعملها فى مستلذاتها وشهوات النفس ولم يحفظ نفسه منها فيجد القهر ويضره ذلك فقس الباقى على هذا المثال ولهذا قال يوسف {انى حفيظ عليم} اى حافظ نفسى فيها عما يصرها عليم بنفعها او ضرها واستعمالها فيما ينفع ولا يضر
الطوسي
تفسير : وهذا حكاية ما قال يوسف حين قال له الملك انك اليوم لدينا مكين امين {اجعلني على خزائن الأرض} يعني ارضك، والالف واللام يعاقبان حرف الكناية، واراد بذلك الارض التي هي ملكه ويجمع فيها ماله وطعامه، طلب اليه ذلك ليحفظ ذلك عمّن لا يستحقه ويوصله الى الوجوه التي يجب صرف الاموال لها، فلذلك رغب الى الملك فيه، لان الانبياء لا يجوز ان يرغبوا في جمع اموال الدنيا الا لما قلناه. وقوله {إني حفيظ عليم} معناه حافظ للمال عمن لا يستحقه عليم بالوجوه التي يجب صرفها اليه، وفي الآية دلالة على جواز تقلد الامر من قبل السلطان الجائر اذا تمكن معه من ايصال الحق الى مستحقه.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ} اى خزائن النّقد والجنس فى ارض مصر {إِنِّي حَفِيظٌ} لما تحت يدي عن الخيانة لا اخون بنفسى ولا يمكن الخيانة لغيرى لامانتى وحسن تدبيرى فى الحفظ {عَلِيمٌ} بكيفيّة التّصرّف والحفظ عن الفساد والتّلف. نقل عن النّبىّ (ص): رحم الله اخى يوسف (ع) لو لم يقل: اجعلنى على خزائن الارض لولاّه من ساعته ولكنّه اخّر ذلك سنة، وعن الصّادق (ع) انّه قال يجوز ان يزكّى الرّجل نفسه اذا اضطر اليه اما سمعت قول يوسف (ع): {قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}، اقول: كأنّ غرضه من ذلك تسلّطه على ما يحتاج النّاس اليه ليتوجّهوا اليه فيسمعوا بذلك كلامه ويبلّغ رسالته وآمن بعد ذلك الملك على يده ووكل الامر اليه ودبّر فى السّبع السّنين المخصبة فى تحصيل الحبوب وحفظها وشرع فى السّنين المجدبة ببيعها حتّى حصّل جميع اموال مصر ومواشيها وضياعها وعبيدها وامائها ورقاب اهلها له وصار مالكاً للكلّ، وفى بعض الاخبار انّه بعد الخصب قال للملك: ايّها الملك ما ترى فيما خوّلنى ربّى من ملك مصر واهلها اشر علينا برأيك فانّى لم اصلحهم لافسدهم ولم انجهم من البلاء ليكون وبالاً عليهم ولكنّ الله نجّاهم على يدى قال له الملك: الرّأى رأيك قال يوسف (ع) انّى اشهد الله واشهدك انّى قد اعتقت اهل مصر كلّهم، ورددت عليهم اموالهم وعبيدهم، ورددت عليك ايّها الملك خاتمك وسريرك وتاجك على ان لا تسير الاّ بسيرتى ولا تحكم الاّ بحكمى، قال له الملك: انّ ذلك لشرفى وفخرى ان لا اسير الاّ بسيرتك ولا احكم الاّ بحكمك، ولولاك ما قويت عليه ولا اهتديت له ولقد جعلت سلطانى عزيزاً ما يرام وانا اشهد ان لا اله الاّ الله وحده لا شريك له وانّك رسوله فأقم على ماولّيتك فانّك لدنيا مكينٌ امين.
اطفيش
تفسير : {قالَ} يوسف {اجْعَلنى عَلى خَزائنِ الأرْضِ} التى تحت حكمك حتى لا ينصرف فى حرثها وخراجها غيرى {إنِّى حَفيظٌ} لذلك عن أن يضيع منه شئ بوجه المصلحة والتدبير، والكتابة والحساب {عَليمٌ} بذلك وبوجوه التصرف، وبلغات من يأتى ليمتار، وإنما طلب الإمارة على ذلك مراعاة لمصالح الخلق، وبسط العدل، ولإيصال الخير إلى من يستحق، وغيره لا يقوم بذلك، وإنما يحرم طلب الإمارة على من يطلبها لحب الدنيا والرياسة، وأما من طلبها بتلك الطريقة فقد أحسن وله أجر عظيم، بل طلب يوسف لها واجب، لئلا يضيع الحق والخلق، والامتثال ما أوحى الله إليه أن ذلك جار على يده، لتلك النية صح له طلبها من يد كافر، ولو كان يكون تحت أمره لجواز الاستظهار على الحق بكافر أو فاسق، ولاسيما أنه أسلم الملك. بل قيل: إن الملك هو الكائن تحت أمر يوسف، ولا يصدر إلا عن رأيه، ولا يعترض عليه، وإنما مدح نفسه بالحفظ والعلم ليتوصل إلى ذلك. لا للفخر والتطاول، فإنه يجوز للإنسان وصف نفسه بما فيه ليتوصل إلى أمر أخروى أو مباح بلا قصد رياء وفخر ونحوهما، ولا يكون من تزيكة النفس المنهى عنها، قال صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة:"حديث : لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها"تفسير : أى إذا لم يتعين طلبها كما تعين على يوسف، وعنه صلى الله عليه وسلم: من طريق ابن عباس:"حديث : يرحم الله أخى يوسف لو لم يقل: {اجعلنى على خزائن الأرض} لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة ".
الالوسي
تفسير : {قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأَرْضِ} أي أرض مصر، وفي معناه قول بعضهم أي أرضك التي تحت تصرفك، وقيل: أراد بالأرض الجنس وبخزائنها الطعام الذي يخرج منها، و {عَلَىٰ } متعلقة على ما قيل ـ بمستول ـ مقدر، والمعنى ولني على أمرها من الإيراد والصرف {إِنّى حَفِيظٌ } لها ممن لا يستحقها {عَلِيمٌ } بوجوه التصرف فيها، وقيل: بوقت الجوع، وقيل: حفيظ للحساب عليم بالألسن، وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه بالحق إذا جهل أمره، وجواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل وإجراء أحكام الشريعة وإن كان من يد الجائر أو الكافر، وربما يجب عليه الطلب إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلاً وكان متعيناً لذلك، وما في «الصحيحين» من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا عبد الرحمن لا تسأل الامارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها»تفسير : وارد في غير ما ذكر. وعن مجاهد أنه أسلم الملك على يده عليه السلام، ولعل إيثاره عليه السلام لتلك الولاية خاصة إنما كان للقيام بما هو أهم أمور السلطنة إذ ذاك من تدبير أمر السنين لكونه من فروع تلك الولاية لا لمجرد عموم الفائدة كما قيل. وجاء في رواية أن الملك لما كلمه عليه السلام وقص رؤياه وعبرها له قال: ما ترى أيها الصديق؟ قال: تزرع في سني الخصب زرعاً كثيراً فإنك لو زرعت فيها على حجر نبت وتبني الخزائن وتجمع فيها الطعام بقصبه وسنبله فإنه أبقى له ويكون القصب علفاً للدواب فإذا جاءت السنون بعت ذلك فيحصل لك مال عظيم، فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه لي ويكفيني العمل فيه؟ فقال: {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأَرْضِ} الخ، والظاهر أنه أجابه لذلك حين سأله، وإنما لم يذكر إجابته له عليه السلام إيذاناً بأن ذلك أمر لا مردّ له غني عن التصريح به لا سيما بعد تقديم ما تندرج تحته أحكام السلطنة جميعها. وأخرج الثعلبـي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يرحم الله تعالى أخي يوسف لو لم يقل: {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأَرْضِ} لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة»تفسير : ثم أنه كما روي عن ابن عباس وغيره توجه وختمه بخاتمه ورداه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت طوله ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرة أذرع ووضع عليه الفرش وضرب عليه حلة من استبرق فقال عليه السلام: أما السرير فأشد به ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي فقال: قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك، فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوض إليه الملك أمره وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء، وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق منها شيء، وفي الثانية بالحلي والجواهر، وفي الثالثة بالدواب والمواشي، وفي الرابعة بالعبيد والجواري، وفي الخامسة بالضياع والعقار، وفي السادسة بالأولاد، وفي السابعة بالرقاب حتى استرقهم جميعاً وكان ذلك مما يصح في شرعهم. فقالوا: ما رأينا كاليوم ملكاً أجل وأعظم منه فقال للملك: كيف رأيت صنع الله تعالى فيما خولني فما ترى في هؤلاء؟ فقال الملك: الرأي رأيك ونحن لك تبع فقال: إني أشهد الله تعالى وأشهدك إني قد أعتقتهم ورددت إليهم أملاكهم. ولعل الحكمة في ذلك إظهار قدرته وكرمه وانقيادهم بعد ذلك لأمره حتى يخلص إيمانهم ويتبعوه فيما يأمرهم به فلا يقال: ما الفائدة في تحصيل ذلك المال العظيم ثم إضاعته؟ وكان عليه السلام في تلك المدة فيما يروى لا يشبع من الطعام فقيل له: أتجوع وخزائن الأرض بيدك؟ فقال: أخاف إن شبعت أنسى الجائع وأمر عليه السلام طباخي الملك أن يجعلوا غذاءه نصف النهار وأراد بذلك أن يذوق طعم الجوع فلا ينسى الجياع، قيل: ومن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار، وقد أشار سبحانه إلى ما آتاه من الملك العظيم بقوله جل وعلا: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ...}.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَزَآئِنِ} (55) - فَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِلْمَلِكِ: اجْعَلْنِي حَافِظاً عَلَى خَزَائِنِ مُلْكِكَ، فَإِنِّي خَازِنٌ أَمِينٌ شَدِيدُ الحِفْظِ، فَلاَ يَضِيعُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِنِّي ذُو عِلْمٍ وَذُو بَصِيرَةٍ بِمَا أَقُومُ بِهِ مِنَ الأَعْمَالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا القول تأكيد لثقة يوسف أن القادم في هذا البلد يحتاج لحكمة إدارة، لا تبعثر ما سوف يأتي في سنين الخصب؛ لتضمن الاطمئنان في سنين الشدة، وتلك مهمة تتطلب الحفظ والعلم. وقد تقدم ما يثبت أن هاتين الصفتين يتحلَّى بهما يوسف عليه السلام. وقد يقول قائل: أليس في قول يوسف شبهة طلب الولاية؟ والقاعدة تقول: إن طالب الولاية لا يولَّى. فيوسف عليه السلام لم يطلب ولاية، وإنما طلب الإصلاح ليتخذ من إصلاحه سبيلاً لدعوته وتحقيقاً لرسالته، حيث أنه كان آمراً فيستجاب، ولم يكن مأموراً للإيجاب حيث أنه كان واثقاً بالإيمان ومؤمناً بوثوق. وقد تأتي ظروف لا تحتمل التجربة مع الناس، فمن يثق بنفسه أنه قادر على القيام بالمهمة فله أن يعرض نفسه. ومثال ذلك: لنفترض أن قوماً قد ركبوا سفينة؛ ثم هاجتْ الرياح وهبَّتْ العاصفة؛ وتعقَّدت الأمور؛ وارتبك القبطان، وجاءه مَنْ يخبره أنه قادر على أن يحل له هذا الأمر، ويُحسن إدارة قيادة المركب، وسبق للقبطان أن علم عنه ذلك. هنا يجب على القبطان أن يسمح لهذا الخبير بقيادة السفينة؛ وبعد أن ينتهي الموقف الصعب؛ على القبطان أن يُوجِّه الشكر لهذا الخبير؛ ويعود لقيادة سفينته. إذن: فمن حقِّ الإنسان أن يطلب الولاية إذا تعيَّن عليه ذلك، بأن يرى أمراً يتعرض له غير ذي خبرة يُفسد هذا الأمر، وهو يعلم وَجْه الصلاح فيه. وهنا يكون التدخل فرض عين من أجل إنقاذ المجتمع. وفي مثل هذه الحالة نجد مَنْ طلب الولاية وهو يملك شجاعتين: الشجاعة الأولى: أنه طلب الولاية لنفسه؛ لثقته في إنجاح المهمة. والشجاعة الثانية: أنه حجب من ليس له خبرة أن يتولى منصباً لا يعلم إدارته، وبهذا يصير الباطل متصرفاً. وبذلك يُظهر وَجْه الحق؛ ويُزيل سيطرة الباطل. ولذلك نجد يوسف عليه السلام يقول للملك: {ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]. والخزائن يوجد فيها ما يُمكّن المسيطر عليها من قيادة الاقتصاد. وقالوا: إن يوسف طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض، لوضع سياسة اقتصادية يواجهون بها سبع سنين من الجَدْب، وتلك مسألة تتطلب حكمة وحِفْظاً وعِلْماً. وكان يوسف عليه السلام يأخذ من كل راغبٍ في المَيْرة الأثمان من ذهب وفضة، ومَنْ لا يملك ذهباً وفضة كان يُحضر الجواهر من الأحجار الكريمة؛ أو يأتي بالدواب ليأخذ مقابلها طعاماً. ومَنْ لا يملك كان يُحضر بعضاً من أبنائه للاسترقاق، أي: يقول رَبُّ الأسرة الفقير: خُذْ هذا الولد ليكون عبداً لقاء أن آخذ طعاماً لبقية أفراد الأسرة. وكان يوسف عليه السلام يُحسِن إدارة الأمر في سنوات الجَدْب ليشُد كل إنسان الحزام على البطن، فلا يأكل الواحد في سبعة أمعاء بل يأكل في مِعىً واحد، كما يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: "حديث : المؤمن يأكلَ في مِعَىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء ". تفسير : وكان التموين في سنوات الجَدْب يقتضي دِقَّة التخطيط، ولا يحتمل أيَّ إسراف. وما دام لكل شيء ثمن يجب أن يُدفع، فكل إنسان سيأخذ على قَدْر ما معه، وبعد أن انتهت سنوات الجَدْب، وجاءت سنوات الرخاء؛ أعاد يوسف لكل إنسان ما أخذه منه. وحين سُئِل: ولماذا أخذتَ منهم ما دُمْتَ قد قررت أن تردَّ لهم ما أخذته؟ أجاب: كي يأخذ كل إنسان في أقلِّ الحدود التي تكفيه في سنوات الجدب. ومثل هذا يحدث عندنا حين نجد البعض، وهو يشتري الخبز المُدعّم لِيُطعِم به الماشية، وحين يرتفع ثمن الخبز نجد كل إنسان يشتري في حدود ما معه من نقود، ويحرص على ألاَّ يُلقِي مما اشترى شيئاً. وكانت قدرة الدولة أيام الجفاف محدودة؛ لذلك وجب على كل فرد أن يعمل لنفسه. ونحن نرى ذلك الأمر، وهو يتكرر في حياتنا؛ فحين لا يجد أحد ثمن اللحم فقد لا تهفو نفسه إلى اللحم، وقد يعلن في كبرياء: "إن معدتي لم تَعُدْ تتحمل اللحم". وقد يعلن الفقير حُبَّه للسمك الصغير؛ لأن لحمه طيّب، عكس السمك الكبير الذي يكون لحمه "مِتفِّلاً"، أو يعلن إعجابه بالفجل الطازج، لأنه لذيذ الطعم. وقديماً في بدايات العمر كنا حين ندخل إلى المنزل، ونحن نعيش بعيداً عن بيوت الأهل في سنوات الدراسة، ولا نجد إلا قرصاً واحداً من "الطعمية"، كنا نقسم هذا القرص ليكفي آخر لقمة في الرغيف، أما إذا دخلنا ووجدنا خمسة أقراص من الطعمية، فكان الواحد منا يأكل نصف قرص من الطعمية مع لقمة واحدة. وهكذا يتحمل كل واحد على قَدْر حركته وقدرته. والشاعر يقول: شعر : والنفسُ راغبةٌ إذَا رغَّبتَها وإذَا تُرَدُّ إلى قَليلٍ تَقْنَعُ تفسير : ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):