Verse. 1652 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوْسُفَ فِي الْاَرْضِ۝۰ۚ يَتَبَوَّاُ مِنْہَا حَيْثُ يَشَاۗءُ۝۰ۭ نُصِيْبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَّشَاۗءُ وَلَا نُضِيْعُ اَجْرَ الْمُحْسِـنِيْنَ۝۵۶
Wakathalika makanna liyoosufa fee alardi yatabawwao minha haythu yashao nuseebu birahmatina man nashao wala nudeeAAu ajra almuhsineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكذلك» كإنعامنا عليه بالخلاص من السجن «مكنَّا ليوسف في الأرض» أرض مصر «يتبوّأُ» ينزل «منها حيث يشاء» بعد الضيق والحبس وفي القصة أن الملك توَّجه وختَّمه وولاه مكان العزيز وعزله ومات بعد، فزوجه امرأته فوجدها عذراء وولدت له ولدين، وأقام العدل بمصر ودانت له الرقاب «نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين».

56

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن يوسف عليه السلام لما التمس من الملك أن يجعله على خزائن الأرض لم يحك الله عن الملك أنه قال: قد فعلت، بل الله سبحانه قال: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلاْرْضِ } فههنا المفسرون قالوا في الكلام محذوف وتقديره: قال الملك قد فعلت، إلا أن تمكين الله له في الأرض يدل على أن الملك الملك قد أجابه إلى ما سأل. وأقول: ما قالوه حسن، إلا أن ههنا ما هو أحسن منه وهو أن إجابة الملك له سبب في عالم الظاهر وأما المؤثر الحقيقي: فليس إلا أنه تعالى مكنه في الأرض، وذلك لأن ذلك الملك كان متمكناً من القبول ومن الرد، فنسبة قدرته إلى القبول وإلى الرد على التساوي، وما دام يبقى هذ التساوي امتنع حصول القبول، فلا بد وأن يترجح القبول على الرد في خاطر ذلك الملك، وذلك الترجح لا يكون إلا بمرجح يخلقه الله تعالى، إذا خلق الله تعالى ذلك المرجح حصل القبول لا محالة، فالتمكن ليوسف في الأرض ليس إلا من خلق الله تعالى في قلب ذلك الملك بمجموع القدرة والداعية الجازمة اللتين عند حصولهما يجب الأثر، فلهذا السبب ترك الله تعالى ذكر إجابة الملك واقتصر على ذكر التمكين الإلهي، لأن المؤثر الحقيقي ليس إلا هو. المسألة الثانية: روي أن الملك توجه وأخرج خاتم الملك وجعله في أصبعه وقلد بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت، فقال يوسف عليه السلام: أما السرير فأشد به ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي، وجلس على السرير ودانت له القوم، وعزل الملك قطفير زوج المرأة المعلومة ومات بعد ذلك وزوجه الملك امرأته، فلما دخل عليها قال أليس هذا خيراً مما طلبت، فوجدها عذراء فولدت له ولدين أفرايم وميشا وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء، وأسلم على يده الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدراهم والدنانير في السنة الأولى ثم بالحلي والجواهر في السنة الثانية ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم سنين فقالوا والله ما رأينا ملكاً أعظم شأناً من هذا الملك حتى صار كل الخلق عبيداً له فلما سمع ذلك قال إني أشهد الله أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم، وكان لا يبيع لأحد ممن يطلب الطعام أكثر من حمل البعير لئلا يضيق الطعام على الباقين هكذا رواه صاحب «الكشاف» والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله: {وَكَذٰلِكَ } الكاف منصوبة بالتمكين، وذلك إشارة إلى ما تقدم يعني به ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبنا إياه من قلب الملك وإنجائنا إياه من غم الحبس، وقوله: {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ } أي أقدرناه على ما يريد برفع الموانع وقوله: {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } يتبوأ في موضع نصب على الحال تقديره مكناه متبوأ وقرأ ابن كثير: {نَشَاء } بالنون مضافاً إلى الله تعالى والباقون بالياء مضافاً إلى يوسف. واعلم أن قوله: {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } يدل على أنه صار في الملك بحيث لا يدافعه أحد، ولا ينازعه منازع بل صار مستقلاً بكل ما شاء وأراد ثم بين تعالى ما يؤكد أن ذلك من قبله فقال: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء }. واعلم أنه تعالى ذكر أولاً أن ذلك التمكين كان من الله لا من أحد سواه وهو قوله: {كَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلاْرْضِ } ثم أكد ذلك ثانياً بقوله: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء } وفيه فائدتان: الفائدة الأولى: أن هذا يدل على أن الكل من الله تعالى. قال القاضي: تلك المملكة لما لم تتم إلا بالأمور فعلها الله تعالى صارت كأنها حصلت من قبله تعالى. وجوابه: أنا ندعي أن نفس تلك المملكة إنما حصلت من قبل الله تعالى، لأن لفظ القرآن يدل على قولنا، والبرهان القاطع الذي ذكرناه يقوي قولنا، فصرف هذا اللفظ إلى المجاز لا سبيل إليه. الفائدة الثانية: أنه أتاه ذلك بمحض المشيئة الإلهية والقدرة النافذة. قال القاضي: هذه الآية تدل على أنه تعالى يجري أمر نعمه على ما يقتضيه الصلاح. قلنا: الآية تدل على أن الأمور معلقة بالمشيئة الإلهية والقدرة المحضة فأمارعاية قيد الصلاح، فأمر اعتبرته أنت من نفسك مع أن اللفظ لا يدل عليه. ثم قال تعالى: {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } وذلك لأن إضاعة الأجر إما أن يكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حق الله تعالى، فكانت الإضاعة ممتنعة. واعلم أن هذا شهادة من الله تعالى على أن يوسف عليه السلام كان من المحسنين ولو صدق القول بأنه جلس بين شعبها الأربع لامتنع أن يقال: إنه كان من المحسنين، فههنا لزم إما تكذيب الله في حكمه على يوسف بأنه كان من المحسنين وهو عين الكفر أو لزم تكذيب الحشوي فيما رواه وهو عين الإيمان والحق. ثم قال تعالى: {وَلاَجْرُ ٱلأَخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأول: في تفسير هذه الآية قولان: القول الأول: المراد منه أن يوسف عليه السلام وإن كان قد وصل إلى المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الدنيا إلا أن الثواب الذي أعده الله له في الآخرة خير وأفضل وأكمل وجهات الترجيح قد ذكرناها في هذا الكتاب مراراً وأطواراً، وحاصل تلك الوجوه أن الخير المطلق هو الذي يكون نفعاً خالصاً دائماً مقروناً بالتعظيم، وكل هذه القيود الأربعة حاصلة في خيرات الآخرة ومفقودة في خيرات الدنيا. القول الثاني: أن لفظ الخير قد يستعمل لكون أحد الخيرين أفضل من الآخر كما يقال: الجلاب خير من الماء وقد يستعمل لبيان كونه في نفسه خيراً من غير أن يكون المراد منه بيان التفضيل كما يقال: الثريد خير من الله يعني الثريد خير من الخيرات حصل بإحسان من الله. إذا ثبت هذا فقوله: {وَلاَجْرُ ٱلاْخِرَةِ خَيْرٌ } إن حملناه على الوجه الأول لزم أن تكون ملاذ الدنيا موصوفة بالخيرية أيضاً، وأما إن حملناه على الوجه الثاني لزم أن لا يقال إن منافع الدنيا أيضاً خيرات بل لعله يفيد أن خير الآخرة هو الخير، وأما ما سواه فعبث. المسألة الثانية: لا شك أن المراد من قوله: {وَلاَجْرُ ٱلأَخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } شرح حال يوسف عليه السلام فوجب أن يصدق في حقه أنه من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهذا تنصيص من الله عز وجل. على أنه كان في الزمان السابق من المتقين، وليس ههنا زمان سابق ليوسف عليه السلام يحتاج إلى بيان أنه كان فيه من المتقين إلا ذلك الوقت الذي قال الله فيه: { أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } تفسير : [يوسف: 24] فكان هذا شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان في ذلك الوقت من المتقين، وأيضاً قوله: {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان من المحسنين، وقوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ } شهادة من الله تعالى على أنه من المخلصين فثبت أن الله تعالى شهد بأن يوسف عليه السلام كان من المتقين ومن المحسنين ومن المخلصين، والجاهل الحشوي يقول: إنه كان من الأخسرين المذنبين، ولا شك أن من لم يقل بقول الله سبحانه وتعالى مع هذه التأكيدات كان من الأخسرين. المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله تعالى: {وَلاَجْرُ ٱلاْخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } يدل على بطلان قول المرجئة: الذين يزعمون أن الثواب يحصل في الآخرة لمن لم يتق الكبائر. قلنا: هذا ضعيف، لأنا إن حملنا لفظ خير على أفعل التفضيل لزم أن يكون الثواب الحاصل للمتقين أفضل ولا يلزم أن لا يحصل لغيرهم أصلاً، وإن حملناه على أصل معنى الخيرية، فهذا يدل على حصول هذا الخير للمتقين ولا يدل على أن غيرهم لا يحصل لهم هذا الخير.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ} أي ومثل هذا الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبه إلى قلب الملك، وإنجائه من السجن مكنا له في الأرض؛ (أي) أقدرناه على ما يريد. وقال الكِيَا الطَّبَري قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} دليل على إجازة الحيلة في التوصّل إلى المباح، وما فيه الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق، ومثله قوله تعالى: {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} تفسير : [صۤ: 44] وحديث أبي سعيد الخُدْرِيّ في عامل خَيْبَر، والذي أدّاه من التَّمْر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قاله. قلت: وهذا مردود على ما يأتي. يقال: مَكّناه ومكّنا له، قال الله تعالى: {أية : مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ} تفسير : [الأنعام: 6]. قال الطَّبريّ: استخلف الملك الأكبر الوليد بن الريّان يوسف على عمل إطفير وعَزَله؛ قال مجاهد: وأسلم على يديه. قال ٱبن عباس: ملّكه بعد سنة ونصف. وروى مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن يوسف قال إني حفيظ عليم إن شاء الله لَمُلِّك في وقته»تفسير : . ثم مات إطفير فزوّجه الوليد بزوجة إطفير راعيل، فدخل بها يوسف فوجدها عذراء، وولدت له ولدين: إفراثيم ومنشا، ٱبني يوسف، ومن زعم أنها زَلِيخَاء قال: لم يتزوّجها يوسف، وأنها لما رأته في موكبه بكت، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بالمعصية، والحمد لله الذي جعل العبيد بالطاعة ملوكاً، فضمّها إليه، فكانت من عياله حتى ماتت عنده، ولم يتزوّجها؛ ذكره الماورديّ؛ وهو خلاف ما تقدّم عن وهب، وذكره الثعلبيّ؛ فالله أعلم. ولما فوّض الملك أمر مصر إلى يوسف تلطّف بالناس، وجعل يدعوهم إلى الإسلام حتى آمنوا به، وأقام فيهم العدل، فأحبّه الرجال والنساء، قال وهب والسُّديّ وابن عباس وغيرهم: ثم دخلت السنون المخصبة، فأمر يوسف بإصلاح المزارع، وأمرهم أن يتوسعوا في الزراعة، فلما أدركت الغَلّة أمر بها فجمعت، ثم بنى لها الأَهْرَاءَ، فجمعت فيها في تلك السنة غَلّة ضاقت عنها المخازن لكثرتها، ثم جمع عليه غلّة كل سنة كذلك، حتى إذا انقضت السبع المخصبة وجاءت السنون المجدبة نزل جبريل وقال: يا أهل مصر جوعوا؛ فإن الله سلّط عليكم الجوع سبع سنين. وقال بعض أهل الحكمة: للجوع والقحط علامتان: إحداهما: أن النفس تحب الطعام أكثر من العادة، ويسرع إليها الجوع خلاف ما كانت عليه قبل ذلك، وتأخذ من الطعام فوق الكفاية. والثانية: أن يفقد الطعام فلا يوجد رأساً ويعزّ إلى الغاية، فٱجتمعت هاتان العلامتان في عهد يوسف، فانتبه الرجال والنساء والصبيان ينادون الجوع الجوع ويأكلون ولا يشبعون، وانتبه الملك، ينادي الجوع الجوع قال: فدعا له يوسف فأبرأه الله من ذلك، ثم أصبح فنادى يوسف في أرض مصر كلها؛ معاشر الناس! لا يزرع أحد زرعاً فيضيع البذر ولا يطلع شيء. وجاءت تلك السنون بهول عظيم لا يوصف؛ قال ٱبن عباس: لما كان ابتداء القحط بينا الملك في جوف الليل أصابه الجوع في نصف الليل، فهتف الملك يا يوسف! الجوع الجوع فقال يوسف: هذا أوان القحط؛ فلما دخلت أوّل سنة من سنيّ القحط هلك فيها كل شيء أعدّوه في السنين المخصِبة، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف؛ فباعهم أوّل سنة بالنقود، حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه؛ وباعهم في السنة الثانية بالحليّ والجواهر، حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء؛ وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب، حتى ٱحتوى عليها أجمع، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء، حتى ٱحتوى على الكل؛ وباعهم في السنة الخامسة بالعقار والضيّاع، حتى ملكها كلها؛ وباعهم في السنة السادسة بأولادهم ونسائهم فاسترقهم جميعاً وباعهم في السنة السابعة برقابهم، حتى لم يبق (في السنة السابعة) بمصر حر ولا عبد إلا صار عبداً له؛ فقال الناس: والله ما رأينا ملكاً أجلّ ولا أعظم من هذا؛ فقال يوسف لملك مصر: كيف رأيت صنع ربي فيما خَوّلني! والآن كل هذا لك، فما ترى فيه؟ فقال: فوضت إليك الأمر فافعل ما شئت، وإنما نحن لك تبع؛ وما أنا بالذي يستنكف عن عبادتك وطاعتك، ولا أنا إلا من بعض مماليكك، وخَوَل من خَوَلك؛ فقال يوسف عليه السلام: إني لم أعتقهم من الجوع لأستعبدهم، ولم أُجرهم من البلاء لأكون عليهم بلاء؛ وإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم، ورددت عليهم أموالهم وأملاكهم، ورددت عليك ملكك بشرط أن تستنّ بسنّتي. ويروى أن يوسف عليه السلام كان لا يشبع من طعام في تلك السنين، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: إني أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع؛ وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غذاءه نصف النهار، حتى يذوق الملك طعم الجوع، فلا ينسى الجائعين؛ فمن ثَمَّ جعل الملوك غذاءهم نصف النهار. قوله تعالى: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ} أي بإحساننا؛ والرحمة النعمة والإحسان. {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي ثوابهم. وقال ٱبن عباس ووهب: يعني الصابرين؛ لصبره في الجبّ، وفي الرقّ، وفي السِّجن، وصبره عن محارم الله عما دعته إليه المرأة. وقال الماورديّ: وٱختلف فيما أوتيه يوسف من هذه الحال على قولين: أحدهما: أنه ثواب من الله تعالى على ما ٱبتلاه. الثاني: أنه أنعم الله عليه بذلك تفضلاً منه عليه، وثوابه باق على حاله في الآخرة. قوله تعالى: {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} أي ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا؛ لأن أجر الآخرة دائم، وأجر الدنيا ينقطع؛ وظاهر الآية العموم في كل مؤمن متّق؛ وأنشدوا:شعر : أَمَا في رسول الله يوسف أُسْوَةٌ لمثلك محبوساً على الظُّلَم والإِفْكِ أقامَ جَميلَ الصّبر في الحبس بُرهة فآل به الصّبرُ الجميلُ إلى المُلْك تفسير : وكتب بعضهم إلى صديق له: شعر : وراء مَضيقِ الخوف مُتَّسعُ الأَمْنِ وأوّل مفروحٍ به آخرُ الحزنِ فلا تَيْأَسَنْ فالله مَلَّكَ يوسفَا خزائنَه بعد الخلاصِ من السِّجنِ تفسير : وأنشد بعضهم: شعر : إذا الحادثاتُ بَلَغْنَ النُّهَى وَكادت تَذُوبُ لَهُنَّ المُهَجْ وحَلَّ البلاءُ وقَلَّ العَزَاء فعند التَّنَاهِي يكونُ الفَرَجْ تفسير : والشعر في هذا المعنى كثير.

البيضاوي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ} في أرض مصر. {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } ينزل من بلادها حيث يهوى وقرأ ابن كثير «نشاء» بالنون. {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء} في الدنيا والآخرة. {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} بل نوفي أَجورهم عاجلاً وآجلاً. {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} الشرك والفواحش لعظمه ودوامه. {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ } روي: أنه لما استوزره الملك أقام العدل واجتهد في تكثير الزراعات وضبط الغلات، حتى دخلت السنون المجدبة وعم القحط مصر والشأم ونواحيهما، وتوجه إليه الناس فباعها أولاً بالدراهم والدنانير حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار، ثم برقابهم حتى استرقهم جميعاً ثم عرض الأمر على الملك فقال: الرأي رأيك فأعتقهم ورد عليهم أموالهم، وكان قد أصاب كنعان ما أصاب سائر البلاد فأرسل يعقوب بنيه ـ غير بنيامين ـ إليه للميرة. {فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } أي عرفهم يوسف ولم يعرفوه لطول العهد ومفارقتهم إياه في سن الحداثة ونسيانهم إياه، وتوهمهم أنه هلك وبعد حاله التي رأوه عليها من حاله حين فارقوه وقلة تأملهم في حلاه من التهيب والاستعظام. {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ } أصلحهم بعدتهم وأوقر ركائبهم بما جاؤوا لأجله، والجهاز ما يعد من الأمتعة للنقلة كعدد السفر وما يحمل من بلدة إلى أخرى وما تزف به المرأة إلى زوجها وقرىء {بِجَهَازِهِمْ } بالكسر. {قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ } روي: أنهم لما دخلوا عليه قال: من أنتم وما أمركم لعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله إنما نحن بنو أب واحد وهو شيخ كبير صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب، قال كم أنتم؟ قالوا كنا اثني عشر فذهب أحدنا إلى البرية فهلك، قال: فكم أنتم ها هنا قالوا عشرة، قال: فأين الحادي عشر؟ قالوا: عند أبينا يتسلى به عن الهالك، قال: فمن يشهد لكم. قالوا: لا يعرفنا أحد ها هنا فيشهد لنا قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخيكم من أبيكم حتى أصدقكم، فاقترعوا فأصابت شمعون. وقيل كان يوسف يعطي لكل نفر حملاً فسألوه حملاً زائداً لأخ لهم من أبيهم فأعطاهم وشرط عليهم أن يأتوه به ليعلم صدقهم. {أَلاَ تَرَوْنَ أَنّي أُوفِى ٱلْكَيْلَ } أتمه. {وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ } للضيف والمضيفين لهم وكان أحسن إنزالهم وضيافتهم. {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ } أي ولا تقربوني ولا تدخلوا دياري، وهو إما نهي أو نفي معطوف على الجزاء.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ} أي: أرض مصر، {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ} قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يتصرف فيها كيف يشاء. وقال ابن جرير: يتخذ منها منزلاً حيث يشاء بعد الضيق والحبس والإسار، {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي: وما أضعنا صبر يوسف على أذى إخوته وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز، فلهذا أعقبه الله عز وجل السلام والنصر والتأييد، {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} يخبر تعالى أن ما ادخره الله تعالى لنبيه يوسف عليه السلام في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجل مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا، كقوله في حق سليمان عليه السلام{ أية : هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَئَابٍ} تفسير : [ص:39-40] والغرض أن يوسف عليه السلام: ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر مكان الذي اشتراه من مصر زوج التي راودته، وأسلم الملك على يدي يوسف عليه السلام، قاله مجاهد. وقال محمد بن إسحاق: لما قال يوسف للملك: {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ} قال الملك: قد فعلت، فولاه فيما ذكروا عمل إطفير، وعزل إطفير عما كان عليه، يقول الله عز وجل: {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} قال: فذكر لي - والله أعلم - أن إطفير هلك في تلك الليالي، وأن الملك الريان بن الوليد زوّج يوسف امرأة إطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال لها: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك على ما رأيت، فيزعمون أنه وجدها عذراء، فأصابها، فولدت له رجلين: أفرائيم بن يوسف، وميشا بن يوسف، وولد لأفرائيم نون والد يوشع بن نون، ورحمة امرأة أيوب عليه السلام، وقال الفضيل بن عياض: وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مر يوسف، فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، والملوك عبيداً بمعصيته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } كإنعامنا عليه بالخلاص من السجن {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ } أرض مصر {يَتَبَوَّأُ } ينزل {مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ } بعد الضيق والحبس، وفي القصة أن الملك توجَّه وختَّمه وولاه مكان العزيز وعزله، ومات بعدُ فزوّجه امرأته فوجدها عذراء، وولدت له ولدين، وأقام العدل بمصر ودانت له الرقاب {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشآءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض}قال ابن جرير الطبري: استخلصه الملك الأكبر الوليد بن الريان على عمل إظفير وعزله. قال مجاهد: وأسلم على يده. قال ابن عباس: ملك بعد سنة ونصف. فروى مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو أن يوسف قال: إني حفيظ عليم إن شاء الله لملك في وقته ذلك ". تفسير : ثم مات إظفير فزوّجه الملك بامرأة إظفير راعيل، فدخل بها يوسف فوجدها عذراء وولدت له ولدين أفرائيم ومنشا ابني يوسف. ومن زعم أنها زليخا قال لم يتزوجها يوسف وأنها لما رأته في موكبه بكت، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بالمعصية، وجعل العبيد بالطاعة ملوكاً، فضمها إليه فكانت في عياله حتى ماتت عنده ولم يتزوجها. {يتبوَّأ منها حيث يشاء} فيه وجهان: أحدهما: يتخذ من أرض مصر منزلاً حيث يشاء، قاله سعيد بن جبير. الثاني: يصنع في الدنيا ما يشاء لتفويض الأمر إليه، قاله عبد الرحمن بن زيد. {نصيب برحمتنا من نشاء} يعني في الدنيا بالرحمة والنعمة. {ولا نضيع أجر المحسنين} يعني في الآخرة بالجزاء. ومنهم من حملها على الدنيا، ومنهم من حملها على الآخرة، والأصح ما قدمناه. واختلف فيما أوتيه من هذا الحال على قولين: أحدهما: ثواب من الله تعالى على ما ابتلاه. الثاني: أنه أنعم بذلك عليه تفضلاً منه، وثوابه باقٍ على حاله في الآخرة. قوله عز وجل {ولأجر الآخرة خيرٌ للذين آمنوا وكانوا يتقون} فيه وجهان: أحدهما: ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا من أجر الدنيا، لأن أجر الآخرة دائم، وأجر الدنيا منقطع. الثاني: ولأجر الآخرة خير ليوسف من التشاغل بملك الدنيا ونعيمها لما فيه من التبعة.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} استخلفه الوليد على عمل أطيفر وعزله، قال مجاهد: وأسلم على يده، قال "ع": ملك بعد سنة ونصف. ثم مات أطيفر فزوجه الملك بامرأته راعيل فوجدها يوسف عذراء، وولدت له ولدين، أفرائيم وميشا، ومن زعم أنها زليخا قال لم يتزوجها يوسف، ولما رأته في موكبه بكت ثم قالت الحمد لله الذي جعل الملوك بالمعصية عبيداً والحمد لله الذي جعل العبيد بالطاعة ملوكاً فضمها إليه فكانت من عياله حتى ماتت ولم يتزوجها. {يَتَبَوَّأُ} يتخذ من أرض مصر منزلاً حيث شاء، أو يصنع في الدنيا ما يشاء لتفويض الأمر إليه. {بِرَحْمَتِنَا} نعمة الدنيا، {وَلا نُضِيعُ} ثواب {الْمُحْسِنِينَ} في الآخرة، أو كلاهما في الدنيا، أو كلاهما في الآخرة، ونال يوسف ذلك ثواباً على بلواه، أو تفضلاً من الله ـ تعالى ـ وثوابه باقٍ في الآخرة بحاله.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} وكذلك إشارة إلى ما تقدم، يعني وكما أنعمنا على يوسف بأن أنجيناه من الجب وخلصناه من السجن وزيناه في عين الملك حتى قربه وأدنى منزلته كذلك مكنا له في الأرض يعني أرض مصر؛ ومعنى التمكين هو أن لا ينازعه منازع فيما يراه ويختاره وإليه الإشارة بقوله {يتبوأ منها حيث يشاء} لأنه تفسير للتمكين. قال ابن عباس وغيره لما انقضت السنة من يوم سأل يوسف الإمارة دعاه الملك فتوجه وقلده بسيفه وحلاه بخاتمه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت طوله ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرة أذرع ووضع له عليه ثلاثون فراشاً وستون مارياً وضرب له عليه كلة من إستبرق وأمره أن يخرج فخرج متوجاً لونه كالثلج ووجه كالقمر يرى الناظر وجهه فيه من صفاء لونه فانطلق حتى جلس على ذلك السرير ودانت ليوسف الملوك وفوض الملك الأكبر إليه ملكه وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه. قال ابن إسحاق قال ابن زيد وكان لملك مصر خزائن كثيرة فسلمها إلى يوسف وسلم له سلطانه كله وجعل أمره وقضاءه نافذاً في مملكته قالوا ثم هلك قطفير عزيز مصر في تلك الليالي فزوج الملك يوسف امرأة العزيز بعد هلاكه فلما دخل يوسف عليها قال لها أليس هذا خيراً مما كنت تريدين قال له أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي وعصمك الله قالوا فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له ولدين ذكرين إفراثيم وميشا وهما ابنا يوسف منها واستوثق ليوسف ملك مصر وأقام فيه العدل وأحبه الرجال والنساء فلما اطمأن يوسف في ملكه دبر في جمع الطعام أحسن التدبير وأقام فيه العدل وأحبه الرجال والنساء اطمأن يوسف في ملكه دبر في جمع الطعام أحسن التدبير فبنى الحصون والبيوت الكثيرة وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة وأنفق المال بالمعروف حتى خلت السنين المخصبة ودخلت السنين المجدبة بهول وشدة لم ير الناس مثله، وقيل: إنه دبر في طعام الملك وحاشيته كل يوم مرة واحدة نصف النهار فلما دخلت سنين القحط كان أول من أصابه الجوع الملك فجاع نصف النهار فنادى يا يوسف الجوع الجوع فقال يوسف هذا أول أوان القحط فهلك في السنة الأولى من أول سنين القحط كل ما أعدوه في السنين المخصبة فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف فباعهم في السنة الأولى بالنقود حتى لم يبق بمصر درهم ولا دينار إلا أخذه منهم وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر في أيدي الناس منها شيء وباعهم في السنة الثالثة بالدواب والمواشي والأنعام حتى لم تبق دابة ولا ماشية إلا احتوى عليها كلها وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والجواري حتى لم يبق بأيدي الناس عبد ولا أمة وباعهم في السنة الخامسة بالضياع والعقار حتى أتى عليها كلها وباعهم في السنة السادسة بأولادهم، حتى استرقهم وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر حر ولا حرة إلا ملكه فصاروا جميعهم عبيداً ليوسف عليه الصلاة والسلام فقال أهل مصر ما رأينا كاليوم ملكاً أجمل ولا أعظم من يوسف فقال يوسف للملك كيف رأيت صنع الله بي فيما خولني فما ترى في هؤلاء قال الملك الرأي رأيك ونحن لك تبع قال فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم وقيل إن يوسف كان لا يشبع من الطعام في تلك الأيام فقيل له أتجوع وبيدك خزائن الأرض فقال أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع وأمر يوسف طباخي الملك أن يجعلوا غداءه نصف النهار وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائع فمن ثم جعل الملوك غداءهم نصف النهار. قال مجاهد: ولم يزل يوسف يدعو الملك إلى الإسلام ويتلطف به حتى أسلم الملك وكثير من الناس فذلك قوله سبحانه وتعالى: وكذلك مكَّنَّا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء {نصيب برحمتنا من نشاء} يعني نختص بنعمتنا وهي النبوة من نشاء يعني من عبادنا {ولا نضيع أجر المحسنين} قال ابن عباس يعني الصابرين {ولأجر الآخرة} يعني ولثواب الآخرة {خير} يعني أفضل من أجر الدنيا {للذين آمنوا وكانوا يتقون} يعني يتقون ما نهى الله عنه وفيه دليل على أن الذي أعد الله عز وجل ليوسف عليه الصلاة والسلام في الآخرة من الأجر والثواب الجزيل أفضل مما أعطاه الله في الدنيا من الملك.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} الآية قال المفسرون: لما التمس من الملك أن يجعله على خزائن الأرض، لم يذكر الله عن الملك أنه قال: قد فعلتُ؛ بل قال: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض}؛ فقال المفسرون: في الكلام محذوفٌ تقديره: قال الملك: قد فعلت؛ لأنَّ تمكين الله له في الأرض يدلُّ على أن الملك قد أجابه ما سأل. قال ابن الخطيب: "وما قالوه حسنٌ، إلا أنَّ هاهنا ما هو أحسن منه، وهو أنَّ ما أجابه الملك في عالم الظاهر، وأمَّا المؤثر الحقيقيُّ، فليس إلاَّ أنه ـ تعالى ـ هو الذي مكَّنه في الأرض، وذلك؛ لأنَّ الملك كان متمكناً من القبول والرد فنسبة قدرته إلى القبول والرد على التَّساوي وما دام يبقى هذا التَّساوي، يمتنعُ حصولُ القبولِ، فلا بُدَّ وأن يرجح القبولُ على الردِّ في خاطر ذلك الملك؛ وذلك لأنَّ الترجيح لا يكونُ إلاَّ بمرجعٍ يخلقهُ الله ـ تعالى ـ وإذا خلق الله ذلك المرجح، حصل القبولُ لا محالة، فالتمكين ليوسف في الأرض ليس إلاَّ من خلق الله ـ تعالى ـ بمجموع القدرة والدَّاعية الجازمة التي عند حصولها، يجب ُ ألاَّ يؤخَّر هذا السببُ، فترك الله إجابة الملك، واقتصر على ذكر التَّمكينِ الإلهي؛ لأنَّ المؤثِّر الحقيقيَّ ليس إلا هو". قوله: "وكَذلِكَ" الكافُ منصوبةٌ بالتمكين، و"ذلِكَ" إشارةٌ إلى ما تقدم أي: ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبنا إياه من قلب الملكِ، وإنجائنا إياه من غمِّ الحَبْس، {مَكنا له في الأرض}. وقوله: "لِيُوسُف" يجوز في هذه اللام أن تكون متعلقة بـ "مَكَّنَّا" على أن يكن مفعول "مَكَّنَّا" محذوفاً، تقديره: مكنا ليوسف الأمورَ، أو على أن يكون المفعول به "حَيْثُ"، كما سيأتي، ويجوز أن تكون زائدة عند من يرى ذلك. وقد تقدَّم أنَّ الجمهور يأبون ذلك إلاَّ في موضعين. وقله "يَتَبَوَّأ" جملةٌ حاليةٌ من "يُوسفَ"، و"مِنْهَا" يجوز أن تتعلَّق بـ "يَتَبَوَّأ"، وأجاز أبو البقاءِ: أن يتعلق بمحذوفٍ، على أنَّها حالٌ من "حَيْثُ"، و"حَيْثُ" يجوز أن يكون ظرفاً لـ "يَتَبَوَّأ"، ويجوز أن يكون مفعولاً به وقد تقدم تحقيقه في الأنعامِ. وقرأ ابن كثير: "نَشَاءُ" بالنُّون على أنَّها نونُ العظمة لله تعالى. وجوَّز أبو البقاء: أن يكون الفاعل ضمير يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قال: "لأنَّ مشيئتهُ من مشيئةِ اللهِ ـ عز وجل"؛ وفيه نظرٌ؛ لأن نظم الكلام يأباهُ. والباقون: بالياء على أنه ضمير يوسف، ولا خلاف في قوله: "نُصِيبُ بِرحْمتِنَا من نَشاءُ"، أنَّها بالنون. وجوزَّ أبو حيَّان: أن يكون الفاعل في قراءة الياء ضمير الله تعالى، ويكون التفاتاً. ومعنى "يَتَبَوَّأ منها" أي: ينزلُ منها حيث يشاء ويصنع فيها ما يشاء. فصل روى الزمخشريُّ: أنَّ الملك أخرج خاتم الملك، ووضعه في أصبعه، وقلَّده سيفه، ووضع له سريراً من ذهب مُكَلَّلاً بالدُّرِّ والياقوت، فقال يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ أما السريرُ، فأشدُّ به ملكك، وأما الخاتمُ، فأدبِّر به أمرك، وأمَّا التَّاجُ، فليس من لِباسِي، ولا لِباسِ آبائي، وجلس على السَّرير، ودان له القومُ، وأنَّ قُطْفِير زوج المرأةِ مات بعد ذلك، وزُوج يوسف راعيل امرأة قطفير، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما طلبتِ؟ فوجدها عذراء، فأصابها، فولدت له إفرائيم، وميشا، وأقام العدل بمصر، وأحبه الرجال والنساء، وأسلم على يديه الملك، وكثير من النَّاس، وفوَّض الملك أمر مصر إلى يوسف. قال وهبٌ، والسديُّ، وابن عبَّاس، وغيرهم: ثم دخلت السنون المخصبة، فأمر يوسف بإصلاح الزراع، وأمرهم أن يتوسَّعُوا في الزراعةِ، فلما أدركت الغلةُ أمر بها فجمعت، ثم بنَى لها المخازن، فجمعت فيها في تلك السنة غلةٌ ضاقت عنها المخازن؛ لكثرتها، ثم جمع غلَّة كُلِّ سنةٍ كذلك، حتى انقضتِ السبع المخصبة، وجاءت السنونُ المجدبةُ، فنزل جبريلُ ـ عليه السلام ـ وقال: يا أهلَ مِصْر: جوعوا فإنَّ الله سلَّط عليكم الجوع سبع سنين، فجعل الناسُ ينادون: الجُوع الجُوع، وأباع من أهل مصر في سنين القحط بالدراهم والدنانير في السنة الأولى، وبالحليِّ والجواهر في السنة الثانية، ثم بالدَّوابِّ، ثم بالضياع، ثم بالعقار، ثم ترقَّى بهم حتَّى استرقَّهم؛ فقالوا: والله، ما رأينا ملكاً أعظم ثباتاً من هذا، فلما صار كلُّ الخلق عبيداً له، قال: إنيِّ أشهدُ الله أنِّي اعتقتُ أهل مصر عن آخرهم، ورددت عليهم أملاكهم، وكان لا يبيعُ من أحدٍ ممن يطلب الطعام أكثر من حملٍ؛ لئلا يضيق الطعامُ عن الباقين. فصل قال ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ "نُصِيبُ بِرَحْمتِنَا مَن نشَاءُ" أي: بنِعْتِنَا. {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} يعني الصَّابرينَ، هذا في الدنيا، {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ}: ثواب الآخرة خير. قال ابن الخطيب قوله تعالى: {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}؛ لأن إضاعة الأجر إما أن تكون للعجزِ، أو للجهلِ، أو للبخلِ، والكلُّ ممتنعٌ في حقِّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ فكانت الإضاعة ممتنعة، وهذه شهادةٌ من الله ـ تعالى ـ على يوسف أنَّه كان من المُحْسنِينَ، ولو صدق بأنه جلس بين شعبها الأربع لامتنع أن يقال إنه كان من المحسنين؛ فهاهنا لزم إمَّا تكذيبُ الله في حكمه على يوسف أنَّه كان من المحسنين؛ وهو عينُ الكفرِ أو لزوم تكذيب ما رووهُ بأنَّه جلس منها موضع الرجلِ من امرأته، وهو عينُ الإيمانِ بالحقِّ. واعلم أنَّ لفظ الخيرِ قد يستعملُ لكونِ أحدِ الخيرينِ أفضل من الآخر؛ كما يقال: الجلابُ خيرٌ من الماءِ، وقد يستعمل لبيانِ كونه في نفسه خيراً من غير أن يكون المراد منه بيان التفضيل؛ كما يقال: "الثَّريدُ خيرٌ مِنْ عِند الله ـ تعالى ـ". يعني: الثَّريدُ خير من الخيراتِ حصل من الله. وإذا ثبت هذا فنقول: قوله: {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ}:إن حملناه على الوجه الأوَّل، لزم أن تكون ملاذُّ الدنيا موصوفة بالخيرية أيضاً، وإذا حملتْ على الوجه الثاني، لزم أن يقال: منافع الآخرة خيرات، ولا شكَّ أن قوله ـ تعالى ـ: {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}، شرح حال يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ ووجب أن يصدق في حقه أنَّه من {الذين آمنوا وكانوا يتقون}، وهذا تنصيص من الله ـ عز وجل ـ أنه كان في الزمنِ السَّابق من المتقين، وليس هاهنا زمنٌ سابقٌ ليوسف يحتاج إلى أنه كان فيه من المتَّقين، إلاَّ الوقت الذي قال الله فيه: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا}تفسير : [يوسف:24]، فكان هذا شهادة من الله تعالى ـ على أنَّهُ ـ عليه السلام ـ كان في ذلك الوقت من المتَّقين. وأيضاً: قوله تعالى: {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} شهادة من الله ـ عز وجل ـ أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ من المحسنين، وقوله: {أية : إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [يوسف:24] وكل هذه التأكيدات تبطل ما رووهُ عنه، والله أعلم. فصل قال القاضي رحمه الله: قوله: {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} يدلُّ على بطلان قول المرجئةِ الذين يزعمون أنَّ الثواب يحصل في الآخرة لمن لمْ يتَّق الكبَائرِ. وهذا ضعيفٌ؛ لأنا إن حملنا لفظ "خَيْرٌ" على التَّفضيل، لزم أن يكون الثَّواب الحاصل للمتقين أفضل، ولا يلزمُ ألا يحصل لغيرهم أصلاً، وإن حملناه على أصل معنى الخيرِ، فهذا يدلُّ على حصول هذا الخير للمتقين، ولا يدلُّ على أنَّ غيرهم لا يحصل له هذا الخير، والله أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} قال: ملكناه فيما يكون فيها {حيث يشاء} من تلك الدنيا، يصنع - فيها ما يشاء، فوّضت إليه. قال: لو شاء أن يجعل فرعون من تحت يده، ويجعله من فوق لفعل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الفضيل بن عياض - رضي الله عنه - قال: وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مر يوسف عليه السلام فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وجعل الملوك عبيداً بمعصيته. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن إسحق - رضي الله عنه - قال: ذكروا أن أطيفر هلك في تلك الليالي، وإن الملك الريان زوّج يوسف عليه السلام امرأته راعيل، فقال لها حين أدخلت عليه: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فقالت: أيها الصديق، لا تلمني. فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جملاء، ناعمة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك، فغلبتني نفسي على ما رأيت، فيزعمون أنه وجدها عذراء، فأصابها فولدت له رجلين. وأخرج أبو الشيخ عن عبد العزيز بن منبه، عن أبيه قال: تعرضت امرأة العزيز ليوسف عليه السلام في الطريق حتى مر بها، فقالت: الحمد لله الذي جعل الملوك بمعصيته عبيداً، وجعل العبيد بطاعته ملوكاً، فعرفها فتزوجها فوجدها بكراً، وكان صاحبها من قبل لا يأتي النساء. وأخرج الحكيم الترمذي، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - قال: أصابت امرأة العزيز حاجة فقيل لها: لو أتيت يوسف بن يعقوب فسألته، فاستشارت الناس في ذلك فقالوا: لا تفعلي، فإنا نخاف عليك. قالت: كلا، إني لا أخاف ممن يخاف الله. فدخلت عليه فرأته في ملكه، فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، ثم نظرت إلى نفسها فقالت: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته، فقضى لها جميع حوائجها، ثم تزوجها فوجدها بكراً فقال لها: أليس هذا أجمل مما أردت؟ قالت: يا نبي الله، إني ابتليت فيك بأربع: كنت أجمل الناس كلهم، وكنت أنا أجمل أهل زماني، وكنت بكراً، وكان زوجي عنيناً. وأخرج أبو الشيخ، عن زيد بن أسلم - رضي الله عنه - أن يوسف عليه السلام، تزوج امرأة العزيز فوجدها بكراً، وكان زوجها عنيناً. وأخرج الحكيم الترمذي وابن أبي الدنيا في الفرج، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله عز وجل نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم ".

ابو السعود

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك التمكينِ البليغ {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} أي جعلنا له مكاناً {فِى ٱلأَرْضِ} أي أرض مصرَ. روي أنها كانت أربعين فرسخاً في أربعين وفي التعبـير عن الجعل المذكورِ بالتمكين في الأرض مسنداً إلى ضميره عزّ سلطانُه من تشريفه عليه السلام والمبالغة في كمال ولايتِه، والإشارةِ إلى حصول ذلك من أول الأمرِ لا أنه حصل بعد السؤال ما لا يخفى {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا} ينزل من بلادها {حَيْثُ يَشَاء} ويتخذه مباءةً وهو عبارةٌ عن كمال قدرته على التصرف فيها ودخولها تحت ملكتِه وسلطانه فكأنها منزلُه يتصرف فيها كما يتصرف الرجل في منزله. وقرأ ابن كثير بالنون. روي أن الملك توّجهُ وختمه بخاتمه وردّاه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت فقال عليه السلام: أما السريرُ فأشدُّ به مُلكك، وأما الخاتمُ فأدبّر به أمرك، وأما التاجُ فليس من لباسي ولا لباس آبائي، فقال: قد وضعتُه إجلالاً لك وإقراراً بفضلك فجلس على السرير ودانت له الملوكُ وفوّض إليه الملكُ أمرَه وأقام العدلَ بمصر وأحبتْه الرجالُ والنساء وباع من أهل مصر في سِني القحطِ الطعامَ في السنة الأولى بالدنانير والدراهم، وفي الثانية بالحِليِّ والجواهر، وفي الثالثة بالدوابّ ثم بالضِّياع والعَقار ثم برقابهم حتى استرقّهم جميعاً فقالوا: ما رأينا كاليوم ملكاً أجلَّ وأعظمَ منه ثم أعتقهم وردّ إليهم أموالَهم وكان لا يبـيع من أحد من الممتارين أكثرَ من حمل بعير تقسيطاً بـين الناس {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا} بعطائنا في الدنيا من المُلك والغِنى وغيرهما من النعم {مَّن نَّشَاء} بمقتضى الحكمةِ الداعية إلى المشيئة {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} بل نوفّيه بكماله، وفيه إشعارٌ بأن مدارَ المشيئةِ المذكورةِ إحسانُ مَنْ تصيبه الرحمة المرموقةُ وأنها أجرٌ له ولدفع توهم انحصارِ ثمرات الإحسانِ فيما ذكر من الأجر، قيل على سبـيل التوكيد: {وَلأَجْرُ ٱلاْخِرَةِ} أي أجرهم في الآخرة فالإضافة للملابسة وهو النعيمُ المقيم الذي لا نفاد له {خَيْرٌ} لهم أي للمحسنين المذكورين وإنما وضع موضعَه الموصولُ فقيل: {لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} تنبـيهاً على أن المراد بالإحسان إنما هو الإيمانُ والثباتُ على التقوى المستفادُ من جمع صيغتي الماضي والمستقبل. {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ} ممتارين لما أصاب أرضَ كنعانَ وبلادَ الشام ما أصاب أرضَ مصر وقد كان أرسلهم يعقوبُ عليه السلام جميعاً غيرَ بنيامين {فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ} أي على يوسف وهو في مجلس ولايته {فَعَرَفَهُمْ} لقوة فهمِه وعدم مباينةِ أحوالِهم السابقة لحالهم يومئذ لمفارقته إياهم وهم رجالٌ وتشابُه هيئاتهم وزِيِّهم في الحالين ولكون هِمَّته معقودةً بهم وبمعرفة أحوالهم لا سيما في زمن القحط، وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرّفوا له {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} أي والحالُ أنهم منكرون له لطول العهدِ وتبايُنِ ما بـين حاليه عليه السلام في نفسه ومنزلته وزِيِّه ولاعتقادهم أنه هلك وحيث كان إنكارُهم له أمراً مستمراً في حالتي المحضَر والمَغيب أُخبر عنه بالجملة الاسميةِ بخلاف عرفانِه عليه السلام إياهم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}. لمَّا لم تكن له دواعي الشهوات من نَفْسِه مَكّنَه اللَّهُ من مُلْكِه - قال تعالى: {أية : وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا}تفسير : [الشورى: 23] - فقال: {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56]. ثم أخبر عن حقيقة التوحيد، وبيَّن أنه إِنما يوفِّي عبادَه من ألطافه بفضله لا بفعلهم، وبرحمته لا بِخُدْمِتهم؛ فقال: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ}. ثم يرقى هممهم عما أولاهم من النَّعم فقال: {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}. لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لا بُدّ من التقوى ومخالفة الهوى.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك} الكاف منصوبة بالتمكين وذلك اشارة الى ما انعم الله به عليه من انجائه من غم الحبس وجعل الملك الريان اياه خالصا لنفسه {مكنا ليوسف} اى جعلنا له مكانا {فى الارض} اى ارض مصر وكانت اربعين فرسخا فى اربعين كما فى الارشاد. وقال فى المدارك التمكين الاقدار واعطاه القدرة. وفى تاج المصادر مكنه فى الارض بوأه اياها يتعدى بنفسه واللام كنصحته ونصحت له. وقال ابو على يجوز ان يكون على حد ردف لكم {يتبوأ منها} حال من يوسف اى ينزل من بلادها {حيث يشاء} ويتخذه مباءة ومنزلا وهو عبارة عن كمال قدرته على التصرف فيها ودخولها تحت سلطانه فكأنها منزله يتصرف فيها كما يتصرف الرجل فى منزله وفى الحديث "حديث : رحم الله اخى يوسف لو لم يقل اجعلنى على خزائن الارض لاستعمله من ساعته ولكنه اخر ذلك سنة" تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما لما انصرمت السنة من يوم سأل الامارة دعاه الملك فتوجه وختمه بخاتمه وردّاه بسيفه ووضع له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت وطول السرير ثلاثون ذراعا وعرضه عشرة اذرع عليه ثلاثون فراشا فقال يوسف اما السرير فاشدّ به ملكك واما الخاتم فادبر به امرك واما التاج فليس من لباسى ولا لباس آبائى فقال الملك فقد وضعته اجلالا لك واقرارا بفضلك فجلس على السرير واتت له الملوك وفوض اليه الملك امره كما قال المولى الجامى شعر : جوشاه ازوى بديد اين كار سازى بملك مصر دادش سرفرازى سبه را بنده فرمان او كرد زمين را عرصه ميدان او كرد تفسير : ونعم ما قيل شعر : بيرست جرخ واختر بخت تو نو جوان آن به كه بير نوبت خود باجوان دهد تفسير : وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة كما فى التبيان واقام العدل فى مصر واحبته الرجال والنساء وامر اهل كل قرية وبلدة بالاشتغال بالزرع وترك غيره فلم يدعوا مكانا الا زرعوه حتى بطون الاودية ورؤوس الجبال مدة سبع سنين وهو يأمرهم ان يدعوه فى سنبله فاخذ منهم الخمس وجعله فى الاهراء وكذا ما وزعه السلطان ثم اقبلت السنون المجدبة فحبس الله عنهم القطر من السماء والنبات من الارض حتى لم ينبت لهم حبة واحدة فاجتمع الناس وجاؤا له وقالوا له يا يوسف قد فنى ما فى بيوتنا من الطعام فبعنا مما عندك فامر يوسف بفتح الاهراء وباع من اهل مصر فى سنى القحط الطعام فى السنة الاولى بالدراهم والدنانير وفى الثانية بالحلى والجواهر وفى الثالة بالدواب وفى الرابعة بالعبيد والاماء وفى الخامسة بالضياع والعقار وفى السادسة باولادهم وفى السابعة برقابهم حتى استرقهم جميعا فقالوا ما رأينا ملكا اجل واعظم منه فقال يوسف للملك كيف رأيت صنع ربى فيما خولنى فما ترى فقال ارى رأيك ونحن لك فقال انى اشهد الله واشهدك انى قد اعتقت اهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم املاكهم. قال الكاشفى [حكمت درين آن بود كه مصر يان يوسف را بوقت خريد وفروخت درصورت بندكى ديده بودند قدرت ازلى همه را طوق بندكى او در كردن نهاد تاكسى راكه درباره او سختى بى ادبانه نرسد] وكان لا يبيع من احد من الممتارين اكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس وكان لم يشبع مدة القحط مخافة نسيان الجياع: قال السعدى قدس سره شعر : آنكه در راحت وتنعم زيست اوجه داندكه حال كرسنة جيست حال درماندكى كسى داند كه باحوال خود فروماند تفسير : {نصيب برحمتنا} [ميرسانيم برحمت خود از نعيم دينى ودنيوى وصورى ومعنوى] فالباء للتعدية {من نشاء} كل من نريد له ذلك لا يمنعنا منه شيء {لا نضيع اجر المحسنين} عملهم بل نوفيه بكماله فى الدنيا والآخرة -روى- عن سفيان بن عيينة المؤمن يثاب على حسناته فى الدنيا والآخرة والفاجر يعجل له الخير فى الدنيا وماله فى الآخرة من خلاق وتلا هذه الآية وفى الحديث "حديث : ان للمحسنين فى الجنة منازل حتى المحسن الى اهله واتباعه" تفسير : والاحسان وان كان يعم امورا كثيرة ولكن حقيقته المشاهدة والعيان وهى ليست رؤية الصانع بالبصر وهو ظاهر بل هو المراد بها حالة تحصل عند الرسوخ فى كمال الاعراض عما سوى الله تعالى وتمام توجهه الى حضرته بحيث لا يكون فى لسانه وقلبه وهمه غير الله تعالى وسميت هذه الحالة مشاهدة لمشاهدة البصيرة اياه تعالى كما اشار اليها بعض العارفين بقوله شعر : خيالك فى عينى وذكرك فى فمى وحبك فى قلبى فاين تغيب

الطوسي

تفسير : قرأ {نشاء} بالنون ابن كثير وحده. الباقون بالياء. من قرأ بالنون، فعلى معنى ان يوسف يتبوّء من الارض حيث يشاء، وطابق بينه وبين قوله {نصيب برحمتنا من نشاء}، ويكون على احد معنيين: احدهما - ان تكون المشيئة اسندت اليه، وهي ليوسف، لما كانت بأمره وارادته كما قال {أية : وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى}تفسير : فأضاف الرمي الى الله، لما كان بقدرته وارادته. والثاني - ان يكون الموضع المتبوء موضع نسك وعبادة او موضعاً يقام فيه الحق، من أمر بمعروف، او نهى عن منكر، ويقوي النون قوله {نصيب برحمتنا من نشاء}. ومن قرأ بالياء حمله، على انه يتبوء يوسف حيث يشاء هو نفسه. اخبر الله تعالى أنه كما لطف ليوسف حين اخرجه من السجن وخلصه من المهالك كذلك مكنه من التصرف، والمقام في الارض حيث يشاء كيف يشاء، وقال الجبائي: كان هذا التمكن ليوسف ثواباً من الله على طاعته واحسانه الذي تقدم منه في الدنيا. وقال غيره: ليس في ذلك دلالة على انه ثواب، ويجوز أن يكون تفضلاً عليه بذلك من غير ان ينقص من ثوابه شيء، والتمكين الاقدار بما يتسهل به الفعل من رفع الموانع وايجاد الالات والالطاف وغير ذلك مما يحتاج اليه في الفعل. والتبوء هو اتخاذ منزل يرجع اليه واصله الرجوع من {باؤا بغضب من الله} قال الشاعر: شعر : فان تكن القتلى بواء فانكم فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر تفسير : اي يرجع بدم بعضها على بعض، فان هذا المقتول لا كفاء لدمه. وقوله {نصيب برحمتنا من نشاء} اخبار منه تعالى انه يفعل رحمته بمن يشاء من عباده على وجه التفضل عليهم والاحسان اليهم، وانه لا يضيع اجر الذين يحسنون افعالهم ويفعلون ما أمرهم الله به على وجهه، بل يثيبهم على ذلك. والاحسان على ثلاثة اوجه: احدها - ان يحسن الى غيره، فذلك انعام. وثانيها - ان يحسن الى نفسه بأن ينفعها نفعاً حسناً. وثالثها - ان يفعل حسناً مبهماً لا يضيفه الى نفسه ولا الى غيره. واللام في قوله {مكنا ليوسف} يحتمل ان يكون مثل قوله {أية : ردف لكم} تفسير : و {أية : للرؤيا تعبرون}تفسير : بدلالة قوله {أية : مكناهم فيما إن مكناكم فيه}تفسير : وقوله {أية : مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم}تفسير : {ويتبوء} في موضع نصب على الحال.

الجنابذي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} عطف على محذوف اى فأنجينا يوسف (ع) من السّجن ومثل ذلك الأنجاء {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} او مثل ذلك التّمكين المتعقّب للبلايا العديدة والمتاعب الكثيرة مكّنّا ليوسف (ع) الّذى كان من ابناء انبيائنا (ع) وجعلناه نبيّاً فمن اراد التّمكين فى ارض العالم الكبير او ارض العالم الصّغير فليصبر على الرّياضات والبلايا وليتسلّ عن الجزع فى المتاعب {فِي ٱلأَرْضِ} ارض مصر ما جاوزها كما فى الخبر {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ} لتسلّطه على جميعها بل كون الجميع ملكها حقيقةً وان كان اودعها مّلاكها السّابقة كما سبق {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} جواب سؤالٍ كأنّه قيل: لم كان ذلك التّمكين؟ - فأجاب بأنّ فعلنا لا يسأل عنه ولأنّه كان محسناً.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف} ثم بيَّن تعالى أنه لما تمكن يوسف بمصر وأضار الناس الجوع وقصدوا مصر فنزل بآل يعقوب ما نزل بالناس، فأرسل يعقوب بنيه إلى مصر وهم عشرة لأنه أمسك عنده بنيامين {فعرفهم وهم له منكرون}، قيل: أنكروه لطول ما يعهد لأن ما بين الوقت الذي فارقوه وبين وقت دخولهم عليه أربعين سنة، وقيل: إنه تزيّا زينة الملك جالساً على السرير وفي عنقه طوق من ذهب، وقيل: كان بينه وبينهم ستراً {ولما جهزهم بجهازهم} أي أصلحهم بعدتهم وهي عدة السفر من الزاد وما يحتاج إليه المسافرون {قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم} لا بد من مقدمة، روي أنه لما رآهم وكلمهم قال لهم: أخبروني من أنتم وما شأنكم؟ قالوا: نحن قوم من أهل الشام، أصابنا الجهد فجئنا نمتار، قال: لعلكم عيونا تنظرون عورات بلادي، قالوا: معاذ الله نحن أخوة بنو أب واحد وهو شيخ صدِّيق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب، قال: كم أنتم. قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد، قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون وأن الذي تقولون حق؟ قالوا: ما نعرف أحداً، قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة وأتوني باخيكم من أبيكم وهو يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف، فخلفوه عنده، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم، وقوله: {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون} يعني داري ولا بلادي {قالوا سنراود عنه} الآية {وقال يوسف لفتيانه اجعلوا} أي عبيده وغلمانه اجعلوا {بضاعتهم} أي ثمن طعامهم وما كانوا جاؤوا به. {في رحالهم} وفي أوعيتهم {لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون} وروي أنها كانت بضاعتهم النعال والأدم، قيل: لم يرض الكريم أن يأخذ من أبيه وأخوته ثمناً، وقيل: علم أن ديانتهم تحملهم على رد البضاعة فيرجعوا لأجلها، وقيل: معناه لعلهم يرجعون لعلهم يردونها {فلما رجعوا إلى أبيهم} وفيه إضمار تقديره لما رجعوا من مصر إلى يعقوب {قالوا يا أبانا منع منا الكيل} يعني لما رجعوا إلى يعقوب، قالوا: قدمنا على خير رجل أكرمنا كرامة لو كان من ذلك يعقوب ما أكرمنا مثله، ثم قال: أين شمعون؟ قالوا: ارتهنه ملك مصر، وأخبروه بالقصة فقال: ولم أخبرتموه؟ قالوا: قال: إنكم جواسيس، وقصّوا القصة، وقالوا: يا أبانا منع منا الكيل إن لم نأت بأخينا لقوله: {فلا كيل لكم عندي ولا تقربون} {فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون} {قال هل آمنكم عليه} الآية يعني حفظ الله بنيامين خير من حفظكم {ولما فتحوا متاعهم} يعني ما حملوه من مصر، وقيل: أوعية الطعام {وجدوا بضاعتهم ردت اليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا} يعني أي شيء نطلب وراء هذا أوفى لنا الكيل وردّ علينا الثمن وأرادوا أن تطيب نفس يعقوب فيبعث بابنه معهم، وقوله: {ونمير أهلنا} أي نطلب الميرة {ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير} أي نزداد مع أحمالنا حمل بعير لأجله {ذلك كيل يسير} اي ذلك مكيل قليل لا يكفينا، يعني ما يكال لهم فأرادوا أن يزدادوا إليه ما يكال لأخيهم، وقيل: ذلك كيل يسير أي ذلك الكيل شيء يسير عند الملك، سهل عليه لا يتعاظمه، وقيل: هو من كلام يعقوب وإن حمل بعير واحد شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد، ولما رأى يعقوب (عليه السلام) ردّ البضاعة وتحقق إكرام الملك لهم عزم على إرسال ابنه معهم {قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله} أي تعطون ما أثق به من يمين أو غيرها من الله، أي بإشهاد الله تعالى والقسم بالله وعهده، وقيل: تحلفون لي بخاتم النبيين وسيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {لتأتنّني به إلاَّ أن يحاط بكم} أي إلاّ أن تهلكوا جميعاً {فلما آتوه موثقهم} أعطوه عهدهم ويمينهم {قال الله على ما نقول وكيل} أي شاهد وحافظ بالوفاء وكيل كفيل، وقيل: لما قال يعقوب {فالله خير حافظاً} {والله على ما نقول وكيل} قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لأردّن عليك كلاهما بعد ما توكلت علي {وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} ولما عزم يعقوب (عليه السلام) على إرسال ابنه معهم أوصاهم كيف يدخلون مصر، فقال سبحانه حاكياً عنه: {يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة}، قيل: خاف عليهم العين لأنهم كانوا ذا جمال وهيئة وكمال وهم أخوة ولد رجل واحد، وقيل: خاف عليهم حسد الناس وأن يبلغ الملك قوتهم وبطشهم، فيحبسهم عنده أو يقتلهم خوفاً على ملكه {وما أغني عنكم من الله من شيء} يعني ان ما يريد الله بكم لا ينفع فيه الاحتياط، ومنه قيل: إذا جاء القدر لم ينفع الحذر {إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون} أي فوضت أمري إليه وكذلك يفعل من توكل عليه.

الهواري

تفسير : قوله: { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ} أي: أرض مصر { يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} [أي: ينزل منها حيث يشاء] وإنما كان ذلك لتمكين الله له وعطيته إياه. { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ} يعني النبوة. {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ}. قال: { وَلأَجْرُ الأَخِرَةِ} أي: الجنة { خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} يعني ما يعطي الله في الآخرة أولياءَه خير من الدنيا. قوله: { وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} أي: من أبيه { فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} فأكرمهم وأنزلهم. {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} أي: من الميرة { قَالَ ائتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ} يعني أخاه، وكان أصغرهم كلّهم. قال بعضهم: هو بنيامين، وهو أخو يوسف من أبيه وأمه. قال: { أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيَ أُوفِي الكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ المُنزِلِينَ} أي: خير المضيفين، أي: خير من يضيف بمصر. وقد رأوا ذلك؛ إنه قد أحسن نزلهم وأكرمهم [لما] عرف أنهم إخوته ولم يعرفوه. قال: { فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلاَ تَقْرَبُونَ} يعني إذا رجعوا. { قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} أي: ليرسله معنا { وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ}. {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ} يعني غلمانه { اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ} أي: دراهمهم في متاعهم {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. أي: لكي يرجعوا إليّ. يقول: هو أحرى أن يرجعوا إذا رُدت عليهم بضاعتهم.

اطفيش

تفسير : {وكَذلكَ مَكَّنَّا ليُوسفَ} قال أبو البقاء: اللام زائدة فى المفعول به أو أصل، والمفعول محذوف أى مكنا الأمور ليوسف {فى الأرْضِ} أرض مصر، وكانت أربعين فرسخا فى كل جهة {يتَبَّؤأ} يتخذ لنفسه {مِنْها} نعتا لمفعول محذوف، أى يتخذ منزلا ثابتا منها، أو يتلو بمعنى ينزل، ومنها نعت لظرف محذوف أى منزلا منها أو من بمعنى فى. {حَيثُ يَشاءُ} متعلق {يتبوّأ} أو نعت ثان للمحذوف، أو حال منه، أو من ضميره المستتر فى الجار والمجرور، وقرأ ابن كثير نشاء بالنون، وذلك التبؤُّؤ تفسير للتمكين. قال فى عرائس القرآن: روى سفيان عن عبد الملك بن المنذر، أن الملك قال ليوسف: إنى أريد أن تخالطنى فى كل شئ، غير أنى أحب أن لا تأكل معنى، قال يوسف: أنا أحق لأن أقف عن ذلك، لأنى ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، فصار بعد ذلك يأكل معه. قال ابن عباس: فلما مضى ليوسف سنة من يوم سؤاله الإمارة دعاه الملك فتوَّجه رداءَهُ وقلده بسيفه، وأمر له بسرير من ذهب مكلل بالدر والياقوت، وضرب له عليه حلة من الإستبرق، وطول السرير ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرة أذرع، وعليه ثلاثون فراشا، وستون نمرقة، ثم أمره أن يخرج متوجا، ولونه كالثلج، ووجه كالقمر الناظر، ووجهه يتلألأ نورا. فانطلق حتى جلس على السرير، ودانت له الملوك، ولزم الملك، بيته، وفوض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عما كان عليه، وجعل يوسف مكانه، ثم مات قطفير فى تلك الليالى، فزوج الملك يوسف امرأته زليخا، ويقال لها: راعيل على ما مر، ولما دخل عليها قال: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ قالت: أيها الملك الصديق لا تلمنى فإنى امرأة مشركة حسناء ناعمة، فى مُلْك ودنيا، وكان صاحبى لا يأتى النساء، وكنت كما جعلك فى صورتك، وهيئتك، وغلبتى نفسى وعصمك الله، وافتضها يوسف إذ وجدها عذراء، وولدت له ذكرين: أفرايتم وميشا، واستوثق ليوسف أرض مصر، وأقام العدل، وأحبه الرجال والنساء ا هـ. وتيقنوا أن لا ملك مثله، وقيل: إن قطفير مات قبل خروج يوسف من السجن، وزوجه الملك امرأته بعد خروجه، وقيل: إنه تزوجها بعد أن كبرت وافتقرت على ما يأتى إن شاء الله، وأسلم على يده الملك وكثير من الناس. وروى أنه لما قال:{أية : اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم}تفسير : قال: صدقت إنى لا أعلم أحداً أولى بذلك منك، فخذ هذا الخاتم والتاج والسرير، فيهن يقوم ملكى، ويشتد أمرى، فلعمرى أن الذى أعطاك إلهك، وشرفك به ليسير فى حقك، وقليل فى خطرك، فأنت الذى تحمل أهل مصر. فقال يوسف: أما الخاتم فأشد به أمرك، وأما السرير فأظهر به سلطانك، وأما التاج فليس من لباسى ولا من لباس آبائى، وفى رواية: أما السرير فأشد به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، ولما لم يقبل يوسف عنه التاج قال: إن لم تلبسه فأنا أضعه عن رأسى حتى يعلم الناس أنى قد وضعته إجلالا لك، وأنى فضلتك على نفسى، وآثرتك بسلطانى، ثم قال: رضينا بك، وسمعنا كلامك، وأقررنا بعلمك وشرفك، فالحكم حكمك، والقول قولك: والأمر أمرك، وأنت المقدم، ونحن تبع لك سامعون مطيعون، وقد وليتك مملكتى أربع عشرة سنة، قدر أيام السعة والضيق، وإذا مضت هذه المدة رددت علىَّ مملكتى، وتكون أعز أهل مملكتى، لا أمَنعك شيئا تريده، ولا حكما تنفذه، ودخل على ذلك الشرط. ولما طلع هلال أول ليلة من السنين الصالحة، جمع يوسف أهل مصر دانيها وقاصيها، وأمرهم أن يصلحوا الأرض، ويعمروها بالحرث، ولا يتركوا منها شيئا، فأنبت الله عز وجل زرعهم فوق العادة، وظهر فيه النماء والصلاح، حتى تعجب الناس من ذلك، وأمر ببناء المخازن وحفرها، فبنوا مما لا يعلم عدده إلا الله فى كل سنة، قيل: طول كل مخزن مائة وستون ذراعا بنيت بالصخر، ليس فيها خشب، بعضها للبيع، وبعضها للصدقة، ورزعوا بطون الأودية رءوس الجبال، فما زالت الغلات تنقل إلى الخزائن من جميع المدائن، فيجتمع فيها، وينفق على أهل البيت بقدر حاجتهم. وكان النيل يفيض كل سنة فيضا عاما شاملا، ولما طلع أول هلال من شهور سنين القحط، أوحى الله تعالى إلى جبريل عليه السلام فى الثلث الأخير من تلك الليلة: يا جبريل أما تنظر إلى عبدى وإمائى، يأكلون رزقى، ويعبدون غيرى، اهبط فإنى قد سلطت عليهم القحط والجوع سبع سنين، فهبط وصاح من الهوى: يا أهل مصر جوعوا فإن الله جل جلاله قد سلط عليكم الجوع، فانتبه الرجال والنساء والصبيان من منامهم، وكلهم يصيح الجوع الجوع، فكانوا يجوعون قبل أوان الجوع، ويأكلون من الطعام فوق الحاجة، ويسرع اليهم الجوع قبل الميعاد مع عدم الطعام، حتى لا تكون لهم حاجة سواه. وروى أن أول من أصابه الجوع الملك، وانتبه ينادى بالجوع، وكان قد أمر الخبازين أن لا يفتروا عن الخبز ليلا ونهار، وكان من قضاء الله أن غفلوا تلك الليلة ولم يخبزوا شيئا، فدعا الملك يوسف وشكا إليه شدة الجوع، فجعل يوسف يده على بطنه، ودعا له فسكن ما به، وقال: هذا أول القحط، واحتبس القطر، وتعقمت الأرض، وأذن مؤذن يوسف فى الناس أن لا يزرعوا شيئا حتى تنقضى سبع السنين، فإنه يضيع بذركم ولا ينبت شيئا، وفرغ الطعام من بيوت الناس حتى لم يبق ببيت من بيوت مصر ونواحيها طعام، فأصبحا متحرين لهفين، لأنهم شاهدوا أمرا لا يستطيعون دفعه بحيله. ففتح يوسف الأبواب، وجعل عليها الأمناء، وأهل الإحصاء، ونادى مناديه: ألا من أراد الميرة وشراء الطعام فليصل إلى باب الصديق. فاشتروا منه فى السنة الأولى بما كان فى أيديهم من الدراهم والدنانير، والذهب والفضة، حتى لم يبق عند أهل مصر دينار ولا درهم، ولا ذهب ولا فضة. وفى الثانية فما فى بيوتهم من الأثاث والفرش والأوانى. وفى الثالثة بالحلى والجواهر واللؤلؤ. وفى الرابعة بالمواشى. وفى الخامسة بالدور والحوانيت والضياع. وفى السادسة بنسائهم وبنيهم وبناتهم. وفى السابعة برقابهم. وقيل: فى الثالثة بالمواشى، وفى الرابعة بالعبيد والجوارى، وفى الخامسة بالدور والحوانيه والضياع، وفى السادسة بأولادهم، وفى السابعة برقابهم. قال كعب: أصاب الناس فى السنة السابعة شدة حتى أن الرجل يأتى يوسف فيبيع نفسه له بملء بطنه، فلما تملكهم صار ينفق عليهم على مراتبهم، وكان يأكل خبز الشعير ولا يشبع منه، فقيل له: لِمَ وبيدك الخزائن؟ فقال: أخاف أن أنسى الجائع إن شبعت وتلذذت بالطعام. وروى أنه أمر طباخى الملك أن يجعلوا غداءه نصف النهار ليذوق طعم الجوع فلا ينسى الجائع، وليحسن إلى المحتاجين، فمن ثم جعل للملوك غداءهم نصف النهار، وما زال يتلطف بالملك حتى أسلم هو وكثير، وخاف الملك فى السابعة أن يتعبده يوسف، ثم تذكر ماعهده يوسف من رد ملكه بعد أربع عشرة سنة، فقال: حاشاه أن يقدر. وقال يوسف: ما رأيك أيها الملك فيما خولنى ربى من ملك مصر، وملكنى رقاب أهلها، أشر على برأيك؟ فقال: رأيك فيهم نافذ، وحكمك جائز، فقال: أيها الملك ما صلحتهم لأفسدهم، ولا أعتقتهم من الموت لأستعبدهم، ولا أنقذتهم من الجوع لأضربهم، ولا أنجيتهم من البلاء لأكون عليهم بلاء، ولم أحيهم ولكن الله أحياهم وإياى. فقال: يا يوسف وأنا أيضا عبد من عبيدك، ولا أتكبر عن ذلك. فقال يوسف: أتقول هذا؟ قال: هل الرأى إلا ذلك؟ قال يوسف: فإنى أشهد الله وأشهدك أنى أعتقت أهل مصر كلهم، وتصدقت عليهم بجميع أموالهم، ورددت عليك ملكك وتاجك، وسريرك وخاتمك الذى تزعم أنه حظى وجمالى. فقال له الملك: جزاك الله عنا خيرا إنى أعلم أن هذا صنيع إله الأرض والسماء، فما على وجه الأرض من يصنع ما صنعت، ويصبر كما صبرت، بارك الله فى عملك وعقلك، وأنا على عهدى لا أرد لك حكما. ونسمع ونطيع. وحكى أن الشبلى أظهر بيتا من ذهب فى أصل جبل عليه مصراعان، وفيه امرأة فى عنقها سبعة عقود، وفى ذراعها سبعة أسورة، وإلى جانبها صخرة مكتوب فيها: أنا صارت الملكة بنت فلان الملك، أصابنا مجاعة فى عهد يوسف عليه السلام، فبذلت صاعا من دراهم فى صاع من طعام فلم أجد، ثم بذلت صاعا من دنانير فى صاع من طعام فلم أجد، ثم بذلت صاعا من لؤلؤ فى صاع من طعام فلم أجد، فعمدت إلى اللؤلؤ فسحقته وشربته، فلم يزدنى إلا جوعا، فمت جوعا، فأيما امرأة طلبت الدنيا مثلى أماتها الله ميتتى. وفى رواية أن العزيز توفى ويوسف فى السجن، فأخذ الملك ما بيده من الأموال، وافتقرت زليخا، وهرمت وعميت، أما فقرها فلأنها لم تلتفت لمالها لما بها من حب يوسف، ولا تبالى بمن أخذه، وأما هرمها فلغفلتها عن الطعام والشراب واللباس، وأما عماها فلكثرة بكائها. وروى انها هربت لما ولى يوسف مصر لئلا يقتلها بما فعلت به، وروى أنه نسبها وعميت وافتقرت، وكانت فى بيت عجوز خمسا وعشرين سنة. وروى أنها افتقرت فى أول سنين الشدة وكانت قد بنت بيتا على قارعة الطريق التى يمشى منها يوسف عليه السلام، وكان يركب ويدور فى عمله، وينصف المظلوم من الظالم، ووإذا ركب صهل فرسه فتبلغ صهلته أهل المدينة بأسرها قريبها وبعيدها، فيركبون ويأتون إلى قصره أسرع من طرفة عين، ويركب لركوبة مائتا ألف عن يمينه ومائتا ألف عن يساره، ومائتا ألف أمامه، ومائتا ألف خلفه، وبين يديه ألف سياف، فلا يمره بأحد إلا قال: لقد أكرم الله هذا العبد، وأتاه ملكا عظيما. وكانت زليخا تشد وسطها بحبل من ليف، وتلبس جبة من صوف، وتقف على قارعة الطريق، فإذا جاز عليها يوسف عليه السلام تناديه فلا يسمع نداءها، ولا يذكرها أحد بين يديه، فأقبلت على صنمها فكسرته، فقال: ما أراك تغنى عنى شيئا، وكانت تقول لخادمتها: قفى بى على طريق يوسف كى يصيبنى غبار عسكره، ثم أسلمت وحسن إسلامها، وقالت: لعلى ألقى يوسف عليه السلام حتى يعرف بإسلامى، فيتعطف علىَّ الآن، لأن إلهه كريم، ومحبته قد دخلت [قلبى] وقالت لامرأة مصرية كانت تخدمها: خذى بيدى وأوقفينى على قارعة الطريق، فإذا دنا يوسف منى فأخبرينى، فلما دنا منها أخبرتها فنادت يوسف فلم يجبها ولم يلتفت إليها، فنزل جبريل عليه السلام، وأخذ بزمام بغلته، وقال له: يا يوسف انزل وأجب هذه المرأة، قال له: ومن هى يا جبريل؟ قال له: انزل واسألها من هى، فقد أسلمت وحسن إسلامها. فنزل وقال لها: من أنت؟ قالت له: يا يوسف كأنك ما عرفتنى، ما أسرع ما أنكرتنى وكشفت رأسها، وذرت عليه التراب وقالت: وافوت عمرى حين أحببت من لا يعرفنى، يا يوسف إن الطاعة والمعرفة تصيران العبيد ملوكا، والمعصية تصير الملوك عبيدا أنا زليخا التى خدمتك بروحى وجميع جوارحى، فتحير من ضعفها وهرمها، لأنه لم يعلم أنها فى الحياة فدخل حبها قلبه لما أخبره جبريل عليه السلام بإسلامها، فرق عليها، وبكى رحمة لها. فقال له جبريل عليه السلام: إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: اقض حاجتها. فقال لها عند ذلك يوسف عليه السلام: ما حاجتك يا زليخا؟ قالت له: أردت أن أكون فى دارك لعلى أعيش بكلامك إذا سمعته، فما أوصلنى إلى هذه الحال إلا غيبتى عنك، فقال لها: أتريدين أن تكونى لى زوجة؟ فقالت له: أتهزأ بى، فما نظرت إلىَّ وقت حسنى وجمالى، وقدى واعتدالى، أتنظر إلىَّ اليوم، والله لقد كنت طامعة فى ذلك لرؤيا رأيتها، إذا بها إضغاث أحلام، وما أريد إلا أن يرجع إلىَّ بصرى كى أنظر إلى وجهك نظرة، وتعلمنى شرائع الإسلام حتى أعبد ربك الكريم، وحقه لقد أحببته. فقال لها: يا زليخا أتعلمين أنى أهزأ؟ قالت: لا والله الذى لا إله إله هو، قال: فإنى ربى يقول لى، على لسان ملك نزل من السماء: إن كانت عجوزا أجعلها جارية عذراء، وإن كانت عمياء أجعلها بصيرة، وإن كانت فقيرة أجعلها غنية، لأنها كانت تحب من يحبها. فقالت: يا يوسف لا شئ أحب إلى قلبى مما ذكرت لى، فحملها إلى قصره بعد ما مسح عليها جبريل عليه السلام بجناحه، فصارت حوراء تخجل البدر، لها عينان كحلاوان، كأنهما لؤلؤ مكنون، قد ألبسها الله بجمال أهل الجنة، وانقلبت المحبة إلى قلب يوسف عليه السلام، وافتتنت هى بحب الله عز وجل، فعمل لها عرسا كبيرا، وزفت إليه، وغلقت الأبواب على نفسها، واستحيت أن تجعل مع الله شريكا فى قلبها، وأن تشتغل بغيره لما نالها من حبه، واشتغلت بعبادته. ولما انتصف الليل جاء يوسف عليه السلام، وقرع عليها الباب فقالت له: يا يوسف تغيرت المسألة، ووجدت من هو خير منك، فكسر يوسف عليه السلام الباب، ودخل عليها، فتعلق بها، فهربت منه، فمزق قميصها، فنزل جبريل عليه السلام وقال له: يا يوسف ليس هناك جدال ولا قتال، محبة بمحبة، وعشق بعشق، وطلب بطلب، وهرب بهرب، وتمزيق بتمزيق، ولكن أخبرها عن الله عز وجل أن رضاه فى رضاك، وطاعته فى طاعتك، فأخبرها بذلك. ففرحت وقالت: الآن قد طابت نفسى، وكملت والله مسرتى، وفرح قلبى، وانشرح صدرى، ولما دخل عليها تعجب من حسنها وجمالها فقال لها: ما هذه الصورة البهية المليحة السنية؟ فقالت له زليخا: قد كنت ترانى منذ تسع سنين وما تعجبت منى قط، قال لها: يا زليخا والله ما ملأت عينى منك قط، قالت: ولم ذلك؟ قال لها: لأنه لا يحل لى أن أنظر إلى ما ليس لى. قالت: يا يوسف وحق الذى فى السماء عرشه، لقد بقيت مع العزيز من يوم رفعت إليه إلى أن مات وما مستنى بشرته، ولا أعلم أنى ذكر أم أنثى، ولا هممت بأحد غيرك. قال لها: يا زليخا أنت الآن بكر عذراء، قالت له: نعم أيها الصديق كما خرجت من بطن أمى، فقال يوسف عليه السلام: الله أكبر هذا من فضل ربى. وعلم يوسف عند ذلك أن الله تبارك وتعالى كان يحفظها له، وكتبها له فى الأزل، فحمد الله وشكره، وولدت له اثنى عشر ذكرا كلهم أنبياء مرسلون، وفى رواية أخرى، وهى التى سبقت فى حفظى: أن الله سبحانه وتعالى سلط على أموالها الفناء، ومات العزيز، وافتقرت افتقارا شديدا، وذهب بصرها وصارت تتكفف الناس، فقيل لها: لو تعرضت للملك لرحمك وأعانك بشئ يغنيك عن الناس، ثم قيل لها: لا تفعلى فربما تذكر مافعلت به من المراودة والسجن، فيعاقبك، فقالت: هيهات أنا أعلم بحبيبى منكم، وإن من خلقه الصفح. ثم نهضت وجلست على ربوة فى طريقه، وكان يركب يوما فى الجمعة، وتركب معه العظماء والوزراء وأرباب دولته، وتركب معه ألوف كما مر، ولما أحست به نادت بأعلى صوتها: سبحان من جعل العبيد ملوكا بطاعتهم، وجعل الملوك عبيدا بمعصيتهم، فأمسك العنان ونظر إليها فقال: من أنت؟ قالت: أنا التى كنت أخدمك دهرى على خدى وقدمى، وأرجِّل جمتك بيدى، وأبذل فى خدمتك جهدى، وكان منى ما كان، وقد ذقت وباله، ولقيت نكاله، فذهب مالى، وتغير حالى، وصرت أسأل الناس، فمنهم من يرحمنى، ومنهم من لا يرحمنى، وهذا جزاء المفسدين. فبكى شفقة عليها، ثم قال: هل بقى فى قلبك شئ مما كان؟ فقالت:: والله لنظرة منك أحب إلى من الدنيا وما فيها، ثم قالت: ناولنى سوطك، فناولها فوضعته على صدرها، فوجد من طرف السوط فى يده ارتعادا فقالت: يا نبى الله هو كما ترى، فجاوزها باكيا، ثم بعث إليها رسولا يقول لها: يقول لك الملك: إن كنت أيما تزوجناك، وإن كنت ذات بعل أغنيناك. فقالت: إليك عنى يا عبد الله، فإن الملك أعرف بالله من أن يستهزئ بى، لم يلتفت إلى زمان شبابى وجمالى وغناى، فكيف يلتفت إلىَّ الآن، فأخبر يوسف بما قالت. وتعرضت له فى الربوة فى الأسبوع الثانى، ونادت كالنداء الأول، فقال لها: ألم يبلغك رسولى، وقال لك ما قال، فما ترين؟ قالت: ألم أقل لك إن نظرة إليك أحب إلىَّ من الدنيا وما فيها، فأمر بحلمها إلى قصره، وأحضر الشهود وتزوجها، فلما زفت إليه، وأدخلت عليه، نظر إليها فزاد شفقة عليها، فصلى ودعا بالاسم الأعظم، فرد الله عليها جمالها، فكانت كهيئة يوم راودته، فلما نظرت إليه دون رقيب دخل قلبها الوجيب، ودلها لما رأته على السميع المجيب. وقيل: بل رد الله عليها شبابها بعد وصول يعقوب ليوسف، وارتداده بصيرا، سارت إليه ووقفت بين يديه وقالت: أنت رئيس الصابرين، وإمام المحزونين، فتصدق على الممحنة بقميص يزيل وصبها، فأعطاها منه خيطا وهو القميص الذى كساه الله إبراهيم من الجنة، حين ألقى فى النار، فمرت به على وجهها وجسدها، فرد الله بصرها وشبابها، وتعرضت للصديق كهيئتها يوم راودته، فدعاها إلى الإسلام فأسلمت، فلما زفت إليه استأذنته أن تصلى لله صلاة تشكره على ما وهبها من نعمة، فأذن لها فاستطابت حلاوة المناجاة، فطال على يوسف انتظارها، فدعاها إليه فلم تجبه، فدعاها ثانية فلم تجبه فجذبها من خلفها، فقد قميصها من دبر وواقعها ووجدها عذارء. {نُصيبُ بِرحْمتنَا مَنْ نَشاءُ} فى الدنيا والآخرة كالنبوة والتوفيق والملك والمال {ولا نُضيعُ أجْر المحْسِنينَ} بل نثيبهم عاجلا وآجلا، وعن ابن عباس: المحسنون هنا الصابرون، ومن إحسان يوسف الصبر وحب الضيف، وكان لا يأكل إلا مع الضيف.

الالوسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي مثل التمكين البديع {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ } أي جعلنا له مكاناً {فِى ٱلأَرْضِ } أي أرض مصر، روى أنها كانت أربعين فرسخاً في أربعين، وفي التعبير عن الجعل المذكور بالتمكين في الأرض مسنداً إلى ضميره تعالى من تشريفه عليه السلام والمبالغة في كمال ولايته والإشارة إلى حصول ذلك من أول الأمر لا أنه حصل بعد السؤال ما لا يخفى، واللام في {لِيُوسُفَ } على ما زعم أبو البقاء يجوز أن تكون زائدة أي مكنا يوسف وأن لا تكون كذلك والمفعول محذوف أي مكنا له الأمور، وقد مر لك ما يتضح منه الحق {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا} ينزل من قطعها وبلادها {حَيْثُ يَشَاء} ظرف ليتبوأ، وجوز أن يكون مفعولاً به كما في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام:124] و {مِنْهَا } متعلق بما عنده، وقيل: بمحذوف وقع حالاً من {حَيْثُ} وتعقب بأن {حَيْثُ} لا يتم إلا بالمضاف إليه وتقديم الحال على المضاف إليه لا يجوز، والجملة في موضع الحال من يوسف وضمير {يَشَاء } له، وجوز أن يكون لله تعالى ففيه التفات، ويؤيده أنه قرأ ابن كثير والحسن وبخلاف عنهم أبو جعفر وشيبة ونافع {نَشَاء } بالنون فإن الضمير على ذلك لله تعالى قطعاً. {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا } بنعمتنا وعطائنا في الدنيا من الملك والغنى وغيرهما من النعم، وقيل: المراد بالرحمة النبوة وليس بذاك {مَّن نَّشَاء } بمقتضى الحكمة الداعية للمشيئة {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } بل نوفي لهم أجورهم في الدنيا لإحسانهم، والمراد به على ما قيل: الإيمان والثبات على التقوى فإن قوله سبحانه: { وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ...}

ابن عاشور

تفسير : تقدم تفسير آية {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} آنفاً. والتبوؤ: اتخاذ مكان للبوء، أي الرجوع، فمعنى التبوؤ النزول والإقامة. وتقدم في قوله تعالى: { أية : أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا } تفسير : في [سورة يونس: 87]. وقوله: {يتبوأ منها حيث يشاء} كناية عن تصرفه في جميع مملكة مصر فهو عند حلوله بمكان من المملكة لو شاء أن يحل بغيره لفعل، فجملة {يتبوأ} يجوز أن تكون حالاً من {يوسف}، ويجوز أن تكون بياناً لجملة {مكنا ليوسف في الأرض}. وقرأ الجمهور {حيث يشاء} ــــ بياء الغيبة ــــ وقرأ ابن كثير {حيث نشاء} ــــ بنون العظمة ــــ، أي حيث يشاء الله، أي حيث نأمره أو نلهمه. والمعنى متحد لأنه لا يشاء إلا ما شاءه الله. وجملة {نصيب برحمتنا من نشاء} إلى آخرها تذييل لمناسبة عمومه لخصوص ما أصاب يوسف ــــ عليه السلام ــــ من الرحمة في أحواله في الدنيا وما كان له من مواقف الإحسان التي كان ما أعطيه من النعم وشرف المنزلة جزاء لها في الدنيا، لأن الله لا يضيع أجر المحسنين. ولأجره في الآخرة خير من ذلك له ولكل من آمن واتقى. والتعبير في جانب الإيمان بصيغة الماضي وفي جانب التقوى بصيغة المضارع، لأن الإيمان عقد القلب الجازم فهو حاصل دفعة واحدة وأما التقوى فهي متجددة بتجدّد أسباب الأمر والنهي واختلاف الأعمال والأزمان.

د. أسعد حومد

تفسير : (56) - وَقَدْ قَبِلَ المَلِكُ عَرْضَ يُوسُفَ، فَجَعَلَهُ المَلِكُ وَزِيراً. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ مَكَّنَ بِذَلِكَ لِيُوسُفَ فِي أَرْضِ مِصْرَ، يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَإِنَّهُ تَعَالَى يُصِيبُ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَلا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ، الذِينَ أَحْسَنُوا العَمَلَ، وَإِنَّهُ لَمْ يُضِعْ صَبْرَ يُوسُفَ عَلَى أَذَى إِخْوَتِهِ، وَصَبْرَهُ فِي السِّجْنِ. يَتَبَوَّأُ مِنْهَا - يَتَّخِذُ مِنْهَا مَبَاءَةً وَمَنْزِلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا كان تمكين الله ليوسف عليه السلام في الأرض، بحيث أدار شئون مصر بصورة حازمة؛ عادلة؛ فلما جاء الجدب؛ لم يَأتِهَا وحدها؛ بل عَمَّ البلاد التي حولها. بدليل أن هناك أُنَاساً من بلاد أخرى لجئوا يطلبون رزقهم منها؛ والمثل: إخوة يوسف الذين جاءوا من الشام يطلبون طعاماً لهم ولمن ينتظرهم في بلادهم، فهذا دليل على أن رُقْعة الشدة كانت شاسعة. وقول الحق سبحانه: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ..} [يوسف: 56]. نفهم منه أنه جعل لنفسه بيتاً في أكثر من مكان؛ ولا يَظُنَّن ظَانٌّ أن هذا لَوْنٌ من اتساع أماكن التَّرَف. لكن: لماذا لا ننظر إليها بعيون تكشف حقيقة رجال الإدارة في بعض البلاد؛ فما أنْ يعلموا بوجود بيت للحاكم في منطقة ما؛ وقد يزوره؛ فهم يعتنون بكل المنطقة التي يقع فيها هذا البيت. وهذا ما نراه في حياتنا المعاصرة، فحين يزور الحاكم منطقة ما فَهُمْ يُعيدون رَصْف الشوارع؛ ويصلحون المرافق؛ وقد يُحضِرون أُصَص الزرع ليُجمِّلوا المكان. فما بَالُك إنْ عَلِموا بوجود بيت للحاكم في مكان ما؟ لا بُدَّ أنهم سَيُوالون العناية بكل التفاصيل المتعلقة بالمرافق في هذا الموقع. إذن: فقول الحق سبحانه هنا عن يوسف عليه السلام: {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ..} [يوسف: 56]. يعني: شُيوع العناية بالخدمات لكل الذين يسكنون في هذا البلد؛ فلا تأخذ الأمر على أنه تَرَف وشَرَف، بل خُذْ هذا القول على أنه تكليف سينتفع به المُحيطون، سواء كانوا مقصودين به أو غير مقصودين. وتلك لقطة توضح أن التبُّوء حيث يشاء ليس رحمةً به فقط؛ ولكنه رحمةٌ بالناس أيضاً. ولذلك يقول الحق سبحانه في نفس الآية: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ ..} [يوسف: 56]. فَمَنْ كان يحيا بلا مياه صالحة للشرب ستصله المياه النقية؛ ومَنْ كان يشقى من أجل أن يعيش في مكان مُريح ستتحول المنطقة التي يسكن فيها إلى مكان مُريح به كل مُستلزمات العصر الذي يحيا فيه. فيوسف المُمكّن في الأرض له مسكن مجاور له؛ وسيجد العناية من قِبَل الجهاز الإداري حيثما ذهب، وتغمر العناية الجميع، رحمة من الله له، وللناس من حوله. ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56]. والمُحْسِن هو الذي يصنع شيئاً فوق ما طُلب منه. وهنا سنجد الإحسان يُنسب ليوسف؛ لأنه حين أقام لنفسه بيتاً في أكثر من مكان؛ فقد أحسن إلى أهل الأمكنة التي له فيها بيوت؛ بارتفاع مستوى الخدمة في المرافق وغيرها. وسبحانه يجازي المحسنين بكمال وتمام الأجر، وقد كافأ يوسف عليه السلام بالتمكين مع محبة من تولَّى أمرهم. ويتابع الحق سبحانه: {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ ...}.