١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
57
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلأَجْرُ ٱلأَخِرَةِ خَيْرٌ } من أجر الدنيا {لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } ودخلت سِنُو القحط وأصاب أرض كنعان والشام.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلأَجْرُ الأَخِرَةِ خَيْرٌ} من أجر الدنيا لأنه دائم وأجر الدنيا منقطع، أو خير ليوسف من التشاغل بملك الدنيا لما فيه من التبعة.
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا مما يستعظمه الناس في الدنيا، وكان عزها لا يعد في الحقيقة إلا إن كان موصولاً بنعيم الآخرة، نبه على ما له في الآخرة مما لا يعد هذا في جنبه شيئاً، فقال مؤكداً لتكذيب الكفرة بذلك: {ولأجر الآخرة خير} ولما كان سياق الأحكام على وجه عام لتعليقها بأوصاف يكون السياق مرغوباً فيها أو مرهباً منها أحسن وأبلغ، قال: {للذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف {وكانوا} أي بجبلاتهم {يتقون *} أي يوجدون الخوف من الله واتخاذ الوقايات منه إيجاداً مستمراً، وهو من أجلهم حظاً وأعلاهم كعباً - كما تقدم بيانه مما يدل على كمال إيمانه وتقواه. ولما كان من المعلوم أن من هذه صفاته يقوم بما وليه أتم قيام وينظر فيه أحسن نظر، كان كأنه قيل: فجعله الملك على خزائن الأرض فدبرها بما أمره الله به وعلمه حتى صلح الأمر وجاء الخير وذهب الشر، وإنما طوى هذا للدلالة عليه بلوازمه من قصة إخوته التي هي المقصودة بالذات - كما سيأتي، وقد فهم من هذه القصة أن الغالب على طبع مصر الرداءة: بغض الغريب، واستذلال الضعيف، والخضوع للقوي، فإنهم أساؤوا إليه بالسجن بعد تحقق البراءة، ثم عفا عنهم وأحسن إليهم بما استبقى به مهجهم، ثم أعتقهم بعد أن استرقهم، ورد إليهم أموالهم بعد أن استأصلها بما عنده من الغلال، فجزوره على ذلك بأن استعبدوا أولاده وأولاد إخوته بعده وساموهم سوء العذاب، وأدل دليل على أن هذا طبع البلد أن بني إسرائيل لما خرجوا مع موسى عليه الصلاة والسلام وخلصهم من جميع ذلك الذل وشرفهم بما شرفهم الله به من الآيات العظام والكتاب المبين، كانوا كل قليل ينكثون مجترئين على ما لا يطاق الاجتراء عليه، وإذا أمرهم عن الله بأمر جنبوا عنه - كما مضى ذلك عن التوراة في الأعراف والبقرة وغيرهما، فعاقبهم الله بالتيه، وكان يسميهم الجيل المعوج - لما علم من سوء طباعهم، حتى مات كل من نشأ بأرض مصر، ثم صار أولادهم يمتثلون الأوامر حتى ملكوا ما وعد الله به آباءهم من البلاد، وقد ذكر ذلك في زبور داود عليه الصلاة والسلام في غير موضع، منها في المزمور الرابع والتسعين: هلموا نسجد ونركع ونخضع أمام الرب خالقنا، لأنه إلهنا ونحن شعب رعيته، وضأن ماشيته، اليوم إذا سمعتم صوته فلا تقسو قلوبكم وتسخطوه كمثل السخط يوم التجربة في البرية حيث جربني آباؤكم، فأحصوا أعمالي ونظروها، أربعين سنة مقتُّ ذلك الجيل وقلت: هو شعب في كل حين يطغون بقلوبهم، فلم يعتدوا لسلبي كما أقسمت برجزي أنهم لا يدخلون راحتي. آباؤنا بمصر لم يفهموا عجائبك، ولم يذكروا كثرة رحمتك حين أغضوك وهم صاعدون من البحر الأحمر، فنجيتهم باسمك لتظهر عجائبك، زجر البحر الأحمر فجف، أجازهم في اللجج كأنهم في البر، خلصهم من أيدي الأعداء، وأنقذهم من أيدي المبغضين، وأطلق الماء على مبغضيهم فلم يبق منهم واحد، فآمنوا بكلامه، ومجدوا بسبحته. ثم أسرعوا فنسوا أعماله، ولم ينتظروا إرادته، اشتهوا شهوة في البرية، جربوا الله حيث لا ماء، فأعطاهم سؤلهم، وأرسل شبعاً لنفوسهم، أغضبوا موسى في المعسكر وهارون قديس الرب، انفتحت الأرض، وابتلعت داثان، وانطبقت على جماعة بيرون، واشتعلت النار في محافلهم، وأحرق اللهيب الخطأة، صنعوا عجلاً في حوريب، وسجدوا للمنحوت، وبدلوا مجدهم بشبه عجل يأكل عشباً، ونسوا الله الذي نجاهم، وصنع العظائم بمصر والعجائب في أرض حام، والمهولات في البحر الأحمر، قال: إنه يهلكهم لولا موسى صفيه قام بين يديه ليصرف سخطه، لئلا يستأصلهم، ورذلوا الأرض الشهيه، ولم يؤمنوا بكلمته، وتقمقموا في مضاربهم، ولم يسمعوا قول الرب، فرفع يده عليهم ليهلكهم في البرية، ويفرق ذريتهم في الأمم، ويبددهم في البلدان، لأنهم قربوا لباعل فاغور، وأكلوا ضحايا ميتة، وأسخطوه بأعمالهم، وكثر الموت فيهم بغتة، فقام فنحاس واستغفر لهم، فارتفع الموت عنهم، فحسب ذلك برّاً لجيل بعد جيل إلى الأبد، ثم أسخطوه على ماء الخصام، وتألم موسى لأجلهم، وأغضبوا روحه، وخالفوا كلام شفتيه، ولم يستأصلوا الأمم الذين أمرهم الرب، واختلطوا بالشعوب وتعلموا أعمالهم، فكانت عِشرة لهم، ذبحوا بنيهم وبناتهم للشياطين، وضحوا لأصنام كنعان، ودنسوا الأرض بالدماء، وتنجسوا بأعمالهم، وزنوا بأفعالهم، فاشتد غضب الرب على شعبه، ورذل ميراثه، فأسلمهم في أيدي الشعوب، وسلط عليهم شناتهم، واستعبدهم أعداؤهم وخضعوا تحت أيديهم، مراراً كثيرة بجاهم، وهم يسخطونه بأفكارهم، وذلوا بسيئاتهم - انتهى؛ على أنك إذا تأملت وجدت أن الله تعالى يعلي كعب الغريب الذي يستذلونه ويحل سعده ويؤثل مجده - كما فعل بيوسف عليه الصلاة والسلام بعد السجن وببني إسرائيل بعد الاستعباد، وهو نعم المولى ونعم النصير! فليحذر الساكن بها من أن يغلب عليه طبعها فيتصف بكل ذلك من قلة الغيرة وبغض الغريب، والجرأة في الباطل استصناعاً ومداهنة، والجبن في الحق، وكمال الذل للجبارين، والمجمجة في الكلام، بأن لا يزال يتعهد نفسه بأوامر الله ويحملها على طاعته، واتباع رسوله ومحبته، والنظر في سيرته وسير أتباعه، والتعشق لذلك كله، حتى يصير له طبعاً يسلخه من طبع البلد، كما فعل عُبادها، وأهل الورع منها وزهادها - أعاذنا الله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونسأله أن يختم لنا بالصالحات، وأن يجعلنا من الذين لا خوف عليهم أبداً. ذكر ما مضى بعدما تقدم من هذه القصة من التوراة: قال: فلما كان بعد سنتين رأى فرعون رؤيا كأنه واقف على شاطىء البحر، وكأن سبع بقرات صعدن من بحر النيل حسنات المنظر سمينات اللحوم، يرعين في المرج، وكأن سبع بقرات صعدن خلفهن من النيل قبيحات المنظر وحشيات مهزولات اللحوم، فوقفن إلى جانب البقرات السمان على شاطىء النهر، فابتلع البقرات القبيحات الحسنات المنظر السمينات، فهب فرعون من سنته، ورقد أيضاً فرأى ثاني مرة كأن سبع سنبلات طلعن في قصبة واحدة ممتلئة سماناً، وكأن سبع سنبلات مهزولات ضربهن ريح السموم - وفي نسخة: القبول - نبتن بعدهن، فبلغ السنبل المهزول السبع سنبلات الممتلئات، فاستيقظ فرعون فآذته رؤياه، فلما كان بالغداة كربت نفس فرعون، فأرسل فدعا جميع السحرة وكل حكماء مصر، فقص عليهم رؤياه، فلم يوجد إنسان يفسرها لفرعون. فتكلم رئيس أصحاب الشراب بين يدي فرعون وقال: إني ذكرت يومي هذا ذنبي عند غضب فرعون على عبده، فقذفني في محبس صاحب الشرطة، فحبست أنا ورئيس الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - فرأينا جميعاً رؤيا في ليلة واحدة، رأى كل امرىء منا كتفسير رؤياه، وكان معنا هناك في الحبس فتى عبراني عند صاحب الشرطة فقصصنا عليه ففسر أحلامنا، وعبر لكل منا على قدر رؤياه، وكل الذي فسر لنا كذلك أصابنا، أما أنا فردني الملك إلى موضعي، وأما ذلك فأمر بصلبه. فأرسل فرعون فدعا يوسف عليه الصلاة والسلام، فأحضروه من السجن، فحلق شعره وغير ثيابه، ودخل فوقف بين يدي فرعون، فقال فرعون ليوسف عليه الصلاة والسلام: إني رأيت رؤيا وليس لي من يفسرها، وقد بلغني عنك أنك تسمع الرؤيا فتفسرها بأحسن تأويل! فأجاب يوسف عليه الصلاة والسلام فقال لفرعون: ألعلك تخال أني أجيب فرعون بسلام عن غير أمر الله تعالى. فقال فرعون ليوسف: إني رأيت في الرؤيا كأني واقف على شاطىء النهر، وكأن سبع بقرات طلعن من النهر حسنات المنظر سمينات اللحم، يرعين في المرج، وكأن سبع بقرات طلعن من النهر بعدهن سمجات قبيحات المنظر مهزولات اللحم جداً، لم أر على هزالها في جميع أرض مصر، فابتلعت البقرات المهزولات الضعيفات القبيحات أولئك السبع بقرات السمان، فدخلن أجوافهن، فلم يتبين دخولهن، وكأن منظرهن قبيحاً كالذي كان من قبل، فانتبهت فاضطجعت فرأيت أيضاً في الرؤيا كأن سبع سنبلات حسنات في قصبة واحدة ممتلئة سماناً حساناً، وكأن سبع سنبلات مهزولات ضربهن ريح السموم نبتن خلفهن، فابتلع السنبل المهزول الضعيف السبع سنبلات الممتلئات الحسان، فقصصت ذلك على السحرة، فلم أجد من يبين. فقال يوسف عليه الصلاة والسلام لفرعون: الرؤيا يا فرعون واحدة، أطلع الله فرعون على ما هو مزيع أن يفعله، السبع بقرات الحسان والسبع سنبلات الحسان هي سبع سنين: خير، الرؤيا واحدة، والسبع بقرات الضعيفات المهزولات اللاتي صعدان بعدهن والسبع سنبلات المهزولات اللاتي ضربها ريح السموم تكون سبع سنين: جوع، وهذا القول الذي قلت لفرعون. إن الله أظهر ما هو مزمع عتيد أن يفعله، وها هذه سبع سنين يأتي الشبع والخصب العظيم جميع أرض مصر، ويأتي بعدها سبع سنين أخر يكون فيها الجوع، وينسى جميع الشبع، والخصب الذي كان في جميع أرض مصر، فيبيد أهل الأرض من الجوع من أجل الغم الذي يأتي من بعد لكثرته وشدته، وإنما أعيدت الرؤيا لفرعون ثاني مرة، لأن الأمر معد بين يدي الرب، والله معجل فعله. والآن فلينظر فرعون رجلاً حكيماً فهماً. فيوليه أرض مصر، فيقاسم أهل مصر على الخمس في السبع السنين، فيجمعوا جميع أفقال هذه السنين الخصبة الآتية، ويخزنوا الأفقال تحت يدي فرعون، ويحفظ القمح في القرى، وليكن الفقل معداً محفوظاً لأهل مصر لسبع سني الجوع المزمع أن يكون في جميع أرض مصر، ولا يبيد أهل الأرض بالجوع. فحسن هذا القول عند فرعون وعند عبيده، فقال فرعون لقواده: هل يوجد مثل هذا الرجل الذي روح الله حالّ فيه؟ ثم قال فرعون ليوسف عليه الصلاة والسلام: إذا أطلعك الله على هذا كله، ليس أحد فهما مثلك، أنت المسلط على بيتي، وعن أمرك وقولي فيك يقبل جميع الشعب، وإنما أنا أعظم منك بالمنبر فقط، وقال فرعون ليوسف: انظر فقد وليتك جميع أرض مصر، وخلع فرعون خاتمه من خنصره، فوضعه في خنصر يوسف عليه الصلاة والسلام، وألبسه ثياب كتان، وطوقه بطوق من ذهب، وحمله على بعض مراكبه، ونادى بين يديه: هذا أب ومسلط، وسلطانه على جميع أرض مصر، ثم قال فرعون ليوسف عليه الصلاة والسلام: إني قد أمرت أن لا يكون أحد يشير بيديه أو يخطو بقدميه دون أمرك في جميع أرض مصر. ودعا فرعون اسم يوسف: موضح الخفايا، وزوجه بأسنة - وفي نسخة: بأسنات - بنت قوطفيرع إمام إسكندرية - وفي نسخة: حبر وان - فخرج يوسف عليه السلام والياً على جميع أرض مصر، وكان قد أتى على يوسف ثلاثون سنة إذ وقف بين يدي فرعون، فطاف في جميع أرض مصر. وأغلّت الأرض في جميع السبع سني الخصب، ملأ الخزائن وجمع الأقفال في القرى، جمع قمح حقول كل قرية وما أحاط بها فخزنة فيها، وخزن يوسف عليه الصلاة والسلام من الأقفال مثل كثيب - وفي نسخة: رمل البحر - كثيراً جداً حتى أعيى إحصاء ذلك فصار غير محصى. فولد ليوسف عليه الصلاة والسلام ابنان قبل دخول سنة الجوع، ولدت له أسنة - وفي نسخة: أسنات - نبت قوطيفرع حبر وان - وفي نسخة: إمام إسكندرية - فدعا يوسف عليه الصلاة والسلام اسم ابنه بكر منشا، لأنه قال: إن الله أنساني جميع تعبي - وفي نسخة: شقائي - وما كان منه في بيت أبي، وسمى الآخر أفراثيم، وقال: لأن الله كثرني في أرض تعبدي، فنفدت سنو الشبع الذي كان في أرض مصر، وبدأت سنو الجوع ليأتي كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام، فكان الجوع في جميع أرض مصر، ولم يوجد الخبز في جميع أرض مصر، فجاع جميع أهل مصر، فضج الشعب على فرعون من أجل الخبز، فقال فرعون لجميع المصريين: انطلقوا إلى يوسف عليه السلام فافعلوا جميع ما يأمركم به.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مالك بن دينار - رضي الله عنه - قال: سألت الحسن - رضي الله عنه - فقلت: يا أبا سعيد، قوله {ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} ما هي؟ قال: يا مالك، اتقوا المحارم، خمصت بطونهم. تركوا المحارم وهم يشتهونها.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولاجر الآخرة} اى اجرهم فى الآخرة فالاضافة للملابسة وهو النعيم المقيم الذى لا نفاد له {خير} لانه افضل فى نفسه واعظم وادوم {للذين آمنوا وكانوا يتقون} الكفر والفواحش [جون يوسف باحسان وتقوى ازقعر جاه تبخت وجاه رسيد] شعر : بدنيى وعقبى كسى قدر يافت كه او جانب صبر وتقوى شتافت تفسير : وفى الآية اشارة الى ان غير المؤمن المتقى لا نصيب له فى الآخرة. قال بعض العارفين لو كانت الدنيا ذهبا فانيا والآخرة خزفا باقيا لكانت الآخرة خيرا من الدنيا فكيف والدنيا خذف فان والآخرة ذهب باق. وعن ابى هريرة قال حديث : قلنا يا رسول الله مم خلق الجنة قال "من الماء" قلنا اخبرنا عن بنائها قال "لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها المسك الاذفر وترابها الزعفران وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت ومن يدخلها ينعم ويخلد ولا يموت ولا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه وان اهل الجنة ليزدادون كل يوم جمالا وحسنا كما يزدادون فى الدنيا هرما" تفسير : ولا بد من الطاعات فانها بذر الدرجات واجرة الجنات -حكى- ان ابراهيم بن ادهم اراد ان يدخل الحمام فمنعه الحمامى ان يدخله بدون الاجرة فبكى ابراهيم وقال اذا لم يؤذن ان ادخل فى بيت الشيطان مجانا فكيف لى بالدخول فى بيت النبيين والصديقين. يقول الفقير فان كان المراد ببيت النبيين الجنة فلا بد من دخولها من صدق الاعمال وان كان المراد القلب فلا بد فى دخوله من صدق الاحوال وعلى كلا التقديرين لا بد من العبودية لانها مقتضى الحكمة ولذا قال {للذين آمنوا وكانوا يتقون} فمن لا عبودية له لم تكن الآخرة عنده خيرا من الدنيا اذ لو علم خيريتها لاجتهد فى العبودية لله تعالى والامتثال بالامر والاجتناب عن النهى وقد جعل التصرف فى عالم الملك والملكوت فى العمل على وفق الشرع وخلاف الطبع اذ فيه المجاهدة التى هى حمل النفس على المكاره وترك الشهوات ألا ترى ان يوسف عليه السلام لما خالف الطبع ومقتضاه ونهى النفس عن الهوى ورضى بما قسم المولى وصبر على مقاساة شدائد الجب والسجن والعبودية جعله الله تعالى سلطانا فى ارض مصر ففسح له فى مكانه فكان مكافاة لضيق الجب والسجن وسخر له اهل مصر مجازاة للعبودية وزوجه زليخا بمقابلة كف طبعه عن مقتضاه. والتقوى لا بد منها لاهل النعمة والمحنة اما اهل النعمة فتقواهم الشكر لانه وقاية من الكفران وجنة منه واما اهل المحنة فتقواهم الصبر لانه جنة من الجزع والاضطراب. فعلى العاقل ان يتمسك بعروة التقوى فانها لا انفصام لها ولها عاقبة حميدة واما غيرها من العرى فلها انفصام وانقطاع وليس لها نتيجة مفيدة كما شوهد مرة بعد اخرى اللهم اعصمنا من الزلل فى طريق الهدى واحفظنا عن متابعة النفس والهوى واجعلنا من الذين عرفوك فوقفوا عند امرك وتوجهوا اليك فرفضوا علاقة المحبة لغيرك
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى ان الثواب الذي يثيب الله به الذين يؤمنون به ويتقون معاصيه في الآخرة، وهي النشأة الثانية، فان الدنيا هي النشأة الاولى والآخرة خير واعظم نفعاً من منافع الدنيا التي تنالها الكفار. وقال ابو علي الجبائي: اجر الآخرة خير من ثواب الدنيا، لان ما تقدم في الآية الاولى يقتضيه.
الجنابذي
تفسير : {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} من تمكين يوسف (ع) فى الارض {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} بعد ما وقع القحط وأصاب كنعان ايضاً القحط ليمتاروا لأهلهم وذلك انّ يعقوب (ع) ارسل بنيه سوى بنيامين مع بضاعةٍ قليلةٍ وكانت مقلاً كما قيل {فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ} لعدم تغيّر حالهم وتفرّس يوسف (ع) {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} غير عارفين له لتغيّر حاله عمّا عاهدوه عليه سنّاً وصورةً ومرتبةً وهيبةً، نقل انّه كان بينه وبين ابيه ثمانية عشر يوماً وكان ابوه فى بادية وكان النّاس من الآفاق يخرجون الى مصر ليمتاروا به طعاماً وكان يعقوب (ع) وولده نزولاً فى بادية فيها مقل فاخذ اخوة يوسف (ع) من ذلك المقل وحملوه الى مصر ليمتاروا به، وكان يوسف (ع) يتولّى البيع بنفسه فلمّا دخل اخوته عليه عرفهم ولم يعرفوه كما حكى الله عزّ وجلّ.
اطفيش
تفسير : {ولأجْر الآخرةِ خَيرٌ} من أجر الدنيا لعظمه ودوامه، وفى الآية إشارة إلى أن ليوسف فى الآخرة ما يستحقر دونه ملكه فى الدنيا {للَّذينَ آمنُوا وكانُوا يتَّقونَ} الشرك والمعصية، عم القحط سائر البلاد فى السبعة [العجاف] حتى الشام ونواحيه، وقصد الناس مصر من كل مكان لشراء الطعام، وكان يوسف لا يبيع لأحد شريف أو وضيع أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس، ووصل يعقوب وأهله ما وصل الناس من القحط وهو بأرض كنعان من الشام، وكانت زليخا تحب أهل الشام حبا شديدا، وإذا أتى أحد منهم تأمر بإكرامه، وكانت مغرمة بيعقوب وأولاده، وكان أهل الشام إذا رجعوا من مصر نزلوا تحت بيت الأحزان، ويذكرون محاسن سلطان مصر معهم، وكيف أضافهم وأعطاهم، وكيف يحبهم وما سيرته ويعقوب يسمع ويقول: والله هذه علامة العارفين، ولم يعلم أن بمصر أو غيرها نبيا سواه، وكان يقول: ليت لى قوة أمضى إليه على أجد عنده، يوسف. وكان تحت نفقته ستون رجلا وامرأة وشكوا إليه وسألوه أن يدعو الله لهم حتى يفرج عنهم، ودخل عليه أولاده يوما باكين، قالوا: يا آبانا منذ أربعين سنة ما كلمتنا ولا التفت إلينا، ولا دعوت لنا، ولا تبسمت فى وجها، فهب أنا قد عصيناك وقد آتيناك مضطرين مفترين مستغيثين. قد أصابنا ما أصاب الناس من الجوع، فادع لنا ربك أن يرزقنا وأن يتفضل علينا، فقال لهم يعقوب عليه السلام، أدلكم على من عنده النعم والكرم، ومن تقصده العرب والعجم، ويثنون عليه بأحسن الشيم؟ وجهه صبيح، وكلامه فصيح، ودينه صحيح، قريب من الناس، ذو حشمة وباس، له العز والجلال، والخزائن والأموال، أخلاقه سنية، وأصافه بهية، أكرم الملوك وأسخاهم،، وأنصحهم لعباد الله وأحسنهم خلقا، وعنده طعام كثير، وقد استخرت الله أن أوجهكم إليه. فقالوا: من أين عرفت ذلك؟ قال: من النازلين تحت بيتى إذا رجعوا قصدوه فإنه كريم، وسلموا عليه أفضل التسليم. قالوا: يا أبانا نحن حفاة عراة حقراء فقراء، ما عندنا شئ يصلح لحضرة الملك، فإن الناس يحملون إليه الجواهر واليواقيت، والذهب والفضة، والزمرد الأخضر. قال يعقوب: سمعت أنه كريم رحيم، والكريم يقبل اليسير، ويهب الكثير، قالوا: يا أبانا نحن ما حضرنا أبدا فى حضرة الملك، كيف نفعل إذا وصلنا إليه؟ قال: إذا أذن لكم بالدخول فلا تتكلموا بين يديه إلا بإذنه، ولا تلتفتوا يمينا ولا شمالا، فمن سوء الأدب الالتفات فى حضرت الملك إلى غيره، فاحفظوا أدبكم، فالبحر لا جار له، والملك لا صديق له، والعافية لا قيمة لها، ومن صحب الملوك بغير علم أسلمه الجهل إلى القتل. يا بنى إذا حضرتم بين يديه فاثنوا عليه، وإذا أمركم بالجلوس فقفوا إلى أن يأمركم، فإذا جلستم فلا تسبقوه بالكلام حتى يسألكم، ولا تطيلوا عنده الجلوس لئلا يمقتكم، وإن أذن لكم بالانصراف فلا تعطوه ظهوركم، وإذا خرجتم من عند فلا تذكروا لأحد ما جرى بينكم وبينه، وإن أفشى لكم سرا فلا تفشوه لغيركم، فإن إفشاء سر الملوك صعب فأعدوا أهبة حسنة، وأظهروا زيا بديعا. وحملوا ما أمكنهم ولم يقصد مصر قوم أحسن حالا منهم، ولا أبهى منظر، ولكنهم ما دخلوا إلا شعثا لنفاد زادهم. وكان يوسف قد اتخذ شريعة على ساحل البحر إلى الجبل من حديد، عليه باب واحد لا يقدر أحد يعبر فيه، ولا يجد سبيلا إليه إلا من ذلك الدرب، وكان على الباب حاجبه، ومعه خمسمائة فارس، وأمره أن لا يبيع إلا للغرباء، ولا يبع لواحد حتى يسأل عن اسمه واسم أبيه وبلده وأرضه وبضاعته، وحتى يأذن له، وأمر حاجبا آخر أن لا يبيع إلا لأهل مصر، وكان أحدهما مصريا والآخر قبطيا، وإذا ورد الغريب لحاجب الغرباء سأله وتركه واقفا، وسار إلى يوسف فيفتح له البواب الباب، فيقف عند الحجاب الأول، فيبدى من الخضوع ما يبدى عند الملوك، ويثنى ويقول: أيها الملك إنه ورد قوم من أرض كذا، ويصفهم ويسميهم فيهز الحجاب، وكان هزه علامة للقبول، ولم يكن ذلك تجبرا وتكبرا، بل إرهابا للأعداء، وحفظا عمن يريده بسوء ولو انبسط إليهم لازدروا به. وإنما بعث الرسل لتجديد الشرائع، وتسديد الذرائع، وكان أشد الناس تواضعا، وأمر بالسؤال للغريب أن يعرف بإخوته إذا وصلوا، وكان جبريل عليه السلام قد أخبره بذلك حين رأى الرؤيا وخرجوا هم عشرةٌ، أمسك يعقوب عليه السلام ولده بنيامين، وهو أخو يوسف لأم وأب يتسلى به، ونفد الزاد قبل وصولهم بمرحلتين، فظهر عليهم أثر الجوع وتشعثوا، ولما وصلوا سألوا الناس أين بائع الطعام؟ فدلوا عليه، فجاءوه فسألوه البيع، فقال: إنكم غرباء، وليس أمر الغرباء بيدى، ولكن انطلق إلى موضع كذا، فإن فيه حاجتكم. فجاءوا الذى يبيع الغرباء فسألوه البيع فقال لهم: من أنتم؟ وما اسم بلدكم؟ وما أسماؤكم، وما قصدكم، وقد أعجبته رائحتهم وصورهم وأجسامهم، فقالوا له: لم تسأل؟ قال: لذلك جلست هنا. فقالوا له: نحن بنو يعقوب نبى الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، من الشام من أرض كنعان من بيت الأحزان، قيل: وكان منزلهم بالقرب من فلسطين، جئنا لحضرة الملك لنشترى الطعام، وأسماؤنا كذا وكذا، قال: وما بضاعتكم؟ قالوا: لا تسأل عن بضاعتنا، ونكسوا رءوسهم، فكتب بذلك كله إلى يوسف عليه السلام، وأنهم فى غاية الجوع والنحول وتغير الألوان، ومع ذلك هم أهل جمال وبهاء وفصاحة. وقيل أدى بلسانه كما مر لا بالكتابة وقال: إنهم يزعمون أنهم أولاد يعقوب نبى الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، قيل لما نظر فى الكتاب بكى حتى غشى عليه، فتعجب الوزراء من حاله ولم يعلموا أى شئ أصابه، فلما أفاق من غشيته أذن لمن حوله بالخروج فخرجوا، ونظر فى الكتاب ثانية وبكى بكاء شديدا ثم قال للحاجب: متى قدموا؟ قال:منذ خمسة أيام، قال: فيما لباسهم؟ قال: ثياب رثة وهم قوم شعث، فبكى عند ذلك بصوت عال وقال: جاء إخوتى الذين فرقوا بينى وبين والدى. وروى أنه قال ذلك بحضرة الوزير، فقال له: فلم تبكى؟ قال: لحالين: أحدهما: الحياء منهم إذ عصوا الله تعالى بسببى، والثانية فقرهم، فتعجب من قوله وقال: فما تفعل بهم؟ قال: أفعل بهم ما يفعل القريب بالقريب، والحبيب بالحبيب، والملك بالغريب، وأمر أن ينزلوا منزلا حسنا، ويكرموا بأنواع الطعام واللحم والفاكهة والحلاوات، ففعل الحاجب ذلك، وقال: إذا تمت ثلاثة أيام فخرب ذلك الموضع المجعول للغرباء، فإن المراد به هؤلاء، وبات شاكرا لله سبحانه، فرحا إذ أنجز له ما وعد له فى الجب. ولما كان اليوم الرابع لبس أحسن ثيابه، وقعد على سرير ملكه، وجعل على وجه برقعا من الديباج، منظوما من جوهر ولؤلؤ، يرى الناس منه ولا يرونه، وأقام عن يمينه ألف جارية بزينتهن وحليهن، وعلى يساره كذلك، بأيديهن أعمدة الذهب والفضة، وأمر قواده أن يلبسوا دروعهم وأسلحتهم، ويحضروا جنودهم وجموعهم، واصطفوا ركبانا عن يمين الكرسى ويساره، واصطف الغلمان والرجال خلف الفرسان بأيديهم الحراب والمقاطع، وأظهر زينة لم ير مثلها قط، فكان الناس يتعجبون من ذلك ويتساءلون: ما بال الملك؟ وأحضر الصواع الذى يكال به، وكان إذا ضربه طن طنينا فيصغى بأذنه يعرف منه صدق المتكلم وكذبه، وجعله فى حجره، فأمر الحاجب أن يجئ بهم، فجاء بهم فى خيله ورجاله، فأذن لهم بالدخول بعد ما جاءوا وحضروا فدخلوا فعرفهم ولم يعرفوه، كما قال الله عز وجل: {وجاء إخْوةُ يُوسفَ...}
اطفيش
تفسير : {ولأَجْرُ الآخِرةِ خَيْرٌ} من أَجر الدنيا {لِلَّذِينَ آمَنُوا وكَانُوا يَتَّقُونَ} لا ينفع التوحيد بلا تقوى، ومقتضى الظاهر خير لهم برد الضمير إِلى المحسنين، ولكن أَظهر ليصفهم بالتوحيد والتقوى بعد وصفهم بالإِحسان، وكان لا يبيع لأَحد أَكثر من حمل بعير ليكفى الباقين.
الالوسي
تفسير : قد وضع فيه الموصول موضع ضمير {أية : ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [يوسف: 56] وجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل تنبيهاً على ذلك، والمعنى ولأجرهم في الآخرة خير، والإضافة/ فيه للملابسة، وجعل في تعقيب الجملة المثبتة بالجملة المنفية إشعار بأن مدار المشيئة المذكورة إحسان من تصيبه الرحمة المذكورة، وفي ذكر الجملة الثالثة المؤكدة بعد دفع توهم انحصار ثمرات الإحسان فيما ذكر من الأجر العاجل، ويفهم من ذلك أن المراد ـ ممن نشاء ـ من نشاء أن نصيبه بالرحمة من عبادنا الذين آمنوا واستمروا على التقوى. وتعقب بأنه خلاف الظاهر، ولعل الظاهر حمل {أية : مِنْ } تفسير : [يوسف: 56] على ما هو أعم مما ذكر وحينئذٍ لا يبعد أن يراد بالرحمة النعمة التي لا تكون في مقابلة شيء من الأعمال وبالأجر ما كان في مقابلة شيء من ذلك، ويبقى أمر وضع الموصول موضع الضمير على حاله كأنه قيل: نتفضل على من نشاء من عبادنا كيف كانوا وننعم عليهم بالملك والغنى وغيرهما لا في مقابلة شيء ونوفي أجور المؤمنين المستمرين على التقوى منهم ونعطيهم في الدنيا ما نعطيهم في مقابلة إيمانهم واستمرارهم على التقوى وما نعطيهم في مقابلة ذلك في الآخرة من النعيم العظيم المقيم خير لهم مما نعطيهم في الدنيا لعظمه ودوامه. واعترض بأن فيه إطلاق الرحمة على ما يصيب الكافر من نحو الملك والغنى مع أنه ليس برحمة كما يشعر به كثير من الآيات ويقتضيه قولهم: ليس لله تعالى نعمة على كافر. وأجيب بأن قولهم: في (الرحمن) أنه الذي يرحم المؤمن والكافر في الدنيا ظاهر في صحة إطلاق الرحمة على ما يصيب الكافر من ذلك، وكذا قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] ظاهر في صحة القول بكون الكافر مرحوماً في الجملة وأمر الإشعار سهل، وقولهم: ليس لله تعالى نعمة على كافر إنما قاله البعض بناءاً على أخذ ـ يحمد عاقبتها ـ في تعريفها. وإن أبيت ولا أظن فلم لا يجوز أن يقال: إنه عبر عما ذكر بالرحمة رعاية لجانب من اندرج في عموم {أية : مِنْ}تفسير : [يوسف: 56] من المؤمنين. نعم يرد على تفسير الرحمة هنا بالنعمة التي لا تكون في مقابلة شيء من الأعمال والأجر بما كان ما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق وتلا الآية فإنه ظاهر في أن ما يصيب الكافر مما تقدم في مقابلة عمل له وأن في الآية ما يدل على ذلك وليس هو إلا {أية : نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء } تفسير : [يوسف: 56] وقد يجاب بأنه لعله حمل {أية : ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [يوسف: 56] على ما يشمل الكفار الفاعلين لما يحسن كصلة الرحم ونصرة المظلوم وإطعام الفقير ونحو ذلك، فحصر الدلالة فيما ذكر ممنوع نعم إن هذا الأثر يعكر على التفسير السابق عكراً بيناً إذ الآية عليه لا تعرض فيها للكافر أصلاً فلا معنى لتلاوتها إثر ذلك الكلام. وعمم بعضهم الأوقات في {نصيب - ولا نضيع} فقال نصيب في الدنيا والآخرة ولا نضيع أجر المحسنين بل نوفي أجورهم عاجلاً وآجلاً، وأيد بأنه لا موجب للتخصيص وأن خبر سفيان يدل على العموم وتعقب بأن من خص ذلك بالدنيا فإنما خصه ليكون ما بعده تأسيساً وبأنه لا دلالة للخبر على ذلك لأنه مأخوذ من مجموع الآية وفيه ما فيه. وعن ابن عباس تفسير {ٱلْمُحْسِنِينَ } بالصابرين، ولعله رضي الله تعالى عنه على تقدير صحة الرواية رأى ذلك أوفق بالمقام. وأياً ما كان في الآية إشارة إلى أن ما أعد الله تعالى ليوسف عليه السلام من الأجر والثواب في الآخرة أفضل مما أعطاه في الدنيا من الملك.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآخِرَةِ} {آمَنُواْ} (57) - وَإِنَّ مَا ادَّخَرَهُ اللهُ تَعَالَى لِيُوسُفَ فِي الآخِرَةِ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِمَّا أَعْطَاهُ فِي الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ يَجْزي اللهُ الذِينَ آمَنُوا وَاتَّقَوْا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويوضح - هنا - سبحانه أنه لا يجزي المحسنين في الدنيا فقط؛ ولكن يجازيهم بخير أبقى في الآخرة. وكلمة "خير" تستعمل استعمالين: الأول: هو أن شيئاً خير من شيء آخر؛ أي: أنهما شركاء في الخير، وهو المعنى المقصود هنا، والمثال: هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن القويُّ خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعِنْ بالله ولا تعجز، وإنْ أصابك شيء فلا تَقُلْ: لو أنِّي فعلتُ كذا وكذا، ولكن قُلْ: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان ". تفسير : والاستعمال الثاني لكلمة "خير": هو خير مقابله شرّ، والمثال: هو قول الحق تبارك وتعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7-8]. والحق سبحانه يريد أن يعتدل ميزان حركة الحياة، لن يعتدل ميزان حركة الحياة بأن نقول للإنسان على إطلاقه: سوف تأخذ أجر عملك الطيب في الآخرة؛ لأن المؤمن وحده هو الذي سيصدق ذلك. أما الكافر فقد يظلم ويسفك الدماء، ويسرق ويستشري الفساد في الأرض. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يجعل الجزاءَ نوعين: جزاء في الدنيا لمَنْ يُحسِن، سواء أكان مؤمناً أو كافراً؛ وجزاءً في الآخرة يختصُّ به الحقُّ سبحانه المؤمنين به. والحق سبحانه يقول هنا: {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [يوسف: 57]. أي: أنه أكثر خيراً من جزاء الدنيا؛ لأن جزاء الآخرة يدوم أبداً، على عكس خير الدنيا الذي قد تفوتُه أو يفوتُك، بحُكْم أن الدنيا موقوتة بالنسبة لك بعمرك فيها؛ ولكن الآخرة لها الدَّيْمومة التي شاءها الله سبحانه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك عن إخوة يوسف: {وَجَآءَ إِخْوَةُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):