١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لما عم القحط في البلاد، ووصل أيضاً إلى البلدة التي كان يسكنها يعقوب عليه السلام وصعب الزمان عليهم فقال لبنيه إن بمصر رجلاً صالحاً يمير الناس فاذهبوا إليه بدراهمكم وخذوا الطعام فخرجوا إليه وهم عشرة ودخلوا على يوسف عليه السلام وصارت هذه الواقعة كالسبب في اجتماع يوسف عليه السلام مع إخوته وظهور صدق ما أخبر الله تعالى عنه في قوله ليوسف عليه السلام حال ما ألقوه في الجب { أية : لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } تفسير : [يوسف: 15] وأخبر تعالى أن يوسف عرفهم وهم ما عرفوه ألبتة، أما أنه عرفهم فلأنه تعالى كان قد أخبره في قوله: {لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ } بأنهم يصلون إليه ويدخلون عليه، وأيضاً الرؤيا التي رآها كانت دليلاً على أنهم يصلون إليه، فلهذا السبب كان يوسف عليه السلام مترصداً لذلك الأمر، وكان كل من وصل إلى بابه من البلاد البعيدة يتفحص عنهم ويتعرف أحوالهم ليعرف أن هؤلاء الواصلين هل هم إخوته أم لا فلما وصل إخوة يوسف إلى باب داره تفحص عن أحوالهم تفحصاً ظهر له أنهم إخوته، وأما أنهم ما عرفوه فلوجوه: الأول: أنه عليه السلام أمر حجابه بأن يوقفوهم من البعد وما كان يتكلم معهم إلا بالواسطة ومتى كان الأمر كذلك لا جرم أنهم لم يعرفوه لا سيما مهابة الملك وشدة الحاجة يوجبان كثرة الخوف، وكل ذلك مما يمنع من التأمل التام الذي عنده يحصل العرفان. والثاني: هو أنهم حين ألقوه في الجب كان صغيراً. ثم إنهم رأوه بعد وفور اللحية، وتغير الزي والهيئة فإنهم رأوه جالساً على سريره، وعليه ثياب الحرير، وفي عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج من ذهب، والقوم أيضاً نسوا واقعة يوسف عليه السلام لطول المدة. فيقال: إن من وقت ما ألقوه في الجب إلى هذا الوقت كان قد مضى أربعون سنة، وكل واحد من هذه الأسباب يمنع من حصول المعرفة، لا سيما عند اجتماعها، والثالث: أن حصول العرفان والتذكير بخلق الله تعالى، فلعله تعالى ما خلق ذلك العرفان والتذكير في قلوبهم تحقيقاً لما أخبره عنه بقوله: {لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وكان ذلك من معجزات يوسف عليه السلام. ثم قال تعالى: {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ } قال الليث: جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهازهم للسفر، وكذلك جهاز العروس والميت وهو ما يحتاج إليه في وجهه. قال: وسمعت أهل البصرة يقولون: الجهاز بالكسر. قال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم، والكسر لغة ليست بجيدة، قال المفسرون: حمل لكل رجل منهم بعيراً وأكرمهم أيضاً بالنزول وأعطاهم ما احتاجوا إليه في السفر، فذلك قوله: {جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ } ثم بين تعالى أنه لما جهزهم بجهازهم قال: {ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ }. واعلم أنه لا بد من كلام سابق حتى يصير ذلك الكلام سبباً لسؤال يوسف عن حال أخيهم، وذكروا فيه وجوهاً: الوجه الأول: وهو أحسنها إن عادة يوسف عليه السلام مع الكل أن يعطيه حمل بعير لا أزيد عليه ولا أنقص، وإخوة يوسف الذين ذهبوا إليه كانوا عشرة، فأعطاهم عشرة أحمال، فقالوا: إن لنا أباً شيخاً كبيراً وأخاً آخر بقي معه، وذكروا أن أباهم لأجل سنه وشدة حزنه لم يحضر، وأن أخاهم بقي في خدمة أبيه ولا بد لهما أيضاً من شيء من الطعام فجهز لهما أيضاً بعيرين آخرين من الطعام فلما ذكروا ذلك قال يوسف فهذا يدل على أن أحب أبيكم له أزيد من حبه لكم، وهذا شيء عجيب لأنكم مع جمالكم وعقلكم وأدبكم إذا كانت محبة أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبته لكم دل هذا على أن ذلك أعجوبة في العقل، وفي الفضل والأدب فجيئوني به حتى أراه فهذا السبب محتمل مناسب. والوجه الثاني: أنهم لما دخلوا عليه، عليه السلام وأعطاهم الطعام قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم رعاة من أهل الشام أصابنا الجهد فجئنا نمتار فقال: لعلكم جئتم عيوناً فقالوا معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد شيخ صديق نبي اسمه يعقوب قال: كم أنتم قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد وبقي واحد مع الأب يتسلى به عن ذلك الذي هلك، ونحن عشرة وقد جئناك قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخ لكم من أبيكم ليبلغ إلي رسالة أبيكم فعند هذا أقرعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيا في يوسف فخلفوه عنده. والوجه الثالث: لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف: فلم تركتموه وحيداً فريداً؟ قالوا: ما تركناه وحيداً، بل بقي عنده واحد. فقال لهم: لم استخلصه لنفسه ولم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده؟ فقالوا: لا. بل لأجل أنه يحبه أكثر من محبته لسائر الأولاد فعند هذا قال يوسف لما ذكرتم أن أباكم رجل عالم حكيم بعيد عن المجازفة، ثم إنه خصه بمزيد المحبة وجب أن يكون زائداً عليكم في الفضل، وصفات الكمال مع أني أراكم فضلاء علماء حكماء فاشتاقت نفسي إلى رؤية ذلك الأخ فائتوني به، والسبب الثاني: ذكره المفسرون، والأول والثالث محتمل والله أعلم. ثم إنه تعالى حكى عنه أنه قال: {أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى ٱلْكَيْلَ } أي أتمه ولا أبخسه، وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم، وأنا خير المنزلين، أي خير المضيفين لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم. وأقول: هذا الكلام يضعف الوجه الثاني وهو الذي نقلناه عن المفسرين، لأن مدار ذلك الوجه على أنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم جواسيس، ولو شافههم بذلك الكلام فلا يليق به أن يقوم لهم: {أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ } وأيضاً يبعد من يوسف عليه السلام مع كونه صديقاً أن يقول لهم أنتم جواسيس وعيون، مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التهمة، لأن البهتان لا يليق بحال الصديق. ثم قال: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ }. واعلم أنه عليه السلام لما طلب منهم إحضار ذلك الأخ جمع بين الترغيب والترهيب. أما الترغيب: فهو قوله: {أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ } وأما الترهيب: فهو قوله: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ } وذلك لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى تحصيل الطعام، وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده، فإذا منعهم من الحضور عنده كان ذلك نهاية الترهيب والتخويف، ثم إنهم لما سمعوا هذا الكلام من يوسف قالوا: {سَنُرٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ } أي سنجتهد ونحتال على أن ننزعه من يده، وإنا لفاعلون هذه المراودة، والغرض من التكرير التأكيد، ويحتمل أن يكون {وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ } أن نجيئك به، ويحتمل {وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ } كل ما في وسعنا من هذا الباب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} أي جاؤوا إلى مصر لما أصابهم القحط ليمتاروا؛ وهذا من ٱختصار القرآن المعجز. قال ٱبن عباس وغيره: لما أصاب الناس القحط والشدّة، ونزل ذلك بأرض كنعان بعث يعقوب عليه السلام ولده لِلْميرة، وذاع أمر يوسف عليه السلام في الآفاق، للينه وقربه ورحمته ورأفته وعدله وسيرته؛ وكان يوسف عليه السلام حين نزلت الشدّة بالناس يجلس (للناس) عند البيع بنفسه، فيعطيهم من الطعام على عدد رؤوسهم، لكل رأس وَسْقاً. {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ} يوسف {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} لأنهم خلّفوه صبياً، ولم يتوهموا أنه بعد العبودية يبلغ إلى تلك الحال من المملكة، مع طول المدّة؛ وهي أربعون سنة. وقيل: أنكروه لأنهم اعتقدوا أنه ملك كافر: وقيل: رأوه لابس حرير، وفي عنقه طوق ذهب، وعلى رأسه تاج، وقد تزيّا بزيّ فرعون مصر؛ ويوسف رآهم على ما كان عهدهم في الملبس والحلية. ويحتمل أنهم رأوه وراء ستر فلم يعرفوه. وقيل: أنكروه لأمر خارق ٱمتحاناً ٱمتحن الله به يعقوب.
ابن كثير
تفسير : ذكر السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين أن السبب الذي أقدم إخوة يوسف بلاد مصر، أن يوسف عليه السلام لما باشر الوزارة بمصر، ومضت السبع السنين المخصبة، ثم تلتها السبع السنين المجدبة، وعم القحط بلاد مصر بكمالها، ووصل إلى بلاد كنعان، وهي التي فيها يعقوب عليه السلام وأولاده، وحينئذ احتاط يوسف عليه السلام للناس في غلاتهم، وجمعها أحسن جمع، فحصل من ذلك مبلغ عظيم، وهدايا متعددة هائلة، وورد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات، يمتارون لأنفسهم وعيالهم، فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة، وكان عليه السلام، لا يشبع نفسه، ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار، حتى يتكفأ الناس بما في أيديهم مدة السبع سنين، وكان رحمة من الله على أهل مصر. وما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال، وفي الثانية بالمتاع، وفي الثالثة بكذا، وفي الرابعة بكذا، حتى باعهم بأنفسهم وأولادهم بعد ما تملك عليهم جميع ما يملكون، ثم أعتقهم، ورد عليهم أموالهم كلها، الله أعلم بصحة ذلك، وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، والغرض أنه كان في جملة من ورد للميرة إخوة يوسف عن أمر أبيهم لهم في ذلك، فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعاماً، وركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب عليه السلام عنده ابنه بنيامين شقيق يوسف عليه السلام، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف، فلما دخلوا على يوسف، وهو جالس في أبهته ورياسته وسيادته، عرفهم حين نظر إليهم، وهم له منكرون، أي: لا يعرفونه؛ لأنهم فارقوه وهو صغير حدث، وباعوه للسيارة، ولم يدروا أين يذهبون به، ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، فلهذا لم يعرفوه، وأما هو، فعرفهم. فذكر السدي وغيره أنه شرع يخاطبهم، فقال لهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا: أيها العزيز إنا قدمنا للميرة، قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي الله. قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم كنا اثني عشر، فذهب أصغرنا، هلك في البرية، وكان أحبنا إلى أبيه، وبقي شقيقه، فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه، فأمر بإنزالهم وإكرامهم {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} أي: أوفى لهم كيلهم، وحمل لهم أحمالهم، قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم؛ لأعلم صدقكم فيما ذكرتم {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّىۤ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ} يرغبهم في الرجوع إليه، ثم رهبهم فقال: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى} الآية، أي: إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية، فليس لكم عندي ميرة، {وَلاَ تَقْرَبُونِ قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ} أي: سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن، ولا نبقي مجهوداً؛ لتعلم صدقنا فيما قلناه، وذكر السدي أنه أخذ منهم رهائن حتى يقدموا به معهم، وفي هذا نظر؛ لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيراً، وهذا لحرصه على رجوعهم، {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ} أي: غلمانه {ٱجْعَلُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ} أي: التي قدموا بها؛ ليمتاروا عوضاً عنها {فِى رِحَالِهِمْ} أي: في أمتعتهم من حيث لا يشعرون، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} بها، قيل: خشي يوسف عليه السلام أن لا يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون للميرة بها. وقيل: تذمم أن يأخذ من أبيه وإخوته عوضاً عن الطعام، وقيل: أراد أن يردهم إذا وجدوها في متاعهم تحرجاً وتورعاً؛ لأنه يعلم ذلك منهم، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ } إلا (بنيامين) ليمتاروا لما بلغهم أن عزيز مصر يعطي الطعام بثمنه {فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ } أنهم إخوته {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } لا يعرفونه لبعد عهدهم به وظنهم هلاكه، فكلموه بالعبرانية، فقال كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا للميرة، فقال: لعلكم عيون، قالوا: معاذ الله، قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبي الله. قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم كنا اثني عشر فذهب أصغرنا هلك في البريّة وكان أحبَّنا إليه، وبقي شقيقه فاحتبسه ليتسلى به عنه، فأمر بإنزالهم وإكرامهم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ } أي: جاءوا إلى مصر من أرض كنعان ليمتاروا لما أصابهم القحط {فَدَخَلُواْ } على يوسف {فَعَرَفَهُمْ } لأنه فارقهم رجالاً {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } لأنهم فارقوه صبياً يباع بالدراهم في أيدي السيارة بعد أن أخرجوه من الجبّ، ودخلوا عليه الآن وهو رجل عليه أبهة الملك، ورونق الرئاسة، وعنده الخدم والحشم. وقيل: إنهم أنكروه لكونه كان في تلك الحال على هيئة ملك مصر، ولبس تاجه وتطوّق بطوقه. وقيل: كانوا بعيداً منه فلم يعرفوه، وقيل غير ذلك. {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ } المراد به هنا أنه أعطاهم ما طلبوه من الميرة، وما يصلحون به سفرهم من العدّة التي يحتاجها المسافر. يقال: جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهازاً للسفر. قال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم، والكسر لغة جيدة. {قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ } قيل: لا بدّ من كلام ينشأ عنه طلبه لهم بأن يأتوه بأخ لهم من أبيهم، فروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: ما أنتم وما شأنكم فإني أنكركم؟ فقالوا: نحن قوم من أهل الشام جئنا نمتار ولنا أب شيخ صديق نبيّ من الأنبياء اسمه يعقوب. قال: كم أنتم؟ قالوا: عشرة، وقد كنا اثني عشر، فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك، وكان أحبنا إلى أبينا، وقد سكن بعده إلى أخ له أصغر منه هو باقٍ لديه، يتسلى به، فقال لهم حينئذٍ: {ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ } يعني: أخاه "بنيامين" الذي تقدّم ذكره، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه، فوعدوه بذلك، فطلب منهم أن يتركوا أحدهم رهينة عنده حتى يأتوه بالأخ الذي طلبه، فاقترعوا فأصابت القرعة "شمعون" فخلفوه عنده، ثم قال لهم: {أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى ٱلْكَيْلَ } أي: أتممه، وجاء بصيغة الاستقبال مع كونه قال لهم هذه المقالة بعد تجهيزهم للدلالة على أن ذلك عادته المستمرّة، ثم أخبرهم بما يزيدهم وثوقاً به وتصديقاً لقوله، فقال: {وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ } أي: والحال أني خير المنزلين لمن نزل بي كما فعلته بكم من حسن الضيافة، وحسن الإنزال. قال الزجاج: قال يوسف: {وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ } لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم. ثم توعدهم إذا لم يأتوه به فقال: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ } أي: فلا أبيعكم شيئاً فيما بعد، وأما في الحال فقد أوفاهم كيلهم، ومعنى لا تقربون: لا تدخلون بلادي فضلاً عن أن أحسن إليكم وقيل: معناه: لا أنزلكم عندي كما أنزلتكم هذه المرّة، ولم يرد أنهم لا يقربون بلاده، و{تقربون}مجزوم إما على أن "لا" ناهية أو على أنها نافية، وهو معطوف على محل الجزاء داخل في حكمه كأنه قال: فإن لم تأتوني تحرموا ولا تقربوا. فلما سمعوا منه ذلك وعدوه بما طلبه منهم، قالوا {سَنُرٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} أي: سنطلبه منه، ونجتهد في ذلك بما نقدر عليه. وقيل: معنى المراودة هنا: المخادعة منهم لأبيهم والاحتيال عليه حتى ينتزعوه منه {وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ } هذه المراودة غير مقصرين فيها. وقيل: معناه وإنا لقادرون على ذلك، لا نتعانى به ولا نتعاظمه. {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ }. قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم من رواية شعبة وابن عامر "لفتيته"، واختار هذه القراءة أبو حاتم والنحاس وغيرهما. وقرأ سائر الكوفيين. {لفتيانه}، وأختار هذه القراءة أبو عبيد، وفي مصحف عبد الله بن مسعود كالقراءة الآخرة. قال النحاس: لفتيانه مخالف للسواد الأعظم، ولا يترك السواد المجمع عليه لهذا الإسناد المنقطع وأيضاً فإن فتية أشبه من "فتيان"، لأن فتية عند العرب لأقل العدد، وأمر القليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه، والجملة مستأنفة جواب سؤال، كأنه قيل: فما قال يوسف بعد وعدهم له بذلك، فأجيب بأنه قال لفتيته. قال الزجاج: الفتية والفتيان في هذا الموضع: المماليك. وقال الثعلبي: هما لغتان جيدتان، مثل الصبيان والصبية. والمراد بالبضاعة هنا هي التي وصلوا بها من بلادهم ليشتروا بها الطعام، وكانت نعالاً وأدماً، فعل يوسف عليه السلام ذلك تفضلاً عليهم. وقيل: فعل ذلك ليرجعوا إليه مرة أخرى لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلا بثمن. قاله الفراء. وقيل: فعل ذلك ليستعينوا بها على الرجوع إليه لشراء الطعام. وقيل: إنه استقبح أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن الطعام. ثم علل يوسف عليه السلام ما أمر به من جعل البضاعة في رحالهم بقوله: {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا ٱنْقَلَبُواْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ } فجعل علة جعل البضاعة في الرحال هي معرفتهم لها إذا انقلبوا إلى أهلهم، وذلك لأنهم لا يعلمون بردّ البضاعة إليهم إلاّ عند تفريغ الأوعية التي جعلوا فيها الطعام، وهم لا يفرغونها إلاّ عند الوصول إلى أهلهم، ثم علل معرفتهم للبضاعة المردودة إليهم، المجعولة في رحالهم بقوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } فإنهم إذا عرفوا ذلك وعلموا أنهم أخذوا الطعام بلا ثمن، وأن ما دفعوه عوضاً عنه قد رجع إليهم، وتفضل به من وصلوا إليه عليهم، نشطوا إلى العود إليه، ولا سيما مع ما هم فيه من الجدب الشديد، والحاجة إلى الطعام وعدم وجوده لديهم، فإن ذلك من أعظم ما يدعوهم إلى الرجوع، وبهذا يظهر أن يوسف عليه السلام لم يردّ البضاعة إليهم إلاّ لهذا المقصد، وهو رجوعهم إليه، فلا يتمّ تعليل ردّها بغير ذلك، والرحال: جمع رحل، والمراد به هنا: ما يستصحبه الرجل معه من الأثاث. قال الواحدي: الرحل كل شيء معدّ للرحيل من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، ومجلس ورسن انتهى. والمراد هنا: الأوعية التي يجعلون فيها ما يمتارونه من الطعام. قال ابن الأنباري: يقال للوعاء: رحل، وللبيت: رحل. {فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ} أرادوا بهذا ما تقدّم من قول يوسف لهم: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى } أي: منع منا الكيل في المستقبل، وفيه دلالة على أن الامتيار مرة بعد مرة معهود فيما بينهم وبينه، ولعلهم قالوا له بهذه المقالة قبل أن يفتحوا متاعهم ويعلموا بردّ بضاعتهم كما يفيد ذلك قوله فيما بعد: {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَـٰعَهُمْ } إلى آخره، ثم ذكروا له ما أمرهم به يوسف، فقالوا: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا } يعنون بنيامين، و {نَكْتَلْ } جواب الأمر، أي: نكتل بسبب إرساله معنا ما نريده من الطعام. قرأ أهل الحرمين، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: {نكتل} بالنون، وقرأ سائر الكوفيون بالياء التحتية، واختار أبو عبيد القراءة الأولى. قال: ليكونون كلهم داخلين فيمن يكتال، وزعم أنه إذا كان بالياء كان للأخ وحده، أي: يكتال أخونا بنيامين، واعترضه النحاس مما حاصله: أن إسناد الكيل إلى الأخ لا ينافي كونه للجميع، والمعنى: يكتال بنيامين لنا جميعاً. قال الزجاج: أي إن أرسلته اكتلنا وإلاّ منعنا الكيل {وَإِنَّا لَهُ } أي: لأخيهم بنيامين {لَحَـٰفِظُونَ } من أن يصيبه سوء أو مكروه. وجملة: {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر كما تقدّم في نظائر ذلك في مواضع كثيرة، والمعنى: أنه لا يأمنهم على بنيامين إلاّ كما أمنهم على أخيه يوسف، وقد قالوا له في يوسف: {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } كما قالوا هنا: {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } ثم خانوه في يوسف فهو إن أمنهم في بنيامين خاف أن يخونوه فيه كما خانوه في يوسف {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ} لعل هنا إضمار والتقدير فتوكل يعقوب على الله ودفعه إليهم، وقال: {فالله خير حفظاً}. قرأ أهل المدينة "حفظاً" وهو منتصب على التمييز. وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وابن عامر، وقرأ سائر الكوفيين: {حافظاً} وهو منتصب على الحال. وقال الزجاج: على البيان يعني: التمييز، ومعنى الآية: أن حفظ الله إياه خير من حفظهم له، لما وكل يعقوب حفظه إلى الله سبحانه حفظه وأرجعه إليه، ولما قال في يوسف: {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذّئْبُ } وقع له من الامتحان ما وقع. {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَـٰعَهُمْ } أي: أوعية الطعام أو ما هو أعمّ من ذلك مما يطلق عليه لفظ المتاع سواء كان الذي فيه طعاماً أو غير طعام {وَجَدُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ } أي: البضاعة التي حملوها إلى مصر ليمتاروا بها، وقد تقدّم بيانها. وجملة: {قَالُواْ يأَبَانَا} مستأنفة كما تقدّم {مَا نَبْغِى } "ما" استفهامية والمعنى: أي شيء نطلب من هذا الملك بعد أن صنع معنا ما صنع من الإحسان بردّ البضاعة والإكرام عند القدوم إليه، وتوفير ما أردناه من الميرة؟ ويكون الاستفهام للإنكار، وجملة: {هَـٰذِهِ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا } مقرّرة لما دلّ عليه الاستفهام من الإنكار لطلب شيء مع كونها قد ردّت إليهم. وقيل: إن "ما" في {ما نبغي} نافية، أي: ما نبغي في القول، وما نتزيد فيما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وإكرامه لنا، ثم برهنوا على ما لقوه من التزيد في وصف الملك بقولهم: {هَـٰذِهِ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا } فإن من تفضل عليهم بردّ ذلك حقيق بالثناء عليه منهم، مستحق لما وصفوه به. ومعنى {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا }. نجلب إليهم الميرة وهي الطعام، والمائر الذي يأتي بالطعام. وقرأ السلمي بضم النون، وهو معطوف على مقدر يدلّ عليه السياق، والتقدير: هذه بضاعتنا ردّت إلينا فنحن نستعين بها على الرجوع ونمير أهلنا. {وَنَحْفَظُ أَخَانَا } بنيامين مما تخافه عليه {وَنَزْدَادُ } بسبب إرساله معنا {كَيْلَ بَعِيرٍ } أي: حمل بعير زائد على ما جئنا به هذه المرة، لأنه كان يكال لكل رجل وقر بعير، ومعنى {ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } أن زيادة كيل بعير لأخينا يسهل على الملك، ولا يمتنع علينا من زيادته له لكونه يسيراً لا يتعاظمه ولا يضايقنا فيه. وقيل إن المعنى: ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه حمل بعير لأخينا. واختار الزجاج الأوّل. وقيل: إن هذا من كلام يعقوب جواباً على ما قاله أولاده، {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } يعني: إن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لأجله بالولد، وهو ضعيف؛ لأن جواب يعقوب هو {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ } أي: حتى تعطوني ما أثق به، وأركن إليه من جهة الله سبحانه، وهو الحلف به، واللام في {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } جواب القسم؛ لأن معنى {حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ }: حتى تحلفوا بالله لتأتنني به أي: لتردنّ بنيامين إليّ. والاستثناء بقوله: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } هو من أعمّ العام؛ لأن {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } وإن كان كلاماً مثبتاً فهو في معنى النفي، فكأنه قال: لا تمنعون من إتياني به في حال من الأحوال لعلة من العلل إلاّ لعلة الإحاطة بكم، والإحاطة مأخوذة من إحاطة العدو، ومن أحاط به العدوّ فقد غلب أو هلك. فأخذ يعقوب عليهم العهد بأن يأتوه ببنيامين إلاّ أن تغلبوا عليه أو تهلكوا دونه، فيكون ذلك عذراً لكم عندي {فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } أي: أعطوه ما طلبه منهم من اليمين {قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } أي: قال يعقوب: الله على ما قلناه من طلبي الموثق منكم وإعطائكم لي ما طلبته منكم مطلع رقيب لا يخفى عليه منه خافية، فهو المعاقب لمن خاس في عهده، وفجر في الحلف به، أو موكول إليه القيام بما شهد عليه منا. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن إخوة يوسف لما دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون، جاء بصواع الملك الذي كان يشرب فيه، فوضعه على يده فجعل ينقره ويطنّ، وينقره ويطنّ، فقال: إن هذا الجام ليخبرني عنكم خبراً، هل كان لكم أخ من أبيكم يقال له: يوسف؟ وكان أبوه يحبه دونكم، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في الجبّ، وأخبرتم أباكم أن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب؟ قال: فجعل بعضهم ينظر إلى بعض ويعجبون. وأخرج أبو الشيخ عن وهيب قال: لما جعل يوسف ينقر الصواع ويخبرهم، قام إليه بعض إخوته فقال: أنشدك بالله أن لا تكشف لنا عورة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ } قال: يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ } قال: خير من يضيف بمصر. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: {لفتيانه} أي: لغلمانه {ٱجْعَلُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ} أي: أوراقهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {مَا نَبْغِى هَـٰذِهِ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا } يقولون: ما نبغي وراء هذا {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } أي: حمل بعير. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } قال: حمل حمار، قال: وهي لغة. قال أبو عبيد: يعني هذا أن الحمار يقال له: في بعض اللغات بعير. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } قال: تهلكوا جميعاً. وفي قوله: {فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } قال: عهدهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } قال إلاّ أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه} الآية. قال ابن إسحاق والسدي: وإنما جاءُوا ليمتاروا من مصر في سني القحط التي ذكرها يوسف في تفسير الرؤيا، ودخلوا على يوسف لأنه كان هو الذي يتولى بيع الطعام لعزته. {فعرفهم}فيه وجهان: أحدهما: أنه عرفهم حين دخلوا عليه من غير تعريف، قاله ابن عباس. الثاني: ما عرفهم حتى تعرفوا إليه فعرفهم، قاله الحسن. وقيل بل عرفهم بلسانهم العبراني حين تكلموا به. قال ابن عباس: إنما سميت عبرانية لأن إبراهيم عليه السلام عبر بهم فلسطين فنزل من وراء نهر الأردن فسمّوا العبرانية. {وهم له منكرون}لأنه فارقوه صغيراً فكبر، وفقيراً فاستغنى، وباعوه عبداً فصار ملكاً، فلذلك أنكروه، ولم يتعرف إليهم ليعرفوه. قوله عز وجل: {ولمّا جهزهم بجهازهم} وذلك أنه كال لهم الطعام، قال ابن إسحاق: وحمل لكل رجل منهم بعيراً بعدَّتهم. {قال ائتوني بأخٍ لكم من أبيكم} قال قتادة: يعني بنيامين وكان أخا يوسف لأبيه وأمه. قال السدي: أدخلهم الدار وقال: قد استربت بكم ـ تنكر عليهم ـ فأخبروني من أنتم فإني أخاف أن تكونوا عيوناً، فذكروا حال أبيهم وحالهم وحال يوسف وحال أخيه وتخلفه مع أبيه، فقال: إن كنتم صادقين فائتوني بهذا الأخ الذي لكم من أبيكم، وأظهر لهم أنه يريد أن يستبرىء به أحوالهم. وقيل: بل وصفوا له أنه أحَبُّ إلى أبيهم منهم، فأظهر لهم محبة رؤيته. {ألا تروْن أني أوفي الكيلَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أرخص لهم في السعر فصار زيادة في الكيل. الثاني: أنه كال لهم بمكيال واف. {وأنا خير المنزلين}فيه وجهان: أحدهما: يعني خير المضيفين، قاله مجاهد. الثاني: وهو محتمل، خير من نزلتم عليه من المأمونين. فهو على التأويل الأول مأخوذ من النزل وهو الطعام، وعلى التأويل الثاني مأخوذ من المنزل وهو الدار. قوله عز وجل: {فإن لم تأتوني به فلا كيْل لكم عندي} يعني فيما بعد لأنه قد وفاهم كيلهم في هذه الحال. {ولا تقربون}أي لا أنزلكم عندي منزلة القريب. ولم يُرد أن يبعدوا منه ولا يعودوا إليه لأنه على العود حثهم. قال السدي: وطلب منهم رهينة حتى يرجعوا، فارتهن شمعون عنده. قال الكلبي: إنما اختار شمعون منهم لأنه يوم الجُبّ كان أجملهم قولاً وأحسنهم رأياً. قوله عز وجل: {قالوا سَنُرَاوِدُ عنه أباه} والمراودة الاجتهاد في الطلب، مأخوذ من الإرادة. {وَإِنَّا لَفَاعِلُون} فيه وجهان: أحدهما: وإنا لفاعلون مراودة أبيه وطلبه منه. الثاني: وإنا لفاعلون للعود إليه بأخيهم، قاله ابن إسحاق. فإن قيل: كيف استجاز يوسف إدخال الحزن على أبيه بطلب أخيه؟ قيل عن هذا أربعة أجوبة: أحدها: يجوز أن يكون الله عز وجل أمره بذلك ابتلاء ليعقوب ليُعظم له الثواب فاتّبع أمره فيه. الثاني: يجوز أن يكون أراد بذلك أن ينبه يعقوب على حال يوسف. الثالث: لتضاعف المسرة ليعقوب برجوع ولديه عليه. والرابع: ليقدم سرور أخيه بالاجتماع معه قبل إخوته لميله إليه. قوله عز وجل: {وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم}قرأ حمزة والكسائي وحفص{لفتيانه} وفيهم قولان: أحدهما: أنهم غلمانه، قاله قتادة. الثاني: أنهم الذين كالوا لهم الطعام، قاله السدي. وفي بضاعتهم قولان: أحدهما: أنها وَرِقهم التي ابتاعوا الطعام بها. الثاني: أنها كانت ثمانية جُرُب فيها سويق المقل، قاله الضحاك. وقال بعض العلماء: نبه الله تعالى برد بضاعتهم إليهم على أن أعمال العباد تعود إليهم فيما يثابون إليه من الطاعات ويعاقبون عليه من المعاصي. {لعلهم يعرفونها}أي ليعرفوها. {وإذا انقلبوا إلى أهلهم} يعني رجعوا إلى أهلهم، ومنه قوله تعالى {أية : فانقلبوا بنعمة من الله} تفسير : [آل عمران:174]. {لعلهم يرجعون} أي ليرجعوا. فإن قيل: فلم فعل ذلك يوسف؟ قيل: يحتمل أوجهاً خمسة: أحدها: ترغيباً لهم ليرجعوا، على ما صرّح به. الثاني: أنه علم منهم لا يستحلّون إمساكها، وأنهم يرجعون لتعريفها. الثالث: ليعلموا أنه لم يكن طلبه لعودهم طمعاً في أموالهم. الرابع: أنه خشي أن لا يكون عند أبيه غيرها للقحط الذي نزل به. الخامس: أنه تحرج أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن قوتهم مع شدة حاجتهم.
ابن عطية
تفسير : قال السدي وغيره: سبب مجيئهم أن الجماعة التي أنذر بها يوسف أصابت البلاد التي كان بها يعقوب، وروي أنه كان في الغربات من أرض فلسطين بغور الشام. وقيل: كان بالأولاج من ناحية الشعب، وكان صاحب بادية له إبل وشاء، فأصابهم الجوع، وكان أهل مصر قد استعدوا وادخروا من السنين الخصيبة، فكان الناس يمتارون من عند يوسف، وهو في رتبة العزيز المتقدم، وكان لا يعطي الوارد أكثر من حمل بعير، يسوي بين الناس، فلما ورد إخوته عرفهم يوسف ولم يعرفوه هم، لبعد العهد وتغير سنه، ولم يقع لهم - بسبب ملكه ولسانه القبطي - ظن عليه؛ وروي في بعض القصص: أنه لما عرفهم أراد أن يخبروه بجميع أمرهم، فباحثهم بأن قال لهم - بترجمان - أظنكم جواسيس، فاحتاجوا - حينئذ - إلى التعريف بأنفسهم فقالوا: نحن أبناء رجل صديق، وكنا اثني عشر، ذهب واحد منا في البرية، وبقي أصغرنا عند أبينا، وجئنا نحن للميرة، وسقنا بعير الباقي منا، وكانوا عشرة، ولهم أحد عشرة بعيراً؛ فقال لهم يوسف: ولم تخلف أخوكم؟ قالوا: لمحبة أبينا فيه، قال: فأتوني بهذا الأخ حتى أعلم حقيقة قولكم وأرى لِمَ أحبه أبوكم أكثر منكم إن كنتم صادقين؟ وروي في القصص أنهم وردوا مصر، واستأذنوا على العزيز وانتسبوا في الاستئذان، فعرفهم، وأمر بإنزالهم، وأدخلهم في ثاني يوم على هيئة عظيمة لملكه وأهبة شنيعة؛ وروي أنه كان متلثماً أبداً ستراً لجماله، وأنه كان يأخذ الصواع فينقره، ويفهم من طنينه صدق ما يحدث به أو كذبه؛ فسئلوا عن أخبارهم، فكلما صدقوا قال لهم يوسف: صدقتم، فلما قالوا: وكان لنا أخ أكله الذئب، طن يوسف الصاع وقال: كذبتم، ثم تغير لهم، وقال: أراكم جواسيس، وكلفهم سوق الأخ الباقي ليظهر صدقهم في ذلك، في قصص طويل جاءت الإشارة إليه في القرآن وجيزة. و"الجهاز" ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع وكل ما يحمل، وكذلك جهاز العروس وجهاز الميت. وقول يوسف عليه السلام: {ألا ترون أني أوفي الكيل} الآية، يرغبهم في نفسهم آخراً، ويؤنسهم ويستميلهم. و {المنزلين} يعني المضيفين في قطره ووقته، و"الجهاز" - المشار إليه - الطعام الذي كان حمله لهم، ثم توعدهم إن لم يجيئوا بالأخ بأنه لا كيل لهم عنده في المستأنف، وأمرهم ألا يقربوا له بلداً ولا طاعة، و {لا تقربون} نهي لفظاً ومعنى، ويجوز أن يكون لفظه الخبر ومعناه النهي، وتحذف إحدى النونين كما قرىء {أية : فبم تبشرونِ} تفسير : [الحجر: 54] - بكسر النون - وهذا خبر لا غير. وخلط النحاس في هذا الموضع؛ وقال مالك رحمه الله: هذه الآية وما يليها تقتضي أن كيل الطعام على البائع، وكذلك هي الرواية في التولية والشركة: أنها بمنزلة البيع، والرواية في القرض: أن الكيل على المستقرض. وروي أنه حبس منهم شمعون رهينة حتى يجيئوه ببنيامين، - قاله السدي - وروي: أنه لم يحبس منهم أحداً. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : كان يوسف يلقي حصاة في إناء فضة مخوص بالذهب فيطن فيقول لهم: إن هذا الإناء يخبرني أن لكم أباً شيخاً ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: كأنها حيلة وإيهام لهم، وروي: أن ذلك الإناء به كان يكيل الطعام إظهاراً لعزته بحسب غلائه في تلك المدة، وروي: أن يوسف استوفى في تلك السنين أموال الناس، ثم أملاكهم، فمن هناك ليس لأحد في أرض مصر ومزارعها ملك. وظاهر كل ما فعله يوسف معهم أنه بوحي وأمر وإلا فكان بر يعقوب يقتضي أن يبادر إليه ويستدعيه، لكن الله تعالى أعلمه بما يصنع ليكمل أجر يعقوب ومحنته وتتفسر الرؤيا الأولى.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَعَرَفَهُمْ} من غير تعريف، أو ما عرفهم حتى تعرفوا إليه، أو عرفهم بلسانهم العبراني، قال "ع": لما عبر أبوهم بهم فلسطين فنزل وراء النهر سموا عبرانيين. وجاءوا ليمتاروا في سني القحط التي ذكرها يوسف في عبارته فدخلوا عليه لأنه كان يتولى بيع الطعام لعزته. {مُنكِرُونَ} لأنهم فارقوه صغيراً فكبر، وفقيراً فاستغنى، وباعوه عبداً فصار ملكاً.
النسفي
تفسير : {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ } بلا تعريف {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } لتبدل الزي ولأنه كان من وراء الحجاب ولطول المدة وهو أربعون سنة، وروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: أخبروني من أنتم وما شأنكم؟ قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار، فقال: لعلكم جئتم عيوناً تنظرون عورة بلادي. فقالوا: معاذ الله نحن بنو نبي حزين لفقد ابن كان أحبنا إليه وقد أمسك أخاً له من أمه يستأنس به فقال: ائتوني به إن صدقتم. {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ } أعطى كل واحد منهم حمل بعير، وقرىء بكسر الجيم شاذاً {ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى ٱلْكَيْلَ } أتمه {وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ } كان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم رغبهم بهذا الكلام على الرجوع إليه.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون} قال العلماء: لما اشتد القحط وعظم البلاء وعم ذلك جميع البلاد حتى وصل إلى بلاد الشام قصد الناس مصر من كل مكان للميرة وكان يوسف لا يعطي أحداً أكثر من حمل بعير وإن كان عظيماً تقسيطاً ومساواة بين الناس ونزل بآل يعقوب ما نزل بالناس من الشدة فبعث بنيه إلى مصر للميرة وأمسك عنده بنيامين أخا يوسف لأمه وأبيه وأرسل عشرة فذلك قوله تعالى وجاء إخوة يوسف وكانوا عشرة وكان مسكنهم بالعربات من أرض فلسطين والعربات ثغور الشام وكانوا أهل بادية وإبل وشياه فدعاهم يعقوب عليه الصلاة والسلام وقال بلغني أن بمصر ملكاً صالحاً يبيع الطعام فتجهزوا له واقصدوه لتشتروا منه ما تحتاجون إليه من الطعام فخرجوا حتى قدموا مصر فدخلوا على يوسف فعرفهم. قال ابن عباس ومجاهد: بأول نظرة نظر إليهم عرفهم، وقال الحسن: لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه وهم له منكرون يعني لم يعرفوه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين أن قذفوه في الجب وبين دخولهم عليه مدة أربعين سنة فلذلك أنكروه وقال عطاء: إنما لم يعرفوه لأنه كان على سرير الملك وكان على رأسه تاج الملك وقيل لأنه كان قد لبس زي ملوك مصر عليه ثياب حرير وفي عنقه طوق من ذهب وكل واحد من هذه الأسباب مانع من حصول المعرفة فكيف وقد اجتمعت فيه، وقيل إن العرفان إنما يقع في القلب بخلق الله تعالى له فيه وإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق ذلك العرفان في تلك الساعة في قلوبهم تحقيقاً لما أخبر أنه سينبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون فكان ذلك معجزة ليوسف عليه الصلاة والسلام فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية كلمهم بلسانهم فقال لهم أخبروني من أنتم وما أمركم فإني قد أنكرت حالكم قالوا: نحن قوم من أرض الشام رعاة قد أصابنا من الجهد ما أصاب الناس فجئنا نمتار؟ قال يوسف لعلكم جئتم تنظرون عورة بلادي قالوا: لا والله ما نحن بجواسيس إنما نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ كبير صديق يقال له يعقوب نبي من أنبياء الله تعالى قال وكم أنتم؟ قالوا كنا اثني عشر فذهب أخ لنا معنا إلى البرية فهلك فيها وكان أحبنا إلى أبينا قال: فكم أنتم الآن، قالوا: عشرة قال: وأين الآخر قالوا هو عند أبينا لأنه أخو الذي هلك لأمه فأبونا يتسلى به قال فمن يعلم أن الذي تقولون حق قالوا أيها الملك إننا ببلاد غربة لا يعرفنا فيها أحد قال فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين فأنا راض بذلك منكم قالوا إن أبانا يحزن لفراقه وسنراوده عنه قال فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني به فاقترعوا فيما بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ }، قال السدِّيُّ وغيره: سبب مجيئهم أنَّ المجاعة ٱتصَلَتْ ببلادِهِمْ، وكان النَّاس يمتارُونَ مِنْ عنْد يوسُف، وهو في رتبة العزيز المتقدِّم، وكان لا يعطي الوارد أكثر مِنْ حِملٍ بَعِيرٍ يُسَوِّي بين الناس، فلما ورد إِخوته، عَرَفَهم، ولم يَعْرفُوه لِبُعْدِ العهد وتغيُّر سنِّه، ولم يقعْ لهم بَسَبِب مُلْكه ولسانِهِ القبْطِيِّ ظنٌّ عليه، ورُوِيَ في بعض القصص، أنه لما عرفهم أراد أنْ يخبروه بجميعِ أمرهم، فباحَثَهُمْ بأنْ قال لهم بتَرْجُمَانٍ: «أُظنُّكُمْ جواسِيسَ»، فٱحتاجوا حينئذٍ إِلى التعريفِ بأنفسهم، فقالوا: نَحْنُ أبناءُ رجُلٍ صِدِّيقٍ، وكنا اثْنَيْ عَشَرَ ذهب منَّا واحدٌ في البَرِّيَّة، وبقي أصغرنا عنْدَ أبينا، وجئْنَا نَحْن للميرة، وسقنا بعير الباقي منَّا، وكنا عَشَرَةً، ولهم أحدَ عَشَرَ بعيراً، فقال لهم يوسف: ولِمَ تخلَّفَ أحدكم؟ قالوا: لمحبَّة أبينا فيه، قال: فأتوا بهذا الأخِ؛ حتى أعلم حقيقة قَوْلِكم، وأرَى لِمَ أحَبُّهُ أبوكم أَكْثَرَ منكم؛ إِن كنتم صادقين، وروي في القصص أنهم وَرَدُوا مصْرَ وٱستأذنوا على العزيز، وٱنْتَسَبُوا في ٱلاستئذان، فعرفَهُمْ، وأمر بإِنزالهم وأدخَلَهم في ثاني يومٍ على هيئة عظيمةٍ لمُلْكِه، وروي أنه كان متلثِّماً أبداً سَتْراً لجماله، وأنه كان يأخذ الصُّوَاع، فينقره، ويَفْهم منْ طنينه صدْقَ الحديثِ منْ كذبه، فَسُئِلوا عن أخبارهم، فكلَّما صدقوا، قال لهم يوسف: صَدَقْتم، فلما قالوا: وكَانَ لَنَا أخٌ أكله الذِّئب، أطنَّ يوسُفُ الصُّواع، وقال: كَذَبْتم، ثم تغيَّر لهم، وقال: أراكُمْ جواسيسَ، وكلَّفهم سَوْقَ الأخ الباقي؛ ليظهر صدْقُهم في ذلك؛ في قصصٍ طويلٍ، جاءت الإِشارة إِليه في القرآن، «والجهاز» ما يحتاج إِليه المسافر من زَادٍ ومتاعٍ. وقوله: {بِأَخٍ لَّكُم} * ص *: نَكَّرَهُ، ليريهم أنه لا يعرفُهُ، وفَرْقٌ بين غلامٍ لك، وبين غلامِكَ، ففي الأول أنت جاهلٌ به، وفي الثاني أنْتَ عالمٌ، لأن التعريف به يفيدُ نَوْعَ عهدٍ في الغلامِ بَيْنَكَ وبين المخاطَب، انتهى. وقول يوسف: {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي ٱلْكَيْلَ...} الآية: يرغِّبهم في نفسه آخراً ويؤَنِّسهم ويَسْتميلهم، و{ٱلْمُنْزِلِينَ }: يعني: المُضِيفين، ثم توعَّدهم بقوله: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ}، أي: في المستأنف، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : كَانَ يُوسُفُ يُلْقِي حَصَاةً في إِنَاءِ فِضَّةٍ مَخُوصٍ بالذَّهَبِ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الإِنَاءَ يُخْبِرُنِي أَنَّ لَكُمْ أَباً شَيْخاً » تفسير : ، ورُوِيَ أنَّ ذلك الإِناء به كان يَكِيلُ الطعامَ، إِظهاراً لِعزَّته بحسب غَلاَئِهِ، وروي أن يوسُفَ ٱستوفى في تلك السنين أمْوَالَ الناسِ، ثم أملاكَهم، وظاهر كُلِّ ما فعله يوسُفُ معهم أنَّه بوحْيٍ وأمْرٍ، وإِلا فَكَانَ بِرُّ يعقوب يقتضي أن يبادِرَ إِلَيْهِ ويستَدْعيه، لكنَّ اللَّه تَعَالى أَعلمه بما يَصْنَعُ؛ ليكمل أجْرَ يعقوب ومِحْنته، وتتفسَّر الرؤيا الأُولى. وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا }: يريد: لعلَّهم يعرفون لها يداً وتكرمةً يَرَوْنَ حقَّها؛ فيرغبون في الرجوعِ إِلينا، وأما مَيْزُ البِضَاعة، فلا يُقَالُ فيه: «لَعَلَّ» وقيل: قصد يوسف بِرَدِّ البضاعة أنْ يتحرَّجوا مِنْ أخْذِ الطعامِ بِلا ثَمنٍ، فيرجعوا لدَفْعِ الثمنِ، وهذا ضعيفٌ من وجوهٍ، وسرُورُهُم بالبضَاعةِ، وقولهم: {هَـٰذِهِ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا } يكشف أنَّ يوسف لم يَقْصِدْ هذا، وإِنما قصد أنْ يستميلهم، ويصلهم، ويُظْهِر أَنَّ ما فعله يوسف من صلتهم وجَبْرهم في تِلْكَ الشِّدَّة كان واجباً عليه، وقيلَ: عَلِمَ عَدَمَ البضاعةِ والدَّراهمِ عند أبيه؛ فرَدَّ البضاعة إِليهم؛ لئِلاَّ يمنعهم العُدْمُ من الرجوعِ إِليه، وقيل: جعلها توطئةً لجعل السقاية في رَحْلِ أخيه بعد ذلك، ليبيِّن أنه لم يَسْرِقْ لمن يتأمَّل القصَّة، والظاهر منَ القصَّة أنه إِنما أَراد ٱلاستئلاف وصِلَةَ الرحِمِ، وأصْلُ «نَكْتَلْ»: «نَكْتَئِل»، وقولهم: {مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ }: ظاهره أنهم أشاروا إِلى قوله: {فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي}، فهو خوفٌ في المستأنفِ، وقيل: أشاروا إِلى بعيرِ يَامِينَ، والأولْ أرجَحُ، ثم تضمَّنوا له حِفْظَه وحَيْطَته، وقول يعقوبَ عليه السلام: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ...} الآية: «هَلْ» توقيفٌ وتقريرٌ ولم يصرِّح بمنعهم مِنْ حمله؛ لما رأَى في ذلك مِنَ المصلحة، لكنَّه أعلمهم بقلَّة طَمَأْنينَتِهِ إِليهم، ولكنْ ظاهر أمرهم أنهم قد أنابُوا إِلى اللَّه سُبْحانه، وانتقلَتْ حالهم، فلم يَخَفْ على يَامِينَ، كخوفه علَى يوسُفَ، وقرأ نافعٌ وغيره: «خَيْرٌ حِفْظاً»، وقرأ حمزة وغيره: «خَيْرٌ حَافِظاً»، ونصب ذلك في القراءتين؛ على التمييز والمعنى: أنَّ حفظ اللَّه خَيْرٌ من حفْظِكم، فٱستسلم يعقوبُ عليه السلام للَّهِ، وتوكَّل علَيْه، وقولهم: {مَا نَبْغِي }: يحتمل أنْ تكون «ما» ٱستفهاماً؛ قاله قتادة: و{نَبْغِي}: من البُغْية، أي: ماذا نَطْلُبُ بَعْدَ هذه التَّكْرِمَة؛ هذا مَالُنَا رُدَّ إِلينا مع مِيرَتِنا، قال الزَّجَّاج: ويحتمل أنْ تكون «ما» نافية، أي: ما بقي لنا ما نَطْلُبُ، ويحتمل أنْ تكون أيضاً نافيةً، و{نَبْغِي} من البَغْيِ، أي: ما تَعَدَّيْنا فَكَذَبْنا على هذا المَلِكِ، ولا في وَصْف إِجماله وإِكرامه، هذه البضاعةُ رُدَّت إِلينا، وقرأ أبو حَيْوة: «ما تَبْغِي»؛ على مخاطبة يعقوبَ، وهي بمعنى ما تُرِيدُ، وما تطلب وقولهم: {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } يريدون بَعِيرَ أخيهم؛ إِذ كان يوسُفُ إِنما حمل لهم عَشَرَةَ أَبْعِرَةٍ، ولم يحملِ الحادِيَ عشر؛ لغيب صاحبه، وقولهم: {ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ }: قيل: معناه: يسيرٌ على يوسف أنْ يعطيه. وقال السدِّيَّ: {يَسِيرٌ }، أي: سريع لاَ نُحْبَسُ فيه ولا نُمْطَلُ. وقوله تعالى: {فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } الآية: أي لمَّا عاهدوه، أشْهَدَ اللَّه بينه وبينهم بقوله: {ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}، و«الوكيلُ»: القيِّم الحافظُ الضَّامن. وقوله: {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ }: لفظٌ عامٌّ لجميع وجوه الغَلَبة، وٱنظر أنَّ يعقوبَ عليه السلام قد توثَّق في هذه القصَّة، وأشْهَدَ اللَّه تعالى، ووصَّى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكُّله، فهذا توكُّل مع سبب، وهو توكُّل جميعِ المؤمنين إِلا مَنْ شَذَّ في رَفْض السعْي بالكليَّة، وقَنِعَ بالماء وبَقْلِ البَرِّيَّة، فتلك غايَةُ التوكُّل، وعليها بعضُ الأنبياء عليهم السلام، والشارعُونَ منهم مثبتون سُنَنَ التسبُّب الجائز، قال الشيخُ العارِفُ باللَّه عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبي جَمْرَةَ رضي اللَّه عنه: وقد ٱشتمل القُرْآنَ على أَحكامٍ عديدةٍ، فمنها: التعلُّق باللَّه تعالَى، وتركُ الأسبابِ، ومنها: عمل الأسبابِ في الظاهِرِ، وخُلُوُّ الباطن من التعلُّق بها، وهو أجلُّها وأزكاها؛ لأن ذلك جَمْعٌ بينَ الحكمَةِ وحقيقة التَّوْحيد، وذلك لا يكُونُ إِلا للأفذاذِ الذين مَنَّ اللَّه عليهم بالتوْفِيق؛ ولذلك مَدَحَ اللَّه تعالَى يعقُوبَ عليه الصلاة والسلام في كتابه، فقال: { أية : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [يوسف:68] لأنه عمل الأسباب، وٱجتهد في توفيتها، وهو مقتضَى الحكمةِ، ثم رَدَّ الأمر كلَّه للَّه تعالى، وٱستسلم إِليه، وهو حقيقةُ التَّوحيد، فقال: {وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ...} الآية:، فأثنَى اللَّه تعالَى عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ جمعه بَيْن هاتين الحَالَتَيْنِ العظيمتين. وقوله: {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ}: قيل: خَشِيَ عليهم العَيْنَ، لكونهم أحَدَ عَشَر لرجلٍ واحدٍ، وكانوا أهْلَ جمالٍ وبَسْطة؛ قاله ابن عباس وغيره.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ} الآية: ورُوِيَ أنَّ يوسف ـ عليه السلام ـ لا يشبعُ من طعامٍ في تلك الأيَّام؛ فقيل له: أتجوعُ وبيدِكَ خزائِنُ الأرض؟ فقال: أخافُ إن شبعتُ نسيت الجياع، وأمر يوسفُ طبَّاخِي الملك أن يَجْعلُوا غذاءه نصف النهار؛ وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجُوعِ، ولا يَنْسَى الجَائعِينَ، من ثمَّ جعل الملوكُ غذاءهم نصف النَّهار. وعمَّ القَحْطُ البلاد حتَّى أصاب أرض كنعان وبلاد الشام. ونزل بيعقوب ما نزل بالنَّاس؛ فأرسل بنيه إلى مصر؛ للميرة، وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه، فذلك قوله تعالى: {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} وكانوا عشرة، وكان منزلهم بالقُرياتِ من أرض فلسطين بغور الشام، وكانوا أهل باديةٍ، وإبل، وشاء، فقال لهم يعقوب: بلغنِي أنَّ بمصرَ مَلِكاً صالِحاً يبيعُ الطعامَ فتجهَّزوا، واذهبُوا؛ لتَشْتَروا منه الطعام، فقدموا على مصر، فدخلوا على يوسف، فعرفهم يوسفُ. قال ابنُ عباسٍ ـ رضي الله عنهما ــ، ومجاهدٌ: عرفهم بأول ما نظر إليهم، وهم ما عرفوه ألبتة. وقال الحسنُ: لَمْ يعْرِفهُمْ حتَّى تعرَّفُوا إليه. وكان كلُّ من وصل إلى بابه من البلادِ، وتفَحَّصَ عنهُم، وتعرَّف أحوالهم؛ ليعرف هل هُمْ إخوتهُ أمْ لاَ، فلما وصل إخوة يوسف إلى باب داره تفحص عن أحوالهم فظهر له أنهم إخوته، وأما كونهم ما عرفوه؛ فلأنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أمر حُجَّابهُ بأنْ يُوقِفُوهم على البعد وما كان يتكلم معه إلاَّ بالواسطة أيضاً، فمهابة الملكِ، وشدةُ الحاجةِ، توجِبُ كثرة الخوفِ. وأيضاً: إنما رأوهُ بعد وُفُورِ اللَّحيةِ، وتغير الزيِّ والهيئةِ؛ لأنَّهم رأوه جالساً على سريرٍ، وعليه ثيابُ الحرير، وفي عُنقِهِ طوقٌ من ذهبٍ، وعلى رأسه تاجٌ من ذهبٍ، وأيضاً نسوا واقعة يُوسفَ؛ لطول المُدَّة، ويقال: إنَّ من وقْتِ ما ألقوهُ في الجُبِّ إلى هذا الوقت أربعين سنةً، وكلُّ واحدٍ من هذه الأسباب يَمْنَعُ حصول المعرفةِ لا سيّما عند اجتماعها. قوله: {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} العامة على فتح الجيم وقرىء بكسرها، وهما لغتان، فيما يحتاجه الإنسان من زادٍ ومتاعٍ. منه: جِهَاز العرُوس، وجِهازُ الميت. قال الليثُ ـ رحمه الله ـ: جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزاً: إذا تكلَّفت لهُمْ جِهَازهُمْ للسَّفرِ، وقال: وسمعت أهل البصرة يقولون: الجِهازُ بالكسر. قال الأزهريُّ: "القراءُ كلُّهم على فتح الجيم، والكسر لغةٌ ليست بجيدةٍ". فصل قال المفسرون: حمل لكُلِّ واحدٍ منهم بعيراً، أكرمهم بالنزُولِ وأعطاهم ما احتاجوا إليه؛ فذلك قوله تعالى: {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ} ولم يقل بأخيكم بالإضافة؛ مبالغة في عدم تعرفه بهم. ولذلك فرَّقوا بين مررت بغلامك، وبغلام لك. فإنَّ الأول يقتضي عرفانك بالغُلامِ، وأنَّ بينك وبين مُخَاطِبك نوعُ عهدٍ. والثاني لا يَقْتَضِي ذلك، وقد تخبرُ عن المعرفةِ إخبار النكرةِ، فتقول: قال رجلٌ كذا، وأنت تعرفه؛ لصدقِ إطلاقِ النكرةِ على المعرفةِ. واعلم أنَّهُ لا بُدَّ من كلامٍ سابقٍ يكون سبباً لعرفان يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ [وطلبه لـ] أخيهم، وذكروا فيه وجوهاً: الأول ـ وهو أحسنها ـ: أنَّ عادة يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع الكلِّ أن يعطي كل واحدٍ حمل بعيرٍ، وكان إخوته عشرةً؛ فأعطاهم عشرة أحمال؛ فقالوا: إنَّ لنا أباً شيخاً كبيراً، وأخاً آخر بقي معه، وذكروا أنَّ أباهم ـ لاجل كبر سنِّه، وشدَّة حزنه ـ لم يحضرْ، وأنَّ أخاهم بقي في خدمةِ أبيه، فلما ذكروا ذلك قال يوسف: هذا يدلُّ على أنَّ حبَّ أبيكم له أزيدُ من حُبَّه لكم، وهذا شيءٌ عجيبٌّ! لأنكم مع جمالكم، وعقلكم، وأدبكم، إذا كانت محبةُ أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبته لكم، دل هذا على أن ذلك أعجوبةٌ في العقلِ، والفضلِ، والأدبِ، فائتُونِي به حتى أراهُ. الثاني: لعلَّهم لما ذكروا أباهم، قال يوسف: فَلِمَ تركتموه وحيداً فريداً؟. قالوا ما تركناه وحيداً بل بقي عنده واحد، فقال لهم: ولِمَ استخلصه لنفسه؟ لأجلِ نقصِ في جسده؟ فقالوا: لا بل لأجلِ أنه يُحبُّه أكثر من محبته لسائرِ الأولادِ، فقال: لما ذكرتم أن أباكم رجلٌ عالمٌ حكيمٌ، ثم إنه خصَّه بمزيدِ المحبةِ، وجب أن يكون زائداً عليكم في الفضلِ، والكمالِ مع أنِّي أراكم فضلاء علماء حكماء؛ فاشتاقت نفسي إلى رؤية ذلك الأخ؛ فائتُونِي بهِ. الثالث: قال المفسرون: ولما دخَلُوا عليه وكلَّمُوه بالعِبرانيَّةِ، قال لهم: مَنْ أنتُمْ؟ وما أمركم؟ فإني أنكرتُ شأنكم؟. قالوا: قومٌ من أرضِ الشام رعاة، أصابنا الجَهْد؛ فجِئْنَا نَمْتَارُ، فقال: لعلكم جِئتُم عُيُونا تنظرون عَوْرَة بلادِي، قالوا: معَاذ اللهِ! ما نحن بجَواسِيسَ؛ إنما نحنُ إخوةٌ بنو أبٍ واحدٍ، وهو شيخٌ صدِّيقٌ يقال له يعقوب نَبِيٌّ من أنبياء الله ـ تعالى ـ. قال: كم أنتم؟ قالوا: كُنَّا اثني عشر، هلك مِنَّا واحدٌ، وبقي واحدٌ مع الأب؛ يتسلَّى به عن ذلك الولدِ الذي هلك، ونحن عشرةٌ. قال: فمن يعلم أنَّ الذي تقولونه حق؟. قالوا: أيُّها الملك: إننَّا ببلادٍ لا يعرفنا فيها أحدٌ. قال: فدعوا بعضكم عندي؛ رهينةً، وائْتُونِي بأخٍ لكم، ليبلغ لكم رسالة أبيكم إن كنتم صادقين. فعند هذا أقرعوا بينهم؛ فأصبت القرعُة شمعون، وكان أحسنهم رأياً في يُوسُفَ، فخلفوه عنده. ثم إنه ـ تعالى ـ حَكَى عنه أنَّهُ قال: {ألا ترون إني أوفي الكيل}، أي: أوَفِّيه، ولا أبخسُه، وأزيدكم حمل بعيرٍ؛ لأجل أخيكم. {وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ} أي: خَيْرُ المضيفين؛ لأنه أحسن إنزالهم، وأحسن ضيافتهم. قال ابنُ الخطيب ـ رحمه الله ـ: وهذا الكلامُ يُضعِّفُ ما نُقِل عن المفسرين بأنَّه اتَّهَمَهُم، ونسبهُم إلى أنَّهم جواسِيسَ، ولم يشافههم بذلك الكلام فلا يليقُ به أن يقول لهم: {ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين}، وأيضاً: بعيدٌ من يوسف ـ مع كونه ـ صديقاً ـ أن يقول لهم: أنتم جواسيسُ وعيون، مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التُّهمةِ؛ لأن البُهْتَان لا يليق بحال الصديق. ثم قال: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي}، أي: ليس لكم عندي طعام أكيله لكم، {وَلاَ تَقْرَبُونِ} أي: لا تقربوا داري وبلادي، وكانوا في نهاية الحاجةِ إلى الطعام، وما يمكنهم تحصيله إلاَّ من عنده، فإذا منعهم من الحضورِ، كان ذلك نهاية التَّخويف. قوله: {وَلاَ تَقْرَبُونِ} يتحمل أن تكون "لا" ناهية؛ فيكون {تَقْرَبُونِ} مجزوماً، ويحتمل أن تكون لا النافية، وفيها وجهان: أحدهما: أن يكون داخلاً في حيز الجزاءِ معطوفاً عليه، فيكون أيضاً مجزوماً على ما تقدم. والثاني: أنه نفي مستقل معطوفٍ على جزاءِ الشرطِ، وهو خبرٌ في معنى النَّهي؛ كقوله: {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ}تفسير : [البقرة:192]. فصل لما سَمِعُوا هذا الكلام من يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ {قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ}، أي: نطلبه، ونجتهد في أن يرسله معنا، {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} ما أمَرْتنَا به، والغرض من التَّكريرِ؛ التأكيد. وقيل: "وإنا لفاعلون" أيْْ: كل ما في وسعنا من هذا الباب.
البقاعي
تفسير : ولما كان المعنى - كما تقدم: فجعل إليه خزائن الأرض، فجاءت السنون المخصبة، فدبرها بما علمه الله، ثم جاءت السنون المجدبة فأجدبت جميع أرض مصر وما والاها من بلاد الشام وغيرها، فأخرج ما كان ادخره من غلال سبع سنين بالتدريج أولاً فأولاً - كما حد له {العليم الحكيم} فتسامع به الناس فجاؤوا للامتيار منه من كل أوب {وجاء إخوة يوسف} العشرة لذلك، وحلف أبوهم بنيامين أخا يوسف عليه السلام لأمه عنده، ودل على تسهيله إذنهم بالفاء فقال: {فدخلوا عليه} أي لأنه كان يباشر الأمور بنفسه كما هو فعل الكفاة الحزمة، لا يثق فيه بغيره {فعرفهم} لأنه كان مرتقباً لحضورهم لعلمه بجدب بلادهم وعقد همته بهم. مع كونه يعرف هيئاتهم في لباسهم وغيره، ولم يتغير عليه كبير من حالهم. لمفارقته إياهم رجالاً {وهم له منكرون *} ثابت إنكارهم عريق فيهم وصفهم به، لعدم خطوره ببالهم لطول العهد، مع ما تغير عليهم من هيئته بالسن وانضاف إليه من الحشم والخدم واللباس وهيئة البلد وهيبة الملك وعز السلطان، وغير ذلك مما ينكر معه المعروف، ويستوحش لأجله من المألوف، وفق ما قال تعالى{أية : لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}تفسير : [ يوسف:15] والدخول: الانتقال إلى محيط، والمعرفة: تبين الشيء بالقلب بما لو شوهد لفرق بينه وبين غيره مما ليس على خاص صفته. ولما كان المعنى في قوة أن يقال: فطلبوا منه الميرة فباعهم بعد أن استخبرهم عن أمرهم، وقال لهم: لعلكم جواسيس؟ وسألهم عن جميع حالهم. فأخبروه بأبيهم وأخيهم منه، ليعلم صلاحهم ولا يظن أنهم جواسيس، عطف عليه قوله: {ولما جهزهم} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {بجهازهم} الذي جاؤوا له وقد أحسن إليهم؛ والجهاز: فاخر المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد {قال} أي لهم {ائتوني} أيها العصابة {بأخ لكم} كائن {من أبيكم} يأتي برسالة من أبيكم الرجل الصالح حتى أصدقكم، أو أنهم طلبوا منه لأخيهم حملاً، فأظهر أنه لم يصدقهم، وطلب إحضاره ليعطيه، فإنه كان يوزع الطعام على قدر الكفاية؛ ثم رغبهم بإطماعهم في مثل ما فعل بهم من الإحسان، وكان قد أحسن نزلهم، فقال مقرراً لهم بما رأوا منه: {ألا ترون} أي تعلمون علماً هو كالرؤية {أني أوفي الكيل} أي أتمه دائماً على ما يوجبه الحق {وأنا خير المنزلين *} أضع الشيء في أولى منازله. ولما رغبهم، رهبهم فقال: {فإن لم تأتوني به} أي بأخيكم أول قدمة تقدمونها {فلا كيل لكم} وعرفهم أنه لا يمنعهم من غيره فقال: {عندي ولا تقربون *} ومع ذلك فلم يخطر ببالهم أنه يوسف، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: {قالوا سنراود} أي بوعد لا خلف فيه حين نصل {عنه أباه} أي نكلمه فيه وننازعه الكلام ونحتال عليه فيه، ونتلطف في ذلك، ولا ندع جهداً؛ ثم أكدوا ذلك - بعد الجملة الفعلية المصدرة بالسين - بالجملة الاسمية المؤكدة بحرفي التأكيد، فقالوا: {وإنا لفاعلون *} أي ما أمرتنا به والتزامناه، وقد مضى عند {وراودته} أن المادة - يائية وواوية بهمز وبغير همز - تدور على الدوران، ومن لوازمه القصد والإقبال والإدبار والرفق والمهلة، وقد مضى بيان غير المهموز، وأما المهموز فمنه درأه، أي دفعه - لأن المدفوع يرد إلى الموضع الذي أتى منه، والمدارأة: المدافعة والمنازعة مطلقاً، أي سواء كانت برفق أو بعنف، ثم كثرت فقصرت على الملاينة، ويلزم من الدفع حلول المدفوع في موضع لا يريده بغتة، ومنه: درأ علينا، أي خرج مفاجأة، قال القزاز: وأصله من قولهم: جاء السيل درأ، أي يدرأ بعضه بعضاً، وهو الذي يأتي من مكان لا يعلم به، واندرأ فلان علينا بالشر - إذا أتى به من حيث لم ندر، والدرء: النشوز، وهو من الدفع، وكوكب دريء: متوقد متلألىء - كان نوره يدفع بعضه بعضاً، ومنه درأت النار: أضاءت، واندرأ الحريق: انتشر، ودرأ الشيء: بسطه - لأن المبسوط لا يخلو عن دفع، وتدارؤوا: تدافعوا في الخصومة. ودرأ البعير: أغد، ومع الغدة ورم في ظهره، وناقة دارىء: مغدة، وذلك لأن الغدة ملزومة للدفع، لا تنفك عنه بالقتب والركب وغيرهما، وكل ناتىء في الجسد هذا شأنه، ومنه الدرء: لقطعة من الجبل مشرقة، وناقة مدرىء: أنزلت اللبن وأرخت ضرعها عند النتاج - كأنها دفعتهما، وادرأت الصيد - على "افتعلت": اتخذت له دريئة، وقد تقدمت "الدرية" في الواوي، ومنه: ادرأت فلاناً - ذا اعتمدته، والدرء: الميل والعوج - لأنه أهل لأن يدفع ليقوم، وطريق ذو دروء، أي كور وأخاقيق أي شقوق - فكأنها تدفع صاحبها عن القصد، وتدرؤوا عليهم: تطاولوا - لأن ذلك لا يخلو عن مدافعة كالنشوز، ويلزم الدفع القوة، ومنه رجل ذو تدرا، أي منعه وقوة، ورادته بكذا - بتقديم الراء: جعلته قوة له وعماداً يدافع عنه، والردء: العون والمادة والعدل الثقيل - لأنه يدافع ليعتدل، وردأ الحائط: دعمه، وردأه بحجر: رماه به، لأنه إذا أصابه دفعه، والإبل: أحسن القيام عليها، لأن ذلك لا يكون إلا بمدافعة، وأردأ الستر: أرخاه، بدفعه له من المكان الذي كان به، وأردأ الولد: سكنه وأنسه، فدفع الهم عنه، وأردأ الشيء: أقره - كأنه لسلب الدفع، وكذا أردأه أي أفسده، إما بأنه لم يدافعه بإحسان القيام عليه فأفسده، أو أنه زاد في الدفع حتى فسد، ومن ذلك أردأ - إذا فعل رديئاً، أي فعلا فاسداً ليس بجيد، وكأن من ذلك الأدرة - بالضم ساكنة وتحرك - وهي عظم الخصيتين في الناس والخيل؛ ومن التدافع: ترأدت الحية: اهتزت في انسيابها ورفعت رأسها، والريح: اضطربت - فكأن بعضها يدفع بعضاً، ومنه رأد الضحى: ارتفاعه، وترأد الضحى: ارتفع، وكذلك الجارية الرأدة والرؤد - بالضم، أي الناعمة، وقال القزاز: السريعة الشباب مع حسن غذاء، وقال ابن دريد: جارية رأدة - غير مهموز: كثيرة المجيء والذهاب، فإذا قلت: جارية رؤدة فهي الناعمة. فإذا فسرت بالذهاب والمجيء فهو من الدوران الذي هو المدار، وإذا فسرت بالناعمة فهو من الاضطراب اللازم له، وغصن رؤد - بالضم: رطب - من ذلك، قال القزاز: وأحسب الجارية الناعمة إنما سميت رؤداً من هذا، وترأد: اهتز نعمة، وزيد: قام فأخذته رعدة، والغصن: تفيأ، والعنق: التوى - كله من الدوران وما يلزمه من الاضطراب، ورئد الإنسان: صديقه، لأنه يراوده ويداوره، والرأدة: أصل اللحى، وهو أصول منبت الأسنان، وهو العظم الذي يدور فيه طرفا اللحيين مما يلي الصدغين؛ ومن الرفق والمهلة: الرؤدة - بالضم، وهي التؤدة. ولما أعلمنا سبحانه أنه رغبهم في شأن أخيه، ورهبهم بالقول، أعلمنا بأنه رغبهم فيه بالفعل، فقال عاطفاً على قوله الماضي لهم: {وقال} أي يوسف عليه الصلاة والسلام شفقة على إخوته وإرادة لنصحهم فيما سألهم فيه: {لفتيانه} أي غلمانه، وأصل الفتى: الشاب القوي، وسيأتي شرحه عند قوله تعالى: {تفتؤا تذكر يوسف} {اجعلوا بضاعتهم} أي ما بضعوه أي قطعوه من مالهم للتجارة وأخذناه منهم ثمناً لطعامهم الذي دفعناه لهم {في رحالهم} أي عدولهم؛ والرحل: ما أعد للرحيل من وعاء أو مركب {لعلهم يعرفونها} أي بضاعتهم؛ وعبر بأداة التحقق تفاؤلاً لهم بالسلامة، أو ظناً، أو علماً بالوحي، فقال: {إذا انقلبوا} راجعين {إلى أهلهم} أي يعرفون أنها هي بعينها، رددتها عليهم إحساناً إليهم، ويجزمون بذلك، ولا يظنون أن الله أخلف عليهم مثلها نظراً إلى حالهم وكرامة لأبيهم، ويعرفون هذه النعمة لي {ولعلهم يرجعون *} أي ليكون حالهم وحال من يرجع إلينا إذا عرفوها، لردها تورعاً، أو للميرة بها إن لم يكن عندهم غيرها، أو طمعاً في مثل هذا، وإنما لم يبادر إلى تعريفهم بنفسه والتعجيل بإدخال السرور على أبيه، لأن ذلك غير ممكن عادة - لما يأتي من الحكم البالغة والتدبير المتين، ودل على إسراعهم في الرجوع بالفاء فقال: {فلما رجعوا} أي إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام {إلى أبيهم} حملهم ما رأوا - من إحسان الصديق وحاجتهم إليه وتبرئتهم لأنفسهم عن أن يكونوا جواسيس - على أن {قالوا ياأبانا}. ولما كان المضار لهم مطلق المنع، بنوا للمفعول قولهم: {منع منا الكيل} لأخينا بنيامين على بعيره لغيبته، ولنا كلنا بعد هذه المرة إن لم نذهب به معنا ليظهر صدقنا؛ والمنع: إيجاد ما يتعذر به على القادر الفعل. وضده: التسليط، وأما العجز فضده القدرة {فأرسل} أي بسبب إزالة هذا المنع {معنا أخانا} إنك إن ترسله معنا {نكتل} أي لنفسه كما يكتال كل واحد منا لنفسه - هذا على قراءة حمزة والكسائي بالتحانية، ولنؤوله على قراءة الجماعة بالنون - من الميرة ما وظفه العزيز، وهو لكل واحد حمل، وأكدوا لما تقدم من فعلهم بيوسف عليه الصلاة والسلام مما يوجب الارتياب بهم، فقالوا: {وإنا له} أي خاصة {لحافظون *} أي عن أن يناله مكروه حتى نرده إليك، عريقون في هذا الوصف، فكأنه قيل: ما فعل في هذا بعد ما فعلوا إذ أرسل معهم يوسف عليه الصلاة والسلام؟ قيل: عزم على إرساله معهم، ولكنه أظهر اللجاء إلى الله تعالى في أمره غير قانع بوعدهم المؤكد في حفظه، لما سبق منهم من مثله في يوسف عليه الصلاة والسلام بأن {قال هل آمنكم} أي أقبل منكم الآن وفي مستقبل الزمان تأمينكم لي فيه مما يسوءني تأميناً مستعلياً {عليه} أي بنيامين {إلا كما آمنتكم} أي في الماضي {على أخيه} أي يوسف عليه الصلاة والسلام. ولما كان لم يطلع يوسف عليه الصلاة والسلام على خيانة قبل ما فعلوا به، وكان ائتمانه لهم عليه إنما هو زمان يسير، أثبت الجار فقال: {من قبل} فإنكم أكدتم غاية التأكيد فلم تحفظوه لي ولم تردوه إليّ - والأمن: اطمئنان القلب إلى سلامة النفس - فأنا في هذا لا آمن عليه إلا الله {فالله} أي المحيط علماً وقدرة {خير حافظاً} منكم ومن كل أحد {وهو} أي باطناً وظاهراً {أرحم الراحمين *} فهو أرحم بي من أن يفجعني به بعد مصيبتي بأخيه؛ فأرادوا تفريغ ما قدموا به من الميرة {ولما فتحوا} أي أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام {متاعهم} أي أوعيتهم التي حملوها من مصر {وجدوا بضاعتهم} أي ما كان معهم من كنعان بشراء القوت. ولما كان المفرح مطلق الرد. بنى للمفعول قوله: {ردت إليهم} والوجدان: ظهور الشيء للنفس بحاسة أو ما يغني عنها، فكأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: {قالوا} أي لأبيهم {ياأبانا ما} أي أي شيء {نبغي} أي نريد، فكأنه قال لهم: ما الخبر؟ فقالوا بياناً لذلك وتأكيداً للسؤال في استصحاب أخيهم: {هذه بضاعتنا} ثم بينوا مضمون الإشارة بقولهم: {ردت إلينا} هل فوق هذا من إكرام. ولما كان التقدير: فنرجع بها إليه بأخينا، فيظهر له نصحنا وصدقنا، بنى عليه قوله: {ونمير أهلنا} أي نجلب إليهم الميرة برجوعنا إليه؛ والميرة: الأطعمة التي تحمل من بلد إلى بلد {ونحفظ أخانا} فلا يصيبه شيء مما يخشى عليه، تأكيداً للوعد بحفظه وبياناً لعدم ضرر في سفره، ويدل على ما في التوراة - من أنه كان سجن أحدهم ليأتوا بأخيهم الأصغر - قوله: {ونزداد كيل بعير} أي فيكون جملة ما نأتي به بعد الرجوع إليه اثني عشر حملاً، لكل منا حمل، وللمسجون حملان - لكرّته الأولى والثانية، وذلك أنه كان لا يعطي إلا حملاً لكل رأس، فكأنه ما أعطاهم لما جهزهم غير تسعة أحمال، فكأنه قيل: وهل يجيبكم إلى ذلك في هذه الأزمة؟ فقالوا: نعم، لأن {ذلك كيل يسير *} بالنسبة إلى ما رأينا من كرم شمائله وضخامه ملكه وفخامة همته، فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: {قال} أي يعقوب عليه الصلاة والسلام {لن أرسله} أي بنيامين كائناً {معكم} أي في وقت من الأوقات {حتى تؤتون} من الإيتاء وهو الإعطاء، أي إيصال الشيء إلى الأخذ {موثقاً} وهو العقد المؤكد. ولما كان مراده موثقاً ربانياً، وكان الموثق الرباني - وهو ما كان بأسمائه تعالى لكونه أذن سبحانه فيه وأمر بالوثوق به - كأنه منه، قال: {من الله} أي الملك الأعظم بأيمان عظيمة: والله {لتأتنَّني} كلكم {به} من الإيتان، وهو المجيء في كل حال {إلا} في حال {أن يحاط} أي تحصل الإحاطة بمصيبة من المصائب، لا طاقة لكم بها {بكم} فتهلكوا من عند آخركم، كل ذلك زيادة في التوثيق، لما حصل له من المصيبة بيوسف عليه الصلاة والسلام وإن كان الاعتماد في حفظه إنما هو على الله، وهذا من باب "اعقلها وتوكل" فأجابوه إلى جميع ما سأل {فلما آتوه} أي أعطاه بنوه {موثقهم قال الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {على ما نقول وكيل *} هو القادر على الوفاء به المرجو للتصرف فيه بالغبطة، لا أنتم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إن إخوة يوسف لما دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون، جاء بصواع الملك الذي كان يشرب فيه فوضعه على يده، فجعل ينقره ويطن، وينقره ويطن، فقال: إن هذا الجام ليخبرني عنكم خبراً. هل كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، وكان أبوه يحبه دونكم، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في الجب، وأخبرتم أباكم أن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب؟؟؟.... قال: فجعل بعضهم ينظر إلى بعض، ويعجبون أن هذا الجام ليخبر خبرهم، فمن أين يعلم هذا؟! وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الجلد - رضي الله عنه - قال: قال يوسف عليه السلام لإخوته: إن أمركم ليريبني، كأنكم جواسيس قالوا: يا أيها العزيز إن أبانا شيخ صديق، وأنا قوم صديقون، وإن الله ليحيي بكلام الأنبياء القلوب، كما يحيي وابل السماء والأرض، ويقول لهم - وفي يده الإِناء وهو يقرعه القرعة - كأن هذا يخبر عنكم بأنكم جواسيس. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عون قال: قلت للحسن - رضي الله عنه - ترى يوسف عرف اخوته؟ قال: لا والله ما عرفهم حتى تعرفوا إليه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم،عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {فعرفهم وهم له منكرون} قال: لا يعرفونه. وأخرج أبو الشيخ عن وهب - رضي الله عنه - قال: لما جعل يوسف عليه السلام ينقر الصاع ويخبرهم، قام إليه بعض اخوته فقال: أنشدك الله أن لا تكشف لنا عورة.
القشيري
تفسير : عَرَفَ يوسفُ - عليه السلام - إخوتَه وأنكروه، لأنهم اعتقدوا أنّه في رِقِّ العبودية لمّا باعوه، بينما يوسف - في ذلك الوقت - كان قاعداً بمكانِ المَلِكِ. فَمَنْ طلب الملِكَ في صفة العبيد متى يعرفه؟ وكذلك مَنْ يعتقد في صفات المعبودِ ما هو مِنْ صفات الخَلْق... متى يكون عارفاً؟ هيهات هيهات لما يحسبون! ويقال لمَّا أَخْفَوْه صار خفاؤه حجَاباً بينهم وبين معرفتهم إياه، كذلك العاصي.. بخطاياه وزلاتِه تقع غَبَرَةٌ على وجه معرفته.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} نكرة الاخوة كانت فى رؤية يوسف من سبب اختفاء تجلى الحق عن عيونهم فى وجه يوسف فيرونه ولا يرون ذلك النور والتجلى كما رأوه قبل الجناية فغطى الله عيونهم بنكرة الجفاء عن رؤية تلك الانوار فلما لم يورا ذلك جهلوه قال بعضهم جهلهم لما تقدم من جفوتهم له فاحوجهم الله اليه وقال الاستاد يقال لما جفوه صار جفاؤهم حجابا بينهم وبين معرفتهم اياه كذلك المعاصى بخطابه وزلته يقع غيرة على وجه معرفته.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجاء اخوة يوسف} [آورده اندكه اثر قحط بكنعان وبلاد شام رسيده كار بر اولاد يعقوب تنك كرديد وكفتند اى بدر درشهر مصر ملكيست كه همه قحط زدكانرامى نوازد وكار غربا وابناء سبيل بدلخواه ايشان مى سازد] شعر : زا حسانش آسوده بر ناوبير وزوكشته خوش دل غريب وفقير ببخشش زابر بهارى فزون صفات كمالش زغايت برون تفسير : [اكرفرمايى برويم وطعامى جهت كرسنكان كنعان بياريم يعقوب اجارت فرمود وبنيامين را جهت خدمت خود باز كرفت وده فرزند ديكر هريك باشترى وبضاعتى كه داشتند روى براه آوردند ويك شترجهت بنيامين يا بضاعت او همراه بردند] وقال بعضهم لما اجدبت بلاد الشام وغلت اسعارها جمع يعقوب بنيه وقال لهم يا بنى أما ترون ما نحن فيه من القحط فقالوا يا ابانا وما حيلتنا قال اذهبوا الى مصر واشتروا منها طعاما من العزيز قالوا يا نبى الله كيف يطيب قلبك ترسلنا الى فراعنة الارض وانت تعلم عداوتهم لنا ولا نأمن ان ينالنا منهم شر وكانت تسمى ارض مصر بارض الجبابرة لزيادة الظلم والجور فقال لهم يا بنى قد بلغنى انه ولى مصر ملك فاذهبوا اليه واقرئوه منى السلام فانه يقضى حاجتكم ثم جهز اولاده العشرة وارسلهم فذلك قوله تعالى {وجاء اخوة يوسف} اى ممتارين قالوا لما دنا ملاقاة يعقوب بيوسف وتحول الحال من الفرقة الى الوصلة ومن الالم الى الراحة ابتلى الله الخلق ببلاء القحط ليكون ذلك وسيلة الى خروج ابناء يعقوب لطلب المعاش وهو الى المعارفة والمواصلة وكانت بين كنعان ومصر ثمانى مراحل لكن ابهم الله تعالى ليعقوب عليه السلام مكان يوسف ولم يأذن فى تعريف حاله له الى مجيئ الوقت المسمى عند الله تعالى فجاؤا بهذا السبب الى يوسف فى مصر {فدخلوا عليه} اى على يوسف وهو فى مجلس حكومته على زينة واحتشام {فعرفهم} فى بادئ الرأى واول النظر لقوة فهمه وعدم مباينة احوالهم السابقة لحالهم يومئذ لمفارقته اياهم وهم رجال وتشابه وهيآتهم وزيهم فى الحالين وليكون همته معقودة بهم وبمعرفة احوالهم لا سيما فى زمان القحط وقد اخبره الله حين ما القاء اخوته فى الجب لتنبئتهم بامرهم هذا وهم لا يشعرون فعلم بذلك انهم يدخلون عليه البتة فلذلك كان مترصدا لوصولهم اليه فلما رآهم عرفهم {وهم له منكرون} اى والحال انهم منكرون ليوسف لطول العهد لما قال ابن عباس رضى الله عنهما انه كان بين ان قذفوه فى البئر وبين ان دخلوا عليه اربعون سنة ومفارقته اياهم فى سن الحداثة ولاعتقادهم انه قد هلك ولذهابه عن اواهامهم لقلة فكرهم فيه ولبعد حاله التى رأوه عليها من الملك والسلطان عن حاله التى فارقوه عليها طريحا فى البئر مشريا بدراهم معدودة وقلة تأملهم فى حلاه من الهيبة والاستعظام. وفى التأويلات النجمية عرفهم بنور المعرفة والنبوة {وهم له منكرون} لبقاء ظلمة معاصيهم وحرمانهم من نور التوبة والاستغفار ولو عرفوه حق المعرفة ما باعوه بثمن بخس
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وجاء إخوة يوسف} إلى مصر للميرة، {فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون}، إنما أنكروه؛ لبعد العهد ولتغير سنه، ولأنهم فارقوه في سن الحداثة، ولتوهمهم أنه هللك، أو لقلة تأملهم في حاله؛ لشدة هيبتهم إياه، أو لأنه كان مُلثّماً. رُوي أنهم دخلوا عليه في قصر مُلكه وهو في هيئة عظيمة من الملك، والتاج على رأسه، فقال لهم بعد أن عرفهم: من أنتم، وما أمركم، وما جاء بكم إلى بلادي، ولعلكم عيون؟ فقالوا: معاذ الله، نحن بنو أب واحد، وهو شيخ صدِّيق، نبي من الأنبياء، اسمه يعقوب. قال: كم أنتم. قالوا: كنا اثني عشر، فذهب أحدنا إلى البرية، فهلك. فقال: فكم أنتم ها هنا؟ قالوا: عشرة. قال: فأين الحادي عشر؟ قالوا: عند أبيه يتسلّى به عن الهالك، قال: فمن يشهد لكم؟ قالوا: لا يعرفنا ها هنا من يشهد لنا. قال: فَدَعوا عندي بعضكم رهينة، وائتوني بأخ لكم من أبيكم حتى أصدقكم، فاقترعوا؛ فأصابت شمعون. وهذا معنى قوله: {ولما جَهَّزَهُم بجَهَازهم} أعطاهم ما اشتروا منه الطعام، وأوقر ركابهم؛ {قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم} وهو: بنيامين ـ بكسر الباء ـ على وزن إسرائيل، قاله في القاموس. وقيل: كان يوسف عليه السلام يعطي لكل نفس حملاً، ولا يزيد عليه، فسألوه حِملاً زائداً لأخيهم من أبيهم؛ فأعطاهم، وشرط عليهم أن يأتوا به؛ ليعلم صدقهم. ثم قال لهم: {ألا ترَوْنَ أني أُوفي الكيلَ وأنا خيرُ المنزِلين} للأضيافِ. قال لهم ذلك؛ ترغيباً في رجوعهم، وقد كان أحسن ضيافتهم غاية الإحسان. رُوي أنه عليه السلام نادى صاحب المائدة، وقال له: لا تنزل هؤلاء بدار الغرباء، ولا بدار الأضياف، ولكن أدخلهم داري، وانصب لهم مائدة كما تنصبها لي، واحفظهم وأكرمهم. فسأله عنهم، فلم يجب، فبسط لهم الفرش والوسائد، فلما جن الليل أمر أن توضع بين أيديهم الموائد، والشماع، والمجامر، وهم ينظرون من كوة إلى دار الأضياف، وقد بلغ بهم الجهد، فكانوا يعطونهم قرصة شعير لكل أحد من الغرباء، وهم يرون ما بين أيديهم من الإكرام والطعام، وقد بلغ الحمل من الطعام ألفاً ومائتي دينار. فقال بعضهم لبعض: إن هذا المَلك أكرمنا بكرامة ما أكرم بها أحداً من الغرباء! فقال شمعون: لعل الملك سمع بذكر آبائنا فأكرمنا لأجلهم. وقال آخر: لعله أكرم فقرنا وفاقتنا. ويوسف عليه السلام ينظر إليهم من كوة ويسمع كلامهم، ويبكي. ثم قال لولده ميشا: اشدد وسطك بالمنطقة واخدم هؤلاء القوم، فقال له: من هم يا أبت؟ فقال: هم أعمامك يا بني، قال: يا أبت هؤلاء الذين باعوك؟ قال: نعم، باعوني حتى صرت مَلك مصر، ما تقول يا بني، أحسَنُوا أو أساؤوا؟ قال: بل أحسَنوا فما أقول لهم؟ قال: لا تكلمهم، ولا تُفش لهم سراً حتى يأذن الله بذلك، فبقوا في الضيافة ثلاثاً أو أكثر، ثم جهزهم، وأرسلهم، وشرط عليم أن يأتوا بأخيه بنيامين. قال لهم: {فإن لم تأتوني به فلا كيلَ لكم عندي ولا تقربون}. أي: لا تدخلوا دياري ولا تقربوا ساحتي، {قالوا سَنُراود عنه أباه} أي: سنجهد في طلبه منه، {وإنا لفاعلون} ذلك، لا نتوانى فيه، {وقال لفتيته}؛ لغلمانه الكيالين، وقرأ الأخوان وحفص: {لفتيانه}، بجمع الكثرة: {اجعلوابضاعتَهم} أي: ثمنهم الذي اشتروا به، {في رحالهم}؛ في أوعيتهم. فامر أن يجعل بضاعة كل واحد في رحله، وكانت نعالاً وأدَمَا. وإنما فعل ذلك يوسف تكرماً وتفضلاً عليهم، وترفقاً أن يأخذ ثمن الطعام منهم، وخوفاً من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به إليه. {لعلهم يعرفُونها} أي: لعلهم يعرفون هذه اليد والكرامة في رد البضاعة إليهم، فيرجعون إلينا. فليس الضمير للبضاعة؛ لأن ميز البضاعة لا يعبر عنه بلعل، وإنما المعنى: لعلهم يعرفون لها يداً وتكرمة ويرون حقها {إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يَرْجِعُون}، أي: لعل معرفتهم بهذه الكرامة تدعوهم إلى الرجوع. وقصد بذلك استمالتهم والإحسان إليهم. أو: لعلهم يعرفون البضاعة، ولا يستحلون متاعنا فيرجعون به إلينا، وضعف هذا ابن عطية: فقال: وقيل: قصد يوسف برد البضاعة أن يتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فيرجعوا لدفع الثمن. وهذا ضعيف من وجوه. ثم قال: ولسرورهم بالبضاعة، وقولهم: {هذه بضاعتُنا رُدَّتْ إلينا}، يكشف أن يوسف لم يقصد هذا، وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم كما تقدم. الإشارة: قوله: {فعرفهم وهم له منكرون}، كذلك أهل الخصوصية من أهل مقام الإحسان، يعرفون مقامات أهل الإيمان ومراتبهم، وأهل مقام الإيمان ينكرونهم ولا يعرفون مقامهم، كما قال القائل: شعر : تَرَكْنَا البُحُورَ الزَّاخِرَاتِ وَرَاءنَا فَمِنْ أَينَ يَدْرِِي النَّاسُ أين تَوَجَّهْنَا تفسير : فكلما علا بالولي المقام خفي عن الأنام، ولا يعرف مراتب الرجال إلا من دخل معهم، وشرب مشربهم، وإلا فهو جاهل بهم. وقوله تعالى: {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي}: كذلك الحق ـ جل جلاله ـ يقول لعبده: ائتني بقلبك، فإن لم تأتني به فلا أقبل طاعتك، ولا تقرب إلى حضرتي. قال النبي صلى الله عليه السلام: "حديث : إنَّ الله لا يَنْظُرُ إلى صَُوَرِكم ولاَ إلى أَعْمَالِكُمْ، وَإَنَّما يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُم ونيَّاتِكُم"تفسير : . أو كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ. وقوله تعالى: {سنراود عنه أباه}: كذلك ينبغي للعبد أن يحتال على قلبه حتى يرده إلى ربه؛ وذلك بقطع العلائق، والفرار من الشواغل والعوائق، حتى تشرق عليه أنوار الحقائق. وقوله تعالى: {اجعلوا بضاعتَهم في رِحَالِهم}... الآية. كذلك ينبغي للواعظ والمذكر أن يبشر الناس، وينمي بضاعتهم، وهو: الإيمان والمحبة لله ومعرفته، ويجعلها في قلوبهم بحسن وعظه، ونور حاله، فيكون ممن ينهض الناس حاله، ويدل على الله مقاله. ولا يقنط الناس ويفلسهم من الإيمان والمحبة، بل ينبغي أن يجمع بين التبشير والتحذير، والترغيب والترهيب، ويغلب جانب الترغيب بذكر إحسان الله وآلائه.. لعلهم يعرفون ذلك إذا انقلبوا إلى أسبابهم، لعلهم يرجعون إلى الله في غالب أحوالهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر رجوعهم من مصر إلى أبيهم، فقال: {فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ}.
الطوسي
تفسير : حكى الله تعالى عن اخوة يوسف الذين كانوا ألقوه في الجب، وباعوه بثمن بخس انهم جاؤه ودخلوا عليه، فعرفهم يوسف ولم يشك فيهم، ولم يعرفه اخوته بل كانوا جاهلين بحاله منكرين له، وكان سبب مجيئهم اليه مجيء سني القحط التي كان ذكرها يوسف في تعبير الرؤيا، فجاؤا الى مصر يمتارون كما جاء غيرهم من الناس - في قول السدي، وابن اسحق وغيرهما، وليس لأحد ان يقول: كيف يجوز مع كمال العقل ان يعرفهم يوسف، وهم يجهلونه مع انه نشأ معهم؟. وذلك ان عنه جوابين. احدهما - قال الجبائي: انهم فارقوه وهو صبي امرد، فجاؤوه وقد التحى وكبر وتغيرت حاله، فلم يعرفوه. وقال البلخي: ان ذلك مما خرق الله تعالى فيه العادة لنبيه (ع).
اطفيش
تفسير : {وجاء إخْوةُ يُوسفَ فدَخلُوا عليْهِ} إلا واحدا فإنه أمسكه أبوه وهو بنيامين، ويدل على هذا الاستثناء قوله: {أية : ائتونى بأخ لكم من أبيكم}تفسير : {فَعَرفهمْ} قيل: عرفهم أولا أنه لم يميز بين يهودا وشمعون، ونزل الملك فميز له بينهما، فعرف كلا على حدة {وهُم لهُ منْكرونَ} قال ابن عباس، ومجاهد: عرفهم يوسف بأول نظرة، قال الحسن: لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه. قال ابن عباس: بين أن قذفوه فى الجب وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، ولذلك أنكروه، وذكر بعضهم: أن المعصية تورث النكرة وتلا هذه الآية، وما يوجب النكرة أنهم فارقوه صغيرا، وأنهم اعتقدوا أنه مات، وأنه ذهب عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه، واهتمامهم به، ولبعد حاله التى هو فيها من السلطان والملك، عن حاله حين ألقوه فى الجب، وحين باعوه بدراهم معدودة، حتى لو تخيل لهم أنه هو لكذبوا أنفسهم، ولأن الملك يبدل الزى ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ما ينكر له المعروف. وقال عطاء: لم يعرفوه لأنه كان على سرير الملك، وعلى رأسه تاج الملك، وقيل: لأنهم رأوه على زى ملوك مصر، عليه ثياب الحرير، جالسا على سرير، فى عنقه طوق من ذهب، وفى رأسه تاج، ولأنه يتكلم بالقبطية، وقيل: لأنهم وقفوا من بعيد حيث يقف طلاب الحوائج، وعلى كل حال، فإن الله جل وعلا لم يخلق فيهم معرفة تحقيقا لما أخبره أنه سينبئهم بأمرهم وهم لا يشعرون، وإنما عرفهم لأنه فارقهم وهم رجال، ورأى زيهم قريبا من زيهم إذ ذاك، لاهتمامه بهم، فكان يتأمل ويتفطن. وروى أنه أدخلهم فى ثانى يوم، وروى أنه قال لصاحب المائدة: لا تنزل هؤلاء فى دار الغرباء، ولكن أدخلهم فى دارى، وانصب لهم المائدة كما تنصبها بين يدى، واحفظهم وأكرمهم، فقال: من هم يا مولاى، فقد أتاك أقوام ومعهم الأموال والذخائر وما أنزلتهم إلا فى دار الغرباء؟ فقال: لا تكثر قولك، افعل بهم ما أمرتك، فنزل الخادم من القصر، وأمرهم بدخول الدار، وبسط لهم الفرش والمساند، ويوسف ينظر إليهم من الكوة ويأمر الخادم بلسان القبط ويقول: ابسط لهم كذا وكذا، وافعل بهم كذا وكذا، ولا يدرون ما يقول. ولما رأوا ملكه حين دخلوا إليه أول مرة، نكسوا رءوسهم، وكان كل ينتظر ما يؤمر به، ويحكم فيه، فجعل ينظر إليهم ويتذملهم، ويطيل النظر إليهم، ولا يدرون، ثم يتشاغل عنهم بغيرهم، وينظر إلى جهة أخرى، ويكلم وزراءه بما يريد، وأمر باعتزالهم إلى حيث أمر الخادم أن ينزلهم ولم يكلمهم، ولما جن الليل، وضع بين أيديهم الموائد والشموع والمجامير، فنظروا إلى دار الغرباء من كوة، والخدم يرفعون لكل فقير قرصة شعير للغلاء. وكان حمل البعير بألف دينار ومائتى دينار، والتفت لابنه ميشا وقال له: اشدد وسطك بالمنطقة الملكية واخدمهم، قال: ومن هم يا أبت؟ قال هم أعمامك يا بنى، قال: هم الذين باعوك؟ قال: نعم باعونى حتى صرت ملك مصر، ما تقول يا بنى أحسنوا أم أساءوا فيما عملوا، قال له: يا أبت بل أحسنوا والله فيما عملوا، فماذا أقول لهم؟ قال: لا تكلمهم، ولا تفش ذلك لهم حتى يأذن الله تعالى لنا، فبكى ميشا وبكت زليخا حين أخبرهما أنهم إخوته، ولم يأذن لهم بالدخول بعد لاشتغاله، وتشوشت خواطرهم. وفى رواية أنهم عالمون بنظره إليهم، وتشوشت خواطرهم من كثرة نظره إليهم، فقال يهودا: يا إخوتاه إن هذا الملك يكثر النظر إلينا، ويكرمنا غاية الإكرام، فإما أن يكون أعجبته أجسامنا فأراد الاستعانة بنا على عدوه، وسد ثغر من ثغوره، وإما أن يكون فعل ذلك غبطة لآبائنا وأنسابنا، أو بلغة ما فعلنا بيوسف، فأراد أن يفضحنا ويدمر علينا، وهذا هو المصرع الذى أخوفكم، أو رحمكم لفقركم، ويوسف يسمع ما يقول ويبكى. ورى وأنهم يعدون عليه ويروحون وهم فى كرامة متصلة، ويظهر لهم التجهم فتحيروا من جمعه بين التجهم والإكرام، وكلما أرادوا مفاجأته بالكلام داخلهم الهبة والخجل، ثم أذن لهم يوما فى الجلوس إليه، وأكرم مجلسهم، وسألهم بترجمان، وكان كلما له الترجمان بما قالوا نقر الصواع فيقول: إن الصواع يخبرنى بصدقهم، فيخبرهم الترجمان بذلك، وكان سؤاله عن نسبهم وأسمائهم ومقصودهم وبلدهم. وقد ثبت فى الحديث: كان يوسف يلقى حصاة فى إناء مخوص بالذهب فيطن، ورى أيضا أنه قال: إنه طن، وقال يوسف: إنه يخبرنى أن لكم أباً شيخاً كبيراً، وقال: هل لوالدكم سواكم؟ قالوا: نعم كان له ولد اسمه يوسف فقده ولا ندرى كيف خبره، وأخ شقيق ليوسف حبسه عنده يأنس به، فنقر الصوع فخرج طنين عال فقال لترجمانه: قل لهم: إن الصواع يخبرنى أنكم كاذبون فى خبر هذا الواحد المفقود، إذ قلتم لا ندرى كيف خبره، فتغيرت ألوانهم، وتجلجلت ألسنتهم، وارتعد فرائصهم. ثم قال: كيف كان سبب فقده، حتى لم يعلم حقيقة أمره؟ فقال واحد: أكله الذئب، وقال آخر: أسره العدو، وقال آخر: غرق فى البحر، فهز يوسف رأسه ونظر إلى الأرض، ثم رفع رأسه وقال: ما حال والده بعده؟ قال: هو باكى العين، قريح القلب، حليف الأسى، لا يستلذ بهجوعه، ولا يشرب إلا ماء دموعه، قد اعتزل عن الناس، وهجر الخدين، واتخذ لنفسه غارا تحت الأرض، ودخل فيه وبكى حتى ابيضت عيناه، وليس له ليل ولا نهار، ولا نوم ولا قرار، فتقلقل يوسف تقلقل الواجد، سماع أخبار الوالد. فنقر الصواع فقال للترجمان: قل لهم ما ذكرتم من أنكم أنبياء وأولاد أنبياء، فإنى لا أرى عليكم أسرة إنما أنتم لصوص أو جواسيس لأحد الملوك المجاورين، إنما بعثكم لتطلعوا على عوراتنا، فإذا رجعتم جئتم بأمثالكم من أهل القوة والنجدة تقاتلوننا، ومراد التشبيه لهم بمن ذكر، أو ذلك قول بعضهم: أنه لم يعرفهم حتى عرفوه بأنفسهم - وإن قوله هذا إنما هو قبل تعرفهم له أو ذلك منه بمنزلة قولك لمن عرفته،: إنه غير فلان لعلك فلان، وما الدليل على أنك غيره، تريد مباحثته، وأن يستدل لك - إنما نحن رعاة إبل وشاء، قال لا أسرحكم من سجنى حتى أعلم خبركم، فإن الصواع يخبرنى عنكم بأمور، فأظهروا الخضوع، وسكبوا الدموع. وقالوا: نسألك أيها الملك بالذى بلغك هذه المنزلة، وأكرمك إلا رحمتنا وسرحتنا إلى أبينا، فإنه اليوم أعظم حقا عليك، وعلى أهل الأرض، وإن لم ترحمنا فارحم الشيخ يعقوب، فلو رأيته لأبكاك، قد احدودب ظهره، وابيضت عيناه، وكابده الوهن والشيب قبل أوانه، وقد توسلنا إليك به فلا تضيع وسيلتنا، ولا تخيب ظنوننا فيك. فقال: أما ما ذكرتم من حرمة أبيكم فإنى لا أعلم اليوم أحدا على وجه الأرض أعظم حرمة منه، ولا أعلى قدرا، ولا أوجب حقا فلو مشى على ظهرى مقبلا ومدبرا ما قضيت حقه، ولا أنكرت سبقه، فأخبرونى ما أحزنه وهو نبى، أليست الجنة بين عينيه يرجوها، وقد أمنه الله فى عاقبته، ولعله كثرة سفهكم عليه وعقوقكم؟ قالوا: كلنا لسنا سفهاء ولا عاقين، إنما ذلك من فقد أنيسه وحبيبه يوسف، وكان أصغرنا وأحبنا إليه، خرج إلى المرعى معنا فأكله الذئب، وقد حبس أصغرنا بعده يستأنس به وهو أحبنا إليه بعد يوسف. فقال: كيف يحب الصغير دون الكبير؟ فقالوا: أيها العزيز لو رأيته لاخترته على جميع العالمين، وكنا نحبه، ورأى رؤيا نكرهها فكرهناه، فقال: ما هى؟ قالوا: ظن أنه يكون ملكا ونحن بين يديه كالعبيد، قال: فهل وصل إلى الملك؟ كل واحد منهم: بل وصل إلى مُلْك الجنة، وأما مُلْك الدنيا فما وصل إليه، قال: لولا أنى أخشى أن تكونوا صادقين لحبستكم وعذبتكم عذابا شديدا، ولكن إن صدقتم فارجعوا إلى أبيكم وأقرءوه منى السلام، وقولوا له: يكتب إلى كتابا يشرح فيه حاله، ويخبرنى ما الذى أحزنه وأعمى بصره، وأنا أوقر لكم دوابكم ودابة الذى تخلف مع أبيكم وهو أصغركم فيما تقولون، وإذا بلغتم فأتونى به كما قال الله عز وجل: {ولمَّا جَهَّزهُم...}
اطفيش
تفسير : {وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} العشرة دون بنيامين من ثغور الشام من فلسطين أَهل بادية وإِبل وشياه إِلى مصر ليشتروا الطعام، لما سمعوا هم وأَبوهم بملك فى مصر حسن السيرة يبيع الطعام، وأَخبرهم أَبوهم عليه السلام {فَدَخلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ} بأَول نظرة بدليل فاءِ فعرفهم، كما قال ابن عباس ومجاهد: كما دلت عليه الفاءُ، ولم يؤثر فيه بعد عهدهم لبقاءِ الشكل وتشابه أَحوالهم بأَحوالهم السابقة، ولكنه كان مهتماً بهم وبالاطلاع على أَحوالهم، ولا سيما وقت القحط، وكان مترقباً لتأْويل رؤْياه، وليس كما قيل أَنهم انتسبوا له نحن بنو فلان حين أَرادوا الدخول، وترده الفاءُ الثانية فمعرفته بعد دخولهم، إِلا بتأَويل دخلوا بإِرادة الدخول، ولا دليل له حيث لا معتمد على صحة انتسابهم عند إِرادة الدخول، وقال الحسن: لم يعرفهم حتى تعرفوا إِليه، وترده الفاءُ الدالة على الاتصال، والتأْويل يحتاج لدليل صحيح {وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} لا يعرفونه لبعد العهد، وظنهم أَنه مات فى برية أَو فى عبودية، فارقوه منذ أَربعين سنة، وأيضاً رأَوه على السرير فى زى الملوك متوجاً فى عنقه طوق ذهب حتى أَنه لو قيل هذا يوسف لأَنكروه، ولذلك - والله أعلم - وهم إِياه لا يعرفون، وقيل: كلمهم من بعيد أو من وراء ستر، أَو بالواسطة مع الستر أَو البعد، أَو الله منعهم من معرفته مع المقابلة كما وعده الله - عز وجل - أَنه "أية : لتنبئَنهمْ بأَمرهم هذا وهم لا يشعرون"تفسير : [يوسف: 15] فذلك معجزة، وصرحوا ليوسف أَنه مات فى برية فيما روى أنهم كلموه بالعبرية فقال زاجرا: لم جئْتم؟ قالوا: للميرة، قال: لعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله... قال: من أَين؟ قالوا: من كنعان، وأَبونا يعقوب نبى الله، قال: كم أَولاده؟ قالوا: اثنا عشر هلك أَصغرنا وأَحبنا إِليه فى البرية، وأَبقى شقيقه عنده ليتسلى به، فأَنزلهم وأَكرمهم وقال: من يشهد؟ قالوا: نحن فى بلدك غريبون، قال: فأْتونى بأَخيكم إِن صدقتم واتركوا أَحدكم هنا، فوقعت القرعة على شمعون، وقد أَبى من إِلقائِه فى الجب وخالفوه، وقيل: اختاره بلا قرعة لأَنه أًحسن إِليه، ويقال: قال لهم لعلكم عيون تنظرون عورة بلدى، قالوا: لا، نحن أَولا د نبى الله تعالى، قال: إِيتوا بمن يشهد لكم أَنكم لستم عيوناً، قالوا: نحن غرباءُ لا يعرفنا أَحد، قال: فدعوا عندى أَحدكم رهنا، ولم يجزم بأَنهم عيون فلا بهت لأَنه قال: لعلكم عيون، ولو يقل أَنتم عيون، فيكون أباح الله هذا القدر، ولما قالوا: أَولاد يعقوب، طلب أخاهم، ويقال: ينقر الصواع ويطن، ويخبرهم بأَن الصواع يخبره بما فعلوا مع يوسف أَخيهم، ورجع الباقون إِلى الشام بالميرة كما قال {وَلَمَّا جهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} هيأَ لهم ما يحتاجون إِليه فى رجوعهم من الكيل الذى جاءُوا لأَجله وزيادة، أَعطى لكل واحد بعيراً من الطعام، وأَما البيع فلا يبيع لأَحد إَلا حمل بعير فلعله عدَّ لكل واحد بيع حمل بعير، وقال إِنه يعطى كل إنسان جاءَ حملا، وطلبوا حملا للأَخ الباقى عند أَبيهم بارتهان أَحدهم ليرجعوا به وليثبت لهم الحمل الذى أَعطاهم من أَجله {قَالَ ائْتُونِى بِأَخٍ لَكُم مِّنْ أَبِيكُمْ} لأَرى صدقكم، ولا أَبيع لكم مرة أخرى إذا جئْتم وهو بينامين، لم يقل بأَخيكم من أَبيكم لأَن هذا يناسب أنه عارف به، وهو لا يريد أن يعرفوا أًنه عرفه، فناسب أن يقول: بأَخ لكم، وهذا ولو كان لا يلزم لكن التفسير به هنا صحيح، ولا يعطله قوله من أبيكم، فإنه يصح إِخفاءُ أَنه عارف به ولو من أبيكم كما تقول فى التنكير جىءَ بغلام لك من قريش، فتكون تريد بعض بيان مع بقاء التنكير، وذلك إِطناب كقوله "أية : ورضوان من الله"تفسير : [التوبة: 72] {أَلاَ تَرَوْنَ أَنَّى أَُوفِ الْكَيْلَ} المضارع للاستمرار فهم رأَوه أَوفى لهم ولغيرهم وسمعوا بإِيفائِه، وأَيضاً رأَوه أَوفى لكل واحد وهم عشرة وللحادى عشر الغائِب بنيامين، وحذفت ياءُ أَوف الكيل فى الخط كما حذفت فى اللفظ لالتقاءِ الساكنين رجوعا إِلى الأَصل فى بعض المواضع {وأَنَا خَيْرُ المُنْزِلِينَ} للأَضياف كما رأَيتم فعلى معكم ومع غيركم، وكما سمعتم أَحسن إِلى الضيف بالمنزل والإِكرام أَو أَرادهم خاصة فى الجملتين، وإِنما قال ذلك جلباً وحثاً على أَمرهم به لا امتنانا.
الالوسي
تفسير : {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ} ممتارين لما أصاب أرض كنعان وبلاد الشام ما أصاب مصر، وقد كان حل بآل يعقوب عليه السلام ما حل بأهلها فدعا أبناءه ما عدا بنيامين فقال لهم: يا بني بلغني أن بمصر ملكاً صالحاً يبيع/ الطعام فتجهزوا إليه واقصدوه تشتروا منه ما تحتاجون إليه فخرجوا حتى قدموا مصر {فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ } عليه السلام وهو في مجلس ولايته {فَعَرَفَهُمْ } لقوة فهمه وعدم مباينة أحوالهم السابقة أحوالهم يوم المفارقة لمفارقته إياهم وهم رجال وتشابه هيآتهم وزيهم في الحالين، ولكون همته معقودة بهم وبمعرفة أحوالهم لا سيما في زمن القحط، ولعله عليه السلام كان مترقباً مجيئهم إليه لما يعلم من تأويل رؤياه. وروى أنهم انتسبوا في الاستئذان عليه فعرفهم وأمر بإنزالهم، ولذلك قال الحسن: ما عرفهم حتى تعرفوا إليه. وتعقب ذلك في "الانتصاف" بأن توسيط الفاء بين دخولهم عليه ومعرفته لهم يأبـى كلام الحسن ويدل على أن مجرد دخولهم عليه استعقبه المعرفة بلا مهلة وفيه تأمل. {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } أي والحال أنهم منكرون له لنسيانهم له بطول العهد وتباين ما بين حاليه في نفسه ومنزلته وزيه ولاعتقادهم أنه هلك، وقيل: إنما لم يعرفوه لأنه عليه السلام أوقفهم موقف ذوي الحاجات بعيداً منه وكلمهم بالواسطة؛ وقيل: إن ذلك لمحض أنه سبحانه لم يخلق العرفان في قلوبهم تحقيقاً لما أخبر أنه سينبئهم بأمرهم وهم لا يشعرون فكان ذلك معجزة له عليه السلام، وقابل المعرفة بالإنكار على ما هو الاستعمال الشائع، فعن الراغب المعرفة والعرفان معرفة الشيء بتفكر في أثره فهو أخص من العلم، وأصله من عرفت أي أصبت عرفه أي رائحته ويضاد المعرفة الإنكار والعلم والجهل، وحيث كان إنكارهم له عليه السلام أمراً مستمراً في حالتي المحضر والمغيب أخبر عنه بالجملة الاسمية بخلاف عرفانه عليه السلام إياهم.
ابن عاشور
تفسير : طوى القرآن أخَرة أمر امرأةِ العزيز وحلولَ سني الخصب والادّخار ثم اعتراء سني القحط لقلة جدوى ذلكَ كله في الغرض الذي نزلت السورة لأجله، وهو إظهار ما يلقاه الأنبياء من ذويهم وكيف تكون لهم عاقبة النصر والحسنى، ولأنه معلوم حصوله، ولذلك انتقلت القصة إلى ما فيها من مصير إخوة يوسف ــــ عليه السلام ــــ في حاجة إلى نعمته، ومن جمع الله بينه وبين أخيه الذي يحبه، ثم بينه وبين أبويه، ثم مظاهر عفوه عن إخوته وصلته رحمهُ، لأن لذلك كله أثراً في معرفة فضائله. وكان مجيء إخوة يوسف ــــ عليه السلام ــــ إلى مصر للمِيرة عند حلول القحط بأرض مصر وما جاورها من بلاد فلسطين منازل آل يوسف ــــ عليه السلام ــــ، وكان مجيئهم في السنة الثانية من سني القحط. وإنما جاء إخوته عدا بنيامين لصغره، وإنما رحلوا للميرة كلهم لعل ذلك لأن التزويد من الطعام كان بتقدير يراعى فيه عدد الممتارين، وأيضاً ليكونوا جماعة لا يَطمع فيهم قطاع الطريق، وكان الذين جاءوا عشرة. وقد عُرف أنهم جاءوا ممتارين من تقدم قوله: { أية : قال اجعلني على خزائن الأرض } تفسير : [يوسف: 55] وقوله الآتي: { أية : ألا ترون أني أوفي الكيل } تفسير : [سورة يوسف: 59]. ودخولهم عليه يدلّ على أنه كان يراقب أمر بيع الطعام بحضوره ويأذن به في مجلسه خشية إضاعة الأقوات لأن بها حياة الأمة. وعرف يوسف عليه السلام إخوته بعد مضي سنين على فراقهم لقوة فراسته وزكانة عقله دونهم. وجملة {وهم له منكرون} عطف على جملة {فعرفهم}. ووقع الإخبار عنهم بالجملة الاسمية للدلالة على أن عدم معرفتهم به أمر ثابت متمكن منهم، وكان الإخبار عن معرفته إياهم بالجملة الفعلية المفيدة للتجدد للدلالة على أن معرفته إياهم حصلت بحدثان رؤيته إياهم دون توسم وتأمل. وقُرن مفعول {منكرون}الذي هو ضمير يوسف ــــ عليه السلام ــــ بلام التقوية ولم يقل وهم منكرونه لزيادة تقوية جهلهم بمعرفته. وتقديم المَجرور بلام التقوية في {له منكرون} للرعاية على الفاصلة، وللاهتمام بتعلق نكرتهم إياه للتنبيه على أن ذلك من صنع الله تعالى وإلا فإن شمائل يوسف ــــ عليه السلام ــــ ليست مما شأنه أن يجهل وينسَى. والجهاز ــــ بفتح الجيم وكسرها ــــ ما يحتاج إليه المسافر، وأوله ما سافر لأجله من الأحمال. والتجهيز: إعطاء الجهاز. وقوله: {ايئتوني بأخ لكم} يقتضي وقوع حديث منهم عن أن لهم أخا من أبيهم لم يحضر معهم وإلا لكان إنبَاء يوسف ــــ عليه السلام ــــ لهم بهذا يشعرهم أنه يكلمهم عارفاً بهم وهو لا يريد أن يكشف ذلك لهم. وفي التوراة أن يوسف ــــ عليه السلام ــــ احتال لذلك بأن أوهمهم أنه اتهمهم أن يكونوا جواسيس للعدو وأنهم تبرأوا من ذلك فعرفوه بمكانهم من قومهم وبأبيهم وعدد عائلتهم، فما ذكروا ذلك له أظهر أنه يأخذ أحدهم رهينة عنده إلى أن يرجعوا ويأتوا بأخيهم الأصغر ليصدّقوا قولهم فيما أخبروه، ولذلك قال: {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي}. و{من أبيكم} حال من (أخ لكم) أي أُخُوّته من جهة أبيكم، وهذا من مفهوم الاقتصار الدال على عدم إرادة غيره، أي من أبيكم وليس من أمكم، أي ليس بشقيق. والعدول عن أن يقال: ايئتوني بأخيكم من أبيكم، لأن المراد حكاية ما اشتمل عليه كلام يوسف ــــ عليه السلام ــــ من إظهار عدم معرفته بأخيهم إلا من ذِكرهم إياه عنده، فعدل عن الإضافة المقتضية المعرفة إلى التنكير تنابهاً في التظاهر بجهله به. {ولا تقربون} أي لا تعودوا إلى مصر، وقد علم أنهم لا يتركون أخاهم رهينة. وقوله: {ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين} ترغيب لهم في العود إليه؛ وقد عَلم أنهم مضطرون إلى العود إليه لعدم كفاية الميرة التي امتاروها لعائلة ذات عدد من النّاس مثلهم، كما دل عليه قولهم بعد { أية : ذلك كيل يسير } تفسير : [سورة يوسف: 65]. ودل قوله: {خير المنزلين} على أنه كان ينزل الممتارين في ضيافته لكثرة الوافدين على مصر للميرة. والمُنْزل: المُضيف. وهذه الجملة كناية عن الوعد بأن يوفي لهم الكيل ويكرم ضيافتهم إن أتوا بأخيهم. والكيل في الموضعين مرادٌ منه المصدر. فمعنى {فلا كيل لكم عندي} أي لا يكال لكم، كناية عن منعهم من ابتياع الطعام.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وجاء إخوة يوسف: من أرض كنعان لما بلغهم أن ملك مصر يبيع الطعام. وهم له منكرون: أي غير عارفين أنه أخوهم. ولما جهزهم بجهازهم: أي أكرمهم وزودهم بما يحتاجون إليه في سفرهم بعدما كال لهم ما ابتاعوه منه. بأخ لكم من أبيكم: هو بِنيامين لأنه لم يجىء معهم لأن والده لم يقدر على فراقه. سنراود عنه أباه: أي سنجتهد في طلبه منه. وقال لفتيانه: أي غلمانه وخدمه. بضاعتهم: أي دراهمهم التي جاءوا يمتارون بها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن قصة يوسف عليه السلام وتتبع أحداثها، إنه بعد أن ولي يوسف أمر الوزارة ومرت سنوات الخصب وجاءت سنوات الجدب فاحتاج أهل أرض كنعان إلى الطعام كغيرهم فبعث يعقوب عليه السلام بنيه يمتارون وكانوا عشرة رجال بعد أن علم أن ملك مصر يبيع الطعام، قال تعالى مخبراً عن حالهم: {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} أي من أرض كنعان {فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ} أي على يوسف {فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} أي لم يعرفوه لتغيره بكبر السن وتغير أحواله وقوله تعالى: {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} أي كال لهم وحَمَّل لكل واحد بعيره بعد أن أكرمهم غاية الإِكرام {قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ} ولا شك أنه قد سألهم عن أحوالهم فأخبروه عن أبيهم وأولاده بالتفصيل فلذا قال لهم {ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ} وهو بنيامين ورغبهم في ذلك بقوله: {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ} أي خير المضيفين لمن نزل عليهم {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ}. بعد هذا الإِلحاح عليهم أجابوه بما أخبر تعالى به عنهم بقوله: {قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} أي سنبذل جهدنا في طلبه حتى نأَتي به، {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} كما أخبرناك. وقوله تعالى: {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ} يخبر تعالى عن قيل يوسف لغلمانه اجعلوا دراهمهم التي اشتروا بها الطعام في رحالهم من حيث لا يشعرون {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} كل هذا كان رغبة من يوسف في إحضار أخيه الشقيق فجعل رد الدراهم وسيلة لذلك لأنهم إذا وجدوها تحرجوا من أخذها فرجعوا بها. وجاءوا بأخيهم معهم، وهو مطلب يوسف عليه السلام حققه الله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- عجيب تدبير الله تعالى إذ رؤيا الملك وتعبير يوسف لها وظهورها كما عبرها كان تدبيراً لولاية يوسف ثم لمجيء إخوته يطلبون الطعام لأهليهم ولتتم سلسلة الأحداث الآتية، فلا إله إلا الله، ولا رب سواه. 2- حسن تدبير يوسف عليه السلام للإِتيان بأخيه بنيامين تمهيداً للإِتيان بالأسرة كلها. 3- أثر الإِيمان في السلوك، إذ عرف يوسف أن أخوته لا يستحلون أكل مال بغير حقه فجعل الدراهم في رحالهم ليرجعوا بها ومعهم أخوهم الذي يريد إحضاره.
القطان
تفسير : منكرون: لم يعرفوه. جهزهم بجهازهم: امر ان يعطوا من الطعام ما يريدون. خير المنزلين: خير من يضيف. سنراود عنه أباه: نخادع ونستميل برفق. لفتيانه: لغلمانه من الخدم. اجعلوا بضاعتهم في رحالهم: اجعلوا ما جاؤا من البضاعة او اوعيتهم. مرت السنينُ السبع المخصِبة وأعدّ يوسف عُدَّته فيها، واتخذّ المخازنَ وملأها وخزن الغلاّتِ في غُلُفِها. ثم جاءت السنين السبع المجدبة، واشتدَّ المحلُ والجفاف في جميع أنحاء الأرض. وجاء المصريون الى فرعون يطلبون القوتَ، فأحالهم على أمين خزانته. ففتح يوسف المخازن وباع لهم من الطعام ما يكفيهم. وقدم عمّ ذلك الجدبُ بلاد الشام وأحسَّ أهلُ فلسطين الجوع وعَلِموا أن الطعام بصر موفور. فأرسل يعقوب أولاده ومعهم الجمال والبهائم الى مصر لشراء القوت لأهلهم من هناك، ولما دخلوا على يوسف عرفهم ولم يعرفوه.. وذلك طبيعي، فقد فارقهم وهو غلام أَمرد، وها هو الآن قاربَ الأربعين، وقد كسته أبهة الملك مهابة، اما هم فانهم على حالتهم في مَلْبَسهم ولغُتِهم ومنظرهم لم يتغير منهم شي. وأمرَ يوسف ان يكرَّموا في ضيافته، واعطاهم من المؤونة ما طلبوا، واخذ يحدّثهم ويسأل عن احوالهم سؤالَ الجاهلِ بها وهو بها عليم. فأخبروه ان لهم اباً شيخاً كبيرا ولهم أخ صغير يحبه أبوهم حبا جما ولا يريد ان يفارقه. وهو بنيامين شقيق يوسف. فقال لهم بعد ان جهزهم الجهاز الكامل: احضِروا اخاكم الصغير في المرة القادمة ولا تخافوا شيئا، وإلاّ فلا كيل لكم عندي ولا تأتوا الي، فقال له اخوته: سنراود عنه أباه. وقد اكرمهم يوسف غاية الاكرم، وقال لفتيانه: ردوا اليهم بضاعتَهم التي دفعوها ثمناً للطعام، واجعلوها في أوعيتهم، فإنهم يعودون الينا. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وحفص: "لفتيانه" كما هو في المصحف والباقون: "لفتيته".
د. أسعد حومد
تفسير : (58) - لَمَّا تَسَلَّمَ يُوسُفُ الإِدَارَةَ فِي مِصْرَ، أَخَذَ فِي جَمْعِ الغِلاَلِ وَادِّخَارِهَا، ثُمَّ جَاءَتِ السَّنَواتُ العِجَافُ المُجْدِبَةُ الشِّدَادُ، التِي تَوَقَّعَهَا، فَأَصَابَتْ مِصْرَ وَفِلَسْطِينَ (بِلاَدَ كَنْعَانَ) فَأَخَذَ النَّاسُ يَأْتُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ إِلى مِصْرَ لِلْحُصُولِ عَلَى المِيرَةِ لِعِيَالِهِمْ، فَكَانَ يُوسُفُ لاَ يُعْطِي الرَّجُلَ أَكْثَرَ مِنْ حِمْلِ بَعِيرٍ فِي العَامِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ وَرَدُوا عَلَيهِ فِي طَلَبِ المِيرَةِ إِخْوَتُهُ لأَِبِيهِ، إِذْ بَلَغَهُمْ أَنَّ عَزيزَ مِصْرَ يُعْطِي النَّاسَ الطَّعَامَ بِثَمَنِهِ، فَأَخَذُوا مَعَهُمْ بِضَاعَةً يَعْتَاضُونَ بِهَا طَعَاماً. وَكَانُوا عَشَرَةَ أَشْخَاصٍ، إِذْ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمْ يُرْسِلْ مَعَهُمْ ابْنَهُ الأَصْغَرَ شَقِيقَ يُوسُفَ، فَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي كُرْسِيِّ الحُكْمِ، فَعَرَفَهُمْ، وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَهُ، لأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ شَكْلاً، إِذْ تَرَكُوهُ صَبِيّاً وَأَتَوْهُ كَهْلاً، وَلأَِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَوَقَّعُونَ أَنْ يَكُونَ صَارَ إِلى مَا صَارَ إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ وَمِنْ أَيْنَ جَاؤُوا. فَقَالُوا: إِنَّهُمْ أَتَوا مِنْ بِلادِ كَنْعَانَ، وَأَبُوهُمْ نَبِيُّ اللهِ يَعْقُوبُ. قَالَ: وَهَلْ لَهُ أَوْلاَدٌ غَيْرُكُمْ؟ قَالُوا نَعْمَ، كُنَّا اثْنَي عَشَرَ رَجُلاً هَلَكَ وَاحِدٌ مِنَّا فِي البَرِّيَّةِ، وَبَقِيَ لَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ اسْتَبْقَاهُ عِنْدَهُ يَتَسَلَّى بِهِ عَنْهُ. فَأَكْرَمَهُمْ يُوسُفُ. وَقِيلَ إِنَّهُمْ سَأَلُوهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ حِمْلَ بَعِيرٍ لأَخِيهِمْ وَأَبِيهِمْ لأَنَّهُمَا لاَ بُدَّ لَهُمَا مِنَ الطَّعَامِ، فَجَهَّزَ لَهُمْ بَعِيرَيْنِ لأَِخِيهِمْ وَأَبِيهِمْ. وَقَالَ لَهُمْ: ائْتُونِي بِأَخِيكُمْ هَذا لأَِرَاهُ وَأَتَأَكَّدَ مِنْ صِدْقِكُمْ.
الثعلبي
تفسير : قالوا: فلمّا أطمأنّ بيوسف ملكه دخلت السنون المخصبة، ودخلت السنون المجدبة أصاب الناس الجوع وجاءت تلك السنون [.......] وكان ابتداء القحط، بينا الملك ذات ليلة أصابه الجوع نصف الليل، وهتف الملك: يا يوسف الجوع الجوع فقال: هذا أوّل القحط، فلمّا دخلت السنة الأُولى من سنيّ الجدب هلك فيها كلّ شيء أعدّوه في السنين المخصبة، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف، فباعهم أوّل سنة بالنقود حتى لم يبق في مصر دينار ولا درهم إلاّ قبضه، وباعهم في السنة الثانية بالحُليّ والجواهر حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء، وباعهم بالسنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى عليها أجمع،وباعهم بالسنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق عبد ولا أَمَة في يد أحد منهم، ثمّ باعهم السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى عليها، وباعهم السنة السادسة بأولادهم حتى استرقّهم، وباعهم السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر حر ولا حُرّة إلاّ صار عبداً له، حتى قال الناس: تالله ما رأينا كاليوم ملكاً أجلّ ولا أعظم من هذا، ثمّ قال يوسف لفرعون كيف رأيت صنيع ربّي فيما خوّلني، فما ترى لي؟ قال الملك: الرأي رأيك، وإنّما نحن لك تبع، قال: فإنّي أشهد وأشهدك أنّي أعتقتُ أهل مصر عن آخرهم ورددتُ عليهم أموالهم أملاكهم. وروي أنّ يوسف (عليه السلام) كان لا يشبع من طعام في تلك الأيّام، فقيل له: تجوع وبيدك خزائن الأرض، فقال: أخاف أن شبعتُ أن أنسى الجائع، وأمر يوسف أيضاً طباخي الملك أن جعلوا الغداة نصف النهار، وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائعين، ويُحسن إلى المُحتاجين، ففعل الطهاة ذلك، ومن ثمّ جعلت الملوك غداءهم نصف النهار. قالوا: وقصد الناس مصر من كلّ حدب يمتارون، فجعل يوسف لا يمكّن أحداً منهم وإن كان عظيماً بأكثر من حمل بعير تقسيطاً بين الناس وتوسّعاً عليهم،وتزاحم الناس عليه، قالوا: وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام من القحط والشدّة ما أصاب سائر البلاد، ونزل بيعقوب ما نزل بالناس فأرسل بنيه إلى مصر للميرة، فأمسك بنيامين أخا يوسف لأُمّه فذلك قوله تعالى: {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} وكانوا عشرة، وكان منزلهم بالقربات من أرض فلسطين ثغور الشام، وكانوا أهل بادية وإبل وشاة {فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ} يوسف وأنكروه لما أراد الله أن يبلغ يوسف فيما أراد. قال ابن عباس: وكان بين أن قذفوه في البئر وبين أن دخلوا مصر أربعين سنة فلذلك أنكروه وقيل: إنّه كان مُتّزياً بزيّ فرعون مصر، عليه ثيات حرير، جالس على سريره، وفي عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج، فلذلك لم يعرفوه، وكان بينه وبينهم ستر ولذلك لم يعرفوه. قال بعض الحكماء: المعصية تورث الكبرة، قال الله تعالى: {فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} فلمّا نظر إليهم يوسف وكلّموه بالعبرانية، قال لهم: أخبروني من أنتم؟ وما أمركم؟ فإنّي أنظر شأنكم، قالوا: نحنُ قومٌ من أهل الشام رُعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار، قال: لعلّكم عيون تنظرون عورة بلادي، قالوا: والله ما نحن جواسيس وإنّما نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صدّيق يُقال له: يعقوب، نبي من أنبياء الله، قال: وكم أنتم؟ قالوا: كُنّا إثني عشر فذهب أخٌ لنا إلى البريّة فهلك فيها، وكان أحبّنا إلى أبينا، فقال: فكم أنتم ها هنا، قالوا: عشره، قال: فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا لأنّه أخ الذي هلك من أُمّه، وأبونا يتسلّى به، قال: فمن يعلم أنّ الذي تقولون حقّ؟ قالوا: أيّها الملك إنّا ببلاد لا يعرفنا أحد، قال يوسف: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، فأنا أرضى بذلك. قالوا: إنّ أبانا يحزن على فراقه وسنراوده عنه وإنّا لفاعلون، قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف وأبرّهم به فخلّفوه عنده،فذلك قوله تعالى: {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} يعني حمل لكل رجل منهم بعيراً بعدّتهم، {قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ} يعني بنيامين، {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ} أي لا أبخس الناس شيئاً وأُتمّ لهم كيلهم فأزيد لكم حمل بعير في خراجكم، وأكرم ثواكم، وأُحسن إليكم، {وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ} المُضيّفين. {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي} ليس لكم عندي طعام أكيله لكم {وَلاَ تَقْرَبُونِ} ولا تقربوا بلادي بعد ذلك، وهو جزم يدلّ على النهي. {قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} نطلبه ونسأله أن يُرسله معنا، قال ابن عباس: سنخدعه حتى نخرجه معنا، {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} ما أمرتُ به. {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ} أي لغلمانه الذين يعملون بالطعام، قرأ الحسن وحميد ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص، لفتيانه بالألف والنون وهو اختيار أبي عبيدة، وقال: هي في مصحف عبدالله كذلك، وقرأ الباقون لفتيته بالتاء من غير ألف وهما لغتان مثل الصبيان والصبية. {ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ} أي طعامهم، قال قتادة: أوراقهم، الضحّاك عن ابن عباس قال: كانت النعل والأدم، {فِي رِحَالِهِمْ} في أوعيتهم وهي جمع رحل، والجمع القليل منه الرحيل، قال ابن الأنباري: يقال للوعاء: رَحل وللمسكن رحل. {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ} انصرفوا، {إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إليّ واختلف العُلماء في السبب الذي فعل يوسف من أجله، فقال الكلبي: تخوّف يوسف أن لا يكون عند أبيه من الورق فلا يرجعون مرّة أخرى، وقيل: خشي أن يضرّ أخذه ذلك منهم بأبيه؛ إذ كانت السنة سنة جدب وقحط، فأحبّ أن يرجع إليه، وإنِّما أراد أن يتّسع به أبوه، وقيل: رأى لو أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إليه فردّه عليهم من حيث لا يعلمون تكرّماً وتفضّلا. وقيل: فعل لأنّه علم أنّ ديانتهم وأمانتهم تحملهم على ردّ البضاعة ولا يستحلّون إمساكها فيرجعون لأجلها، وقيل: أبدا لهم كرمه في ردّ البضاعة وتقديم الضمان في البِرّ والإحسان ليكون أدعى لهم إلى العود إليه طمعاً في برّه. {فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا} قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة، لو كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته، قال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملك بمصر فاقرؤوه منّي السلام وقولوا له: إنّ أبانا يُصلّي عليك ويدعو لك بما أوليتنا، ثمّ قال: أين شمعون؟ قالوا: إنّه عند ملك مصر وأخبروه بالقصّة، فقال: ولم أخبرتموه؟ قالوا: إنّه أخذنا وقال: إنّكم جواسيس عندما كلّمناه بلسان العبرانيين، وقصّوا عليه القصّة. {مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا} بنيامين {نَكْتَلْ} قرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي يكتل بالياء يعني يكتل لنفسه هو كما كنّا نكتل نحن، وقرأ الآخرون بالنون بمعنى نكتل نحن، واختاره أبو عبيد {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} يعقوب، {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ} يوسف {مِن قَبْلُ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً} قرأ ابن محصن ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي: حافظاً بالألف على التمييز والتفسير، كما يُقال: هو خيرٌ رجلا، ومجاز الآية خيركم حافظاً فحذف الكاف والميم، ويدلّ عليه أنّها مكتوبة في مصحف عبدالله: والله خيرُ الحافظين. وقرأ الآخرون حفظاً بغير الألف على المصدر بمعنى خيركم حفظاً واختلفَ فيه عن عاصم {وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}. {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ} الذي حملوه من مصر {وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ} ثمن الطعام {رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي} أي ماذا نبغي؟ وأي شيء نطلب وراء هذا؟ أوفى لنا الكيل وردّ علينا الثمن، أرادوا بذلك أن يُطيّبوا نفس أبيهم، و {مَا} استفهام في موضع نصب ويكون معناه جحداً كأنّهم قالوا: لسنا نُريد منك دراهم. {هَـٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} ونشتري لهم الطعام فنحمله إليهم، يقال مار أهله يَمير مَيراً فهو ماير، إذا حمل إليهم أقواتهم من غير بلده في مثله امتار يمتار امتياراً، قال الشاعر: شعر : بعثتك مائراً فمكثت حولا متى يأتي غياثك من تغيثُ تفسير : وقال آخر: شعر : أتى قريةً كانت كثيراً طعامها كعفر التُراب كل شيء يميرها تفسير : {وَنَحْفَظُ أَخَانَا} بنيامين {وَنَزْدَادُ} على أحمالنا {كَيْلَ بَعِيرٍ} لنا من أجله {ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ}: لا مؤونة فيه ولا مشقّة، وقال مجاهد: كيل بعير يعني: حمل حمار، قال: وهي لغة يُقال للحمار بعير، {قَالَ} لهم يعقوب: {لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ} تعطوني {مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ} يعني تحلفوا لي بحقّ محمّد خاتم النبيين وسيد المُرسلين أن لا تغدروا بأخيكم {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} وإنّما دخلت فيه اللام لأنّ معنى الكلام اليمين {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} إلاّ أن تهلكوا جميعاً، قاله مجاهد، وقال قتادة: إلاّ أن يُغلبوا حتى لا يطيقوا ذلك. {فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ} أعطوه عهودهم، وقال جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس: حلفوا له بحقّ محمد صلى الله عليه وسلم ومنزلته من ربّه {قَالَ} يعقوب {ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} أي شاهد وحافظ بالوفاء، وقال القتيبي: كفيل، وقال كعب: لمّا قال يعقوب: فالله خيرٌ حافظاً، قال الله جلّ ذكره: وعزّتي لأردّن عليك كليهما بعدما توكّلت عليّ، وقال لهم يعقوب لما أرادوا الخروج [هذا]، {وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ} مصر {مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ} وذلك أنّه خاف عليهم العين لأنّهم كانوا ذوي جمال وهيئة وصور حسان وقامات ممتدّة، وكانوا ولد رجل واحد، وأمرهم أن يفترقوا في دخولها ثمّ، قال: {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} علم (عليه السلام) أنّ المقدور كائن، وأنّ الحذر لا ينفع من القدر، وما أغني عنكم من الله من شيء {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} وإلى الله فليفوّض أمورهم المفوّضون. {وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم} وكان لمصر أربعة أبواب فدخلوها من أبوابها كلّها، {مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} صدّق الله تعالى يعقوب فيما قال {إِلاَّ حَاجَةً} حزازة وهمّة في نفس يعقوب {قَضَاهَا} أشفق عليهم إشفاق الآباء على أبنائهم {وَإِنَّهُ} يعقوب {لَذُو عِلْمٍ لِّمَا}: أي مما {عَلَّمْنَاهُ} يعني لتعليمنا إيّاه، قاله قتادة، وروى سفيان عن (ابن) أبي عروة قال: إنّه العامل بما علم، قال سفيان: من لا يعمل لا يكون عالماً، وقيل: إنّه لذو حظّ لِما علّمناه. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ما يعلم يعقوب، أي لا يعرفون مرتبته في العلم. {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ} قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به، قد جئناك به فقال لهم: أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي، ثمّ أنزلهم فأكرم منزلهم ثمّ أضافهم وأجلس كلّ اثنين منهم على مائدة فبقى بنيامين وحيداً، فبكى وقال لو كان أخي يوسف حيّاً لأجلسني معه، فقال لهم يوسف (عليه السلام): لقد بقي هذا أخوكم وحيداً، فأجلسه على مائدته فجعل يُؤاكِله. فلمّا كان الليل أمرَ لهم بمثل أي فرش، فقال: لينم كلّ أخوين منكم على مثال، فلمّا بقي بنيامين وحده، قال يوسف (عليه السلام): هذا ينام معي على فراشي فبات معه فجعل يوسف يضمّه إليه ويشمّ خدّه حتى أصبح فجعل روبيل يقول: ما رأينا مثل هذا، فلمّا أصبح قال لهم: إنّي أرى هذا الرجل الذي جئتم به ليس معه ثان فسأضمّه إليّ فيكون منزله معي، ثمّ أنزلهم [معه]، وأجرى عليهم الطعام والشراب وأنزل أخاه لأمّه معه فذلك، قوله تعالى: {آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ} فلمّا خلا به قال له: ما اسمك؟ قال: بنيامين. قال ابن من يا بنيامين؟ قال: ابن المثكل، وذلك أنّه لما ولد هلكت أُمّه، قال: وما اسمها؟ قال: راحيل بنت لاوي بن ناحور، قال: فهل لك بنون؟ قال: نعم، عشر بنين وقد اشتققتُ أسماءهم من اسم أخ لي من أُمّي هلك، قال: لقد اضطرّك إلى ذاك حزن شديد، قال: فما سمّيتهم؟ قال: بالعا وأحيرا وأثكل وأحيا وكنر ونعمان وادر وأرس وحيتم وميثم، قال فما هذه؟ قال: إما بالعاً فإنّ أخي قد ابتلعته الأرض، وأما أخيرا فإنّه بكر أبي لأُمّي، وأمّا أثكل فإنّه كان أخي لأبي وأُمي وسنّي، وأما كثير فإنّه خير حبيب كان، وأمّا نعمان فانه ناعمٌ بين أبويه وأمّا أدّر فإنّه كان بمنزلة الورد في الحُسن، قال: وأما أرس فإنّه كان بمنزلة الرأس من الجسد، وأما حيتم فأعلمني أنّه حيّ، وأمّا ميثم فلو رأيته قرّت عيني. فقال يوسف: أتُحبّ أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ فقال بنيامين: ومن يجد أخاً مثلك؟ ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف (عليه السلام) وقام إليه وعانقه و {قَالَ} له: {إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ} يوسف {فَلاَ تَبْتَئِسْ} فلا تحزن {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} لشيء فعلوه بنا فيما مضى؛ فإنّ الله قد أحسن إلينا ولا تُعلمهم شيئاً ممّا علمت. وقال عبدالصمد بن معقل: سمعت وهب بن منبه وسئل عن قول يوسف لأخيه: {إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ}، فقيل له كيف آخاه حين أخذ بالصواع وقد كان أخبره أنّه أخوه، وأنتم تزعمون أنّه لم يزل متنكّراً لهم يكابرهم حتى رجعوا؟ فقال: إنّه لم يعترف له بالنسبة ولكنّه قال: أنا أخوك مكان أخيك الهالك، ومثله قال الشعبي، قال: لم يقل له: أنا يوسف، ولكن أراد أن يُطيّب نفسه. ومجاز الآية أي: أنا أخوك بدل أخيك المفقود فلا تبتئس بما كانوا يعملون فلا تشتكِ ولا تحزن لشيء سلف من أخوتك إليك في نفسك وفي أخيك من أُمّك، وما كانوا يفعلون قبل اليوم بك، ثمّ أوفى يوسف لإخوته الكيل وحمل لهم بعيراً، وحمل لبنيامين بعيراً باسمه كما حَمل لهم، ثمّ أمر بسقاية الملك فجعل في رحل بنيامين، قال السدّي: جعل السقاية في رحل أخيه، والأخ لا يشعر. قال كعب: لما قال له: إني أنا أخوك قال بنيامين: فأنا لا أفارقك، قال يوسف (عليه السلام): قد علمتُ [عنهم] والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمه، فلا يمكنني هذا إلاّ أن أُشهرك بأمر وأنسبك إلى ما لا يجمل بك، قال: لا أُبالي فافعل ما بدا لك فإنّي لا أُفارقك. قال: فإنّي أدسُّ صاعي هذا في رحلك ثمّ أُنادي عليك بالسرقة لجهازي ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك، قال: فافعل، فذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} أي لما قضى لهم حاجتهم، {جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ}: وهي المشربة التي كان يشرب بها الملك، قال ابن زيد: وكان كأساً من ذهب فيما يذكرون، وقال ابن إسحاق: هو شيء من فضّة، عكرمة: مشربة من فضّة مُرصّعة بالجواهر، جعلها يوسف مكيلا لئلاّ يكال بغيرها وكان يشرب بها، سعيد بن جُبير: هو [المقياس] الذي يلتقي طرفاه وكان يشرب بها الأعاجم وكان للعباس منها واحدة في الجاهلية، والسقاية والصواع واحد، {فِي رَحْلِ أَخِيهِ} في متاع بنيامين، ثمّ ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا ومضوا ثمّ أمر بهم فأُدركوا وحُبسوا. {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} نادى مناد، {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ} هي القافلة التي فيها الأحمال، قال الفرّاء: لا يُقال عِير إلاّ لأصحاب الإبل، وقال مجاهد كانت العِير حميراً. {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} قفوا، فوقفوا، فلمّا انتهى إليهم الرسول قال لهم: ألم نكرم ضيافتكم ونُحسن منزلكم ونُوفِكم كيلكم ونفعل بكم ما لم نفعله بغيركم؟ قالوا: بلى، وما ذاك؟ قال: سقاية الملك، فقال: إنّه لا يُتَّهم عليها غيركم، فذلك قوله تعالى: {قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ} عطفوا على المؤذّن وأصحابه: ماذا تفقدون؟ ما الذي ضلّ منكم؟ فالفقدان ضدّ الوجود، والمفقد: الطلب.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد عرفهم يوسف؛ لكنهم لم يعرفوه، فقد ألقَوْهُ في الجُبِّ صغيراً؛ ومرَّتْ رحلته في الحياة بعد أن عثر عليه بعض السيَّارة؛ وباعوه لعزيز مصر، لتمر به الأحداث المتتابعة بما فيها من نُضْج جسدي وحُسْن فائق، ومُراودة من امرأة العزيز، ثم سنوات السجن السبع. ولكل حدث من تلك الأحداث أثر على ملامح الإنسان؛ فضلاً عن أنهم جاءوه وهو في منصبه العالي، بما يفرضه عليه من وجاهة في الهيئة والملبس. أما هو فقد عرفهم؛ لأنه قد تركهم وهم كبار، وقد تحددت ملامحهم، ونعلم أن الإنسان حين يمرُّ عليه عِقْد من الزمان؛ فهذا الزمن قد يزيد من تحديد ملامحه، إذا ما كانَ كبيراً ناضجاً، لكنه لا يغيرها مثلما يُغيِّر الزمنُ ملامح الطفل حين يكبر ويصل إلى النضج. والذي دفعهم إلى المجيء هو القحط الذي لم يُؤثِّر على مصر وحدها؛ بل أثَّر أيضاً على المناطق المجاورة لها. وذاع أمر يوسف عليه السلام الذي اختزن الأقوات تحسُّباً لذلك القحط؛ وقد أرسلهم أبوهم ليطلبوا منه المَيْرة والطعام، ولم يتخيَّلوا بأي حال أن يكون مَنْ أمامهم هو أخوهم الذي ألقوْه في الجُبِّ. ويقول الحق سبحانه: {وَلَمَّا جَهَّزَهُم ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} حين استوزر الملك يوسف عليه السلام وأقامه في ضبط الممالك وقيام أمور الناس من التدبيرات المتعلقة بأمور معاشهم من تكثير الغلات والزراعات حتى دخلت السنون المجدبة، وكانت البيونات والمغلات مملوءة بأنواع الحبوبات، ثم لما أحاط الجدب جميع بلاد المصر والشام وعم البلوى في جميع الأماكن والجهات، اضطر الناس إلى أن يلتجئوا إلى باب العزيز؛ ليستغلوا منه ويسدوا رمقهم؛ لذلك {جَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} من الكنعان ليستغلوا {فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ} بأجمعهم {فَعَرَفَهُمْ} بالفور، وسألهم عن الوطن والمصلحة، فقالوا: نحن أولاد يعقوب جُدبنا الآن، واضطررنا إلى أن جئنا نستقوت من جاه العزيز ولا يحصل من الغير مطلقاً. ثم قال هم يوسف: أنتم بأجمعكم أبناء رجل واحد؟ قالوا: نعم إن لأبينا اثني عشر ابناً، عشرة من زوجة وأثنان من زوجة أخرى، ونحن تلك العشرة وواحد من الاثنين، قد هلك في الصحراء، والآخر عند أبينا يؤانس معه ويدفع به وحشة أبنه؛ إذ هو محبوب له مرغوب عنده {وَهُمْ} مع طول صحبتهم معه ومجالسته عنده {لَهُ مُنكِرُونَ} [يوسف: 58] لا يتفقهون ولا ينتبهون فكيف يعرفونه. {وَلَمَّا جَهَّزَهُم} الخدام بإذن العزيز {بِجَهَازِهِمْ} وهيأوا أرحالهم فأرادوا أن يشدوا، دخلوا على العزيز للتوديع {قَالَ} لهم العزيز: {ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ} ليدل على صدقكم ونجابة أصلكم {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ} وأتمه لكم {وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ} [يوسف: 59] أحسن ضيافتكم مثل ما أحسنت. {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ} أي: بأخيكم بنيامين {فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي} أي: فاعلموا ألاَّ كيل لكم عندي بعد اليوم {وَلاَ تَقْرَبُونِ} [يوسف: 60] ولا تدخلوا داري، إذ أنتم حنيئذٍ قوم كاذبون. وبعدما سمعوا منه كلاماً موحشاً، وتفرسوا أنهم لو لم يأتوا بأخيهم لما اكتال لهم العزيز ولم ينزلهم، فكيف أن يحسن معهم ويضيفهم؟ {قَالُواْ} له معتذرين: إن له أباّ شيخاً كبيراً، محزوناً، آسفاً يتسلى به {سَنُرَاوِدُ} ونجتهد مقدار طاقتنا {عَنْهُ أَبَاهُ} ونخدع به بأنواع الخدع حتى نأتي {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} [يوسف: 61] ألبتة وجوهاً من الخداع لإتيانه. {وَ} بعدما هيأا للسفر وأرادوا أن يرحلوا {قَالَ} يوسف {لِفِتْيَانِهِ} أي: خدامه وأعوانه: {ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ} التي أتوا بها وهي الأدم والنعال في رحالهم على وجه لا يشعرونها {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ} وقت {إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ} ورجعوا {إِلَىٰ أَهْلِهِمْ} وبعد رؤيتهم البضاعة آيسوا {لَعَلَّهُمْ} بعد ذلك {يَرْجِعُونَ} [يوسف: 62] بأخيهم لو رجعوا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : كما قال تعالى: {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ}، وهم الأوصاف البشرية، {فَعَرَفَهُمْ} يوسف القلب؛ لأنه ينظر بنور الله، {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [يوسف: 58] لبقائهم في الظلمة، وحرمانهم عن نور التوبة والاستغفار، وكذا كان حال يوسف مع إخوته فإنه عرفهم بنور المعرفة والنبوة. {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} لبقاء ظلمة معاصيهم وحرمانهم عن نور النبوة والاستغفار، ولو عرفوه حق المعرفة ما باعوه بثمن بخس، ولو لم يعرفهم يوسف أنهم أولاد الأنبياء، وأنهم مستعدون للنبوة ما عفي عنهم واستغفر لهم، {أية : قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [يوسف: 92] وما أحل فعلهم إلى الشيطان، وقال: {أية : أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ}تفسير : [يوسف: 100]. {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ} [يوسف: 59] يشير إلى يوسف القلب لمَّا التجأت إليه أوصاف البشرية بدل صفاتها المذمومة النفسانية بالصفات المحمودة الروحانية، واستدعى منها استحضار بنيامين السر وهو أخو يوسف القلب حقاً، وذلك أن السر لا يحضر مع القلب إلا بعد تبديل الصفات الذميمة بالحميدة، وإذا حضر السر مع القلب يوفى إليه بأوفى الكيل ما لم يوف إلى الأوصاف البشرية. ثم قال: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ} [يوسف: 60] يشير إلى أن كيل الأوصاف إنما يكون بكيل السر وحضوره مع القلب بعد خلاصه عن تصرف الأوصاف، فإذا لم يكن خلاصه عنهم فلا يكن لهم عند القلب كيل حقيقي بتبديل أوصافهم ولا قوة لهم عند القلب فأجابوه، {قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} [يوسف: 61] نخدع عنه إياه بإبقاء الكيل عليه كما أوفيت علينا، {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} [يوسف: 61] ما نريد من إخفاء السر. {وَقَالَ} [يوسف: 62] يعني: يوسف القلب، {لِفِتْيَانِهِ} [يوسف: 62] أي: لصفاته في الأصل، {ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ} [يوسف: 62] أي: بضاعة إخوته وهم أوصاف البشرية، وبضاعتهم الأعمال الصالحة البدنية يشير إلى أن بضاعة كل عمل من أعمال البدنية التي تجري بهما أوصاف البشرية إلى حضرة يوسف القلب هي مردودة إليها؛ لأن القلب مستغن عنها، وإنما أوصاف البشرية محتاجة إليها، فإن النفس تتأدب وتتزكى بها وتتحسن بأخلاقها، وقال الله تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}تفسير : [الإسراء: 7]. وإن تربية القلب إنما هي بالأعمال القلبية الروحانية كالنيات الصالحة، ولهذا قال صلى الله عليه سلم "حديث : نية المؤمن خير من عمله"تفسير : وفي رواية: "حديث : أبلغ من عمله"تفسير : وكما الغزائم الصادقة، والأخلاق الحميدة، والإقبال على الله، والإعراض عمَّا سواه، وصدق الطلب والتوجه للحق، وتخليص محبة الله عن شركة محبة المخلوقات، والتسليم والرضاء بالقضاء، وبذل الوجود المجازي في طلب الوجود الحقيقي، وهذا كله من قبيل التزكية والتصفية لسعي العبودية، ثم كمال تربية القلب من مواهب الربوبية بالتجلية وهي طلوع شمس مشاهدات أنوار الحق، وإظهار أنواع مكاشفاته من مشارق غيب الغيوب، وتجلي صفاته وذاته. وفي قوله: {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [يوسف: 62] إشارة إلى أن أوصاف البشرية إذا انقلبوا ببضاعة طاعتها إلى النفس وصفاتها يعرونها أنها تصلح لها لا للقلب، فتزكى النفس بتزكي الطاعات وتتربى بها، فتتزكى عن صفة الأمارية فتصير مأمورة مطمئنة، فتستحق لجذبة خطاب الحق وأمر: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28] فترجع النفس مع أوصاف بشريتها إلى حضرة الربوبية، فيكون طريقها على يسوف القلب وأهاليه، وكقوله: {أية : فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي}تفسير : [الفجر: 29-30].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لما تولى يوسف عليه السلام خزائن الأرض، دبرها أحسن تدبير، فزرع في أرض مصر جميعها في السنين الخصبة، زروعا هائلة، واتخذ لها المحلات الكبار، وجبا من الأطعمة شيئا كثيرا وحفظه، وضبطه ضبطا تاما، فلما دخلت السنون المجدبة، وسرى الجدب، حتى وصل إلى فلسطين، التي يقيم فيها يعقوب وبنوه، فأرسل يعقوب بنيه لأجل الميرة إلى مصر. { وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } أي: لم يعرفوه. { وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ } أي: كال لهم كما كان يكيل لغيرهم، وكان من تدبيره الحسن أنه لا يكيل لكل واحد أكثر من حمل بعير، وكان قد سألهم عن حالهم، فأخبروه أن لهم أخا عند أبيه، وهو بنيامين. فـ { قَالَ } لهم: { ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ } ثم رغبهم في الإتيان به فقال: { أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزلِينَ } في الضيافة والإكرام. ثم رهبهم بعدم الإتيان به، فقال: { فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ } وذلك لعلمه باضطرارهم إلى الإتيان إليه، وأن ذلك يحملهم على الإتيان به. فـ { قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ } دل هذا على أن يعقوب عليه السلام كان مولعا به لا يصبر عنه، وكان يتسلى به بعد يوسف، فلذلك احتاج إلى مراودة في بعثه معهم { وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ } لما أمرتنا به. { وَقَالَ } يوسف { لِفِتْيَانِهِ } الذين في خدمته: { اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ } أي: الثمن الذي اشتروا به من الميرة. { فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا } أي: بضاعتهم إذا رأوها بعد ذلك في رحالهم، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } لأجل التحرج من أخذها على ما قيل، والظاهر أنه أراد أن يرغبهم في إحسانه إليهم بالكيل لهم كيلا وافيا، ثم إعادة بضاعتهم إليهم على وجه لا يحسون بها، ولا يشعرون لما يأتي، فإن الإحسان يوجب للإنسان تمام الوفاء للمحسن. { فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ } أي: إن لم ترسل معنا أخانا، { فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ } أي: ليكون ذلك سببا لكيلنا، ثم التزموا له بحفظه، فقالوا: { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } من أن يعرض له ما يكره. { قَالَ } لهم يعقوب عليه السلام: { هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ } أي: تقدم منكم التزام، أكثر من هذا في حفظ يوسف، ومع هذا لم تفوا بما عقدتم من التأكيد، فلا أثق بالتزامكم وحفظكم، وإنما أثق بالله تعالى. { فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } أي: يعلم حالي، وأرجو أن يرحمني، فيحفظه ويرده علي، وكأنه في هذا الكلام قد لان لإرساله معهم. ثم إنهم { وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ } هذا دليل على أنه قد كان معلوما عندهم أن يوسف قد ردها عليهم بالقصد، وأنه أراد أن يملكهم إياها. فـ { قَالُوا } لأبيهم - ترغيبا في إرسال أخيهم معهم -: { يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي } أي: أي شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل، حيث وفَّى لنا الكيل، ورد علينا بضاعتنا على الوجه الحسن، المتضمن للإخلاص ومكارم الأخلاق؟ { هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } أي: إذا ذهبنا بأخينا صار سببا لكيله لنا، فمرنا أهلنا، وأتينا لهم، بما هم مضطرون إليه من القوت، { وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنزدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } بإرساله معنا، فإنه يكيل لكل واحد حمل بعير، { ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } أي: سهل لا ينالك ضرر، لأن المدة لا تطول، والمصلحة قد تبينت. فـ { قَالَ } لهم يعقوب: { لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ } أي: عهدا ثقيلا وتحلفون بالله { لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ } أي: إلا أن يأتيكم أمر لا قبل لكم به، ولا تقدرون دفعه، { فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } على ما قال وأراد { قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } أي: تكفينا شهادته علينا وحفظه وكفالته. ثم لما أرسله معهم وصاهم، إذا هم قدموا مصر، أن { لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ } وذلك أنه خاف عليهم العين، لكثرتهم وبهاء منظرهم، لكونهم أبناء رجل واحد، وهذا سبب. { وَ } إلا فـ { مَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } فالمقدر لا بد أن يكون، { إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ } أي: القضاء قضاؤه، والأمر أمره، فما قضاه وحكم به لا بد أن يقع، { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } أي: اعتمدت على الله، لا على ما وصيتكم به من السبب، { وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } فإن بالتوكل يحصل كل مطلوب، ويندفع كل مرهوب. { وَلَمَّا } ذهبوا و { دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ } ذلك الفعل { يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } وهو موجب الشفقة والمحبة للأولاد، فحصل له في ذلك نوع طمأنينة، وقضاء لما في خاطره. وليس هذا قصورا في علمه، فإنه من الرسل الكرام والعلماء الربانيين، ولهذا قال عنه: { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ } أي: لصاحب علم عظيم { لِمَا عَلَّمْنَاهُ } أي: لتعليمنا إياه، لا بحوله وقوته أدركه، بل بفضل الله وتعليمه، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } عواقب الأمور ودقائق الأشياء وكذلك أهل العلم منهم، يخفى عليهم من العلم وأحكامه ولوازمه شيء كثير.
همام الصنعاني
تفسير : 1320- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}: [الآية: 58]، قالَ: لا يَعْرِفُونَهُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):