١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسائل الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم لفتيانه بالألف والنون والباقون {لفتيته} بالتاء من غير ألف، وهما لغتان كالصبيان والصبية، والإخوان والإخوة قال أبو علي الفارسي الفتية جمع فتى في العدد القليل والفتيان للكثير، فوجه البناء الذي للعدد القليل أن الذين يحيطون بما يجعلون بضاعتهم فيه من رحالهم يكونون قليلين لأن هذا من باب الأسرار فوجب صونه إلا عن العدد القليل ووجه الجمع الكثير أنه قال: {لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ } والرحال تفيد العدد الكثير فوجب أن يكون الذين يباشرون ذلك العمل كثيرين. المسألة الثانية: اتفق الأكثرون على أن إخوة يوسف ما كانوا عالمين بجعل البضاعة في رحالهم ومنهم من قال إنهم كانوا عارفين به، وهو ضعيف لأن قوله: {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا } يبطل ذلك ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجوه: الأول: أنهم متى فتحوا المتاع فوجدوا بضاعتهم فيه، علموا أن ذلك كان كرماً من يوسف وسخاء محضاً فيبعثهم ذلك على العود إليه والحرص على معاملته. الثاني: خاف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى الثالث: أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان القحط. الرابع: رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع شدة حاجتهم إلى الطعام لؤم. الخامس: قال الفراء: إنهم متى شاهدوا بضاعتهم في رحالهم وقع في قلوبهم أنهم وضعوا تلك البضاعة في رحالهم على سبيل السهو وهم أنبياء وأولاد الأنبياء فرجعوا ليعرفوا السبب فيه، أو رجعوا ليردوا المال إلى مالكه. السادس: أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم به عيب ولا منة. السابع: مقصوده أن يعرفوا أنه لا يطلب ذلك الأخ لأجل الإيذاء والظلم ولا لطلب زيادة في الثمن. الثامن: أراد أن يعرف أبوه أنه أكرمهم وطلبه له لمزيد الإكرام فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه. التاسع: أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدة الزمان، وكان يخاف اللصوص من قطع الطريق، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية إلى أن يصلوا إلى أبيهم. العاشر: أراد أن يقابل مبالغتهم في الإساءة بمبالغته في الإحسان إليهم. ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما رجعوا إلى أبيهم قالوا: {قَالُواْ يأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ } وفيه قولان: الأول: أنهم لما طلبوا الطعام لأبيهم وللأخ الباقي عنده منعوا منه، فقولهم: {منع منا الكيل } إشارة إليه. والثاني: أنه منع الكيل في المستقبل وهو إشارة إلى قول يوسف: { أية : فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى } تفسير : [يوسف: 60] والدليل على أن المراد ذلك قولهم: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ } قرأ حمزة والكسائي: {يكتل} بالياء، والباقون بالنون، والقراءة الأولى تقوى القول الأول، والقراءة الثانية تقوي القول الثاني. ثم قالوا: {وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } ضمنوا كونهم حافظين له، فلما قالوا ذلك قال يعقوب عليه السلام: {هَلْ امَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ } والمعنى أنكم ذكرتم قبل هذا الكلام في يوسف وضمنتم لي حفظه حيث قلتم: { أية : وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } تفسير : [يوسف: 12] ثم ههنا ذكرتم هذا اللفظ بعينه فهل يكون ههنا أماني إلا ما كان هناك يعني لما لم يحصل الأمان هناك فكذلك لا يحصل ههنا. ثم قال: {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ } قرأ حمزة والكسائي {حَـٰفِظًا } بالألف على التمييز والتفسير على تقدير هو خير لكم حافظاً كقولهم: هو خيرهم رجلاً ولله دره فارساً، وقيل: على الحال والباقون: {حَـٰفِظًا } بغير ألف على المصدر يعني خيركم حفظاً يعني حفظ الله لبنيامين خير من حفظكم، وقرأ الأعمش {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا } وقرأ أبو هريرة رضي الله عنه {خَيْرٌ حَـٰفِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ } وقيل: معناه وثقت بكم في حفظ يوسف عليه السلام فكان ما كان فالآن أتوكل على الله في حفظ بنيامين. فإن قيل: لم بعثه معهم وقد شاهد ما شاهد. قلنا: لوجوه: أحدها: أنهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح، وثانيها: أنه كان يشاهد أنه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد مثل ما كان بينهم وبين يوسف عليه السلام، وثالثها: أن ضرورة القحط أحوجته إلى ذلك، ورابعها: لعله تعالى أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه. فإن قيل: هل يدل قوله: {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا } على أنه أذن في ذهاب ابنه بنيامين في ذلك الوقت. قلنا: الأكثرون قالوا: يدل عليه. وقال آخرون: لا يدل عليه، وفيه وجهان: الأول: التقدير أنه لو أذن في خروجه معهم لكان في حفظ الله لا في حفظهم. الثاني: أنه لما ذكر يوسف قال: {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا } أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ لِفِتْيَتِهِ} هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم؛ وهي ٱختيار أبي حاتم والنحاس وغيرهما. وقرأ سائر الكوفيين «لِفِتْيَانِهِ» وهو ٱختيار أبي عبيد؛ وقال: هو في مصحف عبد الله كذلك. قال الثعلبي: وهما لغتان جيدتان؛ مثل الصبيان والصبية قال النحاس: «لِفِتْيَانِهِ» مخالف للسواد الأعظم؛ لأنه في السواد لا ألف فيه ولا نون، ولا يترك السواد المجتمع عليه لهذا الإسناد المنقطع؛ وأيضاً فإن فتية أشبه من فتيان؛ لأن فتية عند العرب لأقل العدد، والقليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه. وكان هؤلاء الفتية يسوّون جهازهم، ولهذا أمكنهم جعل بضاعتهم في رحالهم. ويجوز أن يكونوا أحراراً، وكانوا أعواناً له، وبضاعتهم أثمان ما ٱشتروه من الطعام. وقيل: كانت دراهم ودنانير. وقال ٱبن عباس: النعال والأدم ومتاع المسافر، ويسمى رَحْلاً؛ قال ٱبن الأنباريّ: يقال للوعاء رَحْل، وللبيت رَحْل. وقال: {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ} لجواز ألاّ تسلم في الطريق. وقيل: إنما فعل ذلك ليرجعوا إذا وجدوا ذلك؛ لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلا بثمنه. قيل: ليستعينوا بذلك على الرجوع لشراء الطعام. وقيل: ٱستقبح أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن الطعام. وقيل: ليروا فضله، ويرغبوا في الرجوع إليه.
البيضاوي
تفسير : {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ} لغلمانه الكيالين جمع فتى. وقرأ حمزة والكسائي وحفص«لِفِتْيَانِهِ» على أنه جمع الكثرة ليوافق قوله: {ٱجْعَلُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ} فإنه وكل بكل رحل واحداً يعني فيه بضاعتهم التي شروا بها الطعام، وكانت نعالاً وأدماً وإنما فعل ذلك توسيعاً وتفضلاً عليهم وترفعاً من أن يأخذ ثمن الطعام منهم، وخوفاً من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به. {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا } لعلهم يعرفون حق ردها. أو لكي يعرفوها. {إِذَا ٱنْقَلَبُواْ } انصرفوا ورجعوا. {إِلَىٰ أَهْلِهِمْ } وفتحوا أوعيتهم. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ لِفِتْيَانِه} وفي قراءة «لفتيته» غلمانه {ِ ٱجْعَلُواْ بِضَٰعَتَهُمْ } التي أتوا بها ثمن الميرة وكانت دراهم {فِى رِحَالِهِمْ } أوعيتهم {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُواْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ } وفرغوا أوعيتهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إلينَا لأَنّهم لا يستحلون إمساكها.
ابن عبد السلام
تفسير : {لفتيته} الذين كالوا الطعام، أو غلمانه {بِضَاعَتَهُمْ} الورق التي اشتروا بها الطعام، أو ثمانية جُرُب فيها سويق المقل.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {لِفِتْيَانِهِ} قرأ الأخوان، وحفص: "لِفِتْيَانهِ"، والباقون: "لِفِتْيَتهِ" قال أبو عليِّ الفارسيُّ ـ رحمه الله ـ: "والفِتْيَان جمعُ كثرة، والفِتْيَةُ: جمعُ قلَّةٍ، فالتكثير بالنسبة إلى المأمُورينَ، والقلةُ بالنسبة إلى المُتنَاولينَ، وفتًى: يجمعُ على فِتيَانٍ، وفِتْيَة، وقد تقدَّم هل فِعْلة في الجموع اسم جمعٍ، أو جمعُ تكسير، ومثله "أخ"؛ فإنه جمع على أخوةٍ وإخوان؛ وهما لغتان؛ مثل الصِّبيان والصِّبْيَة". فصل اتفق الأكثرون على أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمر بوضعِ تلك البضاعة ـ وهي ثمنُ طعامهم، في رحالهم بحيثُ لا يعرفون ذلك. وقيل: إنَّهم كانوا عارفين به. وهي ضعيفُ؛ لقوله: {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. وذُكِر في السبب الذي لأجله أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم وجوهاً: أولها: أنَّهم إذ فتحُوا المتاع، فوجدوا بضاعتهم فيهح علموا أنَّ ذلك كرمٌ من يوسف؛ فيبعثهم ذلك على العود إليه. وثانيها: خاف ألاَّ يكون عندهم غيره؛ لأنَّه زمان قحطٍ. وثالثها: رأى أنَّ أخذ ثمنِ الطَّعامِ من أبيه، وإخوته ـ شدة حاجتهم إلى الطعام ـ لؤمٌ. ورابعها: قال الفراء ـ رحمه الله ـ: إنَّهم متى شاهدُوا بضاعتهم في رحالهم؛ فيحسبوا أنَّ وقع سهواً، وهم أنبياء وأولاد أنبياء؛ فيحملهم ذلك على رد البضاعةِ؛ نفياً للغلطِ ولا يستحلُّون إمساكها. وخامسها: أراد أن يُحْسِنَ إليهم على وجهٍ لا يلحقهم منه عتب، ولا منَّة. وسادسها: قال الكلبيُّ: تخوَّف ألاَّ يكون عند أبيه من الورقِ ما يرجعون به مرة أخرى. وسابعها: أنَّ مقصودهُ أن يعرفوا أنَّه لم يطلب أخاهم؛ لأجل الإيذاء والظلم؛ وإلا لطلب زيادةَ في الثمَّنِ. وثامنها: أن يعرف أباه أنه أكرمهم، وطلبهم بعد الإكرام؛ فلا يثقلُ على أبيه إرسالُ أخيه. وتاسعها: أراد أن يكون ذلك المالُ معونةً لهم على شدَّة الزمن وكان يخافُ اللصوص من قطع الطَّريق، فوضع الدَّراهم في رحالهم؛ حتى تبقى مخفية إلى أن يصلوا إلى أبيهم. وعاشرها: أنه قالب مبالغتهم في الإساءة مبالغة في الإحسان إليهم. وقوله: {يَرْجِعُونَ} يحتمل أن يكون متعدِّياً، وحذف مفعوله، أي: يرجعون البضاعة؛ لأنه عرف دينهم ذلك، وأن يكون قاصراً بمعنى يرجعون إلينا. قوله تعالى: {فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ} فيه قولان: أحدهما: أنَّهُم لما طلبوا الطعام لأبيهم وللأخ الباقي عند أبيهم، منعوا منه. والثاني: أنه منع الكيل في المستقبلِ، وهو قول يوسف: {أية : فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ}تفسير : [يوسف:60]، قال الحسنُ ـ رحمه الله ـ: معناه: يمنعُ منَّا الكيل إنْ لم نحمل أخانا معنا، وهذا أولى؛ لأنه لم يمنعهُم الكيل؛ بل اكتالَ لهم، وجهَّزهم، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: {فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ}، والمراد بالكَيْلِ: الطعامُ؛ لأنه يكالُ. قوله: "نَكْتَلْ" قرأ الأخوان: بالياءِ من تحتُ، أي: يَكِيلُ أخونا. والباقون بالنون، أي: نَكِيلُ نحنُ، وهو الطعامُ، وهو مجزومٌ على جواب الأمرِ. ويحكى أنَّه جرى بحضرةِ المتوكِّل، أو وزيره ابن الزَّياتِ: بين المازنِيّ، وابنِ السِّكيت مسألةٌ، وهي: ما وزنُ "نَكْتَل"؟ فقال يعقوبُ: نَفْتَل، فَسَخِرَ بِهِ المازني وقال: إنَّما وزنُها نَفْتَعِل. قال شهابُ الدِّين ـ رحمه الله ـ:"وهذا ليس بخطأ؛ لأنَّ التَّصريفيين نصُّوا على أنَّه إذا كان في الكلمةِ حذفٌ أو قلبٌ حذفت في الزنة، وقلبت، فتقول في وزن: قُمْتُ، وبعِْتُ: فُعْتُ، وفِعْتُ، ووزن "عِدَة" "عِلَة"، وإن شئت أتيْتَ بالأصل؛ فعلى هذا لا خطأ في قوله: وزن "نَكْتَلْ": نَفْتَل؛ لأنه اعتبر اللفظ، لا الأصل، ورأيت في بعض الكتب أنَّ وزنها: "نَفْعَل" بالعينِ، وهذا خطأٌ محضٌ، على أنَّ الظاهر من أمر يعقوب أنه لم يتقنْ هذا، ولو أتقنه لقال: وزنه على الأصل كذا، وعلى اللفظ كذا، ولذلك أنحى عليه المازنيُّ، فلم يرد عليه بشيء". ثم قال سبحانه وتعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ضمنوا كونهم حافظين له: لما قالوا ذلك، قال يعقوب ـ عليه السلام ـ {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ}، والمعنى: أنكم ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف، وضمنتم لي حفظه حيث قلتم: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وهاهنا ذكرتم هذا اللفظ بعينه، فهل يكون هاهنا إلا ما كان هناك، فكما لا يحصل الأمانُ هناك لا يحصلُ هنا. قوله: {إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ} منصوبٌ على نعتِ مصدرٍ محذوفٍ، أو على الحال منه أي: إلاَّ أئتماناً كائتمانه لكم على أخيه، شبه ائتمانه لهم على هذه بائتمانه لهم على ذلك، و"مِن قَبْلُ" متعلق بـ"أمِنْتُكمْ". قال: {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً}، قرأ الأخوان، وحفص "حَافِظاً" وفيه وجهان: أظهرهما: أنه تمييزٌ؛ كقوله: هو خيْرهُمْ رجُلاً، وللهِ دَرُّهُ فَارِساً. قال أبُو البقاءِ: "ومثلُ هذا يجُوزُ إضافته" وقد قرأ بذلك الأعمشُ: فاللهُ خيرُ حافظٍ والله ـ تعالى ـ متَّصفٌ بأن حفظهُ يزيدُ على حفظِ غيره؛ كقولك: هُوَ أفضلُ عالمٍ. والثاني: أنه حالٌ ذَكَر ذلك الزمخشريُّ وأبُوا البقاءِ، وغيرهما. قال أبو حيَّان: وقد نقله عن الزمخشري وحده: "وليس بجيِّدٍ؛ لأنَّ فيه تقييدَ خيرٍ بهذه الحال". قال شهابُ الدِّين: "ولا محذُور، فإنَّ هذه الحال لازمةٌ؛ لأنَّها مؤكدةٌ لا مبينةٌ وليس هذا بأول حال وردتْ لازمةً". وقرأ الباقون "حِفْظاً" ولم يجيزُوا فيها غير التَّمييزِ؛ لأنَّهم لو جعلوها حالاً، لكانت من صفة ما يصدقُ عليه "خَيْرٌ" ولا يصدقُ ذلك على ما يصدق عليه "خَيْرٌ"؛ لأن الحفظ معنى من المعاني. ومن يتأولُ: "زَيْدٌ عَدْلٌ" على المبالغةِ أو على حذفِ مضافٍ، أو على وقوع المصدر موقع الوصفِ يجيزُ في "حِفْظاً" أيضاً الحاليَّة بالتأويلاتِ المذكورة، وفيه تعسُّفٌ, وقرأ أبو هريرة: "خَيْرُ الحَافظينَ، وأرْحَمُ الرَّاحِمينَ" قيل: معناهُ: وثِقْتُ بكم في حفظِ يوسف، فكان ما كان، والآن أتوكَّلُ على الله في حفظ بِنيَامِينَ. فإن قيل: لِمَ بعثه معهم وقد شاهد ما شاهد؟. فالجوابُ من وجوهٍ: الأول: أنهم كبروا، ومالُوا إلى الخيرِ والصَّلاحِ. والثاني: أنه كان يشَاهِدُ أنَّه ليس بينهم و بين بنيامين من الحسدِ، والحقدِ مثل ما كان بينهم وبين يوسف ـ عليه السلام ـ. والثالث: أن ضرورة القَحْطِ أحوجتُه إلى ذلك. والرابع: لعلَّه ـ تعالى ـ أوحى إليه، ضمن له حفظه، وإيصاله إليه، فإن قيل: هل يدلُّ قوله: {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً} على أنَّه أذن في ذهاب بنياميَنَ في ذلك الوقت. فقال الأكثرون: يدلُّ عليه. وقال آخرون: لا يدل عليه، وفيه وجهان: الأول: أنَّ التقدير: أنَّه لو أذن في خُروجهِ معهم، لكان في حفظِ اللهِ ـ تعالى ـ لا في حفظهم. الثاني: لما ذكر يُوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قال: {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً} أي ليُوسُفَ؛ لأنه كان يعلم أنه حيٌّ.
القشيري
تفسير : جَعْلُ بضاعتهم في رحالهم - في باب الكَرَمَ - أتمُّ مِنْ أنْ لَوْ وَهَبَها لهم جَهْراً؛ لأنه يكون حينئذٍ فيه تقليد منه بالمواجَهَةِ، وفي تمليكها لهم بإشارةٍ تجَرُّدٌّ مِنْ تكلُّفِ تقليد منه بالمحاضرة. ويقال عَلِمَ أنهم لا يَسْتحلُّون مالَ الغَيْر قَدَسَّ بضاعتَهم في رحالِهم، لكن إذا رأَوْها قالوا: هذا وقع في رحالنا منهم بِغَلَطٍ، فالواجبُ علينا ردُّها عليهم. وكانوا يرجعون بسبب ذلك شاءوا أم أَبَوْا.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال} يوسف {لفتيانه} غلمانه الكيالين اى الموكلين على خدمة الكيل جمع فتى وهو المملوك شابا كان او شيخا {اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم} دسوها فى جواليقهم وذلك بعد اخذها وقبولها واعطاء بدلها من الطعام. والبضاعة من البضع بمعنى الشق والقطع لانها قطعة من المال. والرحل الوعاء ويقال لمنزل الانسان ومأواه رحل ايضا ومنه نسى الماء فى رحله وكل بكل رحل من يعى فيه بضاعتهم التى شروا بها الطعام وكانت نعالا وادما وقيل فى دراهم فان مقابلة الجمع بالجمع تقتضى انقسام الآحاد بالآحاد وانما فعله عليه السلام تفضلا عليهم وخوفا من ان لا يكون عند ابيه ما يرجعون به مرة اخرى {لعلهم يعرفونها} اى يعرفون حق ردها وحق التكرم باعطاء البدلين {اذا انقلبوا} اى رجعوا {الى اهلهم} وفتحوا اوعيتهم فالمعرفة مقيدة بالرجوع وتفريغ الاوعية {لعلهم يرجعون} لعل معرفتهم بذلك تدعوهم الى الرجوع الينا مرة اخرى باخيهم بنيامين فان التفضل عليهم باعطاء البدلين ولا سيما عند اعادة البضاعة من اقوى الدواعى الى الرجوع
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر {لفتيانه} الباقون {لفتيته} قال ابو الحسن كلام العرب قل: لفتيانك، وما فعل فتيانك, وان كانوا ايضاً في أدنى العدد إلا ان يقولوا: ثلاثة وأربعة. اخبر الله تعالى عن يوسف انه أمر فتيانه بأن يجعلوا بضاعتهم في رحالهم. و (الفتى) الشاب القوي، وجمعه فتية وفتيان. وقال قتادة: كانوا غلمانه. وقال غيره: كانوا مماليكه. و (البضاعة): قطعة من المال التي للتجارة. و (الرحال) جمع رحل وهوالشيء المعد للرحيل من وعاء المتاع او مركب من مراكب الجمال، وجمعه في القليل ارحل وفي الكثير رحال. وانما جعل بضاعتهم في رحالهم، ليقوي دواعيهم في الرجوع اليه اذا رأوا إكرامه اياهم، ورد بضاعتهم اليهم مع جدوب الزمان وشدته. ويجوز ان يكون جعلها في رحالهم ليرجعوا اليه متعرّفين عن سبب ردها. وقال قوم معناه ليعلموا اني لست اطلب أخاهم للرغبة في مالهم. وقوله {لعلهم يعرفونها} معناه لكي يعرفونها، وانما قال (لعل) لأنه جوز أن تشتبه عليهم، فيمسكوا فيها {إذا انقلبوا} أي اذا رجعوا الى اهليهم {لعلهم يرجعون} اي لكي يرجعوا، واللاَّم لام الغرض، وانما اتى بـ (لعل) لانه جوز أن لا يعودوا.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ} يعرفون حقّ ردّها او يعرفون اعيانها، فرغبوا الى الرّجوع {إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ} حكم بمنعه ان لم نذهب بأخينا {فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ} برفع المانع فانّ سبب المنع عدم ذهابنا بأخينا بنيامين، وقرئ يكتل اى بنيامين لنفسه اولنا ايضاً اى يصير سبباً للاكتيال او يكتل الكيّال لنا برفع المانع ولمّا كانوا مسبوقين بما فعلوا بيوسف (ع) وخدعوا اباهم فيه تبادروا الى قولهم {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ} تعييراً لهم على قولهم بما قالوا فى حقّ يوسف (ع) ولم يفوا به {إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ} يوسف (ع) {مِن قَبْلُ} ثمّ انصرف عنهم من الاعتماد على قولهم والتجأ الى الحافظ الحقيقىّ فقال: {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} فعلى حفظه ورحمته أعتمد لا على قولكم فى حقّ يوسف (ع) واخيه، نسب الى الخبر انّه تعالى قال: فبعزّتى لاردّنهما اليك بعد ما توكّلت علىّ.
اطفيش
تفسير : {وَقالَ} يوسف {لِفِتْيانه} جمع فتى على الصحيح وهو خلاف القياس، وقيل اسم جمع، وقرأ حمزة والكسائى وحفص لفتيانه ليوافق قوله: {فى رحالهم} فى أن كلا جمع كثرة، والكثرة مراده، فإن الرجال عشرة أو أحد عشر، ووكل بكل رجل فتى يعبئ له بضاعة، بخلاف الفتية، فإنه جمع قلة ففتية كإخوة، وفتيان كإخوان على قراءة الجمهور فالمراد الكثرة أيضا، والمراد بالفتيان غلمانه الكيالون، أو وأتباعه الذين استعملهم فى الكيل. {اجْعَلوا بضَاعتَهم} الإضافة للجنس، فالإفراد كالجمع أو إفراد لأن الكيل بضاعة واحدة، فرقت ما أتوا به للبيع وهو دراهم أتوا بها ليشتروا بها الطعام، وقيل: ذهب وفضة، وعن ابن عباس: نعال وأدم واقتصر عليه فى عرائس القرآن. {فى رحَالهم} جمع رحل وهو الوعاء الذى يحمل فيه الطعام أو غير {لَعلَّهم يعْرفونَها} أى يعرفون لها يدا وتكرمة، أى يعرفون حقها وضمير النصب للبضاعة {إذ انْقلبُوا} متعلق بيعرف أى وصلوا {إلى أهلهِم} وبلغوهم بأن يقيموا أوعيتهم فيجدوا فيها البضاعة، ولعل للترجى، ويجوز أن تكون للتعليل، أى لكى يعرفوا أنها بضاعتهم ردت إليهم. {لعلَّهم يرْجعُون} ترجع أو تعليل، والجملة بدل اشتمال من قوله: {لعلهم يعرفونها} فتحصل أن الجعل فى الرحال سببه إرادة الرجوع، أو لعل هذه ترج بالنسبة إلى المعرفة، أى لعل معرفتهم بها تدعوهم إلى الرجوع، وذلك أنهم إذا رأوها فى رحالهم فى الرجوع لهذا الذى يعطى الطعام فى وقت غلائه بلا قيمة. وقال الكلبى: تخوف أن لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يرجعون به مرة أخرى، سواء يريدون شراء الطعام مرة أخرى وهو الأليق بتلك السنين أم لم يردوا إذ لا يحسن رجوعهم بلا شئ، وقيل لا يرى أخذ الثمن من أبيه وإخوته لوما، ولا سيما فى حال الشدة فتركها عونا لهم على شدة الزمان، وقيل: أراد أن يحسن إليهم سرا، حتى لا يلحقهم ذل وخضوع فى ذلك، ولا يطمع كل من سمع بذلك فى مثله، وقيل: لأنه علم أن ديانتهم تحملهم على الرجوع بها، بأن يرجع كل منهم بما وجد فى رحله مخافة أن يكون قد ذهل عنه، فلم يأخذه، أو تحرجا من طعام بلا ثمن فيتحصل غرضه من رجوعهم. وقد قيل: معنى {لعلهم يرجعون} لعلهم يردونها، فالأصل لعلهم يرجعون بها، ولا يضيف هذا بسرورهم بها حيث وجدوها فى رحالهم، لأنه ظن أن يتحرجوا ويردوها، وما ظنهم يغنمونها، ولو لم يجعلها فى رحالهم لأمكنهم أن لا يرجعوا فيتعذروا بالفقر، وقلة ذات اليد فيما قيل، وقيل: جعلها فى رحالهم توطئة لجعل السقاية فى رحل أخيه، ولما أرادوا المسير أمرهم بالدخول عليه، وأقبل عليهم بكليته، وأمر ترجمانه فقال: إن الملك قد فعل بكم فعلا جميلا، وأولاكم طولا جليلا، وأنه يودعكم ويقول لكم: أبلغوا سلامى إلى أبيكم وقولوا له: إنى سمعت همه وغمه، وإنى قائل له: عليك بالصبر الجميل، فإن النصر مع الصبر، واليسر مع العسر، والله لطيف بعباده. وساروا وتركوه كأنه يغلى فى المثلات شوقا إليهم وإلى إخيه وأخته وأبيه، وقد أوحى الله إليه أن لا تخبرهم بذلك يوسف، ليكتمل أجر يعقوب بمكابدة بالصبر وتتفسر الرؤيا الأولى، ما تولوا منزلا بعد رجوعهم إلى أهلهم إلا أقبل عليهم أهله بأنواع الكرامات، قال شمعون: ما التفت إلينا أحد حين قصدنا مصر، ولما رجعنا صار الناس يكرموننا، فقال لهم يهودا: ما أكرمكم إلا لأثر حضرة الملك.
اطفيش
تفسير : {وقالَ لِفِتْيَانِهِ} جمع قلة بمعنى الكثرة، غلمانه الكيالين للناس وقابل الجمع بالجمع فى قوله: {اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِى رِحَالِهْمْ} وقد وكل بكل رحل غلاماً يضع فيه بضاعة، كل رحل ببضاعة صاحبه، وإِن كانت واحدة جعل بضاعة مطلقاً فى رحل مطلقاً، وكانت نعالا وأُدما، وأَصل البضاعة قطعة من المال تجمع للتجر بها، وهى هنا ثمن ما اشتروه، والرحل ما على ظهر المركوب أَو ما يفرش للراكب، أَو ما يغطى به ظهر المركوب، وأَما رد بضاعتهم ليعرفوا سخاءَه فيرجعوا بأَخيهم بينامين إِليه، وهو شقيقه فهو محتال فى الإِتيان به إِليه، وليجدوا ما يرجون للميرة ثانية به إِذ ذاك فى زمان فقر، ولأَن فى أَخذ الثمن عنهم وعن أَبيه لوما لشدة الحاجة وليحسن إِليهم بلا استحياء منهم، ولعلمه أَنهم لا يخونون، فإِذا وجدوها رجعوا بها، ويناسب الرجوع استصحاب أَخيهم بنيامين إِليه، وذلك كله مقبول فى قوله {لَعَلَّهُمْ} ترج {يَعْرِفُونَهَا} أَنها مالهم رد إِليهم، وقيل: لعلهم يعرفون حق ردها، وقيل: ذلك تعليل أَى ليعرفوها، ولا مانع من تقدير لكى يعرفوها {إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ} وفرغوا رحالهم فإِن من لازم الرجوع من السفر تفريغ الأَوعية التى جىءَ بها من السفر ولا سيما زمان الشدة. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لمعرفتهم أَنها مالهم رد إِليهم، أَو لتوهمهم أَنها وهم فيردونها لديانتهم بتحريم مال الناس، أَو لظن أَنه اختبرهم وجربهم، فالمعنى يرجعون إِليه بها، أَو يرجعونها، أَى يريدونها، من رجع اللازم أَو المتعدى، وقيل: ردها تكرما على أَبيه وإِخوته، وهو من أَولاد الكرام حتى زعم بعض أَنه وجب عليه ردها إِليهم للشدة والصلة، ويعارض قوله: {لعلهم يرجعون} ولا سيما إِنْ فسر بالتعليل، وقيل ذلك توطئة لجعل السقاية فى رحل أَخيه بعد والتبعية ظاهرة فى أَن ذلك بطريق التفضيل، وقيل: منع منا أَن يكيل لبنيامين ورد بعيره غير محمل على أَنه لم يعطه وسقا.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ} يوسف عليه السلام {لِفِتْيَانِهِ } لغلمانه الكيالين كما قال قتادة وغيره أو لأعوانه الموظفين لخدمته كما قيل، وهو جمع فتى أو اسم جمع له على قول وليس بشيء، وقرأ أكثر السبعة (لفتيته) وهو جمع قلة له، ورجحت القراءة الأولى بأنها أوفق بقوله: {ٱجْعَلُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ } فإن الرحال فيه جمع كثرة ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد فينبغي أن يكون في مقابلة صيغة جمع الكثرة، وعلى القراءة الأخرى يستعار أحد الجمعين للآخر. روي أنه عليه السلام وكل بكل رحل رجلاً يعبي فيه بضاعتهم التي اشتروا بها الطعام وكانت نعالاً وأدماً؛ وأصل البضاعة قطعة وافرة من المال تقتني للتجارة والمراد بها هنا ثمن ما اشتروه. والرحل ما على ظهر المركوب من متاع الراكب وغيره كما في "البحر"، وقال الراغب: ((هو ما يوضع على البعير للركوب ثم يعبر به تارة عن البعير وأخرى عما يجلس عليه في المنزل)) ويجمع في القلة على أرحلة، والظاهر أن هذا الأمر كان بعد تجهيزهم، وقيل: قبله ففيه تقديم وتأخير ولا حاجة إليه، وإنما فعل عليه السلام ذلك تفضلاً عليهم وخوفاً أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به مرة أخرى وكل ذلك لتحقيق ما يتوخاه من رجوعهم بأخيهم كما يؤذن به قوله: {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا } أي يعرفون حق ردها والتكرم بذلك ـ فلعل ـ على ظاهرها وفي الكلام مضاف مقدر، ويحتمل أن يكون المعنى لكي يعرفوها فلا يحتاج إلى تقدير وهو ظاهر التعلق بقوله: {إِذَا ٱنْقَلَبُواْ } أي رجعوا {إِلَىٰ أَهْلِهِمْ } فإن معرفتهم لها مقيدة بالرجوع وتفريغ الأوعية قطعاً، وأما معرفة حق التكرم في ردها وإن كانت في ذاتها غير مقيدة بذلك لكن لما كان ابتداؤها حينئذ قيدت به. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } حسبما طلبت منهم، فإن التفضل بإعطاء البدلين ولا سيما عند إعواز البضاعة من أقوى الدواعي إلى الرجوع، وقيل: إنما فعله عليه السلام لما أنه لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمناً وهو الكريم ابن الكريم وهو كلام حق في نفسه ولكن يأباه التعليل المذكور، ومثل في هذا ما زعمه ابن عطية من وجوب صلتهم وجبرهم عليه عليه السلام في تلك الشدة إذ هو ملك عادل وهم أهل إيمان ونبوة، وأغرب منه ما قيل: إنه عليه السلام فعل ذلك توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه بعد ذلك ليتبين أنه لم يسرق لمن يتأمل القصة، ووجه بعضهم علية الجعل المذكور للرجوع بأن ديانتهم تحملهم على رد البضاعة لاحتمال أنه لم يقع ذلك قصداً أو قصداً للتجربة ـ فيرجعون ـ على هذا إما لازم وإما متعد، والمعنى يرجعونها أي يردونها، وفيه أن هيئة التعبية تنادي بأن ذلك بطريق التفضل فاحتمال غيره في غاية البعد، أنهم كيف جزموا بذلك حين رأوها وجعلوا ذلك دليلاً على التفضلات السابقة كما ستحيط به خبراً إن شاء الله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : قرأ الجمهور {لفتيته} بوزن فعلة جمع تكسير فتى مثل أخ وإخوة. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف {لفتيانه} بوزن إخوان. والأول صيغة قلة والثاني صيغة كثرة وكلاهما يستعمل في الآخر. وعدد الفتيان لا يختلف. والفتى: من كان في مبدأ الشباب، ومؤنثه فتاة، ويطلق على الخادم تلطفاً، لأنهم كانوا يستخفون بالشباب في الخدمة، وكانوا أكثر ما يستخدمون العبيد. والبضاعة: المال أو المتاع المعدّ للتجارة. والمراد بها هنا الدراهم التي ابتاعوا بها الطعام كما في التوراة. وقوله: {لعلهم يعرفونها} رجاء أن يعرفوا أنها عين بضاعتهم إما بكونها مسكوك سكة بلادهم وإما بمعرفة الصَّرر التي كانت مصرورة فيها كما في التوراة، أي يعرفون أنها وضعت هنالك قصداً عطية من عزيز مصر. والرحال: جمع رحْل، وهو ما يوضع على البعير من متاع الراكب، ولذا سمي البعير راحلة. والانقلاب: الرجوع، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : انقلبتم على أعقابكم } تفسير : في [سورة آل عمران: 144]. وجملة {لعلهم يرجعون} جواب للأمر في قوله: {اجعلوا بضاعتهم في رحالهم} لأنه لمّا أمرهم بالرجوع استشعر بنفاذ رأيه أنهم قد يكونون غير واجدين بضاعة ليبتاعوا بها الميرة لأنه رأى مخايل الضيق عليهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِفِتْيَانِهِ} {بِضَاعَتَهُمْ} (62) - وَقَالَ يُوسُفُ لِغِلْمَانِهِ: اجْعَلُوا البِضَاعَةَ التِي قَدِمُوا بِهَا لِيَمْتَارُوا عِوَضاً عَنْهَا، فِي أَمْتِعَتِهِمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ، حَتَّى إِذَا رَجَعُوا إِلى أَهْلِهِمْ، وَوَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ مَعَهُمْ، عَادُوا يَمْتَارُونَ بِهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَقَدْ خَشِيَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، أَنْ لاَ تَكُونَ لَدَيْهِمْ بِضَاعَةُ غَيْرُها يَأْتُونَ بِهَا فِي المَرَّةِ القَادِمَةِ. (وَقِيلَ بَلْ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: أَنَّهُمْ إِذَا رَجَعُوا، وَوَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي مَتَاعِهِمْ يُدْرِكُونَ أَنَّ عَلَيْهِم العَوْدَةَ إِلى مِصْرَ لِرَدِّهَا تَحَرُّجاً مِنْ أَكْلِ المَالِ الحَرَامِ. كَمَا قِيلَ أَيْضاً بَلِ المَعْنَى: لِكَيْ يَعْرِفُوا لِيُوسُفَ حَقَّ إِكْرَامِهِمْ بِإِعَادَتِهَا إِلَيْهِمْ، وَجَعَلَ مَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الغَلَّةِ مَجَّاناً بِلاَ ثَمَنٍ فَيَرْجِعُونَ طَمَعاً فِي بِرِّ يُوسُفَ، فَإِنَّ العَوَزَ إِلى القُوتِ مِنْ أَقْوَى الدَّواعي إِلى رُجُوعِهِمْ). بِضَاعَتَهُمْ - ثَمَنَ مَا اشْتَرَوْهُ مِنْ طَعَامٍ. رِحَالِهِمْ - أَوْعِيَتِهِمْ التي يَضَعُونَ فِيهَا الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أن يوسف عليه السلام أمر مساعديه أنْ يُعيدوا البضائع التي أحضرها هؤلاء معهم ليقايضوا بها ما أخذوه من قمح وطعام، وكان على مساعدي يوسف عليه السلام أن يُنفِّذوا أمره بوضع هذه البضائع بشكل مُسْتتر في الرِّحال التي أَتَوْا عليها، وفي هذا تشجيع لهم كي يعودوا مرة أخرى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَلَمَّا رَجَعُوا ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 408 : 28 : 33 - سفين قال، كان أصحاب عبد الله يقرءونها {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ}. و{الله خير حافظاً}. [الآية 62-64].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):