Verse. 1669 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

قَالُوْا تَاللہِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْاَرْضِ وَمَا كُنَّا سٰرِقِيْنَ۝۷۳
Qaloo taAllahi laqad AAalimtum ma jina linufsida fee alardi wama kunna sariqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا تالله» قسم فيه معنى التعجب «لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين» ما سرقنا قط.

73

Tafseer

الرازي

تفسير : قال البصريون: الواو في {وَٱللَّهُ } بدل من التاء والتاء بدل من الواو فضعفت عن التصرف في سائر الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز وجل. قال المفسرون: حلفوا على أمرين: أحدهما: على أنهم ما جاؤا لأجل الفساد في الأرض لأنه ظهر من أحواله امتناعهم من التصرف في أموال الناس بالكلية لا بالأكل ولا بإرسال الدواب في مزارع الناس، حتى روي أنهم كانوا قد سدوا أفواه دوابهم لئلا تعبث في زرع، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات، ومن كانت هذه صفته فالفساد في الأرض لا يليق به. والثاني: أنهم ما كانوا سارقين، وقد حصل لهم فيه شاهداً قاطع، وهو أنهم لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر ولم يستحلوا أخذها، والسارق لا يفعل ذلك ألبتة ثم لما بينوا براءتهم عن تلك التهمة قال أصحاب يوسف عليه السلام: {فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَـٰذِبِينَ } فأجابوا و {قَالُواْ جَزؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ } قال ابن عباس كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان استعباد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا، والمعنى جزاء هذا الجرم من وجد المسروق في رحله، أي ذلك الشخص هو جزاء ذلك الجرم، والمعنى: أن استعباده هو جزاء ذلك الجرم، قال الزجاج: وفيه وجهان: أحدهما: أن يقال جزاؤه مبتدأ ومن وجد في رحله خبره. والمعنى: جزاء السرقة هو الإنسان الذي وجد في رحله السرقة، ويكون قوله: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ } زيادة في البيان كما تقول جزاء السارق القطع فهو جزاؤه. الثاني: أن يقال: {جَزَاؤُهُ } مبتدأ وقوله: {مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ } جملة وهي في موضع خبر المبتدأ. والتقدير: كأنه قيل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو، إلا أنه أقام المضمر للتأكيد والمبالغة في البيان وأنشد النحويون: شعر : لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت الغني والفقيرا تفسير : وأما قوله: {كَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي مثل هذا الجزاء جزاء الظالمين يريد إذا سرق استرق ثم قيل: هذا من بقية كلام أخوة يوسف. وقيل: إنهم لما قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه، فقال أصحاب يوسف: {كَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ} يروى أنهم كانوا لا ينزلون على أحد ظلماً، ولا يرعون زرع أحد، وأنهم جمعوا على أفواه إبلهم الأكِمَّة لئلا تعيث في زروع الناس. ثم قال: {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} يروى أنهم ردّوا البضاعة التي كانت في رِحالهم؛ أي فمن ردّ ما وجد فكيف يكون سارقاً؟ٰ قوله تعالى: {قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ} المعنى: فما جزاء الفاعل إن بان كذبكم؟ فأجاب إخوة يوسف: {جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أي يُسْتعبَد ويُسْتَرقّ. «فَجَزَاؤُهُ» مبتدأ، و «مَنْ وُجِدَ فيِ رَحْلِهِ» خبره؛ والتقدير: جزاؤه ٱستعباد من وُجِد في رحله؛ فهو كناية عن الاستعباد؛ وفي الجملة معنى التوكيد، كما تقول: جزاء من سرق القطع فهذا جزاؤه. {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} أي كذلك نفعل في الظالمين إذا سرقوا أن يُستَرقُّوا، وكان هذا من دين يعقوب عليه السلام وحكمه. وقولهم هذا قول من لم يَسْتَرب نفسه؛ لأنهم التزموا استرقاق من وجد في رحله، وكان حكم السارق عند أهل مصر أن يغرم ضعفي ما أخذ؛ قاله الحسن والسدّي وغيرهما. مسألة: قد تقدّم في سورة «المائدة» أن القطع في السرقة ناسخ لما تقدّم من الشرائع، أو لما كان في شرع يعقوب من ٱسترقاق السارق، والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : لما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة، قال لهم إخوة يوسف: {تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ} أي: لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا؛ لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة، أنا {مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ} أي: ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة، فقال لهم الفتيان: {فَمَا جَزَآؤُهُ} أي: السارق إن كان فيكم {إِن كُنتُمْ كَـٰذِبِينَ} أي: أي شيء يكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه؟ { قَالُواْ جَزآؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ} وهكذا كانت شريعة إبراهيم عليه السلام، أن السارق يدفع إلى المسروق منه، وهذا هو الذي أراد يوسف عليه السلام، ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، أي: فتشها قبله تورية، {ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزاماً لهم بما يعتقدونه، ولهذا قال تعالى: {كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه؛ لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة. وقوله: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ} أي: لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر. قاله الضحاك وغيره، وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى فقال: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ} كما قال تعالى: {أية : يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ} تفسير : [المجادلة: 11] الآية، {وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ} قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله عز وجل، وكذا روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير، قال: كنا عند ابن عباس، فحدث بحديث عجيب، فتعجب رجل فقال: الحمد لله، فوق كل ذي علم عليم، فقال ابن عباس: بئس ما قلت الله العليم وهو فوق كل عالم، وكذا روى سماك عن عكرمة، عن ابن عباس {وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ} قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم، وهكذا قال عكرمة، وقال قتادة: وفوق كل ذي علم عليم، حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدىء، وتعلمت العلماء، وإليه يعود، وفي قراءة عبد الله: (وفوق كل عالم عليم).

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ تَٱللَّهِ } قسم فيه معنى التعجب {لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ } ما سرقنا قط.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض}أي لنسرق، لأن السرقة من الفساد في الأرض. وإنما قالوا ذلك لهم لأنهم قد كانوا عرفوهم بالصلاح والعفاف. وقيل لأنهم ردّوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم، ومن يؤد الأمانة في غائب لا يقدم على سرقة مال حاضر. {وما كنا سارقين} يحتمل وجهين: أحدهما: ما كنا سارقين من غيركم فنسرق منكم. والثاني: ما كنا سارقين لأمانتكم فنسرق غير أمانتكم. وهذا أشبه لأنهم أضافوا بذلك إلى عملهم. قوله عز وجل: {قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين} أي ما عقوبة من سرق منكم إن كنتم كاذبين في أنكم لم تسرقوا منا. {قالوا جزاؤه مَن وُجِدَ في رحلِه فهو جزاؤه} أي جزاء من سرق إن يُسْترق. {كذلك نِجزي الظالمين} أي كذلك نفعل بالظالمين إذا سرقوا وكان هذا من دين يعقوب. {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاءِ أخيه} لتزول الريبة من قلوبهم لو بدىء بوعاء أخيه. {ثم استخرجها من وعاء أخيه} قيل عنى السقاية فلذلك أنّث، وقيل عنى الصاع، وهو يذكر ويؤنث في قول الزجاج. {كذلك كدنا ليوسُف}فيه وجهان: أحدهما: صنعنا ليوسف قاله الضحاك. والثاني: دبّرنا ليوسف، قاله ابن عيسى. {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك}فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في سلطان الملك، قاله ابن عباس. والثاني: في قضاء الملك، قاله قتادة. والثالث: في عادة الملك، قال ابن عيسى: ولم يكن في دين الملك استرقاق من سرق. قال الضحاك: وإنما كان يضاعف عليه الغرم. {إلا أن يشاء الله} فيه وجهان: أحدهما: إلا أن يشاء الله أن يُسْتَرق من سرق. والثاني: إلا أن يشاء الله أن يجعل ليوسف عذراً فيما فعل.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَقَدْ عَلِمْتُم} ذكروا ذلك لأنهم عرفوا أمانتهم بردهم البضاعة التي وجدوها في رحالهم {لِنُفْسِدَ} لنسرق.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ }: روي أن إِخوة يوسُفَ كانُوا رَدُّوا البِضَاعة المَوْجُودة في الرِّحَال، وتحرَّجوا مِنْ أخْذ الطعام بلا ثَمَنٍ؛ فلذلك قالوا: {لَقَدْ عَلِمْتُم}؛ أي: لقد علمْتُمْ منا التحرِّي، وروي أنهم كانوا قَدِ ٱشتهروا بِمِصْرَ بصَلاَحٍ وتعفُّفٍ، وكانوا يجعلُونَ الأَكِمَّةَ في أفواه إِبلهم، لَئَلاَّ تنَالَ زروعَ الناسِ؛ فلذلك قالوا: {لَقَدْ عَلِمْتُم}، والتاء في «تَاللَّهِ» بدلٌ من الواو، ولا تدخُلُ التَّاء في القَسَمِ إِلاَّ في هذا ٱلاسم. قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: قال الطبري: قوله تعالى: {قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ } على حذف مضافٍ، تقديره: جزاؤه استعبادُ و ٱسترقاقُ مَنْ وَجَدَ في رَحْله. انتهى. وقولهم: {كَذَٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّـٰلِمِينَ }: أي: هذه سُنَّتنا ودِينُنا في أهْل السَّرقة؛ أنْ يتملَّك السارق؛ كما تَمَلَّكَ هو الشيءَ المَسْرُوق. وقوله سبحانه: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ...} الآية: بدؤه أيضاً من أوعيتهم تمكينٌ للحِيلَةِ، وإِبعادٌ لظُهُور أنها حيلةٌ، وأضافَ اللَّه سبحانَهُ الكَيْدَ إِلى ضميره؛ لَمَّا خَرَجَ القَدْرُ الذي أباح به ليُوسُفَ أَخْذَ أخِيهِ مَخْرَجَ ما هو في ٱعتقادِ النَّاس كَيْدٌ، وقال السُّدِّيُّ والضَّحَّاك: {كِدْنَا }: معناه: صَنَعْنَا، و{دِينِ ٱلْمَلِكِ }: فسَّرَه ابن عباس بسُلْطَانِهِ، وفسَّره قتادة بالقضاءِ والحُكُم، وهذا متقاربٌ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: قوله تعالى: {كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ }، إذ كان المَلِكُ لا يَرَى ٱسترقاقَ السَّارق، وإِنما كان دِينُهُ أنْ يأخذ المجنيُّ عليه من السارق مِثْلَي السَّرقَةِ. {إِلاَّ أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ }: ٱلتزامُ الإِخوة لدين يعقوبَ بٱلاسترقاقِ، فَقَضَى عليهم به، انتهى. قال * ع *: وٱلاستثناء في هذه الآيةِ حكايةُ حال التقديرِ، إِلا أنْ يشاء اللَّه مَا وَقَعَ من هذه الحيلةِ، وروَى أبو عمر بْنُ عَبْدِ البَرِّ بسنده، عن مالك، عن زيد بن أسلم؛ أنه قال في قَوْلِهِ عَزَّ وجلَّ: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاءُ}: قال: بالعلْمِ، انتهى من «كتاب العلم». وقوله سبحانه: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }، المعنى: أنَّ البَشَرَ في العلْمِ درجاتٌ، فكلُّ عالمٍ فلا بُدَّ مِنْ أعْلَمَ منه، فَإِما من البَشَرِ، وإِما اللَّه عزَّ وجلَّ، فهذَا تأويلُ الحَسَن وقتادة وابن عباس وروي أيضاً عن ابن عبَّاس: إِنما العليمُ اللَّهُ، وهو فوقَ كل ذي علم. قال ابن عطاء في «التنوير»: ٱعلم أنَّ العلْمَ حيثُ ما تكرَّر في الكتاب العزيز، أو في السُّنَّة، فإِنما المراد به العِلْمُ النافِعُ الذي تقارنُهُ الخشية، وتكتنفه المَخَافة. انتهى. قال الشيخ العارفُ أبو القاسم عبْدُ الرحمٰن بْنُ يوسُفَ اللَّجَائيُّ رحمه اللَّه: إِذا كَمُلَتْ للعبدِ ثلاَثُ خِصَالٍ، وصَدَقَ فيها، تفجَّرَ العْلْمُ مِنْ قَلْبِهِ على لسانه، وهي الزُّهْد، والإِخلاص، والتقوى، قال: ولا مَطْمَعَ في هذَا العلْمِ المذكور إِلا بَعْدَ معالجة القَلْبِ مِنْ علله التي تشينه، كالكِبْر، والحَسَد، والغَضَبِ، والرياء، والسُّمْعة، والمَحْمَدَة والجاه، والشَّرَف، وعُلُوِّ المنزلة، والطمَعِ، والحِرْصِ، والقَسْوة، والمُدَاهَنة، والحِقْد، والعَدَاوة، وكلِّ ما عَدَدْنَاهُ من العلل، وما لم نَعُدَّهُ راجعٌ إِلى أصل واحدٍ، وهو حبُّ الدنيا، لأنَّ حبها عنه يتفرَّعُ كلُّ شر، وعنه يتشعَّب كلُّ قبيح، فإِذا زالَتْ هذه العِلَلُ ظهر الصِّدْق، والإِخلاص، والتواضُعُ، والحِلْم، والوَرَعِ، والقَنَاعة، والزُّهْد، والصَّبْر، والرِّضا، والأُنْسُ، والمَحَبَّة، والشَّوْق، والتوكُّل، والخَشْية، والحُزْن، وقِصَر الأَمَلِ، وَمِزَاجُ النية بالعمل، فينبُعُ العِلْمُ، وينتفي الجَهْل، ويضيءُ القَلْب بنور إلاهيٍّ، ويتلألأ الإِيمان، وتوضح المعرفةُ، ويتَّسِعُ اليقينُ، ويتقوَّى الإِلهام، وتبدو الفراسَاتُ، ويصفى السرُّ، وتتجلَّى الأسرار، وتوجد الفوائدُ. قال رحمه اللَّه: وليس بَيْنَ العبدِ والترقِّي مِنْ سُفْلٍ إِلى عُلْوٍ إِلاَّ حُبُّ الدنيا؛ فإِن الترقِّي يتعذَّر مِنْ أجْل حبِّها؛ لأنها جاذبة إِلى العالَمِ الظلمانيِّ، وطباعُ النفوس لذلك مائلةٌ، فإِنْ أردتَّ أنْ تقتفي أثَرَ الذاهِبينَ إِلى اللَّه تعالى، فٱسْتَخِفَّ بدنياك، وٱنْظُرْها بعَيْن الزَّوال، وأَنْزِلْ نَفْسَكَ عندَ أخْذِ القُوتِ منها منزلَةَ المُضْطَرِّ إِلى الميتة، والسَّلام. انتهى. وروي أن المفتِّش كان إِذا فَرَغَ من رَحْلِ رَجُلٍ، فلم يجدْ فيه شيئاً، ٱستغفر اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فعله ذلك، وظاهر كلام قتادة وغيره؛ أنَّ المستغفِرَ هو يُوسُفُ حتى انْتَهَى إِلى رَحْلِ بِنْيَامِينَ، فقال: ما أظَنُّ هذا الفتى رضي بهذا، ولا أخذ شيئاً، فقال له إِخوته: واللَّهِ، لاَ تَبْرَحْ حَتَّى تُفَتِّشَهُ، فهو أطْيَبُ لنفسك ونفوسِنَا، فَفَتَّشَ حينئِذٍ، فأخْرَجَ السِّقاية، وروي أنَّ أُخوة يوسُفَ لما رأَوْا ذلك، عَنَّفُوا بِنْيَامِينَ، وقالوا له: كَيْفَ سَرَقْتَ هذه السِّقَايَةَ؟ فقال لهم: واللَّهِ، ما فَعَلْتُ، فَقَالُوا له: فَمَنْ وَضَعَهَا في رَحْلِكَ؟ قالَ: الذي وَضَعَ البِضَاعَةَ في رِحَالِكُمْ، والضمير في قوله: {ٱسْتَخْرَجَهَا }: عائدٌ على السِّقاية، ويحتمل على السَّرقة.

القشيري

تفسير : يعني حُسْنُ سيرتنا في سير المعاملة يدلكم على حسن سريرتنا في الحالة. ويقال لو كُنَّا نسرق متاعكم لما رددناه عليكم ولَمَا وجدتموه في رحالنا بعد أَن غِبْنَا عنكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى الارض} قسم فيه معنى العجب مما اضيف اليهم والجمهور على ان التاء بدل من الواو مختصة باسم الله تعالى. والمعنى ما اعجب حالكم انتم تعلمون علما جليا من ديانتنا وفرط امانتنا اننا بريئون مما تنسبون الينا فكيف تقولون لنا انكم لسارقون. وقوله لنفسد اى لنسرق فانه من اعظم انواع الفساد {وما كنا سارقين} اى ما كنا نوصف بالسرقة فقط وانما حكموا بعلمهم ذلك لان العلم باحوالهم الشاهدة يستلزم العلم باحوالهم الغائبة

الطوسي

تفسير : هذا حكاية ما اجاب به اهل العير لما سمعوا النداء، وما يدل على رد الصواع انهم اقسموا بالله انا لم نجيء للافساد في الارض وإنا لم نكن سارقين. والفساد اضطراب التدبير على وجه قبيح، ونقيضه الصلاح. ويقال فسد الشيء اذا تغير الى حال تضر كفساد الطعام، وغيره من الأمور، وقوله "تالله" التاء بدل من بدل، لأنها بدل من الواو والواو بدل من الباء، فضعفت عن التصرف، فاختصت بدخولها على اسم الله لا غير دون غيره من الاسماء، لانه لا يقال (تالرحمن) ودخلت التاء في تالله على وجه التعجب، لانها لما كانت نادرة في حروف القسم جعلت للنادر من المعاني يتعجب منه. وإنما قالوا {تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض} مع انهم لم يعلموا ذلك لأمرين: احدهما - لما رأوا من صحة معاملتهم وشدة توقّيهم لما لا يجوز لهم مما ينبىء عن مقاصدهم. الثاني - قيل لانهم ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم ظناً منهم أن ذلك عن سهو، وهذا لا يليق بحال السراق من الناس. وضعف البلخي هذا الوجه، وقال كيف يكون ذلك وهم لما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت اليهم اظهروا السرور به والفرح، وقالوا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت الينا فكيف يردونها مع ذلك!.

اطفيش

تفسير : {قالُوا} أى إخوة يوسف {تاللهِ} قسم قيل: فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم، قلت: إن أراد القليل من التعجب من مدلول التاء لم يصح، وإن أراده من خارج صح {لَقدْ علمتُم ما جئنا لنفْسِد فى الأرض، وما كنَّا سارقينَ} استشهد بعلمهم لما ثثبت عندهم من دلائل حسن ديانتهم وأمانتهم فى مجيئهم أولا وثانيا، ومخالطتهم للملك، ولأنهم دخلوا كما روى فى الحديث مصر وأفواه دوابهم مكسوَّ لئلا تتناول من حروث الناس أو طعامهم فى سوق أو غيره، ولردهم بضاعتهم التى وجدوا فى رحالهم، وقالوا: لو جئنا للإفساد وكنا سارقين ما فعلنا ذلك، واسألوا من مررنا به فى طريقنا، هل ضررنا أحد، وآذيناه بشئ؟ وقد اشتهروا فى مصر بالصلاح والتعفف، وما ذكرته من حروث الناس بناء على أنه لم ينههم يوسف فى سنين الجدب عن الحرث، وقد مر أنه نهاهم لأنه لا يصلح وهو قول بعض، ولعله نهاهم عن شئ دون شئ، وهذا أولى فيجوز لهم أن يحرثوا ما تنتفع به الدواب.

اطفيش

تفسير : {قَالُوا تَا للهِ} قيل: قسم فيه معنى التعجب كما تعجبوا فى قولهم: "أية : تالله تفتؤاْ تذكر يوسف"تفسير : [يوسف: 85] ولا دليل على التعجب إِلا من خارج كما ظهر من أَحوالهم ما يدل على صدقهم من مواظبتهم على الصلاح حتى يسدوا أَفواه دوَابهم عند زروع الناس، وردوا البضاعة إِذ ظنوا أَنها لم توضع فى رحالهم بإِذن الملك، كذا قيل، وفيه أَنهم عرفوا من يوسف أًنها عطية، أَلا ترى أَنهم عدوها نعمة إِذ قالوا ما نبغى هذه بضاعتنا ردت إلينا، وتاءُ القسم أَصل برأْسها، وقيل بدل عن واو القسم كتراث أَصله وراث وذلك بدل حرفى، وقيل بدل عن الباءِ عوض عنها فى المعنى فليس بدلا حرفيا {لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا} أَرضكم {لِنُفْسِدَ فِى الأَرْضِ} أَرضكم {وَمَا كُنَّا سَارِقِين} ما سرقنا قط، وجملة لقد إِلخ جواب تالله لاقسم آخر مؤَكد للأَول فلا تهم، نفوا الإِفساد عن أَنفسهم وهو أعم من السرقة، ونفوا السرقة مع ذلك تأْكيدا وخصوصاً لأَن المقام لها وبها اتهموا.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ تَٱللَّهِ} أكثر النحويين على أن التاء بدل من الواو كما أبدلت في تراث وتوراة عند البصريين، وقيل هي بدل من الباء، وقال السهيلي: إنها أصل برأسها، وقال الزجاج: إنها لا يقسم بها إلا في الله خاصة. وتعقب بالمنع لدخولها على الرب مطلقاً أو مضافاً للكعبة وعلى الرحمن وقالوا تحياتك أيضاً. وأياً ما كان ففي القسم بها معنى التعجب كأنهم تعجبوا من رميهم بما ذكر مع ما شاهدوه من حالهم، فقد روي أنهم كانوا يعكمون أفواه إبلهم لئلا تنال من زروع الناس وطعامهم شيئاً واشتهر أمرهم في مصر بالعفة والصلاح والمثابرة على فنون الطاعات، ولذا قالوا: {لَقَدْ عَلِمْتُمْ } علماً جازماً مطابقاً للواقع {مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلأَرْضِ} أي لنسرق فإن السرقة من أعظم أنواع الإفساد أو لنفسد فيها أي إفساد كان فضلاً عما نسبتمونا إليه من السرقة، ونفى المجىء للإفساد وإن لم يكن مستلزماً لما هو مقتضى المقام من نفي الإفساد مطلقاً لكنهم جعلوا المجىء الذي يترتب عليه ذلك ولو بطريق الاتفاق مجيئاً لغرض الإفساد مفعولاً لأجله ادعاء إظهاراً لكمال قبحه عندهم وتربية لاستحالة/ صدوره عنهم فكأنهم قالوا: إن صدر عنا إفساد كان مجيئنا لذلك مريدين به تقبيح حاله وإظهار كمال نزاهتهم عنه كذا قيل. وقيل: إنهم أرادوا نفي لازم المجىء للإفساد في الجملة وهو تصور الإفساد مبالغة في نزاهتهم عن ذلك فكأنهم قالوا: ما مر لنا الإفساد ببال ولا تعلق بخيال فضلاً عن وقوعه منا ولا يخفى بعده {وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ } أي ما كنا نوصف بالسرقة قط، والظاهر دخول هذا في حيز العلم كالأول، ووجهه أن العلم بأحوالهم المشاهدة يستلزم العلم بأحوالهم الفائتة، والحلف في الحقيقة على الأمرين اللذين في حيز العلم لا على علم المخاطبين بذلك إلا أنهم ذكروه للاستشهاد وتأكيد الكلام، ولذا أجرت العرب العلم مجرى القسم كما في قوله:شعر : ولقد علمت لتأتين منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها تفسير : وفي ذلك من إلزام الحجة عليهم وتحقيق أمر التعجب المفهوم من تاء القسم من كلامهم كما فيه، وذكر بعضهم أنه يجوز أن يكون كما جئنا الخ متعلق العلم وأن يكون جواب القسم أو جواب العلم لتضمنه معناه وهو لا يأبـى ما تقدم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تالله: أي والله. لنفسد في الأرض: أي بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب. وما كنا سارقين: أي لم نسرق الصواع كما أنا لم نسرق من قبل متاع أحد. من وجد في رحله فهو جزاؤه: أي يأخذ بالسرقة رقيقاً. كذلك نجزي الظالمين: أي في شريعتنا. في وعاء أخيه: أي في وعاء أخيه الموجود في رحله. كذلك كدنا ليوسف: أي يسرنا له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود. في دين الملك: أي في شرعه إذ كان يضرب السارق ويغرم بمثل ما سرق. نرفع درجات من نشاء: أي كما رفع يوسف عليه السلام. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن يوسف وإخوته، إنه لما أعلن عن سرقة صواع الملك وأوقفت القافلة للتفتيش، وأعلن عن الجائزة لمن يأتي بالصواع وأنها مضمونة هنا قال إخوة يوسف ما أخبر تعالى به عنهم: {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ} أي بالسرقة وغشيان الذنوب وإنما جئنا للميرة {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} أي في يوم من الأيام، وهنا قال رجال الملك رداً على مقاتلهم بما أخبر تعالى به: {قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ} فأجاب الإِخوة بما أخبر تعالى عنهم بقوله: {قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} يريدون أن السارق يُسترق أي يملك بالسرقة وقوله {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} أي في شريعتنا. وهنا أخذ يوسف بنفسه يفتش أوعية إخوته بحثاً عن الصواع، وبدأ بأوعيتهم واحداً بعد واحد وآخر وعاء وعاء أخيه بنيامين دفعاً للتهمة والتواطؤ في القضية، حتى استخرجها من وعاء أخيه الذي كان في رحله، هذا ما دل عليه قوله تعالى: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} أي هكذا يسرنا له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود غير مذموم. وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ} أي لم يكن في شرع مصر أن يأخذ أخاه عبداً بالسرقة بل السارق يضرب ويغرم فقط، {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أمراً فإِنه يكون. وقوله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} أي في العلم كما رفعنا يوسف {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ} من الناس {عَلِيمٌ} إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى فهو العليم الذي لا أعلم منه بل العلم كله له ومنه ولولاه لما علم أحد شيئاً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- جواز الحلف بالله تعالى للحاجة. 2- مشروعية دفع التهمة عن النفس البريئة. 3- معرفة حكم السرقة في شرعة يعقوب عليه السلام. 4- بيان حسن تدبير الله تعالى لأوليائه. 5- بيان حكم السرقة في القانون المصري على عهد يوسف عليه السلام. 6- علوّ مقام يوسف عليه السلام في العلم. 7- تقرير قاعدة (وفوق كل ذي علم عليم): إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {سَارِقِينَ} (73) - وَلَمَّا اتَّهَمَ الغِلْمَانُ إِخْوَةَ يُوسُفَ بِالسَّرِقَةِ رَدُّوا قَائِلِينَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ وَتَحَقَّقْتُمْ، مُنْذُ عَرَفْتُمونا، أَنَّنَا مَا جِئْنَا لِنَسْرِقَ وَنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ، وَلَمْ تَكُنِ السَّرِقَةُ عَادَتَنا، وَلا هِيَ مِنْ أَخْلاقِنا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقولهم {تَٱللَّهِ} هو قَسَم، وعادةً تدخل "التاء" على لفظ الجلالة عند القَسَم المقصود به التعجُّب، أي: أن إخوة يوسف أقسموا مُندهشين لاتهامهم بأنهم لم يسرقوا؛ وأن الكُلَّ قد علم عنهم أنهم لم يأتوا بغرض الإفساد بسرقة أو غير ذلك، لم يسبق أن اتهمهم أحد بمثل هذا الاتهام. وهنا يأتي الحق سبحانه بما جاء على ألسنة مَنْ أعلنوا عن وجود سرقة، وأن المسروق هو صُوَاع الملك. ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم: {قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ} [يوسف: 73] أي: علمتم أننا من المقبلين على يوسف القلب لا من المردودين المعرضين عنه المقبلين على النفس المفسدين في الدنيا كما قالت الملائكة: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}تفسير : [البقرة: 30] {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} [يوسف: 73] إذ أخذنا يوسف القلب وألقيناه في جب البشرية، بل كنا ساعين في نيل مملكة مصر العبودية؛ ليكون عزيزاً فيها ونحن نكون دليلاً له، {قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ} [يوسف: 74] أي: فما جزاء السارق إن كنتم سارقين. {قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} [يوسف: 75] أي: جزاء من وجد فيه هذه المشرب نفسه بأن يفديها في طلب الشرب من هذا المشرب، فإن لكل شارب مشرباً ولكل مشرب فدية، ففدية مشرب الشارب من مشرب الدنيا صنعته وحرفته، وكسب فدية شرب الشارب من مشرب الآخرة ترك الدنيا وشهواتها، وسعادة في الطاعات والعبادات والمجاهدات، وفدية شرب المشارب من شربة محبة الله وطلبه بذل وجوده الشارب، {أية : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}تفسير : [البقرة: 60] فهو جزاؤه كل جزاء الحطب الموقد النار الوقود بالنار. {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} [يوسف: 75] بل المظلومين الجهولين الذين وضعوا صواع الملك في غير موضعه طمعاً في أن يكون حريف الملك وشربيه قبل بلوغهم، {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} [يوسف: 76] والإشارة فيه: إن الأوصاف البشرية مستحقة أن يكون سقاية الملك توجد في أوعيتهم، فإن تلك السقاية إنما توجد في دعاء القلب أو السر. {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76] يعني: كما كاد أوصاف البشرية في الابتداء بيوسف القلب إذا ألقوه في جب البشرية كدنا لهم عند قسمة الأقوات من خيرات الملك جعلنا قسمتهم من علف الدواب، وقسم بنيامين السر بقوته الملك، {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} القلب، {مَا كَانَ} [يوسف: 76] ليوسف القلب، {لِيَأْخُذَ أَخَاهُ} [يوسف: 76] السر ويضمه إلى نفسه، {فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ} [يوسف: 67] أي: في طلب دين الملك بل في الملك، {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} [يوسف: 76] فيدبر تدبير التيسير هذا الشأن العظيم والشأن الجسيم، فإن المدبر هو الله الرافع لا غيره كقوله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} [يوسف: 76] من عندنا بأن نؤتيه علم الصعود من حضيض البشرية إلى ذورة العبودية بتوفيق الربوبية. {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ} [يوسف: 76] آتيناه علم الصعود، {عَلِيمٌ} [يوسف: 76] بجذبة من المقعد الذي يصعد إليه بالعلم المخلوق إلى مصعد لا يصعد إليه إلا بالعلم القديم، وهو السير في الله بالله إلى الله، وهذا إسراع لما يسعه أدعية الإنسان، واللهُ أعلم.