Verse. 1672 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

فَبَدَاَ بِاَوْعِيَتِہِمْ قَبْلَ وِعَاۗءِ اَخِيْہِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَہَا مِنْ وِّعَاۗءِ اَخِيْہِ۝۰ۭ كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوْسُفَ۝۰ۭ مَا كَانَ لِيَاْخُذَ اَخَاہُ فِيْ دِيْنِ الْمَلِكِ اِلَّاۗ اَنْ يَّشَاۗءَ اؙ۝۰ۭ نَرْفَعُ دَرَجٰتٍ مَّنْ نَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَفَوْقَ كُلِّ ذِيْ عِلْمٍ عَلِيْمٌ۝۷۶
Fabadaa biawAAiyatihim qabla wiAAai akheehi thumma istakhrajaha min wiAAai akheehi kathalika kidna liyoosufa ma kana liyakhutha akhahu fee deeni almaliki illa an yashaa Allahu narfaAAu darajatin man nashao wafawqa kulli thee AAilmin AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فبدأ بأوعيتهم» ففتشها «قبل وعاء أخيه» لئلا يتهم «ثم استخرجها» أي السقاية «من وعاء أخيه» قال تعالى: «كذلك» الكيد «كدنا ليوسف» علمناه الاحتيال في أخذ أخيه «ما كان» يوسف «ليأخذ أخاه» رقيقا عن السرقة «في دين الملك» حكم ملك مصر لأن جزاءه عنده الضرب وتغريم مثلي المسروق لا الاسترقاق «إلا أن يشاء الله» أخذه بحكم أبيه أي لم يتمكن من أخذه إلا بمشيئة الله بإلهامه سؤال إخوته وجوابهم بسنتهم «نرفع درجاتِ من نشاء» بالإضافة والتنوين في العلم كيوسف «وفوق كل ذي علم» من المخلوقين «عليم» أعلم منه حتى ينتهي إلى الله تعالى.

76

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن إخوة يوسف لما أقروا بأن من وجد المسروق في رحله فجزاؤه أن يسترق قال لهم المؤذن: إنه لا بد من تفتيش أمتعتكم، فانصرف بهم إلى يوسف {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ } لإزالة التهمة والأوعية جمع الوعاء وهو كل ما إذا وضع فيه شيء أحاط به استخرجها من وعاء أخيه، وقرأ الحسن {وِعَاء أَخِيهِ } بضم الواو وهي لغة، وقرأ سعيد بن جبير {مِنْ أَخِيهِ } فقلب الواو همزة. فإن قيل: لم ذكر ضمير الصواع مرات ثم أنثه؟ قلنا: قالوا رجع ضمير المؤنث إلى السقاية وضمير المذكر إلى الصواع أو يقال: الصواع يؤنث ويذكر، فكان كل واحد منهما جائزاً أو يقال: لعل يوسف كان يسميه سقاية وعبيده صواعاً فقد وقع فيما يتصل به من الكلام سقاية وفيما يتصل بهم صواعاً، عن قتادة أنه قال: كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تائباً مما قذفهم به، حتى إنه لما لم يبق إلا أخوه قال ما أرى هذا قد أخذ شيئاً، فقالوا: لا نذهب حتى تتفحص عن حاله أيضاً، فلما نظروا في متاعه استخرجوا الصواع من وعائه والقوم كانوا قد حكموا بأن من سرق يسترق، فأخذوا برقبته وجروا به إلى دار يوسف. ثم قال تعالى: {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ } وفيه بحثان: الأول: المعنى ومثل ذلك الكيد كدنا ليوسف، وذلك إشارة إلى الحكم باسترقاق السارق، أي مثل هذا الحكم الذي ذكره إخوة يوسف حكمنا ليوسف. الثاني: لفظ الكيد مشعر بالحيلة والخديعة، وذلك في حق الله تعالى محال إلا أنا ذكرنا قانوناً معتبراً في هذا الباب، وهو أن أمثال هذه الألفاظ تحمل على نهايات الأغراض لا على بدايات الأغراض، وقررنا هذا الأصل في تفسير قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ } تفسير : [البقرة: 26] فالكيد السعي في الحيلة والخديعة، ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه ولا سبيل له إلى دفعه، فالكيد في حق الله تعالى محمول على هذا المعنى. ثم اختلفوا في المراد بالكيد ههنا فقال بعضهم: المراد أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمر يوسف، والله تعالى نصره وقواه وأعلى أمره. وقال آخرون: المراد من هذا الكيد هو أنه تعالى ألقى في قلوب إخوته أن حكموا بأن جزاء السارق هو أن يسترق، لا جرم لما ظهر الصواع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق، وصار ذلك سبباً لتمكن يوسف عليه السلام من إمساك أخيه عند نفسه. ثم قال تعالى: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ } والمعنى: أنه كان حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق، فما كان يوسف قادراً على حبس أخيه عند نفسه بناء على دين الملك وحكمه، إلا أنه تعالى كاد له ما جرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق فقد بينا أن هذا الكلام توسل به إلى أخذ أخيه وحبسه عند نفسه وهو معنى قوله: {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } ثم قال: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة وعاصم والكسائي {دَرَجَـٰتٌ } بالتنوين غير مضاف، والباقون بالإضافة. المسألة الثانية: المراد من قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } هو أنه تعالى يريه وجوه الصواب في بلوغ المراد، ويخصه بأنواع العلوم، وأقسام الفضائل، والمراد ههنا هو أنه تعالى رفع درجات يوسف على إخوته في كل شيء. واعلم أن هذه الآية تدل على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات، لأنه تعالى لما هدى يوسف إلى هذه الحيلة والفكرة مدحه لأجل ذلك فقال: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } وأيضاً وصف إبراهيم عليه السلام بقوله: { أية : نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } تفسير : [الأنعام: 83] عند إيراده ذكر دلائل التوحيد والبراءة عن إلهية الشمس والقمر والكواكب ووصف ههنا يوسف أيضاً بقوله: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } لما هداه إلى هذه الحيلة وكم بين المرتبتين من التفاوت. ثم قال تعالى: {وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } والمعنى أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء فضلاء، إلا أن يوسف كان زائداً عليهم في العلم. واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى عالم بذاته لا بالعلم فقالوا: لو كان عالماً بالعلم لكان ذا علم ولو كان كذلك، لحصل فوقه عليم تمسكاً بعموم هذه الآية وهذا باطل. واعلم أن أصحابنا قالوا دلت سائر الآيات على إثبات العلم لله تعالى وهي قوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [لقمان: 34] { أية : أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } تفسير : [النساء: 166] { أية : ولاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } تفسير : [البقرة: 255] { أية : مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } تفسير : [فاطر: 11] وإذا وقع التعارض فنحن نحمل الآية التي تمسك الخصم بها على واقعة يوسف وإخوته خاصة غاية ما في الباب أنه يوجب تخصيص العموم، إلا أنه لا بد من المصير إليه لأن العالم مشتق من العلم، والمشتق مركب والمشتق منه مفرد، وحصول المركب بدون حصول المفرد محال في بديهة العقل فكان الترجيح من جانبنا.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ} إنما بدأ يوسف برحالهم لنفي التهمة والرّيبة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه. والوِعاء يقال بضم الواو وكسرها، لغتان؛ وهو ما يحفظ فيه المتاع ويصونه. {ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} يعني بنيامين؛ أي ٱستخرج السِّقاية أو الصّواع عند من يؤنث، وقال: «وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ» فذكّر؛ فلما رأى ذلك إخوته نكسوا رؤوسهم، وظنّوا الظنون كلها، وأقبلوا عليه وقالوا ويلك يا بنيامين! ما رأينا كاليوم قطُّ، ولدت أمك «راحيل» أخوين لِصّين! قال لهم أخوهم: والله ما سرقته، ولا علم لي بمن وضعه في متاعي. ويروى أنهم قالوا له: يا بنيامين! أسرقت؟ قال: لا والله؛ قالوا: فمن جعل الصُّواع في رحلك؟ قال: الذي جعل البضاعة في رحالكم. ويقال: إن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل ٱستغفر الله عزّ وجلّ تائباً من فعله ذلك؛ وظاهر كلام قَتَادة وغيره أن المستغفر كان يوسف؛ لأنه كان يفتشهم ويعلم أين الصّواع حتى فرغ منهم، وٱنتهى إلى رحل بنيامين فقال: ما أظن هذا الفتى رضي بهذا ولا أخذ شيئاً، فقال له إخوته: والله لا نبرح حتى تفتشه؛ فهو أطيب لنفسك ونفوسنا؛ ففتش فأخرج السّقاية؛ وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤَذّن سَرّقهم برأيه؛ فيقال: إن جميع ذلك كان بأمر من الله تعالى؛ ويقوّي ذلك قوله تعالى: {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}. قوله تعالى: {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}. فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {كِدْنَا} معناه صنعنا؛ عن ابن عباس. القُتَبِيّ: دبّرنا. ابن الأنباري: أردنا؛ قال الشاعر:شعر : كادتْ وكِدتُّ وتِلك خيرُ إرادةٍ لو عاد مِن عهد الصِّبَا ما قد مَضَى تفسير : وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحِيل إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلاً، خلافاً لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول، وخرَمت التحليل. الثانية: أجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة؛ وأجمعوا على أنه إذا حال الحول وأظل الساعي أنه لا يحل له التحيل ولا النقصان، ولا أن يفرّق بين مجتمع، ولا أن يجمع بين متفرّق. وقال مالك: إذا فوّت من ماله شيئاً ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول، أخذاً منه بقوله عليه السلام: «حديث : خشية الصدقة»تفسير : . وقال أبو حنيفة: إن نوى بتفريقه الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا يضرّه؛ لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول، ولا يتوجه إليه معنى قوله: «حديث : خَشْيةَ الصَّدَقة» تفسير : إلا حينئذ. قال ابن العربي: سمعت أبا بكر محمد بن الوليد الفِهْري وغيره يقول: كان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن علي الدّامَغَانيِ صاحب عشرات آلاف (دينار) من المال، فكان إذا جاء رأس الحول دعا بنيه فقال لهم: كبِرَت سِنّي، وضعفت قوّتي، وهذا مال لا أحتاجه فهو لكم، ثم يخرجه فيحمله الرجال على أعناقهم إلى دورِ بنيه؛ فإذا جاء رأس الحول ودعا بنيه لأمر قالوا: يا أبانا إنما أملنا حياتك، وأما المال فأيّ رغبة لنا فيه ما دمت حيا؛ أنت ومالك لنا، فخذه إليك، ويسير الرجال به حتى يضعوه بين يديه، فيرده إلى موضعه؛ يريد بتبديل الملك إسقاط الزكاة على رأي أبي حنيفة في التفريق بين المجتمع، والجمع بين المتفرّق؛ وهذا خطب عظيم وقد صنف البخاريّ رضي الله عنه في جامعه كتاباً مقصوداً فقال: «كتاب الحِيل». قلت: وترجم فيه أبواباً منها: «باب الزكاة وألاّ يفرّق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرّق خشية الصدقة». وأدخل فيه حديث أنس بن مالك، وأن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة؛ وحديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس. الحديث؛ وفي آخره: «حديث : أفلح إن صدق»تفسير : أو «حديث : دخل الجنة إن صَدَقَ»تفسير : . وقال بعض الناس: في عشرين ومائة بعير حِقّتان؛ فإن أهلكها متعمداً أو وهبها أو احتال فيها فِراراً من الزكاة فلا شيء عليه؛ ثم أردف بحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يكون كنز أحدِكم يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبِيبتان ويقول أنا كنزك»تفسير : الحديث، قال المهلب: إنما قصد البخاري في هذا الباب أن يعرفك أن كل حيلة يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة فإن إثم ذلك عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من جمع الغنم وتفريقها خشية الصدقة فهم منه هذا المعنى، وفهم من قوله: «أفلح إن صدق» أن من رام أن ينقض شيئاً من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح، ولا يقوم بذلك عذرُه عند الله؛ وما أجازه الفقهاء من تصرف صاحب المال في ماله قرب حلول الحول إنما هو ما لم يرد بذلك الهرب من الزكاة؛ ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط، والله حسيبه؛ وهو كمن فرّ من صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيوم، واستعمل سفراً لا يحتاج إليه، رغبةً عن فرض الله الذي كتبه الله على المؤمنين؛ فالوعيد متوَجّه عليه؛ ألا ترى عقوبة من منع الزكاة يوم القيامة بأيّ وجه متعمداً كيف تطؤه الإبل، ويمثل له ماله شجاعاً أقرعٰ؟ وهذا يدلّ على أن الفرار من الزكاة لا يحلّ، وهو مطالب بذلك في الآخرة. الثالثة: قال ابن العربي: قال بعض علماء الشافعية في قوله تعالى: {كَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ}. دليل على وجه الحيلة إلى المباح، واستخراج الحقوق؛ وهذا وَهَم عظيم؛ وقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} قيل فيه: كما مكّنا ليوسف مِلك نفسه عن امرأة العزيز مكّنَّا له مِلْك الأرض عن العزيز، أو مثله مما لا يشبه ما ذكره. قال الشفعوي: ومثله قوله عز وجل: {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} تفسير : [صۤ: 44] وهذا ليس حيلة، إنما هو حمل لليمين على الألفاظ أو على المقاصد. قال الشفعويّ: ومثله حديث أبي سعيد الخدريّ في عامل خيبر أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بتمرٍ جَنِيب، الحديثَ؛ ومقصود الشافعية من هذا الحديث أنه عليه السلام أمره أن يبيع جمعاً ويبتاع جَنِيباً من الذي باع منه الجمع أو من غيره. وقالت المالكية: معناه من غيره؛ لئلا يكون جَنِيبا بجمع، والدراهم ربا؛ كما قال ابن عباس: جريرة بجريرة والدراهم ربا. قوله تعالى: {فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ} أي سلطانه، عن ابن عباس. ابن عيسى: عاداته، أي يظلم بلا حجة. مجاهد: في حكمه؛ وهو استرقاق السراق. {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي إلا بأن يشاء الله أن يجعل السّقاية في رحله تَعِلَّة وعذرا له. وقال قتادة: بل كان حكم الملك الضرب والغرم ضعفين، ولكن شاء الله أن يجري على ألسنتهم حكم بني إسرائيل، على ما تقدّم. قوله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} أي بالعلم والإيمان. وقرىء «نرفع درجاتِ من نشاء» بمعنى: نرفع من نشاء درجات؛ وقد مضى في «الأنعام» وقوله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} روى إسرائيل عن سِمَاك عن عِكْرمة عن ابن عباس قال: يكون ذا أعلم من ذا وذا أعلم من ذا، والله فوق كل عالم. وروى سفيان عن عبد الأعلى عن سعيد بن جُبير قال: كنا عند ابن عباس رحمه الله فتحدّث بحديث فتعجب منه رجل فقال: سبحان الله! وفوق كل ذي علم عليم؛ فقال ابن عباس: بئس ما قلت؛ الله العليم وهو فوق كل عالم.

البيضاوي

تفسير : {فبدأَ بِأَوعِيَتِهِم} فبدأ المؤذن. وقيل يوسف لأنهم ردوا إلى مصر. {قَبْلَ وِعَاء أخِيهِ} بنيامين نفياً للتهمة. {ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا} أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث. {مِن وِعَاء أخِيهِ} وقرىء بضم الواو وبقلبها همزة. {كَذلِكَ} مثل ذلك الكيد. {كِدْنَا لِيُوسُفَ} بأنَ علمناه إياه وأوحينا به إليه. {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الْمَلِكِ} ملك مصر لأن دينه الضرب وتغريم ضعف ما أخذ دون الاسترقاق وهو بيان للكيد. {إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ} أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك، فالاستثناء من أعم الأحوال ويجوز أن يكون منقطعاً أي لكن أخذه بمشيئة الله تعالى وإذنه. {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء} بالعلم كما رفعنا درجته. {وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ} أرفع درجة منه، واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته إذ لو كان ذا علم لكان فوقه من هو أعلم منه. والجواب أن المراد كل ذي علم من الخلق لأن الكلام فيهم ولأن العليم هو الله سبحانه وتعالى، ومعناه الذي له العلم البالغ لغة ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا فوق كل العلماء عليم وهو مخصوص.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ } ففتشها {قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ } لئلا يتهم {ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا } أي السقاية {مِن وِعآءِ أَخِيهِ } قال تعالى: {كَذٰلِكَ } الكيد {كِدْنَا لِيُوسُفَ } علّمناه الاحتيال في أخذ أخيه {مَا كَانَ } يوسف {لِيَأْخُذَ أَخَاهُ } رقيقاً عن السرقة {فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ } حكم ملك مصر لأنّ جزاؤه عنده الضرب وتغريم مثلي المسروق لا الاسترقاق {إِلآ أَن يَشآءَ ٱللَّهُ } أخذه بحكم أبيه: أي لم يتمكن من أخذه إلا بمشيئة الله بإلهامه سؤال إخوته وجوابهم بسنتهم {نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشآءُ } بالإِضافة والتنوين في العلم كيوسف {وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ } من المخلوقين {عَلِيمٌ } أعلم منه حتى ينتهي إلى الله تعالى.

ابن عطية

تفسير : بدؤه - أيضاً - من أوعيتهم تمكين للحيلة وإبعاد لظهور أنها حيلة. وقرأ جمهور الناس "وِعاء" بكسر الواو، وقرأ الحسن "وُعاء" بضمها، وقرأ ابن جبير "أعاء" بهمزة بدل الواو، وذلك شائع في الواو المكسورة، وهو أكثر في المضمومة، وقد جاء من المفتوحة: أحد في وحد. وأضاف الله تعالى إلى ضميره لما أخرج القدر الذي أباح به ليوسف أخذ أخيه مخرج ما هو في اعتياد الناس كيد، وقال السدي والضحاك: {كدنا} معناه: صنعنا. و {دين الملك} فسره ابن عباس بسلطانه، وفسره قتادة بالقضاء والحكم. قال القاضي أبو محمد: وهذا متقارب، والاستثناء في هذه الآية حكاية حال، التقدير: إلا ان شاء الله ما وقع من هذه الحيلة؛ ويحتمل أن يقدر أنه تسنن لما قرر النفي. وقرأ الجمهور "نرفع" على ضمير المعظم و "نشاء" كذلك، وقرأ الحسن وعيسى ويعقوب بالياء، أي الله تعالى: وقرأ أبو عمرو ونافع وأهل المدينة "درجاتِ من" بإضافة الدرجات إلى {من}، وقرأ عاصم وابن محيصن "درجاتٍ من" بتنوين الدرجات، وقرأ الجمهور، "وفوق كل ذي علم". وقرأ ابن مسعود "وفوق كل ذي عالم" والمعنى أن البشر في العلم درجات، فكل عالم فلا بد من أعلم منه، فإما من البشر وإما الله عز وجل. وأما على قراءة ابن مسعود فقيل: {ذي} زائدة، وقيل: "عالم" مصدر كالباطل. وروي أن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل فلم يجد فيه شيئاً استغفر الله عز وجل تائباً من فعله ذلك، وظاهر كلام قتادة وغيره، أن المستغفر كان يوسف لأنه كان يفتشهم يعلم أين الصواع، حتى فرغ منهم وانتهى إلى رحل بنيامين فقال: ما أظن هذا الفتى رضي بهذا، ولا أخذ شيئاً، فقال له إخوته، والله لا تبرح حتى تفتشه فهو أطيب لنفسك ونفوسنا، ففتش فأخرج السقاية - وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤذن إنما سرقه برأيه، فإنما يقال جميع ذلك كان بأمر الله تعالى، ويقوي ذلك قوله: {كدنا}، وكيف لا يكون برأي يوسف وهو مضطر في محاولته إلى أن يلزمهم حكم السرقة له أخذ أخيه. والضمير في قوله: {استخرجها} عائد على {أية : السقاية} تفسير : [يوسف: 70]، ويحتمل أن يعود على السرقة. وروي أن إخوة يوسف لما رأوا ذلك قالوا: يا بنيامين بن راحيل قبحك الله ولدت أمك أخوين لصَّين، كيف سرقت هذه السقاية؟ فرفع يديه إلى السماء وقال: والله ما فعلت، فقالوا له: فمن وضعها في رحلك قال: الذي وضع البضاعة في رحالكم. وما ذكرناه من المعنى في قوله: {وفوق كل ذي علم عليم} هو قول الحسن وقتادة، وقد روي عن ابن عباس، وروي أيضاً عنه رضي الله عنه: أنه حدث يوماً بحديث عجيب فتعجب منه رجل ممن حضر، وقال: الحمد لله {وفوق كل ذي علم عليم}، وقال ابن عباس: بئس ما قلت، إنما العليم لله وهو فوق كل ذي علم. قال القاضي أبو محمد: فبين هذا وبين قول الحسن فرق.

ابن عبد السلام

تفسير : {اسْتَخْرَجَهَا} الضمير للسرقة، أو للسقاية، أو الصاع يذكر ويؤنث قاله الزجاج {كِدْنَا} صنعنا، أو دبرنا، أو أردنا. شعر : كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من لهو الصبابة ما مضى تفسير : {دِينِ الْمَلِكِ} سلطانه"ع"، أو قضاؤه، أو عادته، كان الملك يضاعف غرم السارق ولا يسترقه. {إلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ} أن يسترق السارق، أو أن يجعل ليوسف عذراً فيما فعل. {دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} بالتقوى، أو بإجابة الدعاء، أو بمكابدة النفس وقهر الشهوة، أو بالتوفيق والعصمة، أو بالعمل {وَفَوْقَ كُلِّ} عالم من هو أعلم منه حتى ينتهي إلى الله ـ تعالى ـ فيوسف أعلم من إخوته وفوقه من هو أعلم منه، أو أراد تعظيم العلم أن يحاط به، أو أن يستصغر العالم نفسه ولا يعجب بعلمه وعرض أخاه لتهمة السرقة إذ لم يجد سبيلاً إلى أخذه إلا بها، أو كان أخوه يعلم الحال فلم يقع منه موقعاً، أو أشار بذلك إلى سرقة تقدمت منهم، أو نبه بجعل بضاعتهم في رحالهم على المخرج من جعل الصواع في رحل أخيهم فتزول بذلك التهمة.

ابن عادل

تفسير : {فَبَدَأَ} يوسف: {بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ} لإزالة التُّهمة. قرأ العامة: "وعَاءِ" بكسر الواو. وقرأ الحسن بضمها، وهي لغةٌ نقلت عن نافع أيضاً، وقرأ سعيد بن جبير: "مِنْ إعَاءِ أخيهِ" بإبدال الواو همزة وهي لغة هذيليَّة، يبدلون من الواو المكسورة، أوَّل الكلمة همزة، فيقولون: إشاح وإسادة، وإعاء في "وِشَاح، ووِسَادة، ووِعَاء" وقد تقدَّم ذلك في الجلالة المعظمة أول الكتاب. والأوعية: جمع وِعَاء. هو كلُّ ما إذا وضع فيه أحاط به. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا} في الضمير المنصوب قولان: أحدهما: أنَّه عائد على الصّواع؛ لأنَّ فيه التَّذكير، والتَّأنيث، كما تقدَّم. وقيل: لأنه حمل على معنى السقاية. قال أبو عبيدٍ: قولك: "الصُّواعُ" يؤنَّث من حيثُ هو سقاية، ويذكَّر من حيث هو صواع. قالوا: وكأنَّ أبا عبيد لم يحفظ في الصواع التَّأنيث. وقال الزمخشريُّ: "قالوا رجع بالتَّأنيث على السِّقاية" ثم قال: "ولعلَّ يوسف كان يسمِّه سقاية، وعبيدة صواعاً، فقد وقع فيما يتَّصل به من الكلام سقاية، وفيما يتَّصل بهم منه صواعاً". وهذا الأخيرُ أحسنُ. والثاني: أنَّ الضمير عائد على السَّرقة. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ السرقة لا تستخرج إلا بمجاز. فصل قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعاً، ولا ينظرُ من وعاءٍ ألاَّ استغفر الله ـ تعالى تائباً ممَّا قذفهم به، حتى إذا لم يبق إلاَّ رحْلُ بنيامين قال: ما أظنُّ هذا أخذه، فقال إخوتهُ: والله لا يتركُ حتَّى ينظر في رحله، فإنه أطيبُ لنفسك، ولأنفسنا، فلما فتحوا متاعه استخرجوه منه؛ فنكس إخوته رءوسهم من الحياء وقالوا: إنَّ هذه الواقعة عجيبةٌ، إنَّ راحيل ولدت ولدين لصين، وأقبلوا على بنيامين، وقالوا: أيش الذي صنعت، فضحتنا، وسوَّدت وجُوهنا، يا بني راحيل لا يزال لنا منكم بلاءٌ [حتى أخذت هذا الصواع، فقال بنيامين: بل بنو راحيل لا يزال لهم منكم بلاء] ذهبتهم بأخي، ثم أهلكتموه في البريَّة، ثم تقولون لي هذا الكلام، قالوا له: كيف خرج الصُّواعُ من رحلك؟ فقال: وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم، قالوا: فأخذ بنيامين رقيقاً. قوله: {كَذٰلِكَ كِدْنَا} الكلام في: {كَذٰلِكَ كِدْنَا} [75] كالكلام فيما كان قبلها أي: مثل ذلك الكيد العظيم، أي: كما فعلوا في الابتداء بيوسف من الكيد فعلنا بهم، وقد مقال يعقوب ليوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ {أية : فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً}تفسير : [يوسف:5]، فكدنا ليوسف في أمرهم. فالمراد من هذا الكيد: هو أنَّهُ ـ تعالى ـ ألقى في قلب إخوته: أن احكموا بأنَّ جزاء السَّارق هو أن يسترقَّ، لا جرم لما ظهر الصُّواعُ في رحله؛ حكموا عليه بالاسترقاق؛ وصار ذلك سبباً لتمكُّنِ يوسف ـ صلوات الله وسلام عليه ـ من إمساكِ أخيه عند نفسه. واعلم أنَّ الكيد يشعر بالحِيلةِ، والخَديعة، وذلك في حق الله ـ تعالى ـ محال إلا أنَّه قد تقدم أصل معتبر في هذا الباب، وهو أنَّ أمثال هذه الألفاظ في حق الله تعالى ـ تحمل على نهايات الأغراض، لا على بداياتها، وتقرَّر ذلك عند قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى}تفسير : [البقرة:26] فالكيدُ: السَّعي في الحيلة، والخديعة، ونهايته اشتغال الإنسان من حيث لا يشعر في أمرٍ مكروهٍ، ولا سبيل له إلى دفعه، فالكَيْدُ في حقِّ الله محمولٌ على هذا المعنى. وقيل: المرادُ بالكيد ههنا: أنَّ إخوة يوسف سعوا في إبطال أمره، والله نصرهُ وقوَّاه، وأعلى أمرهُ. قال القرطبي: قال ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: "كِدْنَا" معناه: صنعنا. وقال القتبيُّ: دبَّرنا. وقال ابنُ الأنباري: أردنا؛ قال الشاعر: [الكامل] شعر : 3126ـ كَادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيرٌ إرَادَةٍ لَوْ عَادَ مِنْ عَهْدِ الصِّبَا ما قَدْ مَضَى تفسير : قوله: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ} تفسير للكيد، وبيان له، وذلك أنه كان في زمان ملك مصر أن يغرَّم السَّارق مثلي ما أخذ لا أنه يستعبد. فصل قال القرطبيُّ: "في الآية دليلٌ على جواز التَّوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلاً خلافاً لأبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ في تجويز الحيل وإن خالفت الأصول، وخرمت التحليل، وأجمعوا على أنَّ للرَّجُلِ التَّصرف في ماله قبل حُلولِ الحوْلِ بالبيع، والهبةِ إذا لم ينوا الفرارَ من الزَّكاةِ، وأجمعوا على أنَّه إذا حال الحولُ، وأظلَّ السَّاعِي أنه لا يحلّ له التّحيل، ولا النُّقصانُ ولا أن يفرق بين مجتمع ولا أن يجمع بين متفرق". فصل قال ابنُ العربيّ: قال بعضُ الشَّافيعة: في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [يوسف:21] دليل على وجه الحيلة إلى المباح، واستخراجِ الحقوق، وهذا وهمٌ عظيم، وقوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [يوسف:21] قيل فيه: لمَّا مكَّنا ليوسف ملك نفسه عن امرأة العزيز مكَّنَّا له ملك الأرض عند العزيز، وهذا لا يشبهُ ما ذكروهُ. قال الشفعوي: ومثله قوله: {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ}تفسير : [ص:44] هذا ليس حيلة، إنما هو حمل [اليمين] على الألفاظ، أو على المقاصد. قوله: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنه استنثاءٌ منقطعٌ تقديره: ولكن بمشيئة الله أخذه في دينٍ غير دينِ الملكِ، وهو دينُ آلِ يعقوب أنَّ الاسترقاق جزاءٌ للسَّارقِ. قال ابن عبَّاس ـ رضي الله عنه ـ: "فِي دِين الملِكِ" أي في سلطانه. {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي: أنَّ يوسف لم يتمكن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا، حتى وجد السبيل إلى ذلك، وهو ما جرى على [ألسنة] الإخوة أنَّ جزاء السارق الاسترقاق فحصل مراد يوسف بمشيئة الله. والثاني: أنَّه مفرغ من الأحوال العامَّة، والتقدير: ما كان ليأخذه من كلِّ حالٍ إلا في حال التباسه بمشيئة الله ـ عزَّ وجلَّ ـ أي: إذنه في ذلك. وكلاُم ابن عطيَّة محتملٌ فإنه قال والاستثناء حكاية حال، والتقدير: إلاَّ أن يشاء الله ما وقع من هذه الحيلة. قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} تقدَّم القراءتان فيها في الأنعام [الأنعام:83]. وقرأ يعقوب بالياء من تحت "يَرْفعُ"، و"يَشاءُ" والفاعل الله ـ تعالى ـ. وقرأ عيسى البصري "نَرْفَعُ" بالنون "دَرجَاتٍ" منونة، و"يَشَاءُ" بالياء. قال صاحبُ اللَّوامحُ: "وهذه قراءة مرغوبٌ عنها تلاوة، وجملة، وإن لم يمكن إنكارها". قال شهابُ الدِّين ـ رحمه الله ـ: "وتوجيهها: أنَّهُ التفت في قوله "يَشَاءُ" من التَّكلُّم إلى الغيبةِ، والمراد واحدٌ". قوله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} قرأ عبد الله بن مسعود: (وفوق كل ذي عالم). وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون "عَالِم" هنا مصدراً، قالوا: مثل الباطل فإنَّهُ مصدر فهي كالقراءة المشهورة. الثاني: أنَّ ثمَّ مضافاً محذوفاً، تقديره: وفوق كل ذي مسمى عالمٍ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3127ـ إلى الحَوْلِ ثمَّ اسْمُ السَّلامِ عَليْكُمَا تفسير : أي: مُسمَّى السَّلام. الثالث: أنَّ "ذو" زائدة؛ كقوله الكميت: [الطويل] شعر : 3128ـ.......ذَوِي آلِ النَّبيِّ....... ................. تفسير : فصل قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته والمعنى: أنه خصَّه بأنواع العلوم. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ العلم أشرف المقامات، وأعلى الدَّرجات لأنه تعالى لما هدى يوسف إلى هذه الحيلة مدحه لأجل ذلك فقال: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ}. ثم قال: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} قال ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ} عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله ـ عز وجل ـ فالله فوق كلِّ عالمٍ. والمعنى: أنَّ إخوة يوسف كانوا علماء فضلاء، إلاَّ أنَّ يوسف كان زائداً عليهم في العلم. واحتجَّ المعتزلةُ بهذه الآيةِ على أنَّهُ ـ تعالى ـ عالم لذاته؛ لأنَّه لو كان عالماً بالعلم، لكان ذا علم، ولو كان كذلك لحصل فوقه عليم تمسكاً بهذه الآية. قال ابن الخطيب: "وهذا باطلٌ؛ لأن أصحابنا قالوا: دلَّت سائر الآيات على إثبات العلم للهِ ـ تعالى ـ وهو قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}تفسير : [لقمان:34] {أية : أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ}تفسير : [النساء:166]، {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ}تفسير : [البقرة:255]، {أية : وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ}تفسير : [فاطر:11] وإذا وقع التَّعارضُ، فنحن نحملُ الآية التي تمسَّك بها الخصمُ على واقعة يوسف وإخوته، غاية ما في الباب أنه يوجب تخصيص عموم إلا أنَّه لا بد من المصير إليه؛ لأن العالم مشتقٌّ من العلم، والمشتقُّ منه مفردٌ، وحصول المركب بدون حصول المفرد محالٌ في بديهة العقلِ، فكان التَّرجيحُ من جانبنا". قوله: {فَقَدْ سَرَقَ} الجمهور على "سرقَ" مخففاً مبنيًّا للفاعل، وقرأ أحمدُ بن جبير الأنطاكيُّ، وابن شريحٍ عن الكسائيِّ، والوليد بن حسان عن يعقوب في آخرين: "سُرِّقَ" مشدداً مبنيًّا للمفعول أي: نسب إلى السرقة؛ لأنَّهُ ورد في التَّفسيرِ: أنَّ عمته ربته، فأخذاهُ أبوه منها؛ فشدت في وسطه منطقة كانوا يتوارثونها من إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ففتشوا فوجدوها تحت ثيابه، فقالت: هو لي، فأخذته كما في شريعتهم، ومن هنا تعلم يوسف وضع السِّقاية في رحل أخيه، كما فعلت به عمَّتهُ، وهذه القراءة منطبقةٌ على هذا. وقال سعيدُ بن جبيرٍ: كان لجدِّهِ أبي أمه صنمٌ يعبده، فأخذه سراً، وكسره وألقاهُ في الطَّريق. وقال مجاهدٌ: أخذ بيضةً من البيتِ فأعطاها سائلاً. وقيل: دجاجة وقال وهبٌ ـ رحمه الله ـ: كان يُخبىءُ الطَّعام من المائدة للفقراء فقالوا للملك: إنَّ هذا ليْسَ بغَريبٍ منهُ، فإنَّ أخاهُ الَّذي هلك كان أيضاً سارقاً، أي إنَّا لسنا على طريقته، ولا على سيرته، وهو وأخوه مختصان بهذه الطَّريقةِ؛ لأنهما من أم أخرى. قوله: "فأسرَّها" قال بعضهم: الضَّمير المنصوب مفسَّر لسياق الكلام، أي: فأسرَّ الحزازة التي حصلت له من قولهم: {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ}؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3129ـ أمَاوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتَى إذَا حَشْرجَتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدرُ تفسير : فالضمير في "حَشْرَجَتْ" يعود على النَّفسِ، كذا ذكرهُ أبو حيَّان. وقد جعل بعضهم البيت ممَّا فُسِّر فيه الضمير بذكْرِ ما هُو كلُّ لصاحبِ الضَّمير، فلا يكُونُ ممَّا فُسِّر فيه بالسِّياقِ. وقال الزمخشريُّ إضمارٌ على شريطةِ التَّفسيرِ، يفسره "أنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً" وإنَّما أنَّث؛ لأن قوله: "شَرٌّ مَكَاناً" جملة، أو كلمة على تسميتهم الطَّائفة من الكلام كلمة، كأنَّه قيل: فأسر الجملة، أو الكلمة التي هي قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} قال: لأن قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} بدل من "أسَرَّها". قال شهابُ الدِّين: وهذا عند من يبدل الظاهر من المضمر في غير المرفوع؛ نحو ضَرَبتهُ زيداً، والصحيح وقوعه؛ كقوله: [الرجز] شعر : 3130ـ فَلاَ تَلُمْهُ أنْ يَخَافَ البَائِسَا تفسير : وقرأ عبد الله وابنُ أبِي عبلة: "فأسَرَّهُ" بالتَّذكيرِ قال الزمخشريُّ "يريد القول، أو الكلام". قال أبو البقاءِ: "الضمير يعودُ إلى نسبتهم إيَّاهُ إلى السَّرقةِ، وقد دلَّ عليه الكلام". وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: قال في نفسه: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} وأسرَّها أي هذه الكلمة. قال شهاب الدين: ومثل هذا ينبغي ألاَّ يقال، فإنَّ القرآن ينزَّهُ عنه و"مَكَاناً" تمييز، أي: منزلة من غيركم، والمعنى: أنتم شرٌّ منزلاً عند الله ممن رميتموه بالسَّرقةِ في صنيعكم بيوسف؛ لأنه لم يكن من يوسف سرقة حقيقة، وخيانتكم حقيقة. وقد طعن الفارسيُّ رحمه الله على كلام الزمخشريِّ من وجهين: الأول: قال الإضمارُ على شريطة التفسير يكون على ضربين: أحدهما: أن يفسَّر بمفردٍ، كقولنا: نِعْمَ رجُلاً زيدٌ، ففي: "نعم" ضمير فاعلها و"رَجُلاًُ" تفسير لذلك الفاعل المضمر. والآخر: أن يفسر بجملة، وأصلُ هذا يقع به الابتداء، كقوله: {أية : فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الأنبياء:97] و{أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص:1] والمعنى: القصَّة شاخصة أبصار الذين كفروا والأمر: الله أحد، ثمَّ إنَّ العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر تدخل عليه أيضاً، كقوله {أية : إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً}تفسير : [طه:74] {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ}تفسير : [الحج:46]. وإذا عرفت هذا فنقول: نفس المضمر على شريطة التَّفسير في كلا الجملتين متَّصلٌ بالجملة التي فيها الإضمار، ولا يكون خارجاً عن تلك الجملة، ولا مبايناً لها، وههنا التفسير منفصل عن الجملة الَّتي حصل فيها الإضمار؛ فوجب ألاَّ يحسن. والثاني: أنَّهُ ـ تعالى ـ قال: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} وذلك يدل على أنه ذكر ذكر ذلك الكلام، ولو قلنا: إنَّهُ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أضمر هذا الكلام لكان قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} كذباً. قال ابن الخطيب: "وهذا الطَّعنُ ضعيفٌ من وجوه: الأول: لا يلزمُ من حسن القسمين الأولين قبح قسمٍ ثالثٍ. وأما الثاني: فلأنا نحملُ ذلك على أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قال ذلك على سبيل الخفية، وبهذا [التقسيم] سقط السُّؤالُ. والوجه الثاني: وهو أنَّ الضمير في قوله: "فأسَرَّهَا" عائدٌ إلى الإجابة، كأنَّهم لما قالوا: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} أسرَّ يوسف عليه السلام إجابتهم في نفسه في ذلك الوقت، ولم يبدها لهم في تلك الحالة إلى وقتٍ ثانٍ، ويجوز أن يكون إضماراً للمقالة، والمعنى: أسرَّ يوسف مقالتهم، والمراد من المقالةِ متعلق تلك المقالة؛ كما يرادُ بالخلقِ المخلوقُ، وبالعِلْمِ المَعْلُوم، يعني: أسرَّ يوسف كيفية تلك السَّرقة،و لم يبين لهم أنها كيف وقعت، وأنه ليس فيها ما يوجب الطَّعن". رُوِيَ عن ابن عبَّاس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: عُوقِبَ يوسف ثلاث مرَّاتِ: لأجْلِ همِّه بها؛ فعُوقِبَ بالحَبْسِ، وبقوله: {أية : ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}تفسير : [يوسف:42]؛ عوقب بالحبس الطَّويل، وبقوله: "إنَّكُم لسَارقُونَ"؛ عوقب بقوله: {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}. ثم قال: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً}، أي: أنتم شرٌّ منزلة عند الله، بما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم، وعقوق أبيكم؛ فأخذتم أخاكم، وطرحتموه في الجبِّ، ثم قلت لأبيكم: "أكله الذِّئب" وأنتم كاذبون، ثم بعتموه بعشرين درهماً، ثمَّ بعد المدَّة الطويلة، والزَّمان المديد، ما زال الحقدُ والغضبُ عن قلوبكم؛ فرميتموه بالسَّرقة، {وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ}، أي: إن سرقة يوسف كانت لله رضا؛ فلا توجب عود الذمِّ،واللَّوم إليه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} ان الله سبحانه اذا خص نبيا او وليا البسه صفاته بتدريج الحال ففيى كل حالة له كساه نورا من صفته فمن جملة صفته كيد الازل ومكر الابد فكيف علم كيده قل يوسف حتى ك اد برؤية كيد الله الازلى فعرفه تعالى اسرار لطيف صنائعه وعظيم حقائق افعاله وقدرته فمعنى كدنا ليوسف عرفناه مصالح امور النبوة والولاية بتاثير كشف الذات والصفات قال ابن عطا ابليناه بانواع البلاء حتى اوصلناه الى محل العز والشرف وقال جعفر اظهرنا عليه بركات اباء الصادقين بما عصمناه به وقت الهم قوله تعالى {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} بين سبحانه ان ما لم يوسف وفعل من علم الالوهية ورؤية كشف مشاهدة الازل يختص بدرجة كشف جماله اهل محبته وشوقه ويرفع درجات عارفيه وموحديه بحيث عرفهم ذاته وصفاته يرفع درجة الموحدي والعارفين من مقام العبودية الى مقام الربوبية بان يكسيهم انوار جوده ووجوده ليعلموا من رؤية كل صفة علما فوق علم ومن رؤية الذات علما فوق علم الصفات كما ان ذاته وصفاته لا نهاية لهما فايضا علومهما لا نهاية لهما فيشرب اطيار ارواح القدسية من بحر قدس قدمه زلال حيوته وعلومه الازلية الابدية على مقادير حواصلها فياتى كل واحد منها من تلك البحار بغريب علم صفاته وجواهر حكم بحار ذاته قال تعالى قد علم كل اناس مشربهم فعلم المريد فوق علم المبتدى وعلم المحب فوق علم المريد وعلم العارف فوق علم المحب وعلم الموحد فوق علم العارف ووراء علومهم علم المجهول لاياتى به الا الفانى فى ذات الباقى فى صفاته قيل فى قوله نرفع درجات من نشاء بالعلم والاستقامة وقيل بالمكاشفة والمشاهدة وقيل بالفراسة الصادقة وقيل بالمعرفة والتوحيد وقال باجابة الدعاء وقيل بمعرفة مكائد النفس وقيل بالعصمة والتوفيق وقال الجنيد باسقاط الكونين عنه ورفعه عن الالتفات الى المقام والاحوال ليكون خالصا بالعلة وقال الحسين فضيلة ارباب الحقائق اسقاط العظيمتين ومحو الملكوت فى الحالتين وابطال الخيرين ونفى الشركة فى الوقتين الازل والابد والتفرد بالحق بنفى ما سواه ورؤية الحق والسماع منه وذلك قوله نرفع درجات من نشاء قال بعضهم فى قوله وفوق كل ذى علم عليم فوق كل ذى معرفة عارف الى ان ينتهى المعرفة الى المعروف فيسقط الاوصاف ويبقى حقا محضا وكيل وفوق كل ذى علم عليم لان علوم الخلق محدودات معلومات الى ان يبلغ العلم الى عالم السر والمخفيات وقال ابن الفرجى العلوم بتقارب على مقدار الطبائع والتعليم الى ان ترى من يتلقف العلم من الحق ورزق العلم اللدنى فذلك الذى لا عالم فوقه من الخلق.

اسماعيل حقي

تفسير : {فبدأ} يوسف بعد ما رجعوا اليه التفتيش {باوعيتهم} باوعية الاخوة العشرة اى بتفتيشها {قبل} تفتيش {وعاء اخيه} بنيامين لنفى التهمة - روى - ان اصحاب يوسف قالوا انيخوا نفتش رحالكم فاناخوا واثقين ببراءتهم ففتشوا رحل الاخ الاكبر ثم الذى يليه ثم وثم الى ان بلغت النوبة الى رحل بنيامين فقال يوسف ما اظن اخذ هذا شيئا فقالوا والله لا نتركه حتى ننظر فى رحله فانه اطيب لنفسك وانفسنا فلما فتحوا متاعه استخرجوه منه وذلك قوله {ثم استخرجها} اى الصواع لانه يذكر ويؤنث {من وعاء اخيه} فلما وجد الصاع مدسوسا فى رحل بنيامين واستخرج منه نكسوا رؤسهم وانقطعت ألسنتهم فاخذوا بنيامين مع ما معه من الصواع وردوه الى يوسف واخذوا يشتمونه بالعبرانية وقالوا له يا لص ما حملك على سرقة صاع الملك ولا يزال ينالنا منك بلاء كما لقينا من ابن راحيل فقال بنيامين بل ما لقى ابنا راحيل البلاء الا منكم فاما يوسف فقد عملتم به ما فعلتم واما انا فسرّقتمونى اى نسبتمونى الى السرقة قالوا فمن جعل الاناء فى متاعك أليس قد خرج من رحلك قال ان كنتم سرقتم بضاعتكم الاولى وجعلتموها فى رحالكم فكذلك انا سرقت الصاع وجعلته فى رحلى فقال روبيل والله لقد صدق واراد بنيامين ان يخبرهم بخبر يوسف فذكر وصيته له فسكت {كذلك} نصب على المصدرية والكاف مقحمة للدلالة على فخامة المشار اليه وكذا ما فى ذلك من معنى البعد اى مثل ذلك الكيد العجيب وهو عبارة عن ارشاد الاخوة الى الافتاء المذكور باجرائه على ألسنتهم وبحملهم عليه بواسطة المستفتين من حيث لم يحتسبوا فمعنى قوله تعالى {كدنا ليوسف} ضعنا له ودبرنا لاجل تحصيل غرضه من المقدمات التى رتبها من دس الصواع وما يتلوه فاللام ليست كما فى قوله {أية : فيكيدوا لك كيدا} تفسير : فانها داخلة على المتضرر على ما هو الاستعمال الشائع. والكيد فى الاصل عبارة عن المكر والخديعة وهو ان توهم غيرك خلاف ما تخفيه {ما كان} يوسف {ليأخذ اخاه فى دين الملك} استئناف وتعليل لذلك الكيد وصنعه كانه قيل لماذا فعل يوسف ذك فقيل لانه لم يكم ليأخذ اخاه بما فعل فى دين ملك مصر فى امر السارق اى فى حكمه وقضائه الا به لان جزاء السارق فى دينه انما كان ضربه وتغريمه ضعف ما اخذ دون الاسترقاق والاستعباد كما هو فى شريعة يعقوب فلم يتمكن بما صنعه من اخذ اخيه بالسرقة التى نسبها اليه فى حال من الاحوال {الا ان يشاء الله} اى الا حال مشيئته التى هى عبارة عن ارادته لذلك الكيد والا حال مشيئته للاخذ بذلك الوجه. قال الكواشى لولا شريعة ابيه لما تمكن من اخذ اخيه انتهى. قال فى بحر العلوم وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التى يتوصل بها الى مصالح ومنافع دينية كقوله لايوب {أية : وخذ بيدك ضغثا} تفسير : ليتخلص من جلدها ولا يحنث وكقول ابراهيم {أية : هى اختى} تفسير : لتسلم من يد الكافر وما الشرائع كلها الا مصالح وطرق الى التخلص من الوقوع فى المفاسد وقد علم الله فى هذه الحيلة التى لقنها يوسف مصالح عظيمة فجعلها سلما وذريعة اليها فكانت حسنة جميلة وانزاحت عنها وجوه القبح {نرفع درجات} اى رتبا كثيرة عالية من العلم وانتصابها على المصدرية او الظرفية او على نزع الخافض اى الى درجات والمفعول قوله تعالى {من نشاء} اى نشاء رفعه حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة كما رفعنا يوسف {وفوق كل ذى علم} من الخلق {عليم} ارفع درجة منه فى العلم يعنى ليس من عالم الا وفوقه اعلم منه حتى ينتهى العلم الى الله تعالى شعر : دست شد بالاى دست اين تاكجا تا بيزدان كه اليه المنتهى كان يكى درياست بى غور وكران جمله درياها جوسيلى بيش آن تفسير : وعن محمد بن كعب ان رجلا سال عليا رضى الله عنه عن مسالة فقال فيها قولا فقال الرجل ليس هو كذا ولكنه كذا وكذا فقال على اصبت واخطأت وفوق كل ذ علم عليم وفى التأويلات النجمية {نرفع درجات من نشاء} من عبادنا بان نؤتيه على الصعود من حضيض البشرية الى ذروة العبودية بتوفيق الربوبية {وفوق كل ذى علم} آتيناه علم الصعود {عليم} يجذبه من المصعد الذى يصعد اليه بالعلم المخلوق الى مصعد لا يصعد اليه الا بالعلم القديم وهو السير فى الله بالله الى الله وهذا صواع يسعه اوعية الانسانية انتهى كلام التأويلات

الطوسي

تفسير : قرأ يعقوب {يرفع درجات من يشاء} بالياء فيهما على وجه الكناية عن الله. الباقون بالنون فيهما على وجه الاخبار منه تعالى عن نفسه. ونوّن التاء من {درجات} اهل الكوفة. الباقون على الاضافة. اخبر الله تعالى ان يوسف أمر اصحابه بأن يفتشوا اوعيتهم ورحالاتهم، وان يبدؤوا بأوعية الجماعة قبل وعاء أخيه ليكون ابعد من التهم، فلما لم يجدوا فيها شيئاً امر حينئذ باستخراجها من وعاء أخيه. ثم اخبر الله تعالى انه كاد ليوسف، والكيد التعريض للغيظ، وكان التدبير على أخوة يوسف حتى اخذ منهم أخوهم بما يوجبه حكمهم، هو كالتعريض للغيظ من جهة اغتمامهم بما نزل من ذلك الامر بهم. والتقدير كدنا اخوته له بما دبرنا في امره. وقيل الكيد التعريض للضرّ بما خفي، وقد يعبر عن الجزاء على المعصية بالكيد، كقوله {وأملي لهم أن كيدي متين} اي عقوبتي. وقوله {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} معناه إنه لم يكن يوسف ممن يأخذ اخاه على دين الملك في جزاء من سرق ان يستعبد قال الشاعر: شعر : تقول اذا درأت لها وضيني اهذا دينه ابداً وديني تفسير : اي هذا عادته ابداً وعادتي. وقوله {إلا أن يشاء الله} قال الحسن إنما قال ذلك لانه تعالى كان امره بذلك بدلالة قوله {نرفع درجات من نشاء} اي بما نريه من وجوه الصواب في بلوغ المراد. وقوله {وفوق كل ذي علم عليم} قيل في معناه قولان: احدهما - قال ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير: معناه {وفوق كل ذي علم} معلم {عليم} وهو الله تعالى الغني بنفسه عن التعليم. والثاني - ان معناه {وفوق كل ذي علم} ممن رفعه الله {عليم} قد رفعه بالعلم من وجه آخر، فهو أعلم بذلك الامر الآخر. وفي ذلك دلالة على أنه تعالى عالم لنفسه، لأنه لو كان عالم بعلم، لكان فوقه عليم، وذلك باطل. والضمير في قوله تعالى {استخرجها} عائدة الى السقاية. وقال الزجاج هي عائدة الى الصواع وانه يذكر ويؤنث، ومن قرأ {درجات من نشاء} على الاضافة، فالمعنى نرفع منازل من نشاء رفع منازله ومراتبه في الدنيا بالعلم على غيره، كما رفعنا مرتبة يوسف في ذلك على مراتب اخوته. ومن قرأ بتنوين {درجات} فالمعنى نرفع من نشاء درجات ومراتب كما رفعنا ليوسف، فـ {من} منصوبة على هذه القراءة، وعلى القراءة الاولى مخفوضة.

الجنابذي

تفسير : {فَبَدَأَ} المؤذّن او يوسف (ع) لانّهم رجعوا او ردّوا الى العزيز بعد نسبة السّرقة اليهم {بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ} لئلاّ يرتابوا انّه كان من فعلهم {ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ كَذٰلِكَ} الكيد الّذى هو اخفاء الصّواع وتفويض الحكم الى اخوته حتّى يحكموا باسترقاق السّارق موافقاً لشريعة ابيهم {كِدْنَا لِيُوسُفَ} وما يترائى من تخلّل اداة التّشبيه بين الشّيء ونفسه مدفوع بانّ ذلك مثل ان يقال: الانسان كزيد بتخلّل الكاف بين الكلّىّ والجزئى {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ} فى طريقته وآداب سياسته {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} وقوله كذلك كدنا ليوسف رفع لتوهّم الخديعة من يوسف (ع) وانّه ينافى مقام النّبوّة {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} الى عليم لا عليم فوقه، قيل: اخذ عمّال يوسف (ع) بيد بنيامين واسترقّوه فرجع اخوته ضرورة اليه، وقيل: رجعوا اوّل المشاجرة اليه.

فرات الكوفي

تفسير : {نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم76} فرات قال: حدثني أبو القاسم عبد الله بن محمد بن هاشم الدوري معنعناً: عن محمد بن علي عن آبائه [عليهم السلام. ر، ب] قال: هبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بيت [ر: منزل] أم سلمة فقال: يا محمد إن ملأ من ملائكة السماء الرابعة يجادلون في شيءٍ حتى كثر بينهم الجدال فيه وهم من الجن من قوم إبليس الذي قال الله في كتابه: {أية : كان من الجن ففسق عن أمر ربه} تفسير : [50/ الكهف] فأوحى الله [تعالى. ب، ر] إلى الملائكة قد كثر جدالكم فتراضوا بحكم من الآدميين يحكم بينكم، قالوا: قد رضينا بحكمٍ من أمة محمد [صلى الله عليه وآله وسلم. ر، أ]، [فأوحى الله إليهم: بمن [ب:فمن] ترضون من أمة محمد؟. ر، ب] قالوا: [قد. أ، ب] رضينا بعلي بن أبي طالب [عليه السلام. ر، ب] فأهبط [ر، أ: فهبط] الله ملكاً من ملائكة سماء الدنيا ببساط وأريكتين فهبط [ب: فأهبط] على [ر: إلى] النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. ب] فأخبره بالذي جاء فيه، فدعا النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. ر، ب] بعلي بن أبي طالب [عليه السلام. ر، ب] وأقعده على البساط ووسده [ب: وسداة] بالأريكتين ثم تفل في فيه ثم قال: يا علي ثبت [ر، أ ثبتك] الله قلبك وصير حجتك بين عينيك ثم عرج به إلى السماء [فإذا نزل. ر، أ] قال: [ب: فقال]: يا محمد [إن. ب، أ] الله يقرؤك السلام ويقول لك: {نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم}.

الأعقم

تفسير : {فبدأ بأوعيتهم}، قيل: قال لهم: من وكل بهم لا بد من تفتيش أوعيتكم فانصرف بهم إلى يوسف فبدأ يفتش أوعيتهم {قبل وعاء أخيه} بنيامين ليتقي التهمة حتى بلغ أخاه فقال: ما أظن هذا أخذ شيئاً فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك ونفوسنا واستخرجه، وقيل: كان ذلك القول من المؤذن لا من يوسف {كذلك كدنا ليوسف} أي مثل ذلك الكيد العظيم كدنا ليوسف، يعني علمناه إياه وأوحينا به اليه {ما كان ليأخذ أخاه} بنيامين {في دين الملك} ويضمه الى يوسف في دين الملك يعني في حكمه وقضائه ولم يكن ذلك في حكم الملك لكن جزاء السارق في حكم يعقوب (عليه السلام) أن يستعبد لأنه كان عادلاً ولولا هذه الحيلة لما مكّنه من أخذ أخيه {إلاَّ أن يشاء الله} أي ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله وإذنه {نرفع درجات من نشاء} كما رفعنا درجة يوسف {وفوق كل ذي علم عليم} فوقه أرفع درجة منه في علمه، أو فوق العلماء كلهم، عليمٌ هم دونه في العلم وهو الله عز وجل {قالوا ان يسرق فقد سرق أخ له من قبل} لما خرج الصاع في رحل بنيامين قال إخوته: ماذا صنعت؟ فضحتنا، قال: لا علم لي بذلك الصاع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم؟ فقالوا ليوسف: ان يسرق فقد سرق أخ له من قبل، واختلفوا في السرقة التي وصفوا بها يوسف، قيل: سرق صنماً لجده من قبل أمه فكسره وألقاه على الطريق، وقيل: كان يسرق الطعام من المائدة ويعطيه المساكين، وقيل: غير ذلك {فأسرّها يوسف في نفسه}، قيل: أسرَّ يوسف (عليه السلام) كلامهم في نفسه {ولم يبدها لهم}، وقيل: انتظر فيه الوحي {وقال أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون} يعني بما تقولون {قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخاً كبيراً} الآية {قال معاذ الله} أي أعوذ بالله أن نفعل ذلك {أن نأخذ إلاَّ من وجدنا متاعنا عنده انا إذاً لظالمون}.

اطفيش

تفسير : {فبَدأ} المؤذن، وقيل: يوسف، والأول هو الصحيح {بأوعِيتهم} تعجيلا بإزالة التهمة عنهم، إذ لم يجعله فى رحلهم، وتمكينا للحيلة، وإبعادا لظهور أن ذلك حيلة {قَبْل وِعَاء أخِيه} وقرأ الحسن بضم الواو وهو لغة، وقرأ سعيد بن جبير بقلبها همزة مضمومة، وذكر قتادة أنه بلغة أن يوسف لا يفتح متاعا، ولا ينظر فى وعاء إلا استغفر الله مما قال، وكذا إن كان المفتش غير يوسف، وكان عالما حتى لم يبق إلا رحْل بنيامين، فقال: ما أظن أن هذا أخذ شيئا، قالوا: والله لا تتركه حتى تنظر فى رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا فنظر. {ثمَّ اسْتَخْرجها منْ وِعاءِ أخيهِ} بنيامين فنكَّس إخوته رءوسهم من الحياء، وأقبلوا على بنيامين فقالوا: ما هذا الذى صنعت بنا، فضحتنا وسوَّدت وجوهنا يا ابن راحيل، لا يزال لنا منكم بلاء، أخذت هذا الصاع، فقال بنيامين: بل بنو راحيل ما رأوا منكم إلا البلاء ذهبتم بأخى فأهلكتموه فى البرية، إن الذى وضع هذا الصاع فى رحلى هو الذى وضع البضائع فى رحالكم. وقيل: إن التفتيش كان حيث استوقفوا، ولما وجد وفى وعاء أخيه بنيامين أخذوه برقبة وحده، وردوه إلى يوسف، ورجعوا معه باختياره، والسين والتاء للتصريح بالعلاج والمبالغة فى التفتيش، أو ذلك بمعنى أخرجها. قال الزمخشرى: قالوا رجع بالتأنيث على السقاية أو أنث الصواع لأنه يذكر ويؤنث، ولعل يوسف كان يسميه سقاية، وعبده صواعا، فقد فيما يتصل به من الكلام سقاية، وفيما يتصل بهم منه صواعا انتهى. وروى أنهم فتشوا أوعيتهم بحضرة يوسف، ولم يجدوا شيئا، وتركوا رحل بنيامين وأمروهم بالذهاب فذهبوا فحسدوا بنيامين فقالوا: إنه يفتخر علينا بذلك، وبما تقدم من أكله مع الملك وخلوته به، فقالوا: ما لرحل أخينا لم تفتش، وليس أشرف منا؟ فقال يوسف: لعله يرى الساحة كما أنتم، فقالوا: لا بد من تفتيشه أيها الملك وألحوا، فقال: أما إذا أبيتم إلا تفتيشه ففتشوه بأيديكم، ففتشوه فوجدوا الصاع فيه، فضاقوا وبهتوا، وتحيروا وسكنوا، ونكسوا رءوسهم، لا يردون جوابا، ثم قالوا: يا بنيامين يا ابن المشئومة والإخ المشئوم، هذا من شؤم أمك وشؤم أخيك، فليت ما أجريناه فى أخيك أجريناه فيك، وأنت أحق بذلك، إذ لم يكن له جرم يؤخذ به، فضحتنا وفحضت أباك الصديق، وأزريت بنسبك. فقال: يا إخوتى لا تعجلوا، اسمعوا منى حتى آتيكم ببرهان تعرفون براءتى، ألستم تعلمون أن بضاعتكم ردت إليكم فى رحالكم، ثم صدرتم من عند الملك وأنتم لا تعلمون، فإن سرقتم البضاعة يومئذ فأنا سرقت الصاع اليوم، وإن كنتم أبرياء فأنا برئ فسكنوا عن لومه وقالوا: لا تذكر البضاعة لئلا نؤاخذ بها، فاحتوشتهم الخدمة كالمنكرين عليهم، وأخرجوا بنيامين بالعنف من بين أيديهم، وجروه حتى أدخلوه قصر الملك، وغاب عن إخوته، فقام يوسف عن سريره وجعل يقبله ويضمه إلى صدره، وألبسه ألوان الثياب الفاخرة، وجلسا يتحدثان، ثم قال: يا أخى طب نفسا وقرّ عينا فأنا أخرج إليهم لأنظر ما يقولون، فخرج فرآهم باكين محزونين فى خجل وذل. {كذّلكَ} أى مثل ذلك الكيد العظيم {كِدْنا ليُوسُف} علمناه إباه وأوحينا إليه به، فمن هذا يعلم أنه عليه السلام غير آثم فى أقواله وأفعاله المذكورة مع إخوته، لأنها بإباحة الله كما مرت الإشارة إليه وأن معنى كيد الله له تدبيره وتعليمه ليوسف كيف يتوصل إلى إبقاء أخيه عنده، فذلك بمشيئة من الله، فأوقع الكيد بمعنى تعليم الكيد، وهو يقع بمعنى التدبير بحق كما هنا وبباطل، أو معنى كدنا يوسف مهلنا له الأمر فى لطف وستر كما يكيد المخلوق بمكر وخديعة، ويجوز أن يكون المعنى كما ألهمنا إخوة يوسف الحكم بأن جزاء السارق استعباده، ولم يحكموا بغيره، كذلك ألهمنا يوسف أن يدس الصاع فى رحل أخيه، أو كما كادوا على يوسف حتى ألقوه فى الجب وباعوه، كذلك كدنا له عليهم حتى رفعنا منزلته عليهم، وكان ما كان، وصدقنا رؤياه التى أخذوها. {ما كانَ ليأخذّ أخاه} بنيامين عبدا {فى دِينِ الملك} أى حكم ملك مصر، أو فيما اتخذه دينا وهو ان يضرب السارق ويغرم ما أخذ ومثليه، وقيل: ما أخذ ومثله، قال مجاهد: وكان الملك مسلما، وفى ذلك بيان للكيد أى من أين يتوصل إلى أخذ أخيه، وليس دين الملك استعباد السارق لولا أن الله جل جلاله أوصله إليه بلطفه كما قال: {إلا أنْ يشاءَ اللّهُ} أى ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله، فالاستثناء مفرغ، والباء مقدرة قبل حرف المصدر، ويجوز كون منقطعا، أى لكن مشيئة الله هى القاضية بالأخذ، وجعله بعضهم متصلا، وقدر إلا أن يشاء الله أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك، الاستثناء على هذا، والوجه الأول الذى ذكرته يكون من أعم الأحوال. {نرْفعُ درجاتٍ من نَشاءُ} فى العلم، كما رفعنا درجة يوسف فيه على إخوته، وهم أيضا علماء، وذلك دليل أن العلم أشرف شئ، وأن ارتفاع يوسف بالعلم وبما لهم، واعلم أخى أن العلم الذى مدح فى القرآن والسنة فى حق المخلوق، هو ما يتولد عنه الخوف والخشية، واتباع الأوامر، والانتهاء عن النواهى، لا مجرد إدراك المسائل وحفظها، ومن أراد ظهور الحكمة على لسانه والعلم عن امتلاء قلبه بهما، والترقى من سفل إلى علو، فلينظر الدنيا بعين الزوال، ولينزل نفسه منها منزلة المضطر إلى الميتة، فما بين العبد وذلك إلا حب الدنيا. وقيل: نرفع درجات من نشاء بالنبوة وهى أيضا نوع من العلم، بل أشرف أنواعه، وقرأ الكوفيون: درجات بالتنوين، فيكون مَنْ مفعولا لنرفع، ودرجات ظرف، أو منصوب على نزع الباء أو فى لو مفعول مطلق من نيابة اسم العين عن المصدر، أى نرفع من نشاء رفعا، وأما على الإضافة إلى من فدرجات مفعول به، وقرئ برفع بالياء وتنوين درجات. {وفَوْق كلِّ ذى علمٍ عليمٌ} فوقه أرفع درجة منه إلى أن ينتهى العلم إى الله سبحانه، فكل عالم لا بد من [هو] أعلم منه فى الخلق، وأعلم الخلق كلهم الله أعلم منه كما قال قتادة، وابن عباس، فعلى العالم كائنا من كان أن يتواضع من نفسه، ولا يطمع أن يغلب العلماء ويحيط بعلمهم، والعلم متفرق فى الناس، وكم مسألة يحملها النحرير ويستفيدها من تلميذه، فالعليم فى الآية المخلوق والخالق. وفى رواية عن ابن عباس: أن العليم الله، وهو فوق كل ذى علم، أى فوق العلماء كلهم عالم عظيم هو الله عز وجل. واعلم أن الله سبحانه وتعالى عالم بالذات عندنا معشر الأباضية، وعند المتعزلة بمعنى أن ذاته كافية فى انكشاف الأشياء له، وزعم غيرهم أنه غير عالم بالذات فلزمهم أن يكون علمه حادثا، وأن يكون تعالى محلا للحادث، وإن قالوا مع ذلك: علمه قديم لزمهم تعدد القدماء، فهذه ونحوها ما احتج به لمذهبنا، ولست أحتج بهذه الآية من حيث إنه لو كان ذا علم لكان فوقه من هو أعلم منه كما نسب الاحتجاج به للمعتزلة، إن لم يكذب عنهم فى ذلك، فضلا عن أن يريد على أن المراد كل ذى علم من الخلق، فإن كون المراد هو هذا واضح كالشمس، والعليم البالغ فى العلم. ولما استخرج الصواع من رحل بنيامين قال يوسف: ألم أقل لكم أول مرة إن الصواع يخبرنى أنكم لصوص، وأردت أن آخذكم بذلك، لكن عفوت عنكم وأحسنت ظنى فيكم.

الالوسي

تفسير : {فَبَدَأَ} قيل المؤذن ورجح بقرب سبق ذكره، وقيل: يوسف عليه السلام فقد روي أن إخوته لما قالوا ما قالوا قال لهم أصحابه: لا بد من تفتيش رحالكم فردوهم بعد أن ساروا منزلاً أو بعد أن خرجوا من العمارة إليه عليه السلام فبدأ {بِأَوْعِيَتِهِمْ} أي بتفتيش أوعية الإخوة العشرة ورجح ذلك بمقاولة يوسف عليه السلام فإنها تقتضي ظاهراً وقوع ما ذكر بعد ردهم إليه ولا يخفى أن الظاهر أن إسناد التفتيش إليه عليه السلام مجازي والمفتش حقيقة أصحابه بأمره بذلك {قَبْلَ} تفتيش {وِعَاء أَخِيهِ} بنيامين لنفي التهمة. روي أنه لما بلغت النوبة إلى وعائه قال: ما أظن هذا أخذ شيئاً فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا ففعل {ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا} أي السقاية أو الصواع لأنه كما علمت مما يؤنث ويذكر عند الحفاظ، وقيل: الضمير للسرقة المفهومة من الكلام أي ثم استخرج السرقة {مِن وِعَاء أَخِيهِ} لم يقل منه على رجع الضمير إلى الوعاء أو من وعائه على رجعه إلى أخيه قصداً إلى زيادة كشف وبيان، والوعاء الظرف الذي يحفظ فيه الشيء وكأن المراد به هنا ما يشمل الرحل وغيره لأنه الأنسب بمقام التفتيش ولذا لم يعبر بالرحال على ما قيل، وعليه يكون عليه السلام قد فتش كل ما يمكن أن يحفظ الصواع فيه مما كان معهم/ من رحل وغيره. وقولهم: مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد كما قال المدقق أبو القاسم السمرقندي لا يقتضي أن يلزم في كل مقابلة مقارنة الواحد للواحد لأن انقسام الآحاد على الآحاد كما يجوز أن يكون على السواء كما في ركب القوم دوابهم يجوز أن يكون على التفاوت كما في باع القوم دوابهم فإنه يفهم معه أن كلاً منهم باع ما له من دابة وقد مر التنبيه على هذا فيما سبق وحينئذٍ يحتمل أن يراد من وعاء أخيه الواحد والمتعدد. وقرأ الحسن {وعاء} بضم الواو وجاء كذلك عن نافع وقرأ ابن جبير {إعاء} بإبدال الواو المكسورة همزة كما قالوا في وشاح إشاح وفي وسادة إسادة وقلب الواو المكسورة في أول الكلمة همزة مطرد في لغة هذيل. {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الكيد العجيب وهو إرشاد الأخوة إلى الإفتاء المذكور بإجرائه على ألسنتهم وحملهم عليه بواسطة المستفتين من حيث لم يحتسبوا {كِدْنَا لِيُوسُفَ} أي صنعنا ودبرنا لأجل تحصيل غرضه من المقدمات التي رتبها من دس السقاية وما يتلوه فالكيد مجاز لغوي في ذلك وإلا فحقيقته وهي أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه وتريده على ما قالوا محال عليه تعالى، وقيل: إن ذلك محمول على التمثيل، وقيل: إن في الكيد إسنادين بالفحوى إلى يوسف عليه السلام وبالتصريح إليه سبحانه والأول حقيقي والثاني مجازي، والمعنى فعلنا كيد يوسف وليس بذاك، وفي «درر المرتضى» إن كدنا بمعنى أردنا وأنشد:شعر : كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من لهو الصبابة ما مضى تفسير : واللام للنفع لا كاللام في قوله تعالى: {أية : فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } تفسير : [يوسف: 5] فإنها للضرر على ما هو الاستعمال الشائع. {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ } أي في سلطانه على ما روي عن ابن عباس أو في حكمه وقضائه كما روي عن قتادة، والكلام استئناف وتعليل لذلك الكيد كأنه قيل: لماذا فعل ذلك؟ فقيل: لأنه لم يكن ليأخذ أخاه جزاء وجود الصواع عنده في دين الملك في أمر السارق إلا بذلك الكيد لأن جزاء السارق في دينه على ما روي عن الكلبـي وغيره أن يضاعف عليه الغرم. وفي رواية ويضرب دون أن يؤخذ ويسترق كما هو شريعة يعقوب عليه السلام فلم يكن يتمكن بما صنعه من أخذ أخيه بما نسب إليه من السرقة بحال من الأحوال. {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } أي إلا حال مشيئته تعالى التي هي عبارة عن ذلك الكيد أو إلا حال مشيئته تعالى للأخذ بذلك الوجه، وجوز أن يكون المراد من ذلك الكيد الإرشاد المذكور ومباديه المؤديه إليه جميعاً من إرشاد يوسف عليه السلام وقومه إلى ما صدر عنهم من الأفعال والأقوال حسبما شرح مرتباً، وأمر التعليل كما هو بيد أن المعنى على هذا الاحتمال مثل ذلك الكيد البالغ إلى هذا الحد كدنا ليوسف عليه السلام ولم نكتف ببعض من ذلك لأنه لم يكن يأخذ أخاه في دين الملك به إلا حال مشيئتنا له بإيجاد ما يجري مجرى الجزاء الصوري من العلة التامة وهو إرشاد إخوته إلى الإفتاء المذكور فالقصر المستفاد من تقديم المجرور مأخوذ بالنسبة إلى البعض، وكذا يقال في تفسير من فسر {كِدْنَا لِيُوسُفَ } بقوله علمنا إياه وأوحينا به إليه أي مثل ذلك التعليم المستتبع لما شرح علمناه دون بعض من ذلك فقط الخ، والاستثناء على كل حال من أعم الأحوال وجوز أن يكون من أعم العلل والأسباب أي لم يكن ليأخذ أخاه في دين الملك لعلة من العلل/ وسبب من الأسباب إلا لعلة مشيئته تعالى، وأياً ما كان فهو متصل لأن أخذ السارق إذا كان ممن يرى ذلك ويعتقده ديناً لا سيما عند رضاه وإفتائه به ليس مخالفاً لدين الملك فلذلك لم ينازعه الملك وأصحابه في مخالفة دينهم بل لم يعدوه مخالفة. وقيل: إن جملة ما كان الخ في موضع البيان والتفسير للكيد وأن معنى الاستثناء إلا أن يشاء الله تعالى أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك وفيه بحث، وجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً أي لكن أخذه بمشيئة الله سبحانه وإذنه في دين غير دين الملك {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ } أي رتباً كثيراً عالية من العلم، وانتصابها على ما نقل عن أبـي البقاء على الظرفية أو على نزع الخافض أي إلى درجات، وجوز غير واحد النصب على المصدرية، وأياً ما كان فالمفعول به قوله تعالى: {مَّن نَّشَاء } أي نشاء رفعه حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة كما رفعنا يوسف عليه السلام، وإيثار صيغة الاستقبال للإشعار بأن ذلك سنة مستمرة غير مختصة بهذه المادة والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. {وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ } من أولئك المرفوعين {عَلِيمٌ } لا ينالون شأوه. قال المولى المحقق شيخ الإسلام قدس سره في بيان ربط الآية بما قبل: إنه إن جعل الكيد عبارة عن إرشاد الإخوة إلى الإفتاء وحملهم عليه أو عبارة عن ذلك مع مباديه المؤديه إليه فالمراد برفع يوسف عليه السلام ما اعتبر فيه بالشرطية أو الشطرية من إرشاده عليه السلام إلى ما يتم من قبله من المبادىء المفضية إلى استبقاء أخيه، والمعنى أرشدنا إخوته إلى الإفتاء لأنه لم يكن متمكناً من غرضه بدونه أو أرشدنا كلاً منهم ومن يوسف وأصحابه إلى ما صدر عنهم ولم نكتف بما تم من قبل يوسف [فقط] لأنه لم يكن متمكناً من غرضه بمجرد ذلك. وحينئذٍ يكون قوله تعالى: {نَرْفَعُ } إلى {عَلِيمٌ } توضيحاً لذلك على معنى أن الرفع المذكور لا يوجب تمام مرامه إذ ليس ذلك بحيث لا يغيب عن علمه شيء بل إنما نرفع كل من نرفع حسب استعداده وفوق كل واحد منهم عليم لا يقادر قدره يرفع كلاً منهم إلى ما يليق به من معارج العلم وقد رفع يوسف إلى ذلك وعلم أن ما حواه دائرة علمه لا يفي بمرامه فأرشد إخوته إلى الإفتاء المذكور فكان ما كان وكأنه عليه السلام لم يكن على يقين من صدور ذلك منهم وإن كان على طمع منه فإن ذلك إلى الله تعالى شأنه وجوداً وعدماً، والتعرض لوصف العلم لتعيين جهة الفوقية، وفي صيغة المبالغة مع التنكير والالتفات إلى الغيبة من الدلالة على فخامة شأنه عز شأنه وجلالة مقدار علمه المحيط جل جلاله ما لا يخفى. وإن جعل عبارة عن التعليم المستتبع للإفتاء فالرفع عبارة عن ذلك التعليم، والإفتاء وإن كان لم يكن داخلاً تحت قدرته عليه السلام لكنه كان داخلاً تحت علمه بواسطة الوحي والتعليم، والمعنى مثل ذلك التعليم البالغ إلى هذا الحد علمناه ولم نقتصر على تعليم ما عدا الإفتاء الذي سيصدر عن إخوته إذ لم يكن متمكناً من غرضه في أخيه إلا بذلك، وحينئذٍ يكون قوله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } توضيحاً لقوله سبحانه: {كِدْنَا } وبياناً لأن ذلك من باب الرفع إلى الدرجات العالية من العلم ومدحاً ليوسف عليه السلام برفعه إليها {وَفَوْقَ } الخ تذييلاً له أي نرفع درجات عالية من نشاء رفعه وفوق كل منهم عليم هو أعلى درجة، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى، والمعنى أن إخوة يوسف كانوا علماء إلا أن يوسف أفضل منهم اهـ. والذي اختاره الزمخشري على ما قيل حديث التذييل إلا أنه أوجز في كلامه حتى خفي مغزاه وعد ذلك من المداحض حيث قال: وفوق كل ذي علم عليم فوقه أرفع درجة منه في علمه أو فوق العلماء كلهم عليم/ هم دونه في العلم وهو الله عز وعلا، وبيان ذلك على ما في «الكشف» أن غرضه أن يبين وجه التذييل بهذه الجملة فأفاد أنه إما على وجه التأكيد لرفع درجة يوسف عليه السلام على إخوته في العلم أي فاقهم علماً لأن فوق كل ذي علم عليم أرفع درجة منه، وفيه مدح له بأن الذين فاقهم علماء أيضاً وإما على تحقيق أن الله تعالى رفعه درجات وهو إليه لا منازع له فيه فقال: وفوق العلماء كلهم عليم هم دونه يرفع من يشاء يقربه إليه بالعلم كما رفع يوسف عليه السلام، وذكر أن ما يقال: من أن الكل على الثاني مجموعي وعلى الأول بمعنى كل واحد كلام غير محصل لأن الداخل على النكرة لا يكون مجموعياً، وأصل النكتة في الترديد أنه لو نظر إلى العلم ولا تناهيه كان الأول فيرتقي إلى ما لا نهاية لعلمه بل جل عن النهاية من كل الوجوه، ولا بد من تخصيص في لفظ {كُلِّ} والمعنى وفوق كل واحد من العلماء عالم وهكذا إلى أن ينتهي، ولو نظر إلى العالم وإفادته إياه كان الثاني، والمعنى وفوق كل واحد واحد عالم واحد فأولى أن يكون فوق كلهم لأن الثاني معلول الأول، ولظهور المعنى عليه قدر وفوق العلماء كلهم وكلا الوجهين يناسب المقام اهـ. ولعل اعتبار كون الجملة الأولى مدحاً ليوسف عليه السلام وتعظيماً لشأن الكيد وكون الثانية تذييلاً هو الأظهر فتأمل. وقد استدل بالآية من ذهب إلى أنه تعالى شأنه عالم بذاته لا بصفة علم زائدة على ذلك، وحاصل استدلالهم أنه لو كان له سبحانه صفة علم زائدة على ذاته كان ذا علم لاتصافه به وكل ذي علم فوقه عليم للآية فيلزم أن يكون فوقه وأعلم منه جل وعلا عليم آخر وهو من البطلان بمكان. وأجيب بأن المراد بكل ذي علم المخلوقات ذوو العلم لأن الكلام في الخلق ولأن العليم صيغة مبالغة معناه أعلم من كل ذي علم فيتعين أن يكون المراد به الله تعالى فما يقابله يلزم كونه من الخلائق لئلا يدخل فيما يقابله، وكون المراد من العليم ذلك هو إحدى روايتين عن الحبر، فقد أخرج عبد الرزاق وجماعة عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فحدث بحديث فقال رجل عنده: {وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } فقال ابن عباس: بئسما قلت الله العليم وهو فوق كل عالم، وإلى ذلك ذهب الضحاك، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال بعد أن تلا الآية يعني الله تعالى بذلك نفسه، على أنه لو صح ما ذكره المستدل لم يكن الله تعالى عالماً بناءاً على أن الظاهر اتفاقه معنا في صحة قولنا فوق كل العلماء عليم، وذلك أنه يلزم على تسليم دليله إذا كان الله تعالى عالماً أن يكون فوقه من هو أعلم منه، فإن أجاب بالتخصيص في المثال فالآية مثله. وقرأ غير واحد من السبعة {درجات من نشاء} بالإضافة، قيل: والقراءة الأولى أنسب بالتذييل حيث نسب فيها الرفع إلى من نسب إليه الفوقية لا إلى درجته والأمر في ذلك هين. وقرأ يعقوب بالياء في {يرفع} و {يشاء}. وقرأ عيسى البصرة {نرفع } بالنون و {درجات} منوناً و {من يشاء} بالياء، قال صاحب "اللوامح": وهذه قراءة مرغوب عنها ولا يمكن إنكارها. وقرأ عبد الله الحبر {وفوق كل ذي عالم عليم} فخرجت كما في «البحر» على زيادة ذي أو على أن {عالم} مصدر بمعنى علم كالباطل أو على أن التقدير كل ذي شخص عالم، والذي في «الدر المنثور» أنه رضي الله تعالى عنه قرأ {وفوق كل عالم عليم} بدون {ذِى} ولعله الأثبت والله تعالى العليم.

ابن عاشور

تفسير : {بدأ} أي أمر يوسف ــــ عليه السلام ــــ بالبداءة بأوعية بقية إخوته قبلَ وعاء أخيه الشقيق. وأوعية: جمع وعاء، وهو الظرف،. مشتق من الوعي وهو الحفظ. والابتداء بأوعية غير أخيه لإبعاد أن يكون الذي يُوجد في وعائه هو المقصود من أول الأمر. وتأنيث ضمير {استخرجها} للسقاية. وهذا التأنيث في تمام الرشاقة إذ كانت الحقيقة أنها سقاية جعلت صواعاً. فهو كردّ العجز على الصدر. والقول في {كذلك كدنا ليوسف} كالقول في { أية : كذلك نجزي الظالمين } تفسير : [سورة يوسف: 75]. والكَيْد: فعل يتوصل بظاهره إلى مقصد خفي. والكيد: هنا هو إلهام يوسف عليه السلام لهذه الحيلة المحكمة في وضع الصواع وتفتيشه وإلهام إخوته إلى ذلك الحكم المُصْمَت. وأسند الكيد إلى الله لأنه ملهمه فهو مسبّبه. وجعل الكيد لأجل يوسف عليه السلام لأنه لفائدته. وجملة {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله} بيان للكيد باعتبار جميع ما فيه من وضع السقاية ومن حكم إخوته على أنفسهم بما يلائم مَرغوب يوسف ــــ عليه السلام ــــ من إبقاء أخيه عنده، ولولا ذلك لمَا كانت شريعة القبط تخوله ذلك، فقد قيل: إن شرعهم في جزاء السارق أن يؤخذ منه الشيء ويضرب ويغرم ضعفي المسروق أو ضعفي قيمته. وعن مجاهد {في دين الملك} أي حكمه وهو استرقاق السراق. وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية لقوله: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} أي لولا حيلة وضع الصُّواع في متاع أخيه. ولعل ذلك كان حكماً شائعاً في كثير من الأمم، ألا ترى إلى قولهم: { أية : من وجد في رحله فهو جزاؤه } تفسير : [سورة يوسف: 75] كما تقدم، أي أن ملك مصر كان عادلاً فلا يؤخذ أحد في بلاده بغير حق. ومثله ما كان في شرع الرومان من استرقاق المدين، فتعين أن المراد بالدّين الشريعة لا مطلق السلطان. ومعنى لام الجحود هنا نفي أن يكون في نفس الأمر سبب يخول يوسف عليه السلام أخذ أخيه عنده. والاستثناء من عموم أسباب أخذ أخيه المنفية. وفي الكلام حرف جر محذوف قبل {أن} المصدرية، وهو باء السببية التي يدل عليها نفي الأخذ، أي أسبابه. فالتقدير: إلا بأن يشاء الله، أي يُلهم تصوير حالته ويأذن ليوسف ــــ عليه السلام ــــ في عَمله باعتبار ما فيه من المصالح الجمة ليوسف وإخوته في الحال والاستقبال لهم ولذريتهم. وجملة {نرفع درجات من نشاء} تذييل لقصة أخذ يوسف ــــ عليه السلام ــــ أخاه لأن فيها رفع درجة يوسف ــــ عليه السلام ــــ في الحال بالتدبير الحكيم من وقت مناجاته أخاه إلى وقت استخراج السقاية من رحله. ورفع درجة أخيه في الحال بإلحاقه ليوسف ــــ عليه السلام ــــ في العيش الرفيه والكمال بتلقي الحكمة من فيه. ورفع درجات إخوته وأبيه في الاستقبال بسبب رفع درجة يوسف ــــ عليه السلام ــــ وحنوه عليهم. فالدرجات مستعارة لقوة الشرف من استعارة المحسوس للمعقول. وتقدم في قوله تعالى: { أية : وللرجال عليهن درجة } تفسير : في سورة البقرة (228)، وقوله: { أية : لهم درجات عند ربهم } تفسير : في سورة الأنفال (4). وجملة {وفوق كل ذي علم عليم} تذييل ثان لجملة {كذلك كدنا ليوسف} الآية. وفيها شاهد لتفاوت الناس في العلم المؤذن بأن علم الذي خلق لهم العلم لا ينحصر مداه، وأنه فوق كل نهاية من علم الناس. والفوقية مجاز في شرف الحال، لأن الشرف يشبّه بالارتفاع. وعبر عن جنس المتفوق في العلم بوصف {عليم} باعتبار نسبته إلى من هو فوقه إلى أن يبلغ إلى العليم المطلق سبحانه. وظاهر تنكير {عليم} أن يراد به الجنس فيعم كلّ موصوف بقوة العلم إلى أن ينتهي إلى علم الله تعالى. فعموم هذا الحكم بالنسبة إلى المخلوقات لا إشكال فيه. ويتعين تخصيص هذا العموم بالنسبة إلى الله تعالى بدليل العقل إذ ليس فوق الله عليم. وقد يحمل التنكير على الوحدة ويكون المراد عليم واحد فيكون التنكير للوحدة والتعظيم، وهو الله تعالى فلا يحتاج إلى التخصيص. وقرأ الجمهور {درجات من نشاء} بإضافة {درجات} إلى {من نشاء}. وقرأه حمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف بتنوين {درجاتٍ} على أنه تمييز لتعلق فعل {نرفع} بمفعوله وهو {من نشاء}.

د. أسعد حومد

تفسير : {دَرَجَاتٍ} (76) - فَبَدَأَ يُوسُفُ بِتَفْتِيشِ أَمْتِعَةِ إِخْوَتِهِ دَفْعاً لِشُبْهَةِ المَكِيدَةِ، وَالتَّدْبِيرِ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَى مَتَاعِ أَخِيهِ فَاسْتَخْرَجَ الصَّاعَ مِنْهُ. كَذلِكَ يَسَّرَ اللهُ لِيُوسُفَ طَرِيقَةً لَطِيفَةً يَسْتَطِيعُ بِهَا أَنْ يَسْتَبْقِيَ أَخَاهُ عِنْدَهُ دُونَ أَنْ يَلْفِتَ أَنْظَارَ إِخْوَتِهِ إِلَيْهِ، فَبَعْدَ أَنِ اعْتَرَفُوا أَنَّ شَرْعَهُمْ يَقْضِي بِأَنْ يُدْفَعَ السَّارِقُ إِلى المَسْرُوقِ مِنْهُ لِيَسْتَرِقَّهُ، لَمْ يَعُودُوا يَسْتَطِيعُونَ المُطَالَبَةَ بِأَخِيهِمْ، بَعَدْ أَنْ وُجِدَ الصَّاعُ فِي رَحْلِهِ. وَلَمْ يَكُنْ يُوسُفُ لِيَتَمَكَّنَ مِن اسْتِبْقَاءِ أَخِيهِ لَدَيْهِ لَوْ لَمْ يَهْدِهِ اللهُ إِلى مَعْرِفَةِ شَرْعِ أَبِيهِ يَعْقُوبَ، لأَِنَّ القَانُونَ المِصْرِيَّ لاَ يُجِيزُ اسْتِرْقَاقَ السَّارِقِ، وَلَمْ تَكُنْ أَمَانَةُ يُوسُفَ، وَإِخْلاَصُهُ لِمَلِكِ مِصْرَ، يُبِيحَانِ لَهُ بِأَنْ يُخَالِفَ قَانُونَ المَلِكِ الذِي فَوَّضَ إِلَيهِ أَمْرَ تَطْبِيقِهِ وَالعَمَلَ بِهِ. كِدْنَا لِيُوسُفَ - دَبَّرْنَا لِتَحْصِيلِ غَرَضِهِ. دِينِ المَلِكِ - شَرِيعَةِ مَلِكِ مِصْرَ أَوْ حُكْمِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكان الهدف من البَدْء بتفتيش أوعيتهم؛ وهم عشرة؛ قبل وعاء شقيقه، كي ينفي احتمال ظنِّهم بأنه طلب منهم أن يأتوا بأخيهم معهم ليدبر هو هذا الأمر، وفتش وعاء شقيقه من بعد ذلك؛ ليستخرج منه صُوَاع الملك؛ وليُطبِّق عليه قانون شريعة آل يعقوب؛ فيستبقي شقيقه معه. وهذا دليل على الذكاء الحكيم. وهكذا جعل الحق سبحانه الكيد مُحْكماً لصالح يوسف، وهو الحق القائل: {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ..} [يوسف: 76]. أي: كان الكيد لصالحه. ويتابع سبحانه: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..} [يوسف: 76]. أي: ما كان يوسف ليأخذ أخاه في دين الملك الذي يحكم مصر؛ لولا فتوى الإخوة بأن شريعتهم تحكم بذلك. ويتابع سبحانه: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]. وهكذا رفع الله من شأن يوسف، وكَادَ له، وحقَّق له أمله، وهو يستحق كل ذلك؛ ورفعه سبحانه درجاتٍ عالية من العلم والحكمة. ولم يكُنْ الكيد بسبب أن يُنزِل بشقيقه عذاباً أو ضياعاً، بل نريد ليوسف ولأخيه الرِّفْعة، فكأن كثيراً من المصائب تحدث للناس، وهم لا يَدْرون ما في المحنة من المِنَح. وعلى المؤمن أن يعلم أن أيَّ أمر صعب يقع عليه من غير رأي منه؛ لا بُدَّ وأن يشعر أن فيه من الله نفعاً للإنسان. وإخوة يوسف سبق أنْ كَادوا له، فماذا كانت نتيجة كَيْدهم؟ لقد شاء الحق سبحانه أن يجعل الكيد كله لصالح يوسف، وجعله سبحانه ذَا علم، فقال: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]. و(ذي علم) أي: صاحب علم. وكلاهما مُنْفصل، أي: هناك "صاحب"، وهناك "علم"، والصاحب يوجد أولاً؛ وبعد ذلك يطرأ عليه العلم؛ فيصير صاحبَ عِلْم، ولكن فوقه: {عَلِيمٌ} [يوسف: 76]. أي: أن العلم ذاتيّ فيه، وهو الحق سبحانه وتعالى. فماذا كان موقف إخوة يوسف؟ بطبيعة الحال لا بد أنهم قد بُهِتوا، أول تصرف منهم كان لا بُدَّ أن ينصرف إلى الأخ الذي وُجدت السقاية في رَحْله؛ وأخذوا يُوبِّخونه؛ لأنه أحرجهم وفضحهم، وبحثوا عن أسباب عندهم للحفيظة عليه؛ لا للرفق به. وموقفهم المُسْبق منه معروف في قولهم: {أية : لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ..} تفسير : [يوسف: 8]. وهم يعلمون أن يوسف وأخاه من امرأة أخرى هي "راحيل"، ولو كان شقيقاً لهم لَتلَّطفوا به. وأوضح لهم: إن مَنْ جعل البضاعة في رِحَالي هو مَنْ جعل البضاعة في رِحَالكم. وهنا قال أحد الإخوة: تالله، يا أبناء راحيل، ما أكثر ما نزل علينا من البلاء منكم، فَرَدَّ بنيامين: بنو راحيل نزل عليهم من البلاء منكم فوق ما نزل عليكم من البلاء منهم. ويُورد الحق سبحانه هنا قولهم: {قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ ...}.

الأندلسي

تفسير : {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِْ} قيل: قال لهم من وكل بهم لا بد من وكل بهم لا بد من تفتيش أوعيتكم فانطلق بهم إلى يوسف عليه السلام فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء بنيامين لنفي التهمة وتمكين الحيلة واتقاء ظهورها حتى بلغ وعاءه فقال: ما أظن هذا أخذ شيئاً فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله فإِنه أطيب لنفسك وأنفسنا فاستخرجها منه. {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} يعني علمناه إياه وأوحينا به إليه وقولهم. {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} لا يدل على الجزم بأنه سرق بل أخرجوا ذلك مخرج الشرط أي إن كان وقع منه سرقة فهو تأسى بمن سرق قبله فقد سرق أخ له من قبل والتعليق على الشرط على أن السرقة في حق بنيامين وأخيه ليست مجزوماً بها كأنهم قالوا: إن كان هذا النهي رمى به بنيامين حقاً فالذي رمى به يوسف من قبل حق لكنه قوي الظن عندهم في حق يوسف بما ظهر لهم أنه جرى من بنيامين ولذلك قالوا ان ابنك سرق وقيل حققوا السرقة في جانب بنيامين وأخيه بحسب ظاهر الأمر فكأنهم قالوا: إن كان قد سرق فغير بدع من ابني راحيل لأن أخاه يوسف قد كان قد سرق فعلى هذا القول يكون قولهم: انحاء على يوسف وبنيامين وقولهم: هذا هو بحسب الظاهر والأخبار بأمر جرى لتزول المعرة عنهم وتختص بالشقيقين وتنكير أخ في قولهم: فقد سرق أخ له من قبل لأن الحاضرين لا علم لهم به وقالوا له: لأنه كان شقيقه والجمهور على أن السرقة التي نسبت إلى يوسف صلى الله عليه وسلم هي أن عمته ربته وشب عندها وأراد يعقوب أخذه فأشفقت من فراقه فأخذت منطقة إسحاق وكانت متوارثة عندهم فنطقته بها من تحت ثيابه ثم صاحت وقالت: فقدت المنطقة ففتشت فوجدت عند يوسف فاسترقته حسبما كان عندهم في شرعهم وبقي عندها حتى ماتت فصار عند أبيه والضمير في فأسرها يفسره سياق الكلام أي الحزازة التي حدثت في نفسه من قولهم: والظاهر من قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} خطابهم بهذا القول في الوجه فكأنه أسر كراهية مقالتهم ثم وبخهم بقوله: أنتم شر مكانا، وفيه إشارة إلى تكذيبهم ومعنى: {أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} يعني هو أعلم بما تصفون منكم لأنه عالم بحقائق الأمور وكيف كانت سرقة أخيه التي أحلتم سرقته عليه. {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ} الآية استعطفوا يوسف إذ كان قد أخذ عليهم الميثاق ومعنى كبيراً في السن أو القدر وكانوا قد اعلموا يوسف بأنه كان له ابن هلك وهذا شقيقه ليستأنس به وخاطبوه بالعزيز إذ كان في تلك الخطة بعزل قطفير وموته على ما سبق ومعنى مكانه أي بدله على جهة الاسترهان والاستبعاد وقوله: من المحسنين بما شاهدوه من إحسانه لهم ولغيرهم، أو من المحسنين إلينا في هذه اليد ان أسديتها إلينا. و{قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ} تقدم الكلام عليه في معاذ الله إنه ربي. {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً} استفعل هنا بمعنى المجرد يئس واستيأس بمعنى واحد نحو سخر واستسخر وعجب واستعجب ومعنى خلصوا نجياً انفردوا من غيرهم يناجي بعضهم بعضاً والنجي فعيل بمعنى فاعل كالخليط والعشير وبمعنى المصدر الذي هو التناجي كما قيل النجوى بمعنى التناجي وهو لفظ يوصف به من له نجوى واحداً كان أو جماعة مؤنثاً أو مذكراً. {قَالَ كَبِيرُهُمْ} في السن وهو روبيل ذكرهم الميثاق في قول يعقوب: لتأتنني به إلا أن يحاط بكم وما زائدة أي ومن قبل هذا فرطتم في يوسف ومن قبل متعلق بفرطتم وقد جوزوا في إعرابه وجوهاً أحدها أن تكون ما مصدرية أي ومن قبل تفريطكم قال الزمخشري: على أن محل المصدر الرفع على الابتداء وخبره الظرف وهو من قبل ومعناه ووقع من قبل تفريطكم في يوسف، وقال ابن عطية: ولا يجوز أن يكون قوله: من قبل متعلقاً بما فرطتم وإنما يكون ما على هذا مصدرية التقدير من قبل تفريطكم في يوسف واقع ومستقر وبهذا المقدر يتعلق قوله: من قبل، "انتهى". وهذا قول الزمخشري راجع إلى معنى واحد وهو أن ما فرطتم يقدر بمصدر مرفوع بالابتداء ومن قبل في موضع الخبر وذهلاً عن قاعدة عربية وحق لهما أن يذهلا وهو أن هذه الظروف التي هي غايات إذ أبنيت لا تقع أخباراً للمبتدأ جرت أو لم تجر. تقول يوم السبت مبارك والسفر بعده لا يجوز والسفر بعد وعمرو جاء وزيد خلفه ولا يجوز أن يقال وزيد خلف على ما ذكراه يكون تفريطكم مبتدأ ومن قبل خبر وهو مبني وذلك لا يجوز وهو مقرر في علم العربية ولهذا ذهب أبو علي إلى أن المصدر مرفوع بالابتداء وفي يوسف هو الخبر أي كائن أو مستقر في يوسف والظاهر أن في يوسف معمول لقوله: فرطتم لا انه في موضع خبر وأجاز الزمخشري وابن عطية أن تكون ما مصدرية والمصدر المسبوك في موضع نصب والتقدير الم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً ومن قبل تفريطكم في يوسف وقدره الزمخشري وتفريطكم من قبل في يوسف وهذا الذي ذهبا إليه ليس بجيد لأن فيه الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف الذي هو على حرف واحد وبين المعطوف فصار نظير ضربت زيداً وبسيف عمراً وقد زعم أبو علي الفارسي أنه لا يجوز ذلك إلا في ضرورة الشعر واما تقدير الزمخشري وتفريطكم من قبل في يوسف فلا يجوز لأن فيه تقديم معمول المصدر المنحل الحرف مصدري والفعل عليه وهو لا يجوز وأجاز ذلك أيضاً أن تكون موصولة بمعنى الذي قال الزمخشري: ومحله الرفع أو النصب على الوجهين "انتهى". يعني بالرفع أن يرتفع على الابتداء ومن قبل الخبر وقد ذكرنا أن ذلك لا يجوز ومعنى النصب أن يكون عطفاً على المصدر المنسبك من قوله: ان أباكم قد أخذ عليكم وفيه الفصل بين حرف العطف الذي هو الواو وبين المعطوف فأحسن هذه الوجه ما بدأنا به من كون ما زائدة وبرح التامة تكون بمعنى ذهب وبمعنى ظهر ومنه برح الخفاء أي ظهر وذهب لا ينتصب الظرف المكاني المختص بها إنما يصل إليه بوساطة في فاحتيج إلى اعتقاد تضمين برح معنى فارق وعني بالأرض أرض مصر التي فيها الواقعة ثم غيا ذلك بغايتين إحداهما خاصة وهي قوله: حتى يأذن لي أبي في الإِنصراف إليه والثانية عامة وهي قوله: أو يحكم الله لي لأن أذن أبيه له وهو من حكم الله تعالى في مفارقة أرض مصر وكأنه لما علق الأمر بالغاية الخاصة رجع إلى نفسه فأتى بغاية عامة تفويضاً لحكم الله ورجوعاً إلى من له الحكم حقيقة وقعوده التضييق على نفسه كأنه سجنها في القطر الذي أداه إلى سخط أبيه وفي الكلام حذف تقديره فرجعوا إلى أبيهم وأخبروه بالقصة وقول من قال: ارجعوا ثم استشهدوا بأهل القرية التي كانوا فيها وهي مصر قاله ابن عباس: وبل للإِضراب فيقتضي كلاماً محذوفاً قبلها حتى يصح الاضراب فيها وتقديره ليس الأمر حقيقة كما أخبر ثم بل سولت وتقدم شرح سولت وإعراب فصبر جميل ثم ترجى من الله تعالى أن يأتيه بهم وهم يوسف وبنيامين وكبيرهم على الخلاف الذي فيه وترجى يعقوب للرؤيا التي رآها يوسف وكان ينتظرها ولحسن ظنه بالله في كل حال ولما أخبر به عن ملك مصر أنه يدعو له برؤية ابنه ووصفه الله تعالى بهاتين الصفتين لائق بما يؤخره تعالى من لقاء بنيه وتسليم لحكم الله فيما جرى عليه والضمير في بهم عائد على يوسف وأخيه وعلى كبيرهم الذي امتنع أن يسير معهم إلى أبيهم وباقي الأخوة كانوا عند يعقوب صلى الله عليه وسلم. {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} الآية، وتولى عنهم أي أعرض عنهم كراهة لما جاؤا به وأنه ساء ظنه بهم ولم يصدق قولهم: وجعل يتفجع ويتأسف ونادى يعقوب الأسف على سبيل المجاز على معنى هذا زمانك فاحضر والظاهر أنه مضاف إلى ياء المتكلم قلبت الياء ألفاً كما قالوا في يا غلامي يا غلاماً وذكر يعقوب ما دهاه من أمر بنيامين والقائل فلن أبرح الأرض فقد ابنه يوسف فتأسف عليه وحده ولم يتأسف عليهما لأنه هو الذي لا يعلم أحي هو أم ميت بخلاف أخويه ولأنه كان أصل الرزايا عنده أو ترتبت عليه وكان أحب أولاده إليه وكان دائماً يذكره ولا ينساه وابيضاض عينيه من توالي العبرة عليهما فينقلب سواد العين إلى بياض كدر والظاهر أنه كان عمي لقوله تعالى: {أية : فَٱرْتَدَّ بَصِيراً}تفسير : [يوسف: 96]. وقال: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}تفسير : [فاطر: 19] فقابل البصير بالأعمى وعلل الابيضاض بالحزن وإنما هو من البكاء وهو ثمرة الحزن فعلل بالأصل الذي نشأ منه البكاء وهو الحزن والكظيم اما للمبالغة وهو الظاهر اللائق بحال يعقوب أي شديد الكظم كما قال: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} تفسير : [آل عمران: 134]، ولم يشك يعقوب إلى أحد وإنما كان يكتمه في نفسه ويمسك همه في صدره فكان يكظمه أي يرده إلى قلبه ولا يرسله بالشكوى والغضب والضجر واما أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول وهو لا ينقاس وقاله قوم كما قال تعالى: {أية : إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ}تفسير : [القلم: 48] وجواب القسم تفتؤ حذفت منه لا وحذفها جائز والمعنى لا تزال واسمها ضمير الخطاب وتذكر خبر تفتؤ وحتى للغاية بمعنى إلى أن فكأنهم قالوا له ذلك على جهة تفنيد الرأي أي لا تزال تذكر يوسف إلى حال القرب من الهلاك أو إلى أن تهلك فقال هو: {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ} أي لا أشكو إلى أحد منكم ولا غيركم. قال أبو عبيدة وغيره: البث أشد الحزن سمي بذلك لأنه من صعوبته لا يطيق حمله فيبثه أي ينشره. {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي أعلم من صفة الله ورحمته وحسن ظني به أنه يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب. {ٱذْهَبُواْ} أمر بالذهاب إلى أرض مصر التي جاؤا منها وتركوا بها اخويهم بنيامين والمقيم بها وأمرهم بالتحسس وهو الاستقصاء والطلب بالحواس ويستعمل في الخير والشر وقرىء: بالجيم والمعنى فتجسسوا شيئاً من أمر يوسف وأخيه وإنما خصهما لأن الذي أقام وقال: فلن أبرح الأرض إنما أقام مختاراً وروح الله رحمته وفرجه وتنفيسه. {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ} الآية في الكلام حذف تقديره فذهبوا من الشام إلى مصر فلما دخلوا عليه والضمير في عليه عائد على يوسف وكان آكد ما حدثوه فيه شكوى ما أصابهم من الجهد قبل ما وصاهم به من تحسيس نبأ يوسف وأخيه والضر الهزال من الشدة والجوع والبضاعة كانت زيوفاً قاله ابن عباس. ثم التمسوا منه إيفاء الكيل وقد استدل بهذا على أن الكيل على البائع ولا دليل فيه. {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} أي بالمسامحة والإِغماض عن رداءة البضاعة أو زدنا على حقنا فسموا ما هو فضل وزيادة لا تلزمه صدقة. {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم} الآية، نسبهم اما إلى جهل المعصية واما إلى جهل الشباب وقلة الحنكة وقيل أتاهم من جهة الدين وكان عليه السلام حليماً موفقاً فكلمهم مستفهماً عن معرفة وجه القبح الذي يجب أن يراعيه التائب فقال: هل علمتم أي قبح ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون لا تعلمون قبحه فلذلك أقدمتم عليه يعني هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه لأن علم القبيح يدعو إلى الاستقباح والاستقباح يجر التوبة فكان كلامه شفقة عليهم ونصحاً لهم في الدين وإيثار حق نفسه في ذلك المقام الذي يتنفس فيه المكروب وينفث المصدور ويشتفي المغيظ المحنق ويدرك ثأره الموتور. {قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ} الآية، لما خاطبهم بقوله: هل علمتم، أدركوا أنه لا يستفهم ملك لم ينشأ عندهم ولا تتبع أحوالهم وليس منهم فيما يظهر إلا وعنده علم منهم بحالهم فيقال انه كان يكلمهم من وراء حجاب فرفعه ووضع التاج وتبسم وكان يضيء ما حوله من نور تبسمه ورأوا لمعة بياض كالشامة في فرقة حين وضع التاج وكان مثلها لأبيه وجده وسارة فتوسموا أنه يوسف واستفهموه استفهام استخبار وقيل: استفهام تقرير لأنهم كانوا عرفوه بتلك العلامات التي سبق ذكرها ولما استفهموه أجابهم فقال: أنا يوسف كاشفاً لهم أمره وزادهم في الجواب قوله: وهذا أخي لأنه سبق قوله: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه وكان في ذكر أخيه بيان لما سألوا عنه وإن كان معلوماً عندهم وتوطئة لما ذكر بعد من قوله: {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ} أي بالاجتماع بعد الفرقة والأنس بعد الوحشة ثم ذكر أن سبب من الله تعالى هو بالتقوى والصبر والأحسن أن لا يخص التقوى بحالة وإلا الصبر وقرأ قنبل ويتقي فقيل هو مجزوم بحذف الياء التي هي لام الكلمة وقيل جزمه بحذف الحركة على لغة من يقول لم يرمِ زيد وقد حكوا ذلك لغة وقيل هو مرفوع ومن موصولة بمعنى الذي وعطف عليه مجزوم وهو يصبر وذلك على التوهم كأنه توهم أن من شرطية ويتقي مجزوم والمحسنين عام يندرج فيه من تقدم أو وضع موضع الضمير لاشتماله على المتقين والصابرين فكأنه قيل لا يضيع أجرك وآثرك الله فضلك بالملك أو بالصبر والعلم قالهما ابن عباس. {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ} الآية، التثريب التأنيب والعتب وعبر بعضهم عنه بالتعبير ومنه إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثرب عليها أي لا يعيرها وأصله من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ومعناه إزالة الثرب كما أن التجليد والتقريع إزالة لجلد فضرب مثلاً للتقريع الذي يمزق العرض ويذهب بهاء الوجه وتثريب اسم لا وعليكم الخبر واليوم منصوب بالعامل في الخبر أي لا تثريب مستقر عليكم اليوم قال الزمخشري: فإِن قلت بم تعلق اليوم قلت بالتثريب أو المقدر عليكم من معنى الاستقرار أو بيغفر والمعنى لا أثربكم اليوم وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره من الأيام ثم ابتدأ فقال: {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ} فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم يقال: غفر الله لك ويغفر الله لك على لفظ الماضي والمضارع جميعاً ومنه قول المشمت: يغفر الله لكم ويصلح بالكم أو اليوم يغفر الله لكم بشارة بعاجل الغفران لما تجدد يومئذٍ من توبتهم وندمهم على خطيئتهم "انتهى". أما قوله: ان اليوم متعلق بالتثريب فهذا لا يجوز لأن التثريب مصدر وقد فصل بينه وبين معموله بقوله: عليكم وعليكم اما أن يكون خبراً أو صفة لتثريب ولا يجوز الفصل بينهما لأن معمول المصدر من تمامه وأيضاً لو كان اليوم متعلقاً بتثريب لم يجز بناؤه وكان يكون من قبيل المشبه بالمضاف وهو الذي يسمى الممطول ويسمى المطول وكان يكون معرباً منوناً واما تقديره الثاني فتقدير حسن ولذلك وقف على قوله اليوم أكثر القراء وابتدؤا بيغفر الله لكم على جهة الدعاء وهو تأويل ابن إسحاق والطبري. واما تقديره الثالث وهو أن يكون اليوم متعلقاً بيغفر فقول وقد وقف بعض القراء على عليكم وابتدأ اليوم يغفر الله لكم ولما دعا لهم بالمغفرة أخبر عن الله تعالى بالصفة التي هي سبب الغفران وهو أنه تعالى أرحم الراحمين فهو يرجو منه قبول دعائه لهم بالمغفرة والباء في بقميص الظاهر أنها للحال أي مصحوبين أو ملتبسين به والظاهر أنه قميص من ملبوس يوسف عليه السلام بمنزلة قميص كل أحد، قال ابن عطية: وهكذا نبين الغرابة في أن وجد يعقوب ريحه من بعد ولو كان من قمص الجنة كما قيل ما كان في ذلك غرابة ولوجده كل أحد وقوله: فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً، يدل على أنه علم أنه عمي من الحزن اما باعلامهم واما بوحي من الله تعالى، وقوله: يأت بصيراً يظهر أنه بوحي من الله تعالى وأهلوه الذين أمر أن يؤتى بهم سبعون وقيل غير ذلك وفي واحد من هذا العدد حلوا بمصر ونموا حتى خرج من ذريتهم مع موسى ستمائة ألف مع قرب المدة عجب عظيم ومعنى يأت يأتيني وانتصب بصيراً على الحال ثم أمرهم بأمرين أحدهما الذهاب بقميصه إذ كان أسر إليه ارتداد بصر أبيه بإِلقاء قميصه على وجهه. والأمر الثاني إتيانهم بأهلهم جميعاً لتكمل مسرته بذلك. {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} الآية، يقال فصل من البلد يفصل فصولاً انفصل منه وجاوز حيطانه وهو لازم وفصل الشىء فصلاً فرق وهو متعد ومعنى فصلت العير انفصلت من عريش مصر قاصدة مكان يعقوب عليه السلام وكان قريباً. من بيت المقدس وهو الصحيح لأن آثارهم وقبورهم هناك إلى الآن وقرأ ابن عباس ولما انفصلت قال ابن عباس: وجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام هاجت ريح فحملت عرقه وقيل غير ذلك ومعنى لأجد لأشم فهو وجود حاسة الشم وقال الشاعر: شعر : واني لأستشفي بكل غمامة يهب بها من نحو أرضك ريح تفسير : ومعنى: {تُفَنِّدُونِ} قال ابن عباس تسفهون وتجهلون وقال منذر بن سعيد البلوطي: يقال شيخ مفند أي: قد فسد رأيه ولا يقال عجوز مفندة لأن المرأة لم يكن لها قط رأي أصيل فيدخله التفنيد ولولا هنا حرف امتناع لوجود وأن تفندون في موضع المبتدأ تقديره لولا تفنيدكم وجوبها محذوف قال الزمخشري: المعنى لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني "انتهى". وقد يقال تقديره لولا أن تفندون لأخبرتكم بكونه حياً لم يمت لأن وجدان ريحه دال على حياته والمخاطب بقوله: تفندون الظاهر أنه من تناسق الضمائر أنه عائد على من كان بقي عنده من أولاده غيره الذين راحوا يمتارون إذ كان أولاده جماعة وقيل المخاطب ولد ولده ومن كان بحضرته من قرابته والضلال هنا لا يراد به ضد الهدى والرشاد قال ابن عباس: المعنى إنك لفي خطاك وكان حزن يعقوب قد تجدد بقصة بنيامين.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 416 : 36 : 42 - سفين في قوله {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ} قال، في قضاء الملك، من سرق اتخذه عبداً. [الآية 76].