Verse. 1673 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

قَالُوْۗا اِنْ يَّسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ اَخٌ لَّہٗ مِنْ قَبْلُ۝۰ۚ فَاَسَرَّہَا يُوْسُفُ فِيْ نَفْسِہٖ وَلَمْ يُبْدِہَا لَہُمْ۝۰ۚ قَالَ اَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا۝۰ۚ وَاللہُ اَعْلَمُ بِمَا تَصِفُوْنَ۝۷۷
Qaloo in yasriq faqad saraqa akhun lahu min qablu faasarraha yoosufu fee nafsihi walam yubdiha lahum qala antum sharrun makanan waAllahu aAAlamu bima tasifoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل» أي يوسف وكان سرق لأبي أمه صنما من ذهب فكسره لئلا يعبده «فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها» يظهرها «لهم» والضمير للكلمة التي في قوله «قال» في نفسه «أنتم شر مكانا» من يوسف وأخيه لسرقتكم أخاكم من أبيكم وظلمكم له «والله أعلم» عالم «بما تصفون» تذكرون من أمره.

77

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه لما خرج الصواع من رحل أخي يوسف نكس إخوته رؤسهم وقالوا: هذه الواقعة عجيبة أن راحيل ولدت ولدين لصين، ثم قالوا: يا بني راحيل ما أكثر البلاء علينا منكم، فقال بنيامين ماأكثر البلاء علينا منكم ذهبتم بأخي وضيعتموه في المفازة، ثم تقولون لي هذا الكلام، قالوا له: فكيف خرج الصواع من رحلك، فقال: وضعه في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم. واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أنهم قالوا للملك: إن هذا الأمر ليس بغريب منه فإن أخاه الذي هلك كان أيضاً سارقاً، وكان غرضهم من هذا الكلام أنا لسنا على طريقته ولا على سيرته، وهو وأخوه مختصان بهذه الطريقة لأنهما من أم أخرى، واختلفوا في السرقة التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام على أقوال: الأول: قال سعيد بن جبير: كان جده أبو أمه كافراً يعبد الأوثان فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك، فهذا هو السرقة، والثاني: أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه ويدفعه إلى الفقراء، وقيل سرق عناقاً من أبيه ودفعه إلى المسكين وقيل دجاجة. والثالث: أن عمته كانت تحبه حباً شديداً فأرادت أن تمسكه عند نفسها، وكان قد بقي عندها منطقة لاسحق عليه السلام وكانوا يتبركون بها فشدتها على وسط يوسف ثم قالت بأنه سرقها وكان من حكمهم بأن من سرق يسترق، فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها. والرابع: أنهم كذبوا عليه وبهتوه وكانت قلوبهم مملوءة بالغضب على يوسف بعد تلك الوقائع، وبعد انقضاء تلك المدة الطويلة، وهذه الواقعة تدل على أن قلب الحاسد لا يطهر عن الغل ألبتة. ثم قال تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } واختلفوا في أن الضمير في قوله: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ } إلى أي شيء يعود على قولين قال الزجاج: فأسرها إضمار على شريطة التفسير، تفسيره أنتم شر مكاناً وإنما أنث لأن قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } جملة أو كلمة لأنهم يسمون الطائفة من الكلام كلمة كأنه قال: فأسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } وفي قراءة ابن مسعود {فَأَسْرِ } بالتذكير يريد القول أو الكلام وطعن أبو علي الفارسي في هذا الوجه فيما استدركه على الزجاج من وجهين: الوجه الأول: قال الإضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين: أحدهما: أن يفسر بمفرد كقولنا: نعم رجلاً زيد ففي نعم ضمير فاعلها، ورجلاً تفسير لذلك الفاعل المضمر والآخر أن يفسر بجملة وأصل هذا يقع في الابتداء كقوله: { أية : فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنبياء: 97] { أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الصمد: 1] والمعنى القصة شاخصة أبصار الذين كفروا والأمر الله أحد. ثم إن العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر تدخل عليه أيضاً نحو إن كقوله: { أية : إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } تفسير : [طه: 74] { أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [الحج: 46]. إذا عرفت هذا فنقول: نفس المضمر على شريطة التفسير في كلا القسمين متصل بالجملة التي حصل منها الإضمار، ولا يكون خارجاً عن تلك الجملة ولا مبايناً لها. وههنا التفسير منفصل عن الجملة التي حصل منها الإضمار فوجب أن لا يحسن. والثاني: أنه تعالى قال: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } وذلك يدل على أنه ذكر هذا الكلام، ولو قلنا: إنه عليه السلام أضمر هذا الكلام لكان قوله أنه قال ذلك كذباً. واعلم أن هذا الطعن ضعيف لوجوه: أما الأول: فلأنه لا يلزم من حسن القسمين الأولين قبح قسم ثالث. وأما الثاني: فلأنا نحمل ذلك على أنه عليه السلام قال ذلك على سبيل الخفية وبهذا التفسير يسقط هذا السؤال. والوجه الثاني: وهو أن الضمير في قوله: {فَأَسَرَّهَا } عائد إلى الإجابة كأنهم قالوا: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } فأسر يوسف إجابتهم في نفسه في ذلك الوقت ولم يبدها لهم في تلك الحالة إلى وقت ثان ويجوز أيضاً أن يكون إضماراً للمقالة. والمعنى: أسر يوسف مقالتهم، والمراد من المقالة متعلق تلك المقالة كما يراد بالخلق المخلوق وبالعلم المعلوم يعني أسر يوسف في نفسه كيفية تلك السرقة، ولم يبين لهم أنها كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والطعن. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عوقب يوسف عليه السلام ثلاث مرات لأجل همه بها، عوقب بالحبس وبقوله: {أية : ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } تفسير : [يوسف: 42] عوقب بالحبس الطويل وبقوله: { أية : إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } تفسير : [يوسف: 7] عوقب بقولهم: {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } ثم حكى تعالى عن يوسف أنه قال: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } أي أنتم شر منزلة عند الله تعالى لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم فأخذتم أخاكم وطرحتموه في الجب، ثم قلتم لأبيكم إن الذئب أكله وأنتم كاذبون، ثم بعتموه بعشرين درهماً، ثم بعد المدة الطويلة والزمان الممتد ما زال الحقد والغضب عن قلوبكم فرميتموه بالسرقة. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } يريد أن سرقة يوسف كانت رضا لله، وبالجملة فهذه الوجوه المذكورة في سرقته لا يوجب شيء منها عود الذم واللوم إليه، والمعنى: والله أعلم بأن هذا الذي وصفتموه به هل يوجب عود مذمة إليه أم لا.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} المعنى: أي ٱقتدى بأخيه، ولو ٱقتدى بنا ما سرق؛ وإنما قالوا ذلك ليبرؤوا من فعله، لأنه ليس من أمهم؛ وأنه إن سرق فقد جذبه عِرْق أخيه السّارق؛ لأن الاشتراك في الأنساب يشاكل في الأخلاق. وقد ٱختلفوا في السرقة التي نسبوا إلى يوسف؛ فروي عن مجاهد وغيره أن عمة يوسف بنت إسحق كانت أكبر من يعقوب، وكانت صارت إليها مِنْطقة إسحق لسنِّها؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالسنّ، وهذا مما نسِخ حكمه بشرعنا، وكان من سَرَق ٱستُعبِد. وكانت عمة يوسف حَضَنَتْه وأحبّته حبًّا شديداً؛ فلما ترعرع وشَبَّ قال لها يعقوب: سلّمي يوسف إليّ، فلست أقدر أن يغيب عني ساعة؛ فولعتْ به، وأشفقت من فراقه؛ فقالت له: دعه عندي أياماً أنظر إليه فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى مِنطَقة إسحق، فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدتُ مِنْطقة إسحق، فانظروا مَن أخذها ومَن أصابها؛ فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوا؛ فوجدت مع يوسف. فقالت: إنه والله لي سلم أصنع فيه ما شئت؛ ثم أتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذلك، إن كان فعل ذلك فهو سلم لك؛ فأمسكته حتى ماتت؛ فبذلك عيّره إخوته في قولهم: «إنْ يَسْرِقْ فقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ». ومن هاهنا تعلّم يوسف وضع السقاية في رَحْلِ أخيه كما عملت به عمته. وقال سعيد بن جُبير: إنما أمرته أن يسرِق صنماً كان لجدّه أبي أمه، فسرقه وكسره وألقاه على الطريق، وكان ذلك منهما تغييراً للمنكر؛ فرموه بالسرقة وعيّروه بها؛ وقاله قتادة. وفي كتاب الزجّاج: أنه كان صنم ذهب. وقال عطية العَوْفي: إنه كان مع إخوته على طعام فنظر إلى عرق فخبأه فعيّروه بذلك. وقيل: إنه كان يسرِق من طعام المائدة للمساكين؛ حكاه ٱبن عيسى. وقيل: إنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه؛ قاله الحسن. قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} أي أسرّ في نفسه قولهم: «إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ» قاله ابن شجرة وابن عيسى. وقيل: إنه أسرّ في نفسه قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} ثم جهر فقال: {وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ}. (قاله ابن عباس، أي أنتم شر مكاناً ممن نسبتموه إلى هذه السرقة. ومعنى قوله «والله أعلم بما تصفون») أي الله أعلم أنّ ما قلتم كذب، وإن كانت لله رضا. وقد قيل: إن إخوة يوسف في ذلك الوقت ما كانوا أنبياء. قوله تعالى: {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} خاطبوه باسم العزيز إذ كان في تلك اللحظة بعزل الأول أو موته. وقولهم: «إنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً» أي كبير القدر، ولم يريدوا كبر السنّ؛ لأن ذلك معروف من حال الشيخ. «فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ» أي عبداً بَدَلَه؛ وقد قيل: إن هذا مجاز؛ لأنهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر يسترق بدل من قد أحكمت السنة عندهم رقّه؛ وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله: ٱقتلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنت لا تريد أن يقتلك، ولكنك مبالغ في ٱستنزاله. ويحتمل أن يكون قولهم: «فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ» حقيقة؛ وبعيد عليهم وهم أنبياء أن يروا استرقاق حر، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة؛ أي خذ أحدنا مكانه حتى ينصرف إليك صاحبك؛ ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه؛ ويعرف يعقوب جليّة الأمر؛ فمنع يوسف عليه السلام من ذلك، إذِ الحمالة في الحدود ونحوها ـ بمعنى إحضار المضمون فقط ـ جائزة مع التراضي، غير لازمة إذا أَبَى الطالب؛ وأما الحمالة في مثل هذا على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة، فلا يجوز إجماعاً. وفي «الواضحة»: إن الحمالة في الوجه فقط في (جميع) الحدود جائزة، إلا في النفس. وجمهور الفقهاء على جواز الكفالة في النفس. وٱختلف فيها عن الشافعي؛ فمرّة ضعّفها، ومرّة أجازها. قوله تعالى: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوا من إحسانه في جميع أفعاله معهم، ويحتمل أن يريدوا: إنا نرى لك إحساناً علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا؛ وهذا تأويل ابن إسحق. قوله تعالى: {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ} مصدر. {أَن نَّأْخُذَ} في موضع نصب؛ أي من أن نأخذ. {إِلاَّ مَن وَجَدْنَا} في موضع نصب بـ «ـنأخذ». {مَتَاعَنَا عِندَهُ} أي معاذ الله أن نأخذ البريء بالمجرم، ونخالف ما تعاقدنا عليه. {إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ} أي أن نأخذ غيره.

البيضاوي

تفسير : {قَالُواْ إِن يَسْرِقْ } بنيامين. {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } يعنون يوسف. قيل ورثت عمته من أبيها منطقة إبراهيم عليه السلام وكانت تحضن يوسف وتحبه، فلما شب أراد يعقوب انتزاعه منها فشدت المنطقة على وسطه، ثم أظهرت ضياعها فتفحصُ عنها فوجدت محزومة عليه فصارت أحق به في حكمهم. وقيل كان لأبي أمه صنم فسرقه وكسره وألقاه في الجيف. وقيل كان في البيت عناق أو دجاجة فأعطاها السائل. وقيل دخل كنيسة وأخذ تمثالاً صغيراً من الذهب. {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } أكنها ولم يظهرها لهم، والضمير للإجابة أو المقالة أو نسبة السرقة إليه وقيل إنها كناية بشريطة التفسير يفسرها قوله: {قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } فإنه بدل من أسرها. والمعنى قال في نفسه أنتم شر مكاناً أي منزلة في السرقة لسرقتكم أخاكم، أو في سوء الصنيع مما كنتم عليه، وتأنيثها باعتبار الكلمة أو الجملة، وفيه نظر إذ المفسر بالجملة لا يكون إلا ضمير الشأن. {وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } وهو يعلم أن الأمر ليس كما تصفون.

ابن كثير

تفسير : وقال إخوة يوسف، لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} يتنصلون إلى العزيز من التشبه به، ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به: يوسف عليه السلام. قال سعيد بن جبير، عن قتادة: كان يوسف عليه السلام قد سرق صنماً لجده أبي أمه، فكسره، وقال محمد بن إسحاق: عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني: أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت عندها منطقة إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر، فكان من اختبأها ممن وليها، كان له سَلَماً لا ينازع فيه، يصنع فيه ما يشاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، وكان لها به وله، فلم تحب أحداً حبها إياه، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات، تاقت إليه نفس يعقوب عليه السلام، فأتاها، فقال: يا أخية سلمي إليّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة. قالت: فو الله ما أنا بتاركته، ثم قالت: فدعه عندي أياماً أنظر إليه، وأسكن عنه، لعل ذلك يسليني عنه، أو كما قالت، فلما خرج من عندها يعقوب، عمدت إلى منطقة إسحاق، فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق عليه السلام، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟ فالتمست، ثم قالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوهم، فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لَسَلَم، أصنع فيه ما شئت، فأتاه يعقوب، فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذاك، إن كان فعل ذلك، فهو سَلَم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}. وقوله: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ} يعني: الكلمة التي بعدها، وهي قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} أي: تذكرون، قال هذا في نفسه، ولم يبده لهم، وهذامن باب الإضمار قبل الذكر، وهو كثير، كقول الشاعر:شعر : جَزَى بَنُوه أبا الغَيْلانِ عَنْ كِبَرٍ وحُسْنٍ فِعْلٍ كَما يُجْزى سنمارُ تفسير : وله شواهد كثيرة في القرآن والحديث، واللغة في منثورها وأخبارها وأشعارها. قال العوفي عن ابن عباس {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ}، قال: أسر في نفسه: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } أي يوسف، وكان سرق لأبي أمّه صنماً من ذهب فكسره لئلا يعبده {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا } يظهرها {لَهُمْ } والضمير للكلمة التي في قوله {قَالَ } في نفسه {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } من يوسف وأخيه لسرقتكم أخاكم من أبيكم وظلمكم له {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ } عالم {بِمَا تَصِفُونَ } تذكرون في أمره.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قَالُواْ إِن يَسْرِقْ } أي بنيامين {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } يعنون يوسف. وقد اختلف المفسرون في هذه السرقة التي نسبوها إلى يوسف ما هي؟ فقيل: إنه كان ليوسف عمة هي أكبر من يعقوب، وكانت عندها منطقة إسحاق لكونها أسنّ أولاده وكانوا يتوارثونها فيأخذها الأكبر سناً، من ذكر أو أنثى، وكانت قد حضنت يوسف وأحبته حباً شديداً، فلما ترعرع قال لها يعقوب: سلِّمي يوسف إليّ فأشفقت من فراقه، واحتالت في بقائه لديها، فجعلت المنطقة تحت ثيابه وحزمته بها، ثم قالت: قد سرقت منطقة إسحاق فانظروا من سرقها، فبحثوا عنها فوجدوها مع يوسف فأخذته عندها كما هو شرع الأنبياء في ذلك الوقت من آل إبراهيم. وقد سبق بيان شريعتهم في السرقة، وقيل: إن يوسف أخذ صنماً كان لجدّه - أبي أمه - فكسره وألقاه على الطريق تغييراً للمنكر. وحكي عن الزجاج أنه كان صنماً من ذهب. وحكى الواحدي عن الزجاج أنه قال: الله أعلم، أسرق أخ له أم لا؟ وحكى القرطبي في تفسيره عن الزجاج أنه قال: كذبوا عليه فيما نسبوه إليه، قلت: وهذا أولى، فما هذه الكذبة بأوّل كذباتهم، وقد قدّمنا ما يدفع قول من قال: إنهم قد كانوا أنبياء عند صدور هذه الأمور منهم. قوله: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ } قال الزجاج وغيره: الضمير في أسرّها يعود إلى الكلمة أو الجملة، كأنه قيل: فأسرّ الجملة في نفسه {وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } ثم فسرها بقوله: {قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } وقد ردّ أبو عليّ الفارسي هذا فقال: إن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل. وقيل: الضمير عائد إلى الإجابة، أي: أسرّ يوسف إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر، وقيل: أسرّ في نفسه قولهم: {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}. وهذا هو الأولى، ويكون معنى {وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } أنه لم يبد لهم هذه المقالة التي أسرّها في نفسه بأن يذكر لهم صحتها، أو بطلانها، وجملة {قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } مفسرة على القول الأوّل، ومستأنفة على القولين الآخرين، كأنه قيل: فماذا قال يوسف لما قالوا هذه المقالة؟ أي: {أنتم شرّ مكانا} أي: موضعاً ومنزلاً ممن نسبتموه إلى السرقة وهو بريء، فإنكم قد فعلتم ما فعلتم من إلقاء يوسف إلى الجبّ، والكذب على أبيكم وغير ذلك من أفاعيلكم، ثم قال: {وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } من الباطل بنسبة السرقة إلى يوسف، وأنه لا حقيقة لذلك. ثم أرادوا أن يستعطفوه ليطلق له أخاهم بنيامين يكون معهم يرجعون به إلى أبيهم لما تقدّم من أخذه الميثاق عليهم بأن يردّوه إليه، فقالوا: {يأيها ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } أي: إن لبنيامين هذا أباً متصفاً بهذه الصفة، وهي كونه شيخاً كبيراً لا يستطيع فراقه ولا يصبر عنه، ولا يقدر على الوصول إليه {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } يبقى لديك، فإن له منزلة في قلب أبيه ليست لواحد منا فلا يتضرّر بفراق أحدنا كما لا يتضرّر بفراق بنيامين، ثم عللوا ذلك بقوله: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } إلى الناس كافة، وإلينا خاصة، فنعم إحسانك إلنيا بإجابتنا إلى هذا المطلب، فأجاب يوسف عليهم بقوله: {مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُ } أي: نعوذ بالله معاذاً، فهو مصدر منصوب بفعل محذوف، والمستعيذ بالله هو المعتصم به، وأن نأخذ منصوب بنزع الخافض، والأصل من أن نأخذ إلاّ من وجدنا متاعنا عنده، وهو بنيامين لأنه الذي وجد الصواع في رحله فقد حلّ لنا استعباده بفتواكم التي أفتيتموها بقولكم: {جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ }. {إِنَّـا إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ } أي: إنا إذا أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده لظالمون في دينكم وما تقتضيه فتواكم. {فَلَمَّا استيأسوا منه} أي: يئسوا من يوسف وإسعافهم منه إلى مطلبهم الذي طلبوه، والسين والتاء للمبالغة {خَلَصُواْ نَجِيّا } أي: انفردوا حال كونهم متناجين فيما بينهم، وهو مصدر يقع على الواحد والجمع كما في قوله: {أية : وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً }تفسير : [مريم: 52]. قال الزجاج: معناه انفردوا وليس معهم أخوهم متناجين فيما يعملون به في ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم {قَالَ كَبِيرُهُمْ }، قيل: هو "روبيل" لأنه الأسنّ، وقيل: "يهوذا" لأنه الأوفر عقلاً، وقيل: "شمعون" لأنه رئيسهم {أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ } أي: عهداً من الله في حفظ ابنه وردّه إليه، ومعنى كونه من الله أنه بإذنه {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ } معطوف على ما قبله. والتقدير: ألم تعلموا أن أباكم وتعلموا تفريطكم في يوسف، ذكر هذا النحاس وغيره، و{من قبل} متعلقة بـ {تعلموا} أي: وتعلموا تفريطكم في يوسف من قبل، على أن "ما" مصدرية، ويجوز أن تكون زائدة، وقيل: {ما فرّطتم} مرفوع المحل على الابتداء، وخبره {من قبل} وقيل: إن "ما" موصولة، أو موصوفة، وكلاهما في محل النصب أو الرفع، وما ذكرناه هو الأولى، ومعنى {فرطتم}: قصرتم في شأنه، ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ }. يقال: برح براحاً وبروحاً، أي زال، فإذا دخله النفي صار مثبتاً أي: لن أبرح من الأرض، بل ألزمها ولا أزال مقيماً فيها {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِى أَبِى } في مفارقتها والخروج منها، وإنما قال ذلك لأنه يستحي من أبيه أن يأتي إليه بغير ولده الذي أخذ عليهم الموثق بإرجاعه إليه إلاّ أن يحاط بهم كما تقدّم، {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى } بمفارقتها والخروج منها، وقيل: المعنى: أو يحكم الله لي بخلاص أخي من الأسر حتى يعود إلى أبي وأعود معه، وقيل: المعنى: أو يحكم الله لي بالنصر على من أخذ أخي فأحاربه وآخذ أخي منه، أو أعجز فأنصرف بعد ذلك {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ } لأن أحكامه لا تجري إلاّ على ما يوافق الحق، ويطابق الصواب. ثم قال كبيرهم مخاطباً لهم {ٱرْجِعُواْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ }: قرأ الجمهور {سرق} على البناء للفاعل، وذلك لأنهم قد شاهدوا استخراج الصواع من وعائه. وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو رزين على البناء للمفعول، وروى ذلك النحاس عن الكسائي. قال الزجاج: إنّ سرق يحتمل معنيين: أحدهما علم منه السرق، والآخر اتهم بالسرق {وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } من استخراج الصواع من وعائه، وقيل المعنى: ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترق إلا بما علمنا من شريعتك وشريعة آبائك {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ } حتى يتضح لنا هل الأمر على ما شاهدناه أو على خلافه؟ وقيل: المعنى ما كنا وقت أخذنا له منك ليخرجا معنا إلى مصر للغيب حافظين بأنه سيقع منه السرق الذي افتضحنا به. وقيل: الغيب هو الليل، ومرادهم أنه سرق وهم نيام، وقيل: مرادهم أنه فعل ذلك وهو غائب عنهم، فخفي عليهم فعله. {وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا } هذا من تمام قول كبيرهم لهم أي: قولوا لأبيكم: أسأل القرية التي كنا فيها أي: مصر، والمراد أهلها أي: أسأل أهل القرية؛ وقيل: هي قرية من قرى مصر نزلوا فيها وامتاروا منها. وقيل: المعنى: واسأل القرية نفسها وإن كانت جماداً فإنك نبيّ الله، والله سبحانه سينطقها فتجيبك. ومما يؤيد هذا أنه قال سيبويه: لا يجوز كلم هنداً وأنت تريد غلام هند {وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا } أي: وقولوا لأبيكم اسأل العير التي أقبلنا فيها أي: أصحابها وكانوا قوماً معروفين من جيران يعقوب {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } فيما قلنا. جاءوا بهذه الجملة مؤكدة هذا التأكيد، لأن ما قد تقدّم منهم مع أبيهم يعقوب يوجب كمال الريبة في خبرهم هذا عند السامع. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } قال: يعنون يوسف. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: سرق مكحلة لخالته، يعني: يوسف. وأخرج أبو الشيخ عن عطية قال: سرق في صباه ميلين من ذهب. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سرق يوسف صنماً لجدّه - أبى أمه - من ذهب وفضة فكسره وألقاه على الطريق فعيره بذلك إخوته»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير مثله غير مرفوع، وقد روى نحوه عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ } قال: أسرّ في نفسه قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ }. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق في قوله: {فلما استيأسوا منه} قال: أيسوا منه، ورأوا شدّته في أمره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {خَلَصُواْ نَجِيّا } قال: وحدهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {قَالَ كَبِيرُهُمْ } قال "شمعون" الذي تخلف، أكبرهم عقلاً، وأكبر منه في الميلاد "روبيل". وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة قال: كبيرهم هو "روبيل"، وهو الذي كان نهاهم عن قتله، وكان أكبر القوم. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى } قال: أقاتل بسيفي حتى أقتل. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن أبي صالح نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ } قال: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } قال: يعنون مصر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة مثله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{قالوا إن يسرق فقد سَرَق أخ له من قبلُ}يعنون يوسف. وفي هذا القول منهم وجهان: أحدهما: أنه عقوبة ليوسف أجراها الله تعالى على ألسنتهم، قاله عكرمة. والثاني: ليتبرأوا بذلك من فعله لأنه ليس من أمهم وأنه إن سرق فقد جذبه عِرق أخيه السارق لأن في الاشتراك في الأنساب تشاكلاً في الأخلاق. وفي السرقة التي نسبوا يوسف إليها خمسة أقاويل: أحدها: أنه سرق صنماً كان لجده إلى أمه من فضة وذهب، وكسره وألقاه في الطريق فعيّروه بذلك، قاله سعيد بن جبير وقتادة. الثاني: كان مع إخوته على طعام فنظر إلى عرق فخبأه، فعيّروه بذلك، قاله عطية العوفي. الثالث: أنه كان يسرق من طعام المائدة للمساكين، حكاه ابن عيسى. الرابع: أن عمته وكانت أكبر ولد إسحاق وإليها صارت منطقة إسحاق لأنها كانت في الكبير من ولده، وكانت تكفل يوسف، فلما أراد يعقوب أخذه منها جعلت المنطقة، واتهمته فأخذتها منه، فصارت في حكمهم أحق به، فكان ذلك منها لشدة ميلها وحبها له، قاله مجاهد. الخامس: أنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه، قاله الحسن. {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم}فيه وجهان: أحدهما: أنه أسر في نفسه قولهم {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} قاله ابن شجرة وعلي بن عيسى. الثاني: أسر في نفسه{أنتُمْ شَرٌّ مكاناً...} الآية، قاله ابن عباس وابن إسحاق. وفي قوله: {قال أنتم شر مكاناً}وجهان: أحدهما: أنتم شر منزلة عند الله ممن نسبتموه إلى هذه السرقة. الثاني: أنتم شر صنعاً لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم. وفي قوله تعالى: {والله أعلم بما تصفون}تأويلان: أحدهما: بما تقولون، قاله مجاهد. الثاني: بما تكذبون، قاله قتادة. وحكى بعض المفسرين أنهم لما دخلوا عليه دعا بالصواع فنقره ثم أدناه من أذنه ثم قال: إن صواعي هذا ليخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلاً وأنكم انطلقتم بأخٍ لكم فبِعْتموه، فلما سمعها بنيامين قام وسجد ليوسف وقال أيها الملك سلْ صواعك هذا عن أخي أحيّ هو أم هالك؟ فنقره، ثم قال: هو حي وسوف تراه. قال: فاصنع بي ما شئت، فإنه إن علم بي سينقذني. قال: فدخل يوسف فبكى ثم توضأ وخرج، فقال بنيامين: افقر صواعك ليخبرك بالذي سرقه فجعله في رحلي، فنقره، فقال: صواعي هذا غضبان وهو يقول: كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيت مع من كنت.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {قالوا} لإخوة يوسف، والأخ الذي أشاروا إليه هو يوسف، ونكروه تحقيراً للأمر، إذ كان مما لا علم للحاضرين به، ثم ألصقوه ببنيامين، إذ كان شقيقه، ويحتمل قولهم: {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} تأويلين. أحدهما: أنهم حققوا السرقة في جانب بنيامين ويوسف عليهما السلام، بحسب ظاهر الحكم، فكأنهم قالوا: إن كان قد سرق فغير بدع من ابني راحيل، لأن أخاه يوسف كان قد سرق. فهذا من الإخوة إنحاء على ابني راحيل: يوسف وبنيامين. والوجه الآخر الذي يحتمله لفظهم يتضمن أن السرقة في جانب يوسف وبنيامين - مظنونة - كأنهم قالوا: إن كان هذا الذي رمي به بنيامين حقاً في نفسه فالذي رمي به يوسف قبل حق إذاً، وكأن قصة يوسف والظن به قوي عندهم بما ظهر في جهة وبنيامين. وقال بعض المفسرين: التقدير: فقد قيل عن يوسف إنه سرق، ونحو هذا من الأقوال التي لا ينطبق معناها على لفظ الآية. وهذه الأقوال منهم عليهم السلام إنما كانت بحسب الظاهر وموجب الحكم في النازلتين، فلم يقعوا في غيبة ليوسف، وإنما قصدوا الإخبار بأمر جرى ليزول بعض المعرة عنهم، ويختص بها هذان الشقيقان. وأما ما روي في سرقة يوسف فثلاثة وجوه: الجمهور منها على أن عمته كانت ربته، فلما شب أراد يعقوب أخذه منها، فولعت به وأشفقت من فراقه، فأخذت منطقة إسحاق - وكانت متوارثة عندهم - فنطقته بها من تحت ثيابه، ثم صاحت وقالت: إني قد فقدت المنطقة ويوسف قد خرج بها، ففتشت فوجدت عنده، فاسترقَّته - حسبما كان في شرعهم - وبقي عندها حتى ماتت فصار عند أبيه. وقال إدريس عن أبيه: إنما أكل بنو يعقوب طعاماً فأخذ يوسف عرقاً فخبأه فرموه لذلك بالسرقة، وقال سعيد بن جبير وقتادة: إنما أمرته أمه أن يسرق صنماً لأبيها، فسرقه وكسره، وكان ذلك - منها ومنه - تغييراً للمنكر، فرموه لذلك بالسرقة، وفي كتاب الزجاج: أنه كان صنم ذهب. والضمير في قوله: {فأسرها} عائد يراد به الحزة التي حدثت في نفس يعقوب من قولهم، والكلام يتضمنها، وهذا كما تضمن الكلام الضمير الذي في قول حاتم: شعر : لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر تفسير : وهذا كقوله تعالى: {أية : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} تفسير : [النحل: 110] فهي مراد بها الحالة المتحصلة من هذه الأفعال. وقال قوم: أسر المجازاة، وقال قوم: أسر الحجة. وما قدمناه أليق. وقرأ ابن أبي عبلة: "فأسره يوسف" بضمير تذكير. وقوله: {أنتم شر مكاناً} الآية، الظاهر منه أنه قالها إفصاحاً فكأنه أسر لهم كراهية مقالتهم ثم تجهمهم بقوله: {أنتم شر مكاناً} أي لسوء أفعالكم، والله يعلم إن كان ما وصفتموه حقاً، وفي اللفظ إشارة إلى تكذيبهم، ومما يقوي هذا عندي أنهم تركوا الشفاعة بأنفسهم وعدلوا إلى الشفاعة بالشيخ صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة - وهو ظاهر كلام ابن عباس - لم يقل يوسف هذا الكلام إلا في نفسه - وإنما هو تفسير للذي أسر في نفسه، أي هذه المقالة هي التي أسر، فكأن المراد في نفسه: أنتم... وذكر الطبري هنا قصصاً اختصاره: أنه لما استخرجت السقاية من رحل بنيامين قال إخوته: يا بني راحيل ألا يزال البلاء ينالنا من جهتكم؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل ينالهم البلاء منكم: ذهبتم بأخي فأهلكتموه، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم. فقالوا: لا تذكر الدراهم لئلا نؤخذ بها. ثم دخلوا على يوسف فأخذ الصواع فنقره فطن، فقال: إنه يخبر أنكم ذهبتم بأخ لكم فبعتموه، فسجد بنيامين وقال: أيها العزيز سل صواعك هذا يخبرك بالحق. قال القاضي أبو محمد: ونحو هذا من القصص الذي آثرنا اختصاره. وروي أن روبيل غضب ووقف شعره حتى خرج من ثيابه، فأمر بنياً له، فمسه، فسكن غضبه، فقال روبيل: لقد مسني أحد من ولد يعقوب، ثم إنهم تشاوروا في محاربة يوسف - وكانوا أهل قوة لا يدانون في ذلك - فلما أحس يوسف بذلك قام إلى روبيل فلببه وصرعه، فرأوا من قوته ما استعظموه عند ذلك وقالوا: {أية : يا أيها العزيز...} تفسير : [يوسف: 88].

ابن عبد السلام

تفسير : {سَرَقَ أَخٌ لَّهُ} كلمة أجراها الله على ألسنتهم عقوبة ليوسف، أو أرادوا أنه جذبه عرق أخيه يوسف في السرقة لأنه كان من أبويه، والاشتراك في النسب يوجب الاشتراك في الأخلاق، وكان يوسف سرق صنماً لجده أبي أمه فكسره وألقاه في الطريق. أو كان مع إخوته على طعام فأخذ عرقاً فخبأه فعيّروه بذلك، أو كان يسرق من طعام المائدة للمساكين، أو كذبوا عليه في ذلك، أو كانت منطقة إسحاق للكبير من ولده وكانت عند عمة يوسف لأنها الكبرى فلما أراد يعقوب أخذ يوسف من كفالتها جعلت المنطقة في ثوبه ثم أظهرت ضياعها واتهمته بها فصارت في حكمهم أحق به، وفعلت ذلك لشدة ميلها إليه. {فَأَسَرَّهَا} قولهم: {إِن يَسْرِقْ}، أو قوله: {أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} "ع" {شَرٌّ مَّكَاناً} بظلم أخيكم. وعقوق أبيكم، أو شر منزلة عند الله ممن نسبتموه إلى هذه السرقة. {تَصِفُونَ} تقولون، أو تكذبون.

النسفي

تفسير : {قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَه مِن قَبْلُ } أرادوا يوسف. قيل: دخل كنيسة فأخذ تمثالاً صغيراً من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه. وقيل: كان في المنزل دجاجة فأعطاها السائل. وقيل: كانت منطقة لإبراهيم عليه السلام يتوارثها أكابر ولده فورثها إسحاق، ثم وقعت إلى ابنته ــ وكانت أكبر أولاده ــ فحضنت يوسف وهي عمته بعد وفاة أمه وكانت لا تصبر، عنه فلما شب أراد يعقوب أن ينزعه منها فعمدت إلى المنطقة فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وقالت: فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها. فوجدوها محزومة على يوسف فقالت: إنه لي سَلَم أفعل به ما شئت فخلاه يعقوب عندها حتى ماتت. وروي أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء وأقبلوا عليه وقالوا له: فضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل، ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذ هذا الصاع. فقال بنو راحيل الذين لا يزال منكم عليهم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم {فَأَسَرَّهَا } أي مقالتهم إنه سرق كأنه لم يسمعها {يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } تمييز أي أنتم شر منزلة في السرق لأنكم سرقتم أخاكم يوسف من أبيه {وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } تقولون أو تكذبون. {قَالُواْ يا أَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } في السن وفي القدر {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } أبدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد فإن أباه يتسلى به عن أخيه المفقود {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } إِلينا فأتمم إحسانك أو من عادتك الإحسان فاجر على عادتك ولا تغيرها .

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {قالوا} يعني إخوة يوسف {إن يسرق} يعني بنيامين الصواع {فقد سرق أخ له من قبل} يعني يوسف ظاهر الآية يقتضي أن إخوة يوسف قالوا للملك إن هذا الأمر ليس بغريب منه فإن أخاه الذي هلك كان سارقاً أيضاً وكان غرضهم من هذا الكلام أنّ لسنا على طريقته ولا على سيرته بل هذا وأخوه كان على هذه الطريقة وهذه السيرة لأنهما من أم أخرى غير أمنا. واختلفوا في السرقة التي ينسبوها إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فقال سعيد بن جبير وقتادة: وكان لجده أبي أمه صنم وكان يعبده فأخذه يوسف وكسره وألقاه في الطريق لئلا يعبده، وقال مجاهد: إن يوسف جاءه سائل يوماً فأخذ بيضة من البيت فناولها له، وقال سفيان بن عيينة أخذ دجاجة من الطير الذي كان في بيت يعقوب فأعطاها سائلاً، وقال وهب: كان يخبئ الطعام من المائدة للفقراء. وذكر محمد بن إسحاق: إن يوسف كان عند عمته ابنة إسحاق بعد موت أمه راحيل فحضنته عمته وأحبته حباً شديداً فلما ترعرع وكبر وقعت محبة يعقوب عليه فأحبه فقال لأخته يا أختاه سلمي إلي يوسف فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة واحدة فقالت لا أعطيكه فقال لها والله ما أنا بتاركه عندك فقالت دعه عندي أياماً أنظر إليه لعل ذلك يسليني عنه ففعل ذلك فعمدت إلى منطقة كانت لإسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر وكانت أكبر أولاد إسحاق فكانت عندها فشدت المنطقة على وسط يوسف تحت ثيابه وهو صغير لا يشعر ثم قالت لقد فقدت منطقة إسحاق ففتشوا أهل البيت فوجودها مع يوسف فقالت إنه لسلم لي يعني يوسف فقال يعقوب إن كان قد فعل فهو سلم لك فأمسكته عندها حتى ماتت فلذلك قال إخوة يوسف إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل يعنون هذه السرقة قال الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها ما يوجب السرقة ولكنها تشبه السرقة فعيروه بها عند الغضب {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} في هاء الكناية ثلاثة أقوال: أحدها: أن الضمير يرجع إلى الكلمة التي بعدها وهي قوله تعالى {قال} يعني يوسف {أنتم شر مكاناً} روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس والثاني أن الضمير يرجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه وهي قولهم فقد سرق أخ له من قبل وهذا معنى قول أبي صالح عن ابن عباس، فعلى هذا القول يكون المعنى فأسر يوسف جواب الكلمة التي قالوها في حقه ولم يجبهم عليها والثالث أن الضمير يرجع إلى الحجة فيكون المعنى على هذا القول فأسر يوسف الاحتجاج عليهم في ادعائهم عليه السرقة ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكاناً يعني منزلة عند الله ممن رميتموه بالسرقة لأنه لم يكن من يوسف سرقة في الحقيقة وخيانتكم حقيقة {والله أعلم بما تصفون} يعني بحقيقة ما تقولون. قوله عز وجل: {قالوا} يعني إخوة يوسف {يا أيها العزيز} يخاطبون بذلك الملك {إن له أباً شيخاً كبيراً} قال أصحاب الأخبار والسير إن يوسف عليه الصلاة والسلام لما استخرج الصواع من رحل أخيه بنيامين نقره وأدناه إلى أذنه ثم قال إن صواعي هذا يخبرني أنكم اثنا عشر رجلاً لأب واحد وإنكم انطلقتم بأخ لكم من أبيكم فبعتموه قال بنيامين أيها الملك سل صواعك هذا من جعله في رحلي فنقره ثم قال إن صواعي غضبان وهو يقول كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيت مع من كنت قالوا فغضب روبيل لذلك وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء وكان إذا صاح ألقت كل حامل حملها إذا سمعت صوته وكان من هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب يسكن غضبه وكان أقوى الإخوة وأشدهم، وقيل: كانت هذه صفة شمعون بن يعقوب، وقيل: إنه قال لإخوته كم عدد الأسواق بمصر قالوا عشرة قال اكفوني أنتم الأسواق وأنا أكفيكم الملك أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق فدخلوا على يوسف فقال روبيل أيها الملك لتردن علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا يبقى بمصر امرأة حامل إلا وضعت ولدها وقامت كل شعرة في جسد روبيل حتى خرجت من ثيابه فقال يوسف لابن له صغير قم إلى جنب هذا فمسه أو خذ بيده فأتى له فلما مسه سكن غضبه فقال لإخوته: من مسني منكم قالوا لم يصبك منا أحد فقال روبيل إن هذا بذر من بذر يعقوب وقيل إنه غضب ثانياً فقام إليه يوسف فوكزه برجله وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض وقال أنتم يا معشر العبرانيين تزعمون أن لا أحد أشد منكم فلما رأوا ما نزل بهم ورأوا أن لا سبيل إلى تخليصه خضفوا وذلوا وقالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً يعني في السن ويحتمل أن يكون كبيراً في القدر لأنه نبي من أولاد الأنبياء {فخذ أحدنا مكانه} يعني بدلاً عنه لأنه يحبه ويتسلى به عن أخيه الهالك {إنا نراك من المحسنين} يعني في أفعالك كلها وقيل من المحسنين إلينا في توفية الكيل وحسن الضيافة ورد البضاعة إلينا وقيل إن رددت بنيامين إلينا وأخذت أحدنا مكانه كنت من المحسنين.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قَالُواْ إِن يَسْرِقْ }: أي قالوا إِخوةُ يوسُفَ: إِن كان هذا قَدْ سَرَقَ، فغير بِدْعٍ من ٱبْنَيْ رَاحِيلَ؛ لأَن أخاه يوسُفَ قد كان سَرَقَ، فهذا من الإِخوة إِنحاءٌ على ٱبْنَيْ رَاحِيلَ يُوسُفَ وَيَامِينَ، وهذه الأقوال منهم عليهم السلام إِنما كَانَتْ بحسب الظاهِرِ، ومُوجِبِ الحُكْم في النازلتين، فلم يَعْنُوا في غِيبَةٍ ليُوسُفَ، وإِنما قصدوا الإِخبار بأمر جَرَى؛ ليزولَ بعضُ المَعرَّة عنهم، ويختصَّ بها هذان الشقيقَان، وأما ما رُوِيَ في سَرِقَةِ يوسُفَ، فالجمهورُ عَلَى أنَّ عمَّته كانَتْ رَبَّتْهُ، فلما شَبَّ، أَراد يعقوبُ أخْذَهُ منها، فَوَلِعَتْ به، وأشفقَتْ من فِرَاقِهِ، فأخَذَتْ مِنْطَقَةَ إِسحاق، وكانت متوارثةً عندهم، فنطَّقته بها مِنْ تَحْتِ ثيابه، ثم صاحَتْ، وقالتْ: إِني قَد فَقَدتُّ المِنْطَقَةَ، ويوسُفُ قد خَرَجَ بها، ففتَّشَتْ، فَوُجِدَتْ عنده، فٱسترقَّته، حَسَبَ ما كان في شَرْعِهم، وبقي عنْدَها حَتَّى ماتَتْ، فصار عِنْدَ أبيه. وقوله: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ }: يعني: أسرَّ الحزَّة التي حَدَثَتْ في نفسه من قول الإِخوة. وقوله: {أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً...} الآية: الظاهر منه أنه قالها إِفصاحاً؛ كأنه أسَرَّ لهم كراهيةَ مقالتهم، ثم نجَهَهُمْ بقوله: {أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً}: أي: لسوءِ أفعالكم، واللَّه أعلم؛ أنْ كان ما وصفتموه حقًّا، وفي اللفظ إِشارةٌ إِلى تكذيبهم؛ وممَّا يُقَوِّي هذا عِنْدِي أنهم تركُوا الشَّفاعة بأنفسهم، وعدَلُوا إِلى الشفاعة بأبيهم عليه السلام، وقالتْ فرقة: لم يقُلْ هذا الكلامَ إِلا في نَفْسه، وإِنه تفسيرٌ للذي أسَرَّ في نفسه، فكأَنَّ المراد: قال في نَفْسِهِ: أنتم شرُّ مكاناً، وذكر الطبريُّ هنا قصصاً ٱختصارُهُ أنَّه لما ٱستخْرِجَتِ السقايةُ مِنْ رَحْلِ يامين، قال إخوته: يا بَنِي رَاحِيلَ، لاَ يَزَالُ البلاءُ يَنَالُنَا مِنْ جِهَتِكُمْ، فقال يَامِينُ: بل بَنُو رَاحِيلَ ينالُهُمُ البلاءُ منكم، ذهبتم بأخِي، فَأَهْلَكْتُمُوهُ، ووضع هذا الصُّواعَ في رَحْلِي الذي وَضَعَ الدراهمَ في رحالِكُمْ، فقالوا: لا تَذْكُر الدراهم، لَئَلاَّ نؤْخَذَ بها، ثم دَخَلُوا على يوسُفَ، فأخذ الصُّواع، فَنَقَرَهُ، فَطَنَّ، فقال: إِنه يخبر أنَّكم ذهبتم بأخٍ لكم، فَبِعْتُمُوهُ، فَسَجَدَ يامين، وقال: أيها العزيزُ، سَلْ صُوَاعَكَ هذا يُخْبِرُكَ بالحقِّ، في قصص يَطولُ آثرنا ٱختصارَهُ. وروي أن رُوبِيلَ غَضِبَ، وقَفَّ شَعْرَه، حتى خرج من ثيابِهِ، فأمر يوسُفُ بنيًّا له، فمسَّه فسكَنَ غضبه، فقال رُوبيلُ: لقد مسَّني أحدٌ من ولد يعقُوبَ، ثم إِنهم تشاوَرُوا في محارَبَةِ يُوسُفَ، وكانوا أَهْلَ قُوَّةٍ، لا يُدَانَوْنَ في ذلك، فلما أحَسَّ يوسُفُ بذلك، قام إِلى رُوبِيلَ، فلبَّبه وصَرَعَهُ، فرأَوا مِنْ قُوَّته ما ٱستعظَمُوه، وقالوا: {يَٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ...} الآية، وخاطبوه بٱسْمِ العزيز، إِذ كان في تِلْكَ الخُطَّةَ بعَزْلِ الأول أو موته، على ما رُوِيَ في ذلك، وقولهم: {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} يحتمل أنْ يكونَ ذلك منْهم مجازاً، ويحتمل أنْ يكون حقيقةً علَى طريقِ الحَمَالَةِ؛ حتى يَصِلَ يَامِينُ إِلى أَبيه، ويعرف يعقوبُ جليَّة الأمر، فمَنَع يوسُفُ من ذلك، وقال: {مَعَاذَ ٱللَّهِ...} الآية.

البقاعي

تفسير : ولما تم ذلك، كان كأنه قيل: إن انتزاع أخيهم منهم - بعد تلك المواثيق التي أكدوها لأبيهم - لداهية تطيش لها الحلوم، فماذا كان فعلهم عندها؟ فقيل: {قالوا} تسلية لأنفسهم ودفعاً للعار عن خاصتهم {إن يسرق} فلم يجزموا بسرقته، لعلمهم بأمانته، وظنهم هذا الصواع دس في رحله وهو لا يشعر، كما دست بضاعتهم في رحالهم وإنما أوهى ظنهم هذا سكوت أخيهم عن الاعتذار به، على أنه قد ورد أنهم لاموه فقال لهم: وضعه في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالهم { فقد سرق أخ} أي شقيق {له} ولما كان ما ظنوه كذلك في زمن يسير، أدخلوا الجار فقالوا: {من قبل} يعنون يوسف عليه الصلاة والسلام، وذلك أنه قيل: إن عمته كانت لا تصبر عنه، وكان أبوه لا يسمح بمكثه عندها، لأنه لا يصبرعنه، فحزمته من تحت ثيابه بمنطقة أبيها إسحاق عليه السلام وكانت عندها، ثم قالت: فقدت منطقة أبي، فاكشفوا أهل البيت، فوجدوها مع يوسف عليه الصلاة والسلام، فسمح يعقوب عليه الصلاة والسلام حينئذ لها ببقائه عندها {فأسرها} أي إجابتهم عن هذه القولة القبيحة {يوسف في نفسه} على تمكنه مما يريد بهم من الانتقام. ولما كان ربما ظن ظان أنه بكتهم بها بعد ذلك، نفى هذا الظن بقوله تعالى: {ولم يبدها} أي أصلاً {لهم} فكأنه قيل: فما قولته التي أسرها في نفسه؟ فقيل: {قال أنتم شر مكاناً} أي من يوسف وأخيه، لأن ما نسب إليهما من الشر إنما هو ظاهراً لأمر خير اقتضاه، وأما أنتم ففعلتكم بيوسف شر مقصود منكم ظاهراً وباطناً، ونسبة الشر إلى مكانهم أعظم من نسبته إليهم، وإنما قدم الإخبار بالإسرار مع اقترانه بالإضمار قبل الذكر، لئلا يظن بادىء بدء أنهم سمعوا ما وصفهم به من الشر {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {أعلم بما تصفون *} منكم، وأنه ليس كما قلتم؛ والوصف: كلمة مشتقة من أصل من الأصول لتجري على مذكور فتفرق بينه وبين غيره بطريق النقيض كالفرق بين العالم والجاهل ونحوهما، فكأنه قيل: إن ذلك القول على فحشه ليس مغنياً عنهم ولا عن أبيهم شيئاً، فهل اقتصروا عليه؟ فقيل: لا، بل {قالوا} التماساً لما يغنيهم: {ياأيها العزيز} فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم {إن له} أي هذا الذي وجد الصواع في رحله {أباً شيخاً كبيراً} أي في سنه وقدره وهو مغرم به، لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه {فخذ أحدنا مكانه} وأحسن إلى أبيه بإرساله إليه {إنا نراك} أي نعلمك علماً هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه {من المحسنين *} أي العريقين في صفة الإحسان، فأجر في أمرنا على عادة إحسانك، فكأنه قيل: فما أجابهم؟ قيل: {قال معاذ الله} أي نعوذ بالذي لا مثل معاذاً عظيماً {أن نأخذ} أي لأجل هذا الأمر {إلا من} أي الشخص الذي {وجدنا متاعنا عنده} ولم يقل: سرق متاعنا، لأنه - كما أنه لم يفعل في الصواع فعل السارق - لم يقع منه قبل ذلك ما يصحح إطلاق الوصف عليه؛ علل ذلك بقوله: {إنا إذاً} أي إذا أخذنا أحداً مكانه {لظالمون *} أي عريقون في الظلم في دينكم، فلم تطلبون ما هو ظلم عندكم. ذكر ما بعد ما سلف من هذه القصة من التوراة قال: وكان القهم - وفي نسخة: الجوع - والإرجاف على جميع وجه الأرض، ففتح يوسف الأهراء، وأقبل يبيع المصريين، واشتد الجوع بأرض مصر، وأقبل جميع أهل الأرض يأتون للامتيار من يوسف. فبلغ يعقوب عليه الصلاة والسلام أن بمصر طعام ميرة، فقال يعقوب عليه السلام لبنيه: لا خوف عليكم، لأنه قد بلغني أن بمصر ميرة فاهبطوا إلى هناك، فامتاروا لنا فنحيى ولا نموت. فهبط بنو يعقوب عليه الصلاة والسلام العشرة ليمتاروا ميرة من مصر، فأما بنيامين أخو يوسف فلم يرسله يعقوب مع إخوته، لأنه قال: لعله أن يعرض له عارض، فأتى بنو إسرائيل ليمتاروا مع الذين كانوا ينطلقون، لأن الجوع اشتد في أرض كنعان، وكان يوسف هو المسلط على الأرض، وكان يميز جميع شعب الأرض، فأتى إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام فخروا له سجداً على الأرض، فرأى يوسف إخوته فأثبتهم وتناكر عليهم وكلمهم بفظاظة وقساوة، وقال لهم: من أين أنتم؟ فقالوا: أتينا من أرض كنعان لنمتار ميرة، فذكر يوسف عليه الصلاة والسلام الرؤيا التي قصها عليهم وقال لهم: إنكم جواسيس، وإنما أتيتم لتفحصوا وتطلعوا الأرض. فقالوا: كلا يا سيدنا! إن عبيدك إنما أتوا ليمتاروا، نحن أجمعون بنو رجل واحد، ونحن أبرياء، وليس عبيدك بطلائع، فقال لهم يوسف: ليس الأمر كما تقولون، بل إنما أتيتم لتجسسوا أرضنا. فقالوا له: نحن اثنا عشر رجلاً إخوة عبيدك بنو رجل واحد بأرض كنعان، والآخر هو عند أبينا يومنا هذا، والآخر فقدناه، فقال لهم يوسف: إني إنما قلت لكم: إنكم جواسيس، من أجل هذا بهذه تمتحنون، وحق فرعون! لا أخرجنكم من هاهنا حتى يأتي أخوكم الأصغر إلى هاهنا. فنفحص عن أقاويلكم إن كنتم نطقتم بالحق والقسط، وإلا وحق فرعون! إنكم طلائع، فقذفهم في الحبس ثلاثة أيام، ودعا بهم يوسف عليه الصلاة والسلام في اليوم الثالث، وقال لهم: افعلوا ما آمركم به فتحيوا، فإني أراقب الله فيكم، إن كنتم أبرياء فليحبس أحدكم في محبسكم وانطلقوا أنتم بالميرة للجوع الذي في بيوتكم، فأتوني بأخيكم الأصغر فأصدق قولكم ولا تموتوا، ففعلوا كما أمرهم، فقال كل امرىء منهم لصاحبه: حقاً إنا قد استوجبنا السجن على أخينا إذ رأينا كرب نفسه إذا كان يتضرع إلينا فلم نرحمه ولم نتراءف عليه، فمن أجل ذلك نزلت بنا هذه البلية والشر، فأجاب روبيل وقال لهم: ألم أقل لكم: لا تأثموا بالغلام، فلم تقبلوا، وهو ذا الآن نحن مطالبون بدمه. ولم يعلموا أن يوسف يفهم كلامهم، لأنه أوقف ترجماناً بينه وبينهم، فتنحى عنهم فبكى، ثم رجع إليهم يكلمهم، ثم أخذ منهم شمعون فأوثقه تجاههم. وأمر يوسف بملء أوعيتهم ميرة، وأمر برد ورق كل امرىء منهم في وعائه، وأن يزودوا زاداً للطريق، ففعل ذلك بهم كما أمر يوسف عليه السلام، فحملوا ميرتهم على حميرهم وانطلقوا، ففتح بعضهم وعاءه ليلقي قضيماً لحماره في مبيتهم. فرأى ورقه موضوعاً على طرف حمولته. فقال لإخوته: ورقي رد إليّ وهو ذا على طرف حمولتي، فارتجفت قلوبهم وفزعت نفوسهم، وتعجب كل امرىء منهم، فقالوا: يا ليت شعري ما هذا الذي صنعه الله بنا! فأتوا يعقوب أباهم إلى أرض كنعان، فأخبروه بجميع ما عرض لهم وقالوا: إن الرجل سيد الأرض كلمنا بفظاظة وقساوة. وحسبنا بمنزلة الجواسيس أتينا لنطالع الأرض، فقلنا: إنا أبرياء عدول، فلسنا بطلائع، فنحن اثنا عشر أخاً بنو أب واحد، فقد واحد منا والآخر عند أبينا يومنا هذا بأرض كنعان، فقال لنا الرجل سيد الأرض ورئيسها: بهذا أعلم بأنكم أبرار عدول، خلفوا عندي أحد إخوتكم، واحملوا ميرة للجوع الذي في بيوتكم. وانصرفوا فأتوني بأخيكم الأصغر معكم، فأعلم حينئذ أنكم لستم بطلائع، بل أنتم أبرياء عدول، وآمر بدفع أخيكم إليكم، وتتجرون في الأرض، فبينما هم يفرغون أوعيتهم فإذا هم بصرة كل امرىء منهم على طرف وعائه فرأوا ورقهم مصروراً ففزعوا هم وأبوهم. فقال لهم أبوهم: إنكم قد أثكلتموني ولدي وأفقدتموني إياهما، لأن يوسف فقدته. وشمعان محبوس، وتنطلقون ببنيامين أيضاً وقد كملت علي المصائب كلها، فقال روبيل لأبيه: ثكلتُ ابني جميعاً إن لم آتك به! ادفعه إليّ وأنا أرده إليك، فقال: لا يهبط ابني معكم، لأن أخاه يوسف توفي وهو وحده الباقي لأمه، فتعرض له آفة في الطريق الذي تسلكونه فتنزلون شيبتي إلى الجدث بالشقاء والشحب. فاشتد الجوع على الأرض، فلما أكلوا الذي أتوا به من مصر وأفنوه قال لهم يعقوب أبوهم عليه السلام: اهبطوا فامتاروا لنا شيئاً من قمح، فقال له يهوذا: إن الرجل أنذرنا وتقدم إلينا وقال: لا تعاينوا وجهي إلا وأخوكم معكم، فإن أنت أرسلت أخانا معنا فإنا نهبط فنمتار، وإن لم تبعثه لم ننطلق، فقال لهم أبوهم: ولم أسأتم إلي فأخبرتم الرجل أن لكم أخاً؟ فقالوا: الرجل سأل عنا وعن رهطنا وقال: إن أباكم في الحياة بعد؟ وهل لكم أخ؟ فأخبرناه من أجل هذا الكلام، أكنا نعلم أنه يقول: اهبطوا معكم بأخيكم؟ وقال يهوذا لإسرائيل أبيه: سرح الغلام فننطلق فنحيى ولا نموت نحن وأنت أيضاً وحشمنا، أنا أكفل به. فإن لم آتك به فأقيمه بين يديك فأنا مخطىء بين يدي أبي جميع الأيام. فقال أبوهم إسرائيل: إذا كان الأمر هكذا فافعلوا ما آمركم به: احملوا في أوعيتكم من ثمار هذه الأرض شيئاً من صنوبر وعسل وعلك البطم وخروب وحب السرو وبطم ولوز، وخذوا من الورق ضعف الذي في أوعيتكم، لعل ذلك أن يكون وهماً منهم، وانطلقوا بأخيكم إلى الرجل، وارجعوا إليّ كلكم، وإله المواعيد يظفركم من الرجل برحمة ورأفة، فيرسل بأخيكم الآخر معكم وبنيامين أيضاً، فأخذ القوم هذه الهدية وضعفاً من الفضة، وانطلقوا معهم ببنيامين وأتوا يوسف فوقفوا بين يديه. فرأى يوسف بنيامين معهم فقال لحاجبه: أدخل القوم إلى المنزل، واذبح ذبيحاً، وهيىء الغداء، لأن القوم يتغدون معي ظهراً، ففعل العبد كما أمره يوسف عليه السلام، وأدخل القوم إلى منزل يوسف عليه السلام وقالوا: إنهم إنما يدخلوننا لسبب الورق الذي وجدنا في أعدالنا من قبل، فيريدون أن يتطاولوا علينا ويمكروا بنا، فيجعلونا عبيداً ودوابنا ملكاً، فدنوا من الرجل حاجب - وفي نسخة: خازن - يوسف عليه السلام. فكلموه على باب المنزل، وقالوا له: إنا نطلب إليك يا سيدنا أنا هبطنا أولاً إلى هاهنا فامترنا قمحاً، فلما طلعنا وصرنا في البيت إذا نحن بورق كل واحد منا في عدله، فقد رددنا أوراقنا بوزنها معنا وأتينا معها بأوراق أخر لنمتار بها، ولا نعلم من الذي صيّر أوراقنا في أوعيتنا؟ فقال لهم: السلام لكم، لا تخافوا ولا تستوفضوا، إلهكم إله المواعيد إله أبيكم ذخر لكم هذه الذخيرة في أوعيتكم، لأن ورقكم قد صار في قبضتي، وأخرج إليهم شمعون، فأدخل العبد القوم إلى منزل يوسف عليه السلام، وأتاهم بماء فغسلوا أيديهم وأقدامهم، وألقى قضمياً لدوابهم، فأعد القوم هديتهم قبل دخول يوسف عليه السلام وقت القائلة لأنه بلغهم أن غداءهم يكون هناك، فدخل يوسف إلى منزله، فأدخلوا هديتهم فوضعوها بين يديه في منزله، وخروا له سجداً على الأرض، فسألهم عن سلامتهم وقال: أسالم هو؟ أبوكم الذي أخبرتموني عنه أنه الحياة هو بعد؟ فقالوا: إن أبانا عبدك سالم، ثم جثوا فسجدوا فرفع بصره فأبصر بنيامين أخاه ابن أمه فقال لهم: هذا أخوكم الذي أخبرتموني عنه؟ فقالوا: نعم؟ فقال له: الله يترأف عليكم يا بني، فاستعجل يوسف عليه السلام لأنه رق له وتحنن عليه فأراد البكاء، فدخل إلى مكانه فبكى هناك، ثم غسل وجهه وخرج فصبر نفسه، فأمر أن يأتوهم بالغداء، فوضعوا بين يديه وحده، وقربوا إليهم وحدهم، لأنه لا يستطيع أهل مصر أن يأكلوا مع العبرانيين، لأن هذه نجاسة عند المصريين، فأمر فاتكأ الأكبر على قدر سنه والأصغر على قدر سنه، فتعجب القوم ومكثوا محيرين مشدوهين، فأعطى كل واحد منهم من بين يديه جزءاً، وأعطى بنيامين أكثر منهم: خمسة أنصبة، فشربوا. فأمر خازنه وقال له: أوقر أوعية القوم من البر ما أمكنهم حمله، وصير ورق كل امرىء منهم على طرف وعائه، وخذ طاسي طاس الفضة وصيره في وعاء الأصغر مع ورق ميرته، ففعل العبد كما أمر يوسف عليه السلام، فلما كان من الغد سرح القوم لينطلقوا هم وحميرهم، فخرجوا من القرية، وقبل أن يخرجوا منها قال يوسف لخازنه: قم فامض في طلب القوم وألحقهم وقل لهم: لم كافيتم الشر بدل الخير، فأخذتم الطاس الذي يشرب فيه سيدي ويعتاف فيه اعتيافاً، فأسأتم فيما جاء منكم، فلحقهم وقال لهم هذه الأقاويل، فقالوا له: لا تقولن يا سيدنا هذه الأقاويل، معاذ الله أن يفعل عبيدك هذه الفعال! نحن رددنا أوراقنا التي وجدنا في أوعيتنا من أرض كنعان، فكيف نسرق من بيت سيدك ذهباً أو فضة، من وجد عنده من عبيدك فليمت ونكن نحن عبيداً لسيدنا! قال لهم: هو على ما تقولون، من وجد عنده فهو يكون لي عبداً، وأنتم تكونون فلحين طاهين، فاستعجل كل منهم وعاءه، ففتشوا ابتداء بالأكبر وانتهاء إلى الأصغر، فوجدوا الطاس في وعاء بنيامين، فمزقوا ثيابهم وخرقوها. وحمل كل امرىء منهم وعاءه على حماره، ورجعوا إلى القرية، فدخل يهوذا وإخوته على يوسف وكان في منزله بعد، فخرجوا بين يديه على الأرض، فقال لهم يوسف: ما هذا الفعل الذي جاء منكم؟ أما تعلمون أن رجلاً مثلي يعتاف - وفي نسخة: يمتحن - بكأس اعتيافاً؟ لم تتعدون عليه وتأخذونه؟ فقال يهوذا: بماذا نكلم سيدنا! وبماذا ننطق! وبماذا نفلح - وفي نسخة: نحتج - من عند الله نزلت هذه الخطيئة بعبيدك، هوذا نحن عبيد لسيدنا نحن ومن أصيب الكأس عنده، فقال: معاذ الله أن أفعل هذا! بل الرجل الذي وجد الكأس عنده يكون لي عبداً، وأنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم. فدنا منه يهوذا فقال: أنا أطلب إليك يا سيدي أن تأذن لعبدك بالكلام بين يديك، يا سيد! ولا تشعل غضبك على عبيدك، لأنك مثل فرعون، سأل سيدي عبيده فقال لهم: هل لكم أب أو أخ؟ فقلنا لسيدنا: إن لنا أباً شيخاً وابناً له صغيراً ولد على كبر سنه، وإن أخاه مات، وهو الباقي وحده لأمه، وأبوه يحبه، وأمرت عبيدك وقلت: اهبطوا به إليّ حتى أعرفه وأعاينه، فقلنا لسيدنا: لا يقدر الغلام على مفارقة أبيه، لأنه إن فارقه أبوه توفي، فقلت لعبيدك: إنه لم يهبط أخوكم الأصغر معكم فلا تعودوا أن تعاينوا وجهي، فلما صعدنا إلى عبدك أبينا أخبرناه بقول سيدنا فقال لنا عبدك أبونا: ارجعوا فامتاروا شيئاً من بر، فقلنا لأبينا: لا نقدر على الهبوط إلى أن نهبط بأخينا الأصغر معنا، لأنا لا نقدر على معاينة وجه الرجل إن لم يكن أخونا معنا، فقال لنا عبدك أبونا: أنتم تعلمون أن امرأتي ولدت لي ابنين، فخرج واحد من عندي فقلتم: إنه قتل قتلاً، فلم أعاينه إلى يوم الناس هذا، فتحملون أيضاً هذا من عندي فيعرض له صيد فتهبطون بشيخوختي بحزن وشر القبر، والآن إذا نحن انطلقنا إلى عبدك أبينا وليس الغلام معنا ونفسه حبيبة إليه، فإذا علم أن الغلام ليس هو معنا يموت فيهبط عبدك شيبة أبينا بالشقاء والتشحيب، لأن عبدك ضمن الغلام لأبينا، وقلت: إني إذا لم آتك به أخطىء باقي جميع الأيام، والآن فليبق عبدك بدل الغلام عبداً لسيدي، وليصعد الغلام مع إخوته، لأني أفكر كيف أصعد إلى أبي وليس الغلام معي كيلا أعاين الشر الذي ينزل بأبي.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} قال: يعنون يوسف. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال: كان أول ما دخل على يوسف عليه السلام من البلاء فيما بلغني، أن عمته، وكانت أكبر ولد إسحق عليه السلام، وكانت إليها منطقة إسحق. فكانوا يتوارثونها بالكبر، وكان يعقوب حين ولد له يوسف عليه السلام، قد حضنته عمته، فكان معها وإليها. فلم يحب أحد شيئاً من الأشياء كحبها إياه، حتى إذا ترعرع وقعت نفس يعقوب عليه السلام عليه، فأتاها فقال: يا أخية، سلمي إلي يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة. قالت: فوالله ما أنا بتاركته، فدعه عندي أياماً أنظر إليه، لعل ذلك يسليني عنه. فلما خرج يعقوب من عندها، عمدت إلى منطقة إسحق عليه السلام فحزمتها على يوسف عليه السلام من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحق، فانظروا من أخذها ومن أصابها. فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت. فكشفوهم فوجدوها مع يوسف عليه السلام، فقالت: والله إنه لسلم لي أصنع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب عليه السلام فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل ذلك، فهو سلم لك؛ ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه حتى ماتت عليها السلام. فهو الذي يقول إخوة يوسف عليهم السلام، حين صنع بأخيه ما صنع: {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سرق مكحلة لخالته. وأخرج ابو الشيخ، عن عطية - رضي الله عنه - قال: سرق في صباه ميلين من ذهب. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} قال: حديث : "سرق يوسف عليه السلام صنماً لجده أبي أمه من ذهب وفضة، فكسره وألقاه في الطريق، فعيره بذلك إخوته" . تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن جريج - رضي الله عنه - في الآية، قال: كانت أم يوسف عليه السلام أمرت يوسف عليه السلام أن يسرق صنماً لخاله كان يعبده، وكانت مسلمة. وأخرج ابن جرير، عن قتادة - رضي الله عنه - قال: سرقته التي عابوه بها: أخذ صنماً كان لأبي أمه، وإنما أراد بذلك الخير. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم - رضي الله عنه - قال: كان يوسف عليه السلام غلاماً صغيراً مع أمه عند خال له، وهو يلعب مع الغلمان، فدخل كنيسة لهم فوجد تمثالاً لهم صغيراً من ذهب، فأخذه. قال: وهو الذي عيره إخوته به {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن عطية - رضي الله عنه - في الآية قال: كان يوسف عليه السلام معهم على الخوان، فأخذ شيئاً من الطعام فتصدق به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابو الشيخ، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - أنه سئل: كيف أخاف يوسف أخاه بأخذ الصواع وقد كان أخبره أنه أخوه، وأنتم تزعمون أنه لم يزل متنكراً لهم؟!... مكايدهم حتى رجعوا فقال: إنه لم يعترف له بالنسب، ولكنه قال: أنا أخوك مكان أخيك الهالك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} قال: أسر في نفسه. قوله {أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون} . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {شر مكاناً} قال يوسف: يقول {والله أعلم بما تصفون} قال: تقولون. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن شيبة - رضي الله عنه - قال: لما لقي يوسف أخاه قال: هل تزوجت بعدي؟ قال: نعم. وما شغلك الحزن علي؟ قال: إن أباك يعقوب عليه السلام قال لي: تزوج لعل الله أن يذرأ منك ذرية يثقلون، أو قال يسكنون الأرض بتسبيحة.

ابو السعود

تفسير : {قَالُواْ إِن يَسْرِقْ} يعنون بنيامين {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِن قَبْلُ} يريدون به يوسفَ عليه السلام وما جرى عليه من جهة عمّتِه على ما قيل من أنه كانت تحضِنه فلما شب أراد يعقوبُ عليه السلام انتزاعَه منها وكانت لا تصبِر عنه ساعةً وكانت لها منطقةٌ ورثتها من أبـيها إسحاقَ عليه السلام فاحتالت لاستبقاء يوسفَ عليه السلام فعمَدت إلى المنطقة فحزمَتْها عليه من تحت ثيابه ثم قالت: فقدتُ منطقة إسحاقَ عليه السلام فانظروا مَنْ أخذها فوجدوها محزومةً على يوسف فقالت: إنه لي سَلَم أفعل به ما أشاء فخلاّه يعقوبُ عليه السلام عندها حتى ماتت، وقيل: كان أخذ في صِباه صنماً لأبـي أمِّه فكسره وألقاه في الجيف، وقيل: دخل كنيسة فأخذ تمثالاً صغيراً من ذهب كانوا يعبُدونه فدفنه {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ} أي أكنّ الحزازةَ الحاصلة مما قالوا {فِى نَفْسِهِ} لا أنه أسرّها لبعض أصحابه كما في قوله تعالى: {أية : وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} تفسير : [نوح: 9] {وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} لا قولاً ولا فعلاً صفحاً عنهم وحِلماً وهو تأكيد لما سبق. {قَالَ} أي في نفسه وهو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الإخبار بالإسرار المذكور كأنه قيل: فماذا قال في نفسه في تضاعيف ذلك الإسرارِ؟ فقيل: قال: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} أي منزلةً حيث سرقتم أخاكم من أبـيكم ثم طفِقتم تفترون على البريء، وقيل: بدل من أسرها والضمير للمقالة المفسرة بقوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} {وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} أي عالمٌ علماً بالغاً إلى أقصى المراتب بأن الأمرَ ليس كما تصفون من صدور السرقةِ منا بل إنما هو افتراءٌ علينا فالصيغةُ لمجرد المبالغة لا لتفضيل علمِه عز وجل على علمهم كيف لا وليس لهم بذلك من علم.

القشيري

تفسير : كان بنيامينُ بريئاً مما رُميَ به من السرقة، فأنطقهم الله تعالى حتى رَمَوْا يوسف عليه السلام بالسرقة، واحدٌ بواحد ليَعْلَم العالمون أَنَّ الجزاءَ واجبٌ. ويقال كان القُرْحُ بالقَدح أوجعَ ما سَمِعَه يوسف منهم حيث قالوا: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} فقد كان ذلك أشدَّ تأثيراً في قلبه من الجفاءِ الأول. ويقال إذا حَنِقَ عليك المِلكُ فلا تأمَنْ غِبَّه - وإنْ طالت المدة - فإن يوسف عليه السلام حَنِق عليهم فلقوا في المستأنف منه ما ساءَهم مِنْ حَبْسِ أخيه، وما صاحبهَم من الخَجل من أبيهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} نسبوا السرقة الى يوسف لكن فرق بين السرقة والسراق فسرق بعضهم قماشة الظاهرة يوسف سرق بنرجس عينه المخمور به وورد خده المصبوغ بصبغ الله قلوب العالمين ولكن شتان بين سارق وسارق صدقوا فى نسبة يوسف الى السرقة ولكن لم عرفوا مسروقه لباب الفاواد بالمحبة وصميم الاسرار بالشوق والعشق والالفة انشد الشبلى شعر : لها فى طرفها لحظات سحر تميت بها وتحيى من تريد وتسبى العالمين بمقلتيها كان العالمين لها عبيد تفسير : مفهوم خطاب الاية بقوله ان يسرق فقد سرق اخ له من قبل ان بقايا النفوس باقية فى قلوبهم فى حقد الطبيعة فى يوسف بما بدت من افواههم ظاهرا وانظر الى تمكن يوسف واناته حيث لا يجازيهم ولا يظهر عليهم الجواب مع علمه بانه ماخوذ بجزاء قوله انكم لسارقون وهكذا شان المعصومين عن الجرايم يوذيهم الله عند كل فلته من السنتهم ومن حكمة الله سبحانه انه اعزا يوسف الى قوله انكم لسارقون حتى يكون شريكا لهم فيما بدا منهم له وقال الاستاد كان بنيامين برء مما رمى به من السرقة فانطلقهم الله حتى رموا يوسف بالسرقة واحدا بواحد ليعلم العالمون ان الجزاء واجب.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} ان الصواع لما خرج من رحل بنيامين افتضح الاخوة ونكسوا رؤسهم حياء فقالوا تبرئة لساحتهم {ان يسرق} بنيامين فلا عجب {فقد سرق اخ له من قبل} يريدون به يوسف. واختلف فيما اضافوا الى يوسف من السرقة فقيل كان اخذ فى صباه صنما كان لجده ابى امه لانه كان يعبد الاصنام بحران وهى بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء قرية فى جانب دمشق فقالت راحيل لابنها يوسف خذ الصنم واكسره لعله يترك عبادة الصنم فاخذه يوسف وكسره والقاه بين الجيف فى الطريق وهو الاصح لما ذكر فى الفردوس ان النبى صلى الله عليه وسلم قال "حديث : سرق يوسف صنما لجده ابى امه من فضة وذهب فكسره والقاه على الطريق" تفسير : وعيره اخوته بذلك. وفيه اشارة الى ان الانسان الكامل قابل لتهمة السرقة فى بدء الامر وهى الاستراق من الشهوات الدنيوية النفسانية ويخلص فى النهاية للامور الاخروية الروحانية فبين اول الامر وآخره فرق كثير. وقيل كانت للابراهيم منطقة يتوارثها اكابر ولده فورثها اسحاق ثم وقعت الى ابنته وكانت اكبر اولاده فحضنت يوسف وهى عمته بعد وفاة امه راحيل وكانت تحبه حبا شديدا بحيث لا تصبر عنه فلما اراد يعقوب ان ينزعه منها فاحتالت بان شدت المنطقة على وسط يوسف تحت ثيابه وهو نائم وقالت فقدت منطقة اسحاق فانظروا من اخذها ففتشوا فوجدوها مشدودة على يوسف تحت ثيابه فقالت انه سرقها منى فكان سلما لى وكان حكمهم انه من سرق يسترق فتوسلت بهذه الحيلة الى امساكه عند نفسها فتركه يعقوب عندها الى ان ماتت {فاسرها يوسف} اى اكن الحزازة الحاصلة مما قالوا والحزاز وجع فى القلب من غيظ ونحوه كما فى القاموس. وقال فى الكواشى فاسرها اى كلمتهم انه سرق {فى نفسه} لا انه اسرها فى بعض اصحابه كما فى قوله {أية : واسررت لهم اسرارا} تفسير : {ولم يبدها لهم} اى لم يظهرها لهم لا قولا ولا فعلا صفحا عنهم وحلما كأنه قيل فماذا قال فى نفسه عند تضاعيفه ذلك الاسرار فقيل {قال انتم شر مكانا} اى منزلة حيث سرقتم اخاكم من ابيكم ثم طفقتم تفترون على البريئ. وعن ابن عباس رضى الله عنهما عوقب يوسف بثلاث حيث همّ بزليخا فسجن وحيث قال اذكرنى عند ربك فلبث فى السجن بضع سنين وحين قال انكم لسارقون فردوا عليه وقالوا فقد سرق اخ له من قبل {والله اعلم بما تصفون} اى عالم علما بالغا الى اقصى المراتب بان الامر ليس كما تصفون من صدور السرقة بل منا انما هو افتراء علينا فالصيغة لمجرد المبالغة لا لتفضيل علمه على علمهم كيف لا وليس بذلك من علم. وفى البحر اعلم بما تصفون منكم لانه عالم بحقائق الامور وكيف كانت سرقة اخيه الذى احلتم سرقته عليه انتهى. فاعلم على ما قرره على معناه التفضيلى فان قيل لم يكن فيهم علم والتفضيل يقتضى الشركة قلنا يكفى الشركة بحسب زعمهم فانهم كانوا يدعون العلم لانفسهم الا يرى الى قولهم فقد سرق اخ له من قبل على سبيل الجزم كما فى الحواشى السعدية - روى - انهم كلموا العزيز فى اطلاق بنيامين فقال روبيل ايها الملك لتردنّ الينا اخانا او لاصحين صيحة تضع منها الحوامل فى مصر وقامت شعور جسده فخرجت من ثيابه وكان بنوا يعقوب اذا غضبوا لا يطاقون خلا انه اذا مس من غضب واحد منهم سكن غضبه فقال يوسف لابنه قم الى جنبه فمسه ويروى خذ بيده فمسه فسكن غضبه فقال روبيل ان هنا لبذرا من بذر يعقوب وروى انه غضب ثانيا فقام اليه يوسف فركضه برجله واخذ بتلابيبه فوقع على الارض فقال انتم معشر العبرانيين تظنون ان لا احد اشد منكم شعر : خدايى كه بالا وبست آفريد زبردست هردست دست آفريد تفسير : قال السعدى شعر : كرجه شاطر بودخروس بجنك جه زند بيش باز رويين جنك كربه شيرست در كرفتن موش ليك موشست در مصاف بلنك تفسير : ولما رأوا ان لا سبيل لهم الى تخليصه خضعوا حيث

ابن عجيبة

تفسير : قلت: معنى الشرط والجواب: إن ثبت أن بنيامين يسرق فقد سرق أخ له، أي: سرقته كسرقة اخيه، و(مكاناً): تمييز. يقول الحق جل جلاله: قال إخوة يوسف، لما ظهرت السرقة عليهم: {إن يسرقْ} بنيامين {فقد سرق أخٌ له} أخوه يوسف {من قبل}، فهذا الأمر إنما صدر من ابْنَي راحيل، لا منا، قصدوا بذلك رفع المضرة عن أنفسهم، ورموا بها يوسف وشقيقه، وهذه السرقة التي رموه بها؛ قيل: كانت ورثت عمته من أبيها منطقة، وكانت تخصُّ يوسف وتحبه، فلما شب، أراد يعقوب انتزاعه منها، فشدت المنطقة على وسطه، ثم اظهرت ضياعَها، ففتَّش عليها، فوجدت مشدودة على وسطه، فصارت أحق به في حكمهم وقيل: كان لجده من أمه صنم من ذهب، فسرقه وكسره، وألقاه في الجيف. وقيل: كان في البيت عناق أو دجاجة فأعطاها السائل. {فأسرَّها يوسفُ في نفسه ولم يُبدها لهم} أي: أخفى هذه الإجابة، ولم يكذبهم فيها. أو: الحزازة التي وجد في نفسه من قولهم: {فقد سرق أخ له من قبل}؛ أي: أسر كراهية مقالتهم. أو: المقالة التي يفسرها قوله: {قال أنتم شرُّ مكاناً}؛ أي: قال في نفسه خفية: أنتم شر مكاناً، أي: انتم أقبح منزلة في السرقة بسرقتكم أخاكم، أو بسوء صنيعكم بما فعلتم معي. {والله أعلم بما تَصِفُون}، وقد علم سبحاته أن الأمر ليس كما تصفون، فهو إشارة إلى كذبهم فيما نسبوا إليه من السرقة. {قالوا يا أيها العزيزُ إن له أباً شيخاً كبيراً} في السن، أو القدر، ذكروا حاله؛ استعطافاً له، وكانوا أعلموه بشدة محبة أبيه فيه، {فخُذ أحدَنا مكانه}؛ فإن أباه ثكلان، أي: حزين على أخيه الهالك، يستأنس به، {إنا نراك من المحسنين} إلينا، فأتمم إحسانك، أو من المتعودين الإحسان فلا تغير إحسانك. {قال معاذَ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} فإنَّ أَخْذَ غيره ظلم، فلا آخذ أحداً مكانه؛ {إنا إذاً لظالمون} في مذهبكم؛ لأن الله أمرنا باسترقاق السارق؛ فاسترقاق غيره ظلم. الإشارة: النفس الأمارة من شأنها الانتصار، ودفع النقائص عنها والعار. والنفس المطمئنة من شأنها الاكتفاء بعلم الله، والرضا بما يجري به القضاء من عند الله، فإذا اختلجها شيء من الانتصار أَسَرَّتْه، ولم تخرجه إلى حالة الإظهار. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: آداب الفقير المتجرد أربعة أشياء: الحرمة للأكابر، والرحمة للأصاغر، والانتصاف من نفسه، وعدم الانتصار لها. هـ. فالفقير إذا انتصر لنفسه فقد نقض العهد مع ربه، فيجب عليه التوبة. وقالوا: [الصوفي دمه هدر، وعرضه وماله مباح]. يعني: أنه لا ينتصر لنفسه، فكل من آذاه لا يخاف من جانبه؛ فكأنه مباح، مع كونه حراماً بالشريعة، بل هو أشد حرمة من غيره. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن اخوة يوسف انه لما استخرج الصواع من رحل أخيه، قالوا إن كان هذا سرق، فقد سرق أخ له من قبل يعنون يوسف، واختلفوا فيما نسبوه اليه من السرقة من قبل، قال سعيد بن جبير، وقتادة، وابن جريج انه كان سرق صنماً كان لجده أبي امه، فكسره والقاه على الطريق، فقال ابن اسحاق: إن جدته خبأته في ثيابه منطقة اسحاق لتملكه بالسرقة محبة لمقامه عندها. وقال قوم انه كان يسرق من طعام المائدة للمساكين. وقوله {فأسرها يوسف في نفسه} يعني أخفى هذه الكلمة في نفسه، {ولم يبدها لهم} أي لم يظهرها لهم. واختلفوا فيما اسر في نفسه، فقال ابن عباس والحسن وقتادة: اسر قوله {أنتم شر مكاناً} أي ممن قلتم له هذا {والله أعلم بما تصفون} انه كذب. وقال قوم: أسرها باضمار الكلمة للدلالة عليها قال حاتم طي: شعر : اماوي ما يغني الثراء عن الفتى اذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر تفسير : وانما قال إن مكانكم شرّاً لما ظهر من الأمر الذي يقتضي هذا الوصف. والصفة والوصف مصدران بمعنى واحد مثل وعد وعدة، ووجه وجهة. وقال الحسن لم يكن اخوة يوسف يومئذ انبياء، وإنما اعطوا النبوة فيما بعد، وعندنا إنهم لم يكونوا أنبياء في وقت، لا في الحال، ولا فيما بعد، لان ما فعلوه بيوسف من الافعال القبيحة ينافي النبوة لأن النبي لا يقع - عندنا - منه قبيح أصلاً، لا صغير ولا كبير. وقال البلخي: كذبوا في قولهم {سرق أخ له من قبل} والله اعلم بما يعنون في ذلك وانه كذب، وقال لم يصح عندنا ان اخوة يوسف كانوا انبياء وجوز ان يكون الاسباط غيرهم او كانوا من اولادهم.

الجنابذي

تفسير : {قَالُوۤاْ} لشدّة حزنهم وغيظهم {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} اشارة الى منطقة اسحاق (ع) الّتى ورثتها عمّته فربطتها فى حقوه لتأخذه حبّاً له، وقيل انّ: ليان ابارا حيل امّ يوسف (ع) كان يعبد الاوثان وكان له صنم من الذّهب فأخذه يوسف (ع) خفيةً واعطاه امّه ترحّماً على جدّه فى استخلاصه من عبادة الصّنم، وعلى امّه فى استخلاصها من الفقر، وقيل: انّه كان يأخذ الطّعام من خوان ابيه ويعطيه الفقراء خفيةً، وقيل: انّه اخذ شاة من اغنام ابيه واعطاها فقيراً خفيةً، والاوّل هو المروىّ عن ائمتّنا (ع) والمشهور عند اهل مذهبنا {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ} اى كلمة قد سرق اخ له من قبل ليعيّرهم بها، او اسرّ هذه الكلمة من حيث كذبها، واسرّ كلمة انتم شرّ مكاناً فيكون من قبيل العود على ما تأخّر ويكون قوله قال انتم شرّ مكاناً بدلا منه ويكون المعنى اسرّ مقالة انتم شرّ مكاناً {فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} يعنى {قَالَ} فى نفسه {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} مرتبة ومنزلة اى حالاً او نسب الشّرّ الى المكان والمحلّ مجازاً للمبالغة فى وصفهم بذلك يعنى ان كان نسبة السّرقة الى اخيه صحيحة فانتم شرّ منه حيث دخلتم فى امرٍ فيه اذى ابيكم النّبىّ (ع) من الله وان لم يكن فى الشّرّ معنى التّفضيل فالمعنى واضح {وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} من نسبة السّرقة الى يوسف (ع)، ولمّا تذكّروا حال ابيهم وحزنه وعهدهم المؤكّد باليمين فى ردّ بنيامين انقبضوا والتجأوا الى يوسف (ع) وعلى سبيل التّضرّع والاستكانة.

الهواري

تفسير : قوله: { قَالُوا إِن يَّسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِنْ قَبْلُ} يعنون يوسف. وكان جدُّه، أبو أمه، يعبد الأوثان؛ فقالت له أمه: يا يوسف، اذهب فخذ القفة التي فيها أوثان أبي، ففعل، فجاء بها إلى أمه. فتلك السرقة التي عيّروه بها. قال الحسن: كَذَبوا عليه، ولم يكونوا يوم قالوا هذه المقالة أنبياء، إنما أُعطوا النبوة بعد ذلك. وقال بعضهم: كان الصنم لجده، أبي أمه، وإنما أراد به الخير. قوله: { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} أي: هذه الكلمة. وفي تفسير بعضهم: أسرّ في نفسه هذا القول: {أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً}. وهذا من مقاديم الكلام، أي: في الإِضمار. { قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} ممن قلتم له هذا. { وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} أي: إنه كذب.

اطفيش

تفسير : {قالُوا} أيها الملك لا تنكر ذلك عليه {إنْ يَسْرق} أى إن صحت سرقته فلذلك عبروا بالمضارع وهو لحكاية الحال، والأصل إن سرق صواعك {فَقَد سَرقَ أخٌ لَهُ} شقيق {مِنْ قَبلُ} وهو يوسف، ولسنا على طريقهما فى ذلك، وعنوا بالسرقة فيما قال الجمهور ذهابه بمنطقة عمته، وذلك أنه لما ماتت أمه راحيل أخذته عمته وأحبته حبا شديدا، ولما ترعرع وقعت محبته فى قلب يعقوب، فأتاها وقال: يا أختاه سلمى يوسف إلىَّ، فهو الله ما أصبر عنه ساعة واحدة. فقالت: والله ما أنا بفاعلة، ولما غلبها يعقوب قالت: دعه عندى أياما أنظر إليه، لعل ذلك يسلينى عنه، ففعل يعقوب ذلك، ولما خرج يعقوب من عندها عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت الثياب وهو صغير، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، فانظروا من أخفاها، فالتمست فلم توجد فقالت: اكشفوا هل البيت فكشفوه فوجدوها مع يوسف، فقالت والله ليسلم إلىَّ أصنع فيه ما شئت، وكان ذلك حكم إبراهيم من السارق، فأتاها يعقوب فأخبرته بذلك فقال: إن كان فعل ذلك فأمسكيه، فما قدر عليه حتى ماتت. وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت تلك المنطقة لإسحاق يتوارثوها الأكبر فالأكبر وهذا الذى فعلت به عمته هو أول ما دخل عليه من البلاء، ذكر ذلك كله فى عرائس القرآن عن الضحاك، وكذا قيل عن محمد بن إسحاق، إلا أنه لم يذكر أن هذا أول بلائه، وتلك المنطقة من إبراهيم الخليل، وورثها من إسحاق إذ كان أكبر ولده، وليس إرثها كإرث المال، لأن الأنبياء لا تورث. وفى رواية أنه قعد عندها أربع سنين، فبعث يعقوب إليها لترده، فشدت منطقة على وسطه لها قيمة عظيمة، وأرسلته إلى يعقوب وقالت: إنه سرق منطقة منى ففتشوه ففعلوا، فوجدوها عنده، وكان عندهم أن السارق يكون مملوكا لصاحب السرق، فلم يلتفت يعقوب لقولها، وعلم أنها أعطته إياها. وفى رواية كانت تحمله من أبيه وتمسكه فيشتاق إليه يعقوب، فيوجه إليه ويثقل ذلك عليها، ونام يوما عندها فشدت المنطقة على وسطه، فأقامته ووجهته إلى أبيه، وخرجت تصيح سرق يوسف منطقتى، تريد أن تمسكه، وقال سعيد بن جبير، وقتادة: لما عثروا بالسرقة أخذ صنما لجده إلى أمه، وكان من ذهب، وكان يجعله فى جيبه لا يفارقه، إلا ما شاء الله فكسره وألقاه فى الطريق بين الحيف، وقيل دفنه وغرضه أن لا يعبد سوى الله سبحانه وتعالى، وكانت معه بنت جده تكره ذلك، فأمرت يوسف بإتلافه. وقال ابن جريج: أمرته أمه أن يتلف صنما لخاله كان يعبده، وقيل: دخل كنيسة فأخذ تمثالا صغيرا من ذهب يعبدونه فدفنه، وقال مجاهد: جاء السائل يوما فأخذ بيضة من البيت وأعطاه إياها، وقال سفيان بن عيينة: أعطى سائلا دجاجة من البيت، وقيل: عناقا أو دجاجة، وقال وهب بن منبه: كان فى صغره كلما وضعت مائدة بين يدى يعقوب وقعد للأكل عند إخوته أخذ رغيفا وجعل فيه الإدام وخبأة تحت المائدة، ويعطيه فقيراً أو سائلا. قال ابن الأنبارى: ليس فى هذه الأفعال سرقة، ولكن تشبه السرقة، فكانوا يعيرونه بها عند الغضب، وعن الحسن: أنهم كذبوا وأنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، [ومن ثمَّ كان] البحث فى مثل هذا. {فأسرَّها يُوسفُ فى نَفْسه} أى أسرَّ مقالتهم أو كلمتهم، وهى قوله: {قد سرق أخ له من قبل} كما قال أبو صالح، عن ابن عباس أو أسرَّ الإجابة أو الحجة عليهم، أو أسر نسبة السرقة إليه، ومعنى إسرار الكلمة والمقالة والإجابة ونسبت السرقة [إليه] أنه لم يجبهم عليهم بتكذيبهم، ومعنى إسرار الحجة أنه لم يظهر الاحتجاج عليهم، وقيل: أسر الحزة التى حدثت فى نفسه من قولهم. {ولَم يُبدهَا لهم} ولم يظهرها لهم، وهذا عطف مرادف للتأكيد، ويجوز أن يكون معنى إسرارها فى نفسه تكتيفها، وذكرها فى نفسه كما فعل إذا أهمك أمر، ومعنى لم يبدها لم يجبهم عليها، أو لم يظهر الاحتجاج، وقال الزمخشرى: إن الضمير للجملة أو للكلمة على تسميتهم الطائفة من الكلام كلمة، وأنه مفسر بقوله: {قالَ} أى فى نفسه {أنتم شرٌّ مكاناً} أى منزلة فى السرقة من أخيكم بنيامين، لسرقتكم أخاكم، أو فى سوء الصنيع،كأنه قيل: فأسر الجملة أو الكلمة التى هى قوله: {أنتم شر مكانا} لأن قوله: {قال أنتم شر مكانا} بدل من أسرها، ورده القاضى بأن المفسر بالجملة لا يكون إلا ضمير الشأن، قلت: يحتمل أن يريد أن الضمير عائد إلى الكلمة السابقة أو الجملة، وأنه إنما سوغ ذلك ظهوره بقوله: {قال أنتم شر مكانا} وقيل: صرح يوسف بقوله: {أنتم شر مكانا}. {واللّهُ أعلم بما تَصفُون} أحق أم باطل، قال ذلك وهو عالم بأنه باطل، واللفظ ملوح ببطلانه، ويؤيد قول إنه صرح بذلك أنهم يتشفعون بأنفسهم بل بأبيهم، إذ قالوا: {إن له أبا شيخا} الخ، ويجب فيه بأنهم قد جرى بينه وبينهم أمور موبخة لهم كما تعلم مما مر، وترد لهم فكيف يستشفعون بأنفسهم، ولو لم يقل ذلك إلا فى نفسه بل بأبيهم الذى أقر يوسف بفضله وبراءته مما يشين، وقرأ ابن مسعود: فأسره يوسف فى نفسه ولم يبده لهم بالتذكير على إرادات القول أو الكلام أو الاحتجاج أو الجواب. ولما استخرج الصاع من رحل بنيامين نقره فطن فقال: أتعلمون ما يقول هذا الصواع؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: إنكم خنتم أباكم فى ولده الأول، وبعتموه وكنتم اثنى عشر، فارتعدت فرائصهم وقالوا: يا أيها العزيز استر علينا ما ستر الله، وإنا نسألك بالذى فضلك على العالمين إلا ما رحمتنا ورحمت شيبة أبينا؟ فقال: لولا ذلك لنلت منكم ما تستحقون، فاذهبوا عنى لا حاجة لى بكم، وقد رغب إلىَّ أبوكم أن أعجل صرفكم إليه، قالوا: فلعلك تصرف معنا أخانا فإنك لا تصله بصلة أسنى من صرفه معنا. فقال: إنى أتخذه عبدا مملوكا.

اطفيش

تفسير : {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ} الصواع {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} وذلك منهم فجور رضى الله عنهم زلوا به وليسوا بأَنبياءَ فى الحال، ولا قبل ولا بعد، والأَخ هو يوسف وهو بنيامين أُمهما واحدة هى راعيل من شأْنهما السرقة، ولسنا نحن من أُمهما فلم نأْخذ طريقتهم فى السرقة، وقالوا إِن يسرق بلفظ الشك لعدم تحقق سرقته عندهم باستخراج الصواع من رحله، ولا ينافى هذا قولهم: إِن ابنك سوق باعتبار ما قيل، وبمجرد وجود الصاع فى رحله، والمضارع لحكاية الحال الماضية فإِن مقتضى الظاهر أَن يقولوا: إِن سرق فقد سرق أَخ له من قبل، صنماً أَو تمثالا من ذهب من أَى أُمه سرقه فكسره وأَلقاه فى الطريق أَو الجيف، أَو تمثالا من الكنيسة فكسره وأَلقاه فى ذلك أو أعطاه سائلا، وقيل دجاجة أَو عناقاً، أَو أَخذ بيضة من البيت فأَعطاها السائل، أَو خبأَ الطعام من المائدة ليعطيه الفقراءَ، أَو حاضنته بعد موت أُمه عمته وأَحبته، واحتالت فى أَن شدت على وسطه منطقة إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر، وهى أَكبر أَولاده فتفقدتها فوجدها على يوسف، وقال لها أَبوه إن كان ذلك فخذيه والسارق فى دينهم عبد لصاحب المال، وكان لا يقدر على مفارقته ساعة، أَو أَرادوا بالأَخ مطلق أَحد من بنى آدم، ولا ينافيه قوله تعالى: {فأَسرها} لأَن يوسف يظن أَنهم عنوه بالأَخ وهم لم يعنوه {فَأَسَرَّهَا} أَسر السرقة {يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ} والمنسوبة إليه لم يذكرها، ولم يعاتبهم على نسبتها إليه أَو أَسر الحزازة أَو أَسر الإجابة أَو الكلمة وهى أعم من الإجابة لصلاح أَن يتكلم بدون أَن يكون كلامه جواباً لهم، ولا إشكال فى الإِجابة لأَنها حضرت فى قلبه ولم يصرح بها كما لا إِشكال فى الكلمة لأَنه حضرت فى قلبه، ولم ينطق بها، أَو أَسر نسبة السرقة إليه، وقد لا ينافيه قوله {أَنتم شر مكانا} لأَنه ولو كان إِظهارا لكن ليس فيه تصريح بأَن نسبتكم السرقة إِلى بهتان أَو أَسر الحجة عليهم أَو أَسر ما يفسره قوله: {قال أَنتم شر} إِلخ، فإِن فى قلبه قولا أَسره وهو أَنه قال فى قلبه أنتم شر مكانا، أَى أَسر القولة التى فى قلبه ولم ينطق بها وهى قوله فيه أنتم شر إلخ، وأكد ذلك بقوله: {وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} أَى لم يظهرها لهم، وأَبدل منه بدلا مطابقاً قوله: {قَالَ} فى قلبه أَو بلسانه بعد أَن قال فى قلبه {أَنْتُمْ شَرُّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} سمى ذلك كله كلمة لجواز إطلاقها على الجمل، والمعنى أنتم قبيحون منزلة عند الله، فشر خارج عن التفضيل ويجوز بقاؤه أَى أَنتم شر مكاناً ممن رميتموه بالسرقة لو صحت لأَنهم عقوا أَباهم وأَخاهم بالتفريق والإِلقاءِ فى الجب والبيع والبهت والكذب والحسد والله أَعلم بما تصفونه فى حقى، أَو بوصفهم إياى، وأعلم بمعنى عليم أَو باق على التفضيل على أَن لهم علماً فى السرقة غير محقق مثل أن يسمعوا عمتهم أَو غيرها تقول سرق، والله يعلم أَن الأَمر ليس كما تقولون.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ} أي الإخوة {إِن يَسْرِقْ} يعنون بنيامين {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } يريدون به يوسف عليه السلام وما جرى عليه من جهة عمته، فقد أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبـي حاتم عن مجاهد قال: كان أول ما دخل على يوسف عليه السلام من البلاء فيما بلغني أن عمته كانت تحضنه وكانت أكبر ولد إسحٰق عليه السلام وكانت إليها منطقة أبيها وكانوا يتوارثونها بالكبر فكانت لا تحب أحداً كحبها إياه حتى إذا ترعرع وقعت نفس يعقوب إليه فأتاها فقال: يا أختاه سلمي إليّ يوسف فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة فقالت، والله ما أنا بتاركته فدعه عندي أياماً أنظر إليه لعل ذلك يسليني، فلما خرج يعقوب عليه السلام من عندها عمدت إلى تلك المنطقة فحزمتها على يوسف عليه السلام من تحت ثيابه ثم قالت: فقدت منطقة أبـي إسحٰق فانظروا من أخذها فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجودها مع يوسف عليه السلام فقالت: والله إنه لسلم لي أصنع فيه ما شئت فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل فأمسكته فما قدر عليه حتى ماتت. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الآية: حديث : سرق يوسف عليه السلام صنماً لجده أبـي أمه من ذهب وفضة فكسره وألقاه على الطريق فعيره إخوته بذلكتفسير : ، وأخرج غير واحد عن زيد بن أسلم قال: كان يوسف عليه السلام غلاماً صغيراً مع أمه عند خال له وهو يلعب مع الغلمان فدخل كنيسة لهم فوجد تمثالاً صغيراً من ذهب فأخذه وذلك الذي عنوه بسرقته. وقال مجاهد: إن سائلاً جاءه يوماً فأخذ بيضة فناولها إياه: وقال سفيان بن عيينة: أخذ دجاجة فأعطاها السائل. وقال وهب: كان عليه السلام يخبأ الطعام من المائدة للفقراء وقيل وقيل. وعن ابن المنير أن ذلك تصلف لا يسوغ نسبة مثله إلى بيت النبوة بل ولا إلى أحد من الأشراف فالواجب تركه وإليه ذهب مكي وقال بعضهم: المعنى إن يسرق فقد سرق مثله من بني آدم وذكر له نظائر في الحديث، قيل: وهو كلام حقيق بالقبول. وأنت تعلم أن في عد كل ما قيل في بيان المراد من سرقة الأخ تصلفاً تصلف فإن فيه ما لا بأس في نسبته إلى بيت النبوة، وإن ادعى أن دعوى نسبتهم السرقة إلى يوسف عليه السلام مما لا يليق نسبة مثله إليهم لأن ذلك كذب إذ لا سرقة في الحقيقة وهم أهل بيت النبوة الذين لا يكذبون جاء حديث أكله الذئب وهم غير معصومين أولاً وآخراً وما قاله البعض. وقيل: إنه كلام حقيق بالقبول مما يأباه ما بعد كما لا يخفى على من له ذوق، على أن ذلك في نفسه بعيد ذوقاً وأتوا بكلمة {إن} لعدم جزمهم بسرقته بمجرد خروج السقاية من رحله، فقد وجدوا من قبل بضاعتهم في رحالهم ولم يكونوا سارقين. وفي بعض الروايات أنهم لما رأوا إخراج السقاية من رحله خجلوا فقالوا: يا ابن راحيل كيف سرقت هذه السقاية؟ فرفع يده إلى السماء فقال: والله ما فعلت فقالوا: فمن وضعها في رحلك؟ قال: الذي وضع البضاعة في رحالكم، فإن كان قولهم: {إِن يَسْرِقْ } الخ بعد هذه المقاولة فالظاهر أنها هي التي دعتهم لإنْ وأما قولهم: {أية : إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ } تفسير : [يوسف:81] فبناءً على الظاهر ومدعى القوم وكذا علمهم مبني على ذلك؛ وقيل: إنهم جزموا بذلك {وَإِنْ} لمجرد الشرط ولعله الأولى لظاهر ما يأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه و {يسرق} لحكاية الحال الماضية، والمعنى إن كان سرق فليس ببدع لسبق مثله من أخيه وكأنهم أرادوا بذلك دفع المعرة عنهم واختصاصها بالشقيقين، وتنكير {أَخٌ} لأن الحاضرين لا علم لهم به. وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي وابن أبـي سريج عن الكسائي والوليد بن حسان وغيرهم {فقد سرق} بالتشديد مبنياً للمفعول أي نسب إلى السرقة. {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ } الضمير لما يفهم من الكلام والمقام أي أضمر الحزازة التي حصلت له عليه السلام مما قالوا، وقيل: أضمر مقالتهم أو نسبة السرقة إليه فلم يجبهم عنها {فِى نَفْسِهِ } لا أنه أسرها لبعض أصحابه كما في قوله تعالى: {أية : وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً } تفسير : [نوح: 9] / {وَلَمْ يُبْدِهَا} أي يظهرها {لَهُمْ } لا قولاً ولا فعلاً صفحاً لهم وحلماً وهو تأكيد لما سبق {قَالَ } أي في نفسه، وهو استئناف مبني على سؤال نشأ من الإخبار بالإسرار المذكور كأنه قيل: فماذا قال في نفسه في تضاعيف ذلك؟ فقيل: قال: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } أي منزلة في السرق، وحاصله أنكم أثبت في الاتصاف بهذا الوصف وأقوى فيه حيث سرقتم أخاكم من أبيكم ثم طفقتم تفترون على البرىء، وقال الزجاج: إن الإضمار هنا على شريطة التفسير لأن: {قَالَ أَنْتُمْ } الخ بدل من الضمير، والمعنى فأسر يوسف في نفسه قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } والتأنيث باعتبار أنه جملة أو كلمة. وتعقب ذلك أبو علي بأن الإضمار على شريطة التفسير على ضربين. أحدهما: أن يفسر بمفرد نحو نعم رجلاً زيد وربه رجلاً. وثانيهما: أن يفسر بجملة كقوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الصمد: 1] وأصل هذا أن يقع في الابتداء ثم يدخل عليه النواسخ نحو: {أية : إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } تفسير : [طه: 74] {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [الحج: 46] وليس منها ـ شفاء النفس مبذول ـ وغير ذلك، وتفسير المضمر في كلا الموضعين متصل بالجملة التي قبلها المتضمنة لذلك المضمر ومتعلق بها ولا يكون منقطعاً عنها والذي ذكره الزجاج منقطع فلا يكون من الإضمار على شريطة التفسير. وفي «أنوار التنزيل» أن المفسر بالجملة لا يكون إلا ضمير الشأن، واعترض عليه بالمنع. وفي «الكشف» أن هذا ليس من التفسير بالجمل في شيء حتى يعترض بأنه من خواص ضمير الشأن الواجب التصدير وإنما هو نظير {أية : وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرٰهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ } تفسير : [البقرة: 132] الخ. وتعقب بأن في تلك الآية تفسير جملة وهذه فيها تفسير ضمير بجملة. وفي «الكشاف» جعل {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} هو المفسر وفيه خفاء لأن ذلك مقول القول. واستدل بعضهم بالآية على إثبات الكلام النفسي بجعل {قَالَ} الخ بدلاً من ـ أسر ـ ولعل الأمر لا يتوقف على ذلك لما أشرنا إليه من أن المراد قال في نفسه، نعم قال أبو حيان: إن الظاهر أنه عليه السلام خاطبهم وواجههم به بعد أن أسر كراهية مقالتهم في نفسه وغرضه توبيخهم وتكذيبهم، ويقويه أنهم تركوا أن يشفعوا بأنفسهم وعدلوا إلى الشفاعة له بأبيه وفيه نظر. وقرأ عبد الله وابن أبـي عبلة {فأسره} بتذكير الضمير. {وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} أي عالم علماً بالغاً إلى أقصى المراتب بأن الأمر ليس كما تصفون من صدور السرقة منا، فصيغة أفعل لمجرد المبالغة لا لتفضيل علمه تعالى على علمهم كيف لا وليس لهم بذلك من علم قاله غير واحد. وقال أبو حيان: إن المعنى أعلم بما تصفون به منكم لأنه سبحانه عالم بحقائق الأمور وكيف كانت سرقة أخيه الذي أحلتم سرقته عليه فأفعل حينئذ على ظاهره. واعترض بأنه لم يكن فيهم علم والتفضيل يقتضي الشركة، وأجيب بأنه تكفي الشركة بحسب زعمهم فإنهم كانوا يدعون العلم لأنفسهم، ألا ترى قولهم: {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } جزماً.

ابن عاشور

تفسير : لما بُهتوا بوجود الصُّوَاع في رحل أخيهم اعتراهم ما يعتري المبهوت فاعتذروا عن دعواهم تنزههم عن السرقة، إذ قالوا: { أية : وما كنا سارقين } تفسير : [سورة يوسف: 73]، عذراً بأن أخاهم قد تسرّبت إليه خصلة السرقة من غير جانب أبيهم فزعموا أن أخاه الذي أشيع فقده كان سرق من قبلُ، وقد علم فتيان يوسف عليه السلام أن المتهم أخ من أمّ أخرى، فهذا اعتذار بتعريض بجانب أمّ أخويهم وهي زوجة أبيهم وهي (راحيل) ابنة (لابان) خالِ يعقوب عليه السلام. وكان ليعقوب عليه السلام أربع زوجات: (راحيل) هذه أم يوسف عليه السلام وبنيامين؛ و (لِيئة) بنت لابان أخت راحيل وهي أم رُوبين، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وبساكر، وزبولون؛ و (بُلْهَة) جارية راحيل وهي أم دانا، ونفتالي؛ و (زُلفة) جارية راحيل أيضاً وهي أم جاد، وأشير. وإنما قالوا: {قد سرق أخ له من قبل} بهتاناً ونفياً للمعرة عن أنفسهم. وليس ليوسف ــــ عليه السلام ــــ سرقة من قبل، ولم يكن إخوة يوسف ــــ عليه السلام ــــ يومئذٍ أنبياء. وشتان بين السرقة وبين الكذب إذا لم تترتب عليه مضرة. وكان هذا الكلام بمسمع من يوسف ــــ عليه السلام ــــ في مجلس حكمه. وقوله: {فأسرها يوسف} يجوز أن يعود الضمير البارز إلى جملة {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} على تأويل ذلك القول بمعنى المقالة على نحو قوله تعالى: {إنها كلمة هو قائلها} بعد قوله: { أية : رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت } تفسير : [سورة المؤمنون: 99]. ويكون معنى {أسرها في نفسه} أنه تحملها ولم يظهر غضباً منها، وأعرض عن زجرهم وعقابهم مع أنها طعن فيه وكذب عليه. وإلى هذا التفسير ينحو أبو علي الفارسي وأبو حيان. ويكون قوله: {قال أنتم شر مكانا} كلاماً مستأنفاً حكايةً لما أجابهم به يوسف ــــ عليه السلام ــــ صراحة على طريقة حكاية المحاورة، وهو كلام موجه لا يقتضي تقرير ما نسبوه إلى أخي أخيهم، أي أنتم أشدّ شرّاً في حالتكم هذه لأنّ سرقتكم مشاهدة وأما سرقة أخي أخيكم فمجرد دعوى، وفعل {قال} يرجح هذا الوجه. ويجوز أن يكون ضمير الغيبة في {فأسرها} عائد إلى ما بعده وهو قوله: {قال أنتم شر مكانا}. وبهذا فسر الزجاج والزمخشري، أي قال في نفسه، وهو يشبه ضمير الشأن وَالقصة، لكن تأنيثه بتأويل المقولة أو الكلمة، وتكون جملة {قال أنتم شر مكانا} تفسيراً للضمير في {أسرها}. والإسرار، على هذا الوجه، مستعمل في حقيقته، وهو إخفاء الكلام عن أن يسمعه سامع. وجملة {ولم يبدها لهم} قيل هي توكيد لجملة {فأسرها يوسف}. وشأن التوكيد أن لا يعطف. ووجه عطفها ما فيها من المغايرة للتي قبلها بزيادة قيد لهم المشعر بأنه أبدى لأخيه أنهم كاذبون. ويجوز أن يكون المراد لهم يُبدِ لهم غَضَباً ولا عقاباً كما تقدم مبالغة في كظم غيظه، فيكون في الكلام تقدير مضاف مناسب، أي لم يُبْد أثرها. و{شرّ} اسم تفضيل، وأصله أشرّ، و{مكانا} تمييز لنسبة الأشَرّ. وأطلق المكان على الحالة على وجه الاستعارة، والحالة هي السرقة، وإطلاق المكان والمكانة على الحالة شائع. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : قل يا قوم اعملوا على مكانتكم } تفسير : في آخر سورة الأنعام (135)، وهو تشبيه الاتّصاف بوصف مّا بالحلول في مكان. والمعنى أنهم لما علّلوا سرقة أخيهم بأن أخاه من قبل قد سرق فإذا كانت سرقة سابقة من أخ أعدّت أخاه الآخر للسرقة، فهم وقد سبقهم أخَوَانَ بالسرقة أجدر بأن يكونوا سَارقين من الذي سبَقه أخ واحد. والكلام قابل للحمل على معنى أنتم شر حالة من أخيكم هذا والذي قبله لأنهما بريئان مما رميتموهما به وأنتم مجرمون عليهما إذ قذفتم أولهما في الجب، وأيدتم تهمة ثانيهما بالسرقة. ثم ذيله بجملة {والله أعلم بما تصفون}، وهو كلام جامع أي الله أعلم بصدقكم فيما وصفتم أو بكذبكم. والمراد: أنه يعلم كذبهم، فالمراد: أعلم لحال ما تصفون.

الواحدي

تفسير : {قالوا} ليوسف {إن يسرق} الصُّواع {فقد سرق أخ له من قبل} يعنون: يوسف عليه السَّلام، وذلك أنَّه كان يأخذ الطعام من مائدة أبيه سرَّاً منهم، فيتصدَّق به في المجاعة، حتى فطن به إخوته {فأسرَّها يوسف في نفسه} أَيْ: أسرَّ الكلمة التي كانت جواب قولهم هذا {ولم يُبدها لهم} وهو أنَّه قال في نفسه: {أنتم شرٌّ مكاناً} عند الله بما صنعتم من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم {والله أعلم بما تصفون} أَيْ: قد علم أنَّ الذي تذكرونه كذبٌ. {قالوا يا أيها العزيز إنَّ له أباً شيخاً كبيراً} في السِّنِّ {فخذ أحدنا مكانه} واحداً منَّا تستعبده بدله {إنا نراك من المحسنين} إذا فعلت ذلك فقد أحسنت إلينا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن يسرق: أي يأخذ الصواع خفية من حرزه. فقد سرق أخ له: أي يوسف في صباه. فأسرها يوسف: أي أخفى هذه التهمة في نفسه. ولم يبدها لهم: أي لم يظهرها لهم. أنتم شر مكاناً: أي منزلةً ممن رميتموه بالسرقة. بما تصفون: أي بحقيقة ما تصفون أي تذكرون. أباً شيخاً كبيراً: أي يعقوب عليه السلام. معاذ الله: أي نعوذ بالله من أن نأخذ من لم نجد متاعنا عنده. متاعنا: أي الصواع. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث مع يوسف عليه السلام وإخوته، إنه بعد أن استخرج يوسف الصواع من متاع أخيه وتقرر ظاهراً أن بينامين قد سرق، قال إخوته ما أخبر به تعالى عنهم في قوله: {قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} أي إن يكن بنيامين قد سرق كما قررتم فلا عجب فقد سرق أخ له من قبل يعنون يوسف أيام صباه، كان يسرق الطعام ويعطيه للمساكين وسرق صنماً لأبي أمه فكسره حتى لا يعبده، وليس هذا من السرقة المحرمة ولا المذمومة بل هي محمودة. وقوله تعالى {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} أي أسر يوسف قولتهم {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} ولم يظهرها لهم وقال رداً لقولتهم الخاطئة: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} أي شر منزلة ممن رميتموه بالسرقة {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} أي بحقيقة ما تذكرون. ولما سمعوا قول يوسف وكان فيه نوع من الصرامة والشدة قالوا مستعطفين يوسف مسترحمينه بما حكى الله تعالى عنهم في قوله: {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً} أي لأخينا والداً كبير السن يعز عليه فراقه ولا يطيقه. {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي واحداً منا بدلاً عنهُ ومثلك يفعل ذلك لأنه إحسان وأنت من المحسنين. فأجابهم بما أخبر تعالى به في قوله: {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ} أي نعوذ بالله{أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ} أي إذا أخذنا من لم يَجْنِ ونترك من جنى أي سرق فقد كنا بذلك ظالمين وهذا ما لا نرضاه ولا نوافق عليه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية الاعتذار عن الخطأ. 2- قد يضطر الحليم إلى أن يقول ما لم يكن يقوله لولا ما وُوجِهَ به من السوء. 3- مشروعية الاسترحام والاستعطاف لمن احتاج إلى ذلك رجاء أن يرحم ويعطف عليه. 4- حرمة ترك الجاني وأخذ غيره بدلا منه إذ هذا من الظلم المحرم.

القطان

تفسير : استيأسوا: يئسوا. خلصوا نجيا: انفردوا يتناجون ويتشاورون. موثقا: عهدا. فرطتم: قصرتم. فلن ابرح الارض: فلن افارق مصر. قال إخوة يوسف وقد ملئوا غيظا على بنيامين لما أوقعهم فيه من الورطة: إن يسرقْ فقد سرقَ* أخ له من قبل. يقصدون بذلك يوسف. وفطن يوسف الى طعنِهم الخفيّ بقولهم: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} فساءه ذلك، لكنّه أسرّها، وقال في نفسه: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} لانه العليم بحقائق الاشياء. ثم أرادوا ان يستطعطفوه ليُطلقَ لهم بنيامين فيرجِعوا به الى أبيهم، لأنه قد أخذ عليهم ميثاقاً بان يردوه اليه، {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً} طاعنا في السن لا يكاد يستطيع فِراقه، {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} إلينا في ضيافتنا وتجهيزنا. قال: حاش لله ان نأخذ إلاّ من وجدْنا عندَه السقايةَ المسروقة. ولقد حكمتم بذلك حين قلتم: {مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ}. فلما انقطع منهم الأمل، ويئسوا من قبول الرجاء، اختَلَوا بأنفُسهم يتشاورون في موقفهم من ابيهم. فقال كبيرهم: لقد أخذ أبوكم عليكم عهداً من الله بِردِّ أخيكم. وقد سبق ان فرّطتم في يوسف، وعلى ذلك فإنني لي أبرح أرض مصر حتى يأذن لي أبي في القدوم عليه، او يحكم اللهُ في شأني وهو خير الحاكمين.

د. أسعد حومد

تفسير : (77) - وَلَمَّا رَأَى إِخْوَةُ يُوسُفَ الصَّاعَ تُسْتَخْرَجُ مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِمْ لأَِبِيهِمْ، قَالُوا مُتَنَصِّلِينَ، أَمَامَ العَزِيزِ، مِنْ فِعْلِ أَخِيهِم: إِن يَسِرْقْ هذا الأَخُّ فقَدْ سَبَقَ لأَِخِيهِ يُوسُفَ أَنْ سَرَقَ، فَالسَّرِقَةُ وَرِثَها هذانِ الأَخَوَانِ مِنْ أُمِّهِمَا. (وَقِيلَ إِنَّ يُوسُفَ كَانَ سَرَقَ لِجَدِّهِ لأُِمِّهِ صَنَماً وَكَسَرَهُ، وَأَلْقَاهُ فَعَيَّرَهُ إِخْوَتُهُ بِفِعْلِهِ، وَهَذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحَسَدَ مَا زَالَ فِي صُدُورِهِمْ). فَاسْتَاءَ يُوسُفُ مِنْ قَوْلِهِمْ هذا، وَلَكِنَّهُ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَأَسَرَّ الامْتِعَاضَ وَلَمْ يُبْدِهِ لإِخْوَتِهِ، وَقَالَ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً)، أَيْ أَنْتُمْ أَسْوَأُ مِنْ ذلِكَ مَكَانَةً وَمَنْزِلَةً مِمَّنْ تُعَرِّضُونَ بِهِ، وَتَفْتَرُونَ عَلَيْهِ، إِذْ أَنَّكُمْ سَرَقْتُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَحَبَّ أَبْنَائِهِ إِلَيْهِ، وَعَرَّضْتُمُوهُ لِلْهَلاَكِ وَالرِّقِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِمَا تَصِفُونَهُ بِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا ادَّعَوْا أن داء السرقة في بنيامين قد سبقه إليه شقيق له من قبل، وقالوا ذلك في مجال تبرئة أنفسهم، وهكذا وَضُحَتْ ملامح العداوة منهم تجاه يوسف وأخيه. وقولهم: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ..} [يوسف: 77]. يُسمَّى في اللغة قضية شرطية. ومعنى القضية الشرطية؛ أن حدثاً يقع بسبب حَدَث وقع قبله، فهناك حَدَث يحدث وحده، وهناك حَدَث يحدث بشرط أن يحدث قبله حدث آخر. مثال هذا هو قولك لتلميذ: إنْ تذاكر دروسك تنجحْ، وهنا حَدَثان، المذاكرة والنجاح، فكأن حدوثَ النجاح الشرط فيه حدوث المذاكرة، ولا بُدَّ أن يحدث الشرط أولاً؛ ثم يحدث الحدث الثاني، وهو هنا قولهم: {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ..} [يوسف: 77]. كتعليل لسرقة بنيامين. والمثل من القرآن أيضاً: {أية : فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ ..} تفسير : [آل عمران: 184]. فكأن الله يوضح للرسول صلى الله عليه وسلم: إنْ كذَّبوك الآن فيما تنقل لهم من أخبار السماء؛ فلا تحزن ولا تبتئس؛ فهذا التكذيب ظاهرة عَانَى منها كل الرسل السابقين لك؛ لأنهم يجيئون بما يُنكره المرسل إليهم أولاً، فلا بد أن يكذبوا، وهكذا يستقيم الشرط، لأن الحق سبحانه هنا قد عدل بالشيء عن سببه، فكان جواب الشرط بعد الزمان الذي حدث فيه الشرط. وهنا قال الحق سبحانه: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ..} [يوسف: 77]. أي: لا تعجب يا عزيز مصر؛ لأن هذه خصلة في أولاد راحيل، قالوا ذلك وهم يجهلون أنهم يتحدثون إلى يوسف ابن راحيل!! وكل حدث يحدث للمَلَكات المستقيمة؛ لا بُدَّ أن يُخرج تلك المَلَكات عن وضعها، ونرى ذلك لحظة أن يتفوَّه واحد بكلمة تُخرج إنساناً مستقيماً عن حاله وتُنغِّصه، ويدرك بها الإنسان المستقيم ما يؤلمه؛ وينفعل انفعالاً يجعله ينزع للردِّ. ولذلك يوصينا صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس؛ فإن ذهب عنه الغضب؛ وإلا فليضطجع ". تفسير : كي يساعد نفسه على كَظْم ضيقه وغضبه، ولِيُسرِّب جزءاً من الطاقة التي تشحنه بالانفعال. ولكن يوسف عليه السلام لم ينزع إلى الرد، لذلك قال الحق سبحانه: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ ..} [يوسف: 77]. وكان يستطيع أن يقول لهم ما حدث له من عمَّته التي اتهمته بالباطل أنه سرق؛ لتحتفظ به في حضانتها من فَرْط حُبِّها له، لكن يوسف عليه السلام أراد أن يظل مجهولاً بالنسبة لهم، لتأخذ الأمور مجراها: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ..} [يوسف: 77]. حدث ذلك رغم أن قولهم قد أثَّر فيه، ولكن قال رأيه فيهم لنفسه: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]. لأنكم أنتم مَنْ أخذتموني طفلاً لألعب؛ ثم ألقيتموني في الجب؛ وتركتم أبي بلا موانسة .. وأنا لم أسرق بل سُرِقت، وهكذا سرقتم ابناً من أبيه. وهو إنْ قال هذا في نفسه فلا بُدَّ أن انفعاله بهذا القول قد ظهر على ملامحه، وقد يظهر المعنى على الملامح، ليصِلَ إليهم المعنى، والقول ليس إلا ألفاظاً يصل به مدلول الكلام إلى مُسْتمع. وقد وصل المعنى من خلال انفعال يوسف. وقوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]. أي: أنه سبحانه أعلم بما تنعتون، وتظهرون العلامات والسِّمات، وغلبت كلمة "تصفون" على الكلام. ومثال هذا هو قول الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ ..} تفسير : [النحل: 116]. أي: أن ما تقولونه يُوحِي من تلقاء نفسه أنه كَذِب، وهكذا نعرف أن كلمة "تَصِف" وكلمة "تصفون" غلب في استعمالهما للكلام الذي يحمل معه دليلَ كَذِبه. ويأتي الحق سبحانه بما جاء على ألسنتهم بعد ذلك: {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} [الآية: 77]. يعنون يوسف. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} [الآية: 77]. يعني: بما يقولون. وهذا قول يوسف، عليه السلام. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كَبِيرُهُمْ} [الآية: 80]. قال: يعني شمعون، الذي تخلف وأَكبر منه في الميلاد روبيل. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} [الآية: 81]. أَي: لم نشعر أَنه سيسرق. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} [الآية: 84]. يقول: يا جزعا على يوسف. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَهُوَ كَظِيمٌ} [الآية: 84]. يعني كظيم الحزن: أَي شديد الحزن.

الجيلاني

تفسير : ثم لما شاهدوا استخراج الوعاء من رجل بنيامين اضطبروا اضطراباً شديداً وتحزنوا حزناً غيظاً {قَالُوۤاْ} مغاضبين عليه مريدين مقته: {إِن يَسْرِقْ} هذا اللئيم، فلا تعجبوا منه؛ إذ هي من ديدنة أخيه سربت عليه {فَقَدْ سَرَقَ} مثله {أَخٌ لَّهُ} أكبر منه {مِن قَبْلُ} من أوان طفوليته يريدون يوسف. قيل: ورثت عمة يوسف من أبيها منطقة إبرايهم، وكانت تحضن يوسف وتحبه، فلما شب أراد يعقوب انتزاعه منها، فلم ترض العمة، فشدت المنطقة على وسطه ثم أظهرت ضياعها، فتفحص عنها فوجدتها مشدودة في وسطه، فتحاكموا فصارت أحق به في دينهم. فلما سمع يوسف منهم ما سمع {فَأَسَرَّهَا} وكتمها {يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} ولم يظهر الإنكار عليهم بل أضمر حيث {قَالَ} في نفسه وسره: {أَنْتُمْ} أيها المسرفون {شَرٌّ مَّكَاناً} أي: خصلة ومنزلة وشأناً {وَٱللَّهُ} المطلع لأحوال عباده {أَعْلَمُ} منكم {بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77] وتشرحون بألسنتكم افتراء ومراء. ثم لما جزم العزيم بأخذ أخيه على جريمة السرقة واسترقاقه إلى سنة {قَالُواْ} متضرعين متذللين منادين له على وجه الخضوع راجين من قبوله: {يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ} أدام الله عزك {إِنَّ لَهُ} أي: لهذا المفسد السارق {أَباً شَيْخاً كَبِيراً} في السن والمرتبة؛ إذ هو نبي من الأنبياء، ضرير من فراق ابنه الهالك، يتسلى قلبه ويزول وحشته لمؤانسته هذا المسرف مع أنا حلفنا معه وآتيناه موثقاً عظيماً أن نرجع فيه {فَخُذْ} من جاهك وإحسانك {أَحَدَنَا مَكَانَهُ} أي: بدله بواحد منا لنخدم في بابك، وأطلقه لنذهب به غلى أبيه الضرير الضعيف؛ لئلا يستوجش ولا نحنث في حلفنا {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 78] المتعودين للإحسان، المتمرنين فيه، فتعم علينا وعلى الشيخ الضعيف إحسانك وامتنانك. {قَالَ} يوسف: {مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} يعني: نعوذ بالله أن نأخذ غير السارق بدله ظلماً لمصلحتكم {إِنَّـآ} وإن فعلنا مثل ما التمستم من كنا {إِذاً لَّظَالِمُونَ} [يوسف: 79] خارجون عن حدود الله بلا إذن شرعي. {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ} ومن تبديدله {خَلَصُواْ} وخرجوا من عنده {نَجِيّاً} متناجين في نفوسهم بأن ما عليه العزيم هو الحق؛ لأ أخذ البريء بدل المجرم ظلم صريح، ثم لما صمموا العزم إلى الرجوع وآيسوا من بنيامين {قَالَ كَبِيرُهُمْ} رأياً وسناً، وهو روبيل أو شمعون: {أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ} أيها المسرفون {أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً} عظيماً وعهداً وثيقاً {مِّنَ ٱللَّهِ} القادر المقتدر على أنواع الغضب والانتقام أن ترجعوا به {وَ} أيضاً لم تستحيوا من الله ولم تتذكروا {مِن قَبْلُ} في سالف الزمان {مَا فَرَّطتُمْ فِي} حق {يُوسُفَ} من الإذلال والزجر التام والألم المفرط والإلقاء في الجب وبيعه رقيقاً، وغير ذلك من أنوا الأذبات معه، وأنتم ما استحييتم من الله، تدعون وراثة الأنبياء وتنسبون أنفسكم إليهم وبعد اللتيا والتي فعلتم بأخيه أيضاً هذا {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} أي: لا أزول عن أرض مصر {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي} بالخروج منها {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} [يوسف: 80].

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} [يوسف: 77] الإشارة فيها أن إخوة يوسف القلب وهم أوصاف البشرية {قَالُوۤاْ} تهمة على يوسف القلب وأخيه بنيامين وإن كانا أخوين من أعزة أولاد يعقوب الروح وأطهرهم وأشرفهم وأحبهم إلى أبيهم منهم، فإنهما قابلان لتهمة السرقة في بدء الأمر وهي الإسراف من شهواته الدنيوية النفسانية على أنهما مخصوصان بحظوظ الأخروية الروحانية؛ فلمَّا سمع يوسف القلب ما اتهم وأخيه به من السرقة من قبل أخوته من أوصاف البشرية على أن الخيانة والسرقة من شأنهم. {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} [يوسف: 77] إن هذا من شأنكم وصنيعكم بنا، {قَالَ} [يوسف: 77] في نفسه، {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} [يوسف: 77] في الخيانة ممن مشبوه بها، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77] أنه من صفتنا أو صنيعكم. وفي قوله: {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} [يوسف: 78] إشارة إلى أن أوصاف البشرية لما رأت عزة القلب وعلمت أنه يملك مصر القالب وصار عزيزها، وعرفت اختصاص البشرية بفدائها النفس، وجعلت هذه الفدية وسيلة، وقربة إلى يعقوب الروح، وسبباً لإرضاء القلب لانتفاعها من أجسادكما قال {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 78] وإحسانه التجاوز عن إساءتهم والتقرب إليهم بدل إساءتهم إليه. {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} [يوسف: 79] أي: معاذ الله أن نقبل بالصحبة والمخالطة من لم يكن جنسنا، ويكون صحبة معنا بالكراهية والنفاق إلا من وجدنا متاعنا من الصدق والمحبة والطلب والإخلاص، وسر نظر العناية الإلهية عنده وإن قبلنا من لم يكن مخلصاً مستحقاً لصحبتنا ولم نجد عنده متاعنا، {إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ} [يوسف: 79] واضعون الشيء في غير موضعه. {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ} [يوسف: 80] أوصاف البشرية من القلب أن يقبلهم بالصحبة، {مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً} [يوسف: 80] أي: خلصوا عن أوصافهم الذميمة في التناجي، {قَالَ كَبِيرُهُمْ} [يوسف: 80] وهو صفة العقل، {أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ} [يوسف: 80] يعني: الروح، {قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ} [يوسف: 80] يعني: يوم الميثاق {أية : أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ}تفسير : [هود: 2]. {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} [يوسف: 80] القلب بأن ألقيتموه في جُبِّ البشرية، {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} [يوسف: 80] فناء القلب وهي الصدر، {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} [يوسف: 80] إشارة الله إلى أن صفة العقل لما كلفت عن أوصاف البشرية خرجت عن أوامر النفس وتصرفاتها، ويصير محكومة لأوامر الروح، ومستسلمة لأحكام الحق والخير له في الاستسلام لأحكامه؛ لأنه {خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ}. وفي قوله: {ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ} [يوسف: 81] إشارة إلى أن العقل المخلص من أوصاف البشرية يحكم على أوصاف البشرية بالرجوع إلى عالم أبيهم الروح على أقدام العبودية، وتبديل أخلاقه الذميمة بالحميدة، {فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ} [يوسف: 81] بنيامين، {سَرَقَ} [يوسف: 81] أي: أخذ بالسرقة؛ لأنه وجد في رحله سقاية الملك؛ أي: محبة الله تعالى هي مشربة له، وبها يكتال الملك على وفده من محبته وطالبيه لقوله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]. {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} [يوسف: 81] من ظهور أحواله، {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} [يوسف: 81] أي: ما كنا عند ارتحالنا من الغيب إلى الشهادة حافظين بأن جعل السقاية في رحله محيط بنا.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 417 : 37 : 43 - سفين في قوله {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} قال، كان يوسف سرق آلهتهم. {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ}. [الآية 77].

همام الصنعاني

تفسير : 1328- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}: [الآية: 77]، قال: ذكر لنا أنه سَرَقَ صَنْماً كان لجده أبي أمِّه فَعيَّروه بذلِكَ، فَأَسَرَّها يوسف في نَفسه ولم يبدها لهم {قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}: [الآية: 77]، أسرَّ هذا القول. 1329- عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، قال: كنَّا عند ابن عباس، فحدث حَدِيثاً فتعجب رجل، فَقَالَ: الحمد للهِ فوق كل ذي علم عليم، فقال ابن عباس: بئس ما قلت، الله العليم وَهُوَ فوق كل عالم.