١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
78
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى بين أنهم بعد الذي ذكروه من قولهم: { أية : إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } تفسير : [يوسف: 77] أحبوا موافقته والعدول إلى طريقة الشفاعة فإنهم وإن كانوا قد اعترفوا أن حكم الله تعالى في السارق أن يستعبد، إلا أن العفو وأخذ الفداء كان أيضاً جائزا، فقالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً أي في السن، ويجوز أن يكون في القدر والدين، وإنما ذكروا ذلك لأن كونه ابناً لرجل كبير القدر / يوجب العفو والصفح. ثم قالوا: {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } يحتمل أن يكون المراد على طريق الاستبعاد ويحتمل أن يكون المراد على طريق الرهن حتى نوصل الفداء إليك. ثم قالوا: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } وفيه وجوه: أحدها: إنا نراك من المحسنين لو فعلت ذلك. وثانيها: إنا نراك من المحسنين إلينا حيث أكرمتنا وأعطيتنا البذل الكثير وحصلت لنا مطلوبنا على أحسن الوجوه ووردت إلينا ثمن الطعام. وثالثها: نقل أنه عليه السلام لما اشتد القحط على القوم ولم يجدوا شيئاً يشترون به الطعام، وكانوا يبيعون أنفسهم منه فصار ذلك سبباً لصيرورة أكثر أهل مصر عبيداً له ثم إنه أعتق الكل، فلعلهم قالوا: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } إلى عامة الناس بالإعتاق فكن محسناً أيضاً إلى هذا الإنسان بإعتاقه من هذه المحنة، فقال يوسف: {مَعَاذَ ٱللَّهِ } أي أعود بالله معاذاً أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، أي أعوذ بالله أن آخذ بريئاً بمذنب قال الزجاج: موضع «أن» نصب والمعنى: أعوذ بالله من أخذ أحد بغيره فلما سقطت كلمة «من» انتصب الفعل عليه وقوله: {إِنَّـا إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ } أي لقد تعديت وظلمت إن آذيت إنساناً بجرم صدر عن غيره. فإن قيل: هذه الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب، فكيف يجوز من يوسف عليه السلام مع رسالته الإقدام على هذا التزوير والترويج وإيذاء الناس من غير سبب لا سيما ويعلم أنه إذا حبس أخاه عند نفسه بهذه التهمة فإنه يعظم حزن أبيه ويشتد غمه، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة في التزوير إلى هذا الحد. والجواب: لعله تعالى أمره بذلك تشديداً للمحنة على يعقوب ونهاه عن العفو والصفح وأخذ البدل كما أمر تعالى صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغى وكفر.
البيضاوي
تفسير : {قَالُواْ يا أَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} أي في السن أو القدر، ذكروا له حاله استعطافاً له عليه. {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } بدله فإن أباه ثكلان على أخيه الهالك مستأنس به. {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } إلينا فأتمم إحسانك، أو من المتعودين بالإِحسان فلا تغير عاداتك.
ابن كثير
تفسير : لما تعين أخذ بنيامين، وتقرر تركه عند يوسف بمقتضى اعترافهم، شرعوا يترققون له، ويعطفونه عليهم {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} يعنون: وهو يحبه حباً شديداً، ويتسلى به عن ولده الذي فقده {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} أي: بدله، يكون عندك عوضاً عنه، {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي: العادلين المنصفين القابلين للخير، {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُ} أي: كما قلتم واعترفتم {إِنَّـآ إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ} أي: إن أخذنا بريئاً بسقيم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ يَٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } يحبه أكثر منا ويتسلى به عن ولده الهالك ويحزنه فراقه {فَخُذْ أَحَدَنَا } استعبده {مَكَانَهُ } بدلاً منه {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } في أفعالك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً} لكن قالوا ذلك ترقيقاً واستعطافاً وفي قولهم {كبيراً} وجهان: أحدهما: كبير السن. الثاني: كبير القدر لأن كبر السن معروف من حال الشيخ. {فخذ أحدنا مكانه} أي عبْداً بدله. {إنا نراك من المحسنين} فيه وجهان: أحدهما: نراك من المحسنين في هذا إن فعلت، قاله ابن إسحاق. الثاني: نراك من المحسنين فيما كنت تفعله بنا من إكرامنا وتوفية كيلنا وبضاعتنا. ويحتمل ثالثاً: إنا نراك من العادلين، لأن العادل محسن. فأجابهم يوسف عن هذا{قال معاذَ الله أن نأخذ إلا من وجَدْنا متاعنا عنده إنَّا إذًا لظالمون}إن أخذنا بريئاً بسقيم، وفيه وجه ثان: إنا إذاً لظالمون عندكم إذا حكمنا عليكم بغير حكم أبيكم أن من سرق استُرِقّ.
ابن عطية
تفسير : خاطبوه باسم {العزيز} إذ كان في تلك الخطة بعزل الأول أو موته - على ما روي في ذلك - وقولهم: {فخذ أحدنا مكانه} يحتمل أن يكون مجازاً وهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر ليسترقّ بدل من أحكمت السنة رقه، وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله: اقتلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنت لا تريد أن يقتلك، ولكنك تبالغ في استنزاله، وعلى هذا يتجه قول يوسف {معاذ الله} لأنه تعوذ من غير جائز، ويحتمل أن يكون قولهم {فخذ أحدنا مكانه} حقيقة، وبعيد عليهم - وهم أنبياء - أن يريدوا استرقاق حر، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة، أي خذ أحدنا حتى ينصرف إليك صاحبك، ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه، ويعرف يعقوب جلية الأمر، فمنع يوسف عليه السلام من ذلك، إذ الحمالة في الحدود ونحوها لمعنى إحضار المضمون فقط جائزة مع التراضي غير لازمة إذا أبى الطالب، وأما الحمالة في مثل ذلك - على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة - فلا يجوز ذلك إجماعاً. وفي الواضحة: إن الحمالة بالوجه فقط في جميع الحدود جائزة إلا في النفس. وقولهم: {إنا نراك من المحسنين}، يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوه من إحسانه في جميع أفعاله - معهم ومع غيرهم - ويحتمل أن يريدوا: إنا نرى لك إحساناً علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا - وهذا تأويل ابن إسحاق. و {معاذ} نصب على المصدر، ولا يجوز إظهار الفعل معه، والظلم في قوله: {الظالمون} على حقيقته، إذ هو وضع الشيء في غير موضعه، وذكر الطبري أنه روي أن يوسف أيأسهم بلفظه هذا، قال لهم: إذا أتيتم أباكم فاقرأوا عليه السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ولدك يوسف، ليعلم أن في أرض مصر صديقين مثله. وقوله: {فلما استيأسوا منه} الآية، يقال: يئس واستيأس بمعنى واحد، كما يقال: سخر واستسخر، ومنه قوله تعالى: {أية : يستسخرون} تفسير : [الصافات: 14] وكما يقال: عجب واستعجب، ومنه قول أوس بن حجر: [الطويل] شعر : ومستعجب مما يرى من أناتنا ولو زبنته الحرب لم يترمرم تفسير : ومنه نوك واستنوك - وعلى هذا يجيء قول الشاعر في بعض التأويلات: واستنوكت وللشباب نوك. وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير: "استأيسوا" و "لا تأيسوا" و "لا يأيس" و "حتى استأيس الرسل" أصله استأيسوا - استفعلوا - ومن أيس - على قلب الفعل من يئس إلى أيس، وليس هذا كجذب وجبذ بل هذان أصلان والأول قلب، دل على ذلك أن المصدر من يئس وأيس واحد، وهو اليأس، ولجذب وجبذ مصدران. وقوله: {خلصوا نجياً} معناه انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضاً، والنجي لفظ يوصف به من له نجوى واحداً أو جماعة أو مؤنثاً أو مذكراً، فهو مثل عدو وعدل، وجمعه أنجية، قال لبيد: شعر : وشهدت أنجية الأفاقة عالياً كعبي وأرداف الملوك شهود تفسير : و {كبيرهم} قال مجاهد: هو شمعون لأنه كان كبيرهم رأياً وتدبيراً وعلماً - وإن كان روبيل أسنهم - وقال قتادة: هو روبيل لأنه أسنهم، وهذا أظهر ورجحه الطبري. وقال السدي: معنى الآية: وقال كبيرهم في العلم، وذكرهم أخوهم الميثاق في قوله يعقوب {أية : لتأتنني به إلا أن يحاط بكم} تفسير : [يوسف: 66]. وقوله: {ما فرطتم} يصح أن تكون {ما} صلة في الكلام لا موضع لها من الإعراب. ويصح أن تكون في موضع رفع بالابتداء والخبر قوله: {في يوسف} - كذا قال أبو علي - ولا يجوز أن يكون قوله: {من قبل} متعلقاً بـ {فرطتم}. قال القاضي أبو محمد: وإنما تكون - على هذا - مصدرية، التقدير: من قبل تفريطكم في يوسف واقع أو مستقر، وبهذا المقدر يتعلق قوله: {من قبل}. ويصح أن يكون في موضع نصب عطفاً، على أن التقدير: وتعلموا تفريطكم أو تعلموا الذي فرطتم، فيصح - على هذا الوجه - أن يكون بمعنى الذي ويصح أن تكون مصدرية. وقوله تعالى: {فلن أبرح الأرض} أراد أرض القطر والموضع الذي ناله فيه المكروه المؤدي إلى سخط أبيه، والمقصد بهذا اللفظ التحريج على نفسه والتزام التضييق، كأنه سجن نفسه في ذلك القطر ليبلي عذراً. وقوله: {أو يحكم الله لي} لفظ عام بجميع ما يمكن أن يرده من القدر كالموت أو النصرة وبلوغ الأمل وغير ذلك، وقال أبو صالح: أو يحكم الله لي بالسيف. ونصب {يحكم} بالعطف على {يأذن}، ويجوز أن تكون {أو} في هذا الموضع بمعنى إلا أن، كما تقول: لألزمنك أو تقضيني حقي، فتنصب على هذا {يحكم} بـ {أو}. وروي أنهم لما وصلوا إلى يعقوب بكى وقال: يا بني ما تذهبون عني مرة إلا نقصتم: ذهبتم فنقصتم يوسف، ثم ذهبتم فنقصتم شمعون حيث ارتهن، ثم ذهبتم فنقصتم بنيامين وروبيل.
ابن عبد السلام
تفسير : {شَيْخاً كَبِيراً} في السن، أو القدر. {مَكَانَهُ} عبداً بدله {مِنَ الْمُحْسِنِينَ} في هذا إن فعلته، أو بإكرامنا وتوفية كيلنا ورد بضاعتنا.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً} الآية. اعلم: أنهم لمَّا قالوا: {إن سرق فقد سرق أخ له من قبل}، أحبُّوا موافقته، والعدول إلى طريق الشَّفاعة، وأنهم، وإن كانوا قد اعترفوا بأن حكم الله في السارق أن يستعبد، إلاَّ أنَّ العفو وأخذ الفداء كان أيضاً جائزاً؛ فقالوا: {يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً}، في السنِّ، ويجوز أن يكون في القدر، والدِّين؛ لأن قولهم: "شَيْخاً" يعلم منه كبر سنه، وإنَّما ذكروا ذلك؛ لأنَّ كونه ابناً لرجلٍ كبير القدرِ يوجب العفو [والصفح]. قوله: "مَكانَهُ" فيه وجهان: أظهرهما: أنَّ "مَكَانهُ": نصب [على الظرف]، والعامل فيه: "خُذْ". والثاني: أنه ضمَّن "خُذْ" معنى: "اجْعَلْ"، فيكونُ: "مَكَانهُ" في محلِّ المفعول الثاني. وقال الزمخشريُّ: "فخُذْ بدله على جهةِ الاسترهانِ؛ حتَّى نردّ الفداء إليك، أو الاستعباد". ثم قالوا: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}، لو فعلت ذلك. وقيل: من المحسنين إلينا في توفية الكيل، وحسن الضِّيافة، وردِّ البضاعة. وقيل: من المحسنين في أفعالك، وقيل: لما اشتدّ القحطُ على القوم، ولم يجدوا ما يشترون به من الطَّعام، وكانوا يبيعون أنفسهم، فصار ذلك سبباً لصيرورة أكثر أهل مصر عبيداً له، ثم إنه أعتق الكُلّ قالوا: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} إلى عامة النَّاس بالإعتاق، فكن محسناً أيضاً إلى هذا الإنسان بالإعتاق من هذه المحنة. فقال يوسف: {مَعَاذَ ٱللَّهِ} أي أعوذ بالله معاذاً {أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} أي أعوذُ باللهِ أن نأخذ بريئاً بمذنب. قال الزجاج: "موضع "أنْ" نصب، والمعنى: أعوذُ باللهِ من أخذِ أحدٍ بغيره، فلمَّا سقطت كلمة: "مَنْ" تعدَّى الفعل". وقوله: {إِنَّـآ إِذاً} حرف جواب وجزاء، تقدَّم الكلام [النساء:67 ـ البقرة:14] على أحكامها. والمعنى: لقد تعدّيت، وظلمت، إن أخذت بريئاً بجُرمٍ صدر من غيره، فقال: {مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} ولم يقل: "مَنْ سَرَقَ" تحرُّزاً من الكذب. فإن قيل: هذه الواقعةُ من أوَّلها إلى آخرها، تزوير وكذب، فكيف يجوز ليوسف مع رسالته الإقدام على التَّزوير، وإيذاء النَّاس من غير ذنب لا سيَّما ويعلم أنَّهُ إذا حبس أخاه عنده بهذه التُّهمةِ فإنه يعظمُ حزنُ أبيه، ويشتدُّ غمُّه، فكيف يليقُ بالرسول المعصوم المبالغة في التَّزويرِ إلى هذا الحدّ؟!. فالجواب: لعلَّه ـ تعالى ـ أمره بذلك تشديداً للمحنة على يعقوب، ونهاه عن العفوِ والصَّفح، وأخذ البدل، كما أمر ـ تعالى ـ صاحب موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ بقتل من لو بَقِي لَطَغَى وكفَر.
ابو السعود
تفسير : {قَالُواْ} عندما شاهدوا مخايلَ أخْذِ بنيامين مستعطِفين {قَالُواْ يا أَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا} لم يريدوا بذلك الإخبارَ بأن له أباً ذلك معلومٌ مما سبق وإنما أرادوا الإخبار بأن له أباً {شَيْخًا كَبِيرًا} في السن لا يكاد يستطيع فراقَه وهو عَلالةٌ به يتعلل عن شقيقه الهالك {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} فلسنا عنده بمنزلته من المحبة والشفقة {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} إلينا فأتمم إحسانَك بهذه التتمة أو المتعوّدين بالإحسان فلا تغيّر عادتك. {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ} أي نعوذ بالله معاذاً من {أَن نَّأْخُذَ} فحُذف الفعلُ وأُقيم مُقامَه المصدرُ مضافاً إلى المفعول به بعد حذفِ الجارِّ {إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُ} لأن أخْذنا له إنما هو بقضية فتواكم فليس لنا الإخلالُ بموجبها، وإيثارُ صيغة التكلم مع الغير كون الخطابِ من جانب إخوتِه على التوحيد من باب السلوكِ إلى سنن الملوك، أو للإشعار بأن الأخذَ والإعطاءَ ليس مما يُستبدّ به بل هو منوطٌ بآراء أولي الحلِّ والعقد، وإيثارُ (مَنْ وجدنا متاعنا عنده) دون مَنْ سرق متاعنا لتحقيق الحقِّ والاحتراز عن الكذب في الكلام مع تمام المرام فإنهم لا يحمِلون وُجدان الصُّواعِ في الرحل على محمل غيرِ السرقة {إِنَّا إِذَاً} أي إذا أخذنا غيرَ من وجدنا متاعنا عنده ولو برضاه {لَّظَـٰلِمُونَ} في مذهبكم وما لنا ذلك، وهذا المعنى هو الذي أريد بالكلام في أثناء الحوارِ، وله معنى باطنٌ هو أن الله عز وجل إنما أمرني بالوحي أن آخذَ بنيامينَ لمصالحَ علمها الله في ذلك فلو أخذتُ غيرَه كنت ظالماً وعاملاً بخلاف الوحي. {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ} أي يئسوا من يوسف وإجابتِه لهم أشدَّ يأس بدِلالة صيغة الاستفعال، وإنما حصَلت لهم هذه المرتبةُ من اليأس لِما شاهدوه من عَوْذه بالله مما طلبوه الدالِّ على كون ذلك عنده في أقصى مراتب الكراهةِ وأنه مما يجب أن يُحترز عنه ويُعاذَ منه بالله عز وجل ومن تسميته ظلماً بقوله: {إِنَّـا إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ} {خَلَصُواْ} اعتزلوا وانفردوا عن الناس {نَجِيّاً} أي ذوي نجوى على أن يكون بمعنى النجوى والتناجي أو فوجاً نجياً على أن يكون بمعنى المناجى كالعشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر ومنه قوله تعالى: {أية : وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} تفسير : [مريم: 52] ويجوز أن يقال: هم نَجيٌّ، كما يقال: هم صديق لأنه بزنة المصادر من الزفير والزئير {قَالَ كَبِيرُهُمْ} في السن وهو روبـيلُ أو في العقل وهو يهوذا أو رئيسهم وهو شمعون {أَلَمْ تَعْلَمُواْ} كأنهم أجمعوا عند التناجي على الانقلاب جملةً ولم يرضَ به فقال منكِراً عليهم: ألم تعلموا {أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ} عهداً يوثق به وهو حِلفُهم بالله تعالى، وكونُه من الله لإذنه فيه وكونِ الحلف باسمه الكريم {وَمِن قَبْلُ} أي ومن قبل هذا {مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ} قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهدَ أبـيكم وقد قلتم: وإنا له لناصحون، وإنا له لحافظون، وما مزيدةٌ أو مصدرية، ومحلُّ المصدر النصبُ عطفاً على مفعول تعلموا أي ألم تعلموا أخذَ أبـيكم عليكم موثقاً وتفريطَكم السابقَ في شأن يوسف عليه السلام، ولا ضير في الفصل بـين العاطفِ والمعطوفِ بالظرف وقد جوّز النصبُ عطفاً على اسم أن والخبر في يوسف أو من قبل على معنى ألم تعلموا أن تفريطَكم السابق وقع في شأن يوسف عليه السلام أو أن تفريطَكم الكائنَ أو كائناً في شأن يوسف عليه السلام وقع من قبل، وفيه أن مقتضى المقام إنما هو الإخبارُ بوقوع ذلك التفريطِ لا بكون تفريطِهم السابقِ واقعاً في شأن يوسف كما هو مفادُ الأول، ولا بكون تفريطِهم الكائنِ في شأنه واقعاً من قبل كما هو مفادُ الثاني على أن الظرفَ المقطوعَ عن الإضافة لا يقع خبراً ولا صفة ولا صلة ولا حالاً عند البعض كما تقرر في موضعه، وقيل: محلُّه الرفعُ على الابتداء والخبرُ من قبلُ وفيه ما فيه، وقيل: ما موصولةٌ أو موصوفة ومحلها النصبُ أو الرفعُ والحقُّ هو النصبُ عطفاً على مفعول تعلموا أي ما فرطتموه بمعنى قدمتموه في حقه من الخيانة، وأما النصبُ عطفاً على اسم أن أو الرفعُ على الابتداء فقد عرفتَ حاله {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} متفرِّعٌ على ما ذكَره وذكره إياهم من ميثاق أبـيه وقوله: {أية : لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} تفسير : أي فلن أفارق أرضَ مصرَ جارياً على قضية الميثاق {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِى أَبِى} في البَراح بالانصراف إليه وكأن أيمانَهم كانت معقودةً على عدم الرجوعِ بغير إذن يعقوبَ عليه السلام {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى} بالخروج منها على وجه لا يؤدّي إلى نقض الميثاقِ أو بخلاص أخي بسبب من الأسباب. روي أنهم كلموا العزيز في إطلاقه فقال روبـيلُ: أيها الملك لترُدَّن إلينا أخانا أو لأصِيحن صَيْحةً لا تَبقىٰ بمصرَ حاملٌ إلا ألقت ولدها ووقعت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه وكان بنو يعقوب إذا غضِبوا لا يطاقون خلا أنه إذا مس مَنْ غضب واحدٌ منهم سكن غضبُه، فقال يوسف لابنه: قم إلى جنبه فَمُسّه فَمَسَّه فقال روبـيل: مَنْ هذا؟ إن في هذا البلد بَذْراً من بَذر يعقوب {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ} إذ لا يحكم إلا بالحق والعدل.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}. لم تنفعهم كثرةُ التَّنَصُّل، وما راموا به من ذكر أبيهم ابتغاءَ التوسُّل، ولم ينفعهم ما قيل منهم حين عَرَضُوا عليه أن يأخذَ أحدَهم في البَدَل.. كذلك فكلٌّ مُطَالَبٌ بفعل نفسه: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [الأنعام: 164]؛ فلا الأبُ يُؤْخَذُ بَدَلَ الولد، ولا القريب يُرضَى به عوضاً عن أحد؛ لذلك قال يوسف عليه السلام: قوله جلّ ذكره: {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ} توهموا أن الحديث معهم من حيث معاملة الأموال، فعَرَضُوا أنفسهم كي يؤخذ واحدٌ منهم بَدَلَ أخيهم، ولم يعلموا أن يوسف عليه السلام كادَهم في ذلك، وأنَّ مقصودَه من ذلك ما استكَنَّ في قلبه مِنْ حُبِّ لأخيه، وكلاَّ.. أَنْ يكونَ عن المحبوبِ بَدَلٌ أو لقوم مقامُ أحدٍ... وفي معناه أنشدوا: شعر : إذا أَوْصَلْتَنا الخُلْدَ كيما تُذِيقنا أَبَيْنا وقُلْنا: أنتَ أَوْلَى إلى القلب تفسير : وقيل: شعر : أُحِبُّ لَيْلَى وبُغِّضَتْ إليَّ نساءٌ ما لَهُنَّ ذُنُوبُ
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا} مستعطفين {يا ايها العزيز ان له ابا شيخا كبيرا} فى السن لا يكاد يستطيع فراقه [وبعد از هلاك بسرخود يوسف بدو انس والفت دارد] {فخذ احدنا مكانه} بدله على وجه الاسترهان او الاسترقاق فلسنا عنده بمنزلته من المحبة والشفقة {انا نراك من المحسنين} الينا فى الكيل والضيافة فاتمم احسانك بهذه النعمة
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية عن أخوة يوسف انه لما أخذ يوسف أخاه منهم مظهراً لاسترقاقه قالوا له، وهم لا يعرفونه {يا أيها العزيز} والعزيز الممتنع بقدرته من ان يضام. والعزّ منع الضيم بسعة المقدور والسلطان {إن له أباً شيخاً كبيراً} يعنون يعقوب أبا اخيهم اي انه كبير السن، ويجوز ان يريدوا: كبير القدر {فخذ أحدنا مكانه} اي خذ واحداً منا عبداً بدله - في قول الحسن وغيره - {إنا نراك من المحسنين} الينا في الكيل ورد بضاعتنا. وقد أملنا ذلك منك.
الجنابذي
تفسير : {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً} ذكروا فى مقام استرحامه اوصافاً ثلاثةً: ابوّته له الموجبة لحزنه بفراقه، وشيخوخته المستلزمة للتّرحّم، وغاية كبره فى السّنّ مبالغة فى الشّيخوخة او فى المنزلة المستلزمة لمراعاته {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} فى أخذ أحدنا عوضه او مطلقاً او الينا سابقاً.
الهواري
تفسير : { قَالُوا يَاأَيُّهَا العَزِيزُ} يعنون يوسف، يعنون على الملك. قال الكلبي: إن يوسف كان العزيز بعد العزيز، سيده الذي ملكه. {إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} عبداً، ورُدَّه على أبيه، فإنه شيخ كبير. {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ}. { قَالَ} يوسف { مَعَاذَ اللهِ أَن نَّأْخُذَ} فنستعبد { إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} أي: على ما قضوا به على أنفسهم حيث {قَالُوا جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَآؤُهُ} يؤخذ عبداً بتلك السرقة. {إِنَّا إِذاً لَّظَالِمُونَ} [أي: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعنا عنده]. قوله: { فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ} أي: يئسوا من أن يرد عليهم أخاهم { خَلَصُوا نَجِيّاً} أي: خلصوا وحدهم نجِيّاً. جعلوا يتناجون ويتشاورون فيما بينهم في ذلك. { قَالَ كَبِيرُهُمْ} وهو روبيل، وهو الذي قال: {لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَاتِ الجُبِّ}. وقال مجاهد: كبيرهم شمعون، وأكبر منه في الميلاد روبيل. { أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقاً مِّنَ اللهِ، وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} قاال الحسن: وقد كانو أعطوا أباهم في يوسف أيضاً عهداً أن يردوه عليه. { فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ} يعني أرض مصر {حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} في الرجوع إليه { أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي} بغير الرجوع. وقال بعضهم: أو يحكم الله لي بالموت { وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ}.
اطفيش
تفسير : {قالُوا يا أيُّها العزيزُ} أى الملك {إنَّ لهُ أباً} نكروه مع أنه قد جرى فيه فيما بينهم وبين يوسف كما رأيت تعظيما {شيخاً} نعت {كبيراً} فى السن أو القدر، يستأنس به ويتسلى به عن أخيه الذى هو ثكلان من أجله {فخُذ أحدُنا مكانه} أى بدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد، فإن أبانا لا يهتم بواحد منا إن فُقد. {إنَّا نراكَ مِنَ المحْسنينَ} إلينا فيما مضى بالإكرام، وتوفية الكيل، ورد البضاعة، أو فى أفعالك كلها، فلا تغير عادتك، وقيل إنا نراك من المحسنين إن أخذت أحدنا مكانه.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ} هو هنا وصف ولذلك تبع به أَيها، وليس علماً، ولا يقال يا أيها الحرث ويراد به رجل يسمى حارثاً فكأَنه قيل يا أَيها الملك العزيز الشأْن {إِنَّ لَهُ} لأَخينا الذى أَخذته {أَباً شيْخاً} نعت لأَبا {كَبِيراً} هو ما كبير السن فإِن الشيخ من حين شاب أَو دخل الخمسين، ولا يهرم فوق الخمسين إِلا إِن عمَّر كثيراً أَو كبير القدر عند الله لأنه نبى ابن نبى أَو أَرادوا كبر السن والقدر {فَخُذْ أَحَدَنَا مكانَهُ} بدلنا واستعبده، وإِنما كان المكان بمعنى البدل، لأَن بدل الشىء يكون مكانه ويتمكن فيه فكنى به عن البدل {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} شهدنا إِحسانك معنا ومع غيرنا وعلمناه وهذا من التوسل فى الإِحسان بالإِحسان السابق أَو نراك من المحسنين بردكه لنا إن رددته، وهذا لا يتبادر، وزعموا أَن أَقواهم روبيل، وقيل: شمعون، وكان إِذا صاح أَلقت كل حامل حملها إِذا سمعت صوته، وإذا غضب قام شعره حتى ينفذ من ثوبه، لما أَخذ يوسف بنيامين بالصياح قال: اردده إلينا، وإِلا صحت فتضع الحوامل واشتد غضبه وقال لإِخوته: اكفونى الملك وأَكفيكم أَهل مصر أَو أَكفيكموه وأَكفونيهم، وكانوا إذا مسهم يعقوب أو ولد له ذلوا واتضعوا فأَمر يوسف بنيامين أَن يقوم قريباً منه فيمسه ففعل ففتر، وقال: من مسنى منكم؟ إِن هنا أَحدا من أَولاد يعقوب، ثم عاود فتقدم إليه يوسف فقبض يده وضربه برجليه فوقع على الأَرض وقال ذليلا: يا أَيها العزيز إن له أَبا شيخاً كبيراً فخذ أَحدنا مكانه...إِلخ، والقائل واحد، وأَسند القول لهم على طريق الكل لا الكلية، أَو لرضى الباقين {قَالَ} يوسف {معَاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ} نعوذ بالله عوذا أَن نأْخذ وهذا فى معنى النفى، ولهذا صح التفريغ بقوله {إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا متَاعَنَا} أَى الصواع لم يقل إلا من سرق متاعنا، مع أَنه أَقل لفظا لأَنه ذكر فى الاستفتاءِ ذكر المتاع أَو للاحتراز عن الكذب {عِنْدَهُ} وهو بنيامين {إِنَّا إِذاً} إذا أَخذنا غيره على فرض أَنا أَخذنا غيره ومضى الأَخذ، أّو إِذا أَخذنا غيره كما طلبتم منا {لَظَالِمُونَ} لأَنفسنا بتبديل الدين، وللمأْخوذ بأَخذ غير الفاعل مكان الفاعل، ولم يقل إلا من سرق متاعنا تحرزا عن الكذب، وقد مر تخلصه من الكذب فى كل موضع يوهم الكذب، وبقى أن يقال كيف يسوغ له أَن لا يخبر يعقوب بأَنه فى مصر وكيف يأْخذ بنيامين ونحو ذلك بما يغم يعقوب الجواب: أن الله جل وعلا أمره بذلك فيعظم أجرها.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ} عندما شاهدوا مخايل أخذ بنيامين مستعطفين {يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً} طاعناً في السن لا يكاد يستطيع فراقه وهو علالة به يتعلل عن شقيقه الهالك، وقيل: أرادوا مسناً كبيراً في القدر، والوصف على القولين محط الفائدة وإلا فالإخبار بأن له أباً معلوم مما سبق {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } بدله فلسنا عنده بمنزلته من المحبة والشفقة {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } إلينا فأتم إحسانك فما الإنعام إلا بالإتمام أو من/ عادتك الإحسان مطلقاً فاجر على عادتك ولا تغيرها معنا فنحن أحق الناس بذلك، فالإحسان على الأول خاص وعلى الثاني عام، والجملة على الوجهين اعتراض تذييلي على ما ذهب إليه بعض المدققين، وذهب بعض آخر إلى أنه إذا أريد بالإحسان الإحسان إليهم تكون مستأنفة لبيان ما قبل إذ أخذ البدل إحسان إليهم وإذا أريد أن عموم ذلك من دأبك وعادتك تكون مؤكدة لما قبل وذكر أمر عام على سبيل التذييل أنسب بذلك.
ابن عاشور
تفسير : نَادَوْا بوصف العزيز إمّا لأنّ كلّ رئيس ولاية مهمة يدعى بما يرادف العزيز فيكون يوسف ــــ عليه السلام ــــ عزيزاً، كما أن رئيس الشرطة يدعى العزيز كما تقدم في قوله تعالى: { أية : امرأة العزيز } تفسير : [سورة يوسف: 30]؛ وإما لأن يوسف ضمت إليه ولاية العزيز الذي اشتراه فجمع التصرفات وراجعوه في أخذ أخيهم. ووصفوا أباهم بثلاث صفات تقتضي الترقيق عليه، وهي: حنان الأبوة، وصفة الشيخوخة، واستحقاقه جبر خاطره لأنه كبير قومه أو لأنه انتهى في الكِبر إلى أقصاه؛ فالأوصاف مسوقة للحث على سراح الابن لا لأصل الفائدة لأنهم قد كانوا أخبروا يوسف عليه السلام بخبر أبيهم. والمراد بالكبير: إما كبير عشيرته فإساءته تسوءهم جميعاً ومن عادة الولاة استجلاب القبائل، وإما أن يكون {كبيراً} تأكيداً لــــ {شيخا} أي بلغ الغاية في الكبر من السن، ولذلك فرّعوا على ذلك {فخذ أحدنا مكانه}، إذ كان هو أصغر الإخوة، والأصغر أقرب إلى رقة الأب عليه. وجملة {إنا نراك من المحسنين} تعليل لإجابة المطلوب لا للطلب. والتقدير: فلا تردّ سؤالنا لأنّا نراك من المحسنين فمثلك لا يصدر منه ما يسوء أباً شيخاً كبيراً. والمكان: أصله محل الكون أي ما يستقر فيه الجسم، وهو هنا مجاز في العوض لأن العوض يضعه آخذه في مكان الشيء المعوّض عنه كما في الحديث « حديث : هذه مَكانُ حجتك» تفسير : . و{معاذ} مصدر ميمي اسم للعوْذ، وهو اللجَأ إلى مكان للتحصن. وتقدم قريباً عند قوله: { أية : قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي } تفسير : [سورة يوسف: 23]. وانتصب هذا المصدر على المفعولية المطلقة نائباً عن فعله المحذوف. والتقدير: أعوذ بالله مَعاذاً، فلما حُذف الفعل جعل الاسم المجرور بباء التعدية متصلاً بالمصدر بطريق الإضافة فقيل: معاذَ اللّهِ، كما قالوا: سبحان الله، عوضاً عن أسبح الله. والمستعاذ منه هو المصدر المنسبك من {أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده}. والمعنى: الامتناع من ذلك، أي نلجأ إلى الله أن يعصمنا من أخذ من لا حق لنا في أخذه، أي أن يعصمنا من الظلم لأن أخذ من وُجِد المتاع عنده صار حقاً عليه بحكمه على نفسه، لأن التحكيم له قوة الشريعة. وأما أخذ غيره فلا يسوغ إذ ليس لأحد أن يسترقّ نفسه بغير حكم، ولذلك علل الامتناع من ذلك بأنه لو فعله لكان ذلك ظلماً. ودليل التعليل شيئان: وقوع {إنّ} في صدر الجملة، والإتيانُ بحرف الجزاء وهو {إذن}. وضمائر {نأخذ} و{وجدنا} و{متاعنا} و{إنا} و{لظالمون} مراد بها المتكلم وحده دون مشارك، فيجوز أن يكون من استعمال ضمير الجمع في التعظيم حكاية لعبارته في اللغة التي تكلم بها فإنه كان عظيم المدينة. ويجوز أن يكون استعمل ضمير المتكلم المشارك تواضعاً منه تشبيهاً لنفسه بمن له مشارك في الفعل وهو استعمال موجود في الكلام. ومنه قوله تعالى حكاية عن الخضر ــــ عليه السلام ــــ { أية : فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربهما } تفسير : الآية من سورة الكهف (80). وإنما لم يكاشفهم يوسف عليه السلام بحاله ويأمرهم بجلب أبيهم يومئذٍ: إمّا لأنه خشي إن هو تركهم إلى اختيارهم أن يكيدوا لبنيامين فيزعموا أنهم يرجعون جميعاً إلى أبيهم فإذا انفردوا ببنيامين أهلكوه في الطريق، وإما لأنه قد كان بين القبط وبين الكنعانيين في تلك المدة عداوة فخاف إن هو جلَب عَشيرته إلى مصر أن تتطرق إليه وإليهم ظنون السوء من ملك مصر فتريّث إلى أن يجد فرصة لذلك، وكان الملك قد أحسن إليه فلم يكن من الوفاء له أن يفعل ما يكرهه أو يسيءُ ظنه، فترقب وفاة الملك أو السعي في أرضائه بذلك، أو أراد أن يستعلم من أخيه في مدة الانفراد به أحوال أبيه وأهلِهم لينظر كيف يأتي بهم أو ببعضهم، وسنذكره عند قوله: { أية : قال هل عَلمتم ما فعلتم بيوسف } تفسير : [سورة يوسف: 89].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 78- ولم يكن بد من محاولة لتخليص أخيهم أو افتدائه، رجاء أن تصدق مواثيقهم ليعقوب، فاتجهوا إلى ترقيق قلب يوسف بحديث الأبوة فى شيخوختها وقالوا له: - أيها العزيز - إن لأخينا أباً طاعناً فى السن، فإن رحمته قبلت واحداً منا ليلقى الجزاء بدل ابنه هذا الذى تعلق به قلبه، وأملنا أن تقبل الرجاء، فقد جربنا عادتك الكريمة، وتأكد لنا انطباعكم عن حب الإحسان وعمل المعروف. 79- وما كان ليوسف أن ينقض تدبيرا وفَّقه الله إليه، ويفلت من يده أخاه، ولذلك لم يلنه استعطافهم، وردَّهم ردَّاً حاسماً، وقال لهم: إنى ألجأ إلى الله منزهاً نفسى عن الظلم فأحتجز غير من عثرنا على ما لنا معه، إذ لو أخذنا سواه بعقوبته لكنا من المعتدين الذين يأخذون البرئ بذنب المسئ. 80- فلما انقطع منهم الأمل، ويئسوا من قبول الرجاء، اختلوا بأنفسهم يتشاورون فى موقفهم من أبيهم، فلما انتهى الرأى إلى كبيرهم المدبر لشئونهم قال لهم: ما كان ينبغى أن تنسوا عهدكم الموثق بيمين الله لأبيكم أن تحافظوا على أخيكم حتى تردوه إليه، ولأنكم عاقدتموه من قبل على صيانة يوسف ثم ضيعتموه، ولذلك سأبقى بمصر لا أفارقها، إلا إذا فهم أبى الوضع على حقيقته، وسمح لى بالرجوع إليه، أو قضى الله لى بالرجوع الكريم، ويسره لى بسبب من الأسباب، وهو أعدل الحاكمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {نَرَاكَ} (78) - أَخَذَ إِخْوَةُ يُوسُفَ يَتَرَفَّقُونَ بِهِ، وَيَسْتَعْطِفُونَهُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَيُّهَا العَزِيزُ إِنَّ لِهذا الشَّابِّ وَالدًا عَجُوزاً يُحِبُّهُ حُبّاً كَبيراً وَيَتَسَلَّى بِهِ عَنْ وَلَدِهِ الذِي فَقَدَهُ، فَخُذْ أَحَدَنَا لِيَكُونَ عِنْدَكَ بَدَلاً عَنْهُ، فَإِنَّا نَرَاكَ رَجُلاً مُحْسِناً بَرّاً رَفِيقاً، فَأَتِمَّ إِحْسَانَكَ إِلَيْنا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا دخلوا مع يوسف في نقاش، وبدأوا في الاستعطاف؛ بقولهم: {إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ..} [يوسف: 78]. ونلحظ أن كلمة "كبير" تُطلق إطلاقات متعددة، إنْ أردتَ الكِبَر في السنِّ تكون من "كَبرَ يَكْبَر"، وإنْ أردتَ الكِبَرَ في المقام تقول: "كَبُرَ يَكبُر". والحق سبحانه يقول: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} تفسير : [الكهف: 5]. والكِبَر واحد من معاني العظمة، أما الكِبَرُ في السِّنِّ فهو مختلف؛ وهنا قالوا: {إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ..} [يوسف: 78]. قد تكون ترقيقاً بالعزة، أو ترقيقاً بالضعف. أي: إن له أباً شيخاً كبيراً عظيماً في قومه؛ وحين يُبلغه أن ابنه قد احتُجز من أجل سرقة، فهذا أمر مؤلم؛ ولك أن تُقدِّر ذلك وأنت عزيز مصر؛ ونرجو أن تحفظ للأب شرفه ومَجْده وعظمته، واسْتُرْ ذلك الأمر من أجل خاطر ومكانة والده. أو: أن يكون قولهم مقصوداً به، أن الأب شيخ مُهدَّم، لا يحتمل الصدمة، وخصوصاً أن له ابناً قد فُقِد. ثم يعرضون عَرْضاً آخر، فيقولون: {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 78]. أي: أنهم سألوه أن يُتمِّمَ إحسانه عليهم، فقد أحسن استقبالهم؛ وسبق أن أنزلهم منزلاً كريماً، وأعطاهم المَيْرة، ولم يأخذ بضائعهم ثمناً لها. ومَنْ يفعل ذلك؛ لا يضِنُّ عليهم بأن يستجيب لرجائهم، بأن يأخذ واحداً منهم بدلاً من أخيهم الصغير. كل هذه ترقيقات منهم لقلبه، ولكن القاعدة هي ألاَّ يُؤاخذ بالذنب إلا صاحبه؛ ولذلك لم يَفُتْ هذا الأمر على يوسف، فجاء الحق سبحانه بما يوضح ذلك: {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):