Verse. 1676 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

فَلَمَّا اسْتَيْـــَٔـسُوْا مِنْہُ خَلَصُوْا نَجِيًّا۝۰ۭ قَالَ كَبِيْرُہُمْ اَلَمْ تَعْلَمُوْۗا اَنَّ اَبَاكُمْ قَدْ اَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مِّنَ اللہِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُّمْ فِيْ يُوْسُفَ۝۰ۚ فَلَنْ اَبْرَحَ الْاَرْضَ حَتّٰى يَاْذَنَ لِيْۗ اَبِيْۗ اَوْ يَحْكُمَ اللہُ لِيْ۝۰ۚ وَہُوَ خَيْرُ الْحٰكِمِيْنَ۝۸۰
Falamma istayasoo minhu khalasoo najiyyan qala kabeeruhum alam taAAlamoo anna abakum qad akhatha AAalaykum mawthiqan mina Allahi wamin qablu ma farrattum fee yoosufa falan abraha alarda hatta yathana lee abee aw yahkuma Allahu lee wahuwa khayru alhakimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما استيأسوا» يئسوا «منه خلصوا» اعتزلوا «نجيا» مصدر يصلح للواحد وغيره أي يناجي بعضهم بعضا «قال كبيرهم» سنًّا روبيل أو رأيا: يهوذا «ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا» عهدا «من الله» في أخيكم «ومن قبل ما» زائد «فرطتم في يوسف» وقيل ما مصدرية مبتدأ خبره من قبل «فلن أبرح» أفارق «الأرض» أرض مصر «حتى يأذن لي أبي» بالعود إليه «أو يحكم الله لي» بخلاص أخي «وهو خير الحاكمين» أعدلهم.

80

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنهم لما قالوا: { أية : فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } تفسير : [يوسف: 78] وهو نهاية ما يمكنهم بذله فقال يوسف في جوابه: { أية : مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُ } تفسير : [يوسف: 79] فانقطع طمعهم من يوسف عليه السلام في رده، فعند هذا قال تعالى: {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا } وهو مبالغة في يأسهم من رده {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } أي تفردوا عن سائر الناس يتناجون ولا شبهة أن المراد يتشاورون ويتحيلون الرأي فيما وقعوا فيه، لأنهم إنما أخذوا بنيامين من أبيهم بعد المواثيق المؤكدة وبعد أن كانوا متهمين في حق يوسف فلو لم يعيدوه إلى أبيهم لحصلت محن كثيرة: أحدها: أنه لو لم يعودوا إلى أبيهم وكان شيخاً كبيراً فبقاؤه وحده من غير أحد من أولاده محنة عظيمة. وثانيها: أن أهل بيتهم كانوا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة. وثالثها: أن يعقوب عليه السلام ربما كان يظن أن أولاده هلكوا بالكلية وذلك غم شديد ولو عادوا إلى أبيهم بدون بنيامين لعظم حياؤهم فإن ظاهر الأمر يوهم أنهم خانوه في هذا الابن كما أنهم خانوه في الابن الأول، ولكان يوهم أيضاً أنهم ما أقاموا لتلك المواثيق المؤكدة وزنا ولا شك أن هذا الموضع موضع فكرة وحيرة، وذلك يوجب التفاوض والتشاور طلباً للأصلح الأصوب فهذا هو المراد من قوله: {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا }. المسألة الثانية: قال الواحدي روي عن ابن كثير استياسوا { أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ } تفسير : [يوسف: 110] بغير همز وفي ييئس لغتان يئس وييأس مثل حسب ويحسب ومن قال استيأس قلب العين إلى موضع الفاء فصار استعفل وأصله استيأس ثم خففت الهمزة. قال صاحب «الكشاف»: استيأسوا يئسوا، وزيادة السين والتاء للمبالغة كما في قوله: { أية : استعصم } تفسير : [يوسف: 32] وقوله: {مِنْهُ خَلَصُواْ } قال الواحدي: يقال خلص الشيء يخلص خلوصاً إذا ذهب عنه الشائب من غيره، ثم فيه وجهان: الأول: قال الزجاج خلصوا أي انفردوا، وليس معهم أخوهم، والثاني: قال الباقون تميزوا عن الأجانب، وهذا هو الأظهر. وأما قوله: {نَجِيّاً } فقال صاحب «الكشاف»: النجي على معنيين يكون بمعنى المناجي كالعشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر. ومنه قوله تعالى: { أية : وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } تفسير : [مريم: 52] وبمعنى المصدر الذي هو التناجي كما قيل: النجوى بمعنى المتناجين، فعلى هذا معنى {خَلَصُواْ نَجِيّا } اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم {نَجِيّاً } أي مناجياً. روي {نَجْوَىٰ } أي فوجاً {نَجِيّاً } أي مناجياً لمناجاة بعضهم بعضاً، وأحسن الوجوه أن يقال: إنهم تمحضوا تناجياً، لأن من كمل حصول أمر من الأمور فيه وصف بأنه صار غير ذلك الشيء، فلما أخذوا في التناجي على غاية الجد صاروا كأنهم في أنفسهم، صاروا نفس التناجي حقيقة. أما قوله تعالى: {قَالَ كَبِيرُهُمْ } فقيل المراد كبيرهم في السن وهو روبيل، وقيل كبيرهم في العقل وهو يهودا، وهو الذي نهاهم عن قتل يوسف، ثم حكى تعالى عن هذا الكبير أنه قال: {أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما قال يوسف عليه السلام: { أية : مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُ } تفسير : [يوسف: 79] غضب يهودا، وكان إذا غضب وصاح فلا تسمع صوته حامل إلا وضعت ويقوم شعره على جسده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه فقال لبعض إخوته اكفوني أسواق أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال يوسف عليه السلام لابن صغير له مسه فمسه فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف عليه السلام رجله على الأرض وأخذ بملابسه وجذبه فسقط فعنده قال يا أيها العزيز، فلما أيسوا من قبول الشفاعة تذاكروا وقالوا: إن أبانا قد أخذ علينا موثقاً عظيماً من الله. وأيضاً نحن متهمون بواقعة يوسف فكيف المخلص من هذه الورطة. المسألة الثانية: لفظ ما في قوله: {مَا فَرَّطتُمْ } فيها وجوه: الأول: أن يكون أصله من قبل هذا فرطتم في شأن يوسف عليه السلام، ولم تحفظوا عهد أبيكم. الثاني: أن تكون مصدرية ومحله الرفع على الابتداء وخبره الظرف، وهو من قبل. ومعناه وقع من قبل تفريطكم في يوسف، الثالث: النصب عطفاً على مفعول {أَلَمْ تَعْلَمُواْ } والتقدير: ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقكم وتفريطكم من قبل في يوسف. الرابع: أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي قدمتموه في حق يوسف من الخيانة العظيمة، ومحله الرفع والنصب على الوجهين المذكورين، ثم قال: {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلاْرْضَ } أي فلن أفارق أرض مصر حتى يأذن لي أبي في الانصراف إليه أو يحكم الله لي بالخروج منها أو بالانتصاف ممن أخذ أخي أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب وهو خير الحاكمين، لأنه لا يحكم إلا بالعدل والحق، وبالجملة فالمراد ظهور عذر يزول معه حياؤه وخجله من أبيه أو غيره قاله انقطاعاً إلى الله تعالى في إظهار عذره بوجه من الوجوه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ} أي يَئِسوا؛ مثل عَجِب وٱستعجب، وسَخِر وٱستسخر. {خَلَصُواْ} أي ٱنفردوا وليس هو معهم. {نَجِيّاً} نصب على الحال من المضمر في «خَلَصُوا» وهو واحد يؤدّي عن جمع، كما في هذه الآية؛ ويقع على الواحد كقوله تعالى: {أية : وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} تفسير : [مريم: 52] وجمعه أَنْجِيَة؛ قال الشاعر:شعر : إنِّي إذا ما القومُ كانوا أَنْجِيَهْ وٱضْطَرَبَ القومُ ٱضطِرابَ الأَرْشِيَهْ هُنَـاكَ أَوْصِـينِي وَلاَ تُوصِـي بِيَـهْ تفسير : وقرأ ابن كثير: «ٱسْتَايَسُوا» «وَلاَ تَايَسُوا» «إنه لاَ يَايَسُ» «أَفَلَمْ يَايَس» بألف من غير همز على القلب؛ قدَّمت الهمزة وأخَّرت الياء، ثم قلبت الهمزة ألفاً لأنها ساكنة قبلها فتحة؛ والأصل قراءة الجماعة؛ لأن المصدر ما جاء إلا على تقديم الياء ـ يأساً ـ والإياس ليس بمصدر أَيِسَ؛ بل هو مصدر أُسْتُهُ أَوْساً وَإيَاساً أي أعطيته. وقال قوم: أَيِس وَيئِس لغتان؛ أي فلما يئسوا من ردّ أخيهم إليهم تشاوروا فيما بينهم لا يخالطهم غيرهم من الناس، يتناجون فيما عَرَض لهم. والنَّجيّ فعيل بمعنى المناجي. قوله تعالى: {قَالَ كَبِيرُهُمْ} قال قَتَادة: هو روبيل، كان أكبرهم في السِّن. مجاهد: هو شمعون، كان أكبرهم في الرأي. وقال الكلبي: يهوذا؛ وكان أعقلهم. وقال محمد بن كعب وابن إسحق: هو لاَوَى، وهو أبو الأنبياء. {أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ} أي عهداً من الله في حفظ ٱبنه، وردّه إليه. {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} «ما» في محل نصب عطفاً على «أن» والمعنى: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله، وتعلموا تفريطكم في يوسف؛ ذكره النحاس وغيره. و «من» في قوله: «وَمِنْ قَبْلُ» متعلقة بـ «ـتعلموا». ويجوز أن تكون «ما» زائدة؛ فيتعلق الظرفان اللذان هما «مِنْ قَبْلُ» و «فيِ يُوسُفَ» بالفعل وهو «فَرَّطْتُمْ». ويجوز أن تكون «ما» والفعل مصدراً، و «مِنْ قَبْلُ» متعلقاً بفعل مضمر؛ التقدير: تفريطكم في يوسف واقع من قبل؛ فما والفعل في موضع رفع بالابتداء، والخبر هو الفعل المضمر الذي يتعلق به «مِنْ قَبْلُ». {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} أي ألزمها، ولا أبرح مقيماً فيها؛ يقال: بَرِحَ بَرَاحاً وبُرُوحاً أي زال، فإذا دخل النفي صار مثبتاً. {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ} بالرجوع فإنّي أستحي منه. {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي} بالممرّ مع أخي فأمضي معه إلى أبي. وقيل: المعنى أو يحكم الله لي بالسيف فأحارب وآخذ أخي، أو أعجز فأنصرف بعذر، وذلك أن يعقوب قال: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} ومن حارب وعَجَز فقد أحيط به؛ وقال ابن عباس: وكان يهوذا إذا غضب وأخذ السيف فلا يردّ وجهه مائة ألف؛ يقوم شعره في صدره مثل المَسَالّ فتنفذ من ثيابه. وجاء في الخبر أن يهوذا قال لإخوته ـ وكان أشدّهم غضباً ـ: إما أن تكفوني الملِك ومن معه أكفكم أهل مصر؛ وإما أن تكفوني أهل مصر أكفكم الملِك ومن معه؛ قالوا: بل ٱكفنا الملك ومن معه نكفِك أهل مصر؛ فبعث واحداً من إخوته فعدّوا أسواق مصر فوجدوا فيها تسعة أسواق، فأخذ كل واحد منهم سوقاً؛ ثم إنّ يهوذا دخل على يوسف وقال: أيها الملك! لئن لم تخلِّ معنا أخانا لأصيحن صيحة لا تبقي في مدينتك حاملاً إلا أسقطت ما في بطنها؛ وكان ذلك خاصة فيهم عند الغضب؛ فأغضبه يوسف وأسمعه كلمة، فغضب يهوذا وٱشتدّ غضبه، وٱنتفجت شعراته؛ وكذا كان كل واحد من بني يعقوب؛ كان إذا غضب، ٱقشعرّ جلده، وانتفخ جسده، وظهرت شعرات ظهره من تحت الثوب، حتى تقطر من كل شعرة قطرة دم؛ وإذا ضرب الأرض برجله تزلزلت وتهدّم البنيان، وإن صاح صيحة لم تسمعه حامل من النساء والبهائم والطير إلا وضعت ما في بطنها، تماماً أو غير تمام؛ فلا يهدأ غضبه إلا أن يسفك دماً، أو تمسكه يدٌ من نسل يعقوب؛ فلما علم يوسف أن غضب أخيه يهوذا قد تمّ وكمل كَلَّم ولداً له صغيراً بالقبطية، وأمره أن يضع يده بين كتفي يهوذا من حيث لا يراه؛ ففعل فسكن غضبه وألقى السيف فالتفت يميناً وشمالاً لعله يرى أحداً من إخوته فلم يره؛ فخرج مسرعاً إلى إخوته وقال: هل حضرني منكم أحد؟ قالوا: لاٰ قال: فأين ذهب شمعون؟ قالوا: ذهب إلى الجبل؛ فخرج فلقيه، وقد ٱحتمل صخرة عظيمة؛ قال: ما تصنع بهذه؟ قال أذهب إلى السوق الذي وقع في نصيبي أشدخ بها رؤوس كل من فيه؛ قال: فٱرجع فردّها، أو ألقها في البحر، ولا تحدثنّ حَدَثاً؛ فوالذي ٱتخذ إبراهيم خليلا لقد مَسَّني كَفٌّ من نَسْل يعقوب. ثم دخلوا على يوسف، وكان يوسف أشدّهم بطشاً، فقال: يا معشر العبرانيين! أتظنون أنه ليس أحد أشدّ منكم قوة، ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فَرَكَله برجله فَدَحا به من خلف الجدار ـ الرَّكْلُ الضرب بالرجل الواحدة؛ وقد رَكَله يَركُله؛ قاله الجوهري ـ ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه (لجنبه)، وقال: هات الحدادين أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم، ثم صعد على سريره، وجلس على فراشه، وأمر بصُواعِه فوضع بين يديه، ثم نقره نقرة فخرج طنينه، فالتفت إليهم وقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لاٰ قال: فإنه يقول: إنه ليس على قلب أبي هؤلاء همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم، ثم نقر نقرة ثانية وقال: إنه يخبرني أن هؤلاء أخذوا أخاً لهم صغيراً فحسدوه ونزعوه من أبيهم ثم أتلفوه؛ فقالوا: أيها العزيز! ٱستر علينا ستر الله عليك، وٱمنن علينا منّ الله عليك؛ فنقره نقرة ثالثة وقال إنه يقول: إن هؤلاء طرحوا صغيرهم في الجُبّ، ثم باعوه بيع العبيد بثمن بخس، وزعموا لأبيهم أن الذئب أكله؛ ثم نقره رابعة وقال: إنه يخبرني أنكم أذنبتم ذنباً منذ ثمانين سنة لم تستغفروا الله منه؛ ولم تتوبوا إليه، ثم نقره خامسة وقال إنه يقول: إن أخاهم الذي زعموا أنه هلك لن تذهب الأيام حتى يرجع فيخبر الناس بما صنعوا؛ ثم نقره سادسة وقال إنه يقول: لو كنتم أنبياء أو بني أنبياء ما كذبتم ولا عققتم والدكم؛ لأجعلنّكم نكالاً للعالمين. إيتوني بالحدّادين أقطع أيديهم وأرجلهم، فتضرعوا وبكوا وأظهروا التوبة وقالوا: لو قد أصبنا أخانا يوسف إذ هو حيّ لنكونن طوع يده، وتراباً يطأ علينا برجله؛ فلما رأى ذلك يوسف من إخوته بكى وقال لهم: ٱخرجوا عني! قد خلّيت سبيلكم إكراماً لأبيكم، ولولا هو لجعلتكم نكالاً.

البيضاوي

تفسير : {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ } يئسوا من يوسف وإجابته إياهم، وزيادة السين والتاء للمبالغة. {خَلَصُواْ } انفردوا واعتزلوا. {نَجِيّاً } متناجين، وإنما وحده لأنه مصدر أو بزنته كما قيل هو صديق، وجمعه أنجيه كندي وأندية. {قَالَ كَبِيرُهُمْ } في السن وهو روبيل، أو في الرأي وهو شمعون وقيل يهوذا. {أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ } عهداً وثيقاً، وأنما جعل حلفهم بالله موثقاً منه لأنه بإذن منه وتأكيد من جهته. {وَمِن قَبْلُ } ومن قبل هذا. {مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ } قصرتم في شأنه، و {مَا } مزيدة ويجوز أن تكون مصدرية في موضع النصب بالعطف على مفعول تعلموا، ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف، أو على اسم {أن} وخبره في {يُوسُفَ } أو {مِن قَبْلُ } أو الرفع بالابتداء والخبر {مِن قَبْلُ } وفيه نظر، لأن {قَبْلُ } إذا كان خبراً أو صلة لا يقطع عن الإِضافة حتى لا ينقص وأن تكون موصولة أي: ما فرطتموه بمعنى ما قدمتوه في حقه من الجناية ومحله ما تقدم. {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} فلن أفارق أرض مصر. {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِى أَبِى } في الرجوع. {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى } أو يقضي لي بالخروج منها، أو بخلاص أخي منهم أو بالمقاتلة معهم لتخليصه. روي: أنهم كلموا العزيز في إطلاقه فقال روبيل: أيها الملك والله لتتركنا أو لأصيحن صيحة تضع منها الحوامل، ووقفت شعور جسده فخرجت من ثيابه فقال يوسف عليه السلام لابنه: قم إلى جنبه فمسه، وكان بنو يعقوب عليه السلام إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه. فقال روبيل من هذا إن في هذا البلد لبزراً من بزر يعقوب. {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ } لأن حكمه لا يكون إلا بالحق.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن إخوة يوسف أنهم لما يئسوا من تخليص أخيهم بنيامين الذي قد التزموا لأبيهم برده إليه، وعاهدوه على ذلك، فامتنع عليهم ذلك، {خَلَصُواْ} أي: انفردوا عن الناس {نَجِيًّا} يتناجون فيما بينهم {قَالَ كَبِيرُهُمْ} وهو روبيل، وقيل: يهوذا، وهو الذي أشار عليهم بإلقائه في البئر عندما هموا بقتله، قال لهم: {أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ} لتردنه إليه، فقد رأيتم كيف تعذر عليكم ذلك، مع ما تقدم لكم من إضاعة يوسف عنه، {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} أي: لن أفارق هذه البلدة {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىۤ أَبِىۤ} في الرجوع إليه راضياً عني، {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى} قيل: بالسيف، وقيل: بأن يمكنني من أخذ أخي، {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ}، ثم أمرهم أن يخبروا أباهم بصورة ما وقع، حتى يكون عذراً لهم عنده، ويتنصلوا إليه ويبرؤوا مما وقع بقولهم. وقوله: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ} قال قتادة وعكرمة: ما علمنا أن ابنك سرق. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما علمنا في الغيب أنه سرق له شيئاً، إنما سألنا ما جزاء السارق؟ {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا}: قيل: المراد مصر، قاله قتادة، وقيل: غيرها، {وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِىۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا} أي: التي رافقناها، عن صدقنا وأمانتنا، وحفظنا وحراستنا، {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ} فيما أخبرناك به من أنه سرق، وأخذوه بسرقته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا ٱسْتَيْئَسُواْ } يئسوا {مِنْهُ خَلَصُواْ } اعتزلوا {نَجِيّاً } مصدر يصلح للواحد وغيره: أي يناجي بعضهم بعضاً {قَالَ كَبِيرُهُمْ } سِنّاً (روبيل)، أو رأياً: (يهوذا) {أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا } عهداً {مِنَ ٱللَّهِ } في أخيكم {وَمِن قَبْلُ مَا } زائدة {فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ } وقيل «ما» مصدرية مبتدأ، خبره «من قبل» {فَلَنْ أَبْرَحَ } أُفارق {ٱلأَرْضِ } أرض مصر {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِى أَبِى } بالعود إليه {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى } بخلاص أخي {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ } أعدلَهُم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فلما استيأسوا منه} أي يئسوا من رد أخيهم عليهم. الثاني: استيقنوا أنه لا يرد عليهم، قاله أبو عبيدة وأنشد قول الشاعر: شعر : أقول لها بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم تفسير : {خلصوا نجيّاً} أي خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون لا يختلط بهم غيرهم. {قال كبيرهم} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عنى كبيرهم في العقل والعلم وهو شمعون الذي كان قد ارتهن يوسف عنده حين رجع إخوته إلى أبيهم، قاله مجاهد. الثاني: أنه عنى كبيرهم في السن وهو روبيل ابن خالة يوسف، قاله قتادة. الثالث: أنه عنى كبيرهم في الرأي والتمييز وهو يهوذا، قاله مجاهد. {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله} يعني عند إيفاد ابنه هذا معكم. {ومن قبل ما فرَّطتم في يوسف} أي ضيعتموه. {فلن أبرح الأرض} يعني أرض مصر. {حتى يأذن لي أبي} يعني بالرجوع. {أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين} فيه قولان: أحدهما: يعني أو يقضي الله لي بالخروج منها، وهو قول الجمهور. الثاني: أو يحكم الله لي بالسيف والمحاربة لأنهم هموا بذلك، قاله أبو صالح. قوله عز وجل: {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق}وقرأ ابن عباس {سُرِق}بضم السين وكسر الراء وتشديدها. {وما شهدنا إلا بما علمنا} فيها وجهان: أحدهما: وما شهدنا عندك بأن ابنك سرق إلا بما علمنا من وجود السرقة في رحله، قاله ابن إسحاق. الثاني: وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يُسترقّ إلا بما علمنا من دينك، قاله ابن زيد. {وما كنا للغيب حافظين} فيه وجهان: أحدهما: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق، قاله قتادة. الثاني: ما كنا نعلم أن ابنك يسترقّ، وهو قول مجاهد. قوله عز وجل: {واسأل القرية التي كنا فيها} وهي مصر، والمعنى واسأل أهل القرية فحذف ذكر الأهل إيجازاً، لأن الحال تشهد به. {والعير التي أقبلنا فيها} وفي {العير} وجهان: أحدهما: أنها القافلة، وقافلة الإبل تسمى عيراً على التشبيه. الثاني: الحمير، قاله مجاهد، والمعنى أهل العير. وقيل فيه وجه ثالث: أنهم أرادوا من أبيهم يعقوب أن يسأل القرية وإن كانت جماداً، أو نفس العير وإن كانت حيواناً بهيماً لأنه نبي، والأنبياء قد سخر لهم الجماد والحيوان بما يحدث فيهم من المعرفة إعجازاً لأنبيائه، فأحالوه على سؤال القرية والعير ليكون أوضح برهاناً. {وإنا لصادقون}أي يستشهدون بصدْقنا أن ابنك سرق.

ابن عبد السلام

تفسير : {اسْتَيْئَسُواْ} من رد أخيهم عليهم، أو تيقنوا أنه لا يرد {خَلَصُواْ نَجِيّاً} انفردوا يتناجون ويتشاورون لا يختلط بهم غيرهم {كَبِيرُهُمْ} في العقل والعلم شمعون الذي ارتهنه يوسف لما رجعوا إلى إبيهم، أو في السن روبين ابن خالة يوسف، أو في الرأي والتمييز يهوذا. {مَّوْثِقاً} عند إنفاذ ابنه معكم {فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ} ضيعتموه {فَلَنْ أَبْرَحَ} أرض مصر حتى يأذن لي أبي بالرجوع، أو يحكم الله لي بالخروج منها عند الجمهور، أو بالسيف والمحاربة لأنهم هموا بذلك.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَلَمَّا ٱسْتَيْئَسُواْ مِنْهُ...} الآية يقال: يَئِسَ وَٱسْتِيْأسَ بمعنًى واحدٍ، قال البخاريُّ: {خَلَصُواْ نَجِيًّا}: اعتزلوا، والجَمْع أَنْجِيَةٌ، وللاثنين والجمع نَجِيٌّ وأَنْجِيَة انتهى. وقال الهَرَوِيُّ: {خَلَصُواْ نَجِيًّا }: أي تَمَيَّزوا عن الناس متناجين انتهى. و{كَبِيرُهُمْ }: قال مجاهدٌ هو شَمْعُونُ، كان كبيرهم رَأْياً وعِلْماً، وإِن كان رُوبِيلُ أَسنَّهم، وقال قتادة: هو روبيلُ، لأَنه أسنُّهم، وهذا أظهرُ ورجَّحه الطبريُّ، وذكرهم أخوهم ميثاقَ أبيهم: { أية : لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } تفسير : [يوسف:66]. وقوله: {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ }: قال: * ص *: «بَرَحَ» التامَّةُ بمعنى ذَهَبَ وظَهَرَ؛ ومنه: برح الخَفَاء، أي: ظهر، والمتوجَّه هنا: معنى «ذهب»، لكنَّه لا ينصب الظرف المكانيَّ المختصَّ إِلا بواسطة، فٱحتيج إِلى تضمينه معنى «فارق»، والأرض مفعولٌ به، ولا يجوزُ أنْ تكون «أبرح»: ناقصةٌ انتهى. وقوله: {ٱرْجِعُواْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ }: الأمر بالرجُوعِ قيلَ: هُوَ مِنْ قولِ كبيرهم، وقيل: من قَوْلِ يوسُفَ، والأول أظهرُ، وذكر الطبرِيُّ أَنَّ يوسُفَ قال لهم: إِذا أتيتم أباكم فٱقرؤوا علَيْه السَّلام، وقولوا له: إِنَّ مَلِكَ مِصْرَ يدْعُو لك أَلاَّ تمُوتَ حَتَّى تَرَى ولدك يوسُفَ، ليعلم أَنَّ في أرض مِصْرَ صِدِّيقين مثله، وقرأ الجمهور: «سَرَقَ»، وروي عن الكسائي وغيره: «سُرِقَ» - ببنائه للمفعول -. {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا}: أي: بٱعتبار الظَّاهر، والعِلْمُ في الغَيْبِ إِلى اللَّه، ليْسَ ذلك في حِفْظنا، هذا تأويل ابْن إِسحاق، ثم ٱستشهدوا بالقرية التي كانوا فيهَا، وهي مِصْر؛ قاله ابن عباس، والمراد أهْلُها، قال البُخَارِيُّ: {سَوَّلَتْ}: أي: زَيَّنَتْ، وقولُ يعقُوبَ: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا } يعنى بيوسُفَ ويَامِينَ ورُوبِيلَ الذي لَمْ يَبْرَحِ الأَرضَ، ورجاؤه هذا مِنْ جهاتٍ، منها: حُسْن ظَنِّه باللَّه سبحانه في كلِّ حالٍ، ومنها: رؤيا يوسُفَ المتقدِّمة؛ فإِنه كان ينتظرُها، ومنها: ما أخبروهُ عَنْ مَلِكِ مِصْر؛ أنه يدعو له برؤْية ٱبْنِهِ. وقوله سبحانه: {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ }: أي: زال بوجْهه عنْهم مُلْتَجِئاً إِلى اللَّه: {وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ}. قال الحسن: خُصَّت هذه الأمَّة بالاستِرجاعِ؛ أَلاَ تَرَى إِلى قول يعقُوبَ: {يَٰأَسَفَىٰ}. قال * ع *: والمراد يا أسفَي، لكنْ هذه لُغَةُ مَنْ يردُّ ياء الإِضافة ألفاً؛ نحو: يا غُلاَما، ويَا أَبَتَا، ولا يبعد أَنْ يجتمع ٱلاسترجاعُ، ويَا أَسْفَى لهذه الأُمَّة، وليعقوب عليه السلام، وروي أن يعقوبَ عليه السلام حَزِنَ حُزْنَ سبعين ثَكْلَى، وأُعطِيَ أَجْرَ مَائَةِ شهيدٍ، وما ساءَ ظَنَّهُ باللَّه قطُّ، رواه الحَسَنُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، {فَهُوَ كَظِيمٌ} بمعنى: كاظِمٍ، كما قال: { أية : وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } تفسير : [آل عمران:134] ووصف يعقوب بذلك، لأنه لم يَشْكُ إِلى أحَدٍ، وإِنما كان يكْمد في نَفْسه، ويُمْسِك همَّه في صَدْره، فكان يكظمه، أي: يردُّه إِلى قلبه. * ت * وهذا ينظر إِلى قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : القَلْبُ يَحْزَنُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرْضِي الرَّبَّ... » تفسير : الحديث، ذكر هذا صلى الله عليه وسلم عنْدَ مَوْتِ ولده إِبراهيم، قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله تعالى: {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ }، قَالَ: كَظم على الحُزْنِ، فلم يقُلْ إِلا خَيْراً انتهى، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وفي الحديث الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال في ٱبْنه إِبراهيم: « حديث : إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالَقْلَبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ » تفسير : ، وقال أيضاً في الصحيح صلى الله عليه وسلم: « حديث : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ، وَإِنَّمَا يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ » تفسير : انتهى. خرَّجه البخاريُّ وغيره.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ} "اسْتَفْعَلَ" هنا بمعنى "فَعِلَ" المجرَّد يقال: يَئِسَ، واسْتَيْأس [بمعنى] نحو "عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، وسَخِرَ، واسْتَسْخَرَ. وقال الزمخشري: وزيادة التَّاء والسِّين في المبالغة نحو ما مرَّ في: "اسْتَعْصَمَ" وقرأ البزيُّ عن ابن كثير بخلاف عنه: "اسْتَأيَسُوا" بألف بعد التاء ثم ياء وكذلك في هذه السورة: {أية : وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ}تفسير : [يوسف:87] إنَّه لا يَيْأسُ {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ}تفسير : [يوسف:110]، وفي الرعد: {أية : أَفَلَمْ يَيْأَسِ}تفسير : [الرعد:31] الخلاف واحد. فأمَّا قرأءة العامة: فهي الأصل، إذ يقال: يَئِسَ، فالفاء ياء، والعين همزة وفيه [لغة] أخرى، وهي القلبُ [الرعد:31] بتقديم العين على الفاءِ، فيقال: أيِسَ، ويدلُّ على ذلك شيئان: أحدهما: المصدر الذي هو اليأسُ. والثاني: أنَّه لو لم يكن مقلوباً للزم قلبُ الياءِ ألفاً، لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ولكن منع من ذلك كون الياءِ في موضع لا تعلُّ فيه ما وقعت موقعه، وقراءة ابن كثير من هذا، ولما قلب الكلمة أبدل من الهمزة ألفاً لسكونها بعد فتحة، إذ صارت كهمزة رأس، وكأس، وإن لم يكن من أصله قلب الهمزة السَّاكنة حتى علَّةِ وهذا كما تقدَّم أنه يقرأ "القرآن" بالألف، وأنَّه يحتملُ أن يكون نقل حركة الهمزة، وإن لم يكن من أصله النقل. قال أبو شامة بعد أن ذكر هذه الكلمات الخمسِ الَّتي وقع فيها الخلافُ "وكذلك رسمت في المصحف، يعني كما قرأها البزيُّ يعنى بالألف مكان الياءِ، وبياء مكان الهمزة". وقال أبو عبد الله: واختلفت هذه الكلمات في الرَّسم، فرسم: "يَأيَس"، "ولا تَأيسُوا" بألف، ورسم الباقي بغير ألف. قال شهابُ الدين: "وهذا هو الصَّوابُ، وكأنَّه غفلة من أبي شامة". ومعنى الآية: "فلمَّا أيسُوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوا". وقال أبو عبيدة: "اسْتَيْأسُوا": استيقنوا أنَّ الأخ لا يرد إليهم. قوله: {خَلَصُواْ نَجِيّاً} قال الواحديُّ: يقال: خلص الشَّيء يخلصُ خلوصاً إذا انفصل من غيره، ثم فيه وجهان: أحدهما: قال الزجاج، خلصوا: أي: انفردوا، وليس معهم أخوهم. وقال الباقون: تميزوا عن الأجانب، وهذا هو الأظهر، أي: خلا بعضهم ببعضٍ يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم. وأمَّا قوله: "نَجِيًّا" حال من فاعل: "خَلصُوا" أي: اعتزلوا في هذه الحالِ وإنَّما أفردت الحال، وصاحبها جمع، إمَّا لأن النَّجيَّ فعيلٌ بمعنى مفاعل كالعشير والخليط بمعنى المُخالِط والمُعاشِر، كقوله {أية : وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً}تفسير : [مريم:52] أي: مناجياً وهذا في الاستعمال يفرد مطلقاً، يقال: هُم خَليطُكَ وعَشِيرتُك، أي: مخالطوك ومعاشروك وإما لأنَّه صفة على فعيل بمنزلة صَدِيق، وبابه يوحد، لأنه يزنة المصارد كالصَّهيل، والوجيب والذَّميل، وإمَّا لأنه مصدرٌ بمعنى التَّناجي كما قيل: النَّجْوى بمعناه، قال تعالى: {أية : وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ}تفسير : [الإسراء:47]، وحينئذ يكون فيه التَّأويلات المذكورات في: "رجُلٌ عدلٌ" وبابه، ويجمع على "أنْجِيَة"، وكان من حقِّه إذا جعل وصفاً أن يجمع على "أفْعِلاء"، كـ"غَنِيّ"، وأغْنِيَاء" و"شَقِيّ، وأشْقِيَاء"؛ ومن مجيئه على "أنجِيَة" قول الشاعر: [الرجز] شعر : 3131ـ إنِّي إذَا ما القَوْمُ كَانُوا أنْجِيَهْ واضْطَرَبَ القَوْمُ اضطِرابَ الأرْشِيَهْ هناك أوصيني ولا تُوصِي بِيَهْ تفسير : وقول لبيد: [الكامل] شعر : 3132ـ وشَهِدْتُ أنْجِيةً الأفَاقةِ عَالِياً كَعبي وَأرْدَافُ المُلوكِ شُهُودُ تفسير : وجمعه كذلك يقوي كونه جامداً، إذ يصيرُ كرغيب، وأرغِفَة. وقال البغويُّ: النَّجِي يصلحُ للجماعة، كما قال ههنا، وللواحد كما قال: {أية : وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً}تفسير : [مريم:52] وإنما جاز للواحد والجمع؛ لأنه مصدر جعل نعتاً كالعدل، ومثله: النَّجوى يكونُ اسماً، ومصدراً، قال تعالى {أية : وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ}تفسير : [الإسراء:47] أي: مُتنَاجِين، وقال ـ حل ذكره ـ {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ}تفسير : [المجادلة:7] وقال في المصدر {أية : إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ}تفسير : [المجادلة:10]. قال ابن الخطيب: "وأحسنُ الوجوه أن يقال: إنَّهم تمحَّضُوا تناجياً؛ وأنَّ من كمل حصول أمرٍ من الأمُورِ فيه وصف بأنَّه صار غير ذلك الشَّيء فلما أخذوا في التَّناجي على غاية الجدِّ؛ صاروا كأنهم في أنفسهم صاروا نفس التَّناجِي في الحقيقة". "قالَ كَبيرُهمْ" في العقل، والعلم لا في السنِّ، وهو "يَهُوذَا"، قاله ابن عباسٍ، والكلبي. وقال مجاهدٌ: شمعون، وكانت له الرِّئاسةُ على إخوته. وقال قتادة، والسديُّ، والضحاك: وهو روبيلُ، كان أكبرهم في السنِّ، وهو الذي نهاهم عن قتل يوسف ـ عليه السلام ـ. {أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً}: عهداً: {مِّنَ ٱللَّهِ}، وأيضاً: نحنُ متَّهمُونَ بواقعة يوسف. قوله {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ} في هذه الآية وجوه ستة: أظهرها: أنَّ "مَا" مزيدة فيتعلَّق الظَّرف بالفعل بعدها، والتقدير: ومن قبل هذا فرَّطتم، أي: قصَّرتم في حقِّ يوسف، وشأنه، وزيادة "مَا" كثيرة، وبه بدأ الزمخشري وغيره. الثاني: أن تكون "مَا" مصدرية في محلِّ رفع بالابتداء، والخبر الظَّرف المتقدم قال الزمخشريُّ: على أنَّ محل المصدر الرَّفع بالابتداء، والخبر الظرف وهو "مِنْ قَبْلُ"، والمعنى: وقع من قبل تفريطكم في يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ وإلى هذا نحا ابنُ عطيَّة أيضاً فإنَّه قال: ولا يجوز أن يكون قوله: "مِنْ قَبْلُ" متعلقاً بـ:"مَا فَرَّطْتُمْ"، وأنَّ "مَا" تكون على هذا مصدرية، والتقدير: ومن قَبْلِ تفريطكم في يوسف واقعٌ، أو مستقرٌّ وبهذا المقدر يتعلق قوله: "مِنْ قَبْلُ". قال أبو حيَّان: هذا وقول الزمخشريُّ راجعان إلى معنى واحد، وهو أن "مَا فرَّطتُمْ" يقدَّرُ بمصدرٍ مرفوع بالابتداء، و:"مِنْ قَبْلُ" في موضع الخبر وذهلا عن قاعدة عربيَّة، وحقَّ لهما أن يذهلا ـ وهي أنَّ هذه الظروف التي هي غايات إذا بُنيت لا تقع أخباراً للمبتدأ جرَّت، أو لم تجرَّ، تقول: يومُ السَّبت مُباركٌ والسَّفر بعدهُ، ولا تقول: والسَّفر بَعد و"عَمْرٌو وزيْدٌ خَلفهُ" ولا يجوز: عمرٌو وزيدٌ خلف، وعلى ما ذكراه يكون: "تَفْريطُكُم" مبتدأ، و"مِنْ قَبْلُ" خبر وهو مبنيُّ وذلك لا يجوز، وهو مقررٌ في علم العربيِّة". قال شهابُ الدِّين: "قوله: "وحُقَّ لهُمَا أنْ يَذْهَلا" تحامل على هذين الرجلين، وموضعهما من العلم معروفٌ، وأمَّا قوله: "إنَّ الظرف المقطوع لا يقعُ خبراً"، فمسلَّم، قالوا: لأنَّه لا يفيد، وما لا يفيد، لا يقع خبراً، ولذا لا يقع صفة، ولا صلة، ولا حالاً والآية الكريمةُ من هذا القبيل لو قلت: "جاء الذي قبل" أو "مررت برجل قبل" لم يجز لما ذكرت. ولقائلٍ أن يقول: إنَّما امتنع ذلك؛ لعدم الفائدة، وعدم الفائدة لعدم العلم بالمضافِ إليه المحذوف، فينبغي إذا كان المضاف إليه معلوماً مدلولاً عليه أن يقع ذلك الظَّرف المضاف إلى ذلك المحذوف خبراً، وصفة، وصلة، وحالاً والآية الكريمة من هذا القبيل، أعني ممَّا علم فيه المضاف إليه كما مرَّ تقريره". ثمَّ هذا الرَّد الذي ردّ به أبو حيَّان سبقه إليه أبو البقاءِ، فقال: "وهذا ضعيف؛ لأن "قَبْل" إذا وقعت خبراً أو صلة لا تقطع عن الإضافة لئلا تبقى ناقصة". الثالث: أنها مصدرية أيضاً، في محل رفع بالابتداء، والخبر هو قوله "فِي يُوسفَ" أي: وتفريطكم كائن، أو مستقر في يوسف، وإلى هذا ذهب الفارسي كأنه استشعر أن الظرف المقطوع لا يقعُ خبراً؛ فعدل إلى هذا، وفيه نظر؛ لأنَّ السِّياق، والمعنى يجريان إلى تعلق: "فِي يُوسفَ" بـ "فَرَّطْتُمْ"، فالقولُ بما قاله الفارسي يؤدِّي إلى تهيئة العامل [للعمل]، وقطعه عنه. الرابع: أنَّها مصدرية أيضاً، ولكن محلها النَّصب على أنَّها منسوقة على"أنَّ أباكُمْ قد أخَذَ" أي: ألم تعلموا أخذ أبيكم الميثاق، وتفريطكم في يوسف. قال الزمخشري: "كأنه قيل: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً، وتفريطكم من قبل في يوسف" وإلى هذا ذهب ابن عطية أيضاً. قال أبو حيَّان: "وهذا الذي ذهبا إليه ليس بجيِّد؛ لأنَّ فيه الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف الذي هو حرفٍ واحد، وبين المعطوف؛ فصار نظير: ضَربْتُ زيداً، وبِسَيفٍ عمراً، وقد زعم الفارسيُّ أنه لا يجوز ذلك إلاَّ في ضرورة الشِّعر". قال شهابُ الدِّين: هذا الرَّدُّ سبقه إليه أبُو البقاءِ، ولم يرتضه وقال: "وقيل: هو ضعيفٌ؛ لأنَّ فيه الفصل بين حرفِ العطفِ، والمعطوفِ، وقد بينا في سورة النِّساء أن هذا ليس بشيء". قال شهاب الدين: "يعني أنَّ منع الفصل بين حرفِ العطفِ، والمعطوفِ ليس بشيءِ، وقد تقدَّم إيضاحُ هذا، وتقريره في سورة النساء، كما أشار إليه أبو البقاء". ثمَّ قال أبو حيَّان: "وأمَّا تقديرُ الزمخشري: وتفريطكم من قبل في يوسف؛ فلا يجوز؛ لأن فيه تقديم معمول المصدر المنحل لحرف مصدري، والفعل عليه، وهو لا يجوز". وقال شهابُ الدِّين: "ليس في تقدير الزمخشريِّ شيء من ذلك؛ لأنَّه لمَّا صرح بالمقدر أخَّر الجارين، والمجرورين عن لفظ المصدر المقدَّر كما ترى، وكذا هو في سائر النسخ، وكذا ما نقله عنه الشيخ بخطهِ، فأين تقديمُ المعمولِ على المصدر ولو رد عليه، وعلى ابن عطيَّة بأنه يلزمُ من ذلك تقديمُ معمولِ الصِّلةِ على الموصول لكان ردًّا واضحاً، فإنَّ: "مِنْ قَبْلُ" متعلق بـ "فَرَّطْتُمْ"، وقد تقدَّم الكلامُ على ما المصدرية، وفيه خلافٌ مشهورٌ". الخامس: أن تكون مصدرية أيضاً، ومحلها النصب عطفاً على اسم: "أنَّ" أي: ألم تعلموا أنَّ أباكم، وأن تفريطكم من قبل في يوسف، وحينئذٍ يكون في خبر "أنَّ هذه المقدرة وجهان: أحدهما: هو: "مِنْ قَبْلُ". والثاني: هو "فِي يُوسَفُ" واختاره أبو البقاء، وقد تقدَّم ما في كلِّ منهما، ويردُّ على هذا الوجه الخامس ما ردَّ به على ما قبله من الفصل بين حرف العطف، والمعطوف، وقد عرف ما فيه. السادس: أن تكون موصولة اسمية، ومحلُّها الرفع، والنَّصب على ما تقدَّم في المصدريَّة. قال الزمخشريُّ: بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه، أي: قدَّمتموهُ في حقِّ يوسف من الجنايةِ، ومحلُّها الرَّفع، أو النَّصب على الوجهين. يعنى بالوجهين رفعها بالابتداء، وخبرها "مِنْ قبل"، ونصبها على مفعولِ "ألمْ تَعْلمُوا"، فإنَّهُ لم يذكر في المصدرية غيرهما، وقد تقدَّم ما اعترض به عليهما، وما قيل في جوابه. فتحصل في "مَا" ثلاثة أوجه: الزيادة، وكونها مصدرية، أو بمعنى الذي، وأن في محلها وجهين: الرفع، أو النصب. قوله تعالى: {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} برح هنا تامة، ضمنت معنى أفارقُ فـ:"الأرْضَ" معفول به، ولا يجوز أن تكون تامَّة من غير تضمين؛ لأنها إذا كانت كذلك؛ كان معناها: ظهر أو ذهب، ومنه: بَرحَ الخفاءُ، أي: ظهر، أو ذهب، ومعنى الظهور لا يليق، والذهابُ لا يصلُ إلى الظَّرف المخصوص إلاَّ بواسطةِ "في": تقول: "ذَهَبْتُ في الأرضِ" ولا يجوز ذهبتُ الأرْضَ، وقد جاء شيءٌ لا يقاس عليه. وقال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون ظرفاً". قال شهابُ الدِّين: "يحتمل أن يكون سقط من النُّسخِ لفظ "لاَ"، وكان: "ولا يجوز أن يكون ظرفاً". واعلم أنه لا يجوز في "أبْرَحَ" هنا أن تكون ناقصة؛ لأنَّه لا ينتظم من الضمير الذي فيها، وما "من الأرض" مبتدأ أو خبرٌ، ألا ترى أنَّك لو قلت: أنَا الأرض لم يجز من غير "فِي" بخلاف "أنَا في الأرْضِ وزيدٌ في الأرْضِ". قوله: {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ} في نصبه وجهان: أظهرهما: عطفه على: "يَأذَنَ". والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار "أنْ" في جواب النَّفي، وهو قوله: {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} أي: لنْ أبْرحَ الأرْضَ إلاَّ أن يحكم، كقولهم: لالزَمنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حقِّي، أي: إلا أن تَقْضِيَنِي. قال أبو حيَّان: "ومَعْنَاهُ ومعنى الغاية مُتقَارِبَان". قال شهابُ الدِّين: "وليْسَ المعنى على الثَّاني، بل سِياقُ المعنى على عطفه على "بَأذَنَ" فإنه غيًّا الأمر بغايتين: أحداهما خاصة، وهي إذْنُ أبيه والثانية عامة؛ لأنَّ إذن أبيه له في الانصراف هو من حكم الله ـ عزَّ وجلَّ". فصل اعلم أنَّهم لما أيسوا من تخليصه، وتناجوا فيما بينهم، قال كبيرهم: {أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً} أي: عهداً {مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ} هذا فرَّطتم في شأن يوسف، ولم تحفظوا عهد أبيكم، {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} التي أنا بها، وهي أرض مصر، فلن أفارق أرض مصر {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ} في الانصراف إليه والخروج منها {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي} بالخروج منها بردّ أخي إليّ، أو خروجي، وترك أخي، أو بالانتصاف ممَّن أخذ أخي. وقيل: أو يحكم الله لي بالسَّيف، وأقاتلهم واسترد أخي {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ}؛ لأنه لا يحكم إلا بالعدل، والحق، فحينئذ تفكَّروا في الأصوب ما هو؟ فظهر لهم أنَّ الأصوب هو الرُّجوع، وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة، فقال الأخ المحتبس بمصر لإخوته: {ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ} بنيامين "سَرَقَ". قرأ العامة: "سَرَقَ" مبنيًّا للفاعل مخففاً، وابن عباس، وأبو رزين، والضحاك، والكسائي في رواية "سُرِّقَ" بضمِّ السِّين، كسر الرَّاء مشدداً مبنيًّا للمفعول يعني: نسب إلى السَّرقة، كما يقال: خَوَّنته، أي: نسبته إلى الخِيانةِ، قال الزجاج: "سُرِّقَ" يحتمل معنيين: أحدهما: علم منه السرقة، والآخر: اتهم بالسَّرقة. قال الجوهريُّ: "والسَّرِق والسَّرِقة ـ بكسر الراء فيهما ـ هو اسم الشيء المسروق، والمصدر: سَرَق، يَسْرِق،سَرَقاً ـ بالفتح". وقرأ الضحاك: "سَارِق" جعله اسم فاعل. {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} فإنَّا رأينا أخراج صاع من متاعه. وقيل: معناه {وَمَا شَهِدْنَآ} أي: ما كانت منَّا شهادة في عمرنا على الشَّيء إلاَّ بما علمنا، وليست هذه الشَّهادة منَّا، إنَّما هو خبرٌ عن صنيعِ ابنكَ بزعمهم. فإن قيل: كيف حكموا عليه بأنَّه سرق من غير بينة، لا سيَّما وقد أجابهم بالنَّفي فقال: الذي جعل الصَّواع في رحلي، وهو الذي جعل البضاعة في رحالكم؟ فالجواب من وجوهٍ: أحدها: أنهم شاهدوا أنَّ الصواع كان موضوعاً في [محلٍّ] لم يدخله غيرهم، فلمَّا شاهدوا إخراج الصواع من رحله؛ غلب على ظنهم أنَّه هو الذي أخذ الصواع. وأما قوله: "وضَعَ الصُّواعَ في رحْلِي الذي وضع البِضاعَة في رحالكم" فالفرق ظاهرٌ؛ لأنهم لمَّا رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم، وأمَّا الصُّواع، فلم يعترف أحدٌ بأنه هو الذي وضع الصُّواعَ؛ فلهذا غلب على ظنونهم أنه سرق؛ فشهدوا بناء على غلبة الظَّنِّ، ثمَّ بينوا أنهم غيرُ قاطعين بهذا الأمر بقولهم: {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}. وثانيها: تقدير الكلام: {إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ} في قول الملك، وأصحابه، ومثله كثيرٌ في القرآن، قال تعالى: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}تفسير : [الدخان:49] أي: عند نفسك وأمَّا عندنا فلا فكذا هاهنا. وثالثها: أنَّ ابنك ظهر عليه ما يشبه السَّرقة، ومثل هذا المعنى قد يسمَّى سرقة، فإن إطلاق أحد الشَّيئين على الشبيه الآخر جائزٌ، ومثله في القرآن {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى:40]. ورابعها: أنهم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت، فلا يبعد أن يقال: إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة، لا سيَّما، وقد شاهد سائرهم ذلك. وخامسها: قراءة ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنه ـ المتقدمة "سُرِّقَ" أي: نسب إلى السَّرقة، فهذه لا تحتاجُ إلى تأويلٍ، إلاَّ أنه تقدَّم أنَّ أمثال هذه القراءة لا تدفعُ السَّؤال؛ لأنَّ الإشكال إنَّما يندفعُ إذا كانت القراءة الأولى باطلة، وهذه القراءة حقّ أمَّا إذا كانت الأولى حقّ، كان الإشكال باقياً صحَّت القراءة، أو لم تصحّ، فلا بدّ من الرجوعِ إلى أحدِ الوجوه المذكورة. فصل دلَّ قولهم: {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} على أنَّ الشَّهادة غير العلم؛ لأن هذا الكلام يقتضي كون الشَّهادةِ مغايرة للعلم، ولقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "إذَا عَلمْتَ مثلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ"... وليست الشَّهادةٌ عبارةً عن قوله "اشْهَد"؛ لأنه إخبار عن الشَّهادة، والإخبار عن الشَّهادة غير الشهادة. وإذا ثبت هذا؛ فنقول: الشَّهادةُ عبارةٌ عن الحكم الذِّهنيِّ وهو الذي يسميه المتكلمون بـ "الكلام" النفسي". فصل قال القرطبيُّ: تضمنت هذه الآية جواز الإشهاد بأيّ [وجه] حصل العلمُ بها فإنَّ الشَّهادة مرتبطةٌ بالعلم عقلاً وشرعاً، فلا تسمعُ إلاَّ ممَّن علم، ولا تقبلُ إلاَّ منهم، وهذا هو الأصل في الشَّهادات. ولهذا قال أصحابنا: شهادة الأعمى جائزة، وشهادة المستمع جائزةٌ، وشهادة الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة، وكذلك الشَّهادة على الخطّ ـ أي: إذا تبيَّن أنه خطُّه، أو خطُّ فلان ـ صحيحةٌ، فكلُّ من حصل له العلم بشيء؛ جاز أن يشهد به، وإن لم يشهدهُ المشهودُ عليه. قال الله تعالى: {أية : إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الزخرف:86] وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : ألاَ أخْبِرُكمْ بِخيْرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتِي بشهادة قَبْل أنْ يُسْألَها ". تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} قال مجاهدٌ وقتادة: وما كنا نعلم أنَّ ابنك يسرق، ويصيِّر أمرنا إلى هذا، ولو علمنا بلك ما ذهبنا به معنا، وإنَّما قلنا: ونحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه من سبيل. وقال عكرمة: لعلَّ الصُّواع دفن في اللَّيلِ، فإنَّ الغيب هو اسم لليل على بعض اللغات. وقيل: رأيناهم أخرجوا الصواع من رحله، أمَّا حقيقة الحالِ، فغير معلومة لنا، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى. وعن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ ما كنا لليله، ونهاره، ومجيئه، وذهابه حافظين. وقيل: إنَّ يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال لهم: فهبْ أنه سرق، ولكن كيف علم الملكُ أن شرع بني إسرائيل أنَّه من سرقَ يُسترقُّ بل أنتم ذكرتموه له لغرض لكم، فقالوا عند ذلك: إنَّا ذكرنا له هذا الحكم قبل أن نعلم أنّ هذه الواقعة نقع فيها، فقوله: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} أي: ما كنا نعلم أن الواقعة تصيبنا. فإن قيل: فهل يجوز من يعقوب أن يخفي حكم الله؟. فالجواب: لعلَّ ذلك الحكم كان مخصوصاً بما إذا كان المسروق منه مسلماً، فلهذا أنكر ذلك الحكم عند الملك الذي ظنَّه كافراً. قوله تعالى: {وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} يحتمل ثلاثة أوجهٍ: أشهرها: أنه على حذف مضافٍ، أي: واسألْ أهل القرية، وأهل العِير، وهو مجازٌ شائعٌ، قاله ابن عطيِّة وغيره. وقال أبو عليِّ الفارسي: ودافع جواز هذا في اللغةِ كدافعِ الضَّروراتِ، وجاحد المحسوسات، وهذا على خلافٍ في المسألةِ، هل الإضمار من باب المجازِ، أو غيره؟ المشهور أنه قسم منه، وعليه أكثر النَّاسِ. قال أبو المعالي: قال بعض المتكلمين: "هذا من الحذف، وليس من المجاز إنَّما المجازُ لفظة استعيرت لغير ما هي له، قال: وحذف المضاف هو عينُ المجاز وعظمه، هذا مذهب سيبويه وغيره، وحكي أنَّه قول الجمهور". وقال ابن الخطيب: إن الإضمار، والمجاز [قسمان لا قسيمان]، فهما متباينان. الثاني: أنَّه مجاز، ولكنه من باب إطلاق اسم المحل على الحال للمجاورة كالراوية. الثالث: أنَّه حقيقة لا مجاز فيه، ولذلك قال أبو بكر الأنباري: المعنى: واسْألِ القرية والعير؛ فإنَّها تجيبك، وتذكر لك صحَّة ما ذكرنا؛ لأنك من أكابر الأنبياء، فيجوز أن ينطق الله لك الجماد، والبهائم. وقيل: إنَّ الشيء إذا ظهر ظهوراً تامًّا كاملاً فقد يقال فيه: سل السماءَ والأرض وجميع الأشياء عنه، والمراد أنه بلغ في الظُّهور إلى الغاية حتَّى لم يبق للشكِّ فيه مجالٌ، والمراد من القرية: مصر، وقيل: قرية على باب مصر قال ابن عباس رضي الله عنه: هي قرية من قرى مصر، كانوا ارتحلوا منها. وأما قوله: {وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا} أي القافلة التي كُنَّا فيها. قال المفسِّرون: كان صحبهم قوم من الكنعانيين من جيران يعقوب. قال ابنُ إسحاق: عرف الأخ المحتبس بمصر أنَّ إخوته أهل تهمة عند أبيهم لمَا كانوا صنعوا في أمر يوسف عليه السلام، فأمرهم أن يقولوا هذا لأبيهم. ثم إنَّهم لما بالغوا في التَّأكيد، والتقرير قالوا: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} يعنى سواء نسبتنا إلى التُّهمة، أم لم تنسب؛ فنحن صادقون، وليس غرضهم أن يثبتوا صدق أنفسهم؛ لأنَّ هذا يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه، بل الإنسان، إذا قدم ذكر الدَّليل القاطع على صحَّة الشيء، فقد يقول بعده: وأنَّا صادق في ذلك، يعني فتأمل فيما ذكرته من الدَّلائل، والبينات. فصل قال القرطبي: "دلَّت هذه الآية على أنَّ كل من كان على حقٍّ، وعلم أنه قد يظن به أنَّه على [خلاف] ما هو عليه، أو يتوهم أن يرفع التُّهمة، وكلَّ ريبةٍ عن نفسه ويصرِّح بالحق الذي هو عليه، حتَّى لا يبقى متكلِّم، وقد فعل هذا نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ بقوله للرجلين اللَّذين مرًّا، وهو قد خرج مع صفيَّة بن حييّ من المسجد: "على رسلكما، إنّما هي صفيّة بن حييّ"؛ فقالا: سبحان الله! وكبر عليهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الشَّيطَان يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدم مُجْرَى الدَّم، وإِنِّي خَشِيتُ أن يَقْذِفَ في قُلوبِكُمَا شرًّا، أو قال: شَيْئاً"تفسير : متفقٌ عليه. فإن قيل: كيف استجاز يوسف أن يعمل هذا بأبيه، ولم يخبره بمكانه، ويحبس أخاه مع علمه بشدّة وجد أبيه عليه، ففيه معنى العقوق، وقطيعة الرَّحمِ، وقلَّة الشَّفقةِ؟. فالجواب: أنَّه فعل ذلك بأمر الله ـ عزَّ وجلَّ ـ أمره به ليزيد في بلاءِ يعقوب، فيضاعف له الأجر، ويلحقه في الدَّرجةِ بآبائه الماضين. وقيل: إنَّه لم يظهر نفسه لإخوته؛ لأنَّهُ لم يأمن أن يدبِّروا في أمره تدبيراً، فيكتموه عن أبيه، والأول أصح.

البقاعي

تفسير : ولما أياسهم بما قال عن إطلاق بنيامين، حكى الله تعالى ما أثمر لهم ذلك من الرأي فقال: {فلما} دالاً بالفاء على قرب زمن تلك المراجعات {استيئسوا منه} أي تحول رجاءهم لتخلية سبيله لما رأوا من إحسانه ولطفه ورحمته يأساً شديداً بما رأوا من ثباته على أخذه بعينه وعدم استبداله {خلصوا} أي انفردوا من غيرهم حال كونهم {نجياً} أي ذوي نجوى يناجي بعضهم بعضاً، من المناجاة وهي رفع المعنى من كل واحد إلى صاحبه في خفاء، من النجو وهو الارتفاع عن الأرض - قاله الرماني، أو تمحضوا تناجياً لإفاضتهم فيه بجد كأنهم صورة التناجي، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: {قال كبيرهم} في السن وهو روبيل: {ألم تعلموا} مقرراً لهم بما يعرفونه مع قرب الزمان ليشتد توجههم في بذل الجهد في الخلاص من غضب أبيهم {أن أباكم} أي الشيخ الكبير الذي فجعتموه في أحب ولده إليه. ولما كان المقام بالتقرير ومعرفة صورة الحال لتوقع ما يأتي من الكلام، قال: {قد أخذ عليكم} أي قبل أن يعطيكم هذا الولد الآخر {موثقاً} ولما كان الله تعالى هو الذي شرعه - كما مضى - كان كأنه منه، فقال: {من الله} أي أيمان الملك الأعظم: لتأتنه به إلا أن يحاط بكم {ومن قبل} أي قبل هذا {ما فرطتم} أي قصرتم بترك التقدم بما يحق لكم في ظن أبيكم أو فيما ادعيتم لأبيكم تفريطاً عظيماً، فإن زيادة "ما" تدل على إرادته لذلك {في} ضياع {يوسف} فلا يصدقكم أبوكم أصلاً، بل يضم هذه إلى تلك فيعلم بها خيانتكم قطعاً، وأصل معنى التفريط،: التقدم، من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا فرطكم على الحوض ". تفسير : ولما كان الموضع موضع التأسف والتفجع والتلهف، أكده بـ" ما" النافية لنقيض المثبت كما سلف غير مرة، أي أن فعلكم في يوسف ما كان إلا تفريطاً لا شك فيه {فلن أبرح} أي أفارق هذه {الأرض} بسبب هذا، وإيصاله الفعل بدون حرف دليل على أنه صار شديد الالتصاق بها {حتى يأذن لي أبي} في الذهاب منها {أو يحكم الله} أي الذي له الكمال كله ووثقنا به {لي} بخلاص أخي أو بالذهاب منها بوجه من الوجوه التي يعلمها ويقدر على التسبب لها {وهو} أي ظاهراً وباطناً {خير الحاكمين *} إذا أراد أمراً بلغه بإحاطة علمه وشمول قدرته، وجعله على أحسن الوجود وأتقنها، فكأنه قيل: هذا ما رأى أن يفعل في نفسه، فماذا رأى لإخوته؟ فقيل: أمرهم بالرجوع ليعلموا أباهم لإمكان أن يريد القدوم إلى مصر ليرى ابنه أو يكون عنده رأي فيه فرج، فقال: {ارجعوا إلى أبيكم} أي دوني {فقولوا} أي له متلطفين في خطابكم {ياأبانا} وأكدوا مقالتكم فإنه ينكرها لكم فقولوا: {إن ابنك} أي شقيق يوسف عليه الصلاة والسلام الذي هو أكملنا في البنوة عندك {سرق}. ولما كانوا في غاية الثقة من أن أحداً منهم لا يلم بمثل ذلك، أشاروا إليه بقولهم: {وما شهدنا} أي في ذلك {إلا بما علمنا} ظاهراً من رؤيتنا الصواع يخرج من وعائه؛ والشهادة: الخبر عن إحساس قول أو فعل، وتجوز الشهادة بما أدى إليه الدليل القطعي {وما كنا للغيب} أي الأمر الذي غاب عنا {حافظين *} فلعل حيلة دبرت في ذلك غاب عنا علمها كما صنع في رد بضاعتنا {واسأل القرية} أي أهلها وجدرانها إن كانت تنطق {التي كنا فيها} وهي مصر، عما أخبرناك به يخبروك بصدقنا، فإن الأمر قد اشتهر عندهم {و} اسأل {العير} أي أصحابها وهم قوم من كنعان جيران يعقوب عليه الصلاة والسلام {التي أقبلنا فيها} والسؤال: طلب الإخبار بأداته من الهمزة وهل ونحوهما، والقرية: الأرض الجامعة لحدود فاصلة، وأصلها من قريت الماء، أي جمعته، وسيأتي شرح لفظها آخر السورة، والعير: قافلة الحمير، من العير - بالفتح، وهو الحمار، هذا الأصل - كما تقدم ثم كثر حتى استعمل في غير الحمير. ولما كان ذلك جديراً بالإنكار لما يتحقق من كرم أخيهم، أكدوه بقولهم: {وإنا} أي والله {لصادقون *} فكأنه قيل: فرجعوا إلى أبيهم وقالوا ما قال لهم كبيرهم، فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: {قال بل} أي ليس الأمر كذلك، لم تصح نسبة ابني إلى السرقة ظاهراً ولا باطناً، أي لم يأخذ شيئاً من صاحبه في خفاء بل {سولت} أي زينت تزييناً فيه غي {لكم أنفسكم أمراً} أي حدثتكم بأمر ترتب عليه ذلك، والأمر: الشيء الذي من شأنه أن تأمر النفس به، وكلا الأمرين صحيح، أما النفي فواضح، لأن بنيامين لم يسرق الصواع ولا همّ بذلك، ولذلك لم ينسبه يوسف عليه الصلاة والسلام ولا مناديه إلى ذلك بمفرده، وأما الإثبات فأوضح، لأنه لولا فعلهم بيوسف عليه الصلاة والسلام لما سولت لهم فيه أنفسهم لم يقع هذا الأمر لبنيامين عليه السلام {فصبر جميل} مني، لأن ظني في الله جميل، وفي قوله: {عسى الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {أن يأتيني بهم} أي بيوسف وشقيقه بنيامين وروبيل {جميعاً} ما يدل الفطن على أنه تفرس أن هذه الأفعال نشأت عن يوسف عليه الصلاة والسلام، وأن الأمر إلى سلامة واجتماع؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنه هو} أي وحده {العليم} أي البليغ العلم بما خفي علينا من ذلك، فيعلم أسبابه الموصلة إلى المقاصد {الحكيم *} أي البليغ في إحكام الأمور في ترتيب الأسباب بحيث لا يقدر أحد على نقض ما أبرمه منها، وترتيب الوصفين على غاية الإحكام - كما ترى - لأن الحال داع إلى العلم بما غاب من الأسباب أكثر من دعائه إلى معرفة حكمتها؛ قال هذه المقالة {وتولى} أي انصرف بوجهه {عنهم} لما تفاقم عليه من الحزن، وبلغ به من الجهد، وهاج به باجتماع حزن إلى حزن من الحرق كراهية لما جاؤوا به وإقبالاً على من إليه الأمر {وقال} مشتكياً إلى الله لا غيره، فهو تعريض بأشد التصريح والدعاء: {يَٰأَسَفَىٰ} أي يا أشد حزني، والألف بدل عن ياء الإضافة لتدل على بلوغ الأسف إلى ما لا حد له، وجناس "الأسف" مع "يوسف" مما لم يتعمد، فيكون مطبوعاً، فيصل إلى نهاية الإبداع، وأمثاله في القرآن كثير {على يوسف} هذا أوانك الذي ملأني بك فنادمني كما أنادمك، وخصه لأنه قاعدة إخوانه، انبنى عليها وتفرع منها ما بعدها {وابيضت عينه} أي انقلب سوادهما إلى حال البياض كثرة الاستعبار، فعمى البصر {من الحزن} الذي هو سبب البكاء الدائم الذي هو سبب البياض، فذكر السبب الأول، يقال: بلغ حزنه عليه السلام حزن سبعين ثكلى وما ساء ظنه قط. ثم علل ذلك بقوله: {فهو} أي بسبب الحزن {كظيم *} أي شديد الكظم لامتلائه من الكرب، مانع نفسه من عمل ما يقتضيه ذلك من الرعونات بما آتاه الله من العلم والحكمة، وذلك أشد ما يكون على النفس وأقوى ما يكون للحزن، فهو فعيل بمعنى مفعول، وهو أبلغ منه، من كظم السقاء - إذا شده على ملئه. ومادة " كظم" تدور على المنع من الإظهار، يلزمه الكرب - لأنه من شأن الممنوع مما قد امتلأ منه، ويلزمه الامتلاء، لأن ما دونه ليس فيه قوة الظهور، كظم غيظه -إذا سكت بعد امتلائه منه، وكظمت السقاء - إذا ملأته وسددته، وكظم البعير جرته - إذا ردها وكف، والكظم: مخرج النفس، لأنه به يمنع من الجري في هواه؛ والكظامة: حبل يشد به خرطوم البعير، لمنعه مما يريد، وأيضاً يوصل بوتر القوس العربية ثم يدار بطرف السية العليا، منعاً له من الانحلال وأيضاً قناة في باطن الأرض يجري فيهما الماء، لأنه يمنع الماء من أن يأخذ في هواه فيرتفع في موضع النبع فيظهر على وجه الأرض، وخرق يجري فيه الماء من بئر إلى بئر، لأنه لا يصنع إلا عند ضعف إحدى البئرين، فلولاه لفاضت القوية، فهو تصريف لمائها في غير وجهه، وكظامة الميزان: المسمار الذي يدور فيه اللسان، لأنه يربطه فيمنعه من الانفكاك، ويقال: ما زلت كاظماً يومي كله، أي ممسكاً عن الأكل وقد امتلأت جوعاً، وقد يطلق على مطلق النبع، ومنه كاظمة - لقرية على شاطىء البحر، لأن البحر قد كظمها عن الانفساح وكذا هي منعته عن الانسياح.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير، عن ابن إسحق - رضي الله عنه - {فلما استيأسوا منه} قال: أيسوا ورأوا شدته في الأمر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم, عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {خلصوا نجياً} قال: وحدهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {قال كبيرهم} قال: شمعون الذي تخلف أكبرهم عقلاً، وأكبر منه في الميلاد، روبيل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {قال كبيرهم} هو روبيل، وهو الذي كان نهاهم عن قتله، وكان أكبر القوم. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {أو يحكم الله لي} قال: أقاتل بالسيف حتى أقتل. وأخرج أبو الشيخ، عن وهب - رضي الله عنه - قال: إن شمعون كان أشد بني يعقوب بأساً، وإنه كان إذا غضب، قام شعره وانتفخ، فلا يطفئ غضبه شيء إلا أن يمسه أحد من آل يعقوب. وإنه كان قد أغار مرة على أهل قرية فدمرهم. وإنه غضب يوم أخذ بنو يعقوب بالصواع غضباً شديداً. حتى انتفخ، فأمر يوسف عليه السلام ابنه أن يمسه، فسكن غضبه وبرد، وقال: قد مسني يد من آل يعقوب.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ كَبِيرُهُمْ}[80] أي في العقل لا في السن.

القشيري

تفسير : لما عَلِموا أن يوسف عليه السلام ليس يبرح عن أخيه خلا بعضُهم ببعضٍ فعملت فيهم الخجْلة، وعلموا أن يعقوب في هذه الكرَّةِ يتجدد له مثلما أسلفوه من تلك الفَعْلة، فلم يرجع، أكبرهم إلى أبيهم، وتناهى إلى يعقوبَ خَبَرُهم، فاتهمهم وما صدّقهم، واستخونهم وما استوثقهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما استيأسوا منه} يئسوا غاية اليأس بدلالة صيغة الاستفعال. قال الكاشفى [بس آن وقت كه نوميد شدند از يوسف ودانستند كه برادررا بديشان نمى دهد] {خلصوا} اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم غيرهم {نجيا} متناجين فى تدابير امرهم على أى صفة يذهبون وماذا يقولون لابيهم فى شان اخيهم. قال فى الكواشى جماعة يتناجون سرا لان النجى من تساره وهو مصدر يعم الواحد والجمع والذكر والانثى {قال كبيرهم} فى السن وهو روبيل او فى العقل وهو يهودا او رئيسهم وهو شمعون وكانت له الرياسة على اخوته كأنهم اجمعوا عند التناجى على الانقلاب جملة ولم يرض فقال منكرا عليهم {ألم تعلموا} اى قد علمتم يقينا {ان اباكم قد اخذ عليكم موثقا من الله} عهدا وثيقا وهو حلفهم بالله وكرنه من الله لاذنه فيه. وقال الكاشفى [وشما سوكند خوريد بمحمد آخر زمان كه درشان وى غدر نكنيدا اكنون اين صورت واقع شد] {ومن قبل} اى من قبل هذا وهو متعلق بالفعل الآتى {ما} مزيدة {فرطتم فى يوسف} اى قصرتم فى شأنه ولم تحفظوا عهد ابيكم وقد قلتم وانا لناصحون وانا له لحافظون فنحن متهمون بواقعة يوسف فليس لنا مخلص من هذه الورطة {فلن ابرح الارض} ضمن معنى المفارقة فعدى الى المفعول اى لن افارق ارض مصر ذاهبا منها فلن ابرح تامة لا ناقصة لان الارض لا تحمل على المتكلم {حتى يأذن لى ابى} فى العود اليه وكأن ايمانهم كانت معقودة على عدم الرجوع بغير اذن يعقوب {او يحكم الله لى} بالخروج منها على وجه لا يؤدى الى نقض الميثاق او بخلاص اخى بسبب من الاسباب {وهو خير الحاكمين} اذ لا يحكم الا بالحق والعدل. قال الكاشفى [وميل ومداهنه درحكم او نيست]

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (نجياً): حال، أي: انفردوا عن الناس مناجين. وإنما أفرده؛ لأنه مصدر، أو بزنته. و(من قبل ما): يحتمل أن تكون مزيدة ومصدرية مرفوعة بالابتداء، أي: تفريطكم في يوسف واقع من قبل هذا. قاله ابن جزي. وفيه نظر؛ فإن الظرف المقطوع لا يقع خبراً، أوْ منصوبة بالعطف على مفعول (تعلموا)، أي: لم تعلموا أخذ ميثاق أبيكم، وتفريطكم في يوسف قبل هذا. يقول الحق جل جلاله: {فلما استيأسوا}؛ أي يئسوا {منه} من يوسف أن يجيبهم إلى ما دعوه إليه من أخذ أحدهم مكان أخيهم، {خَلَصُوا} أي: تخلصوا من الناس، وانفردوا عنهم {نجيّاً} متناجين، يناجي بعضهم بعضاً: كيف وقع للصاع؟ وكيف يتخلصون من عهد أبيهم؟ ثم فسر تلك المناجاة: {قال كبيرُهمْ} في السن، وهو رُوَيْبيل، أو في الرأي، وهو شمعون، وقيل يهوذا: {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله}؛ عهداً وثيقاً، وحلفتم له لتأتن بابنه إلا أن يُحاط بكم؟ فكيف تصنعون معه، {ومن قبلُ} هذا {فرطتم في يوسف} واعتذرتم بالأعذار الكاذبة؟ {فلن أبرح الأرض}؛ فلن أفارق أرض مصر {حتى يأذن لي أبي} في الرجوع، {أو يحكم الله لي}: أو يقضي لي بالخروج منها، أو بتخليص أخي منهم قهراً، {وهو خيرُ الحاكمين}؛ لأن حكمه لا يكون إلا بالحق. رُوي أنهم كلموا العزيز في إطلاقه، فقال رويبيل، وقيل: يهوذا: أيها الملك، لتتركن أخانا أو لأصيحن صيحة تضع منها الحوامل، ووقف شعر جسده، فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنه الصغير، واسمه نائل: قم إلى جنبه ومُسَّه، فمسه، وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم لا يسكن غضبه إلا إذا مسه أحد من آل يعقوب، فلما مسه ولد يوسف عليه السلام سكن غضبه، فقال: من هذا؟ إن في هذا البلد لبذراً من بذر يعقوب. وقيل: إنهم هموا بالقتال، وقال يهوذا لإخواته: تفرقوا في أسواق مصر، وأنا أصيح صيحة تشق مراريهم، فإذا سمعتم صوتي، فاخربوا يميناً وشمالاً، فلما غضب، وأراد أن يصيح مسه ولد يوسف فسكن، فلما لم يسمعوا صوته أتوا إليه فوجدوا قد سكن غضبه، فقال: إن هنا بذراً من آل يعقوب. ثم قال لهم: {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا أنّ ابنك سرق} على ما شهدنا من ظاهر الأمر، {وما شهدْنا إلا بما علمنا} بأن رأينا الصاع استُخرج من وعائه. {وما كنا للغيب حافظين} أي ما كنا لباطن الأمر حافظين، فلا ندري أسرق، أو أحد دسه في وعائه؟ أو ما كنا حين أعطيناك العهد حافظين للغيب، عالمين بالقدر المغيب، وأنك تصاب به كما أصبت بأخيه. {واسأل القرية التي كنا فيها}؛ وهي القرية التي لحقهم فيها المنادي، أي: أرسل إليهم عن القصة إن اتهمتنا. " {و} سل أيضاً {العيرَ}: أهل العير، {التي أقبلنا فيها}، والعير: جماعة الإبل. {وإنا لصادقون} فيما أخبرناك به. هذا تمام وصية كبيرهم. فلما رجعوا إلى أبيهم، وقالوا له ما قال لهم كبيرهم. {قال} لهم أبوهم: {بل سَوَّلت لكم أنفسُكم أمراً} أي: زينت لكم أمراً فصنعتموه، وإلا فمن أين يدري الملك أن السارق يُؤخذ في السرقة، إذ ليست بشريعته، {فصبر جميلٌ} أي: فأمري صبر جميل، {عسى اللهُ أن يأتيني بهم جميعاً}؛ بيوسف وبنيامين، وأخيهما الذي بقي بمصر؛ {إنه هو العليمُ} بحالي وحالهم، {الحكيم} في تدبيره. رُوي أن عزرائيل دخل ذات يوم على يعقوب ـ عليهما السلام ـ فقال له يعقوب: جئت لقبض روحي، أو لقبض روح أحد من أولادي وأهلي؟ قال: إنما جئت زائراً، فقال له: أقسمت عليك بالله إلا ما أخبرتني، هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا، بل هو حي سَوِيّ، وهو ملك وله خزائن، وجنود وعبيد، وعن قريب يجمع الله شملك به. هـ. الإشارة: فلما استيأس القلب من الدنيا، والرجوع إليها، وقطع يأسه من حظوظها وهواها، خلصت له المناجاة وصفت له أنوار المشاهدات، وأنواع المكالمات، والقلب هو كبير الأعضاء وملكها، فيقول لها: ألم تعلموا أن الله قد أخذ عليكم موثقاً ألا تعصوه ولا تُخالفوه، ومن قبل هذا وهو زمان البطالة، قد فرطتم في عبادته، فلن أبرح أرض العبودية حتى يأذن لي في العروج إلى سماء شهود عظمة الربوبية، أو يحكم لي بالوصال، وهو خير الحاكمين. فإن وقعت من الجوارح هفوة فيقال لها: ارجعوا إلى أبيكم ـ وهو القلب ـ فقولوا: إن ابنك سرق، أي: تعدى وأخذ ما ليس له من الهوى فيما ظهر لنا، وما شهدنا إلا بما علمنا، فرب معصية في الظاهر طاعة في الباطن، واسأل البشرية التي كنا فيها والخواطر التي أقبلنا على المعصية فيها، فيقول القلب: بل زينت لكم أنفسكم أمر الهوى، فدواؤكم الصبر الجميل، والتوبة للعظيم الجليل، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً، فنصرفهم في طاعة الله ومرضاته. والله تعالى أعلم بأسرار حِكَم كتابه، فعلم الإشارة يقبل مثل هذا وأكثر. وإياك والانتقاد؛ فقد قالوا في باب الإشارة أرق من هذا وأغرب. وبالله التوفيق. ثم قال تعالى: {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى عن اخوة يوسف حين آيسوا من تسليم أخيهم اليهم، فاليأس ضد الطمع، يقال: يئس يأساً واستيأس استيئاساً، فهو يائس، ومستيئس، وآيس يأس مثله. وقوله {خلصوا نجيّاً} أي انفردوا من غير أن يكون معهم غيرهم ممن ليس منهم، وهذا من عجيب فصاحة القرآن الخارقة للعادة لأن بقوله {خلصوا} دل على ما قلناه من معنى الكلام الطويل. واصل الخلوص حصول الشيء من غير شائب فيه من غيره، كخلوص الذهب من الشئاب، وسمي الخلاص لذلك، وقوله {نجيّاً} مصدر يدل بلفظه على القليل والكثير، والواحد والجمع. والنجوى مثله، ولذلك قال تعالى في الواحد {أية : وقربناه نجيّاً}تفسير : وفي الجمع {خلصوا نجياً} قال الشاعر: شعر : إني اذا ما القوم كانوا أَنجيه واضطرب القوم اضطراب الارشيه هناك أوصيني ولا توصي بيه تفسير : والمناجاة رفع المعنى من كل واحد الى صاحبه على وجه خفي. واصل النجو الارتفاع من الارض والمناجاة المسارة ونجي جمعه أنجية، وهم يتناجون. و {قال كبيرهم} يعني اكبرهم، وقال قتادة وابن اسحاق: هو روبيل، فانه كان اكبرهم سناً. وقال مجاهد: هو شمعون، وكان اكبرهم عقلاً وعلماً دون السن. والأول أليق بالكلام والظاهر: {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله} يعني أما علمتم أن أباكم قد حلفكم واقسمتم له بالله في حفظ أخيكم، وقبل هذا ما فرطتم في يوسف أي قصرتم في حفظه. واصل التفريط التقديم من قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : انا فرطكم على الحوض"تفسير : أي متقدمكم. والموثق والايثاق: العهد الوثيق و (ما) في قوله {ما فرطتم} يحتمل ثلاثة اوجه من الاعراب: احدها - ان تكون منصوبة بـ {تعلموا}، كأنه قال ألم تعلموا تفريطكم في يوسف. الثاني - رفع بالابتداء والخبر {من قبل}. الثالث - ان تكون صلة لا موضع لها من الاعراب، لأنها لم تقع موقع اسم معرب. وقوله {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي} لست أقوم من موضعي الا أن {يأذن لي أبي أو يحكم الله} اي الى ان يحكم الله. وقيل معناه بمجازاة أو غيرهما مما أردّ به أخي ابن يامين على ابيه، وكانوا تناجوا بمحاربته فلم يتفقوا على ذلك خوفاً من غمّ أبيهم بأن يقتل بعضهم في الحرب وقوله {وهو خير الحاكمين} اخبار من هذا القائل بأنه تعالى خير الحاكمين والفاصلين، واعتراف منه برد الامر الى الله تعالى.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ} بعد الالتجاء والمسئلة وعدم الاجابة {خَلَصُواْ} من اصحاب العزيز وانفردوا عنهم {نَجِيّاً} للنّجوى او متناجين والافراد لكونه مصدراً او وصفاً شبيهاً بالمصدر {قَالَ كَبِيرُهُمْ} فى السّنّ وهو روبيل، او كبيرهم فى الامر والحكم وهو شمعون، او كبيرهم فى العقل وهو يهودا كذا قيل {أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ} نسب الوثيقة الى الله لانّه (ع) استشهد به وقت العهد {وَمِن قَبْلُ} عطف على محذوفٍ اى اخذ موثقاً حين المسافرة الى مصر ومن قبل، وعلى هذا فلفظة ما فى قوله {مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} نافية والجملة مستأنفة او حياليّة والمعنى ما فرّطتم فى حقّ يوسف (ع) على سبيل التّهكّم او ما فرّطتم فى التّعدّى على يوسف (ع) او ما استفهاميّة تعجّبيّة او ما زائدة وحينيذٍ فقوله من قبل مثل سابقه وفرّطتم جملة مستأنفة، او حاليّة او من قبل متعلّق بفرّطتم والجملة حاليّة، او معطوفة على جملة الم تعلموا او ما مصدريّة وما فرّطتم وفى يوسف معطوفان على اسم انّ وخبرها ومن قبل حال او ما فرّطتم عطف على انّ واسمها وخبرها ومن قبل حال، وفى يوسف متعلّق بفرّطتم، او من قبل خبر ما فرّطتم والجملة عطف على اسم انّ وخبرها، او على انّ وما بعدها او ما موصولة واعرابها كاعراب المصدريّة {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} ارض مصر {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي} باستخلاص اخى او بالفرج لى باىّ نحوٍ شاء {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} حكاية مجادلة اخوة يوسف (ع) معه مذكورة فى المفصّلات.

فرات الكوفي

تفسير : {أو يحكم الله لي80} فرات قال: حدّثنا أحمد بن موسى معنعناً: عن زيد بن علي [عليهما السلام. ر] في قوله [تعالى. ر]: {حتى [يأذن لي أبي أو] يحكم الله لي} قال: بالسيف. فرات قال: حدّثني علي بن حمدون معنعناً: عن زيد بن علي [عليهما السلام. ر] في قوله [تعالى. ر]: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين} قال: بالسيف.

الأعقم

تفسير : {فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً} يعني أخوة يوسف أيسوا من بنيامين أن يرد إليهم، خلصوا اعتزلوا وانفردوا عن الناس، نجياً أي يناجي بعضهم بعضاً، وقيل: يتناجون في محاربته فلم يتفقوا على ذلك، وقيل: يتناجون بالرجوع إلى أبيهم فلم يتفقوا حياء من أبيهم {قال كبيرهم} وهو روبيل، وقيل: شمعون وكان رئيسهم وأكثرهم في الفضل، وقيل: يهوذا {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً} أي يميناً {فلن أبرح الأرض} أي لن أزال بهذه الأرض، قيل: هي أرض مصر {حتى يأذن لي أبي} بالانصراف اليه {أو يحكم الله لي} بالخروج منها أو بالانتصاف منها أو بالانتصاف ممن أخذ أخي، أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب {وهو خير الحاكمين} لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل {ارجعوا إلى أبيكم} فصرفهم مع العير، وأقام هو لأنه عهد أن لا يرجع {فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق} يعني فقولوا أخرج الصاع من رحله، وقولوا: إنه سرق على ظاهر الحال {وما شهدنا إلاَّ بما علمنا} أي ما نشهد عليه لكن نخبرك بما جرى، وقيل: ما قلنا أنه سرق إلا بما علمنا من وجود الصاع في رحله {وما كنا للغيب حافظين} في الأمر الخفي {واسأل القرية التي كنَّا فيها} وهي مصر أي أرسل إلى أهل القرية مصر واسألهم عن القصة {والعير التي أقبلنا فيها} وأصحاب العير وكانوا قوماً من كنعان، وقيل: جيران يعقوب، وقيل: من صنعاء {قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً} وفي الكلام حذف دل عليه الكلام ما بقي تقديره فلما رجعوا إلى أبيهم وقصُّوا عليه القصة قال مجيباً لهم: بل سولت لكم أنفسكم، يعني أردتم وهممتم به، وقيل: أعطيتكم أنفسكم سولها {فصبر جميل} أي شأني صبر جميل لا جزع معه {عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً}، وقيل: أوحى الله اليه بذلك، وقوله: عسى واجبٌ لأنه علم أن حديث السرقة باطل ولكن لم يعلموا أن الله {هو العليم} بأحوال خلقه {الحكيم} في تدابيرهم {وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف} والأسف أشد الحزن {وابيضَّت عيناه من الحزن} والبكاء قيل: عمي، وقيل: كان لا يبصر إلاَّ شيئاً قليلاً {فهو كظيم} مملوء من الهم والحزن وكان البياض الذي حدث في عين يعقوب من الحزن، روي ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى وقت لقائه ثمانين سنة، وما على وجه الأرض أكرم على الله تعالى من يعقوب {قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف} أي لا تزال تذكر يوسف {حتى تكون حرضاً} الحرض المشرف على الهلاك وهو فساد الجسم والعقل {أو تكون من الهالكين} أي المبتلين، ومتى قيل: ما معنى قولهم هذا لأبيهم؟ قالوا: ليكف من البكاء إشفاقاً عليه فأجابهم يعقوب {قال إنما أشكو} أي أظهر شكواي {بثي} أي همي عن ابن عباس، وقيل: حاجتي {وحزني إلى الله} تعالى {وأعلم من الله ما لا تعلمون} أي أعلم من إحسان الله ما لا تعلمون، وقيل أعلم أن رؤياه صادقة.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا استيئسُوا} يئسوا، والسين والتاء للمبالغة أو الموافقة المجرد، وقرأ البزىّ فى رواية أبى عمرو الدانى، عن ابن خواستى الفارسى، عن النقاش، عن أبى ربيعة عنه: فلما استأيسوا ولا تائسوا من روح الله، وحتى إذا استائس الرسل، وأفلم يائس الذى آمنوا بالألف وفتح الباء من غير همز، والباقون بالهمز وإسكان الياء من غير ألف فى اللفظ، وإذا وقف حمزة أو ألقى حركة الهمزة على الياء على أصله {مِنْه} من يوسف أن يرد معهم بنيامين، أو من بنيامين أن يُردَّ معهم، وقال أبو عبيدة: استيئسوا استيقنوا أن الأخ لا يرد إليهم. {خلصُوا} اعتزلوا عن يوسف {نجيّاً} أى مشاورة فى خفض صوت، وهو مصدر مفعول لأجله، أى اعتزلوا للتناجى فى أمر أخيهم، أو مفعول مطلق لحال محذوفة أى خلصوا ينجون نجيا، أو ناجين نجيا وهو من النجوى لا من النجاة، أو هو وصف فيكون أيضا حالا، وصح إفراده لأنه بوزن فعيل بمعنى فاعل، أو للتأويل بنوجا نجيّاً أو مصدر جاء حالا مبالغة كأنه نفس النجوى لشدة اهتمامهم، او يقدر مضاف أى ذوى نجوى، والحال على كل حال مقدرة لا مقارنة ولا محكية. وقالوا فى نجواهم: نقاتل أهل البلد، كان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، فغضب روبيل وقال بعد النجوى: أيها الملك، والله إن لم تتركنا لأصيحن صيحة لا تُبقى بمصر امرأة حاملا إلا وضعت ما فى بطنها، وقامت كل شعرة فى جلده، وخرجت من ثيابه وكان بنو يعقوب إذا غضبوا ومسهم واحد منهم ذهب غيظه، فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل ومسه، فمر الغلام إلى جنبه فمسه فسكن غضبه، قال من هذا؟ إن هذا البلد فيه بزر من برز يعقوب، فقال يوسف: مَنْ يعقوب؟ فغضب روبيل وقال: يا أيها الملك لا تذكر يعقوب فإنه إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، فقال له: أنت إذن صادق. وفى رواية: قال لهم يهودا: أنا أجلس على باب السجن فلا أخليه يسجنه، وأنتم اذهبوا كل واحد إلى سوق من أسواق مصر بأسلحتكم، فإذا صحت من هنا انشقت مرارتهم، وإذا سمعتم صوتى فاضربوا يمينا وشمالا، واقتلوا من جاء إليكم، وأنا أقتل من يقصدنى، فأمر يوسف ابنه الصغير واسمه نايل وقال له: يا بنى امض نحو عمك ذلك الرجل فامسح يدك على ظهره، ففعل فسكن ما به، وذهبت قوته، وأخذ ذلك الصبى فوضعه فى حجره، وقبل خده، فقال: أشم منك رائحة يعقوب، من أنت؟ فلم يخبره. ولما ارتفع النهار، ولم يسمع إخوته رجعوا إليه وقالوا: ما الذى أصابك يا يهودا، لم نسمع لك صوتا، فقال: اسكتوا إن هنا إنسانا من آل يعقوب. وفى رواية: كان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شئ، وإذا صاح ألقت كل حامل حملها، وكان أقوى إخوته وأشدهم، وقيل: هذه صفة شمعون، قيل: قال روبيل لإخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ قالوا: عشرة، قال: اكفونى الأسواق وأكفيكم الملك، أو اكفونى الملك أكفيكم الأسواق، فدخلوا على يوسف فقال روبيل: أيها الملك لتردن أخانا أو لأصيحن صيحة لا تُبقى بمصر امرأة حاملا إلا وضعت حملها. فقال يوسف لولده الصغير: قم إلى جنبه فمسه أو خُذ بيده فأتنى به، ولما مسه سكن غضبه فقال لإخوته: من مسنى منكم؟ قالوا: لم يصبك منا أحد، وقال: إنا هنا بزرا من بزر يعقوب، قيل: وغضب ثانيا فقام إليه يوسف فركله برجله، وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض، وقال: أنتم يا معشر العبرانيين تزعمون أن لا أحد أشد منكم، فذلك من جملة نجواهم. وقيل: قالوا ذلك وجرى معهم ذلك قبل قولهم: يا أيها العزيز لما لم ينفع ذلك قالوا: يا أيها العزيز، وقيل: قالوا فى نجواهم ما ذكر الله عز وجل عنهم فى قوله: {قالَ كَبيرهُم} فى السن أو فى الرأى وهو روبيل، قيل: يهودا، قال قتادة، والسدى، والضحاك: هو روبيل، وأنه أسنهم ورجحه الطبرى، وقال مجاهد: هو شمعون كان كبيرهم رأيا وعلما لا سنا، وكانت له الرياسة على إخوته، وقيل: إن يهودا أكبرهم عقلا، ورأيا وإنه المراد، وبه قال ابن عباس والكلبى. {ألم تعْلَموا أنَّ أباكُم قد أخذَ عليْكم مَوثقا مِنَ اللّهِ} فى أخيكم بنيامين، وإنما جعل حلفهم بالله موثقا من الله لأنه تأكيد به، وواقع بإرادته، ولم لم يرد لم يقع، وكذا فيما مر من كلام أبيهم {ومِنْ قبلُ} أى من قبل هذا متعلق بالفعل فى قوله: {ما فرَّطتُم فى يُوسفَ} على أن ما صلة لتأكيد التفريط، أى قد ضيعتم يوسف من قبل، وقصرتم فى حقه، ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه، ويجوز أن تكون ما مصدرية، واصدر مبتدأ، ومن قبل خبر، وأن تكون اسما موصولا مبتدأ خبره من قبل، أى من قبل هذا ما فرطتموه، أى قدمتموه فى حتى يوسف من الخيانة العظيمة، وهكذا إذا بنيْنا على قول بعض النحويين كابن مالك فى بعض كتبه، أنه يجوز كون الظرف المقطوع عن الإضافة لفظا لا معنى خبرا وصلة وصفة وحالا، والمشهور المنع، زعموا أنه لا يفيد، وليس كذلك عندى، بل تكفى فائدته، ولو جعل المضاف إليه ولا سيما أنه كثيرا جدا ما يحذف ويعلم كأنه مذكور كما هنا، وأما أن تجعل ما مصدرية والمصدر معطوف على مفعول تعلم، أو اسما موصولا معطوفا عليه فضعيف اللزوم تقدر معمول الصلة على الموصول الحرفى، أو الاسمى لو كان المعمول ظرفا. {فلنْ أبْرح الأرْضَ} لن أفارق هذه الأرض الحاضرة المعهودة أرض مصر، فإنما عدى أبرح للمفعول لتضمنه معنى أفارق، ويجوز كون الأرض منصوبا على نزع الخافض، وهو متعلق بأبرح تامة، أى لن أذهب من الأرض إلا أن يقدر عموم فى الأرض، لأن اسم المكان لا يقبل النصب على الظرفية إلا مبهما، ووجهه أن يريد الأرض التى هو فى بعضها بدون أن يستشعرها محدودة مغشاة بموضع كذا، وعلى هذا يجوز كون أبرح ناقصا أى لن أزل فى الأرض. {حتَّى يأذنَ لى أبى} فى الخروج من أرض مصر ويدعونى إليه، وسكن ياء لى غير نافع وأبى عمرو، وياء أبى غيرهما وغير ابن كثير {أو يحْكُم الله لى} بالموت أو برد أخى إلىَّ أو بالسيف فأقاتلهم حتى أرده. روى أنهم قالوا: ندخل على الملك مرة أخرى، فإن سمح بأخينا وإلا حاربناه بالقوة التى ركب الله فينا، وكانوا إذا غضب واحد منهم انتفخ واقشعر جلده، وخرج شعره من ثيابه، فتخرج من تحت كل شعرة قطرة من دم، فيضرب بقدمه على الأرض فتزلزل، ويزعق قلا تسمع زعيقه حامل إلا وضعت، ولا أحد إلا غشى عليه، وإذا مسه أحد من أولاد يعقوب أو من نسله سكن، وكان كواحد من الناس، وكان يوسف أقواهم فقال يهودا: اكفونى أهل مصر أكفكم الملك ممن معه، أو اكفونى الملك ومن معه أكفكم أهل مصر. وعن ابن عباس: وجه أحد إخوته وقال: أنظر كم أسواق مصر؟ فقال: تسعة، فقال: يقوم كل منكم بسوق، وأقوم بالملك ومن معه، فدخل مغضبا على يوسف وقال: أيها الملك رد علينا أخانا، وإلا صحت الآن فى قصرك صيحة فلا تسمع حامل إلا وضعت ما فى بطنها دما غبيطا، ومات كل من سمع صيحتى، وكانت له شعرة بين كتفيه إذا غضب قامت وخرجت من الثياب فلا تسكن حتى يسفك دما أو يمسه أحد من ولد يعقوب أو نسله، فقامت الشعرة ونظر إليها يوسف وقال لولده الأكبر: قم وخذ بيدك ذلك الرجل وأتنى به، فأخذه بيده فقاده وقد خمدت قوته، فالتفت يهودا يمينا وشمالا ليرى أحد إخوته هل مسه فلم ير أحدا، فقال: والله لقد مسنى أحد أولاد يعقوب، ثم خرَّ وطأطأ رأسه وارفضَّ عرقا، [وقال] لإخوته: من مسنى منكم؟ قالوا: ما مسك منا أحد، قال: وأين أخى شمعون؟ قالوا: مضى إلى الجبل ليأتى بصخرة يشدج بها رءوس من فى المنزل، يعنون منزل الملك، قال: هيهات لا ينفع ذلك. ثم مضى يهودا على أثره فإذا هو قد أقبل بصخرة عظيمة فقال: ارمى بها فإنها لا تفيدك، أقسم بالله يا أخى إن فى هذا المنزل رجلا من آل يعقوب، وقالوا له: فأشرعلينا برأيك. فقال: {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذه عليكم} الآية. وذكر أبو صالح أنه لما علم يوسف أن غضب يهودا سكن قام إلى حجر من حجارة طاحونة فوكزه برجله فرمى به خلف الحائط، ثم جذب يهودا جذبه وكاد أن يقلبه، وقال: يا معشر الكنعانيين تظنون أنه ليس لأحد مثل قوتكم فأظهروا الخضوع، فقال: عفوت عنكم، إنما أردت أن أريكم فضل قوتنا وما عندنا، ثم نقر الصواع فقال: إنه يخبرنى أنكم طرحتم أخاكم فى البئر، ثم بعتموه بثمن بخس فأنكروا وقالوا: لم نفعل لعل الملك قد سمع غلطا، فاخرج الكتاب الذى كتبوه يوم بيعه فقال: هذا الكتاب وجدته فى خزانتى فاقرءوه وفسِّروه لنا، فأخذه يهودا فقال: يا روبيل تعرف خطك؟ فنظره وبهتوا وجزعوا، وكلَّت ألسنتهم. فقال لهم يوسف: ما لكم صممتم؟ فقالوا: أيها الملك هذا كتاب كتبناه فى عبد بعناه، قال: فأخبرونى ما فيه فقرأ روبيل، فقال يوسف: ويحكم لقد جئتكم ما لا يليق، فلو كنتم كما تقولون ما ارتكب صغيركم ما ارتكب، ثم نقر الصوع وأصغى بأذنه وقال: إنه يخبرنى أن أخاكم الذى تزعمون أنه مات حى، وأنه سيرجع فيخبر الناس بصنيعكم معه، ثم نقره وقال: إنه يخبرنى أنكم فرطتم فى أخيكم وكذبتم لأبيكم، ثم نقره وقال: يقول كل ما دخل على أبيكم من الهم والحزن والعماء والبلاء فمن أجلكم، ثم نقره فقال: يقول إنكم أصررتم فإن لم تستغفروا لأصيرنكم نكالا، علىَّ بالحدادين حتى أقطع أيديهم فخضعوا. وقال يهودا: هذا ما حذرتكم، وقلت: إن الله [لكم] بالمرصاد، لا يترك ظلم العباد فكيف يكون أبونا إذا بلغه فقد أولاده جميعا، وقد أصابه ما أصابه فى واحد، فتوبوا واشهدوا هذا الملك الجليل، فلعل الله يرحمكم فإنه أرحم الراحمين. فسكنوا جميعا وتابعوا، فقالوا: لو وجدناه لأحسنا إليه غاية الإحسان، ولقلبنا يده ورأسه، فسمع يوسف ففاضت عيناه، فأمر أن يخلى سبيلهم، وأما أخوكم فلن أبرحه، فتشاوروا فقال يهودا: أما أنا فمالى وجه ألقى به والدى، فلن أبرح الأرض حتى يأذن لى أبى أو يحكم الله لى. {وهُو خَيرُ الحاكِمِين} لأنه لا يكون حكمه إلا بحق.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا استَيْئَسُوا مِنْهُ} أَيسوا يأْساً عظيماً من العزيز يوسف أن يرد إِليهم بنيامين، أَو من بنيامين، أَو من أَن يأْخذ أَحدهم مكانه، والإِياس من الذات أَشد مبالغة من الرد أو الأَخذ، ويجوز أن يكون الله قد قضى بخلاصه {خَلَصُوا} خلوا عن يوسف ومن معه بالانفراد عنهم وترك الخلطة {نجِيَّا} حال مقارنة بأن يتناجوا حال الذهاب عنهم، أو مقدرة أى ناوين التناجى بمعنى التكلم سرا من بعض مع بعض مشاورة، وهو فعيل بمعنى مفاعل بضم الميم كالعشير بمعنى معاشر والخليط بمعنى مخالط، وأُفرد لأَنه بوزن المصدر كالصهيل، والمصدر يجوز إطلاقه على الواحد، وقيل هو اسم موضوع لما فوق الواحد كقوم للثلاثة فصاعدا وهو مصدر للمبالغة كأَنهم النجوى، أَو يقدر ذوى نجى وهو حال، أو كأَنه قيل: بم تناجوا؟ فقال {قَال كَبِيرُهُمْ} سنا روبيل أو كبيرهم رأيا يهوذا، أَو كبيرهم رياسة شمعون {أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً} عظيماً كما مر {مِنَ اللهِ} فى رد أخيكم إليه لكن قال إلا أن يحاط بكم، ولم يعدوا إمساك الملك إحاطة بهم لأنهم يرجون حيلة تخلصه منه، أَو عدوه إِحاطة لكن تفاوضوا فى الكلام وعدوا الموثق من الله مع أنه منهم لأنه بخلقه وأمره، ولأَن الحلف به {وَمِنْ قَبْلُ} خبر {ما فَرَّطْتُمْ} ما مصدرية، والمصدر مبتداُ أَى وتفريطكم ثابت من قبل أَن تأْتوا ببنيامين، أو من قبل أَن يمسكه العزيز، أَو ما صلة ومن قبل يتعلق بفرطتم أى وفرطتم من قبل، وقد جاز جعل الظرف المقطوع حالا وخبراً ونعتاً وحالا عند بعض، ولا سيما إِذا كان المضاف إِليه معلوماً {فِى يُوسُفَ} أَى فى شأْنه، أَو ما مصدرية والمصدر معطوف على مفعول تعلموا وهو مفرد كما أن أباه إلخ، فى تأْويل المفرد، وجاز لأَن تعلم بمعنى تعرف، أَو اشتمال الكلام على المسند والمسند إليه، أَو عطف معمولين على معمولين أَى وأَن من قبل تفريطاً {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حتَّى يَأْذَنَ لِى أَبِى أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِى وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} عدى أَبرح للمفعول به لتضمن معنى أفارق أى لن أَفارق أرض مصر حتى يأْذن لى أبى فى الرجوع إليه أو يحكم الله لى بخلاص أخى أَو بالموت أَو بالمقاتلة وهو أَعدل الحاكمين.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ} أي يئسوا من يوسف عليه السلام وإجابته لهم إلى مرادهم، فاستفعل بمعنى فعل نحو سخر واستسخر وعجب واستعجب على ما في «البحر»، وقال غير واحد: إن السين والتاء زائدتان للمبالغة أي يئسوا يأساً كاملاً لأن المطلوب المرغوب مبالغ في تحصيله، ولعل حصول هذه المرتبة من اليأس لهم لما شاهدوه من عوذه بالله تعالى مما طلبوه الدال على كون ذلك عنده في أقصى مراتب الكراهة وأنه مما يجب أن يحترز عنه ويعاذ بالله تعالى منه، ومن تسميته ذلك ظلماً بقوله: {أية : إِنَّـا إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ } تفسير : [يوسف:79]. وفي بعض الآثار أنهم لما رأوا خروج الصواع من رحله وكانوا قد أفتوا بما أفتوا تذكروا عهدهم مع أبيهم استشاط من بينهم روبيل غضباً وكان لا يقوم لغضبه شيء ووقف شعره حتى خرج من ثيابه فقال: أيها الملك لتتركن أخانا أو لأصيحن صيحة لا يبقين بها في مصر حامل إلا وضعت فقال يوسف عليه السلام لولد له صغير: قم إلى هذا فمسه أو خذ بيده، وكان إذا مسه أحد من ولد يعقوب عليه السلام يسكن غضبه، فلما فعل الولد سكن غضبه فقال لإخوته: من مسني منكم؟ فقالوا: ما مسك أحد منا فقال: لقد مسني ولد من آل يعقوب عليه السلام، ثم قال لإخوته كم عدد الأسواق بمصر؟ قالوا: عشرة قال: اكفوني أنتم الأسواق وأنا أكفيكم الملك أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق فلما أحس يوسف عليه السلام بذلك قام إليه وأخذ بتلابيبه وصرعه وقال: أنتم يا معشر العبرانيين تزعمون أن لا أحد أشد منكم قوة فعند ذلك خضعوا وقالوا: {أية : يا أيها ٱلْعَزِيزُ } تفسير : [يوسف: 78] الخ، ويمكن على هذا أن يكون حصول اليأس الكامل لهم من مجموع الأمرين. وجوز بعضهم كون ضمير {مِنْهُ} لبنيامين، وتعقب بأنهم لم ييأسوا منه بدليل تخلف كبيرهم لأجله وروى أبو ربيعة عن البزي عن ابن كثير أنه قرأ {استأيسوا} من أيس مقلوب يئس، ودليل القلب على ما في «البحر» عدم انقلاب ياء أيس ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحاصل المعنى لما انقطع طمعهم بالكلية. {خَلَصُواْ} انفردوا عن غيرهم واعتزلوا الناس. وقول الزجاج: انفرد بعضهم عن بعض فيه نظر {نَجِيّاً} أي متناجين متشاورين فيما يقولون لأبيهم عليه الصلاة والسلام، وإنما وحده وكان الظاهر جمعه لأنه حال من ضمير الجمع لأنه مصدر بحسب الأصل كالتناجي أطلق على المتناجين مبالغة أو لتأويله بالمشتق والمصدر ولو بحسب الأصل يشمل القليل والكثير أو لكونه على زنة المصدر لأن فعيلاً من أبنية المصادر هو فعيل بمعنى مفاعل كجليس بمعنى مجالس وكعشير بمعنى معاشر، أي مناج بعضهم بعضاً فيكونون متناجين وجمعه أنجية قال لبيد:شعر : وشهدت أنجية الخلافة عاليا كعبـي وارادف الملوك شهود تفسير : وأنشد الجوهري:شعر : إني إذاً ما القول كانوا أنجيه واضطربوا مثل اضطراب الأرشيه هنـاك أوصينـي ولا توصـي بيـه تفسير : وهو على خلاف القياس إذ قياسه في الوصف افعلاء كغني وأغنياء. {قَالَ كَبِيرُهُمْ} أي رئيسهم وهو شمعون قاله مجاهد، أو كبيرهم في السن وهو روبيل قاله قتادة، أو كبيرهم في العقل وهو يهوذا قاله وهب والكلبـي، وعن محمد بن إسحق أنه لاوى {أَلَمْ تَعْلَمُواْ} كأنهم أجمعوا عند التناجي على الانقلاب جملة ولم يرض به فقال منكراً عليهم: {أَلَمْ تَعْلَمُواْ }. {أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ } عهداً يوثق به وهو حلفهم بالله تعالى وكونه منه تعالى لأنه بإذنه فكأنه صدر منه تعالى أو هو من جهته سبحانه ـ فمن ـ ابتدائية {وَمِن قَبْلُ } أي من قبل هذا، والجار والمجرور متعلق بقوله تعالى: {مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ } أي قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه وقد قلتم ما قلتم. و {مَا } مزيدة والجملة حالية، وهذا على ما قيل أحسن الوجوه في الآية وأسلمها، وجوز أن تكون {مَا } مصدرية ومحل المصدر النصب عطفاً على مفعول {تَعْلَمُواْ } أي ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقاً عليكم وتفريطكم السابق في شأن يوسف عليه السلام، وأورد عليه أمران: الفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وتقديم معمول صلة الموصول الحرفي عليه وفي جوازهما خلاف للنحاة والصحيح الجواز خصوصاً بالظرف المتوسع فيه، وقيل:/ بجواز العطف على اسم {أن} ويحتاج حينئذ إلى خبر لأن الخبر الأول لا يصح أن يكون خبراً له فهو {فِى يُوسُفَ } أو {مِن قَبْلُ } على معنى ألم تعلموا أن تفريطكم السابق وقع في شأن يوسف عليه السلام أو أن تفريطكم الكائن أو كائناً في شأن يوسف عليه السلام وقع من قبل. واعترض بأن مقتضى المقام إنما هو الإخبار بوقوع ذلك التفريط لا يكون تفريطهم السابق واقعاً في شأن يوسف عليه السلام كما هو مفاد الأول، ولا يكون تفريطهم الكائن في شأنه واقعاً من قبل كما هو مفاد الثاني. وفيه أيضاً ما ذكره أبو البقاء وتبعه أبو حيان من أن الغايات لا تقع خبراً ولا صلة ولا صفة ولا حالاً وقد صرح بذلك سيبويه سواء جرت أم لم تجر فتقول: يوم السبت يوم مبارك والسفر بعده ولا تقول والسفر بعد، وأجاب عند في «الدر المصون» بأنه إنما امتنع ذلك لعدم الفائدة لعدم العلم بالمضاف إليه المحذوف فينبغي الجواز إذا كان المضاف إليه معلوماً مدلولاً عليه كما في الآية الكريمة، ورد بأن جواز حذف المضاف إليه في الغايات مشروط بقيام القرينة على تعيين ذلك المحذوف على ما صرح به الرضيّ فدل على أن الامتناع ليس معللاً بما ذكر. وقال الشهاب: أن ما ذكروه ليس متفقاً عليه فقد قال الإمام المرزوقي في "شرح الحماسة": إنها تقع صفات وأخباراً وصلات وأحوالاً ونقل هذا الإعراب المذكور هنا عن الرماني وغيره واستشهد له بما يثبته من كلام العرب، ثم إن في تعرفها بالإضافة باعتبار تقدير المضاف إليه معرفة يعينه الكلام السابق عليها اختلافاً والمشهور أنها معارف، وقال بعضهم: نكرات وإن التقدير من قبل شيء كما في «شرح التسهيل». والفاضل صاحب "الدر" سلك مسلكاً حسناً وهو أن المضاف إليه إذا كان معلوماً مدلولاً عليه بأن يكون مخصوصاً معيناً صح الإخبار لحصول الفائدة فإن لم يتعين بأن قامت قرينة العموم دون الخصوص وقدر من قبل شيء لم يصح الإخبار ونحوه إذ ما شيء إلا وهو قبل شيء ما فلا فائدة في الإخبار فحينئذ يكون معرفة ونكرة، ولا مخالفة بين كلامه وكلام الرضيّ مع أن كلام الرضيّ غير متفق عليه انتهى، وهو كما قال تحقيق نفيس، وقيل: محل المصدر الرفع على الإبتداء والخبر {مِن قَبْلُ} وفيه البحث السابق، وقيل: {مَا} موصولة ومحلها من الإعراب ما تقدم من الرفع أو النصب وجملة {فَرَّطتُمْ} صلتها والعائد محذوف، والتفريط بمعنى التقديم من الفرط لا بمعنى التقصير أي ما قدمتموه من الجناية. وأورد عليه أنه يكون قوله تعالى: {مِن قَبْلُ } تكراراً فإن جعل خبراً يكون الكلام غير مفيد وإن جعل متعلقاً بالصلة يلزم مع التكرار تقديم متعلق الصلة على الموصول وهو غير جائز، وقيل: {مَا } نكرة موصوفة ومحلها ما تقدم وفيه ما فيه. {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} مفرع على ما ذكره وذكر به، و برح تامة وتستعمل إذا كان كذلك بمعنى ذهب وبمعنى ظهر كما في قولهم: برح الخفاء، وقد ضمنت هنا معنى فارق فنصبت {ٱلأَرْضِ } على المفعولية ولا يجوز أن تكون ناقصة لأن الأرض لا يصح أن تكون خبراً عن المتكلم هنا وليست منصوبة على الظرفية ولا بنزع الخافض؛ وعنى بها أرض مصر أي فلن أفارق أرض مصر جرياً على قضية الميثاق {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِى أَبَي} / في البراح بالانصراف إليه {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى } بالخروج منها على وجه لا يؤدي إلى نقض الميثاق أو بخلاص أخي بسبب من الأسباب، قال في «البحر» إنه غيا ذلك بغايتين خاصة وهي إذن أبيه وعامة وهي حكم الله تعالى له وكأنه بعد أن غيا بالأولى رجع وفوض الأمر إلى من له الحكم حقيقة جل شأنه، وأراد حكمه سبحانه بما يكون عذراً له ولو الموت، والظاهر أن أحب الغايتين إليه الأولى فلذا قدم {لِى } فيها وأخره في الثانية فليفهم {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ } إذ لا يحكم سبحانه إلا بالحق والعدل.

سيد قطب

تفسير : يئس إخوة يوسف من محاولة تخليص أخيهم الصغير، فانصرفوا من عنده، وعقدوا مجلساً يتشاورون فيه. وهم هنا في هذا المشهد يتناجون. والسياق لا يذكر أقوالهم جميعاً. إنما يثبت آخرها الذي يكشف عما انتهوا إليه: {فلما استيأسوا منه خلصوا نجياً. قال كبيرهم: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف؟ فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي، أو يحكم الله لي، وهو خير الحاكمين. ارجعوا إلى أبيكم فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق، وما شهدنا إلا بما علمنا، وما كنا للغيب حافظين. واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون}.. إن كبيرهم ليذكرهم بالموثق المأخوذ عليهم، كما يذكرهم بتفريطهم في يوسف من قبل. ويقرن هذه إلى تلك، ثم يرتب عليهما قراره الجازم: ألا يبرح مصر، وألا يواجه أباه، إلا أن يأذن له أبوه، أو يقضي الله له بحكم، فيخضع له وينصاع. أما هم فقد طلب إليهم أن يرجعوا إلى أبيهم فيخبروه بأن ابنه سرق، فأخذ بما سرق. ذلك ما علموه شهدوا به. أما إن كان بريئاً، وكان هناك أمر وراء هذا الظاهر لا يعلمونه، فهم غير موكلين بالغيب. كما أنهم لم يكونوا يتوقعون أن يحدث ما حدث، فذلك كان غيباً بالنسبة إليهم، وما هم بحافظين للغيب. وإن كان في شك من قولهم فليسأل أهل القرية التي كانوا فيها ـ وهي عاصمة مصر ـ والقرية اسم للمدينة الكبيرة ـ وليسأل القافلة التي كانوا فيها، فهم لم يكونوا وحدهم، فالقوافل الكثيرة كانت ترد مصر لتمتار الغلة في السنين العجاف.. ويطوي السياق الطريق بهم، حتى يقفهم في مشهد أمام أبيهم المفجوع، وقد أفضوا إليه بالنبأ الفظيع. فلا نسمع إلا رده قصيراً سريعاً، شجياً وجيعاً. ولكن وراءه أملاً لم ينقطع في الله أن يرد عليه ولديه، أو أولاده الثلاثة بما فيهم كبيرهم الذي أقسم ألا يبرح حتى يحكم الله له. وإنه لأمل عجيب في ذلك القلب الوجيع: {قال: بل سولت لكم أنفسكم أمراً، فصبر جميل، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم الحكيم}.. {بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل}.. كلمته ذاتها يوم فقد يوسف. ولكنه في هذه المرة يضيف إليها هذا الأمل أن يرد الله عليه يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك.. {إنه هو العليم الحكيم}.. الذي يعلم حاله، ويعلم ما وراء هذه الأحداث والامتحانات، ويأتي بكل أمر في وقته المناسب، عندما تتحقق حكمته في ترتيب الأسباب والنتائج. هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ؟ إنه الرجاء في الله، والاتصال الوثيق به، والشعور بوجوده ورحمته. ذلك الشعور الذي يتجلى في قلوب الصفوة المختارة، فيصبح عندها أصدق وأعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار. {وتولى عنهم وقال: يا أسفا على يوسف! وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم}.. وهي صورة مؤثرة للوالد المفجوع. يحس أنه منفرد بهمه، وحيد بمصابه، لا تشاركه هذه القلوب التي حوله ولا تجاوبه، فينفرد في معزل، يندب فجيعته في ولده الحبيب. يوسف. الذي لم ينسه، ولم تهوّن من مصيبته السنون، والذي تذكره به نكبته الجديدة في أخيه الأصغر فتغلبه على صبره الجميل: {يا أسفا على يوسف!}.. ويكظم الرجل حزنه ويتجلد فيؤثر هذا الكظم في أعصابه حتى تبيض عيناه حزناً وكمداً: {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم}.. ويبلغ الحقد بقلوب بنيه ألا يرحموا ما به، وأن يلسع قلوبهم حنينه ليوسف وحزنه عليه ذلك الحزن الكامد الكظيم، فلا يسرون عنه، ولا يعزونه، ولا يعللونه بالرجاء، بل يريدون ليطمسوا في قلبه الشعاع الأخير: {قالوا: تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين!}.. وهي كلمة حانقة مستنكرة. تالله تظل تذكر يوسف، ويهدك الحزن عليه، حتى تذوب حزناً أو تهلك أسى بلا جدوى. فيوسف ميئوس منه قد ذهب ولن يعود! ويرد عليهم الرجل بأن يتركوه لربه، فهو لا يشكو لأحد من خلقه وهو على صلة بربه غير صلتهم، ويعلم من حقيقته ما لا يعلمون: {قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون}. وفي هذه الكلمات يتجلى الشعور بحقيقة الألوهية في هذا القلب الموصول؛ كما تتجلى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر، ولألائها الباهر. إن هذا الواقع الظاهر الميئس من يوسف، وهذا المدى الطويل الذي يقطع الرجاء من حياته فضلاً على عودته إلى أبيه، واستنكار بنيه لهذا التطلع بعد هذا الأمد الطويل في وجه هذا الواقع الثقيل.. إن هذا كله لا يؤثر شيئاً في شعور الرجل الصالح بربه. فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه ما لا يعلم هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة بذلك الواقع الصغير المنظور! وهذه قيمة الإيمان بالله، ومعرفته سبحانه هذا اللون من المعرفة. معرفة التجلي والشهود وملابسة قدرته وقدره، وملامسة رحمته ورعايته، وإدراك شأن الألوهية مع العبيد الصالحين. إن هذه الكلمات: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن تجلوها. وتعرض مذاقاً يعرفه من ذاق مثله، فيدرك ماذا تعني هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب... والقلب الذي ذاق هذا المذاق لا تبلغ الشدائد منه ـ مهما بلغت ـ إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق! ولا نملك أن نزيد. ولكننا نحمد الله على فضله في هذا؛ وندع ما بيننا وبينه له يعلمه سبحانه ويراه.. ثم يوجههم يعقوب إلى تلمس يوسف وأخيه، وألا ييأسوا من رحمة الله، في العثور عليهما، فإن رحمة الله واسعة وفرجه دائماً منظور: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله. إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}.. فيا للقلب الموصول!!! {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه}.. تحسسوا بحواسكم، في لطف وبصر وصبر على البحث. ودون يأس من الله وفرجه ورحمته. وكلمة {روح} أدق دلالة وأكثر شفافية. ففيها ظل الاسترواح من الكرب الخانق بما ينسم على الأرواح من روْح الله الندي: {إنه لا ييأس من روْح الله إلا القوم الكافرون}.. فأما المؤمنون الموصولة قلوبهم بالله، الندية أرواحهم بروْحه، الشاعرون بنفحاته المحيية الرخية، فإنهم لا ييأسون من روْح الله ولو أحاط بهم الكرب، واشتد بهم الضيق. وإن المؤمن لفي روح من ظلال إيمانه، وفي أنس من صلته بربه، وفي طمأنينة من ثقته بمولاه، وهو في مضايق ومخانق الكروب.. ويدخل إخوة يوسف مصر للمرة الثالثة، وقد أضرت بهم المجاعة، ونفدت منهم النقود، وجاءوا ببضاعة رديئة هي الباقية لديهم يشترون بها الزاد.. يدخلون وفي حديثهم انكسار لم يعهد في أحاديثهم من قبل، وشكوى من المجاعة تدل على ما فعلت بهم الأيام: {فلما دخلوا عليه قالوا: يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر، وجئنا ببضاعة مُزجاة، فأوف لنا الكيل وتصدّق علينا، إن الله يجزي المتصدقين}.. وعندما يبلغ الأمر بهم إلى هذا الحد من الاسترحام والضيق والانكسار لا تبقى في نفس يوسف قدرة على المضي في تمثيل دور العزيز، والتخفي عنهم بحقيقة شخصيته. فقد انتهت الدروس، وحان وقت المفاجأة الكبرى التي لا تخطر لهم على بال؛ فإذا هو يترفق في الإفضاء بالحقيقة إليهم، فيعود بهم إلى الماضي البعيد الذي يعرفونه وحدهم، ولم يطلع عليه أحد إلا الله: {قال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟}!! ورن في آذانهم صوت لعلهم يذكرون شيئاً من نبراته. ولاحت لهم ملامح وجه لعلهم لم يلتفتوا إليها وهم يرونه في سمت عزيز مصر وأبهته وشياته. والتمع في نفوسهم خاطر من بعيد: {قالوا: أَئنك لأنت يوسف؟}.. أئنك لأنت؟! فالآن تدرك قلوبهم وجوارحهم وآذانهم ظلال يوسف الصغير في ذلك الرجل الكبير.. {قال: أنا يوسف. وهـذا أخي. قد من الله علينا. إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}.. مفاجأة! مفاجأة عجيبة. يعلنها لهم يوسف ويذكرهم في إجمال بما فعلوه بيوسف وأخيه في دفعة الجهالة.. ولا يزيد.. سوى أن يذكر منة الله عليه وعلى أخيه، معللاً هذه المنة بالتقوى والصبر وعدل الله في الجزاء. أما هم فتتمثل لعيونهم وقلوبهم صورة ما فعلوا بيوسف، ويجللهم الخزي والخجل وهم يواجهونه محسناً إليهم وقد أساءوا. حليماً بهم وقد جهلوا. كريماً معهم وقد وقفوا منه موقفاً غير كريم: {قالوا: تالله لقد آثرك الله علينا، وإن كنا لخاطئين}.. اعتراف بالخطيئة، وإقرار بالذنب، وتقرير لما يرونه من إيثار الله له عليهم بالمكانة والحلم والتقوى والإحسان. يقابله يوسف بالصفح والعفو وإنهاء الموقف المخجل. شيمة الرجل الكريم. وينجح يوسف في الابتلاء بالنعمة كما نجح من قبل في الابتلاء بالشدة. إنه كان من المحسنين. {قال: لا تثريب عليكم اليوم. يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين}.. لا مؤاخذة لكم ولا تأنيب اليوم. فقد انتهى الأمر من نفسي ولم تعد له جذور. والله يتولاكم بالمغفرة وهو أرحم الراحمين.. ثم يحول الحديث إلى شأن آخر. شأن أبيه الذي ابيضت عيناه من الحزن. فهو معجل إلى تبشيره. معجل إلى لقائه. معجل إلى كشف ما علق بقلبه من حزن، وما ألم بجسمه من ضنى، وما أصاب بصره من كلال: {اذهبوا بقميصي هـذا، فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً، وأتوني بأهلكم أجمعين}.. كيف عرف يوسف أن رائحته سترد على أبيه بصره الكليل؟ ذلك مما علمه الله. والمفاجأة تصنع في كثير من الحالات فعل الخارقة.. وما لها لا تكون خارقة ويوسف نبي رسول ويعقوب نبي رسول؟ ومنذ اللحظة نحن أمام مفاجأة في القصة بعد مفاجأة، حتى تنتهي مشاهدها المثيرة بتأويل رؤيا الصبي الصغير. {ولما فصلت العير قال أبوهم: إني لأجد ريح يوسف. لولا أن تفندون!}.. ريح يوسف! كل شيء إلا هذا. فما يخطر على بال أحد أن يوسف بعد في الأحياء بعد هذا الأمد الطويل. وأن له ريحاً يشمها هذا الشيخ الكليل! إني لأجد ريح يوسف. لولا أن تقولوا شيخ خرف: {لولا أن تفندون}.. لصدقتم معي ما أجده من ريح الغائب البعيد. كيف وجد يعقوب ريح يوسف منذ أن فصلت العير. ومن أين فصلت؟ يقول بعض المفسرين: إنها منذ فصلت من مصر، وأنه شم رائحة القميص من هذا المدى البعيد. ولكن هذا لا دلالة عليه. فربما كان المقصود لما فصلت العير عند مفارق الطرق في أرض كنعان، واتجهت إلى محلة يعقوب على مدى محدود. ونحن بهذا لا ننكر أن خارقة من الخوارق يمكن أن تقع لنبي كيعقوب من ناحية نبي كيوسف. كل ما هنالك أننا نحب أن نقف عند حدود مدلول النص القرآني أو رواية ذات سند صحيح. وفي هذا لم ترد رواية ذات سند صحيح. و دلالة النص لا تعطي هذا المدى الذي يريده المفسرون! ولكن المحيطين بيعقوب لم يكن لهم ما له عند ربه، فلم يجدوا ما وجد من رائحة يوسف: {قالوا: تالله. إنك لفي ضلالك القديم}.. في ضلالك بيوسف، وضلالك بانتظاره وقد ذهب مذهب الذي لا يعود. ولكن المفاجأة البعيدة تقع، وتتبعها مفاجأة أخرى: {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه، فارتد بصيراً}.. مفاجأة القميص. وهو دليل على يوسف وقرب لقياه. ومفاجأة ارتداد البصر بعد ما ابيضت عيناه.. وهنا يذكر يعقوب حقيقة ما يعلمه من ربه. تلك التي حدثهم بها من قبل فلم يفهموه: {قال: ألم أقل لكم: إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟}.. {قالوا: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين}.. ونلمح هنا أن في قلب يعقوب شيئاً من بنيه، وأنه لم يصف لهم بعد، وإن كان يعدهم باستغفار الله لهم بعد أن يصفو ويسكن ويستريح: {قال: سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم}. وحكاية عبارته بكلمة {سوف} لا تخلو من إشارة إلى قلب إنساني مكلوم.. ويمضي السياق في مفاجات القصة. فيطوي الزمان والمكان، لنلتقي في المشهد النهائي المؤثر المثير: {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه. وقال: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين. ورفع أبويه على العرش، وخروا له سجداً، وقال: يا أبت، هـذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو، من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي. إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم}.. ويا له من مشهد! بعد كر الأعوام وانقضاء الأيام. وبعد اليأس والقنوط. وبعد الألم والضيق. وبعد الامتحان والابتلاء. وبعد الشوق المضني والحزن الكامد واللهف الظامئ الشديد. يا له من مشهد ختامي بالانفعال والخفقات والفرح والدموع! ويا له من مشهد ختامي موصول بمطلع القصة: ذلك في ضمير الغيب وهذا في واقع الحياة. ويوسف بين هذا كله يذكر الله ولا ينساه: {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه، وقال: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين}.. ويذكر رؤياه ويرى تأويلها بين يديه في سجود إخوته له ـ وقد رفع أبويه على السرير الذي يجلس عليه ـ كما رأى الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين: {ورفع أبويه على العرش، وخروا له سجداً، وقال: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً}.. ثم يذكر نعمة الله عليه: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي}.. ويذكر لطف الله في تدبيره لتحقيق مشيئته: {إن ربي لطيف لما يشاء}.. يحقق مشيئته بلطف ودقة خفية لا يحسها الناس ولا يشعرون بها: {إنه هو العليم الحكيم}.. ذات التعبير الذي قاله يعقوب وهو يقص عليه رؤياه في مطلع القصة: {إن ربك عليم حكيم}.. ليتوافق البدء والختام حتى في العبارات. وقبل أن يسدل الستار على المشهد الأخير المثير، نشهد يوسف ينزع نفسه من اللقاء والعناق والفرحة والابتهاج والجاه والسلطان، والرغد والأمان.. ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر! كل دعوته ـ وهو في أبهة السلطان، وفي فرحة تحقيق الأحلام ـ أن يتوفاه ربه مسلماً وأن يلحقه بالصالحين: {رب قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث. فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة. توفني مسلماً وألحقني بالصالحين}.. {رب قد آتيتني من الملك}.. آتيتني منه سلطانه ومكانه وجاهه وماله. فذلك من نعمة الدنيا. {وعلمتني من تأويل الأحاديث}.. بإدراك مآلاتها وتعبير رؤاها. فذلك من نعمة العلم. نعمتك يا ربي أذكرها وأعددها.. {فاطرَ السماوات والأرض}.. بكلمتك خلقتها وبيدك أمرها، ولك القدرة عليها وعلى أهلها.. {أنت وليي في الدنيا والآخرة}.. فأنت الناصر والمعين. رب تلك نعمتك. وهذه قدرتك. رب إني لا أسألك سلطاناً ولا صحة ولا مالاً. رب إني أسألك ما هو أبقى وأغنى: {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين}. وهكذا يتوارى الجاه والسلطان، وتتوارى فرحة اللقاء واجتماع الأهل ولمة الإخوان. ويبدو المشهد الأخير مشهد عبد فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه، وأن يلحقه بالصالحين بين يديه. إنه النجاح المطلق في الامتحان الأخير..

ابن عاشور

تفسير : {استيأسوا} بمعنى يئسوا فالسين والتاء للتأكيد، ومثلها { أية : فاستجاب له ربه } تفسير : [سورة يوسف: 34] {واستعصَم}. واليأس منه: اليأس من إطلاقه أخاهم، فهو من تعليق الحكم بالذات. والمراد بعض أحوالها بقرينة المقام للمبالغة. وقرأ الجمهور {استيأسوا} بتحتية بعد الفوقية وهمزة بعد التحتية على أصل التصريف. وقرأه البزي عن ابن كثير بخلف عنه بألف بعد الفوقية ثم تحتية على اعتبار القلب في المكان ثم إبدال الهمزة. و{خلصوا} بمعنى اعتزلوا وانفردوا. وأصله من الخلوص وهو الصفاء من الأخلاط. ومنه قول عبد الرحمان بن عوف لعمر بن الخطاب ــــ رضي الله عنهما ــــ في آخر حجة حجّها حيث عزم عمر ــــ رضي الله عنه ــــ على أن يخطب في الناس فيحذرهم من قوم يريدون المزاحمة في الخلافة بغير حق، قال عبد الرحمان بن عوف ــــ رضي الله عنه ــــ: «يا أمير المؤمنين إن المَوسم يجمع رَعاع الناس فأمهل حتى تقدم المدينة فتخلص بأهل الفقه...» إلخ. والنجيّ: اسم من المناجاة، وانتصابه على الحال. ولما كان الوصف بالمصدر يلازم الإفراد والتذكير كقوله تعالى: {وإذْ هم نجوى}. والمعنى: انفردوا تناجيا. والتناجي: المحادثة سراً، أي متناجين. وجملة {قال كبيرهم} بدل من جملة {خلصوا نجيا} وهو بدل اشتمال، لأن المناجاة تشتمل على أقوال كثيرة منها قَول كبيرهم هذا، وكبيرهم هو أكبرهم سناً وهو رُوبين بِكرُ يعقوب ــــ عليه السلام ــــ. والاستفهام في {ألم تعلموا} تقريري مستعمل في التذكير بعدم اطمئنان أبيهم بحفظهم لابنه. وجملة {ومن قبل ما فرطتم} جملة معترضة. و{ما} مصدرية، أي تفريطكم في يوسف ــــ عليه السلام ــــ كان من قبل المَوثق، أي فهو غير مصدقكم فيما تخبرون به من أخذ بنيامين في سرقة الصُّوَاع. وفرع عليه كبيرهم أنه يبقى في مصر ليكون بقاؤه علامة عند يعقوب ــــ عليه السلام ــــ يعرف بها صدقهم في سبب تخلف بنيامين، إذ لا يرضى لنفسه أن يبقى غريباً لولا خوفه من أبيه، ولا يرضى بقية أشقائه أن يكيدوا له كما يكيدون لغير الشقيق. وقوله: {أو يحكم الله لي} ترديد بين ما رسمه هو لنفسه وبين ما عسى أن يكون الله قد قدره له مما لا قبل له بدفعه، فحذف متعلّق {يحكم} المجرور بالباء لتنزيل فعل {يحكم} منزلة ما لا يطلب متعلقاً. واللام للأجل، أي يحكم الله بما فيه نفعي. والمراد بالحكم التقدير. وجملة {وهو خير الحاكمين} تذييل. و{خير الحاكمين} إن كان على التعميم فهو الذي حكمه لا جور فيه أو الذي حكمه لا يستطيع أحد نقضه، وإن كان على إرادة وهو خير الحاكمين لي فالخبر مستعمل في الثناء للتعريض بالسؤال أن يقدر له ما فيه رأفة في رد غربته. وعدم التعرّض لقول صدَر من بنيامين يدافع به عن نفسه يدل على أنه لازم السكوت لأنه كان مطلعاً على مراد يوسف ــــ عليه السلام ــــ من استبقائه عنده، كما تقدم في قوله: { أية : آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك } تفسير : [يوسف: 69]. ثم لقنّهم كبيرهم ما يقولون لأبيهم. ومعنى {وما كنا للغيب حافظين} احتراس من تحقق كونه سرق، وهو إما لقصد التلطف مع أبيهم في نسبة ابنه إلى السرقة وإما لأنهم علموا من أمانة أخيهم ما خالجهم به الشك في وقوع السرقة منه. والغيب: الأحوال الغائبة عن المرء. والحفظ: بمعنى العلم. وسؤال القرية مجاز عن سؤال أهلها. والمراد بها مدينة مصر. والمدينة والقرية مترادفتان. وقد خصت المدينة في العرف بالقرية الكبيرة. والمراد بالعير التي كانوا فيها رفاقهم في عيرهم القادمين إلى مصر من أرض كنعان، فأما سؤال العير فسهل وأما سؤال القرية فيكون بالإرسال أو المراسلة أو الذهاب بنفسه إن أراد الاستثبات.

الواحدي

تفسير : {فلما استيأسوا} يئسوا {منه خلصوا نجياً} انفردوا متناجين في ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم {قال كبيرهم} وهو روبيل، وكان أكبرهم سنَّاً: {ألم تعلموا أنَّ أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله} في حفظ الأخ وردِّه إليه {ومن قبل ما فرطتم في يوسف} "ما" زائدة، أَيْ: قصَّرتم في أمر يوسف وخنتموه فيه {فلن أبرح الأرض} لن أخرج من أرض مصر {حتى يأذن لي أبي} يبعث إليَّ أنَْ آتيه {أو يحكم الله لي} يقضي في أمري شيئاً {وهو خير الحاكمين} أعدلهم، وقال لإخوته: {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إنَّ ابنك سرق} يعنون في ظاهر الأمر {وما شهدنا إلاَّ بما علمنا} لأنَّه وُجدت السَّرقة في رحله ونحن ننظر {وما كنا للغيب حافظين} ما كنا نحفظه إذا غاب عنا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: خلصوا نجياً: أي اعتزلوا يناجي بعضهم بعضاً. أخذ عليكم موثقاً: أي عهداً وميثاقاً لتأتن به إلا أن يحاط بكم. ومن قبل ما فرطتم: أي ومن قبل إضاعتكم لبنْيامين فرضتم في يوسف كذلك. فلن أبرح الأرض: أي لن أفارق الأرض، أي أرض مصر. وما كنا للغيب حافظين: أي لما غاب عنا ولم نعرفه حافظين. العير التي أقبلنا فيها: أي أصحاب القافلة التي جئنا معها وهم قوم كنعانيون. سولت لكم أنفسكم: أي زينت وحسنت لكم أمراً ففعلتموه. أن يأتيني بهم جميعا: أي بيوسف وأخويه بنيامين وروبيل. وتولى عنهم: أي معرضاً عن حديثهم. وقال يا أسفى: أي يا حزني أحضر هذا أوان حضورك. فهو كظيم: أي مغموم مكروب لا يظهر كربه. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث على قصة يوسف وإخوته، إنه بعد أن أخذ يوسف أخاه بالسرقة ولم يقبل استرحامهم له بأخذ غيره بدلاً عنه انحازوا ناحية يفكرون في أمرهم وهو ما أخبر به تعالى عنه في قوله: {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ} أي يئسوا {خَلَصُواْ نَجِيّاً} أي اعتزلوا يتناجون في قضيتهم {قَالَ كَبِيرُهُمْ} وهو روبيل مخاطباً إياهم {أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً} يذكرهم بالميثاق الذي أخذه يعقوب عليهم لما طلبوا منه أن يرسل معهم بنيامين لأن عزيز مصر طلبه. {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} أي وذكرهم بتفريطهم في يوسف يوم ألقوه في غيابة الجب وباعوه بعد خروجه من الجب. ومن هنا قال لهم ما أخبر تعالى به: {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} أي أرض مصر حتى يأذن لي أبي بالرجوع إليه {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي} بما هو خير {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ}. ولما أقنعهم بتخلفه عنهم أخذ يرشدهم إلى ما يقولونه لوالدهم وهو ما أخبر تعالى به في قوله عنه: {ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} أي حيث رأينا الصواع يستخرج من رحل أخينا {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} أي ولو كنا نعلم أن أخانا يحدث له هذا الذي حدث ما أخذناه معنا. كما أننا ما شهدنا بأن السارق يؤخذ بالسرقة إلا بما علمنا منك {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا} وهي عاصمة مصر {وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا} إذ فيها كنعانيون من جيرانك {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} في كل ما أخبرناك به. هذا ما أرشد به روبيل إخوته، ولما ذهبوا به واجتمعوا بأبيهم وحدثوه بما علمهم روبيل أن يقولوه فقالوه لأبيهم. رد عليهم يعقوب عليه السلام بما أخبر تعالى به عنه في قوله: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} أي زينت لكم أنفسكم أمراً ففعلتموه {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي فصبري على ما أصابني صبر جميل لا جزع فيه ولا شكاية لأحد غير الله {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً} أي يوسف وبنيامين وروبيل {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ} بفقري إليه وحاجتي عنده {ٱلْحَكِيمُ} في تدبيره لأوليائه وصالحي عباده {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} أي أعرض عن مخاطبتهم {وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ} أي يا أسفي وشدة حزني أحضر فهذا أوان حضورك {عَلَى يُوسُفَ} قال تعالى مخبراً عن حاله بعد ذلك {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ} فغلب بياضهما على سوادهما ومعنى هذا أنه فقد الإِبصار بما أصاب عينيه من البياض. {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي ممتلىء من الهم والكرب والحزن مكظوم لا يبثه لأحد ولا يشكوه لغير ربه تعالى. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية المناجاة للتشاور في الأمر الهام. 2- مشروعية التذكير بالالتزامات والعهود والمحافظة على ذلك. 3- قد يغلب الحياء على المؤمن فيمنعه من أمور هي خير له. 4- مشروعية النصح وتزويد المنصوح له بما يقوله ويعمله. 5- جواز اتهام البريء لملابسات أو تهمة سابقة. 6- إظهار التأسف والحزن والشكوى لله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَاكِمِينَ} (80) - وَلَمَّا يَئِسَ إِخْوَةُ يُوسُفَ مِنْ إِقْنَاعِ العَزِيزِ بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ أَخَاهُمُ الصَّغِيرَ لِقَاءَ دَفْعِ أَحَدِهِمْ إِلَيهِ بَدَلاً عَنْهُ، انْتَحَوْا جَانِباً يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ. فََقَالَ لَهُمْ كَبِيرُهُمْ، وَهُوَ الذِي أَشَارَ بِأَلاّ يَقْتُلُوا يُوسُفَ، وَبِأَنْ يَكْتَفُوا بِإِلْقَائِهِ فِي الجُبِّ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَرُدُّنَ عَلَيْهِ ابْنَهُ، وَهَا قَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ أَنْ أَضَعْتُمْ يُوسُفَ، وَأَبْعَدْتُمُوهُ عَنْ أَبيهِ فَقَاسَى الحُزْنَ الشَّدِيدَ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّنِي لَنْ أَتْرُكَ هذِهِ الأَرْضَ، وَسَأَبْقَى فِيهَا أََتَتَبَّعُ أَخْبَارَ أَخِينَا الصَّغِيرِ، إِلاّ إِذا فَهِمَ أَبِي الوَضْعَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَسَمَحَ لِي بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَهُوَ رَاضٍ عَنِّي، أَوْ يَحْكُمُ اللهُ لِي بِأَنْ يُمَكِّنَنِي مِنْ أَخْذِ أَخِي، وَالعَوْدَةِ بِهِ إِلى أَبِينا. وَاللهُ خَيْرُ الحَاكِمِينَ، لاَ يَحْكُمُ إِلاَّ بِمَا هُوَ حَقٌّ وَعَدْلٌ، وَهُوَ المُسَخِّرُ لِلأَسْبَابِ، وَالمُقَدِّرُ لِلأَقْدَارِ. اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ - يَئِسُوا مِنْ إِجَابَةِ طَلَبِهِمْ. خَلَصُوا نَجِيّاً - انْفَرَدُوا عَنِ الرَّكْبِ يَتَنَاجَوْنَ وَيَتَشَاوَرُونَ. مَا فَرَّطْتُمْ بِيُوسُفَ - مَا قَصَّرْتُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويقال: "يئس" أي: قطع الأمل من الشيء، وهم لم يقطعوا الأمل فقط، بل استيأسوا، وهو أمر فوق اليأس. فهم قد أخذوا يُرقِّقون كل ألوان المُرقِّقات؛ ولا فائدة؛ وكلما أوردوا مُرقِّقاً؛ يجدون الباب أمامهم مُوصَداً. وكأنهم بذلك يُلِحُّون على اليأس أن يأتيهم؛ لأن الظروف المحيطة والجو المحيط لا يحمل أي بارقة أملٍ، وكلما تبدو بارقةُ أملٍ ويطلبونها يجدون الطريق مُوصَداً؛ فكأنهم يطلبون اليأس من أن يأذن يوسف بسفر أخيهم بنيامين معهم في رحلة العودة إلى أبيهم. وهنا: {خَلَصُواْ نَجِيّاً ..} [يوسف: 80]. أي: أنهم انفردوا عنه، وعن أعين الحاضرين؛ العزيز يوسف، ومَنْ حوله من المُعَاونِين له، وأخيهم موضع الخلاف، وانفردوا بأنفسهم. والانفراد هو المناجاة؛ والمناجاة مَسرَّة؛ والمَسرَّة لا تكون إلا في أمر لا تحب لغيرك أن يطلع عليه. ونلحظ أن: {خَلَصُواْ ..} [يوسف: 80] هي جمع، و: {نَجِيّاً ..} [يوسف: 80] مفرد، وهذا من ضمن المواقع التي يتساءل فيها مَنْ لا يملكون مَلَكةً عربية: كيف يأتي القرآن بمفرد بعد الجمع؟ ونقول دائماً: لو أنهم امتلكوا اللغة كملَكَة لَعرفوا أن ذلك جائز جداً. ومثال هذا هو قول الحق سبحانه: {أية : وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} تفسير : [التحريم: 4]. وهم لا يفهمون أن اللغة فيها ألفاظ يستوي فيها المفرد والجمع، كأن الملائكة يجمعون قوة كل واحد منهم لتكون قوة واحدة. ومثال آخر: هو قول إبراهيم خليل الرحمن: {أية : قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 75-77]. أي: أن إبراهيم عليه السلام جمع الآلهة المتعددة التي يعبدونها وجعلها عدواً واحداً له. وكذلك يمكن أن نفعل مع كلمة "صديق"، وكذلك كلمة "عَدْل" فحين ينظر القضاء في أمر قضية ما؛ فالقاضي لا يُصدِر الحكم وحده؛ بل يُصِدره بعد التشاور مع المُستَشارين؛ ويصدر الحكم من الثلاثة: رئيس المحكمة، وعضو اليمين، وعضو اليسار وكلاهما بدرجة مستشار. ويُقَال: "حكم القضاة عَدْلاً". ولا يقال: إن كل مستشار أو قاض له عدل. وكذلك: {نَجِيّاً ..} [يوسف: 80]. في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فهم حين استيأسوا من يوسف انفردوا بأنفسهم ليتناجوا. وعادة يكون الرأي الأول للأخ الأكبر، الذي عادة ما يكون له من الخبرة والحكمة ما يتيح له أن يُبدِي الرأي الصواب. وهنا يقول الحق سبحانه: {قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} [يوسف: 80]. وقد يكون كبيرهم هو أكبرهم عمراً؛ أو هو رئيس الرحلة، وحين رآهم قد قَبِلوا فكرة العودة دون أخيهم الذي احتجزه عزيز مصر؛ قال لهم رأيه الذي حذرهم فيه أنْ يغفلوا عن أن أباهم قد أخذ منهم موثقاً من الله إلا أنْ يُحَاط بهم؛ كما يجب ألا ينسوا أن لهم سابقةً حين أخذوا يوسف وضيَّعوه. وبناءً على ذلك استقر قراره ألاّ يبرحَ المكان، ولن يعود إلى أبيه إلا إنْ أذِنَ له بذلك؛ أو أن يحكمَ الله له بأن يُسلِّمه عزيزُ مصر أخاه، أو أن يموت هنا في نفس البلد. وهذا القول في ظاهره دفاع عن النفس؛ وخجل من أن يعود إلى أبيه بدون بنيامين؛ ولذلك ترك إخوته يتحمَّلون تلك المواجهة مع الأب. وتبدو هذه المسألة أكثر قسوة على الأب؛ لأنه فقد في الرحلة الأولى يوسف، وفي الرحلة الثانية يفقد ابنه بنيامين، وكذلك الابن الكبير الذي يرأس الرحلة. وفي هذا تصعيد للقسوة على الأب، وكان المفروض أن تدور مُدَاولة بين الإخوة في تلك المُنَاجاة، ولكن الأخ الكبير أو رئيس الرحلة حسم الأمر. وحين سألوه: ماذا نفعل يا كبيرنا؟ جاء قوله الذي أوردته الآية التالية: {ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ} معناهُ يَئِسوا مِنهُ. تفسير : وقوله تعالى: {خَلَصُواْ نَجِيّاً} معناه اعتَزلُوا يَتشاورُونَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: فلما استيأس إخوة يوسف من يوسف أن يسمح لهم بأخيهم { خَلَصُوا نَجِيًّا } أي: اجتمعوا وحدهم، ليس معهم غيرهم، وجعلوا يتناجون فيما بينهم، فـ { قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ } في حفظه، وأنكم تأتون به إلا أن يحاط بكم { وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ } ، فاجتمع عليكم الأمران، تفريطكم في يوسف السابق، وعدم إتيانكم بأخيه باللاحق، فليس لي وجه أواجه به أبي. { فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ } أي: سأقيم في هذه الأرض ولا أزال بها { حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي } أي: يقدر لي المجيء وحدي، أو مع أخي { وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ }. ثم وصَّاهم بما يقولون لأبيهم، فقال: { ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ } أي: وأخذ بسرقته، ولم يحصل لنا أن نأتيك به، مع ما بذلنا من الجهد في ذلك. والحال أنا ما شهدنا بشيء لم نعلمه، وإنما شهدنا بما علمنا، لأننا رأينا الصواع استخرج من رحله، { وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ } أي: لو كنا نعلم الغيب لما حرصنا وبذلنا المجهود في ذهابه معنا، ولما أعطيناك عهودنا ومواثيقنا، فلم نظن أن الأمر سيبلغ ما بلغ. { وَاسْأَلِ } إن شككت في قولنا { الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا } فقد اطلعوا على ما أخبرناك به { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } لم نكذب ولم نغير ولم نبدل، بل هذا الواقع. فلما رجعوا إلى أبيهم وأخبروه بهذا الخبر، اشتد حزنه وتضاعف كمده، واتهمهم أيضا في هذه القضية، كما اتهمهم في الأولى، و { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أي: ألجأ في ذلك إلى الصبر الجميل، الذي لا يصحبه تسخط ولا جزع، ولا شكوى للخلق، ثم لجأ إلى حصول الفرج لما رأى أن الأمر اشتد، والكربة انتهت فقال: { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا } أي: يوسف و "بنيامين" وأخوهم الكبير الذي أقام في مصر. { إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ } الذي يعلم حالي، واحتياجي إلى تفريجه ومنَّته، واضطراري إلى إحسانه، { الْحَكِيمُ } الذي جعل لكل شيء قدرا، ولكل أمر منتهى، بحسب ما اقتضته حكمته الربانية.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 418 : 38 : 49 - سفين في قوله {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ (مِنْهُ) خَلَصُواْ نَجِيّاً} قال، تشاوروا تشاوراً بوسوسة. [الآية 80]. 419: 39 : 44 - سفين قال، دخل على يوسف ملك السجن. فقال له يوسف: "أيها الملك الطيب الريح، ما فعل يعقوب؟ ما بلغ حزنه"؟، قال "بلغ حزن سبعين ثكلى".

همام الصنعاني

تفسير : 1330- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كَبِيرُهُمْ}: [الآية: 80]، قال: هو روبيل الذي أشار عليهم أن لا يقتلوه.