١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
81
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنهم لما تفكروا في الأصوب ما هو ظهر لهم أن الأصوب هو الرجوع، وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة على الوجه من غير تفاوت، والظاهر أن هذا القول قاله ذلك الكبير الذي قال: {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلاْرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِى أَبِى } قيل إنه روبيل، وبقي هو في مصر وبعث سائر إخوته إلى الأب. فإن قيل: كيف حكموا عليه بأنه سرق من غير بينة، لا سيما وهو قد أجاب بالجواب الشافي، فقال الذي جعل الصواع في رحلي هو الذي جعل البضاعة في رحلكم. والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أنهم شاهدوا أن الصواع كان موضوعاً في موضع ما كان يدخله أحد إلا هم، فلما شاهدوا أنهم أخرجوا الصواع من رحله غلب على ظنونهم أنه هو الذي أخذ الصواع، وأما قوله: وضع الصواع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم فالفرق ظاهر، لأن هناك لما رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم، وأما هذا الصواع فإن أحداً لم يعترف بأنه هو الذي وضع الصواع في رحله فظهر الفرق فلهذا السبب غلب على ظنونهم أنه سرق، فشهدوا بناء على هذا الظن، ثم بينهم غير قاطعين بهذا الأمر بقولهم: {وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ }. والوجه الثاني: في الجواب أن تقدير الكلام {إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ } في قول الملك وأصحابه ومثله كثير في القرآن. قال تعالى: { أية : إِنَّكَ لاَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } تفسير : [هود: 87] أي عند نفسك، وقال تعالى: { أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان: 49] أي عند نفسك وأما عندنا فلا فكذا ههنا. الوجه الثالث: في الجواب أن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة ومثل هذا الشيء يسمى سرقة فإن إطلاق اسم أحد الشبيهين على الشبيه الآخر جائز في القرآن قال تعالى: { أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40]. الوجه الرابع: أن القوم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت فلا يبعد أن يقال: إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة لا سيما وقد شاهدوا شيئاً يوهم ذلك. الوجه الخامس: أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقرأ {إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ } بالتشديد، أي نسب إلى السرقة فهذه القراءة لا حاجة بها إلى التأويل لأن القوم نسبوه إلى السرقة، إلا أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه القراآت لا تدفع السؤال، لأن الإشكال إنما يدفع إذا قلنا القراءة الأولى باطلة، والقراءة الحقة هي هذه. أما إذا سلمنا أن القراءة الأولى حقة كان الإشكال باقياً سواء صحت هذه القراءة الثانية أو لم تصح، فثبت أنه لا بد من الرجوع إلى أحد الوجوه المذكورة أما قوله: {وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } فمعناه ظاهر لأنه يدل على أن الشهادة غير العلم بدليل قوله تعالى: {وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } وذلك يقتضي كون الشهادة مغايرة للعلم ولأنه عليه السلام قال: إذا علمت مثل الشمس فاشهد، وذلك أيضاً يقتضي ما ذكرنا وليست الشهادة أيضاً عبارة عن قوله أشهد لأن قوله أشهد إخبار عن الشهادة والإخبار عن الشهادة غير الشهادة. إذا ثبت هذا فنقول: الشهادة عبارة عن الحكم الذهني وهو الذي يسميه المتكلمون بكلام النفس، وأما قوله: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ } ففيه وجوه: الأول: أنا قد رأينا أنهم أخرجوا الصواع من رحله، وأما حقيقة الحال فغير معلومة لنا فإن الغيب لا يعلمه إلا الله. والثاني: قال عكرمة معناه: لعل الصواع دس في متاعه بالليل، فإن الغيب اسم لليل على بعض اللغات. والثالث: قال مجاهد والحسن وقتادة: وما كنا نعلم أن ابنك يسرق، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به إلى الملك وما أعطيناك موثقاً من الله في رده إليك. والرابع: نقل أن يعقوب عليه السلام قال لهم: فهب أنه سرق ولكن كيف عرف الملك أن شرع بني إسرائيل أن من سرق يسترق، بل أنتم ذكرتموه له لغرض لكم فقالوا عند هذا الكلام: أنا قد ذكرنا له هذا الحكم قبل وقوعنا في هذه الواقعة وما كنا نعلم أن هذه الواقعة نقع فيها فقوله: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ } إشارة إلى هذا المعنى. فإن قيل: فهل يجوز من يعقوب عليه السلام أن يسعى في إخفاء حكم الله تعالى على هذا القول. قلنا: لعله كان ذلك الحكم مخصوصاً بما إذا كان المسروق منه مسلماً فلهذا أنكر ذكر هذا الحكم عند الملك الذي ظنه كافراً. ثم حكى تعالى عنهم أنهم قالوا: {وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا }. واعلم أنهم لما كانوا متهمين بسبب واقعة يوسف عليه السلام بالغوا في إزالة التهمة عن أنفسهم فقالوا: {وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا } والأكثرون اتفقوا على أن المراد من هذه القرية مصر وقال قوم، بل المراد منه قرية على باب مصر جرى فيها حديث السرقة والتفتيش، ثم فيه قولان: الأول: المراد واسأل أهل القرية إلا أنه حذف المضاف للإيجاز والاختصار، وهذا النوع من المجاز مشهور في لغة العرب قال أبو علي الفارسي ودافع جواز هذا في اللغة كدافع الضروريات وجاحد المحسوسات. والثاني: قال أبو بكر الأنباري المعنى: اسأل القرية والعير والجدار والحيطان فإنها تجيبك وتذكر لك صحة ما ذكرناه لأنك من أكابر أنبياء الله فلا يبعد أن ينطق الله هذه الجمادات معجزة لك حتى تخبر بصحة ما ذكرناه، وفيه وجه ثالث، وهو أن الشيء إذا ظهر ظهوراً تاماً كاملاً فقد يقال فيه، سل السماء والأرض وجميع الأشياء عنه، والمراد أنه بلغ في الظهور إلى الغاية التي ما بقي للشك فيه مجال. أما قوله: {وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا } فقال المفسرون كان قد صحبهم قوم من الكنعانيين فقالوا: سلهم عن هذه الواقعة. ثم إنهم لما بالغوا في التأكيد والتقرير قالوا: {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } يعني سواء نسبتنا إلى التهمة أو لم تنسبنا إليها فنحن صادقون، وليس غرضهم أن يثبتوا صدق أنفسهم بأنفسهم لأن هذا يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه، بل الإنسان إذا قدم ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده وأنا صادق في ذلك يعني فتأمل فيما ذكرته من الدلائل والبينات لتزول عنك الشبهة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ} قاله الذي قال: «فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ». {فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ} وقرأ ابن عباس والضّحاك وأبو رزِين «إنَّ ٱبْنَكَ سُرِّقَ». النحاس: وحدثني محمد بن أحمد بن عمر قال حدّثنا ابن شَاذَان قال حدّثنا أحمد بن أبي سُرَيج البغداديّ قال: سمعت الكسائيّ يقرأ: «يَا أَبَانَا إنَّ ٱبْنَكَ سُرِّقَ» بضم السين وتشديد الرّاء مكسورة؛ على ما لم يُسمّ فاعله؛ أي نُسب إلى السرقة ورُمي بها؛ مثل خوّنته وفسّقته وفجرّته إذا نسبته إلى هذه الخلال. وقال الزجاج: «سُرِّقَ» يحتمل معنيين: أحدهما ـ علم منه السَّرَق، والآخر ـ ٱتهم بالسَّرَق. قال الجوهري: والسَّرِق والسَّرِقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق، والمصدر سَرَق يَسْرِق سَرَقاً بالفتح. قوله تعالى: {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا}. فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} يريدون ما شهدنا قطّ إلا بما علمنا، وأما الآن فقد شهدنا بالظاهر وما نعلم الغيب؛ كأنهم وقعت لهم تهمة من قول بنيامين: دَسَّ هذا في رحلي مَن دَسَّ بضاعتكم في رحالكم؛ قال معناه ابن إسحق. وقيل المعنى: ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يُسْتَرَقُّ إلا بما علمنا من دينك؛ قاله ابن زيد. {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} أي لم نعلم وقت أخَذْناه منك أنه يَسْرِق فلا نأخذه. وقال مجاهد وقتادة: ما كنا نعلم أن ٱبنك يُسترقّ ويصير أمرنا إلى هذا، وإنما قلنا: نحفظ أخانا فيما نطيق. وقال ٱبن عباس: يعنون أنه سَرَق ليلاً وهم نيام، والغيب هو الليل بلغة حِمْير؛ وعنه: ما كنا نعلم ما يصنع في ليله ونهاره وذهابه وإيابه. وقيل: ما دام بمرأى منا لم يجر خَلَل، فلما غاب عنا خفيت عنا حالاته. وقيل معناه: قد أخِذت السّرِقة من رَحْله، ونحن أخرجناها وننظر إليها، ولا علم لنا بالغيب، فلعلهم سَرَّقوه ولم يَسرِق. الثانية: تضمّنت هذه الآية جواز الشهادة بأي وجه حصل العلم بها؛ فإن الشهادة مرتبطة بالعلم عقلاً وشرعاً، فلا تسمع إلا ممن عَلِم، ولا تقبل إلا منهم، وهذا هو الأصل في الشهادات؛ ولهذا قال أصحابنا: شهادة الأعمى جائزة، وشهادة المستمع جائزة، وشهادة الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة؛ وكذلك الشهادة على الخطّ ـ إذا تيقّن أنه خطّه أو خطّ فلان ـ صحيحة فكل من حصل له العلم بشيء جاز أن يشهد به وإن لم يُشهِده المشهود عليه؛ قال الله تعالى: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَلاَ أخبركم بخير الشهداء خيرُ الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها» تفسير : وقد مضى في «البقرة». الثالثة: ٱختلف قول مالك في شهادة المرور؛ وهو أن يقول: مررت بفلان فسمعته يقول كذا فإن ٱستوعب القول شهِد في أحد قوليه، وفي القول الآخر لا يشهد حتى يُشهداه. والصحيح أداء الشهادة عند الاستيعاب؛ وبه قال جماعة العلماء، وهو الحق؛ لأنه (قد) حصل المطلوب، وتعيّن عليه أداء العلم؛ فكان خير الشهداء إذا أعلم المشهود له، وشر الشهداء إذا كتمها (والله أعلم). الرابعة: إذا ٱدّعى رجل شهادة لا يحتملها عمره ردّت؛ لأنه ٱدّعى باطلاً فأكذبه العِيَان ظاهراً.
البيضاوي
تفسير : {ٱرْجِعُواْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ } على ما شاهدناه من ظاهر الأمر. وقرىء {سَرَقَ } أي نسب إلى السرقة. {وَمَا شَهِدْنَا } عليه. {إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } بأن رأينا أن الصواع استخرج من وعائه. {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ } لباطن الحال. {حَـٰفِظِينَ } فلا ندري أنه سرق أو سرق الصواع في رحله، أو وما كنا للعواقب عالمين فلم ندر حين أعطيناك الموثق أنه سيسرق، أو أنك تصاب به كما أصبت بيوسف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱرْجِعُواْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَآ أَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ } عليه {إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } تيقنآ من مشاهدة الصاع في رحله {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ } لما غاب عنّا حين إعطاء الموثق {حَٰفِظِينَ } ولو علمنا أنه يسرق لم نأخذه.
ابن عطية
تفسير : الأمر بالرجوع قيل: هو من قول كبيرهم، وقيل: بل هو من قول يوسف لهم، والأول أظهر. وقرأ الجمهور "سرقَ" على تحقيق السرقة على بنيامين، بحسب ظاهر الأمر. وقرأ ابن عباس وأبو رزين "سُرِّق" بضم السين وكسر الراء وتشديدها، وكأن هذه القراءة فيها لهم تحر، ولم يقطعوا عليه بسرقة، وإنما أرادوا جعل سارقاً بما ظهر من الحال - ورويت هذه القراءة عن الكسائي - وقرأ الضحاك: "إن ابنك سارقٌ" بالألف وتنوين القاف، ثم تحروا بعد - على القراءتين - في قولهم {وما شهدنا إلا بما علمنا} أي وقولنا لك: {إن ابنك سرق} إنما هي شهادة عندك بما علمناه من ظاهر ما جرى، والعلم في الغيب إلى الله، ليس في ذلك حفظنا، هذا قول ابن إسحاق، وقال ابن زيد: قولهم: {ما شهدنا إلا بما علمنا} أرادوا به: وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترقّ في شرعك إلا بما علمنا من ذلك، {وما كنا للغيب حافظين} أن السرقة تخرج من رحل أحدنا، بل حسبنا أن ذلك لا يكون البتة، فشهدنا عنده حين سألنا بعلمنا. وقرأ الحسن "وما شهدنا عليه إلا بما علمنا" بزيادة "عليه". ويحتمل قوله: {وما كنا للغيب حافظين} أي حين واثقناك، إنما قصدنا ألا يقع منا نحن في جهته شيء يكرهه، ولم نعلم الغيب في أنه سيأتي هو بما يوجب رقه. وروي أن معنى قولهم: {للغيب} أي الليل، والغيب: الليل - بلغة حمير - فكأنهم قالوا: وما شهدنا عندك إلا بما علمناه من ظاهر حاله، وما كنا بالليل حافظين لما يقع من سرقته هو أو التدليس عليه. ثم استشهدوا بأهل القرية التي كانوا فيها - وهي مصر، قاله ابن عباس وغيره، وهذا مجاز، والمراد أهلها، وكذلك قوله: {والعير}، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح، وحكى أبو المعالي في التلخيص عن بعض المتكلمين أنه قال: هذا من الحذف وليس من المجاز، قال: وإنما المجاز لفظة تستعار لغير ما هي له. قال القاضي أبو محمد: وحذف المضاف هو عين المجاز وعظمه - هذا مذهب سيبويه وغيره من أهل النظر - وليس كل حذف مجازاً، ورجح أبو المعالي - في هذه الآية - أنه مجاز، وحكى أنه قول الجمهور أو نحو هذا. وقالت فرقة: بل أحالوه على سؤال الجمادات والبهائم حقيقة، ومن حيث هو نبي فلا يبعد أن تخبره بالحقيقة. قال القاضي أبو محمد: وهذا وإن جوز فبعيد، والأول أقوى، وهنا كلام مقدر يقتضيه الظاهر، تقديره: فلما قالوا هذه المقالة لأبيهم قال: {بل سولت}، وهذا على أن يتصل كلام كبيرهم إلى هنا، ومن يرى أن كلام كبيرهم تم في قوله: {إن ابنك سرق}، فإنه يجعل الكلام هنالك تقديره: فلما رجعوا قالوا: {إن ابنك سرق} الآية. والظاهر أن قوله: {بل سولت لكم أنفسكم أمراً}. إنما هو ظن سيء بهم، كما كان في قصة يوسف قبل، فاتفق أن صدق ظنه هناك، ولم يتحقق هنا، و {سولت} معناه: زينت وخيلت وجعلته سولاً، والسول ما يتمناه الإنسان ويحرص عليه. وقوله: {فصبر جميل} إما ابتداء وخبره أمثل أو أولى، وحسن الابتداء بالنكرة من حيث وصفت. وإما خبر ابتداء تقديره، فأمري أو شأني، أو صبري صبر جميل؛ وهذا أليق بالنكرة أن تكون خبراً، ومعنى وصفه بالجمال: أنه ليس فيه شكوى إلى بشر ولا ضجر بقضاء الله تعالى. ثم ترجى عليه السلام من الله أن يجبرهم عليه وهم يوسف وبنيامين وروبيل الذي لم يبرح الأرض، ورجاؤه هذا من جهات: إحداها: الرؤيا التي رأى يوسف فكان يعقوب ينتظرها. والثانية: حسن ظنه بالله تعالى في كل حال. والثالثة: ما أخبروه به عن ملك مصر أنه يدعو له برؤية ابنه فوقع له - من هنا - تحسس ورجاء. والوصف "بالعلم والإحكام" لائق بما يرجوه من لقاء بنيه، وفيها تسليم لحكمة الله تعالى في جميع ما جرى عليه.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَا شَهِدْنَآ} بأن السارق يسترق إلا بما علمنا، أون ما شهدنا عندك بسرقته إلا بما علمنا من وجود السرقة في رحله {لِلْغَيْبِ} من سرقته، أو استرقاقه.
الخازن
تفسير : {ارجعوا إلى أبيكم} يعني يقول الأخ الكبير الذي عز على الإقامة بمصر لإخوته الباقين ارجعوا إلى أبيكم يعقوب {فقولوا} له {يا أبانا إن ابنك سرق} إنما قالوا هذه المقالة ونسبوه إلى السرقة لأنهم شاهدوا الصواع وقد أخرج من متاع بنيامين فغلب على ظنهم أنه سرق فلذلك نسبوه إلى السرقة في ظاهر الأمر لا في حقيقة الحال ويدل على أنهم لم يقطعوا عليه بالسرقة قولهم {وما شهدنا إلا بما علمنا} يعني ولم نقل ذلك إلا بعد أن رأينا إخراج الصواع وقد أخرج من متاعه وقيل معناه ما كانت منا شهادة في عمرنا على شيء إلا بما علمناه وهذه ليست بشهادة إنما هو خبر عن صنيع ابنك أنه سرق بزعمهم فيكون المعنى أن ابنك سرق في زعم الملك وأصحابه لا أنّا نشهد عليه بالسرقة: وقرأ ابن عباس والضحاك: سرق بضم السين وكسر الراء وتشديدها أي نسب إلى السرقة واتهم بها وهذه القراءة لا تحتاج إلى تأويل ومعناها أن القوم نسبوه إلى السرقة إلا أن هذه القراءة ليست مشهورة فلا تقوم بها حجة والقراءة الصحيحة المشهورة وهي الأولى وقوله وما شهدنا إلا بما علمنا يعني وما قلنا هذا إلا بما علمنا فيما رأينا إخراج الصواع من متاعه، وقيل: معناه ما كانت منا شهادة في عمرنا على شيء إلا بما عملناه وليست هذه شهادة وإنما هو خبرعن صنيع ابنك بزعمهم. وقيل: قال لهم يعقوب هب أنه سرق فما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته إلا بقولكم قالوا ما شهدنا عنده أن السارق يسترق إلا بما علمنا من الحكم وكان الحكم كذلك عند الأنبياء قبله ويعقوب وبنيه. وأورد على هذا القول كيف جاز ليعقوب إخفاء هذا الحكم حتى ينكر على بنيه ذلك. وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون ذلك الحكم كان مخصوصاً بما إذا كان المسروق منه مسلماً فلهذا أنكر عليهم إعلام الملك بهذا الحكم لظنه أنه كافر {وما كنا للغيب حافظين} قال مجاهد وقتادة: يعني ما كنا نعلم أن ابنك سرق ويصير أمرنا إلى هذا ولو عملنا ذلك ما ذهبنا به معنا وإنما قلنا ونحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه منه سبيل، وقال ابن عباس: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه حافظين وقيل معناه إن حقيقة الحال غير معلومة لنا فإن الغيب لا يعلمه إلا الله فلعل الصواع دس في رحله ونحن لا نعلم بذلك {واسأل القرية التي كنا فيها} يعني واسأل أهل القرية إلا أن حذف المضاف للإيجاز ومثل هذا النوع من المجاز مشهور في كلام العرب والمراد بالقرية مصر، وقال ابن عباس: هي قرية من قرى مصر كان قد جرى فيها حديث السرقة والتفتيش {والعير التي أقبلنا فيها} يعني واسأل القافلة التي كنا فيها وكان صحبهم قوم من كنعان من جيران يعقوب {وإنا لصادقون} يعني فيما قلناه وإنما أمرهم أخوهم الذي أقام بمصر بهذه المقالة مبالغة في إزالة التهمة عن أنفسهم عند أبيهم لأنهم كانوا متهمين عنده بسبب واقعة يوسف {قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً} فيه اختصار تقديره فرجعوا إلى أبيهم فأخبروه بما جرى لهم في سفرهم ذلك وبما قال لهم كبيرهم وأمرهم أن يقولوه لأبيهم فعند ذلك قال لهم يعقوب بل سولت يعني بل زينت لكم أنفسكم أمراً وهو حمل أخيكم معكم إلى مصر لطلب نفع عاجل فآل أمركم إلى ما آل، وقيل: معناه بل خيلت لكم أنفسكم أنه سرق ما سرق {فصبر جميل} تقدم تفسيره في أول السورة. وقوله {عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً} يعني بيوسف وبنيامين والأخ الثالث الذي أقام بمصر وإنما قال يعقوب هذه المقالة لأنه لما طال حزنه واشتد بلاؤه ومحنته علم أن الله سيجعل له فرجاً ومخرجاً عن قريب فقال ذلك على سبيل حسن الظن بالله عز وجل لأنه إذا اشتد البلاء وعظم كان أسرع إلى الفرج، وقيل: إن يعقوب علم بما يجري عليه وعلى بنيه من أول الأمر وهو رؤيا يوسف وقوله {أية : يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً}تفسير : [يوسف: 5] فلما تناهى الأمر قال عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً {إنه هو العليم} يعني بحزني ووجدي عليهم {الحكيم} فيما يدبره ويقضيه.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قرأ {إن ابنك سرق} . وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد - رضي الله عنه - قال: قال يعقوب عليه السلام لبنيه: ما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته إلا بقولكم. قالوا: ما شهدنا إلا بما علمنا، لم نشهد أن السارق يؤخذ بسرقته إلا وذاك الذي علمنا. وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم - رضي الله عنه - أنه كره أن يكتب الرجل شهادته، فإذا استشهد شهد، ويقرأ {وما شهدنا إلا بما علمنا}. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {وما كنا للغيب حافظين} قال: لم نعلم أنه سيسرق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {وما كنا للغيب حافظين} قال: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {وما كنا للغيب حافظين} قال: يقولون ما كنا نظن أن ابنك يسرق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {وسأل القرية} قال: مصر. وفي قوله {عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً} قال: بيوسف وأخيه وروبيل. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله {عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً} قال: بيوسف وأخيه وكبيرهم الذي تخلف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي روق - رضي الله عنه - قال: لما حبس يوسف عليه السلام أخاه بسبب السرقة، كتب إليه يعقوب عليه السلام: من يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الله إلى يوسف عزيز فرعون، أما بعد فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء، إن أبي إبراهيم عليه السلام ألقي في النار في الله فصبر، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وإن أبي إسحق عليه السلام قرب للذبح في الله فصبر، ففداه الله بذبح عظيم. وإن الله كان وهب لي قرة عين فسلبنيه، فأذهب حزنه بصري، وأيبس لحمي على عظمي، فلا ليلي ليل، ولا نهاري نهار، والأسير الذي في يديك بما ادعي عليه من السرق أخوه لأمه، فكنت إذا ذكرت أسفي عليه قربته مني، فيسلي عني بعض ما كنت أجد. وقد بلغني أنك حبسته بسبب سرقة، فخل سبيله، فإني لم ألد سارقاً وليس بسارق، والسلام. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الجلد - رضي الله عنه - قال: قال له أخوه: يا أيها العزيز، لقد ذهب لي أخ ما رأيت أحداً أشبه به منك، لكأنه الشمس. فقال له يوسف عليه السلام: اسأل إله يعقوب أن يرحم صباك، وإن يرد إليك أخاك.
ابو السعود
تفسير : . {ٱرْجِعُواْ} أنتم {إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ} على ظاهر الحالِ وقرىء سُرق أي نسب إلى السرقة {وَمَا شَهِدْنَا} عليه {إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} وشاهدنا أن الصُواعَ استُخرجت من وعائه {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ} أي باطن الحال {حَـٰفِظِينَ} فما ندري أن حقيقةَ الأمرِ كما شاهدنا أم بخلافه، أو وما كنا عالمين حين أعطيناك المَوْثِقَ أنه سيسرِق أو أن نلاقيَ هذا الأمر أو أنك تصاب به كما أُصبت بـيوسف.
القشيري
تفسير : كان لهم في هذه الكَرَّةِ حجة على ما قالوه، ولكن لم يسكن قلبُ يعقوب عليه السلام إليها، فإنَّ تعيُّنَ الجُرْمِ في المرة الأولى أَوْجَبَ التُّهمةَ في الكرَّةِ الأخرى.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ} انظر كيف لعل باسرائيل عليه السلام سلب منه فاكهتى قلبه ثم نادى عليهما بالبيع والسرقة والفرقة والعزلة ليزيد عليه بلاؤه فى محبته قالوا ان ابنك سرق نسبوه الى سرقة الصاع ونادى لسان القدر على ان بنيامين سرق يوسف من بينهم وهموا فيما نسبوا اليه وسبب ذلك انهم كانوا فى زمان البلاء ومن كان فى زمان بلائه يعرف طريق المخرج منه وكل الفعل يكون عليه لا له قال جعفر كيف يجوز هذه اللفظة على بنى ابن بنى وهذا من مشكلات القران ومثله فى قصة داؤد خصمان بغى بعضنا على بعض وما كان خصمين وما بغيا صدق الصادق جعفر رضى الله عنه ان فى القران كثيرا من هذه المتشابهات والمشكلات ولا يعلم تاويلها الا الله والراسخون فى العلم ومما علموا من ههنا ان الله سبحانه تكلم بالحقيقة والامثال والعبر والمجاز والخبر والقصص على وفق الواقعة فاخبر من حيث الظاهر عن قصتهم بما قالوا وفعلوا وفى الحقيقة حق ما قال لان الواقعة لا تخلوا من اشارة الى شئ حقيقى كسرقة يوسف بملاحة وجهه قلوب الخلق وقولهم فى ذلك صدق وقوله انكم لسارقون حقيقة لانهم سرقوا الامانة والعهد من بينهم وبين ابيهم وقوله ان ابنك سرق صدق اسرار يوسف الذى سمع منه فى الخلوة والوصالة عنهم حيث ما اخبرهم ذلك السر ووضع الصاع فى متاعه كان بتقريره فكلام الله صدق اخبر عن حقيقة وظاهر مجاز وتصديق ذلك قوله تعالى {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} بالظاهر {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} اى عما بين ابنيك من الاسرار التى جرت بينهما فى الخلوة والوصال وتصديق الجميع جواب يعقوب بقوله {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} اخبر يعقوب عن حقيقة الامر بالرضى والاشارة اى ليس كما يظنون ليس السرقة سرقة الصاع وما هذا فعل الانبياء ولكن سرق ما سرق من اسرار يوسف عنكم وخبره من رؤيته مكامن الغيب بنور النبوة فى القلب وقوله {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} اشارة الى انه قال انا ارى يوسف وبنيامين فى مجالس الانس وانا اصبر حتى اوصلها الله الىّ ومعنى الصبر الجميل ههنا ترك افشاء السر واتباع هيجان الفرح حتى لا ينكشف سر القدر ولا ينهتك سر الربوبيّة وهذا من وصف تمكين الانبياء علم ان بدأ هذا الامر خبرا وان الوصال ورجوع الاحبة الى الاحباء وانقطاع زمان البلاء دنا وصال الحبيب واقتربا واطربا للوصال واطربا وتصديق ما ذكرنا قوله تعالى {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً} هذه الترجية من رؤية الوصال بعين اليقين قوله {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} معناه اى علم ما علمت وحكم بحكمت على فرقتى حتى يمضى بقية الفراق وايضا الصبر الجميل ههنا احتمال البلاء على البلاء برؤية المبقى بوصف اسقاط معارضة السر والشكوى وايضا الصبر الجميل الجلادة فى تجرع مراجه كووس شراب البلاء على وصف الثانى حتى لا يغلب عليه بحر البلية فيغرقه ويلقيه الى بحر الشكوة صبرت على بعض الاذى خوف كل ودافعت عن نفسى نفسى فغرت وجرعتها المكروه حتى تدريت ولو جملة جرعتها المكروه حتى تدريت ولو جملة جرعتها لاشمازت وايضا الصبر الجميل ما يكون بالله قال تعالى وما صبرك الا بالله قال الجنيد الصبر الجميل ان يجعل ابتداؤه وانتهاؤه لا يبتدى فيه بتحير ولا يقطعه بدعوى بل يمضى فى جميع اوقات على رؤية من اكرامه الصبر قال بعض والصبر الجميل الذى ليس فيه اظهار الشكوى ولا احساس بلوى ولما ثقل عليه او قرب البلاء ضاق صدره من معاشرة الخلق اقبل على الله وشكا منه عليه بقوله {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} اسفه كان على رب يوسف لانه راى من يوسف جمال رب يوسف بواسطة يوسف فلما غاب عنه وفقده تعلل كتمانا على الحقيقة وقال يا اسفى على يوسف وهذا حكال الخليل حين اشتاق الى ربه فتعلل بقوله ارنى كيف تحى الموتى واراد بذلك رؤية المحيى ومثل هذا احتيال العاشقين تولى عنهم اذ لم ير ما يرى فى يوسف عنهم وقال يا اسفى على مرآة الله فى بلاد الله تذكر ايام بالوصاف وظهور انوار الجمال وتاسف بالفراق والانفصال بعد الاتصال شعر : === الله اياما لنا ولياليا مضت فجرت من ذكرهن دموع فيا هل لها من الدهر اوبة وهل الى ارض الحبيب رجوع تفسير : {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ} غلق ذهاب البصر الى الحزن وذهابه كان من فقدان ذلك الجمال بكى حتى ذهب بصره بان لا يرى غير حبيبه لما يتقنت انى لست اصركم غمضت عنيى فلم انظر الى احد ولما راى سبحانه دعوى يعقوب بالصبر الجميل زاد حمل بلائه على بلائه حتى ضاق صدره عن حمل وارد قهر القدم وخرج === البشرية وقال يا اسفى على يوسف لانه تعالى غيور ولا يزد احدا من التمكين الا ناقصا عن موازات طوارق اقدار الازل الا ترى الى قول من قال من صبر اجترى ومن شكر ابترى ومن ذكر افترى ما اعجز الحجثان فى ظهور عظمة الرحمن قال الجنيد فى قوله وتولى عنهم اعرض عنهم لما لم يجد من عندهم الفرح ولم ير فيهم مشتكى لشكواة وقال يا اسفى على يوسف فلم يترك فى هذا النفس الواحد له نفسا حتى اوحى اليه اناسى على غيرنا اين ذلك الصبر الجميل الذى وعدتنا من نفسك اناستى وقد اخذنا منك واحدا وابقينا لك عشرا فانت مع هذا تظهر الشكوى ويقول صبر جميل وقال ابن عطا بكاء يعقوب وتاسفه لقد الالفة وذلك انه القى يوسف زاد فى البكاء فقال يا ابت تبكى عند الفراق وعند التلاقى قال ذلك بكاء حرقة العراق وهذا بكاء الدهشى وقال ابو سعيد القرشى اوحى الله الى يعقوب يا يعقوب تتاسف على غيرى وعزتى لاخذن عينيك ولا ارجهما عليك وحتى تنساه وقال التاسف على الغاية تضييع وقت ثان ثم وصف يعقوب بشدة حزنه وذهاب بصره فى فراق يوسف بقوله ابيضت عيناه من الحزن {فَهُوَ كَظِيمٌ} الحكمة فى ذهاب بصر يعقوب وبقاء بصر ادم وداؤد ان بكاء يعقوب بكاء الحزن معجون بالم الفراق وذلك من واقعة فقدان تجلى جمال الحق من مرآة وجه يوسف وكان يعقوب فى خصائص العشق من الله سبحانه وكان يغذيه من مقام العشق لطائف مقام الالتباس فلما فقد ذلك الواسطة فقد مطالعة جمال الحق بعظم شان الفراق وبعد يوم التلاق وذهب نور البصر مع المبصر حتى لا ينظر به الى شئ دونه وبكاء ادم وداؤد بكاء الندم من مقام البداية والتوبة ومقام الندم لم يكن قويا حزنه وحرقته ولو كانا فى مقام العشق كما كان يعقوب لذاب وجودهما وانى مقام التوبة والندم من مقام العشق والالتباس الذى من عوالى درجات المعرفة وشانهما شان اقواء المعرفة اعنى العشق والالتباس الا ترى الى يونس وشعيب عليهما السلام كيف ذهب بصرهما فى شوق الله وكانا لا يبكيان من الندم بل يبكيان من الشوق الى جمال الله فذهب بصرهما لذلك وفى الحجيث المروى ان شعيبا كان بكى حتى غمر فرد الله بصره عليه ثم بكى حتى عمى فرد الله بصره عليه فاوحى الله اليه ان كان هذا البكاء لاجل الجنة فقد ابحتها لك وان كان لاجل النار فقد اجرتك عنها فقال لا بل شوقا اليك === الله اليه لاجل ذلك اخدمتك بنيتى وكليمى عشر سنين وهكذا جال يونس فى الشوق فعرض الجنة عليه وامنه من النار فقال بعزتك لو كان بينى وبينك بحر من النار اخوض فيها حتى اصل اليك وايضا كل بكاء يكون من الحزن والغم والخوف يضر بعين صاحبه وكل بكاء يكون من الشوق والمحبة لا يضر بعين صاحبه بل يزيد نورها ويمكن ان ذهاب بصره من غيرة الله عليه حين بكى لغيره وانكان واسطة بينه وبينه وقال سبحانه وابيضت عيناه وما قال عميت عيناه حجب عينى يعقوب عن النظر الى العالم حتى لا ينظر الى غير الله فرجع نور بصره الى بصيرته فيرى بذلك جمال الله سبحانه لاجل ذلك قال وابيضت عيناه وتصديق ذلك ما قال الشيخ ابو على الدقاق رحمة الله عليه لم يكن فى الحقيقة عمى وانما كان ذلك حجابا عن رؤية غير يوسف سئل ابو سعيد القرشى لِمَ لم تذهب عين ادم وداؤد من طول بكائههما وذهبت عين يعقوب قال لان بكاءهما كان من خوف الله وبكاء يعقوب كان من فقد ولده فحفظا وعوقب وقال ايضا بكاء الاخزان يعمى وبكاء الشوق تجلى البصر قال الله تعالى وابيضت عيناه من الحزن وقال ايضا الكظيم الممتلى من الغم وقال ابن عطا اراد ان يبكى على يوسف فتغرغرت عيناه فاراد ان يرسلها فوجد لذة البكاء فكظمها وردها فى عينيه فابيضتا ولى لطيفى مجربة وذلك ان كل نظر من جهة عشق الانسانى فداؤه وتعذيبه اشد من داء محبة الله وتعذيبه لان فى محبة الانسان كثافة وشدة لانه منزل الابتلاء والعذاب وفى محبة الله وعشقه لطفا وحلاوة ربانية لا يكون بازائها راحة الجنان ولذلك هناك البلاء اطيب والمحبة اعذب فلما كان يعقوب فى اشد المحبة واعظم المحبة تجلد فى كظمها لذلك قال فهو كظيم لان هناك مكان الشكوى وشناعة ولولا ان كظم لغشى حاله اكثر فما فشى فى العالم وصفه بالتمكين فى تحمل البلاء ومن كثرة كظمه الحزن والتاوه احترق مسلك نور الباصرة من مكان الروح الناطقة لان نور الباصرة تجرى من نور روح الناطقة فى اضيق طريق من شريان الدماغ فلما احترق السبيل انسد باب الباصرة وابيضت عيناه من احتجابها عن انوار الروح فلما راؤه حين حدد عليه ذكر يوسف والاسف عليه وهم محجوبون من نور الفراسة فى ذلك الوقت من استنشاق === يوسف انكروا على ابيه فى ذكر يوسف بقوله {قَالُواْ تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ} لم تعلموا ان العاشق لا يزال ذاكر لمعشوقه وكيف يسكن المحب عن ذكر محبوبه وهو مستغرق بجميع وجوده فى ذكر محبوبه شعر : فان تمنعوا ليلى وحسن حديثها فلم تمنعوا منى البكاء والقوافيا تفسير : خوفوه بالهلاك والحرص وكيف يفزع العاشق من هلاكه فى عشق محبوبه وهلاكه وحيوته قال تعالى بل احياء عند ربهم وكيف كان ليكن عن ذكر يوسف وفى بصر سره ينظر الى شاهد خيال يوسف شعر : غاب وفى قلبى له شاهد يولع اضمارى بذكراه مثلت الفكرة لى وجهه حتى كانى اقراه تفسير : قال ابو سعيد القرشى لا تزال تذكر يوسف فمتى تذكر رب يوسف وقال ايضا كل مشتاق لا يزال يذكر انيسه وحبيبه حتى يغيّره الناس على ذلك فاما يموت واما يصل الى قربة فلذلك قوله === تذكر يوسف قيل اطيب الاشياء فى الهوى الهلاك فى حكم الهوى فكيف يخوف بالهلاك من كان احب الاشياء اليه الهلاك فلما سمع ملامتهم ولم يرهم اهلا لدائه وحمل موارد الحق على اعرض عنهم {قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ} اى ان ما اجد من امتحان الله على وعظيم بلائه وما ارى فيهما من لطائف صنعه وكشوف غرائب جوده وانوار وجوده لا === الا فى بساط الحق ولا احمل ذلك الا على الحق فانه يحمل هذه الاثقال التى لو تحمل على السموات والارضين والجبال والبحار تضمحل وجود ما تحت سلطان قهرها وكيف اذكرها لكم وانتم محجوبون عن ذلك وتصديق ذلك {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} كان بث يعقوب وحزنه من الله وكذا شكواه فقال اشكر منه اليه وافرق حزنى بين يديه لان ما منه لا يرجع الا اليه ما اطيب شكوى المحب الى حبيبه لان الحبيب يعلم مداواة حبيبه لا غير الى الله اشكوا ما لقيت من الهجر وكثرت البلوى ومن قلة الصبر ومن === بين الجوانح والحشا كجمر العضا لا بل احرّ من الجمر وقال سهل بن عبد الله لم يكن حزن يعقوب على يوسف انما كان مكاشفا لما وجد من قلبه شدة الوجد على مفارقة يوسف قال كيف يكون وجد فراق الحق على مفارقة يوسف قال كيف يكون وجد فراق الحق وقد عمل بى مفارقة يوسف كل هذا فشكى وبث وحزن وما وقع لى من قوله واعلم من الله ما لا تعلمون اى انا لا اشكوا الى غيره فانى اعلم غيرته على احبائه واهل معرفته اذا شكا احد الى غيره يعذبه عذابا لا يعذبه احدا من العالمين وانتم لا تعملون ذلك وايضا اعلم من الله ان من صبر فى بلائه يجازيه بلقائه الذى لا حجاب فيه ولا عذاب ولا حساب قال تعالى انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب وايضا اعلم من الله حقائق المكاشفات والمشاهدات والقربات ودقائق علومه === ومن كان بهذه الصفة لا يضع حمل مطاياه الى فى فنا عطاياه حتى يفعل ما يشاء قيل فى المثل عطاياه لا تحمل الا مطاياه وانشد ذو النون فى هذه المعنى شعر : اذا ارتحل الكرام اليك يوما ليلتمسوك حالا بعد حال تفسير : فان رحالنا خطت رضاه بحكمك عن حلول وارتحال فسسنا كيف شئت ولا تكلنا الى تدبيرنا ذا المعانى ويمكن انه كان عليه عليه السلام بشير الى الله سبحانه يوصل اليه يوسف وبنيامين من قريب فقال انى اعلم من الله ما لا تعلمون وتصديق ذلك ما قال سبحانه عقي الاية بقوله يا بنى اذهبوا فتحسّسوا من يوسف واخيه قال ابو عثمان فى قوله واعلم من الله ما لا تعلمون معناه علمى بالله علم حقيقة وعلمكم به علم استدلال وقال ايضا اعلم منا لله اجابة دعوا المضطرين وقال بعضهم اعلم من رحمته على عباده ما لا تعلمون قيل لما شكى الى الله وجد السلوة من الله ويقال كان يعقوب متحملا بنفسه وقلبه مستريحا محمولا بسره وروحه لانه علم من الله سبحانه صدق حاله فقال واعلم من الله ما لا تعلمون وفى معناه انشدوا شعر : اذا ما تمنى الناس روحا وراحة تمنيت ان اشكوا اليه فيسمع تفسير : ومعنى قوله {فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} انه كان يرى بعين سره من مرقوم صفائح قدس الغيب منقوشا بذكر الوصال ورؤية ذلك الجمال ووصل الى مشام روح روح نسيم يوسف فحكم حكما كاملا فقال تحسسوا من يوسف بخواطركم الربانية والاحساس الروحانية حتى تجدونه وايضا تحسسوا بجميع وجودكم وقلوبكم لا بنفوسكم الامارة وايضا انقطعوا من جميع الاشياء فى طلبه فان متفرق الهمة لا يظفر بماموله {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ} لا تقنطوا من كرمه ورحمته فى ارجاع يوسف وبنيامين الى وايضا تحسسوا من يوسف ولا تايئسوا من روح الله فانه لا يبقيكم فى الخجالة بين يديه فانه يعفوا عنكم وفيه اشارة تعليم عزة قدرته اى لا تايئسوا من قدرة الله فانه قادر بان يوصل يوسف الينا باقل من طرفة عين ولو كان فانيا وان من لم يومن بذلك فانه مبعدة من الله بقوله {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} وانهم ان الاياس فى مقام الايمان من صفات النفس الامارة والاياس فى مقام المعرفة من صفات القلب وذلك قنوطه من وصوله الى مطالعة حقائق القدم وذلك من غلبة التوحيد وافراد القدم عن الحدوث وتحت ذلك الاياس وبحار من حسن الرجاء بالوصال والبقاء فى البقاء بعد الفناء فى الفناء عن رؤية سرمدية القدم فقال الجنيد يحقق رجاء الراجين عند تواتر المحن وترادف المصائب لان الله يقول لا تايئسوا من روح الله والنبى صلى الله عليه وسلم يقول افضل العبادة انتظار الفرح.
اسماعيل حقي
تفسير : {ارجعوا} انتم {الى ابيكم فقولوا يا ابانا ان ابنك سرق} على ظاهر الحال {وما شهدنا} عليه بالسرقة {الا بما علمنا} وشاهدنا ان الصواع استخرج من وعائه {وما كنا للغيب} اى باطن الحال {حافظين} فما ندرى أحقيقة الامر كما شاهدنا ام هى بخلافه: يعنى [بظاهر دزدى اوديدم اما از نفس الامر خبر نداريم كه بروتهمت كردند وصاع را درباراو نهادند ياخود مباشر اين امر بوده] ثم انهم لما كانوا متهمين سبب واقعة يوسف امرهم كبيرهم بان يبالغوا فى ازالة التهمة عن انفسهم
الطوسي
تفسير : وهذا اخبار من الله تعالى بما قال احدهم المتخلف عنهم بمصر، فانه قال لاخوته الباقين ارجعوا الى ابيكم. ويحتمل ان يكون حكاية عما قال اخوة يوسف بعضهم لبعض، فانهم قالوا ارجعوا الى ابيكم. وقوله {يا أبانا إن ابنك سرق} يعنون ابن يامين، على ما ظهر لنا من الامر ولا نشهد الا بما علمنا من الظاهر، فأما الغيب والباطن فلا نعلمه ولا نحفظه. وقيل ما شهدنا إلا بما علمنا في قولنا لهم إن من يسرق يستعبد، لأن ذلك متقرر عندنا في شرعنا - ذكره ابن زيد - والشهادة خبر عن مشاهدة أو اقرار او حال. ويجوز أن يشهد الانسان بما علمه من جهة الدليل كشهادتنا بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وقال الرماني: علم الغيب هو علم من لو شاهد الشيء لشاهده بنفسه لا بأمر يستفيده. والعالم بهذا المعنى هو الله وحده تعالى. وقيل في معنى قوله {وما كنا للغيب حافظين} قولان: احدهما - ما كنا نشعر ان ابنك سيسرق، في قول الحسن ومجاهد وقتادة: والثاني - انا لا ندري باطن الامر في السرقة، وهو الاقوى. وروي عن ابن عباس وقراءة الكسائي في رواية قتيبة عنه "سرِّق" بتشديد الراء على ما لم يسم فاعله، ومعناه انه قذف بالسرقة، واختار الجبائي هذه القراءة. قال لأنها ابعد من ان يكونوا اخبروا بما لم يعلموا.
الجنابذي
تفسير : {ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ} على ما شاهدنا {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} حيث رأينا استخراج الصّواع من رحله {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} حتّى نعلم باطن امره وانّه سرق او نسب الى السّرقة من غير جرم، وقيل: المعنى كنّا نحفظه حين حضوره عندنا عن امثال ما نسب اليه من السّرقة وما كنّا فى غيبه حافظين له لعدم امكان الحفظ حينئذٍ، وقيل: الغيب بمعنى اللّيل فى لغة حمير والمعنى وما كنّا فى اللّيل حافظين له عن مثل السّرقة، وقيل: انّه جواب لسؤالٍ يعقوب (ع) حيث قال: من قال للملك جزاء السّرقة الاسترقاق؟ قالوا: نحن قلناه، قال: فلم قلتم ذلك؟ - قالوا ما شهدنا الاّ بما علمنا من شريعة الانبياء (ع) وما كنّا للغيب حافظين حتّى نعلم انّ الصّواع فى رحله.
الهواري
تفسير : { ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَاَ إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} أي: من سرقته { وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} أي: ما كنا نرى أنه يسرق. قال: { وَاسْئَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} أي: أهل القرية { وَالعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} أي: أهل العير التي أقبلنا فيها { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}. قالوا ذلك له فلم يصدقهم و { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ} أي: زيَّنت لكم أنفسكم { أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}. قال مجاهد: الصبر الجميل: الذي ليس فيه جزع. كان مفزع يعقوب في يوسف وأخيه جميعاً إلى الصبر الجميل الذي لم يخالطه الجزع. وكل صبر فيه جزع فليس بجميل. قوله: { عَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً} أي: يوسف وأخيه [وروبيل] { إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ} أي: العليم بخلقه { الحَكِيمُ} أي: في أمره. { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} أي: وأعرض عنهم { وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} أي: يا حزنا على يوسف {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ} أي: عمي { مِنَ الحُزْنِ} على يوسف. وقد علم بما أعلمه الله بالوحي أن يوسف حي، وأنه نبي، ولكنه لا يعلم حيث هو، فمكث يبكي. { فَهُوَ كَظِيمٌ} أي: قد كظم على تردد حزنه في جوفه. وبلغنا أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء في السجن، فقال له يوسف: أيها الملك الطاهر المطهَّر، الكريم على الله، ما أدخلك هذا المكان الرجس النجس مع القوم الظلمة. قال جبريل: إن المكان الذي تكون فيه ليس بنجس. فقال له يوسف: أيها الملك الكريم على الله، أخبرني ما بلغ وجد يعقوب على يوسف؟ قال: وجد سبعين ثكلى. قال: فما بلغ منه؟ قال: ذهب بصره. قال فما بلغ أجره؟ قال: على قدر ذلك. وذكر بعضهم أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له يعقوب: أيها الملك الكريم على ربه، أسألك بعظمة إلاهك وجبروته هل قبضت روح يوسف فيما قبضت من الأرواح؟ فقال: لا والله ما قبضت روحه وإنه لحي كما أنك حي.
اطفيش
تفسير : {ارْجِعُوا إلى أبيكم} هذا إلى قوله: {لصادقون} من تمام كلام كبيرهم وهو الأظهر، وقيل: من كلام يوسف علمهم ما يقولون لأبيهم، قال ارجعوا، وأمرهم بالرجوع أو قال لهم كما قال الطبرى: إذا أتيتم أباكم فاقرءوا عليه السلام وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك أن لا تموت حتى ترى ولدك يوسف، ليعلم أن فى أرض مصر صديقا مثله، قيل: بقى بمصر أربعة: يوسف وشمعون الباقى فيها رهينة ليأتوا ببنيامين ويهودا القائل: فلن أبرح الأرض، أو روبيل على ما مر وبنيامين، وقيل: ثلاثة: يوسف وبنيامين والقائل يهودا. {فقُولوا يا أبنا إنَّ ابنكَ} بنيامين {سَرقَ} الصواع من الملك على ما شهدنا من ظاهر الأمر، وقرأ ابن عباس، والضحاك: سُرِّق بالبناء للمفعول والتشديد، أى نسب إلى السرقة، كقولك: فُسِّقَ بالبناء للمفعول والتشديد أى نسب إلى الفسق، وهى قراءة مروة، عن عن الكسائى من بعض الطرق، والمشهور عنه قراءة الجمهور {وما شَهِدنا} عليه {إلا بما عَلمنَا} بأنا رأينا الصواع استخرج من رحله. {وما كُنَّا للغيْبِ حافِظينَ} أى نعلم باطن الحال، فلعل الملك دس الصاع فى رحله ليأخذه به، بزعم أنه سرق، أو المعنى ما شهدنا قط فى عمرنا إلا بما علمنا، وهذا هو الذى رأيناه من ابنك، وإن كان فى حقيقة الأمر غير سارق، فالله أعلم، أو ما شهدنا فى عمرنا إلا بما تيقنا، وما قلناه ليس بشهادة، إنما هو إخبار عن عزم الملك والخدم انه سرق، أو المعنى ما كنا للعواقب عالمين، فلم ندر حين أعطيناك الموثق أنه يسرق، وبه قال مجاهد، وقتادة، أو أنك تصاب به كما أصبت بيوسف، وعن ابن عباس: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه حافظين.
اطفيش
تفسير : {ارْجَعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا} إِلخ، هذا من كلام كبيرهم، ويبعد أَن يكون من كلام يوسف أَى قولوا معتذرين {يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} الصواع فأَمسكه ولم نقدر على المجىءِ به فجئْنا بدونه كما قلت إِلا أَن يحاط بكم فلا تتهمنا به كما اتهمتنا بيوسف، يعنون أَنه سرق فى ظاهر الأَمر لوجود الصاع فى رحله، والله أَعلم بحقيقة الحال كما قال: {وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا} بظاهر حاله من وجود الصاع فى رحله، والشهادة هنا الإخبار {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ} بل الله يعلم هل سرق، فلعل أَحدا أَراد الانتقام منه فدسه فى رحله، أَو أَراد الملك أَخذه بنفسه فدس، أَو كان فى رحله خطأ، وأَيضاً قال وضع الصاع فيه من وضع البضائع فى رحالكم، والغيب ما غاب عنا أو غيب يوسف فى ليله ونهاره ومجيئه وذهابه، أَو الغيب كونه يسرق لو علمنا أَنه سيسرق، ولو علمنا ما ذهبنا به، أَو لو علمنا أنه نصاب به، واللام للتقوية، ويبعد ما قيل إِن الغيب الليل من لغة حمير أَى لم نحفظ، وقيل على ما يقع فيه فلعله سرق فيه، أًو دلس عليه مكرا، فاللام للتقوية أيضاً، وكون الليل محفوظاً مجازا، أَو بمعنى فى، ولا داعى إِلى أَن يفسر القرآن بما لا يتبادر، ولا بغير لغة قريش، وإنما أَعطيناك الموثق وقلنا نحفظ أَخانا على ما لنا إِليه سبيل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : إِذا علمت مثل الشمس فاشهد ".
الالوسي
تفسير : {ٱرْجِعُواْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ} له {يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ} الظاهر أن هذا القول من تتمة كلام كبيرهم وقيل: هو من كلام يوسف عليه السلام وفيه بعد كما أن الظاهر أنهم أرادوا أنه سرق في نفس الأمر. {وَمَا شَهِدْنَا } عليه {إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } من سرقته وتبقيناه حيث استخرج صواع الملك من رحله. {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ } وما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق أو ما علمنا أنك ستصاب به كما أصبت بيوسف. وقرأ الضحاك {سارق} باسم الفاعل. وقرأ ابن عباس وأبو رزين والكسائي في رواية {سرق} بتشديد الراء مبنياً للمفعول أي نسب إلى السرقة فمعنى {وَمَا شَهِدْنَا } الخ وما شهدنا إلا بقدر ما علمنا من التسريق وما كنا للأمر الخفي بحافظين أسرق بالصحة أم دس الصواع في رحله ولم يشعر. واستحسنت هذه القراءة لما فيها من التنزيه كذا قالوا، والظاهر أن القول باستفادة اليقين من استخراج الصواع من رحله مما لا يصح فكيف يوجب اليقين، واحتمال أنه دس فيه من غير شعور قائم جعل مجرد وجود الشيء في يد المدعى عليه بعد إنكاره موجباً للسرق في شرعهم أولاً، قيل: فالوجه أن الظن البين قائم مقام العلم، ألا ترى أن الشهادة تجوز بناء على الاستصحاب ويسمى علماً كقوله تعالى: {أية : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ } تفسير : [الممتحنة: 10] وإنما جزموا بذلك لبعد الاحتمالات المعارضة عندهم، وإذا جعل الحكم بالسرقة وكذا علمهم أيضاً مبنياً على ما شاهدوا من ظاهر الأمر اتحدت القراءتان ويفسر {وَمَا كُنَّا } الخ بما فسر به على القراءة الأخيرة، وقيل: معنى {مَا شَهِدْنَا } الخ ما كانت شهادتنا في عمرنا على شيء إلا بما علمنا وليست هذه شهادة منا إنما هي خبر عن صنيع ابنك بزعمهم {وَمَا كُنَّا } الخ كما هو وهو ذهاب أيضاً إلى أنهم غير جازمين. وفي «الكشف» الذي يشهد له الذوق أنهم كانوا جازمين وقولهم: {أية : إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ } تفسير : [يوسف:77] تمهيد بين، وادعاء العلم لا يلزم العلم فإن كان لبعد الاحتمالات المعارضة فلا يكون كذباً محرماً وإلا فغايته الكذب في دعوى العلم وليس بأول كذباتهم، وكان قبل أن تنبؤا ولهذا خونهم الأب في هذه أيضاً، على أن قولهم: {أية : جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ } تفسير : [يوسف: 75] مؤكداً ذلك التأكيد يدل على أنهم جعلوا الوجدان في الرحل قاطعاً وإلا كان عليهم أن يقولوا: جزاؤه من وجد في رحله متعدياً أو سارقاً ونحوه، فإن يحتمل عنهم الجزم هنالك فلم لا يحتمل هٰهنا اهـ وفيه مخالفة لبعض ما نحن عليه، وكذا لما ذكرناه في تفسير {أية : جَزَاؤُهُ } تفسير : [يوسف:75] الخ، ولعل الأمر في هذا هين. ومن غريب التفسير أن معنى قولهم: {لّلْغَيْبِ} لليل وهو بهذا المعنى في لغة حمير وكأنهم قالوا: وما شهدنا إلا بما علمنا ـ من ظاهر حاله ـ وما كنا لليل حافظين أي لا ندري ما يقع فيه فلعله سرق فيه أو دلس عليه، وأنا لا أدري ما الداعي إلى هذا التفسير المظلم مع تبلج صبح المعنى المشهور؛ وأياً ما كان/ فلام {لّلْغَيْبِ} للتقوية والمراد حافظين الغيب.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 81- عودوا - أنتم - إلى أبيكم وقصوا له القصة، وقولوا له: إن يد ابنك امتدت إلى صواع الملك فسرقها وقد ضبطت فى حقيبته، وعوقب على ذلك باسترقاقه، وما أخبرناك إلا بما عايناه، وما كنا مطلعين على المستور من قضاء الله حين طلبناه وأعطيناك على حفظه وردِّه إليك العهود والمواثيق وهو أعدل الحاكمين. 82- وإن كنت فى شك مما بلغناك، فأرسل من يأتيك بشهادة أهل مصر واستشهد أنت بنفسك رفاقنا الذين عدنا معهم فى القافلة، لتظهر لك براءتنا، ونؤكد لك أننا صادقون فيما نقول. 83- فرجع بقية الأبناء إلى يعقوب، وخبَّروه كما وصَّاهم أخوهم الكبير فَهَيَّج الخبر أحزانه، وضاعف منها فقد ابنه الثانى، ولم تطب نفسه ببراءتهم من التسبب فى ضياعه وهو المفجوع بما صنعوا من قبل فى يوسف، وصرح باتهامهم قائلا لهم: ما سلمت نيتكم فى المحافظة على ابنى، ولكن زينت لكم نفوسكم أن تخلصتم منه مثلما تخلصتم من أخيه، فلولا فتواكم وحكمكم أن يؤخذ السارق رقيقاً عقوبة له على السرقة، ما أخذ العزيز ابنى، ولا تخلف أخوكم الكبير بمصر، ولا حيلة لى إلا أن أتجمل فى مصيبتى بالعزاء الحميد، راجياً أن يرد الله على جميع أبنائى، فهو صاحب العلم المحيط بحالى وحالهم، وله الحكمة البالغة، فيما يصنع لى ويُدبِّر. 84- وضاق بما قالوا فأعرض عنهم خالياً بنفسه، مشغولا بأساه وأسفه على فَقْد يوسف، فذهب سواد عينيه من شدة الحزن، وقد كظم غيظه وألمه أشد الكظم.
القطان
تفسير : سولت لكم: زينت. تولى: اعرض. ابيضّت عيناه: صار عليهما غشاوة بيضاء من كثرة البكاء، او ما يسمى المياه الزرقاء. كظيم: مملوء غيظا. تفتأ تذكر: لا تفتأ تذكر، لا تزال. حرضا: مشرفا على الهلاك. بثّي: همّي. تحسّسوا: ابحثوا بكل حواسكم. بعد ان تشاور إخوةُ يوسف في أمرهم اشار عليهم أكبرُهم أن يعودوا الى أبيهم ويخبروه بالأمر على حقيقته، فيقولوا له: ان ابنك سرق صواع الملك، وعوقب على ذلك باسترقاقه، {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} وحدَث تحت سمعنا وبصرنا. فإذا كنت يا أبانا في شك مما بلّغناك، فأرسل من يأتيك بشهادِة أهل مصر، او اسأل رفاقنا في القافلة لتظهر لك براءتنا. فلما سمع يعقوب مقالتهم لم يصدّقهم، وقال في نفسه: هذا امر دبّروه لبنيامين كما دبروا أسوأ منه لأخيه يوسف من قبل. وزاد به الحزن حتى ابيضّت عيناه، وعاوده من الوجد على يوسف ما عاوده، فقال: يا أسَفا على يوسف!! فلامه اولاده على ذكر يوسف وقد انقضى امره، وقالوا: ألا تزال تذكر يوسف حتى تشرِف على الهلاك؟! فقال لهم: انما أشكوا ما بي من الحزن والحسرة الى الله، وأعلم منه ما لا تعملون. يا بَنيّ، ارجعوا الى مصر فانضموا الى أخيكم الكبير، وابحثوا جميعا عن يوسف وأخيه، ولا تقنطوا من رحمة الله أن يردَّهما، فلا يقنط من رحمة الله الا الكافرون.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَبَانَا} {حَافِظِينَ} (81) - ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَخُوهُمُ الأَكْبَرُ بِالرُّجُوعِ إِلَى أَبِيهِمْ وَبِإِخْبَارِهِ بِمَا حَدَثَ لَهُمْ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ عُذْراً لَهُمْ، وَإِنَّمَا رَأَيْنَا صُوَاعَ المَلِكِ يُسْتَخْرَجُ مِنْ رَحْلِهِ، وَلَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ - حِينَما أَعْطَينَاكَ العَهْدَ وَالمَوْثِقَ - أَنَّهُ سَيَسْرِقُ، وَأَنَّهُمْ سَيَأْخُذُونَهُ بِسَرِقَتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا أمر الأخ الأكبر أو رئيس الرحلة إخوته أن يرجعوا إلى أبيهم، ويقولوا له ما حدث بالضبط، فقد اتُّهِم ابنه بالسرقة، ونحن لا نقول هذا الكلام إلا بعد أن وجد فِتيان العزيز صُوَاع الملك في رَحْلِه، ولا نعلم هل دَسَّها أحد له؟ وهل هي حِيلة ومكيدة؟ ونحن لا نقول لك يا أبانا إلا ما وصل إلينا من معلومات، وقد أخذه العزيز طبقاً لشريعتنا، ونحن بخبرتنا بأخينا لا نشهد عليه بالسرقة، إلا أن ثبوتَ وجود صُواع الملك في رَحْله هو السبب في كل ذلك. ويعلم الأخ الأكبر أن يعقوب عليه السلام قد يُكذِّب أولاده؛ لأن هناك سوابقَ لهم؛ لذلك أوصاهم الأخ الأكبر أو رئيس الرحلة أن يقولوا لأبيهم - إنْ كَذَّبهم - ما جاء به الحق على ألسنتهم: {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ...}.
الجيلاني
تفسير : {ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ} بسرقته {إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} أيقنا أنه سارق، وما علمنا إلا بالمشاهدة والإحساس بأن استخرج صاع الملك من رحله، وإنا {وَ} إن كنا حفيظاً له رقيباً عليه عما يعرضه ويشينه لكن {مَا كُنَّا لِلْغَيْبِ} المستور عنا {حَافِظِينَ} [يوسف: 81] إذ لا اطلاع لنا على سره. {وَ} إن لم تقبل يا أبانا قولنا {سْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} أي: أهلها {ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا} لدى الحوامل وتهيئة الأسباب {وَ} أسهل من ذلك اسأل {ٱلْعِيْرَ} أي: القفل {ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا} إذ هم رفقاؤنا معنا حين سرق ابنك وأخذوه، مع أنا اجتهدنا كثيراً أن يؤخذ منا واحد بدله لم يقبلوا منا، وقالوا: ما نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، وإن مضينا على مقتضى مقترحكم نكون من الظالمين بأخذ البريء بدل الجاني، مع أن يهودذا أو روبيل قد تخلف عنا خوفاً من الحدث واستحياء منك {وَ} الله يا أبانا {إِنَّا لَصَادِقُونَ} [يوسف: 82] فيما حينا لك عما جرى علينا مما تم. ثم لما سمع تعقوب ما سمع تأسف وتأوه وبكى كثيراً {قَالَ} من أين يعرف العزيز أن السارق يؤخذ لسرقته {بَلْ سَوَّلَتْ} أي: زينت حسنت {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} أن تفرقوا أبني عني ظلماً وزوراً كما فرقتم أخاه فيما مضى {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي: أمري صبر جميل؛ إذ الصبر أجمل مني فيما فرطتم في ابنيَّ أيها المسرفون المفسدون {عَسَى ٱللَّهُ} المطالع بحالي وحزني بمقتضى لطفه وسعة جوده ورحمته {أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ} أي: يوسف وأخيه وكبيركم المتخلف عنكم {جَمِيعاً} مجتمعين {إِنَّهُ} سبحانه ذاته {هُوَ ٱلْعَلِيمُ} بمناجاة عباده ونيلهم إلى حاجاتم {ٱلْحَكِيمُ} [يوسف: 83] في أفعاله على مقتضى مصالح عباده. {وَ} بعدما سمع منهم أبوهم {تَوَلَّىٰ} وانصرف وأعرض {عَنْهُمْ} مغاضباً عليهم مشتكياً إلى ربه من أفعالهم {وَقَالَ} من شدة حزنه وكآبته وهاية ضجرته على مفارقة ابنيه: {يَٰأَسَفَىٰ} أي: يا حزني وشدة بلائي ويا حسرتي وحرقة قلبي وكبدي، وبالجملة: يا هلكتي تعالي؛ إذ لم يبقَ بيني وبينك ما يبعدني عنك ويبعدك عني {عَلَى يُوسُفَ} خصه بالذكر لأنه عمدة محبته وزبدة مودته، مع أنه يتردد في حياته ويجزم بحياة الآخرين {وَ} لما تمادى ألمه تطاول حزنه وأسفه {ٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ} كثرة {ٱلْحُزْنِ} قبل فقدان هذين الابنين وبعد فقدانهما {فَهُوَ} نفسه {كَظِيمٌ} [يوسف: 84] مملوء من الحزن والبلاء كأنه مجسم منها، متجرع الغصص والألم من بنيه. ثم لما رأى الناس ما رأوا منه من قلة الأكل والشرب وذوبان الجسم ونقصان القوى البشرية والسهر المفرط واستمرار الأسف والحزن {قَالُواْ} متعجبين من حاله مقسمين على هلاكه: {تَاللهِ تَفْتَؤُاْ} أي: لا تزال {تَذْكُرُ يُوسُفَ} على هذا المنوال {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً} مريضاً مهزولاً مدقوقاً مشرفاً على الهلاك {أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ} [يوسف: 85]. ثم لما بالغوا في منعه عما عليه من الكآبة والحزن والتأوه والبكاء {قَالَ} في جوابهم مستنكراً عليهم: {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي} أي: ما أبث وأنشر شكواي {وَحُزْنِي} المفرط الخارج عن التصبر {إِلَى ٱللَّهِ} المطلع لما في قلبي من الحرقة والألم؛ رجاء أن يزيل عني ما يؤذيني ويوصلني بلفطه وجوده إلى ما يسرني ويفرج عني {وَ} اعلوا أيها اللائممون المبالغون في منعي أنهي بإلهام الله ووحيه إليَّ {أَعْلَمُ مِنَ} كرم {ٱللَّهِ} وسعة جوده وفضله {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86] أنت أيها اللائمون، بل إنما حملني الله وأزعجني على بث الشكوى ونشر النجوى معه وإظهار التذلل والخشوع والتضرع والخضوع نحوه، حتى لا أقنطه عن ملاقاة يوسف ولا أترك المناجاة مع الله لأجله وإن تطاولت المدة.
همام الصنعاني
تفسير : 1331- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}: [الآية: 81]، قال، يقول: ما كنا نظنّ أن ابنك يسرق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):