١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
82
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ} حَقَّقوا بها شهادتهم عنده، ورفعوا التهمة عن أنفسهم لئلا يتهمهم. فقولهم: «وٱسْأَلِ الْقَرْيَةَ» أي أهلها؛ فحُذِف؛ ويريدون بالقرية مصر. وقيل: قرية من قراها نزلوا بها وٱمتاروا منها. وقيل المعنى: «وَٱسْأَلِ الْقَرْيَةَ» وإن كانت جماداً، فأنت نبيّ الله، وهو يُنطق الجماد لك؛ وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار؛ قال سيبويه: ولا يجوز كَلِّم هِنداً وأنت تريد غلام هند؛ لأن هذا يُشكل. والقول في العِير كالقول في القرية سواء. {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} في قولنا. الثانية: في هذه الآية من الفقه أن كل من كان على حق، وعلِم أنه قد يُظنّ به أنه على خلاف ما هو عليه أو يتوهَّم أن يرفع التهمة وكلّ ريبة عن نفسه، ويصرّح بالحق الذي هو عليه، حتى لا يبقى لأحد مُتكلَّم؛ وقد فعل هذا نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم حديث : بقوله للرجلين اللذين مرَّاً وهو قد خرج مع صفِية يَقْلِبُها من المسجد: «على رسلِكما إنما هي صفية بنت حُيَيّ» فقالا: سبحان الله! وكَبُر عليهما؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدّم وإني خَشِيت أن يَقذِف في قلوبكما شيئاً» تفسير : رواه البخاري ومسلم.
البيضاوي
تفسير : {وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا } يعنون مصر أو قرية بقربها لحقهم المنادي فيها، والمعنى أرسل إلى أهلها واسألهم عن القصة. {وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا } وأصحاب العير التي توجهنا فيهم وكنا معهم. {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } تأكيد في محل القسم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا } هي مصر: أي أرسل إلى أهلها فاسألهم {وَٱلّعِيْرَ } أي أصحاب العير {ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا } وهم قوم من (كنعان) {وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ } في قولنا، فرجعوا إليه وقالوا له ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْقَرْيَةَ} مصر سل أهلها، أو سلها نفسها لتنطق وإن كانت جماداً {وَالْعِيرَ} القافلة وتسمى بها الإبل تشبيهاً، أو الحمير سل أهلها أو سلها فإن الله ـ تعالى ـ ينطقها معجزة لك.
النسفي
تفسير : {وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا } يعني مصر أي أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة {وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا } وأصحاب العير وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب عليه السلام {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } في قولنا فرجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال لهم أخوهم {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } أردتموه وإلا فمن أدرى ذلك الرجل أن السارق يسترق لولا فتواكم وتعليمكم {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } بيوسف وأخيه وكبيرهم {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ } بحالي في الحزن والأسف {ٱلْحَكِيمُ } الذي لم يبتلني بذلك إلا لحكمة {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ } وأعرض عنهم كراهة لما جاؤوا به {وَقَالَ يٰأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ } أضاف الأسف وهو أشد الحزن والحسرة إلى نفسه. والألف بدل من ياء الإضافة، والتجانس بين الأسف ويوسف غير متكلف ونحوه {أية : ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُم } تفسير : [التوبة:38] {أية : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام:26] {أية : وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} تفسير : [الكهف:104] {أية : مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ} تفسير : ) النحل:22) وإنما تأسف دون أخيه وكبيرهم لتمادي أسفه على يوسف دون الآخرين، وفيه دليل على أن الرزء فيه مع تقادم عهده كان غضاً عنده طرياً {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ } إذ أكثر الاستعبار ومحقت العبرة سواد العين وقلبته إلى بياض كدر. وقيل: قد عمي بصره. وقيل: كان قد يدرك إدراكاً ضعيفاً {مِنَ ٱلْحُزْنِ } لأن الحزن سبب البكاء الذي حدث منه البياض فكأنه حدث من الحزن. قيل: ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب ويجوز للنبي عليه السلام أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ لأن الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الحزن فلذلك حمد صبره، ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم، وقال: «حديث : القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون»تفسير : وإنما المذموم الصياح والنياحة ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب {فَهُوَ كَظِيمٌ } مملوء من الغيظ على أولاده ولا يظهر ما يسوؤهم فعيل بمعنى مفعول بدليل قوله {أية : إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ }تفسير : [القلم: 48] من كظم السقاء إذا شده على ملئه.
ابو السعود
تفسير : {وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا} أي مصرَ أو قريةً بقربها لحِقهم المنادي عندها أي أرسلْ إلى أهلها واسألهم عن القصة {وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا} أي أصحابَها فإن القصة معروفةٌ فيما بـينهم وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوبَ عليه السلام، وقيل: من صنعاء {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ} تأكيدٌ في محل القسم {قَالَ} أي يعقوبُ عليه السلام وهو استئنافٌ مبني على سؤال نشأ مما سبق فكأنه قيل: فماذا كان عند قولِ المتوقّف لإخوته ما قال؟ فقيل: قال يعقوبُ عندما رجَعوا إليه فقالوا له ما قالوا وإنما حُذف للإيذان بأن مسارعتَهم إلى قبوله ورجوعَهم به إلى أبـيهم أمرٌ مسلَّم غنيٌّ عن البـيان، وإنما المحتاجُ إليه جوابُ أبـيهم {بَلْ سَوَّلَتْ} أي زيّنت وسهّلت وهو إضرابٌ لا عن صريح كلامهم فإنهم صادقون في ذلك عما يتضمنه من ادعاء البراءة عن التسبب فيما نزل به وأنه لم يصدرُ عنهم ما يؤدي إلى ذلك من قول أو فعل كأنه قيل: لم يكن الأمرُ كذلك بل زينت {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} من الأمور فأتيتموه يريد بذلك فُتياهم بأخذ السارق بسرقته {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي فأمري صبرٌ جميل أو فصبرٌ جميل أجملُ {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا} بـيوسف وأخيه والمتوقِّف بمصر {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ} بحالي وحالهم {ٱلْحَكِيمُ} الذي لم يبتلِني إلا لحكمة بالغة. {وَتَوَلَّىٰ} أي أعرض {عَنْهُمْ} كراهةً لما سمع منهم {وَقَالَ يَا أَسَفاً عَلَىٰ يُوسُفَ} الأسفُ أشدُّ الحزن والحسرةُ، أضافه إلى نفسه والألفُ بدلٌ من الياء فناداه أي يا أسفي تعالَ فهذا أوانُك وإنما تأسف على يوسف مع أن الحادثَ مصيبةٌ أخويه لأن رُزْأَه كان قاعدةَ الأرزاءِ غضاً عنده وإن تقادم عهده آخذاً بمجامع قلبه لا ينساه ولأنه كان واثقاً بحياتهما عالماً بمكانهما طامعاً في إيابهما، وأما يوسفُ فلم يكن في شأنه ما يحرك سلسلةَ رجائِه سوى رحمةِ الله وفضلِه. وفي الخبر: (لم تُعطَ أمةٌ من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون إلا أمةُ محمدٍ عليه الصلاة والسلام ألا يُرى إلى يعقوبَ حين أصابه ما أصابه لم يسترجِعْ بل قال ما قال) والتجانسُ بـين لفظي الأسَف ويوسف مما يزيد النظمَ الكريم بهجةً كما في قوله عز وجل: {أية : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ }تفسير : [الأنعام: 26] وقوله: {أية : ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُم } تفسير : [التوبة: 38] وقوله: {أية : ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ} تفسير : [النحل: 69] {أية : وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } تفسير : [النمل: 22] ونظائرها {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ} الموجبِ للبكاء فإن العَبْرة إذا كثُرت محقَت سوادَ العين وقلبتْه إلى بـياض كدِر. قيل: قد عميَ بصرُه، وقيل: كان يدرك إدراكاً ضعيفاً. روي أنه ما جفّت عينا يعقوبَ من يوم فراقِ يوسفَ إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرمُ على الله عز وجل من يعقوب عليه السلام، «حديث : وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أنه سأل جبريلَ عليه السلام: "ما بلغ من وجد يعقوبَ عليه السلام على يوسف؟» قال: وجْدَ سبعين ثكلىٰ، قال: «فما كان له من الأجر؟» قال: أجرُ مائةِ شهيد وما ساء ظنُّه بالله ساعةً قط]" تفسير : وفيه دليل على جواز التأسف والبكاءِ عند النوائبِ فإن الكفَّ عن ذلك مما لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيمَ وقال: «حديث : القلبُ يحزن والعين تدمَع ولا نقول ما يُسخِط الربَّ وإنا عليك يا إبراهيمُ لمحزونون» تفسير : وإنما الذي لا يجوز ما يفعله الجهلةُ من الصياح والنياحة ولطْمِ الخدودِ والصدور وشقِّ الجيوبِ وتمزيقِ الثياب، «حديث : وعن النبـي عليه السلام أنه بكى على ولد بعضِ بناتِه وهو يجود بنفسه، فقيل: يا رسول الله تبكي وقد نَهَيتنا عن البكاء؟ فقال: "ما نهيتُكم عن البكاء وإنما نهيتُكم عن صوتين أحمقين صوتٍ عند الفرَح وصوت عند الترَح"» تفسير : {فَهُوَ كَظِيمٌ} مملوءٌ من الغيظ على أولاده مُمسِكٌ له في قلبه لا يُظهره، فعيل بمعنى مفعول بدليل قوله تعالى: {أية : وَهُوَ مَكْظُومٌ } تفسير : [القلم: 48] من كظمَ السِّقاءَ إذا شده على ملئه أو بمعنى فاعل كقوله: {أية : وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } تفسير : [آل عمران: 134] من كظم الغيظَ إذا اجترعه وأصله كظم البعيرُ جِرَّتَه إذا ردها في جوفه.
القشيري
تفسير : ما ازدادوا إقامةَ حُجَّةٍ إلا ازداد يعقوبُ - عليه السلام - في قولهم شُبْهةً. ويقال: في مُساءلة الأطلال أَخْذٌ لقلوب الأحباب، وسَلْوَةٌ لأسرارهم.. وهذا البابُ مما للشرح فيه مجال.
اسماعيل حقي
تفسير : ويقولوا {واسأل القرية التى كنا فيها} اى وقولوا لابيكم ارسل الى اهل مصر واسالهم عن كنه القصة لتبين لك صدقنا {والعير التى اقبلنا فيها} العير الابل التى عليها الاحمال اى اصحاب العير التى توجهنا فيهم وكنا معهم وكانوا قوما من كنعان من جيران يعقوب {وانا لصادقون} ثم رجع كبيرهم فدخل على يوسف فقال له لم رجعت قال انك اتخذت اخى رهينة فخذنى فجعله عند اخيه واحسن اليهما كأنه قيل فماذا كان عند قول المتوقف لاخوته ما قال
الطوسي
تفسير : هذا حكاية ما قال اخوة يوسف ليعقوب ابيهم حين رجعوا اليه وحكوا له ما جرى، فقالوا له سل أهل القرية التي كنا فيها، واهل العير التي اقبلنا فيها عمّا أخبرناك به {وإنا لصادقون} فيما اخبرناك به، وحذف المضاف الذي هو الاصل، واقام المضاف اليه - من القرية والعير - مقامه اختصاراً لدلالة الكلام عليه. والمراد بالقرية - ها هنا - مصر، في قول ابن عباس والحسن وقتادة. وكل أرض جامعة لمساكن كثيرة بحدود فاصلة تسمى - في اللغة - قرية، وأصلها من قريت الماء اي جمعته، والقرية والبلدة والمدينة نظائر في اللغة. وانما ارادوا بذلك أن من سألت من اهلها أخبروك بما ظهر في هذه القصة. وانا ما كذبناك.
الجنابذي
تفسير : {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} بارسال من يسئل أهلها عن تلك القضيّته او بالمسئلة ممّن كان فى العير من اهل مصر {ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} تصريح بصدقم الّلازم من اخبارهم تأكيداً ولذلك اكّدوه بانّ واللاّم واسميّة الجملة وهو عطف على انّ ابنك سرق وتوسيط قوله واسئل القرية ويكون واسئل القرية الى الآخر لاشعاره بعلّة صدق ادّعاء الصّدق، ويحتمل ان يكون وصيّة كبيرهم الى قوله واسئل القرية من كلام الرّاجعين الى يعقوب (ع) حين المخاطبة معهم ويكون المعنى فرجعوا وقالوا لابيهم انّ ابنك سرق فكذّبهم يعقوب (ع) فقالوا واسئل القرية.
اطفيش
تفسير : {واسْأَل القَريةَ} أى أهل القرية {التَّى كُنَّا فيها} وهى مصر أو الفرما قولان على ما مر، وقال ابن عباس: قرية من أعمالها فى مصر، لحقهم المنادى فيها، وعنه: هى مصر أرسل إليهم واسألهم {والعِيرَ التى أقْبلنَا} جئنا {فيها} أى جئنا حال كوننا فى جملتهم أو معهم، قوم من بلدنا، وهو جيران يعقوب، وقيل من أهل صنعاء. {وإنَّ لصادقُون} فيما قلنا، وهذا تأكيد فى محل القسم، وها هنا تم كلام الكبير أو كلام يوسف على ما مر أمرهم أحدهما بذلك إزالة للتهمة عنهم، إذ اتهمهم أبوهم بواقعة يوسف من قبل، وها هنا حذف تقديره فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له ما ذكر.
اطفيش
تفسير : {واسأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا} اسأَل أَهل القرية التى كنا فيها وهى مصر على أنهم ردوا إليها للتفتيش، أو قرية بعدها على أنهم لم يردوا إليها، وتطلق القرية أيضاً على أَهلها مجازا أَو حقيقة، وسميت القرية قرية لأنها تقرى الناس أى تجمعهم، قريت الماء فى الحوض جمعته، والأَولى أن المراد مصر؛ لأَن قوله: كنا فيها يناسبه أَشد القرية الأُخرى فلم يطل مكثهم فيها، وما معنى الكون فيها إلا كونهم فيها حين استخراج الصاع على هذا القول، ومعنى قولهم اسأَل القريةَ، أَرسل إِلى أَهلها يجيبوك لأَن يعقوب فى الشام لا فى مصر وأًعمالها، والمراد أسأَلهم عن القصة {وَالعَِيرَ الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا} وأَهل العير التى أقبلنا فيها، أَو العير التى أقبلنا فيها كله اسم للناس وهم غيرنا جمعنا سفر واحد، بل الظرفية تدل على أن الأَكثر غيرهم، أَو فى بمعنى مع فيكون المتبوع هو الأَصل فهم تابعون فتبادر أنهم أَقل والأَصل الظرفية {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} إنا قوم عادتنا الصدق فما يكون ما أَخبرناك به إلا حقا، وقيل: إنا لصادقون فى قولنا أَنه سرق بحسب الظاهر، ويدل له قوله: {بل سولت} إِلخ، وقيل المراد: اسأَل القرية والعير على ظاهرهما بناءً على أَن الأمر ظاهر حتى لا يخفى عن الجماد والإِبل كقوله: شعر : واسأل نجوم الليل هل زار الكرى جفنى وكيف يزور من لم يعرف تفسير : وهذا أَيضا مجاز، هذا آخر كلام كبيرهم الذى أَمرهم أن يقولوا لأبيهم إِذا رجعوا إِليه فقالوا له: نعم نقوله: فرجعوا إٍليه وقالوه له فأجابهم بما قال الله عنه فى قوله: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ} ليس الأَمر كما قلتم بل زينت وسهلت أَو خيلت أنه سرق وما سرق، والإِضراب ببل عن دعواهم الصدق أَى لم تصدقوا بل سولت بمعنى أَن ما شاهدتم ولو صدقتم فيه غير خال عن تضمن ما ينقصه، أَو الإِضراب عما يتضمنه من البراءَة عن التسبب فيما نزل بأخيهم كما أَفتوا باسترقاق السارق، وليس من دين الملك وفى معنى ذلك تقدير المحذوف أَى ليس حقيقة كما أخبرتهم بل سولت، أَو الإِضراب عما طمعوا فيه من الخروج عن التهمة لذلك الإِفتاءِ وما فعلوا بيوسف، أَو إِضراب عن جعلهم وجود الصواع فى رحله سرقة {لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً} فعلتموه كيدا فى إِهلاكه أَو تغييبه، وهبوا أنه سرق فمن أَدرى الملك أَن السارق يسترق بسرقته، وإِنما يعلم ذلك من جهتكم، قيل: وكان استرقاق السارق شرعا ليعقوب والأَنبياء قبله، وقد علمه من قولهم: "أية : جزاؤه من وجد فى رحله"تفسير : [يوسف: 75] وإنما سعى فى أن لا يخبروه لأَنه يظن أَن الملك مشرك حاشاه، والمشرك لا يملك موحدا كما أَن دماءَ المشركين والموحدين لا تتكافأُ {فصَبْرٌ جَمِيلٌ} أَى فأَمرى صبر جميل، أَو فصبر جميل أَحسن، أَو فالواجب صبر جميل، أَو فعلى صبر جميل، من الصبر الجميل أَن لا تتحدث بمصيبتك ولاتزكى نفسك، اتهمهم لا رأى منهم فى يوسف ولعلم الملك بالاسترقاق، واستفيد أَن الظن، ولو قويت أَماراته وكان من أَفاضل الناس لا يؤمن كذبه فهذا يعقوب صفى الله ظن وأَخطأَ فى هذا الظن لأنه لا كيد لهم فى إِمساك بنيامين {عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعاً} يكمل لى إِتيانهم جميعا فقد جاءَ واحد وهو كبيرهم، رجع بعد ما قال: " أية : لن أَبرح الأَرض"تفسير : [يوسف: 80] وبقى اثنان يقدر الله أَن يأْتيانى فيكون قد أَتونى جميعا، أَو الهاءُ للاثنين بنيامين ويوسف، أَو لهما وللكبير، على أَنه لم يرجع إٍلى أَبيه حتى يقولوا له ائْتِ، وعسى منه عليه السلام جزم لعلمه بحياة يوسف وبأَنه سيجتمعون من الوحى أَو ترجح على احتمال أَن لاجتماعهم شرطا اختل أَو تملق إِلى الله وتضرع، ولو جزم أَو خاف لعل اجتماعهم بعد موته، وكذلك قال لعزرائِيل: هل قبضت روح يوسف فقال: لا، وقد يخشى قبضه بعد قوله لا. إِذا تناهت الشدة أَتى الفرج، وأَيضاً قال يوسف: إِذا أَتيتم أًباكم فاقرأُوا له السلام وقولوا له إن ملك مصر يدعو أَلاَّ تموت حتى ترى ولدك يوسف فيعلم أَن فى مصر صديقا {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ} بحالى وحالهم وبكل شىءٍ {الْحَكِيمُ} فى تدبير الأَشياءِ وأَحوالها.
الالوسي
تفسير : . {وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا} يعنون كما روى عن ابن عباس وقتادة والحسن مصر، وقيل: قرية بقربها لحقهم المنادى بها، والأول: ظاهر على القول بأن المفتش لهم يوسف عليه السلام والثاني: الظاهر على القول بأنه المؤذن، وسؤال القرية عبارة عن سؤال أهلها إما مجازاً في القرية لإطلاقها عليها بعلاقة الحالية والمحلية أو في النسبة أو يقدر فيه مضاف وهو مجاز أيضاً عند سيبويه وجماعة وفي المحصول وغيره أن الإضمار والمجاز متباينان ليس أحدهما قسماً من الآخر والأكثرون على المقابلة، وأياً ما كان فالمسؤول عنه محذوف للعلم به، وحاصل المعنى أرسل من تثق به إلى أهل القرية واسألهم عن القصة {وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا } أي أصحابها الذين توجهنا فيهم وكنا معهم فإن القصة معروفة فيما بينهم وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب عليه السلام، وقيل: من أهل صنعاء، والكلام هنا في التجوز والإضمار كالكلام سابقاً. وقيل: لا تجوز ولا إضمار في الموضعين والمقصود إحالة تحقيق الحال والإطلاع على كنه القصة على السؤال من الجمادات والبهائم أنفسها بناء على أنه عليه السلام نبـي فلا يبعد أن تنطق وتخبره بذلك على خرق العادة. وتعقب بأنه مما لا ينبغي أن يكون مراداً ولا يقتضيه المقام لأنه ليس بصدد إظهار المعجزة، وقال بعض الأجلة: الأول إبقاء {ٱلقَرْيَةَ وَٱلّعِيْرَ} على ظاهرهما وعدم إضمار مضاف إليهما ويكون الكلام مبنياً على دعوى ظهور الأمر بحيث أن الجمادات والبهائم قد علمت به وقد شاع مثل ذلك في الكلام قديماً وحديثاً ومنه قول ابن الدمينة:شعر : سل القاعة الوعسا من الأجرع الذي به البان هل حييت إطلال دارك تفسير : وقوله:شعر : سلوا مضجعي عني وعنها فإننا رضينا بما يخبرن عنا المضاجع تفسير : وقوله:شعر : واسأل نجوم الليل هل زار الكرى جفني وكيف يزور من لم يعرف تفسير : ولا يخفى أن مثل هذا لا يخلو عن ارتكاب مجاز. نعم هو معنى لطيف بيد أن الجمهور على خلافه وأكثرهم على اعتبار مجاز الحذف. {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ} فيما أخبرناك به، وليس المراد إثبات صدقهم بما ذكره حتى يكون مصادرة بل تأكيد صدقهم بما يفيد ذلك من الاسمية وإن واللام وهو مراد من قال: إنه تأكيد في محل القسم، ويحتمل على ما قيل أن يريد أن هنا قسماً مقدراً، وقيل: المراد الإثبات ولا مصادرة على معنى أنا قوم عادتنا الصدق فلا يكون ما أخبرناك به كذباً ولا نظنك في مرية من عدم قبوله.
الواحدي
تفسير : {واسأل القرية التي كنَّا فيها} أَيْ: أهل مصر {والعير التي أقبلنا فيها} يريد: أهل الرُّفقة، فلمَّا رجعوا إلى أبيهم يعقوب عليه السَّلام قالوا له هذا، فقال: {بل سوَّلت لكم أنفسكم أمراً} زيَّنته لكم حتى أخرجتم بنيامين من عندي رجاء منفعة، فعاد من ذلك شرٌّ وضررٌ. {وتولى عنهم} أعرض عن بنيه، وتجدَّد وَجْدُه بيوسف {وقال: يا أسفى على يوسف} يا طول حزني عليه {وابيضت عيناه} انقلبت إلى حال البياض، فلم يبصر بهما {من الحزن} من البكاء {فهو كظيم} مغمومٌ مكروبٌ لا يُظهر حزنه بجزعٍ أو شكوى. {قالوا تالله تفتأ} لا تزال {تذكر يوسف} لا تَفْتُر من ذكره {حتى تكون حرضاً} فاسداً دنفاً {أو تكون من الهالكين} الميِّتين. والمعنى: لا تزال تذكره بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه، أو تموت بغمِّه، فلمَّا أغلظوا له في القول. {قال إنما أشكو بثِّي} ما بي من البثِّ، وهو الهمُّ الذي تفضي به إلى صاحبك {وحزني إلى الله} لا إليكم {وأعلم من الله ما لا تعلمون} وهو أنَّه علم أنَّ يوسف حيٌّ، أخبره بذلك مَلَكُ الموت، وقال له: اطلبه من هاهنا، وأشار له إلى ناحية مصر.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَسْئَلِ} {لَصَادِقُونَ} (82) - وَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَبْلَغْنَاكَ فَأَرْسِلْ مَنْ يَأْتِيكَ بِشَهَادَةِ أَهْلِ مِصْرَ، وَاسْأَلْ أَنْتَ القَافِلَةِ (العِيرَ) التِي رَافَقْنَاهَا عَنْ صِدْقِ قَوْلِنَا، وَأَمَانَتِنَا فِي حِفْظِ أَخِينا، وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرْنَاكَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ سَرَقَ، وَأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ بِسَرِقَتِهِ. العِيرَ - القَافِلَةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أنك يا أبانا إنْ كنتَ تشك في أقوالنا؛ يمكنك أن تطلب أدلة أخرى من المكان الذي كنا فيه؛ لأن هذا الموضوع قد أحدث ضجَّة، وحدث أمام جمع كبير من الناس، والقوافل التي كانت معنا شهدتْ الواقعة؛ فقد أذَّن مُؤذِّن بالحادث، وتَمَّ تفتيش العِير علناً. فإذا أردتَ أن تتأكد من صدق أقوالنا، فاسأل العِير التي كانت تسير معنا في الطريق، وهم يعرفون هذه القضية كما نعرفها، أو اسأل أهل القرية التي جئنا منها. ونلحظ هنا أن الحق سبحانه أورد كلام إخوة يوسف لأبيهم يعقوب: {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ..} [يوسف: 82]. ونحن نعلم أن كل حَدَثٍ من الأحداث لا بُدَّ له من فاعل، ومن مفعول يقع عليه، ومن مكان يقع فيه، ومن زمان يقع فيه؛ ومن سبب يُوجِبه، ومن قوة تنهض به. وفي بعض الحالات نجد أن المكان هو الأمر الظاهر والقوي في الحدث، فننسبه إليه، فيُقال: {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ..} [يوسف: 82]. والمراد بطبيعة الحال أن يَسأل أهل القرية، أو: أن المسألة كانت واضحة تماماً لدرجة أن الجماد يعرف تفاصيلها، أو: أنك نبيٌّ ويوحي لك الله فَسَلْهُ أن يجعل الأرض تخبرك بما وقع عليها. وكذلك قولهم: {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ..} [يوسف: 82]. ونعلم أن العير هي المَطايا؛ سواء أكانت نِياقاً أو كانت من الجمال أو الحمير أو البِغَال التي تحمل البضائع. وحين يُقَال: {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ..} [يوسف: 82]. أي: أن العير كان لها في الأمر شيء فوق المُلاَبسات كلها. ومثال هذا ما كان في موقعة بدر؛ فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلقَى العير القادمة من الشام وهي مُحمَّلة بالبضائع؛ ليصادرها إيفاء ما استولى عليه الكافرون من أموال المهاجرين التي كانت بمكة، ولم يكن مع هذه العير إلا قليل من الحرس والرعاة. ولكن حين تكلم عن المقاتلين الذين قَدِموا من مكة؛ وصفهم بالنفير، أي: الجماعة الذين نفروا لمواجهة معسكر الإيمان. إذن: فكل حَدَث يأخذ الأمر البارز فيه. وهنا يورد الحق سبحانه ما جاء على ألسنة إخوة يوسف حينما عادوا ليلقَوْا أباهم، وليس معهم أخوهم بنيامين؛ وكذلك تَخَلُّف أخيهم الكبير أو رئيس الرحلة. يقول الحق سبحانه: {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا ..} [يوسف: 82]. ويجوز أن تفتيشهم قد تَمَّ في مكان بعيد قليلاً عن العُمْران؛ وفحص جنود أو مساعدو يوسف أمتعتهم التي عثروا فيها على صواع الملك. وسُمي المكان "قرية"، مثلما نفعل نحن حالياً حين نخصص مكاناً للجمارك؛ نفحص فيه البضائع الخارجة أو الداخلة إلى البلد، فقولهم: {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا ..} [يوسف: 82]. أي: اسأل أهل الموقع الذي حدث فيه التفتيش. وكذلك قولهم: {وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [يوسف: 82]. أي: اسأل مَنْ كانوا معنا، وجِئْنا بصحبتهم من أصحاب القوافل الأخرى. وكرروا قولهم: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [يوسف: 82]. لأنهم علموا سابق كذبهم من قبل ذلك؛ لذلك أرادوا هنا أن يُثبتوا صدقهم؛ وحين يسأل أبوهم يعقوب؛ سيجد أنهم صادقون فعلاً، وهم لم يطلبوا شهادة الغير إلا لأنهم واثقون من صدقهم هذه المرة. وجاء الحق سبحانه بهذه الجملة الإسمية: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [يوسف: 82]. لأنهم قد فهموا أن والدهم قد شَكَّ فيهم من قبل، حين جاءوا بدم كذبٍ، وادَّعوا أنه قميص يوسف، وأن الذئب قد أكله. ويأتي الحق سبحانه بما جاء على لسان يعقوب: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82] يعني: أهل مصر الملكوت من الملائكة الكرام الكاتبين، {وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا} [يوسف: 82] أرواح الأنبياء والأولياء، {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [يوسف: 82] فيما أخبرناكم، وفي قوله: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 83] إشارة إلى أن للنفس تسويلات، ولأوصاف البشرية خيالات يتأذى بها يعقوب الروح، وله مقاساتها والمواساة بها لإمضاء أحكام الله وقضائه وقدره صبر جميل، وهو أن يصبر على إمضاء أحكامه، ولا يعترض عليه ولا يعارضه بتبديل الأحكام، بل يستسلم إليه قبل قضائه وقدره ويقول: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً} [يوسف: 83] يشير إلى أن متولدات الروح والقلب والسر والأوصاف وغيرها، وإن تفرقوا وتباعدوا عن الروح في الجسد؛ لتحصيل أسباب استكمال به الروح، وترقي عن مقامات الروحانية إلى درجات قربات الربانية، فإن الله تعالى بجذبات العناية يجمعهم ويأتي بهم جميعاً في مقعد صدق عند مليك مقتدر، {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ} [يوسف: 83] بأنه فوقهم، {ٱلْحَكِيمُ} [يوسف: 83] فيما فرقهم فبحكمه يجمعهم. وفي قوله: {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84] إشارة إلى أن كمالية يعقوب الروح في الإعراض عمَّا سوى الحق تعالى، ولا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب؛ وذلك لأن القلب مرآة جمال الحق تعالى، فتأسف صاحب الجمال على المرآة ما هو على المرآة إنما هو على الجمال، فيكون تأسف الروح على القلب تأسفه وحزنه إلى مشاهد جمال الحق؛ لأنه لا يشاهد إلا في مرآة القلب، ولهذا أشار بقوله: {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84] لأن المشاهدة حظ العين وابيضت عيناه في انتظارها، ولمَّا كانت أوصاف البشرية تعدل عمَّا كان عند يعقوب الروح من الشوق المبرح والقلب المزعج. {قَالُواْ} [يوسف: 85] على تأسفه، {تَاللهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ} [يوسف: 85] طالما يلوم أهل الشفاعة المحبين، ومن علامة المحب: ألاَّ يخاف في الله لومة لائم، فيه يشير إلى أن لا بدَّ للمحب من ملامة الخلق، فأول ملامتي في العالم آدم عليه السلام حين لامت فيه الملائكة قالوا: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}تفسير : [البقرة: 30] ولو أمعنت النظر لرأيت أو ملامتي على الحقيقة حضرة الربوبية بقولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} وذلك لأنه تعالى كان أول محب أودع المحبة وهو قول {يُحِبُّهُمْ}، فافهم جدّاً. {قَالَ} [يوسف: 86] يعقوب الروح في جوبهم حين حسبوا أن تأسفه وحزنه على يوسف القلب له خاصة: {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ} [يوسف: 86] أي: لأني أعلم من جمال الله وكماله وعظمته وجلاله واستحقاقه للمحبة والشوق إلى لقائه، {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):