١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
83
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن يعقوب عليه السلام لما سمع من أبنائه ذلك الكلام لم يصدقهم فيما ذكروا كما في واقعة يوسف فقال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } فذكر هذا الكلام بعينه في هذه الواقعة إلا أنه قال في واقعة يوسف عليه السلام: { أية : وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } تفسير : [يوسف: 18] وقال ههنا: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم إن قوله: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } ليس المراد منه ههنا الكذب والاحتيال كما في قوله في واقعة يوسف عليه السلام حين قال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } لكنه عنى سولت لكم أنفسكم إخراج بنيامين عني والمصير به إلى مصر طلباً للمنفعة فعاد من ذلك شر وضرر وألححتم علي في إرساله معكم ولم تعلموا أن قضاء الله إنما جاء على خلاف تقديركم وقيل: بل المعنى سولت لكم أنفسكم أمراً خيلت لكم أنفسكم أنه سرق وما سرق. المسألة الثانية: قيل إن روبيل لما عزم على الإقامة بمصر أمره الملك أن يذهب مع إخوته فقال أتركوني وإلا صحت صيحة لا تبقى بمصر امرأة حامل إلا وتضع حملها فقال يوسف دعوه ولما رجع القوم إلى يعقوب عليه السلام وأخبروه بالواقعة بكى وقال: يا بني لا تخرجوا من عندي مرة إلا ونقص بعضكم، ذهبتم مرة فنقص يوسف، وفي الثانية نقص شمعون، وفي هذه الثالثة نقص روبيل وبنيامين، ثم بكى وقال: عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً وإنما حكم بهذا الحكم لوجوه: الأول: أنه لما طال حزنه وبلاؤه ومحنته علم أنه تعالى سيجعل له فرجاً ومخرجاً عن قريب فقال ذلك على سبيل حسن الظن برحمة الله. والثاني: لعله تعالى قد أخبره من بعد محنة يوسف أنه حي أو ظهرت له علامات ذلك وإنما قال: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } لأنهم حين ذهبوا بيوسف كانوا إثني عشر فضاع يوسف وبقي أحد عشر، ولما أرسلهم إلى مصر عادوا تسعة لأن بنيامين حبسه يوسف واحتبس ذلك الكبير الذي قال: { أية : فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِى أَبِى أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى } تفسير : [يوسف: 80] فلما كان الغائبون ثلاثة لا جرم {قَالَ عَسَىٰ ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا }. ثم قال: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } يعني هو العالم بحقائق الأمور الحكيم فيها على الوجه المطابق للفضل والإحسان والرحمة والمصلحة.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ} أي زَيَّنَتْ. {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ} أن ابني سَرَق وما سَرَق، وإنما ذلك لأمر يريده الله. {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي فشأني صبر جميل؛ أو صبر جميل أولى بي، على ما تقدّم أوّل السورة. الثانية: الواجب على كل مسلم إذا أصيب بمكروه في نفسه أو ولده أو ماله أن يتلقى ذلك بالصبر الجميل، والرضا والتسليم لمجرِيه عليه وهو العليم الحكيم، ويقتدي (بنبي الله) يعقوب وسائر النبيين، صلوات الله عليهم أجمعين. وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة عن الحسن قال: ما من جرعتين يتجرّعهما العبد أحبّ إلى الله من جرعة مصيبة يتجرّعها العبد بحسن صبر وحسن عَزَاء، وجرعة غيظ يتجرّعها العبد بحلم وعفو. وقال ابن جُريج عن مجاهد في قوله تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي لا أشكو ذلك إلى أحد. وروى مقاتل بن سليمان عن عطاء بن أبي رَبَاح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنْ بَثَّ لم يَصْبِر». تفسير : وقد تقدّم في «البقرة» أن الصبر عند أوّل الصَّدمة، وثواب من ذكر مصيبته وٱسترجع وإن تقادم عهدها. وقال جُوَيبر عن الضحّاك عن ابن عباس قال: إن يعقوب أُعطي على يوسف أجر مائة شهيد، وكذلك من ٱحتسب من هذه الأمة في مصيبته فله (مثل) أجر يعقوب عليه السلام. قوله تعالى: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً} لأنه كان عنده أن يوسف صلى الله عليه وسلم لم يمت، وإنما غاب عنه خبره؛ لأن يوسف حمِل وهو عبد لا يملك لنفسه شيئاً، ثم ٱشتراه الملك فكان في داره لا يظهر للناس، ثم حُبس، فلما تمكن ٱحتال في أن يعلم أبوه خبره؛ ولم يُوجّه برسول لأنه كرِه من إخوته أن يعرفوا ذلك: فلا يَدعوا الرسول يَصلُ إليه. وقال: «بهم» لأنهم ثلاثة؛ يوسف وأخوه، والمتخلّف من أجل أخيه، وهو القائل: «فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ». {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ} بحالي. {ٱلْحَكِيمُ} فيما يقضي.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ } أي فلما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال لهم أخوهم قال: {بَلْ سَوَّلَتْ } أي سولت وسهلت. {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } أردتموه فقدرتموه، وإلا فما أدرى الملك أن السارق يؤخذ بسرقته. {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أي فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل. {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } بيوسف وبنيامين وأخيهما الذي توقف بمصر. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ } بحالي وحالهم. {ٱلْحَكِيمُ } في تدبيرهما.
ابن كثير
تفسير : قال لهم كما قال لهم حين جاؤوا على قميص يوسف بدم كذب {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} قال محمد بن إسحاق: لما جاؤوا يعقوب، وأخبروه بما جرى، اتهمهم، فظن أنها كفعلتهم بيوسف، قال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} وقال بعض الناس: لما كان صنيعهم هذا مرتباً على فعلهم الأول، سحب حكم الأول عليه، وصح قوله: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} ثم ترجى من الله أن يرد عليه أولاده الثلاثة: يوسف، وأخاه بنيامين، وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه، إما أن يرضى عنه أبوه، فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خفية، ولهذا قال: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ} أي: العليم بحالي، {ٱلْحَكِيمُ} في أفعاله وقضائه وقدره، {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} أي: أعرض عن بنيه، وقال متذكراً حزن يوسف القديم الأول: {يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} جدد له حزن الابنين الحزن الدفين، قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن سفيان العصفري، عن سعيد بن جبير: أنه قال: لم يعط أحد غير هذه الأمة الاسترجاع، ألا تسمعون إلى قول يعقوب عليه السلام: {يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} أي: ساكت، لا يشكو أمره إلى مخلوق، قاله قتادة وغيره. وقال الضحاك: فهو كظيم: كئيب حزين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن، عن الأحنف بن قيس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن داود عليه السلام قال: يا رب إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاجعلني لهم رابعاً، فأوحى الله تعالى إليه: أن يا داود إن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن إسحاق بذل مهجة دمه بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن يعقوب أخذت منه حبيبه فابيضت عيناه من الحزن فصبر، وتلك بلية لم تنلك»تفسير : . وهذا مرسل، وفيه نكارة؛ فإن الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح، ولكن علي بن زيد بن جدعان له مناكير وغرائب كثيرة، والله أعلم، وأقرب ما في هذا أن الأحنف بن قيس رحمه الله حكاه عن بعض بني إسرائيل؛ ككعب ووهب ونحوهما، والله أعلم، فإن بني إسرائيل ينقلون: أن يعقوب كتب إلى يوسف لما احتبس أخاه بسبب السرقة يتلطف له في رد ابنه، ويذكر له أنهم أهل بيت مصابون بالبلاء، فإبراهيم ابتلي بالنار، وإسحاق بالذبح، ويعقوب بفراق يوسف، في حديث طويل لا يصح، والله أعلم، فعند ذلك رق له بنوه، وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه: {قَالُواْ تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي: لا تفارق تذكر يوسف {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً} أي: ضعيف القوة {أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ} يقولون: إن استمر بك هذا الحال، خشينا عليك الهلاك والتلف {قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ} أي: أجابهم عما قالوا بقوله: {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّى وَحُزْنِى} أي: همي وما أنا فيه {إِلَى ٱللَّهِ} وحده، {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: أرجو منه كل خير، وعن ابن عباس {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يعني: رؤيا يوسف أنها صدق، وأن الله لا بد أن يظهرها، وقال العوفي عنه في الآية: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، وأني سوف أسجد له. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنَيَّة عن حفص بن عمر بن أبي الزبير، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كان ليعقوب النبي عليه السلام أخ مؤاخ له، فقال له ذات يوم: ما الذي أذهب بصرك، وقوس ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف، وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين، فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا يعقوب إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: أما تستحي أن تشكوني إلى غيري؟ فقال يعقوب: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال جبريل عليه السلام: الله أعلم بما تشكو» تفسير : وهذا حديث غريب فيه نكارة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ } زيّنت {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } ففعلتموه، اتهمهم لما سبق منهم من أمر يوسف {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } صبري {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ } بيوسف وأخويه {جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ } بحالي {ٱلْحَكِيمُ } في صنعه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } أي: زينت، والأمر هنا قولهم:{إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ} وما سرق في الحقيقة، وقيل: المراد بالأمر إخراجهم بنيامين، والمضي به إلى مصر طلباً للمنفعة فعاد ذلك بالمضرّة. وقيل: التسويل: التخييل، أي: خيلت لكم أنفسكم أمراً لا أصل له. وقيل: الأمر الذي سوّلت لهم أنفسهم: فتياهم بأن السارق يؤخذ بسرقته، والإضراب هنا هو باعتبار ما أثبتوه من البراءة لأنفسهم، لا باعتبار أصل الكلام فإنه صحيح، والجملة مستأنفة مبنية على سؤال مقدّر كغيرها، وجملة: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل بي، وأولى لي، والصبر الجميل: هو الذي لا يبوح صاحبه بالشكوى، بل يُفوّضُ أمره إلى الله ويسترجع، وقد ورد أن الصبر عند أوّل الصدمة {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } أي: بيوسف وأخيه بنيامين، والأخ الثالث الباقي بمصر، وهو كبيرهم كما تقدّم، وإنما قال هكذا لأنه قد كان عنده أن يوسف لم يمت، وأنه باقٍ على الحياة وإن غاب عنه خبره {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ } بحالي، {ٱلْحَكِيمُ } فيما يقضي به {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ } أي: أعرض عنهم، وقطع الكلام معهم وقال: {يا أسفا على يوسف}. قال الزجاج: الأصل يا أسفي، فأبدل من الياء ألفاً لخفة الفتحة، والأسف: شدة الجزع. وقيل: شدة الحزن، ومنه قول كثير:شعر : فيا أسفا للقلب كيف انصرافه وللنفس لما سليت فتسلت تفسير : قال يعقوب هذه المقالة لما بلغ منه الحزن غاية مبالغة بسبب فراقه ليوسف، وانضمام فراقه لأخيه بنيامين، وبلوغ ما بلغه من كونه أسيراً عند ملك مصر، فتضاعفت أحزانه، وهاج عليه الوجد القديم بما أثاره من الخبر الأخير. وقد روي عن سعيد بن جبير: أن يعقوب لم يكن عنده ما ثبت في شريعتنا من الاسترجاع، والصبر على المصائب، ولو كان عنده ذلك لما قال: {يا أسفا على يوسف}. ومعنى المناداة للأسف طلب حضوره، كأنه قال: تعال يا أسفي، وأقبل إليّ {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ } أي: انقلب سواد عينيه بياضاً من كثرة البكاء. قيل: إنه زال إدراكه بحاسة البصر بالمرة. وقيل: كان يدرك إدراكاً ضعيفاً. وقد قيل في توجيه ما وقع من يعقوب عليه السلام من هذا الحزن العظيم المفضي إلى ذهاب بصره كلاً أو بعضاً بأنه: إنما وقع منه ذلك لأنه علم أن يوسف حيّ، فخاف على دينه مع كونه بأرض مصر وأهلها حينئذٍ كفار. وقيل: إن مجرد الحزن ليس بمحرّم، وإنما المحرّم ما يفضي منه إلى الوله وشق الثياب والتكلم بما لا ينبغي، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم عند موت ولده إبراهيم: «حديث : تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الربّ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزنون»تفسير : ويؤيد هذا قوله: {فَهُوَ كَظِيمٌ } أي: مكظوم، فإن معناه: أنه مملوء من الحزن ممسك له لا يبثه، ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه، فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه، من كظم السقاء: إذا سدّه على ما فيه، والكظم بفتح الظاء. مخرج النفس، يقال: أخذ بأكظامه، وقيل: الكظيم بمعنى الكاظم / أي: المشتمل على حزنه، الممسك له، ومنه:شعر : فإن أك كاظما لمصاب ناسٍ فإني اليوم منطلق لساني تفسير : ومنه {أية : وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } تفسير : [آل عمران: 134]. وقال الزجاج: معنى كظيم: محزون. وروي عن ابن عباس أنه قال: معناه: مغموم مكروب. قال بعض أهل اللغة: الحزن بالضم والسكون: البكاء، وبفتحتين: ضدّ الفرح، وقال أكثر أهل اللغة: هما لغتان: {قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي: لا تفتأ، فحذف حرف النفي لعدم اللبس. قال الكسائي: فتأت وفتئت أفعل كذا، أي: مازلت. وقال الفراء: إن "لا" مضمرة، أي: لا تفتأ. قال النحاس: والذي قال صحيح. وقد روي عن الخليل وسيبويه مثل قول الفراء، وأنشد الفراء محتجاً على ما قاله:شعر : فقلت يمين الله أبرح قاعداً ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي تفسير : ويقال: فتيء، وفتأ لغتان، ومنه قول الشاعر:شعر : فما فتئت حتى كأن غبارها سرادق يوم ذي رياح ترفع تفسير : {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً } الحرض مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، والصفة المشبهة، حرض بكسر الراء كدنف ودنف، وأصل الحرض: الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم، حكي ذلك عن أبي عبيدة وغيره، ومنه قول الشاعر:شعر : سرى همي فأمرضني وقدماً زادني مرضا كذاك الحب قبل اليو م ممَّ يورث الحرضَا تفسير : وقيل: الحرض ما دون الموت، وقيل: الهرم، وقيل: الحارض: البالي الدائر. وقال الفراء: الحارض: الفاسد الجسم والعقل، وكذا الحرض. وقال مؤرج: هو الذائب من الهمّ، ويدّل عليه قول الشاعر:شعر : إني امرؤ لجّ بي حب فأحرضني حتى بليت وحتى شفني السقم تفسير : ويقال: رجل محرض، ومنه قول الشاعر:شعر : طلبته الخيل يوماً كاملا ولو ألفته لأضحى محرضا تفسير : قال النحاس: وحكى أهل اللغة أحرضه الهمّ: إذا أسقمه، ورجل حارض: أي أحمق. وقال الأخفش: الحارض الذاهب. وقال ابن الأنباري: هو الهالك. والأولى تفسير الحرض هنا بغير الموت والهلاك من هذه المعاني المذكورة حتى يكون لقوله: {أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ } معنى غير معنى الحرض، فالتأسيس أولى من التأكيد، ومعنى {من الهالكين}: من الميتين، وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن شفقة عليه وإن كانوا هم سبب أحزانه ومنشأ همومه وغمومه. {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ } هذه الجملة مستأنفة، كأنه قيل: فما قال يعقوب لما قالوا له ما قالوا؟ والبث: ما يرد على الإنسان من الأشياء التي يعظم حزن صاحبها بها حتى لا يقدر على إخفائها، كذا قال أهل اللغة، وهو مأخوذ من بثثته، أي: فرقته، فسميت المصيبة بثاً مجازاً، قال ذو الرّمة:شعر : وقفتُ على ربَع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجارُهُ ومَلاعبُه تفسير : وقد ذكر المفسرون: أن الإنسان إذا قدر على كتم ما نزل به من المصائب كان ذلك حزناً، وإن لم يقدر على كتمه كان ذلك بثاً، فالبثّ على هذا: أعظم الحزن وأصعبه، وقيل: البثّ الهمّ؛ وقيل: هو الحاجة. وعلى هذا القول يكون عطف الحزن على البثّ واضح المعنى. وأما على تفسير البث بالحزن العظيم، فكأنه قال: إنما أشكو حزني العظيم وما دونه من الحزن إلى الله لا إلى غيره من الناس. وقد قرىء {حزني} بضم الحاء وسكون الزاي و"حزني" بفتحهما {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي: أعلم من لطفه وإحسانه وثوابه على المصيبة ما لا تعلمونه أنتم. وقيل: أراد علمه بأن يوسف حيّ. وقيل: أراد علمه بأن رؤياه صادقة. وقيل: أعلم من إجابة المضطرين إلى الله ما لا تعلمون. {يا بني ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } التحسس بمهملات: طلب الشيء بالحواس، مأخوذ من الحسّ، أو من الإحساس أي: اذهبوا فتعرّفوا خبر يوسف وأخيه وتطلبوه. وقرىء بالجيم، وهو أيضاً التطلب {وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ } أي: لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه. قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة، فكل ما يهتز الإنسان بوجوده ويلتذ به فهو روح. وحكى الواحدي عن الأصمعي أيضاً أنه قال: الروح: الاستراحة من غمّ القلب، وقال أبو عمرو: الروح: الفرج، وقيل: الرحمة {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} لكونهم لا يعلمون بقدرة الله سبحانه، وعظيم صنعه، وخفيّ ألطافه. قوله: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ } أي: على يوسف، وفي الكلام حذف، والتقدير: فذهبوا كما أمرهم أبوهم إلى مصر ليتحسسوا من يوسف وأخيه، فلما دخلوا على يوسف {قَالُواْ أَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ} أي: الملك الممتنع القادر {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } أي: الجوع والحاجة، وفيه دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه، كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة، وهذه المرّة التي دخلوا فيها مصر هي المرّة الثالثة، كما يفيده ما تقدّم من سياق الكتاب العزيز {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } البضاعة هي القطعة من المال يقصد بها شراء شيء، يقال: أبضعت الشيء واستبضعته: إذا جعلته بضاعة. وفي المثل: كمستبضع التمر إلى هجر. والإزجاء: السوق بدفع. قال الواحدي: الإزجاء في اللغة: السوق والدفع قليلاً قليلاً، ومنه قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِى سَحَاباً } تفسير : [النور: 43]، والمعنى: أنها بضاعة تدفع ولا يقبلها التجار. قال ثعلب: البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة. قال أبو عبيدة: إنما قيل للدراهم الرديئة: مزجاة لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة. واختلف في هذه البضاعة ما هي؟ فقيل: كانت قديداً وحيساً، وقيل: صوف وسمن، وقيل: الحبة الخضراء والصنوبر، وقيل: دراهم رديئة، وقيل: النعال والأدم. ثم طلبوا منه بعد أن أخبروه بالبضاعة التي معهم أن يوفي لهم الكيل، أي: يجعله تاماً لا نقص فيه، وطلبوا منه أن يتصدّق عليهم إما بزيادة يزيدها لهم على ما يقابل بضاعتهم، أو بالإغماض عن رداءة البضاعة التي جاءوا بها، وأن يجعلها كالبضاعة الجيدة في إيفاء الكيل لهم بها، وبهذا قال أكثر المفسرين. وقد قيل: كيف يطلبون التصدّق عليهم وهم أنبياء والصدقة محرّمة على الأنبياء. وأجيب باختصاص ذلك بنبينا صلى الله عليه وسلم، {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدّقِينَ } بما يجعله لهم من الثواب الأخروي، أو التوسيع عليهم في الدنيا. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } قال: يوسف وأخيه وروبيل. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: يوسف وأخيه وكبيرهم الذي تخلف، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {يا أسفا عَلَىٰ يُوسُفَ } قال: يا حزناً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة مثله. وأخرجوا عن مجاهد قال: يا جزعاً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فَهُوَ كَظِيمٌ } قال: حزين. وأخرج ابن المبارك، وعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة قال: كظم على الحزن فلم يقل إلاّ خيراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عطاء الخراساني قال: كظيم مكروب. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الضحاك قال: الكظيم: الكمد. وأخرج ابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {تَٱللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} قال: لا تزال تذكر يوسف {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً } قال: دنفاً من المرض. {أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ } قال: الميتين. وأخرج هؤلاء عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ } قال: لا تزال تذكر يوسف {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً } قال: هرماً {أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ } قال: أو تموت. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الضحاك {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً } قال: الحرض: البالي {أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ } قال: من الميتين. وأخرج ابن جرير، وعبد الرزاق عن مسلم بن يسار يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من بث لم يصبر، »تفسير : ثم قرأ {إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ } وأخرج ابن منده في المعرفة عن مسلم بن يسار عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. وأخرج ابن مردويه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً مثله. وأخرجه ابن المنذر، وابن مردويه عن عبد الرحمٰن بن يعمر مرفوعاً مرسلاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى } قال: همي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } قال: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، وأني سأسجد له. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في قوله: {وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ } قال: من رحمة الله. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن زيد قال: من فرج الله يفرج عنكم الغم الذي أنتم فيه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } قال: أي الضرّ في المعيشة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بِبِضَاعَةٍ } قال: دراهم {مُّزْجَاةٍ } قال: كاسدة. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه قال: {مزجاة} رثة المتاع، خلقة الحبل والغرارة والشيء. وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه أيضاً {مزجاة} قال: الورق الزيوف التي لا تنفق حتى يوضع منها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن جرير في قوله: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } قال: أردد علينا أخانا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً} فيه وجهان: أحدهما: بل سهلت. الثاني: بل زينت لكم أنفسكم أمراً في قولكم إن ابني سرق وهو لا يسرق، وإنما ذاك لأمر يريده الله تعالى. {فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً} يعني يوسف وأخيه المأخوذ في السرقة وأخيه المتخلف معه فهم ثلاثة. {إنه هو العليم الحكيم} يعني العليم بأمركم، الحكيم في قضائه بما ذكرتم. قوله عز وجل: {وتولَّى عنهم وقال يا أسفَى على يوسف} فيه وجهان: أحدهما: معناه واجزعاه قاله مجاهد، ومنه قول كثير: شعر : فيا أسفا للقلب كيف انصرافُه وللنفس لما سليت فتسلّتِ تفسير : الثاني: معناه يا جزعاه، قاله ابن عباس. قال حسان بن ثابت يرثي رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : فيا أسفا ما وارت الأرض واستوت عليه وما تحت السلام المنضد تفسير : وفي هذا القول وجهان: أحدهما: أنه أراد به الشكوى إلى الله تعالى ولم يرد به الشكوى منه رغباً إلى الله تعالى في كشف بلائه. الثاني: أنه أراد به الدعاء، وفيه قولان: أحدهما: مضمر وتقديره يا رب ارحم أسفي على يوسف. {وابيضت عَيْنَاه من الحزن} فيه قولان: أحدهما: أنه ضعف بصره لبياض حصل فيه من كثرة بكائه. الثاني: أنه ذهب بصره، قاله مجاهد. {فهو كظيم} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه الكمد، قاله الضحاك. الثاني: أنه الذي لا يتكلم، قاله ابن زيد. الثالث: أنه المقهور، قاله ابن عباس، قال الشاعر: شعر : فإن أك كاظماً لمصاب شاسٍ فإني اليوم منطلق لساني تفسير : والرابع: أنه المخفي لحزنه، قاله مجاهد وقتادة، مأخوذ من كظم الغيظ وهو إخفاؤه، قال الشاعر: شعر : فحضضت قومي واحتسبت قتالهم والقوم من خوفِ المنايا كظم تفسير : قوله عز وجل: {قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف} قال ابن عباس والحسن وقتادة معناه لا تزال تذكر يوسف، قال أوس بن حجر: شعر : فما فتئت خيل تثوبُ وتدّعي ويلحق منها لاحق وتقطّعُ تفسير : أي فما زالت. وقال مجاهد: تفتأ بمعنى تفتر. {حتى تكون حرضاً} فيه ثلاثة تأويلات. أحدها: يعني هرماً، قاله الحسن. والثاني: دنفاً من المرض، وهو ما دون الموت، قاله ابن عباس ومجاهد. والثالث: أنه الفاسد العقل، قاله محمد بن إسحاق. وأصل الحرض فساد الجسم والعقل من مرض أو عشق، قال العرجي. شعر : إني امرؤلجّ بي حُبٌّ فأحرضني حتى بَليتُ وحتى شفّني السقم تفسير : {أو تكون من الهالكين}يعني ميتاً من الميتين، قاله الجميع. فإن قيل: فكيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكاً متمكناً بمصر، وأبوه بحرّان من أرض الجزيرة؟ وهلاّ عجّل استدعاءه ولم يتعلل بشيء بعد شيء؟ قيل يحتمل أربعة أوجه: أحدها: أن يكون فعل ذلك عن أمر الله تعالى، ابتلاء له لمصلحة علمها فيه لأنه نبيّ مأمور. الثاني: أنه بلي بالسجن، فأحب بعد فراقه أن يبلو نفسه بالصبر. الثالث: أن في مفاجأة السرور خطراً وأحب أن يروض نفسه بالتدريج. الرابع: لئلا يتصور الملك الأكبر فاقة أهله بتعجيل استدعائهم حين ملك. قوله عز وجل: {قال إنما أشكو بَثِّي وحزني إلى الله}في بثي وجهان: أحدهما: همّي، قاله ابن عباس. الثاني: حاجتي، حكاه ابن جرير. والبث تفريق الهم بإظهار ما في النفس. وإنما شكا ما في نفسه فجعله بثاً وهو مبثوث. {وأعلم من الله ما لا تعلمون}فيه تأويلان: أحدهما: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، وأني ساجد له، قاله ابن عباس. والثاني: أنه أحست نفسه حين أخبروه فدعا الملك وقال: لعله يوسف، وقال لا يكون في الأرض صدّيق إلا نبي، قاله السدّي. وسبب قول يعقوب{إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}ما حكي أن رجلاً دخل عليه فقال: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله إليه: يا يعقوب تشكوني؟ فقال: خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. وكان بعد ذلك يقول{إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَوَّلَتْ} زينت، أو سهلت. {أمْرًا} قولكم إنه سرق. {بِهِمْ جَمِيعاً} يوسف وبنيامين والأخ المتخلف بمصر.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} هذا الإضراب لا بدَّ له من كلامٍ قبله متقدم عليه يضرب هذا عنه، والتقدير: فرجعوا إلى أبيهم، وذكروا له ما قال كبيرهم، فقال يعقوب: ليس الأمر كما ذكرتم حقيقة، {بل سولت}: زيَّنَتْ {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} أي حمل أخيكم إلى مصر، وليس المراد منه الكذب كواقعة يوسف. وقيل: {سولت لكم أنفسكم} أنَّه سرق، ما سرق. {فصبر جميل} وتقدَّم الكلام على نظيره، وقال هناك: {والله المستعان على ما تصفون} وقال ههنا {عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً}. قال بعضهم: يعنى يوسف، وبنيامين، وأخاهم المقيم بمصر. وإنَّما حكم بهذا الحكم؛ لأنَّه لما طال حزنه وبلاؤه علم أنَّ الله سيجعل له فرجاً ومخرجاً عن قريب، فقال ذلك على سبيل حسن الظنِّ برحمة الله تعالى. وقيل: لعلَّه كان قد أخبر من بعد محنته بيوسف أنه حي، أو ظهرت له علامات على ذلك. ثم قال: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} العليم بحقائقِِ الأمْرِ، الحكيم فيها على الوجه المطابق للفضل، والإحسان. وقيل: العليم بحزني، ووجدي على فقدهم، الحكيم في تدبير خلقه. قوله تعالى: {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يٰأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} الآية. لما سمع يعقوب كلام بنيه، ضاق قلبه، وهاج حزنهُ على يوسف، فأعرض عنهم: {وقال يا أسفى على يوسف} يا حزنا على يوسف. والأسفُ: أشدُّ الحُزْنِ، وإنما عظم حزنهُ على مُفارقةِ يوسف عند هذه الواقعة لوجوه: الأول: أنَّ الحزن القديم الكامل إذا وقع عليه حزن آخر كان أوجع، قال متمّم بن نويرة: [الطويل] شعر : 3133ـ فَقَالَ أتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رأيتَهُ لِمَيْتٍ ثَوَى بَيْنَ اللِّوى والدَّكَادِكِ فقُلْتُ لَهُ: إنَّ الأسَى يَبْعَثُ الأسَى فدَعْنِي فَهذَا كُلُّهُ قَبْرُ مَالِكِ تفسير : وذلك؛ لأنه كلما رأى قبراً تجدَّ عليه حزنه على أخيه مالك، فلاموهُ؛ فأجاب: إنَّ الأسى يبعث الأسى. الثاني: أنَّ ينيامين، ويوسف كانا من أمٍّ واحدة، وكانت المشابهة بينهما في الصِّفة متقاربة، فكان يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ يتسلّى برؤيته عن رؤية يوسف عليه السلام، فلما وقع ما وقع، زال ما يوجبُ السَّلوة، فعظم الألم. الثالث: أنَّ المصيبة بيوسف كانت أصل مصائبه الَّتي عليها ترتب سائر المصائب، فكان الأسفُ عليه أسفاً على الكُلِّ. الرابع: أنَّ هذه المصائب كانت أسبابها جارية مجرى الأمور المعلومةِ، فلم يبحث عنها وأمَّا واقعة يوسف صلوات الله وسلامه عليه فهو عليه السلام كان يعلمُ كذبهم في السَّببِ الذي ذكروه، وأما السَّببُ الحقيقي، فلم يعلمه. وأيضاً: أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يعلم حياة هؤلاء، وأمَّا يوسف فما كان يعلم أنَّه حي، أو ميت، فلهذه الأسباب عظم حزنه على مفارقته. قوله: {يٰأَسَفَا} الألف منقلبة عن ياء المتكلم، وإنَّما قلبت ألفاً؛ لأنَّ الصَّوت معها أتم، ونداؤه على سبيل المجازِ، كأنَّه قال: هذا أوانُك فاحضر، نحو: "يَا حَسْرَتَا". وقيل هذه ألف الندبة، وحذفت هاء السَّكت وصلاً. قال الزمخشريُّ: والتَّجانس بين لفظتي الأسف، ويوسف ممَّا يقعُ مطبوعاً غير متعمل فيملح، ويبدع، ونحوه: {أية : ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ}تفسير : [التوبة:38] {أية : يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}تفسير : [الأنعام:26] {أية : يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ}تفسير : [الكهف:10] {أية : مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ}تفسير : [النمل:22]. قال شهابُ الدِّين: ويسمَّى هذا النَّوع تجنيس التَّصريف، وهو أن تشترك الكلمتان في لفظ، ويفرق بينهما بحرف ليس في الأخرى، وقد تقدَّم [الأنعام:26]. وقرأ ابن عباسٍ، ومجاهدٌ "مِنَ الحَزَن" بفتحتين، وقتادة بضمتين والعامة بضمة فسكون. فالحُزْن، والحَزَن، كالعُدْمِ، والعَدَم، والبُخْل والبَخَل، وأمَّا الضمتان فالثانية إتباعٌ. وقال الواحديُّ: اختلفوا في الحُزْنِ، الحَزَن، فقال قومٌ: الحُزْن: البُكاء والحَزَن ضد الفرحِ، وقال قومٌ: هما لغتان، يقال: أصَابهُ حُزْنٌ شديدٌ وحَزنٌ شديدٌ، إذا كان في مواضع النَّصب، فتحوا الحاء، والزَّاي كقوله: {أية : تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً}تفسير : [التوبة:92]، وإذا كان في موضع الرفع، والخفض فبضم الحاءِ، كقوله: {مِنَ ٱلْحُزْنِ} وقوله: {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ} قال: هما في موضع رفع بالابتداء. و"كَظِيمٌ" يجوز أن يكون مبالغة بمعنى فاعل، وأن يكون بمعنى مفعول، كقوله: {أية : وَهُوَ مَكْظُومٌ}تفسير : [القلم:48] وبه فسَّرهُ الزمخشريُّ، فإن كان بمعنى الكَاظِم فهو الممسك على حزنه فلا يظهره، وإن كان بمعنى المكظُومِ، فقال ابنُ قتيبة: "معناه المملوء من الهمّ، والحزن مع سدّ طريق نفسه المصدور، من كَظَمَ السِّقاء، إذا اشتدّ على ملئه، ويجوز أن يكون بمعنى مَمْلُوء من الغيظِ على أولاده". فصل تقدَّم الكلام على الأسفِ، وأمَّا قوله: {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ} فقيل: إنَّه لما قال: {يٰأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} غلبه البُكَاءُ، وعند غلبةِ البُكاءِ يكثرُ الماء في العين، فتصير العينُ كأنها ابيضَّت من بياض ذلك الماءِ، فقوله: {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ} كناية عن غلبة البكاءِ. رواه الواحدي عن ابن عبَّاسٍ. وقال مقاتلٌ: كناية عن العمى، فلم يبصر بهما شيئاً حتى كشفهُ اللهُ ـ تعالى ـ بقميص يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ بقوله: {أية : فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً}تفسير : [يوسف:93]، وقال: {أية : فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيراً}تفسير : [يوسف:96]: ولأنَّ الحزن الدَّائم، يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى؛ لأنَّه يوجب كُدُورة على سوادِ العين. وقيل: ما عمي، ولكنَّه صار بحيثُ يدرك إدراكاً ضعيفاً؛ كما قال: [الطويل] شعر : 3134ـ خَلِيليَّ إنِّي قَدْ غَشِيتُ مِنَ البُكَا فهَلْ عِنْدَ غَيْرِي مُقلَةٌ اسْتَعِيرُهَا تفسير : قيل: ما صحَّت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه، وتلك المدة ثمانون سنةن وما كان على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ. قوله: "تَفْتَؤ" هذا جواب القسم في قوله: "تَاللهِ" وهو على حذف لا أي: لا تفتؤ كقول الشَّاعر: [البسيط] شعر : 3135ـ تَاللهِ على الأيَّامِ ذُو حَيَدٍ بمُشْمَخرِّ بِهِ الظَّيَّانُ والآسُ تفسير : أي: لا تبقى، ويدلُّ على حذفها: أنَّهُ لو كان مثبتاً؛ لاقترن بلام الابتداء ونون التَّوكيد معاً عند البصريين، أو إحداهما عن الكوفيين، وتقول: واللهِ أحبُّك: تريد لأحبك، وهو من التَّوريةِ، فإن كثيراً من النَّاس يتبادر ذهنه إلى إثباتِ المحبَّة، و"تَفْتَأ" هنا ناقصة بمعنى لا تزال. قال ابنُ السِّكيت: "ما زِلتُ أفعله، ما فَتِئت أفعلهُ، ما بَرحْتُ أفْعَلُه، ولا يتكلم بهنَّ إلاَّ في الجحد". قال ابن قتيبة: "يقال: مَا فترت ومَا فَتِئت، لغتان، ومعناه: ما نسيته، وما انقطعتُ عنه"، وإذا كانت ناقصة؛ فهي ترفع الاسم، وهو الضمير، وتنصب الخبر، وهو الجملة من قوله: "تَذْكرُ" أي: لا تزالُ ذاكراً له، يقال: ما فَتِىء زيدٌ ذاهباً؛ قال أوس بن حجرٍ: [الطويل] شعر : 3136ـ فَمَا فَتِئَتْ حَتَّى كَأنَّ غُبَارهَا سُرَادِقُ يَوْمٍ ذِي ريَاحٍ تُرَفَّعُ تفسير : وقال أيضاً: [الطويل] شعر : 3137ـ فَمَا فَتِئَتْ خَيلٌ تَثوبُ وتدَّعِي ويَلحَقُ منهَا لاحِقٌ وتُقطَّعُ تفسير : وعن مجاهدٍ: لا تفتر؛ قال الزمخشريُّ: كأنه جعل الفُتُوء، والفُتُورَ أخوين، كما تقدَّم عن ابنِ قتيبة، وفيهما لغتان: "فَتَأ" على وزن "ضَرَبَ"، و "أفْتَأ" على وزن "أكْرَمَ"، وتكون تامَّة بمعنى: "سَكَنَ وأطْفَأ" كذا قاله ابنُ مالكٍ. وزعم أبُو حيَّان: أنه تصحيفٌ منه، وإنَّما هي فَثَأ بالثَّاءِ المثلثة، ورسمت هذه اللَّفظة "تَفْتَؤ" بالواو، والقياس "تَفْتَأ" بالألف، وكذلك يوقف لحمزة بالوجهين اعتباراً بالخطِّ، والقياس. قوله: "حَرَضاً": الحَرَضُ: الإشفاءُ على الموت، يقال منه: حَرَضَ الرَّجلُ يحرُض حرضاً بفتح الرَّاء، فهو حرض بكسرهَا، فالحرض مصدر من هذه المادَّة فيجيء في الآية الأوجه التي في "رجُلُ عدلٌ" كما تقدم. ويطلق المصدر من هذه المادَّة على: "الجُثث" إطلاقاً شائعاً؛ ولذلك يستوي فيه المفرد، والمثنى، والمجموع، والمذكر، والمؤنث، تقول: هو حرضٌ، وهما حرضٌ وهُم حَرَضٌ، وهي حَرَضٌ، وهُنَّ حَرَضٌ؛ ويقال: رجلٌ حُرُضٌ بضمتين، نحو: جُنُب،وشُلُل. ويقال: أحْرَضهُ كذا، أي أهلكهُ؛ قال: [البسيط] شعر : 3138ـ إنِّي أمرؤُ لجَّ بِي حُبٌّ فأحْرَضنِي حتَّى بَلِيتُ وحتَّى شَفَّنِي السَّقمُ تفسير : فهو محرض.. قال الشَّاعر: [الطويل] شعر : 3139ـ أرَى المَرْءَ كالأذْوَادِ يُصْبحُ مُحْرَضاً كإحْرَاضِ بكرٍ في الدِّيارِ مَريضِ تفسير : وقرأ بعضهم "حَرِضاً" بكسر الرَّاء. وقال الزمخشريُّ: "وجاءت القراءة بهما جميعاً" يعنى بفتح الراء، وكسرها. وقرأ الحسن: "حُرُضاً" بضمتين، وقد تقدَّم أنه كـ:"جُنُبٍ، وشُلُلٍ"، وزاد الزمخشريُّ: "وغُرُب". وقال الراغب: الحَرَض: ما لا يعتدُّّ به، ولا خيرَ فِيهِ، ولذلك يقال لمن أشرف على الهلاك: حَرَض، قال تعالى: {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً} [يوسف:85]، وقد أحرصهُ كذا قال الشَّاعر: [البسيط] شعر : 3140ـ إنِّي امْرُؤٌ لجَّ بِي همٌّ فأحْرَضْنِي تفسير : والحُرْضَة: من لا يأكلُ إلاَّ لحم الميسر لنذالتهِ، والتَّحريضُ: الحثُّ على الشَّيء بكثرة التَّزيينِ، وتسهيل الخطب فيه، كأنَّه إزالة الحرض نحو: قَذَّيتُه، أي: أزلتُ عنه القَذَى، وأحرضتهُ: أفسدتهُ، نحو: أقذيتهُ: إذا جعلت فيه القَذَى "انتهى". والحُرُضُ: الأشنانُ، لإزالته الفساد، والمِحْرضَة: وعاؤه، وشذوذها كشذوذ: مُنْخُل، ومُسْعُط، ومُكْحُلة. وحكى الواحديُّ عن أهل المعاني: أنَّ أصل الحَرَض: فساد الجسم، والعقل للحزن، والحبِّ، وقولهم: حرَّضتُ فلاناً على فلانٍ، تأويله: أفسدته وأحميته عليه، قال الله تعالى: {أية : حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ}تفسير : [الأنفال:65]. وإذا عرفت هذا فوصف الرَّجُل بأنه حرض إمَّا أن يكون المراد منه: ذو حرض فحذف المضاف، أو المراد منه: أنَّه لما تناهى في الفسادِ، والضعف؛ فكأنَّه صار عين الحرضِ، ونفس الفسادِ، وأمَّا الحَرِض ـ بكسر الراء ـ فهو الصِّفة كما قرىء بها وللمفسِّرين فيه عباراتُ: أحدها: الحَرَض، والحَارِضُ، وهو الفساد في جسمه، وعقله. وثانيها: قال نافع بن الأزرق: سئل ابنُ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ فقال: الفاسد الرَّأي. وثالثها: أنه هو الذي يكون لا كالأحياء، ولا كالأموات. وذكر أبو روق أنَّ أنس بن مالك قرأ: {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً} بضمِّ الحاء وسكون الرَّاء. ثم قال تعالى: {أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ} من الأموات، والمعنى: لا تزال تذكر يوسف بالحزن، والبكاء عليه حتى تصير بحيث لا تنتفع بنفسك، أو تموت من الغمّ، وأرادوا بذلك منعه من كثرةِ البُكاءِ، والأسف. فإن قيل: لم حلفوا على ذلك مع أنَّهم لم يعلموا ذلك قطعاً؟. فاالجواب: أنَّهم بنوا الأمر على الظَّاهر. قال المفسِّرون: القائل هذا الكلام، وهو قوله: {تالله تفتؤ تذكر يوسف} هم إخوة يوسف، وقال بعضهم: ليسوا الإخوة، بل الجماعة الذين كانوا في الدَّار من أولاده وخدمه، فقال يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} والبَثُّ: أشدُّ الحزن، كأنَّه لقوته لا يطاق حمله، فيبثه الإنسان، أي: يفرِّقه، ويذيعه وقد تقدَّم [آل عمران:186] أنَّ أصل هذه المادَّة الدلالة على الانتشار، وجوَّز فيه الرَّاغب هنا وجهين: أحدهما: أنه مصدر في معنى المفعولِ، قال: "أي: غمّي الذي يبثه عن كتمانٍ، فهو مصدر في تقدير مفعول، أو يعني غمِّي الذي بثَّ فكري، فيكون في معنى الفاعل". وقرأ الحسن وعيسى "وحَزَنِي" بفتحتين، و قتادة بضمتين، وقد تقدم. فصل المعنى: أن يعقوب ـ عليه السلام ـ لما رأى غلظتهم، قال: إنَّما أشكو شدَّة حزني إلى الله، وسمَّى شدَّة الحزن بثًّا؛ لأنَّ صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثه، أي: [يظهره]. وقال الحسن: بَثِّي، أي: حاجتي، والمعنى: أنَّ هذا الذي أذكره لا أذكره معكم، وإنَّما أذكره في حضرةِ الله ـ تعالى ـ والإنسان إذا ذكر شكواه إلى الله ـ تعالى ـ كان في زمرة المحققين. وروي أنَّهُ قيل له: يا يعقوب: ما الذي أذهب بصرك، وقوَّس ظهرك؟ قال: أذهب بصري بكائي على يوسف، وقوس ظهري حزني على أخيه؛ فأوحى الله إليه: أتشكوني وعزتي لا أكشف ما بك حتى تدعوني، فعند ذلك قال: {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ} ثم قال: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: أعلمُ من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، وهو أنَّه ـ تعالى ـ يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسبه، وهو إشارة إلى أنه كان يتوقَّع رجوع يوسف إليه، وذكروا لسبب هذا التوقع وجوهاً: أحدها: أنَّ مالك الموت أتاهُ فقال له: يا مالك الموتِ! هل قبضت روح ابني يوسف قال: لا يا نبيَّ الله، ثمَّ أشار إلى جانب مصر، وقال: اطلبهُ هاهنا. وثانيها: أنه علم من رؤيا يوسف عليه السلام أنَّها صادقةٌ، وأنا وأنتم سنسجد له. وثالثها: لعلَّه ـ تعالى ـ أوحى إليه أنَّه سيوصله إليه، ولكنَّه ـ تعالى ـ ما عيَّن الوقت؛ فلهذا بقي في القلب. ورابعها: قال السديُّ: لما أخبره بنوه بسيرة الملك، وحاله في أقواله، وأفعاله؛ طمع أن يكون هو يوسف، وقال: لا يبعدُ أن يملك الكفَّار مثلُ هذا. وخامسها: علم قطعاً أن بنيامين لا يسرقُ، وسمع أنَّ الملك ما آذاه، ولا ضربه؛ فغلب على [ظنه] أنَّ ذلك الملك هو يوسف عليه السلام، فعند ذلك قال: {يا بني اذهبوا فتحسّسوا من يوسف وأخيه} أي: استقصوا خبره بحواسِّكم، والتَّحَسُّسُ: طلب الشَّيء بالحاسَّة. قال ابنُ الأنباريِّ "يقالُ: تَحَسَّسْتُ عن فلانٍ، ولا يقال: من فلان، وقيل: ههنا من يوسف؛ لأنه أقيم: "مِنْ" مقام: "عَنْ" قال: ولا يجوز أن يقال: "مِنْ" للتبعيض، والمعنى: تحَسَّسُوا خبراً من أخبار يوسف، واستعملوا بعض أخبار يوسف فذكرت كلمة "مِنْ" لما فيها من الدلالة على التبعيض". والتحسُّسُ: يكون في الخيرِ والشَّر، وقيل: بالحاء في الخير، وبالجيم في الشَّر، ولذلك قال هاهنا: "فتَحَسَّسُوا"، وفي الحجرات: {أية : وَلاَ تَجَسَّسُواْ}تفسير : [الحجرات:12]. وليس كذلك فإنه قد قرىء بالجيم هنا. ثم قال: {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ} وتقدَّم الخلاف في قوله: {وَلاَ تَيْأَسُواْ}. وقرأ الأعرج: "ولا تَيْسُوا" وقرأ العامة: "رَوْحِ اللهِ" بالفتح، وهو رحمته وتنفيسه. قال الأصمعيُّ رحمه الله "الرَّوحُ ما يجدهُ الإنسان من نسيم الهوى، فيسكن إليه، وتركيب الرَّاء، والواو، والحاء يفيد الحركة، وهو الاهتزازُ، فكلُّ ما يهتزُّ له الإنسان، ويلتذُّ بوجوده فهو روح". قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: {لا تيأسو من روح الله} أي من رحمته وعن قتادة من فضل الله، وقيل: مِن فَرِجِِ اللهِ. وقرأ الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة ـ رضي الله عنهم ـ بضمِّ الراء. قال الزمخشريُّ: "لا تَيْأسوا، أي: من رحمته التي يحيى بها العباد". وقال ابن عطية: وكأن معنى هذه القراءة لا تيأسوا من حي معه روح الله الذي وهبه فإن من بقي روحه يرجى؛ ومن هذا قول الشاعر: [الطويل] شعر : 3141ـ..................... وفِي غَيْرِ من قَدْ وَارتِ الأرضُ فاطْمَعِ تفسير : ومن هذا قول عبيد بن الأبرص: [مخلع البسيط] شعر : 3142ـ وكُلُّ ذِي غيبَةٍ يَئُوبُ وغَائِبُ المَوتِ لا يَئُوبُ تفسير : وقرأ أبي: مِنْ رحْمةِ اللهِ، و"عِنْدَ اللهِ": "مِنْ فضلِ الله" تفسير لا تلاوة. وقال أبو البقاء: "والجمهور على فتح الرَّاء، وهو مصدر في معنى الرَّحمة إلا أنَّ استعمال الفعل منه قليل، وإنِّما يستعمل بالزِّيادة، مثل أراح، وروَّح، ويقرأ بضمِّ الرَّاء، وهي لغةٌ فيه، وقيل: هو اسم للمصدر، مثل الشُّربِ والشَّرب". ثم قال: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} قال ابن عبَّاس: إن المؤمن من من الله على خير يرجوه في البلاءِ، ويحمده في الرَّخاء. واعلم أنَّ اليأس من رحمة الله لا يحصلُ إلاَّ إذا اعتقد الإنسان أنَّ إله العالم غير قادر على الكمالِ، أو غير عالم بجميع المعلوماتِ، أو ليس بكريمٍ، بل هو بخيلٌ، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، والمعنى: أنَّ اليأس لا يحصل إلاَّ لمن كان كافراً، والله أعلم. فصل روي عن عبدالله بن يزيد بن أبي فروة: أنَّ يعقوب كتب كتاباً إلى يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين حبس بنيامين: "من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إلى ملك مصر، أما بعد: فإنا أهلُ بيتٍ، وكل بنا البَلاءُ، أما جدّي إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ فشُدَّتْ يداه، ورجلاه، وألقي في النَّار؛ فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأمَّا أبي فشدَّت يداه ورجلاه، ووضع السِّكين على قفاه؛ ففداه الله، وأمَّا أنا فكان لي ابنٌ، وكان أحبَّ أولادي إليّ، فذهب به إخوته إلى البرِّيةِ، ثم أتوني بقميصه ملطّخاً بالدَّم، فقال: أكله الذِّئب؛ فذهبت عيناي، ثمَّ كان لي ابن، وكان أخاه من أمه، وكنت أتسلى به، وإنِّك حبسته، وزعمتَ أنَّه سرق، وإنَّا أهل بيتٍ لا نسرقُ، ولا نَلِدُ سَارقاً، فإن ردَدْتَهُ عليّ، وإلاَّ دَعوتُ علَيْكَ دعْوة تُدرِكُ السَّابعَ من وَلدِك". فلما قرأ يوسف لم يتمالك البُكاء، [وعيل] صبره، وأظهر نفسه على ما يأتي إن شاء الله تعالى. قال ابن الخطيب: في الآية سؤالات: الأول: أنَّ بلوغ يعقوب في محبة يوسف إلى هذا الحدِّ العظيم لا يليقُ إلا لمنْ كان غافلاً عن الله ـ تعالى ـ؛ لأنَّ من عرف اللهِ؛ أحبه، من أحبَّ اللهَ لم يتفرغْ قلبه بحب شيءٍ سوى اللهِ ـ تعالى وأيضاً: القلبُ الواحدُ لا يسع الحب المستغرب لشيئين، فلمَّا كان قلبه مستغرقاً في حبّ ولده؛ امتنع أن يقال: إنَّه كان مستغرقاً في حبّ الله ـ تعالى ـ؟. السؤال الثَّاني: أنَّه عند استيلا ء الحزن الشَّديد عليه؛ كان من الواجب عليه أن يشتغل بذكر اللهِ ـ تعالى ـ والتفويض، والتَّسليم لقضائه. وأما قوله: {يا أسفى على يوسف}، فذلك لا يليقُ بأهل الدِّين والعلم فضلاً عن أكابرِ الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ أجمعين؟. السؤال الثالث: لا شكّ أن يعقوب عليه الصلاة والسلام ـ كان من أكابر الأنبياء وكان أبوه، وجده، وعمه كلهم من أكابر الأنبياء المشهورين في جميع الأنبياء ومن كان كذلك، ثم وقعت له واقعةٌ هائلة في أعزِّ أولاده، لم تبق تلك الواقعة خفيَّة، بل لا بدَّ، وأن تبلغ في الشُّهرة إلى حيث يعرفها كل أحدٍ، لا سيما، وقد انقضت المدَّة الطويلة فيها، وبقي يعقوب على حزنه الشديد، وأسفه العظيم، وكان يوسف في مصر، وكان يعقوب في بعض [بوادي] الشَّام قريباً من مصر، فمع قرب المسافة يمتنع بقاء هذه الواقعة خفية. السؤال الرابع: لِمَ لَمْ يبعث يوسف إلى يعقوب ويعلمه أنَّه من الحياة ـ صلاة الله عليهما ـ وفي السَّلامة ولا يقال: إنه كان يخاف إخوته؛ لأنه بعد أن صار ملكاً قاهراً يمكنه إرسال الرسول إليه، وإخوته ما كانوا يقدرون على دفع رسوله؟. السؤال الخامس: كيف جاز ليوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يضع الصَّواعَ في وعاءٍ أخيه، ثم يستخرجه ويلصقُ به تهمة السرقة مع أنَّه كان بريئاً عنها. السؤال السادس: كيف رغب في إلصاق هذه التُّهمة له، وحبسه عند نفسه مع أنَّهُ كان يعلم أنه يزداد حزن أبيه ويقوى؟. والجواب عن الأول: أنَّ مع مثل هذه المحبة الشَّديدة يكون كثير الرُّجوع إلى الله ـ تعالى ـ كثير الاشتغال بالدُّعاء، والتضرُّع، وذلك يكون سبباً لكمال الاستغراق وعن الثاني: أنَّ الداعية الإنسانية لا تزول في الحياة العاجلة، فتارة كان يقول {يا أسفى على يوسف} وتارة كان يقول: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} وأما بقية الأسئلة، فالقاضي أجاب عنها فقال: هذه الوقائعُ الَّتي نقلت إلينا إمَّا أن يمكن تخريجها على الأحوال المعتادة أو لا يمكن، فإن كان الأوَّل، فلا إشكالَ وإن كان الثاني فنقول: كان الزَّمان زمان الأنبياء، وخرق العادة في ذلك الزمان غير مستبعدٍ، فلم يمتنع أن يقال: إنَّ بلدة يعقوب مع أنها كانت قريبة من بلدة يوسف ـ عليه والسلام ـ ولكن لم يصل خبر أحدهما إلى الآخر على سبيل يقتضي العلم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً}. لجأ إلى قُرْبِ خلاصه من الضُرِّ بالصبر. ويقال لما وعد من نفسه الصبر فلم يُمْسِ حتى قال: {يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} ليُعْلَمَ أنَّ عَزْمَ الأحبابِ على الصبر منقوضٌ غيرُ محفوظ.
اسماعيل حقي
تفسير : فقيل {قال} يعقوب عندما رجعوا اليه فقالوا له ما قاله لهم اخوهم {بل} اضراب عما يتضمن كلامهم من ادعاء البراءة من التسبب فيما نزل به وانه لم يصدر منهم ما يؤدى الى ذلك من قول او فعل كأنه قيل لم يكن الامر كذلك بل {سولت لكم} زينت وسهلت {انفسكم امرا} من الامور اردتموه ففعلتموه وهو فتواكم ان جزاء السارق ان يؤخذ ويسترق والا فما ادرى الملك ولولا فتواكم وتعلمكم لما حكم الملك بذلك ظن يعقوب عليه السلام سوءا بهم كما كان فى قصة يوسف قبل فاتفق ان صدق ظنه هناك ولم يتحقق هنا. قال السعدى [دروغ كفتن بضربت لازب ماند كه اكر نيز جراحت درست شود نششان بماند جون برادران يوسف بدروغى موسوم شدند بر راست كفتن ايشان نيز اعتماد نماند] قال الله تعالى {بل سولت لكم} الآية شعر : كسى را كه عادت بزد راستى خطا كر دند در كذارند ازو وكر نامور شد بناراستى دكر راست باور ندارند ازو تفسير : {فصبر جميل} اى فامرى صبر جميل وهوان لا يكون فيه شكوى الى الخلق وعن ابى الحسن قال خرجت حاجا الى بيت الله الحرام فبينا انا اطوف واذا بامرأة قد اضاء حسن وجهها فقلت والله ما رأيت الى اليوم قط نضارة وحسنا مثل هذه المرأة وما ذاك الا لقلة الهم والحزن فسمعت ذلك القول منى فقالت كيف قلت يا هذا الرجل والله انى لوثيقة بالاحزان مكلومة الفؤاد بالهموم والاشجان ما يشركنى فيها احد فقلت وكيف ذلك قال ذبح زوجى شاه ضحينا بها ولى ولدان صغيران يلعبان وعلى يدى طفل يرضع فقمت لاصنع لهم طعاما اذ قال ابنى الكبير للصغير ألا اريك كيف صنع ابى بالشاة قال بلى فاضطجعه وذبحه وخرج هاربا نحو الجبل فاكله ذئب فانطلق ابوه فى طلبه فادركه العطش فمات فوضعت الطفل وخجرت الى الباب انظر ما فعل ابوهم فدب الطفل الى البرمة وهى على النار فالقى يده فيها وصبها الى نفسه وهى تغلى فانتشر لحمه من عظمه فبلغ ذلك ابنة لى كانت عند زوجها فرمت بنفسها الى الارض فوافقت اجلها فافردنى الدهر من بينهم فقلت لها فكيف صبرك على هذه المصائب العظيمة فقالت ما من احد ميز الصبر والجزع الا وجد بينهما منهاجا متفاوتا فاما الصبر بحسن العلانية فمحمود العاقبة واما الجزع فصاحبه غير معوض ثم اعرضت وهى تنشدنى شعر : صبرت وكان الصبر غير معول وهل جزع يجدى علىّ فاجزع صبرت على ما لو تحمل بعضه جبال غرور أصبحت تتصدع ملكت دموع العين حتى رددتها الى ناظرى فالعين فى القلب تدمع تفسير : {عسى الله ان ياتينى بهم جميعا} [شايدكه خداى تعالى آورد همه ايشانرا بمن] اى بيوسف واخيه والمتوقف بمصر فانهم حين ذهبوا الى البادية اول مرة كانوا اثنى عشر فضاع يوسف وبقى احد عشر ولما ارسلهم الى مصر فى الكرة الثانية عادوا تسعة لان بنيامين حبسه يوسف واحتبس ذلك الكبير الذى قال فلن ابرح الارض فلما بلغ الغائبون ثلاثة لاجرام اورد صيغة الجمع {انه هو العليم} بحال فى الحزن والاسف {الحكيم} الذى لم يبتلنى الا لحكمة بالغة. واعلم ان البلاء على ثلاثة اضرب. منها تعجيل عقوبة للعبد. ومنها امتحان ليبرز ما فى ضميره فيظهر لخلقه درجته اين هو من ربه. ومنها كرامة ليزداد عنده قربة وكرامة. واما تعجيل العقوبة فمثل ما نزل بيوسف عليه السلام من لبثه فى السجن بالهم الذى هم به ومن لبثه بعد مضى المدة فى السجن بقوله {أية : اذكرنى عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث فى السجن بضع سنين} تفسير : ومثل ما نزل بيعقوب كما قال وهب اوحى الله الى يعقوب أتدرى لما عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة قال لا الهى قال لانك شويت عناقا وقترت على جارك واكلت ولم تطعمه -وروى- ان سبب ابتلاء يعقوب انه ذبح عجلا بين يدى امه وهو يخور. وقيل اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت -وروى- انه اوحى اليه انما وجدت عليكم لانكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه منها شيئا. واما الامتحان فمثل ما نزل بايوب عليه السلام قال تعالى {أية : انا وجدناه صابرا نعم العبد انه اواب}تفسير : . واما الكرامة فمثل ما نزل بيحيى بن زكريا عليهما السلام ولم يعمل خطئية قط ولم يهم بها فذبح ذبحا واهدى رأسه الى بغى من بغايا بنى اسرائيل وفى الكل عظم الاجر والثواب بالصبر وعدم الاضطراب. وقام بعضهم ليقضى ورده من الليل فاصابه من شدته فجازت عليه سنة فقال له قائل ما جزاء ان انمناهم واقمناك الا ان تبكى علينا فانتبه واستغفر. قال ابو القاسم القشيرى سمعت الاستاذ ابا على الدقاق يقول فى آخر عمره وقد اشتدت به العلة من امارات التأييد حفظ التوحيد فى اوقات الحكم ثم قال كالمفسر لفعله مفسرا لما كان فيه من حاله وهو ان يقرضك بمقاريض القدرة فى امضاء الاحكام قطعة قطعة وانت ساكن خامد: قال الحافظ شعر : عاشقانرا كردر آتش مى بسندد لطف يار تنك جشم كرد نظر جشمه كوثركنم
الطوسي
تفسير : هذا حكاية ما قال يعقوب لبنيه حين قالوا له ما تقدم ذكره، فإنه قال {بل سولت لكم أنفسكم} وقال قتادة معناه بل زيّنت. وقال غيره: معناه سهّلت. والتسويل حديث النفس بما تطمع فيه، ومنه السؤل، والمنى، ويقال اعطاك الله سؤلك، فكأنه قال هذا من تقدير النفس فيما تطمع ان يكون. ثم اخبر يعقوب، فقال {صبر جميل} اي شأني او أمري صبر جميل، فعلى هذا يكون واقع بأنه خبر الابتداء. ويجوز ان يكون ابتداء، وخبره محذوف، وتقديره فصبر جميل امثل من غيره، والصبر حبس النفس عما تنازع اليه مما لا يجوز. والصابر على هذا الوجه من صفات المدح، والجميل معناه - ها هنا - ما يتقبله العقل، وقد يسمى ما يتقبله الطبع بأنه جميل. وقوله {عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً} يعني روبيل وابن يامين ويوسف {إنه هو العليم الحكيم} معناه - ها هنا - انه عليم بحسرتي على فقد اولادي وصدق ما يقولونه من كذبه، انه الحكيم في تدبيره بخلقه، عسى ان يأتيني بهم اجمع.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} معنى ظاهره انّ ابنى ما سرق وانّكم تكذبون وخدعتمونى فى اذهابه، كما انّ معنى هذه الكلمة كان فى قصّة يوسف (ع) هكذا والحال انّهم ما خدعوا فى بنيامين وما كذبوا فى اتّهامه بالسّرقة وما سوّلت لهم انفسهم فى حقّه امراً، ويعقوب (ع) كان نبيّاً ولم يفرّق بين القضيّتين والجواب انّ المعنى بل سوّلت لكم انفسكم فى يقينكم بنسبة السّرقة اليه والحال انّه ما سرق او سوّلت لكم انفسكم وزيّنت اصراركم على اذهابه بمظنّة تكثير النّفع غافلاً عن تقديري الرّبّ فجعلتمونى مضطرّاً فى الاذن وادخلتموه فى الضّرر {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ} بثلاثتهم {جَمِيعاً} فانّ الصّبر مفتاح الفرج {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ} بعواقب الامور ولعلّ الابتلاء بفراقهم كان خيراً لى ولهم {ٱلْحَكِيمُ} فى فعاله يفعل ما يقتضيه حكمته وهو تسلية لنفسه وتسهيل للصّبر على البلاء.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} أبوهم بعد ذلك {بَل سوَّلت} زينت وسهلت {لكُم أنفسُكم أمراً} فعملتموه كيدا لأخيكم، وإلا فمن أعلم الملك أن السارق يستعبد بسرقته لولا فتواكم وتعليمكم، اتهمهم لما سبق منهم فى أمر يوسف. وإن قلت: إذا كان استرقاق السارق حكما شرعيّاً فكيف ينكر عليهم تعليم الملك إياه؟ قلت: لم ينكر عليهم التعليم، وإنما أراد أن الملك لا يعلم هذا الحكم، وإنما علمتم أنتم لأمر جائز يتوصلون إليه، أو أنكره عليهم، لأن هذا حكم من سرق من مصر، وهذا على أنه لا يعلم أن ملك مصر مؤمن، وقيل: بل زينت لكم أنفسكم أمرا هو حمل أخيكم إلى مصر، لطلب نفع عاجل هو حمل البعير المزاد فآل أمركم إلى ما آل، وقيل: بل خيلت لكم أنه سرق وما سرق. {فصبرٌ جميلٌ عَسَى الله أن يأتينى بهِم جَميعا} أى بالثلاثة أو الأربعة الباقين، لما اشتد بلاؤه أخذ ينادى: من يريد الفرج وأحسن الظن بالله سبحانه، طمع أيضا بدعاء الملائكة أن يجمع الله بينه وبين أولاده كما مر. قال شاعر: شعر : وكلُّ الحادثات إذا تناهت يكون وراءَها فرجٌ قريب تفسير : وقال آخر: شعر : إذا تضايق أمر فانتظر فرجاً وأضيق الأمر أدناه إلى الفرج تفسير : وقال آخر: شعر : فلا تجز عنَّ إن أظلم الدهر مرة فإن اعتكار الليل يؤذن بالفجر تفسير : فلما جرى عليه وعلى بنيه من أول الأمر إلى ذلك الوقت من الرؤيا وكيد الإخوة، علم ان الأمر قد تناهى، فقال: {عسى الله أن يأتينى بهم جميعا}. {إنَّه هُو العَليمُ} بخلقه وأحوالهم، ومنها حزنى عليهم وحالهم {الَحكيمُ} فى صنعه فما أبلانى بذلك إلا لحكمة. وقيل: إنه لما فقد يوسف قال: {أية : بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}تفسير : فتعلق بالصبر فأنساه الشيطان حسن الظن بربه فزيد كربه بفراق بنيامين، فصبر وتذكر حسن الظن، عسى الله أن يأتينى بهم جميعا، فأتاه الله بهم جميعا أعنى جمع بينه وبينهم. وروى أنهم لم يقولوا له إن ابنك سرق الصواع، بل قالوا إن ابنك سرق، فقال: وما سرق؟ فقالوا: سرق صواع الملك، استخرج من رحله، فحبسه الملك، وأردنا مقاتلته إذا به أشد منا، ونجانا الله ببركته دعائك، فبكى يعقوب وزينة وعيال أبنائه وأهل خاصته، وقامت عندهم صيحة لحبس بنيامين، ولفقد يهودا وشمعون على ما مر، وليس مرادى بإنساء الشيطان يعقوب حسن الظن بالله سبحانه وتعالى أنه أساء الظن به تعالى، بل ذهل وغفل عن تقوية الرجاء. قال قتادة: إن نبى الله يعقوب ما ساء ظنه بالله تعالى فى طول بكائه ساعة قط، من ليل أو نهار، قيل: نزل ملك الموت على يعقوب عليه السلام فقال: جئتَ لقبض روحى قبل أن أرى أولادى؟ قال: بل جئت زائرا، قال: أقسمت عليك بربك، هل قبضت روح يوسف فى الأرواح؟ قال: بل هو حى سوى، وهو ملك مصر، وله الخزائن والجنود والعبيد، وعن قريب إن شاء الله تعالى ترأه. وفى رواية أنه رآه فى المنام فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ قال: لا والله وهو حى يرزق. وروى أنه زاره فقال: السلام عليك أيها الكظيم، فاقشعر جلده، وارتعدت فرائضه، فرد عليه السلام وقال له: من أنت؟ ومن أدخلك هذا البيت وقد أغلقت على نفسى، وأمرت أن لا يدخل على أحد، وأشكوا بثى وحزنى إلى الله؟ فقال له يا نبى الله أنا الذى أيتِّم الأولاد، وأرمل الأزواج، فقال له: أنت ملك الموت، إذن فأخبرنى عن الأرواح أتقبضها مجموعة أمر مفترقة روحا روحا؟ قال: روحا روحا، قال: هل مرت بك روح يوسف؟ قال: لا، قال: فهل جئتنى زائرا أو داعيا؟ قال: ما جئتك إلا مبشرا، فإن الله لا يميتك حتى يجمع بينك وبين يوسف ولو فى الصخرة التى على قرار الأرض، فعند ذلك حول وجهه عن المحارب لهيجانه شوقا إلى يوسف بهذا، وبفقد بنيامين، لأن المصيبة الحادثة بحديث الحزن للأولى وأعرض بوجهه عنهم أيضا واشتغل بالبكاء كما قال الله عز وجل: {وتَولَّى عَنهم وقالَ...}
الالوسي
تفسير : {قَالَ} أي أبوهم عليه السلام وهو استئناف مبنى على سؤال نشأ مما سبق فكأنه قيل: فماذا كان عند قول ذلك القائل للإخوة ما قال؟ فقيل: قال أبوهم عندما رجعوا إليه فقالوا له ما قالوا: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} وإنما حذف للإيذان بأن مسارعتهم إلى قبول كلام ذلك القائل ورجوعهم به إلى أبيهم أمر مسلم غني عن البيان وإنما المحتاج إليه جوابه. يروى أنهم لما عزموا على الرجوع إلى أبيهم قال لهم يوسف عليه السلام: إذا أتيتم أباكم فاقرؤا عليه السلام وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك أن لا تموت حتى ترى ولدك يوسف ليعلم أن في أرض مصر صديقين مثله، فساروا حتى وصلوا إليه فأخبروه بجميع ما كان فبكى وقال ما قال، {وبل} للإضراب/ وهو على ما قيل إضراب لا عن صريح كلامهم فإنهم صادقون فيه بل عما يتضمنه من ادعاء البراءة عن التسبب فيما نزل به وأنه لم يصدر عنهم ما أدى إلى ذلك من قول أو فعل كأنه لم يكن الأمر كذلك بل زينت وسهلت لكم أنفسكم أمراً من الأمور فأتيتموه يريد بذلك فتياهم بأخذ السارق بسرقته وليس ذلك من دين الملك. وقال أبو حيان إن هنا كلاماً محذوفاً وقع الإضراب عنه والتقدير ليس حقيقة كما أخبرتم بل سولت الخ وهو عند ابن عطية وادعى أنه الظاهر على حد ما قال في قصة يوسف عليه السلام ظن سوء بهم خلا أنه عليه السلام صدق ظنه هناك ولم يتحقق هنا. وذكر ابن المنير في توجيه هذا القول هٰهنا مع أنهم لم يتعمدوا في حق بنيامين سوأً ولا أخبروا أباهم إلا بالواقع على جليته وما تركوه بمصر إلا مغلوبين عن استصحابه أنهم كانوا عند أبيهم عليه السلام حينئذ متهمين وهم قمن باتهامه لما أسلفوه في حق يوسف عليه السلام وقامت عنده قرينة تؤكد التهمة وتقويها وهو أخذ الملك له في السرقة ولم يكن ذلك إلا من دينه لا من دينه ولا من دين غيره من الناس فظن أنهم الذين أفتوه بذلك بعد ظهور السرقة التي ذكروها تعمداً ليتخلف دونهم، واتهام من هو بحيث يتطرق إليه التهمة لا جرح فيه لا سيما فيما يرجع إلى الوالد مع الولد، ثم قال: ويحتمل أن يكون الوجه الذي سوغ له هذا القول في حقهم أنهم جعلوا مجرد وجود الصواع في رحل من يوجد في رحله سرقة من غير أن يحيلوا الحكم على ثبوت كونه سارقاً بوجه معلوم، وهذا في شرعنا لا يثبت السرقة على من ادعيت عليه فإن كان في شرعهم أيضاً كذلك ففي عدم تحرير الفتوى إشعار بأنهم كانوا حراصاً على أخذه وهو من التسويل وإن اقتضى ذلك في شرعهم فالعمدة على الجواب الأول هذا، والتنوين في {أمْراً} للتعظيم أي أمراً عظيماً. {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أي فأمري ذلك أو فصبر جميل أجمل وقد تقدم تمام الكلام فيه فتذكر. {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } بيوسف وأخيه بنيامين والمتوقف بمصر {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ } بحالي وحالهم {ٱلْحَكِيمُ } الذي يبتلى ويرفع البلاء حسب الحكمة البالغة، قيل: إنما ترجى عليه السلام للرؤية التي رآها يوسف عليه السلام فكان ينتظرها ويحسن ظنه بالله تعالى لا سيما بعد أن بلغ الشظاظ الوركين وجاوز الحزام الطبيين فإنه قد جرت سنته تعالى أن الشدة إذا تناهت يجعل وراءها فرجاً عظيماً، وانضم إلى ذلك ما أخبر به عن ملك مصر أنه يدعو له أن لا يموت حتى يرى ولده.
ابن عاشور
تفسير : جعلت جملة {قال بل سولت} في صورة الجواب عن الكلام الذي لقّنه أخوهم على طريقة الإيجاز. والتقدير: فرجعوا إلى أبيهم فقالوا ذلك الكلام الذي لَقّنه إيّاهم (روبين) قال أبوهم: {بل سولت...} الخ. وقوله هنا كقوله لهم حين زعموا أن يوسف ــــ عليه السلام ــــ أكله الذئب، فهو تهمة لهم بالتغرير بأخيهم. قال ابن عطية: ظنّ بهم سوءاً فصدق ظنّه في زعمم في يوسف ــــ عليه السلام ــــ ولم يتحقق ما ظنّه في أمر بنيامين، أي أخطأ في ظنه بهم في قضية (بنيامين)، ومستنده في هذا الظن علمه أن ابنه لا يسرق، فعلم أن في دعوى السرقة مكيدة. فظنه صادق على الجملة لا على التفصيل. وأما تهمته أبناءه بأن يكونوا تمالؤوا على أخيهم بنيامين فهو ظن مستند إلى القياس على ما سبق من أمرهم في قضية يوسف ــــ عليه السلام ــــ فإنه كان قال لهم: { أية : هل آمنكم عليه إلا كما أمِنتكم على أخيه من قبل } تفسير : سورة يوسف (64). ويجوز على النبي الخطأ في الظنّ في أمور العادات كما جاء في حديث ترك إبّار النخل. ولعله اتّهم روبين أن يكون قد اختفى لترويج دعوى إخوته. وضمير {بهم} ليوسف ــــ عليه السلام ــــ وبنيامين وروبين. وهذا كشف منه إذ لم ييأس من حياة يوسف ــــ عليه السلام ــــ. وجملة {إنه هو العليم الحكيم} تعليل لرجائه من الله بأن الله عليم فلا تخفى عليه مواقعهم المتفرقة. حكيم فهو قادر على إيجاد أسباب جمعهم بعد التفرق.
د. أسعد حومد
تفسير : (83) - فَرَجَعَ الأَبْنَاءُ التِّسْعَةُ إِلَى أَبْيهِمْ، وَتَخَلَّفَ كَبِيرُهُمْ فِي مِصْرَ، وَقَصُّوا عَلَى أَبِيهِمْ مَا حَدَثَ لَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ مَا اتَّفَقَ الإِخْوَةُ عَلَى قَوْلِهِ لأَِبِيهِمْ. وَخَشِيَ يَعْقُوبُ أَنْ يَكُونُوا فَعَلُوا بِابْنِهِ الصَّغِير مَا فَعَلُوهُ بِأَخِيهِ يُوسُفَ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ كَرَّرَ نَفْسَ العِبَارَةِ، التِي قَالَهَا لَمَّا أَخْبَرُوهُ عَنْ أَكْلِ الذِّئْبِ يُوسُفَ: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}. ثُمَّ تَرَجَّى اللهَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيهِ أَوْلادَهُ الثَّلاَثَة: يُوسُفَ وَشَقِيقَهُ الأَصْغَرَ، وَالأَخَ الأَكْبَرَ الذِي بَقِيَ فِي مِصْرَ يَتَقَصَّى أَخْبَارَ أَخِيهِ الصَّغِيرِ، وَيَنْتَظِرُ أَمْرَ أَبِيهِ، وَاللهُ هُوَ العَلِيمُ بِالحَالِ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وَقَضَائِهِ. سَوَّلَتْ - زَيَّنَتْ وَسَهَّلَتْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الأمور التي تخالف الضمير؛ ويُستحى منها؛ ويُخشى مَغبَّتها؛ هي أمور تستعصي على النفس؛ وتحتاج النفس إلى علاج حتى تبرزها، وتحتاج إلى مَنْ يُيسّر لها، ما أن تُقدِم على فعل الأمر المستهجن، وهذا ما يُقال له: "سَوَّل". وقول الحق سبحانه على لسان يعقوب: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ..} [يوسف: 83]. أي: يسَّرتْ لكم أنفسكم أمراً يصعب أن تقبله النفوس المستقيمة، وسبق أن قال يعقوب لحظةَ أنْ جاءوا له بقميص يوسف وعليه الدم الكاذب: {أية : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} تفسير : [يوسف: 18]. وهنا طلب يعقوب عليه السلام العون مما يدل على أن ما قالوه، وكذلك أحداث القصة لن تقف عند هذا الحَدِّ، بل ستأتي من بعد ما قالوه أحداث تتطلب تجنيد قوى الصبر في النفس، وتتطلب معونة الله. ويختلف الأمر هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ما جاء بعد الحديث عن تسويل النفس، واستلهام الصبر من الله، فَهِبَات الفرج قد اقتربتْ، فقال: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} [يوسف: 83]. في هذه الآية طلب الأمل الذي يوحي بالفرج، وقد كان. وبعض من الذين تأخذهم الغفلة يتساءلون: لماذا قال يعقوب: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ..} [يوسف: 83]. والغائب عنه هما يوسف وأخوه؟ ونقول: ولماذا تنسوْنَ كبير الإخوة الذي رفض أن يبرحَ مصر، إلا بعد أن يأذن له يعقوب، أو يفرج عنه الله؟ لقد غاب عن يعقوب ثلاثة من أولاده: يوسف وبنيامين وشمعون؛ لذلك قال: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ..} [يوسف: 83]. ولم يَقُلْ: يأتيني بهما. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} [يوسف: 83]. فالله سبحانه يعلم أين هم؛ لأنه العليم بكل شيء، وهو سبحانه حكيم فيما يُجريه علينا من تصرّفات. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):