Verse. 1680 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَتَوَلّٰى عَنْہُمْ وَقَالَ يٰۗاَسَفٰى عَلٰي يُوْسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنٰہُ مِنَ الْحُزْنِ فَہُوَكَظِيْمٌ۝۸۴
Watawalla AAanhum waqala ya asafa AAala yoosufa waibyaddat AAaynahu mina alhuzni fahuwa katheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وتولى عنهم» تاركا خطابهم «وقال يا أسفى» الألف بدل من ياء الإضافة أي يا حزني «على يوسف وابيضت عيناه» انمحق سوادهما وبدل بياضا من بكائه «من الحزن» عليه «فهو كظيم» مغموم مكروب لا يظهر كربه.

84

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن يعقوب عليه السلام لما سمع كلام أبنائه ضاق قلبه جداً وأعرض عنهم وفارقهم ثم بالآخرة طلبهم وعاد إليهم. أما المقام الأول: وهو أنه أعرض عنهم، وفر منهم فهو قوله: {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يٰأَسَفَى عَلَىٰ يُوسُفَ }. واعلم أنه لما ضاق صدره بسبب الكلام الذي سمعه من أبنائه في حق بنيامين عظم أسفه على يوسف عليه السلام:{وَقَالَ يأَبَتِ دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ } وإنما عظم حزنه على مفارقة يوسف عند هذه الواقعة لوجوه: الوجه الأول: أن الحزن الجديد يقوي الحزن القديم الكامن والقدح إذا وقع على القدح كان أوجع وقال متمم بن نويرة: شعر : وقد لامني عند القبور على البكا رفيقي لتذراف الدموع السوافك فقال أتبكي كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى والدكادك فقلت له إن الأسى يبعث الأسى فدعني فهذا كله قبر مالك تفسير : وذلك لأنه إذا رأى قبراً فتجدد حزنه على أخيه مالك فلاموه عليه، فأجاب بأن الأسى يبعث الأسى. وقال آخر: شعر : فلم تنسني أو في المصيبات بعده ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع تفسير : والوجه الثاني: أن بنيامين ويوسف كانا من أم واحدة وكانت المشابهة بينهما في الصورة والصفة أكمل، فكان يعقوب عليه السلام يتسلى برؤيته عن رؤية يوسف عليه السلام، فلما وقع ما وقع زال ما يوجب السلوة فعظم الألم والوجد. الوجه الثالث: أن المصيبة في يوسف كانت أصل مصائبه التي عليها ترتب سائر المصائب والرزايا، وكان الأسف عليه أسفاً على الكل. الرابع: أن هذه المصائب الجديدة كانت أسبابها جارية مجرى الأمور التي يمكن معرفتها والبحث عنها. وأما واقعة يوسف فهو عليه السلام كان يعلم كذبهم في السبب الذي ذكروه، وأما السبب الحقيقي فما كان معلوماً له، وأيضاً أنه عليه السلام كان يعلم أن هؤلاء في الحياة وأما يوسف فما كان يعلم أنه حي أو ميت، فلهذه الأسباب عظم وجده على مفارقته وقويت مصيبته على الجهل بحاله. المسألة الثانية: من الجهال من عاب يعقوب عليه السلام على قوله: {يٰأَسَفَى عَلَىٰ يُوسُفَ } قال: لأن هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية من الله وأنه لا يجوز، والعلماء بينوا أنه ليس الأمر كما ظنه هذا الجاهل، وتقريره أنه عليه السلام لم يذكر هذه الكلمة ثم عظم بكاؤه، وهو المراد من قوله: {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ } ثم أمسك لسانه عن النياحة، وذكر مالا ينبغي، وهو المراد من قوله: {فَهُوَ كَظِيمٌ } ثم إنه ما أظهر الشكاية مع أحد من الخلق بدليل قوله: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ } وكل ذلك يدل على أنه لما عظمت مصيبته وقويت محنته فإنه صبر وتجرع الغصة وما أظهر الشكاية فلا جرم استوجب به المدح العظيم والثناء العظيم. روي أن يوسف عليه السلام سأل جبريل هل لك علم بيعقوب؟ قال نعم قال: وكيف حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى وهي التي لها ولد واحد ثم يموت. قال: فهل له فيه أجر؟ قال: نعم أجر مائة شهيد. فإن قيل: روي عن محمد بن علي الباقر قال: مر بيعقوب شيخ كبير فقال له أنت إبراهيم فقال: أنا ابن ابنه والهموم غيرتني وذهبت بحسني وقوتي، فأوحى الله تعالى إليه: «حتى متى تشكوني إلى عبادي وعزتي وجلالي لو لم تشكني لأبدلنك لحماً خيراً من لحمك ودماً خيراً من دمك» فكان من بعد يقول: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : كان ليعقوب أخ مواخ » تفسير : فقال له: ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك فقال الذي أذهب بصري البكاء على يوسف وقوس ظهري الحزن على بنيامين، فأوحى الله تعالى إليه «أما تستحي تشكوني إلى غيري» فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال يا رب أما ترحم الشيخ الكبير قوست ظهري، وأذهبت بصري، فاردد عليَّ ريحانتي يوسف وبنيامين فأتاه جبريل عليه السلام بالبشرى وقال: لو كانا ميتين لنشرتهما لك فاصنع طعاماً للمساكين، فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين، وكان يعقوب عليه السلام إذا أراد الغداء نادى مناديه من أراد الغداء فليتغد مع يعقوب، وإذا كان صائماً نادى مثله عند الإفطار. وروي أنه كان يرفع حاجبيه بخرقة من الكبر، فقال له رجل: ما هذا الذي أراه بك، قال طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه «أتشكوني يا يعقوب» فقال: يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. قلنا: إنا قد دللنا على أنه لم يأت إلا بالصبر والثبات وترك النياحة. وروي أن ملك الموت دخل على يعقوب عليه السلام فقال له: جئت لتقبضني قبل أن أرى حبيبي فقال: لا، ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك، وأما البكاء فليس من المعاصي. وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام: بكى على ولده إبراهيم عليه السلام وقال: « حديث : إن القلب ليحزن والعين تدمع، ولا نقول: ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون » تفسير : وأيضاً فاستيلاء الحزن على الإنسان ليس باختياره، فلا يكون ذلك داخلاً تحت التكليف وأما التأوه وإرسال البكاء فقد يصير بحيث لا يقدر على دفعه، وأما ما ورد في الروايات التي ذكرتم فالمعاتبة فيها إنما كانت لأجل أن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وأيضاً ففيه دقيقة أخرى وهي أن الإنسان إذا كان في موضع التحير والتردد لا بد وأن يرجع إلى الله تعالى، فيعقوب عليه السلام ما كان يعلم أن يوسف بقي حياً أم صار ميتاً، فكان متوقفاً فيه وبسبب توقفه كان يكثر الرجوع إلى الله تعالى وينقطع قلبه عن الالتفات عن كل ما سوى الله تعالى إلا في هذه الواقعة، وكان أحواله في هذه الواقعة مختلفة، فربما صار في بعض الأوقات مستغرق الهم بذكر الله تعالى، فإن عن تذكر هذا الواقعة، فكان ذكرها كلا سواها، فلهذا السبب صارت هذا الواقعة بالنسبة إليه، جارية مجرى الإلقاء في النار للخليل عليه السلام ومجرى الذبح لابنه الذبيح. فإن قيل: أليس أن الأولى عند نزول المصيبة الشديدة أن يقول: { أية : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } تفسير : [البقرة: 156] حتى يستوجب الثواب العظيم المذكور في قوله: { أية : أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } تفسير : [البقرة: 157]. قلنا: قال بعض المفسرين إنه لم يعط الاسترجاع أمة إلا هذه الأمة فأكرمهم الله تعالى إذا أصابتهم مصيبة وهذا عندي ضعيف لأن قوله: {إِنَّا لِلَّهِ } إشارة إلى أنا مملوكون لله وهو الذي خلقنا وأوجدنا، وقوله: {وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } إشارة إلى أنه لا بد من الحشر والقيامة، ومن المحال أن أمة من الأمم لا يعرفون ذلك فمن عرف عند نزول بعض المصائب به أنه لا بد في العاقبة من رجوعه إلى الله تعالى، فهناك تحصل السلوة التامة عند تلك المصيبة، ومن المحال أن يكون لمؤمن بالله غير عارف بذلك. المسألة الثالثة: قوله: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ } نداء الأسف وهو كقوله: «يا عجباً» والتقدير كأنه ينادي الأسف ويقول: هذا وقت حصولك وأوان مجيئك وقد قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة منها في تفسير قوله: { أية : حَاشَ للَّهِ } تفسير : [يوسف: 31] والأسف الحزن على ما فات. قال الليث: إذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه فأنت أسيف أي حزني ومتأسف أيضاً. قال الزجاج: الأصل {يا أسفى} إلا أن ياء الإضافة يجوز إبدالها بالألف لخفة الألف والفتحة. ثم قال تعالى: {عَلَى يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ } وفيه وجهان: الوجه الأول: أنه لما قال يا أسفى على يوسف غلبه البكاء، وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء وقوله: {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ } كناية عن غلبة البكاء، والدليل على صحة هذا القول أن تأثير الحزن في غلبة البكاء لا في حصول العمى فلو حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسناً ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل، فكان ما ذكرناه أولى وهذا للتفسير مع الدليل رواه الواحدي في «البسيط» عن ابن عباس رضي الله عنهما. والوجه الثاني: أن المراد هو العمى قال مقاتل: لم يبصر بهما ست سنين حتى كشف الله تعالى عنه بقميص يوسف عليه السلام وهو قوله: { أية : فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا } تفسير : [يوسف: 93] قيل إن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام حينما كان في السجن فقال إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك فوضع يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني ولم أك حزناً على أبي، والقائلون بهذا التأويل قالوا: الحزن الدائم يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى، فالحزن كان سبباً للعمى بهذه الواسطة، وإنما كان البكاء الدائم يوجب العمى، لأنه يورث كدورة في سوداء العين، ومنهم من قال: ما عمي لكنه صار بحيث يدرك إدراكاً ضعيفاً. قيل: ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف عليه السلام إلى حين لقائه، وتلك المدة ثمانون عاماً، وما كان على وجه الأرض عبداً أكرم على الله تعالى من يعقوب عليه السلام. أما قوله تعالى: {مِنَ ٱلْحُزْنِ } فاعلم أنه قرىء {مِنَ ٱلْحُزْنِ } بضم الحاء وسكون الزاي، وقرأ الحسن بفتح الحاء والزاي. قال الواحدي: واختلفوا في الحزن والحزن فقال قوم: الحزن البكاء والحزن ضد الفرح، وقال قوم: هما لغتان يقال أصابه حزن شديد، وحزن شديد، وهو مذهب أكثر أهل اللغة، وروى يونس عن أبي عمرو قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاي كقوله: { أية : تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً } تفسير : [التوبة: 92] وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع ضموا الحاء كقوله: {مِنَ ٱلْحُزْنِ } وقوله: {أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ } قال هو في موضع رفع الابتداء. وأما قوله تعالى: {فَهُوَ كَظِيمٌ } فيجوز أن يكون بمعنى الكاظم وهو الممسك على حزنه فلا يظهره قال ابن قتيبة: ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم، ومعناه المملوء من الحزن مع سد طريق نفسه المصدور من كظم السقاء إذا اشتد على ملئه، ويجوز أيضاً أن يكون بمعنى مملوء من الغيظ على أولاده. واعلم أن أشرف أعضاء الإنسان هذه الثلاثة، فبين تعالى أنها كانت غريقة في الغم فاللسان كان مشغولاً بقوله: {يا أسفى} والعين بالبكاء والبياض والقلب بالغم الشديد الذي يشبه الوعاء المملوء الذي شد ولا يمكن خروج الماء منه وهذه مبالغة في وصف ذلك الغم. أما قوله تعالى: {قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن السكيت يقال: ما زلت أفعله وما فتئت أفعله وما برحت أفعله ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد. قال ابن قتيبة يقال: ما فتيت وما فتئت لغتان فتيا وفتوأ إذا نسيته وانقطعت عنه قال النحويون وحرف النفي ههنا مضمر على معنى قالوا: ما تفتؤا ولا تفتؤ وجاز حذفه لأنه لو أريد الإثبات لكان باللام والنون نحو والله لتفعلن فلما كان بغير اللام والنون عرف أن كلمة لا مضمرة وأنشدوا قول امرىء القيس: شعر : فقلت يمين الله أبرح قاعداً تفسير : والمعنى: لا أبرح قاعداً ومثله كثير. وأما المفسرون فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة لا تزال تذكره، وعن مجاهد لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين. المسألة الثانية: حكى الواحدي عن أهل المعاني أن أصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب، وقوله: حرضت فلاناً على فلان تأويله أفسدته وأحميته عليه، وقال تعالى: { أية : حَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ } تفسير : [الأنفال: 65]. إذا عرفت هذا فنقول: وصف الرجل بأنه حرض إما أن يكون لإرادة أنه ذو حرض فحذف المضاف أو لإرادة أنه لما تناهى في الفساد والضعف فكأنه صار عين الحرض ونفس الفساد. وأما الحرض بكسر الراء فهو الصفة وجاءت القراءة بهما معاً. إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين فيه عبارات: أحدها: الحرض والحارض هو الفاسد في جسمه وعقله. وثانيهما: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض فقال: الفاسد الدنف. وثالثها: أنه الذي يكون لا كالأحياء ولا كالأموات، وذكر أبو روق أن أنس بن مالك قرأ: {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً } بضم الحاء وتسكين الراء قال يعني مثل عود الأشنان، وقوله: {أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ } أي من الأموات، ومعنى الآية أنهم قالوا لأبيهم إنك لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت من الغم كأنهم قالوا: أنت الآن في بلاء شديد ونخاف أن يحصل ما هو أزيد منه وأقوى وأرادوا بهذا القول منعه عن كثرة البكاء والأسف. فإن قيل: لم حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعاً؟ قلنا: إنهم بنوا هذا الأمر على الظاهر. فإن قيل: القائلون بهذا الكلام وهو قوله: {تَٱللَّهِ } من هم؟ قلنا: الأظهر أن هؤلاء ليسوا هم الإخوة الذين قد تولى عنهم، بل الجماعة الذين كانوا في الدار من أولاد أولاده وخدمه. ثم حكى تعالى عن يعقوب عليه السلام أنه قال: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ } يعني أن هذا الذي أذكره لا أذكره معكم وإنما أذكره في حضرة الله تعالى، والإنسان إذا بث شكواه إلى الله تعالى كان في زمرة المحققين كما قال عليه الصلاة والسلام: «أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك» والله هو الموفق، والبث هو التفريق قال الله تعالى: { أية : وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ } تفسير : [البقرة: 164] فالحزن إذا ستره الإنسان كان هماً وإذا ذكره لغيره كان بثاً وقالوا: البث أشد الحزن والحزن أشد الهم، وذلك لأنه متى أمكنه أن يمسك لسانه عن ذكره لم يكن ذلك الحزن مستولياً عليه وأما إذا عظم وعجز الإنسان عن ضبطه وانطلق اللسان بذكره شاء أم أبى كان ذلك بثاً وذلك يدل على أن الإنسان صار عاجزاً عنه وهو قد استولى على الإنسان، فقوله: {بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ } أي لا أذكر الحزن العظيم ولا الحزن القليل إلا مع الله، وقرأ الحسن: {وَحُزْنِى } بفتحتين وحزني بضمتين، قيل: دخل على يعقوب رجل وقال: يا يعقوب ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً فقال الذي بي لكثرة غمومي، فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي، فقال يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفرها له، وكان بعد ذلك إذا سئل قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ } وروي أنه أوحى الله إليه إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه، وإن أحب خلقي إليَّ الأنبياء والمساكين فاصنع طعاماً وادع إليه المساكين، وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت. ثم قال يعقوب عليه السلام: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، وهو أنه تعالى يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، فهو إشارة إلى أنه كان يتوقع وصول يوسف إليه. وذكروا لسبب هذا التوقع أموراً: أحدها: أن ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال لا يا نبي الله ثم أشار إلى جانب مصر وقال: أطلبه ههنا، وثانيها: أنه علم أن رؤيا يوسف صادقة، لأن أمارات الرشد والكمال كانت ظاهرة في حق يوسف ورؤيا مثله عليه السلام لا تخطىء، وثالثها: لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه، ولكنه تعالى ما عين الوقت فلهذا بقي في القلق، ورابعها: قال السدي: لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله وأفعاله طمع أن يكون هو يوسف وقال: يبعد أن يظهر في الكفار مثله، وخامسها: علم قطعاً أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه وما ضربه فغلب على ظنه أن ذلك الملك هو يوسف فهذا جملة الكلام في المقام الأول. والمقام الثاني: أنه رجع إلى أولاده وتكلم معهم على سبيل اللطف وهو قوله: {تَعْلَمُونَ يبَنِىَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ }. واعلم أنه عليه السلام لما طمع في وجدان يوسف بناء على الأمارات المذكورة قال لبنيه: تحسسوا من يوسف، والتحسس طلب الشيء بالحاسة وهو شبيه بالسمع والبصر، قال أبو بكر الأنباري يقال: تحسست عن فلان ولا يقال من فلان، وقيل: ههنا من يوسف لأنه أقام من مقام عن، قال: ويجوز أن يقال: من للتبعيض، والمعنى تحسسوا خبراً من أخبار يوسف، واستعلموا بعض أخبار يوسف فذكرت كلمة {مِنْ } لما فيها من الدلالة على التجيض، وقرىء {تَجَسَّسُواْ } بالجيم كما قرىء بهما في الحجرات. ثم قال: {وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ } قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه وتركيب الراء والواو الحاء يفيد الحركة والاهتزاز، فكلما يهتز انسان له ويلتذ بوجوده فهو روح. وقال ابن عباس: لا تيئسوا من روح الله يريد من رحمة الله، وعن قتادة: من فضل الله، وقال ابن زيد: من فرج الله، وهذه الألفاظ متقاربة، وقرأ الحسن وقتادة: من روح الله بالضم أي من رحمته. ثم قال: {يبَنِىَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن } قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده في الرخاء. واعلم أن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال أو غير عالم بجميع المعلومات أو ليس بكريم بل هو بخيل وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافراً والله أعلم، وقد بقي من مباحث هذه الآية سؤالات: السؤال الأول: أن بلوغ يعقوب في حب يوسف إلى هذا الحد العظيم لا يليق إلا بمن كان غافلاً عن الله، فإن من عرف الله أحبه ومن أحب الله لم يتفرغ قلبه لحب شيء سوى الله تعالى، وأيضاً القلب الواحد لا يتسع للحب المستغرق لشيئين، فلما كان قلبه مستغرقاً في حب ولده امتنع أن يقال: إنه كان مستغرقاً في حب الله تعالى. والسؤال الثاني: أن عند استيلاء الحزن الشديد عليه كان من الواجب أن يشتغل بذكر الله تعالى، وبالتفويض إليه والتسليم لقضائه. وأما قوله: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ } فذلك لا يليق بأهل الدين والعلم فضلاً عن أكابر الأنبياء. والسؤال الثالث: لا شك أن يعقوب كان من أكابر الأنبياء، وكان أبوه وجده وعمه كلهم من أكابر الأنبياء المشهورين في جميع الدنيا، ومن كذلك ثم وقعت له واقعة هائلة صعبة في أعز أولاده عليه لم تبق تلك الواقعة خفية، بل لا بد وأن يبلغ في الشهرة إلى حيث يعرفها كل أحد لا سيما وقد انقضت المدة الطويلة فيها وبقي يعقوب على حزنه الشديد وأسفه العظيم، وكان يوسف في مصر وكان يعقوب في بعض بلاد الشام قريباً من مصر، فمع قرب المسافة يمتنع بقاء هذه الواقعة مخفية. السؤال الرابع: لم لم يبعث يوسف عليه السلام أحداً إلى يعقوب ويعلمه أنه في الحياة وفي السلامة ولا يقال: إنه كان يخاف إخوته لأنه بعد أن صار ملكاً قاهراً كان يمكنه إرسال الرسول إليه وإخوته ما كانوا يقدرون على دفع الرسول. والسؤال الخامس: كيف جاز ليوسف عليه السلام أن يضع الصاع في وعاء أخيه ثم يستخرجه منه ويلصق به تهمة السرقة مع أنه كان بريئاً عنها. السؤال السادس: كيف رغب في إلصاق هذه التهمة به وفي حبسه عند نفسه مع أنه كان يعلم أنه يزداد حزن أبيه ويقوى. والجواب عن الأول: أن مثل هذه المحنة الشديدة تزيل عن القلب كل ما سواه من الخواطر. ثم إن صاحب هذه المحنة الشديدة يكون كثير الرجوع إلى الله تعالى كثير الاشتغال بالدعاء والتضرع فيصير ذلك سبباً لكمال الاستغراق. والجواب عن الثاني: أن الداعي الإنسانية لا تزول في الحياة العاجلة فتارة كان يقول: { أية : فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ } تفسير : [يوسف: 84] وتارة كان يقول: { أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } تفسير : [يوسف: 18] وأما بقية الأسئلة فالقاضي أجاب عنها بجواب كلي حسن، فقال هذه الوقائع التي نقلت إلينا إما يمكن تخريجها على الأحوال المعتادة أو لا يمكن فإن كان الأول فلا إشكال، وإن كان الثاني فنقول: كان ذلك الزمان زمان الأنبياء عليهم السلام وخرق العادة في هذا الزمان غير مستبعد، فلم يمتنع أن يقال: إن بلدة يعقوب عليه السلام مع أنها كانت قريبة من بلدة يوسف عليه السلام، ولكن لم يصل خبر أحدهما إلى الآخر على سبيل نقض العادة.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم؛ وذلك أن يعقوب لما بلغه خبر بنيامين تَتَامَّ حزنه، وبلغ جهده، وجدّد الله مصيبته له في يوسف فقال: {يٰأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} ونَسيَ ٱبنه بنيامين فلم يذكره؛ عن ابن عباس. وقال سعيد بن جُبير: لم يكن عند يعقوب ما في كتابنا من الاسترجاع، ولو كان عنده لما قال: «يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ». قال قَتَادة والحسن: والمعنى يا حزناه! وقال مجاهد والضحّاك: يا جزعاه!؛ قال كُثَيِّر:شعر : فيا أَسفا للقلب كيف ٱنصرافُهُ وللنَّفْسِ لمّا سلِّيت فَتَسلَّتِ تفسير : والأسف شدّة الحزن على ما فات. والنداء على معنى: تعالَ يا أسف فإنه مَن أوقاتك. وقال الزجاج: الأصل يا أسفِي؛ فأبدل من الياء ألف لخفة الفتحة. {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ} قيل: لم يبصر بهما ست سنين، وأنه عَمِيَ؛ قاله مقاتل. وقيل: قد تبيضّ العين ويبقى شيء من الرؤية، والله أعلم بحال يعقوب؛ وإنما ٱبيضّت عيناه من البكاء، ولكن سبب البكاء الحزن، فلهذا قال: {مِنَ ٱلْحُزْنِ}. وقيل: إن يعقوب كان يصلّي، ويوسف نائماً معترضاً بين يديه، فَغطَّ في نومه، فالتفت يعقوب إليه، ثم غَطّ ثانية فالتفت إليه، ثم غَطَّ ثالثة فالتفت إليه سروراً به وبغطيطه؛ فأوحى الله تعالى إلى ملائكته: «ٱنظروا إلى صفييّ وابن خليلي قائماً في مناجاتي يلتفت إلى غيري، وعِزّتي وجَلاَلي! لأنزعنّ الحدقتين اللتين التفت بهما، ولأفرقنّ بينه وبين من التفت إليه ثمانين سنة؛ ليعلم العاملون أن من قام بين يديّ يجب عليه مراقبة نظري». الثانية: هذا يدلّ على أن الالتفات في الصلاة ـ وإن لم يُبطل ـ يدلّ على العقوبة عليها، والنقص فيها، وقد رَوى البخاري حديث : عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو ٱختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد»تفسير : . وسيأتي ما للعلماء في هذا في أوّل سورة «المؤمنون» موعباً إن شاء الله تعالى. الثالثة: قال النحاس: فإن سأل قوم عن معنى شدّة حزن يعقوب ـ صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا ـ فللعلماء في هذا ثلاثة أجوبة: منها ـ أن يعقوب صلى الله عليه وسلم لما علم أن يوسف صلى الله عليه وسلم حَيٌّ خاف على دِينه، فاشتدّ حزنه لذلك. وقيل: إنما حزن لأنه سلّمه إليهم صغيراً، فندم على ذلك. والجواب الثالث ـ وهو أبْيَنُها ـ هو أن الحزن ليس بمحظور، وإنما المحظور الوَلْولة وشقّ الثياب، والكلام بما لا ينبغي. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : تَدمع العين ويَحزن القلب ولا نقول ما يُسخط الربّ»تفسير : . وقد بيّن الله جلّ وعزّ ذلك بقوله: {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبَثّه؛ ومنه كَظْم الغيظ وهو إخفاؤه؛ فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه؛ قال الله تعالى: {أية : إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} تفسير : [القلم: 48] أي مملوء كرباً. ويجوز أن يكون المكظوم بمعنى الكاظم؛ وهو المشتمل على حزنه. وعن ٱبن عباس: كظيم مغموم؛ قال الشاعر:شعر : فإنْ أَكُ كاظِماً لِمُصَابِ شَاسٍ فإني اليومَ مُنطلقٌ لسانيِ تفسير : وقال ٱبن جُريج عن مجاهد عن ابن عباس قال: ذهبت عيناه من الحزن «فَهُوَ كَظِيمٌ» قال: فهو مكروب. وقال مقاتل بن سليمان عن عطاء عن ابن عباس في قوله: {فَهُوَ كَظِيمٌ} قال: فهو كَمِد؛ يقول: يعلم أن يوسف حيّ، وأنه لا يدري أين هو؛ فهو كَمِد من ذلك. قال الجوهري: الكَمَد الحزن المكتوم؛ تقول منه كَمِد الرجلُ فهو كَمِدٌ وكَمِيدٌ. النحاس. يقال فلان كظِيم وكاظِم؛ أي حزين لا يشكو حزنه؛ قال الشاعر:شعر : فَحَضضْتُ قَوْمي وٱحتسبتُ قِتالَهُم والقومُ من خوف المَنَايا كُظَّم

البيضاوي

تفسير : {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ } وأعرض عنهم كراهة لما صادف منهم. {وَقَالَ يا أَسَفاً عَلَىٰ يُوسُفَ } أي يا أسفاً تعالي فهذا أوانك، والأسف أشد الحزن والحسرة، والألف بدل من ياء المتكلم، وإنما تأسف على يوسف دون أخويه والحادث رزؤهما لأن رزأه كان قاعدة المصيبات وكان غضاً آخذاً بمجامع قلبه، ولأنه كان واثقاً بحياتهما دون حياته، وفي الحديث: «حديث : لم تعط أمة من الأمم {أية : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ }تفسير : [البقرة: 156] حديث : عند المصيبة إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم»تفسير : ألا ترى إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال {يَا أَسَفاً}. {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ } لكثرة بكائه من الحزن كأن العبرة محقت سوادهما. وقيل ضعف بصره. وقيل عمي، وقرىء {مِنَ ٱلْحُزْنِ } وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع، ولعل أمثال ذلك لا تدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال: «حديث : القلب يجزع والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون»تفسير : {فَهُوَ كَظِيمٌ } مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا يظهره، فعيل بمعنى مفعول كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ مَكْظُومٌ }تفسير : [القلم: 48] من كظم السقاء إذا شده على ملئه، أو بمعنى فاعل كقوله: {أية : وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ }تفسير : [آل عمران: 134] من كظم الغيظ إذا اجترعه، وأصله كظم البعير جرته إذا ردها في جوفه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ } تاركاً خطابهم {وَقَالَ يٰأسَفَىٰ } الألف بدل من ياء الإِضافة: أي يا حزني { عَلَى يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ } انمحق سوادهما وَبُدِّلَ بياضاً من بكائه {مِنَ ٱلْحُزْنِ } عليه {فَهُوَ كَظِيمٌ } مغموم مكروب لا يظهر كربه.

ابن عطية

تفسير : المعنى: أنه لما ساء ظنه بهم ولم يصدق قولهم بل استراب به، {تولى عنهم} أي زال بوجهه عنهم وجعل يتفجع ويتأسف، قال الحسن: خصت هذه الأمة بالاسترجاع ألا ترى إلى قول يعقوب: {يا أسفي}. قال القاضي أبو محمد: والمراد: "يا أسفي". لكن هذه لغة من يرد ياء الإضافة ألفاً نحو: يا غلاماً ويا أبتا، ونادى الأسف على معنى احضر فهذا من أوقاتك. وقيل: قوله: {يا أسفى} على جهة الندبة، وحذف الهاء التي هي في الندبة علامة المبالغة في الحزن تجلداً منه عليه السلام، إذ كان قد ارتبط إلى الصبر الجميل، وقيل: قوله: {يا أسفى} نداء فيه استغاثة. قال القاضي أبو محمد: ولا يبعد أن يجتمع الاسترجاع و {يا أسفى} لهذه الأمة وليعقوب عليه السلام. {وابيضت عيناه} أي من ملازمة البكاء الذي هو ثمرة الحزن، وروي "حديث : أن يعقوب عليه السلام حزن حزن سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله قط"تفسير : ، رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ ابن عباس ومجاهد "من الحَزَن" بفتح الحاء والزاي، وقرأ قتادة بضمهما وقرأ الجمهور بضم الحاء وسكون الزاي. {وهو كظيم} يمعنى كاظم، كما قال {أية : والكاظمين الغيظ} تفسير : [آل عمران: 134]، ووصف يعقوب بذلك لأنه لم يشك إلى أحد، وإنما كان يكمد في نفسه ويمسك همه في صدره، وكان يكظمه أي يرده إلى قلبه ولا يرسله بالشكوى والغضب والفجر. وقال ناس: {كظيم} بمعنى: مكظوم. قال القاضي أبو محمد: وقد وصف الله تعالى يونس عليه السلام بمكظوم في قوله {أية : إذ نادى وهو مكظوم} تفسير : [القلم: 48] وهذا إنما يتجه على تقدير أنه مليء بحزنه، فكأنه كظم بثه في صدره، وجري كظيم على باب كاظم أبين. وفسر ناس "الكظيم" بالمكروب وبالمكمود - وذلك كله متقارب - وقال منذر بن سعيد: الأسف إذا كان من جهة من هو أقل من الإنسان فهو غضب، ومنه قول الله تعالى: {أية : فلما آسفونا انتقمنا منهم} تفسير : [الزخرف: 55] ومنه قول الرجل الذي ذهبت لخادمه الشاة من الغنم: فأسفت فلطمتها؛ وإذا كان من جهة لا يطيقها فهو حزن وهم. قال القاضي أبو محمد: وتحرير هذا المنزع: أن الأسف يقال في الغضب ويقال في الحزن، وكل واحد من هذين يحزر حاله التي يقال عليها، وقوله تعالى: {قالوا تالله تفتأ} الآية، المعنى تالله لا تفتأ فتحذف لا في هذه الموضع من القسم لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : فقلت يمين الله أبرح قاعداً ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : تالله يبقى على الأيام ذو حيد بمشمخر به الظيان والآس تفسير : أراد لا يبرح ولا يبقى، وقال الزجاجي: وقد تحذف أيضاً ما في هذا الموضع. قال القاضي أبو محمد: وخطأه بعض النحويين، ومن المواضع التي حذفت فيها لا ويدل عليها الكلام قول الشاعر: [الطويل] شعر : فلا وأبي دهماء زالت عزيزة على قومها ما قبل الزَّنْدَ قادِحُ تفسير : وقوله ما قبل الزند قادح يوجب أن المحذوف "لا"، وليست "ما"، وفتىء بمنزلة زال وبرح في المعنى والعمل، تقول: والله لا فتئت قاعداً كما تقول: لا زلت ولا برحت، ومنه قول أوس بن حجر: [الطويل] شعر : فما فتئت حتى كأن غبارها سرادق يوم ذي رياح يرفَّع تفسير : و"الحرض": الذي قد نهكه الهرم أو الحب أو الحزن إلى حال فساد الأعضاء والبدن والحس، وعلى هذا المعنى قراءة الجمهور "حَرَضاً" بفتح الراء والحاء... وقرأ الحسن بن أبي الحسن بضمهما، وقرأت فرقة "حُرْضاً" بضم الحاء وسكون الراء. وهذا كله المصدر يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والجمع بلفظ واحد، كعدل وعدو، وقيل في قراءة الحسن: انه يراد: فتات الأشنان أي بالياً متعتتاً، ويقال من هذا المعنى الذي هو شن الهم والهرم: رجل حارض، ويثنى هذا البناء ويجمع ويؤنث ويذكر، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [البسيط] شعر : إني امرؤ لجَّ بي حبٌّ فأحرضني حتى بليت وحتى شفني السقم تفسير : وقد سمع من العرب: رجل محرض، قال الشاعر - وهو امرؤ القيس: [الطويل] شعر : أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضاً كأحراضِ بكر في الديار مريض تفسير : و"الحرض" - بالجملة - الذي فسد ودنا موته، قال مجاهد: "الحرض": ما دون الموت، قال قتادة: "الحرض": البالي الهرم، وقال نحو الضحاك والحسن، وقال ابن إسحاق: {حرضاً} معناه فاسد لا عقل له؛ فكأنهم قالوا على جهة التعنيف له: أنت لا تزال تذكر يوسف إلى حال القرب من الهلاك أو إلى الهلاك. فأجابهم يعقوب عليه السلام رادّاً عليهم: أي أني لست ممن يجزع ويضجر فيستحق التعنيف، وإنما أشكو إلى الله، ولا تعنيف في ذلك. و"البث" ما في صدر الإنسان مما هو معتزم أنه يبثه وينشره، وأكثر ما يستعمل "البث" في المكروه، وقال أبو عبيدة وغيره: "البث" أشد الحزن، وقد يستعمل "البث" في المخفي على الجملة ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: ولا يولج الكف ليعلم "البث"، ومنه قولهم: أبثك حديثي. وقرأ عيسى: "وحَزَني" بفتح الحاء والزاي. وحكى الطبري بسند: أن يعقوب دخل على فرعون وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له فرعون: ما بلغ بك هذا يا إبراهيم؟ فقالوا: إنه يعقوب، فقال: ما بلغ بك هذا يا يعقوب؟ قال له: طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا رب خطيئة فاغفرها لي، وأسند الطبري إلى الحسن قال: كان بين خروج يوسف عن يعقوب إلى دخول يعقوب على يوسف ثمانون سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ولم يزل يبكي حتى كف بصره، وما في الأرض يومئذ أكرم على الله من يعقوب. وقوله: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} يحتمل أنه أشار إلى حسن ظنه بالله وجميل عادة الله عنده، ويحتمل أنه أشار إلى الرؤيا المنتظرة أو إلى ما وقع في نفسه عن قول ملك مصر: إني أدعو له برؤية ابنه قبل الموت، وهذا هو حسن الظن الذي قدمناه.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَآأَسَفَى} يا حزناً "ع"، أو يا جزعاً شكا إلى الله ولم يشك منه، أو أضمر الدعاء تقديره "يا رب ارحم أسفي" {وَابْيَضَّتْ} ضعف بصره لبياض حصل فيه من كثرة بكائه، أو ذهب بصره {كَظِيمٌ} بالكمد، أو مخفي حزنه، كظم غيظه: أخفاه.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وتولى عنهم} يعني وأعرض يعقوب عن بنيه حين بلغوه خبر بنيامين فحينئذ تناهى حزنه واشتد بلاؤه وبلغ جهده وهيج حزنه على يوسف فعند ذلك أعرض عنهم {وقال يا أسفى على يوسف} الأسف أشد الحزن وإنما جدد حزنه على يوسف عند وجود هذه الواقعة لأن الحزن القديم إذا صادفه حزن آخر كان ذلك أوجع للقلب وأعظم لهيجان الحزن الأول كما قال متمم بن نويرة لما رأى قبراً جيداً جدد حزنه على أخيه مالك: شعر : يقول أتبكي كل قبر رأيته لقد ثوى بين اللوى والدكادك فقلت له إن الأسى يبعث الأسى فدعني فهذا كله قبر مالك تفسير : فأجاب بأن الحزن يجدد الحزن، وقيل: إن يوسف وبنيامين لما كانا من أم واحدة كان يعقوب يتسلى عن يوسف ببنيامين فلما حصل فراق بنيامين زاد حزنه عليه ووجده وجدد حزنه على يوسف لأن يوسف كان أصل المصيبة، وقد اعترض بعض الجهال على يعقوب عليه السلام في قوله يا أسفا على يوسف فقال هذه شكاية وإظهار جزع فلا يليق بعلو منصبه ذلك وليس الأمر كما قال هذا الجاهل المعترض لأن يعقوب عليه الصلاة والسلام شكا إلى الله لا منه فقوله يا أسفا على يوسف معناه يا رب ارحم أسفي على يوسف وقد ذكر ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال: نداء يعقوب بالأسف في اللفظ من المجاز يعني به غير المظهر في اللفظ وتلخيصه يا إلهي ارحم أسفي أو أنت رائي أسفي أو هذا أسفي فنادى الأسف في اللفظ والمنادى سواه في المعنى ولا مأثم إذ لم ينطلق اللسان بكلام مؤثم لأنه لم يشك إلا إلى ربه عز وجل فلما كان قوله يا أسفاً على يوسف شكوى إلى ربه كان غير ملوم في شكواه وقيل إن يعقوب لما عظمت مصيبته واشتد بلاؤه وقويت محنته قال يا أسفا على يوسف أي أشكوا إلى الله شدة أسفي على يوسف ولم يشكه إلى أحد من الخلق بدليل قوله إنما أشكو بثي وحزني إلى الله {وابيضت عيناه من الحزن} أي عمي من شدة الحزن على يوسف قال مقاتل لم يبصر شيئاً ست سنين، وقيل: إنه ضعف بصره من كثرة البكاء وذلك أن الدمع يكثر عند غلبة البكاء فتصير العين كأنها بيضاء من ذلك الماء الخارج من العين {فهو كظيم} أي مكظوم وهو الممتلئ من الحزن الممسك عليه لا يبثه، قال قتادة: وهو الذي يردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيراً، وقال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقيا ثمانون سنة لم تجف عينا يعقوب وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله منه. وقال ثابت البناني ووهب بن منبه والسدي: إن جبريل عليه الصلاة والسلام دخل على يوسف وهو في السجن فقال له تعرفني أيها الصديق قال يوسف أرى صورة طاهرة قال إني رسول رب العالمين وأنا الروح الأمين فقال يوسف فما أدخلك مدخل المذنبين وأنت أطيب الطيبين ورأس المقربين وأمين رب العالمين قال ألم تعلم يا يوسف أن الله يطهر الأرض بطهر النبيين وأن الأرض التي يدخلونها هي أطهر الأرضين وأن الله قد طهر بك الأرض والسجن وما حوله يا أطهر الطاهرين وابن الصالحين المخلصين قال يوسف كيف لي بإسم الصديقين وتعدني من الصالحين المخلصين الطاهرين وقد أدخلت مدخل المذنبين قال له إنه لم يفتتن قلبك ولم تطع سيدتك في معصية ربك فلذلك سماك الله من الصديقين وعدك من المخلصين وألحقك بآبائك الصالحين قال يوسف فهل لك علم من يعقوب أيها الروح الأمين قال نعم قد ذهب بصره وابتلاه الله بالحزن عليك فهو كظيم ووهب له الصبر الجميل قال فما قدر حزنه قال حزن سبعين ثكلاء قال فما له من الأجر يا جبريل قال أجر مائة شهيد قال أفتراني لاقيه قال نعم فطابت نفس يوسف وقال ما أبالي مما لقيت إن رأيته. قوله عز وجل: {قالوا} يعني إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام لأبيهم {تالله تفتأ تذكر يوسف} يعني لا تزال تذكر يوسف ولا تفتر عن حبه يقال ما فتئ يفعل كذا أي ما زال ولا محذوفة في جواب القسم لأن موضعها معلوم فحذفت للتخفيف كقول امرئ القيس: شعر : فقلت يمين الله أبرح قاعداً ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي تفسير : أي لا أبرح قاعداً وقوله {حتى تكون حرضاً} قال ابن عباس يعني دنفاً وقال مجاهد الحرض ما دون الموت يعني قريباً من الموت، وقال ابن إسحاق: يعني فاسداً لا عقل له والحرض الذي فسد جسمه وعقله وقيل ذائباً من الهم وأصل الحرض الفساد في الجسم والعقل من الحزن أو الهم ومعنى الآية حتى تكون دنف الجسم مخبول العقل يعني لا تنتفع بنفسك من شدة الحزن والهم والأسف {أو تكون من الهالكين} يعني من الأموات. فإن قلت كيف حلفوا على شيء لم يعلموا حقيقته قطعاً؟. قلت: إنهم بنوا الأمر على الأغلب الظاهر أي نقوله ظناً منا أن الأمر يصير إلى ذلك {قال} يعني يعقوب عندما رأى قولهم له وغلظتهم عليه {إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله} أصل البث إثارة الشيء وتفريقه وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والشر، قال ابن قتيبة: البث أشد الحزن وذلك لأن الإنسان إذا ستر الحزن وكتمه كان هماً فإذا ذكره لغيره كان بثاً فالبث أشد الحزن والحزن الهم فعلى هذا يكون المعنى إنما أشكوا حزني العظيم وحزني القليل إلى الله لا إليكم. قال ابن الجوزي: روى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه من حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : كان ليعقوب أخ مؤاخ فقال له ذات يوم يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك وما الذي قوس ظهرك قال أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين فأتاه جبريل فقال يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك أما تستحي أن تشكو إلى غيري فقال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله فقال جبريل الله أعلم بما تشكو"تفسير : وقيل: إنه دخل على يعقوب جار له فقال له يا يعقوب مالي أراك قد تهشمت بالضعف وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك فقال هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف أفوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي فقال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي قال قد غفرتها لك فكان بعد ذلك إذا سئل يقول إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله تعالى وقيل إن الله أوحى إليه وعزتي وجلالي لا أكشف ما بك حتى تدعوني فعند ذلك قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله تعالى ثم قال أي رب أما ترحم الشيخ الكبير أذهبت بصري وقوست ظهري فاردد على ريحانتي أشممها شمة قبل أن أموت ثم اصنع ما شئت فأتاه جبريل فقال يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك أبشر فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك أتدري لم وجدت عليك لأنكم ذبحتم شاة فقام على بابكم فلان المسكين وهو صائم فلم تطعموه منها شيئاً وإن أحب عبادي إلي الأنبياء ثم المساكين اصنع طعاماً وادع إليه المساكين فصنع طعاماً ثم قال من كان صائماً فليفطر الليلة عند آل يعقوب وكان بعد ذلك إذا تغدى أمر منادياً ينادي من أراد أن يتغدى فليأت آل يعقوب وإذا أفطر أمر أن ينادي من أراد أن يفطر فليأت آل يعقوب فكان يتغدى ويتعشى مع المساكين، وقال وهب بن منبه أوحى الله تعالى إلى يعقوب أتدري لم عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة قال يا رب لا قال لأنك شويت عناقاً وقترت على جارك وأكلت ولم تطعمه وقيل إن سبب ابتلاء يعقوب أنه ذبح عجلاً بين يدي أمه وهي تخور فلم يرحمها. فإن قلت هل في هذه الروايات ما يقدح في عصمة الأنبياء؟ قلت: لا وإنما عوقبت يعقوب بهذا لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين وإنما يطلب من الأنبياء من الأعمال على قدر منصبهم وشريف رتبتهم ويعقوب عليه الصلاة والسلام من أهل بيت النبوة والرسالة ومع ذلك فقد ابتلى الله كل واحد من أنبيائه بمحنة فصبر وفوض أمره إلى الله فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ألقي في النار فصبر ولم يشك إلى أحد وإسماعيل ابتلي بالذبح فصبر وفوض أمره إلى الله وإسحاق ابتلي بالعمى فصبر ولم يشك إلى أحد ويعقوب ابتلي بفقده ولده يوسف وبعده بنيامين ثم عمي بعد ذلك أو ضعف بصره من كثرة البكاء على فقدهما وهو مع ذلك صابر لم يشك إلى أحد شيئاً مما نزل به وإنما كانت شكايته إلى الله عز وجل بدليل قوله إنما أشكو بثي وحزني إلى الله فاستوجب بذلك المدح العظيم والثناء الجميل في الدنيا والدرجات العلى في الآخرة مع من سلف من أبويه إبراهيم وإسحاق عليهما الصلاة والسلام. وأما دمع العين وحزن القلب فلا يستوجب به ذماً ولا عقوبة لأن ذلك ليس إلى اختيار الإنسان فلا يدخل تحت التكليف بدليل حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى على ولده إبراهيم عند موته وقال "إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وما نقول إلا ما يرضي ربنا"تفسير : فهذا القدر لا يقدر الإنسان على دفعه عن نفسه فصار مباحاً لا حرج فيه على أحد من الناس وقوله {وأعلم من الله ما لا تعلمون} يعني أنه تعالى من رحمته وإحسانه يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب وفيه إشارة إلى أنه كان يعلم حياة يوسف ويتوقع رجوعه إليه وروى أن ملك الموت زار يعقوب فقال له يعقوب أيها الملك الطيب ريحه الحسن صورته الكريم على ربه هل قبضت روح ابني يوسف في الأرواح فقال لا فطابت نفس يعقوب وطمع في رؤيته فلذلك قال وأعلم من الله ما لا تعلمون وقيل معناه وأعلم أن رؤيا يوسف حق وصدق وإني وأنتم سنسجد له وقال السدي لما أخبره بنوه بسيرة ملك مصر وكمال حاله في جميع أقواله وأفعاله أحسست نفس يعقوب وطمع أن يكون هو يوسف فعند ذلك قال يعني يعقوب.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {مزجاة} بالإمالة: حمزة وعلي وخلف {حزني} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو. {قالوا إنك} على الخبر أو على حذف حرف الاستفهام: ابن كثير ويزيد. {أئنك} بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام يدخل بينهما مدة. {أينك} بهمز ثم ياء: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد {آينك} بهمزة ممدودة ثم ياء: أبو عمرو وزيد وقالون. {من يتقي} بالياء في الحالين: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل. الباقون بغير ياء {إني أعلم} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو {ربي إنه} بالفتح أيضاً: أبو جعفر وأبو عمرو {أبي إذ} بالفتح أيضاً عندهم {إخوتي} {ربي} بفتح الياء أيضاً: يزيد والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني والله أعلم. الوقوف: {كظيم} ه {الهالكين} ه {لا تعلمون} ه {ولا تيأسوا من روح الله} ط {الكافرون} ه {وتصدق علينا} ط {المتصدقين} ه {جاهلون} ه {لأنت يوسف} ط {أخي} ز لتعجيل الشكر مع اختلاف الجملتين. {علينا} ط لاحتمال أنه ابتداء إخبار من الله، وإن كان من قول يوسف جاز الوقوف أيضاً لاتحاد القائل مع الابتداء بأن {المحسنين} ه {الخاطئين} ه {اليوم} ط لاختلاف الجملتين نفياً وإثباتاً أو خبراً ودعاء {لكم} ط لاحتمال الاستئناف والحال أوضح {الراحمين} ه {يأتي بصيراً} ج لطول الكلام واعتراض الجواب مع اتفاق الجملتين {أجمعين} ه {تفندون} ه {القديم} ه {بصيراً} ج لاحتمال أن يكون ما بعده جواب "لما" وقوله {ألقاه} حالاً بإضمار "قد" {ما لا تعلمون} ه {خاطئين} ه {ربي} ط {الرحيم} ه {آمنين} ه {سجداً} ج {من قبل} ز لتمام الجملة لفظاً دون المعنى. {حقاً} ط لتمام بيان الجملة الأولى وابتداء جملة عظمى {إخوتي} ط {لما يشاء} ط {الحكيم} ه {الأحاديث} ج لحق حذف حرف النداء مع اتصال الكلام {والآخرة} ج لانقطاع النظم مع اتصال الثناء بالدعاء {الصالحين} ه. التفسير: لما سمع يعقوب ما سمع من حال ابنه ضاق قلبه جداً {وتولى عنهم} أي أعرض عن بنيه الذين جاءوا بالخبر وفارقهم {وقال يا أسفي على يوسف} الأسف أشد الحزن. والألف فيه مبدل من ياء الإضافة ونداء الأسف كنداء الويل وقد مر في المائدة. والتجانس بين لفظي الأسف ويوسف لا يخفى حسنه وهو من الفصاحة اللفظية. وكيف تأسف على يوسف دون أخيه الآخر الذي أقام بمصر والرزء الأحدث أشد؟ الجواب لأن الحزن الجديد يذكر العتيق والأسى يجلب الأسى، ولأن رزء يوسف كان أصل تلك الرزايا فكان الأسف عليه أسفاً على الكل ولأنه كان عالماً بحياة الآخرين دون حياة يوسف {وابيضت عيناه من الحزن} أي من البكاء الذي كان سببه الحزن. قال الحكماء: إذا كثر الاستعبار أوجب كدورة في سواد العين مائلة فيكون منها العمى لإيلام الطبقات ولا سيما القرنية وانصباب الفضول الردية إليها. قال مقاتل: لم يبصر ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف. وقال آخرون: لم يبلغ حد العمى وكان يدرك إدراكاً ضعيفاً، أو المراد بالبياض غلبة البكاء كأن العين ابيضت من بياض ذلك الماء. روي أنه لم تجف عين يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟ وجد سبعين ثكلى. قال: فما كان له من الأجر؟ قال: أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله ساعة قط. ونقل أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف حين ما كان في السجن فقال: إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك. فوضع يوسف يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني فلم أكن حزناً على أبي، قال أكثر أهل اللغة: الحزن والحزن لغتان بمعنى. وقال بعضهم: الحزن بالضم فالسكون البكاء، والحزن بفتحتين ضد الفرح، وقد روى يونس عن أبي عمروا قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا كقوله {أية : تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً}تفسير : [التوبة: 92] وإذا كان في موضع الجر أو الرفع ضموا كقوله من الحزن. وقوله: {إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله} قال: هو في موضع رفع بالابتداء قيل: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟ وأجيب بأن المنهي من الجزع هو الصياح والنياحة وضرب الخد وشق الثوب لا البكاء ونفثة المصدور، فلقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال: القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون. ومما يدل على أن يعقوب عليه السلام أمسك لسانه عن النياحة وعما لا ينبغي قوله: {فهو كظيم} "فعيل" بمعنى "مفعول" أي مملوء من الغيظ على أولاده من غير إظهار ما يسوءهم، أو مملوء من الحزن مع سد طريق نفثة المصدور من كظم السقاء إذا شده على ملئه، أو بمعنى الفاعل أي الممسك لحزنه غير مظهر إياه. والحاصل أنه غرق ثلاثة أعضاء شريفة منه في بحر المحنة: فاللسان كان مشغولاً بذكر {يا أسفا} والعين كانت مستغرقة في البكاء، والقلب كان مملوءاً من الحزن. ومثل هذا إذا لم يكن بالاختيار لم يدخل تحت التكليف فلا يوجب العقاب. يروى أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له: جئتني لتقبضني قبل أن أرى حبيبي؟ قال: لا ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك. عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم تعط أمة من الأمم {إنا لله وإنا إليه راجعون} عند المصيبة إلا أمة محمد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال يا أسفا"تفسير : وضعف هذه الرواية فخر الدين الرازي في تفسيره وقال: من المحال أن لا تعرف أمة من الأمم أن الكل من الله وأن الرجوع لا محالة إليه. وأقول: هذا نوع من المكابرة فإن منكري المبدأ والمعاد أكثر من حصباء الوادي، على أن المراد من الإعطاء الإرشاد إلى هذا الذكر وخصوصاً عند المصيبة وقد أخبر الصادق عليه السلام أن هذا مما خصت هذه الأمة به والله أعلم، {قالوا} الأظهر أنهم ليسوا أولاده الذين تولى عنهم وإنما هم جماعة كانوا في الدار من خدمه وأولاد أولاده. {تالله تفتؤ} أراد "لا تفتؤ" فحذف حرف النفي لعدم الإلباس إذ لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون. قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أي لا تزال تذكر. وعن مجاهد: لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين. قال أبو زيد: ما فتئت أذكره أي ما زلت لا يتكلم به إلا مع الجحد {حتى تكون حرضاً} وصف بالمصدر للمبالغة. والحرض فساد في الجسم والعقل للحزن والحب حتى لا يكون كالأحياء ولا كالأموات، أرادوا أنك تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تشفى على الهلاك أو تهلك فأجابهم بقوله: {إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله} قالت العلماء: إذا أسر الإنسان حزنه كان هماً، وإذا لم يقدر على إسراره فذكر لغيره كان بثاً. فالبث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس. فمعنى الآية إني لا أذكر الحزن الشديد ولا القليل إلا مع الله ملتجئاً إليه وداعياً له فخلوني وشكايتي. وهذا مقام العارفين الصديقين كقول نبينا صلى الله عليه وسلم "حديث : أعوذ بك منك"تفسير : . ويحتمل أن يكون هذا معنى توليه عنهم أي تولى عنهم إلى الله والشكاية إليه. يحكى أنه دخل على يعقوب رجل وقال له: ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً. فقال: الذي بي لكثرة غمومي. فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفر له. فكان بعد ذلك إذا سأل قال: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت - أي غضبت - عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء ثم المساكين فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين. وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت. واعلم أن حال يعقوب في تلك الواقعة كانت مختلفة؛ فتارة كان مستغرقاً في بحار معرفة الله، وتارة كان يستولى عليه الحزن والأسف فلهذا كانت هذه الحادثة بالنسبة إليه كإلقاء إبراهيم في النار، وكابتلاء إسحق بالذبح، وكان شغل همه بيوسف بغير اختيار منه، وكذا تأسفه عليه، وما روي أنه عوتب على ذلك فلأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وبالحقيقة كانت واقعة يعقوب أمراً خارق العادة أراد الله تعالى بذلك ابتلاءه وتمادي أسفه وحزنه وإلا فمع غاية شهرته وشدة محبته وقرب المسافة بينه وبين ابنه كيف خفي حال يوسف ولم لم يبعث يوسف إليه رسولاً بعد تملكه وقدرته، ولم زاد في حزن أبيه بحبس أخيه عنده؟‍! أما قوله: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} فمعناه أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، فأرجو أن يأتيني الفرج من حيث لا أحتسب. وقيل: إنه رأى ملك الموت في المنام فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال: لا يا نبي الله. ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه ههنا. وقيل: إنه كان قد رأى أمارات الرشد والكمال في يوسف علم أن رؤياه صادقة لا تخطىء. وقال السدي: أخبره بنوه بسيرة الملك وكماله حاله في أقواله وأفعاله أنه ابنه، أو علم أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه فغلب على ظنه أن الملك هو يوسف. وقيل: أوحى الله تعالى إليه أنه سيلقى ابنه ولكنه ما عين الوقت فلذلك قال ما قال. ثم دعا بنيه على سبيل التطلف فقال: {يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف} وهو طلب الشيء بالحاسة كالتسمع والتبصر ومثله التجسس بالجيم. وقد قرىء بهما وربما يخص الجيم بطلب الخبر في ضد الخير {ولا تيأسوا من روح الله} من فرجه وتنفيسه وقرىء بالضم أي من رحمته التي تحيا بها العباد. قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة فكل ما تهتز بوجوده وتلتذ به فهو روح {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} لأن هذا اليأس دليل على أنه اعتقد أن الله تعالى غير قادر على كل المقدورات، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بجواد مطلق ولا حكيم لا يفعل العبث، وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها اللَّهم إني لا أيأس من روحك فافعل بي ما أنت أهله. ثم ههنا إضمار والتقدير فقبلوا وصية أبيهم وعادوا إلى مصر {فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز} أي الملك القادر المنيع {مسنا وأهلنا الضر} الفقر والحاجة إلى الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم {وجئنا ببضاعة مزجاة} مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته قال سبحانه {أية : ألم تر أن الله يزجي سحاباً}تفسير : [النور: 43] ومنه قوله: "فلان يزجي العيش" أي يدفع الزمان بالقليل. قال الكلبي. هي من لغة العجم. وقيل: لغة القبط. والأصح أنها عربية لوضوح اشتقاقها. قيل: كانت بضاعتهم الصوف والسمن. وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء. وقيل: سويق المقل والأقط. وقيل: دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بنقص لأنها لم يكن عليها صورة يوسف وكانت دراهم مصر ينقش عليها صورته. {فأوف لنا الكيل} الذي هو حقنا. {وتصدق علينا} واعلم أنهم طلبوا المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد. واختلف العلماء في أنه هل كان ذلك منهم طلب الصدقة؟ فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: أرادوا بالصدقة التفضل بالإغماض عن رداءة البضاعة وبإيفاء الكيل والصدقات محظورة على الأنبياء كلهم. وقوله: {إن الله يجزي المتصدقين} يمكن تنزيله على القولين لأن كل إحسان يبتغى به وجه الله فإن ذلك لا يضيع عنده والصدقة العطية التي ترجى بها المثوبة عند الله ومن ثم لم يجوز العلماء أن يقال: الله تعالى متصدق أو اللَّهم تصدق علي بل يجب أن يقال: اللَّهم أعطني أو تفضل علي أو ارحمني. كان يعقوب أمرهم بالتحسس من يوسف وأخيه والمتحسس يجب عليه أن يتوسل إلى مطلوبه بجميع الطرق كما قيل: الغريق يتعلق بكل شيء. فبدأوا بالعجز والاعتراف بضيق اليد وإظهار الفاقة فرقق الله تعالى قلبه وارفضت عيناه فعند ذلك قال:{هل علمتم ما فعلتم بيوسف} وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء. أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله تعالى وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهب عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وإنما أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام. فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك. وروي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا". وقوله: {هل علمتم} استفهام يفيد تعظيم الواقعة ومعناه ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت. وفيه تصديق لقوله سبحانه: {أية : لتنبئهم بأمرهم هذا}تفسير : [يوسف: 15] وأما فعلهم بأخيه فتعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بالاحتقار والامتهان. وقوله: {إذ أنتم جاهلون} جارٍ مجرى الاعتذار عنهم كأنه قال: إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في أوان الصبا وزمان الجهالة: والغرة إزالة للخجالة عنهم فإن مطية الجهل الشباب وتنصحاً لهم في الدين أي هل علمتم قبحه فتبتم لأن العلم بالقبح يدعو إلى التوبة غالباً فآثر كما هو عادة الأنبياء حق الله على نفسه في المقام الذي يتشفى المغيظ وينفث المصدور ويدرك ثأره الموتور. وقيل: إنما نفى العلم عنهم لأنهم لم يعملوا بعلمهم. ولما كلمهم بذلك {قالوا أئنك لأنت يوسف} عرفوه بالخطاب الذي لا يصدر إلا عن حنيف مسلم عن سنخ إبراهيم، أو تبسم عليه السلام فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم، أو رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء كان ليعقوب وسارة مثلها {قال أنا يوسف} صرح بالاسم تعظيماً لما جرى عليه من ظلم إخوته كأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أشنع الوجوه والله أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك الأخ الذي قصدتم قتله ثم صرت كما ترون ولهذا قال: {وهذا أخي} مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت صار منعماً عليه من الله وذلك قوله: {قد منَّ الله علينا} أي بكل خير دنيوي وأخروي أو بالجمع بعد التفرقة {إنه} أي الشأن {من يتق} عقاب الله {ويصبر} عن معاصيه وعلى طاعته {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} أراد أجرهم فاكتفى من الربط بالعموم. ومن قرأ {يتقي} بإثبات الياء فوجهه أن يجعل "من" بمعنى "الذي"، ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: {ويصبر} في موضع الرفع إلا أنه حذفت الحركة للتخفيف أو المشاكلة. وفي الآية دليل على براءة ساحة يوسف ونزاهة جانبه من كل سوء وإلا لم يكن من المتقين الصابرين. {قالوا تالله لقد آثرك الله علينا} اعتراف منهم بتفضيله عليهم بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين وصورة الأحسنين. ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أنبياء وإن احتج به بعضهم لأن الأنبياء متفاوتون في الدرجات {أية : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}تفسير : [البقرة: 253] {وإن كنا} وإن شأننا أنا كنا خاطئين. قال أبو عبيدة: خطىء وأخطأ بمعنى واحد. وقال الأموي: المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره ومنه قولهم: "المجتهد يخطىء ويصيب". والخاطىء من تعمد ما لا ينبغي. قال أبو علي الجبائي: إنهم لم يعتذروا عن ذلك الذي فعلوا بيوسف لأنه وقع منهم قبل البلوغ ومثل ذلك لا يعد ذنباً، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطئوا بعد ذلك حين لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله. واعترض عليه فخر الدين الرازي بأنه يبعد من مثل يعقوب أن يبعث جمعاً من الصبيان من غير أن يبعث معهم رجلاً بالغاً عاقلاً، فالظاهر أنه وقع ذلك منهم بعد البلوغ. سلمنا لكن ليس كل ما لا يجب الاعتذار عنه لا يحسن الاعتذار عنه، ولما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم متعمدين للإثم {قال} يوسف {لا تثريب عليكم} لا تأنيب ولا توبيخ. وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم. وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتهم. وقيل: لا تخليط ولا إفساد عليكم واشتقاقه من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ومعناه إزالة الثرب كالتجليد والتقريد لإزالة الجلد والقراد وذلك لأنه إذا ذهب منه الثرب كان في غاية الهزال والعجف فصار مثلاً للتقريع المدنف المضني. وقوله: {اليوم} إما أن يتعلق بالتثريب أو بالاستقرار المقدر على عليكم أي لا أثربكم اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره. ثم ابتدأ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم ليكون عقاب الدارين مزالاً عنهم. وأصل الدعاء أن يقع على لفظ المستقبل فإذا أوقعوه لفظ الماضي فذلك للتفاؤل، ويحتمل أن يكون {اليوم} متعلقاً بالدعاء فيكون فيه بشارة بعاجل غفران الله لتجدد توبتهم وحدوثها في ذلك اليوم. يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشياً ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك. فقال يوسف: إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إليّ شزراً ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخذ يوم الفتح بعضادتي باب الكعبة فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟ قالوا: نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت. فقال صلى الله عليه وسلم: أقول ما قال أخي يوسف {لا تثريب عليكم اليوم}. قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته {لا تثريب عليكم اليوم} وقول يعقوب: {سوف أستغفر لكم} ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيهم فقالوا ذهبت عيناه فقال: {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً} كقولك جاء البنيان محكماً ومثله {فارتد بصيراً} أو المراد يأت إلى وهو بصير دليله قوله: {وأتوني بأهلكم أجمعين} قيل: هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف. وكان من الجنة أوحى الله إليه أن فيه عافية كل مبتلي وشفاء كل سقيم. وقالت الحكماء: لعله علم أن أباه ما كان أعمى وإنما صار ضعيف البصر من كثرة البكاء فإذا ألقى عليه قميصه صار منشرح الصدر فتقوى روحه ويزول ضعفه. روي أن يهوذا حمل القميص وقال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم فأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً. عن الكلبي: كان أهله نحواً من سبعين إنساناً. وقال مسروق: دخل قوم يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم نحو من ستمائة ألف. {ولما فصلت العير} خرجت من عريش مصر فصل من البلد فصولاً انفصل منه وجاوز حيطانه، وفصل مني إليه كتاب إذا نفذ وإذا كان فصل متعدياً كان مصدره الفصل {قال أبوهم} لمن حوله من قومه {إن لأجد} بحاسة الشم {ريح يوسف} قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت رائحة الجنة في الدنيا فعلم يعقوب أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص. قال أهل التحقيق: إن الله تعالى أوصل إليه ريح يوسف عند انقضاء مدة المحنة ومجيء أوان الروح والفرح من مسيرة ثمان، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب البلدين في مدة ثمانين سنة أو أربعين عند الأكثرين وكلاهما معجزة ليعقوب خارقة للعادة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فإنه في زمان الإقبال سهل.وقوله: {لولا أن تفندون} جوابه محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدّقتموني. والتفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وتغير العقل من هرم يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي فتفند في الكبر. {قالوا} يعني الحاضرين عنده {تالله إنك لفي ضلالك القديم} أي فيما كنت فيه قدماً من البعد عن الصواب في إفراط محبة يوسف كما قال بنوه {أية : إن أبانا لفي ضلال مبين} تفسير : [يوسف: 8]. وقيل: لفي شقائك القديم بما تكابد على يوسف من الأحزان. قال الحسن: إنما قالوا هذه الكلمة الغليظة لاعتقادهم أن يوسف قد مات. {فلما أن جاء} "أن صلة" أي فلما جاء مثل {أية : فلما ذهب عن إبراهيم الروع}تفسير : [هود: 74] وقيل: هي مع الفعل في محل الرفع بفعل مضمر أي فلما ظهر أن جاء البشير وهو يهوذا {ألقاه} طرحه البشير أو يعقوب على وجهه {فارتد بصيراً} أي انقلب من العمى إلى البصر أو من الضعف إلى القوة {قال ألم أقل لكم} جوز في الكشاف أن يكون مفعوله محذوفاً وهو قوله: {إني لأجد ريح يوسف} أو قوله: {ولا تيأسوا من روح الله} ويكون قوله: {إني أعلم} كلاماً مستأنفاً. والظاهر أن مفعوله قوله: {إني أعلم من الله ما لا تعلمون} وذلك أنه كان قال لهم: {إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون} وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟ فقال: هو ملك مصر. قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام. قال: الآن تمت النعمة. ثم إن أولاده أخذوا يعتذرون إليه فوعدهم الاستغفار. قال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أرجى الأوقات إجابة. وعن ابن عباس في رواية أخرى أخر إلى ليلة الجمعة تحرياً لوقت الإجابة. وقيل: أخر لتعرف حالهم في الإخلاص. وقيل: استغفر لهم في الحال ووعدهم دوام الاستغفار في الاستقبال. فقد روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. روي أنه قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه وقال: اللَّهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحي إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين. وروي أنهم قالوا له - وقد علتهم الكآبة - وما يغني عنا عفوكما إن لم يعف عنا ربنا فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبداً. فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى جهدوا وظنوا أنهم هلكوا نزل جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. واختلاف الناس في نبوتهم مشهور، يحكى أنه وجه يوسف إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه،وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشي ويتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر؟ قال: لا هذا ولدك: فلما لقيه قال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان. فأجابه يوسف وقال: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك. ومعنى {آوى إليه أبويه} ضمهما إليه واعتنقهما. قال ابن إسحق: كانت أمة باقية إلى ذلك الوقت أو ماتت إلى أن الله تعالى أحياها ونشرها من قبرها تحقيقاً لرؤيا يوسف. وقيل: المراد بأوبويه أبوه وخالته لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين حتى قيل إن بنيامين بالعبرية ابن الوجع، ولما توفيت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله تعالى أحد الأبوين لأن الخالة تدعى أماً لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب فيكف وقد اجتمع ههنا الأمران. قال السدي: كان دخولهم على يوسف قبل دخولهم على مصر كأنه حين استقبلهم نزل لأجلهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه {وقال ادخلوا مصر} فعلى هذا جاز أن يكون الاستثناء عائداً إلى الدخول. وعن ابن عباس: ادخلوا مصر أي أقيموا بها. وقوله: {إن شاء الله آمنين} تعلق بالدخول المكيف بالأمن فكأنه قيل: اسلموا وأمنوا في دخولكم وإقامتكم إن شاء الله وجواب الشرط بالحقيقة محذوف والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، أراد الأمن على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بحيث لا يخافون أحداً وكانوا فيما سلف يخافون ملك مصر، أو أراد الأمن من القحط والشدة أو من تعييره إياهم بالجرم السالف. {ورفع أبويه على العرش} السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه {وخروا له سجداً} لسائل أن يقول: السجود لا يجوز لغير الله فكيف سجدوا ليوسف؟ وأيضاً تعظيم الأبوين تالي تعظيم الله سبحانه فمن أين جاز سجدة أبويه له؟ والجواب عن ابن عباس في رواية عطاء أن المراد خرّوا لأجل وجدانه سجداً لله فكانت سجدة الشكر لله سبحانه، وكذا التأويل في قوله: {أية : والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين}تفسير : [يوسف: 4] أي أنها سجدت لله تعالى لأجل طلب مصلحتي وإعلاء منصبي. وأحسن من هذا أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً على لقائه، أو يراد بالسجدة التواضع التام على ما كانت عادتهم في ذلك الزمان من التحية، ولعلها ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجبهة. واعترض على هذا الوجه بأن لفظ الخرور يأباه. بأن الخرور قد يعني به المرور قال تعالى. {أية : لم يخروا عليها صماً وعمياناً}تفسير : [الفرقان: 73] أي لم يمروا. وقيل: الضمير عائد إلى إخوته فقط. ورد بأن قوله: {هذا تأويل رؤياي} من قبل ينبو عنه. وأجيب بأن التعبير لا يلزم أن يكون مطابقاً للرؤيا من كل الوجوه فيحتمل أن تكون السجدة في حق الإخوة التواضع التام، وفي حق أبويه مجرد ذهابهما من كنعان إلى مصر، ففيه تعظيم تام للولد. وقيل: إنما سجد الأبوان لئلا تحمل الأنفة إخوته على عدم السجود فيصير سبباً لثوران الفتن وإحياء الأحقاد والضغائن، أو لعله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا الله تعالى، ورضي بذلك يوسف موافقة لأمر الله ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن يوسف لما رأى سجودهم له اقشعر جلده ولكن لم يقل شيئاً وكأن الأمر بتلك السجدة كان من تمام التشديد والبلية والله أعلم. {وقد أحسن بي} يقال: أحسن به وإليه بمعنى. {إذ أخرجني من السجن} لم يذكر إخراجه من البئر لأنه نوع تثريب للإخوة وقد قال: {لا تثريب عليكم} ولأنه لم يكن نعمة لأنه حينئذ صار عبداً وصار. مبتلى بالمرأة ولأن هذا الإخراج أقرب وأشمل {وجاء بكم من البدو} أي من البادية سمى المكان باسم المصدر لظهور الشخص فيه من بعيد، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش يتنقلون في المياه والصحارى. قال ابن الأنباري. بدا موضع معروف هنالك. روي عن ابن عباس أن يعقوب كان قد تحول إليه وسكن فيه ومنه قدم إلى يوسف، على هذا كان يعقوب وولده أهل الحضر والبدو قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا والمعنى جاء بكم من قصد بدا ذكره الواحدي في البسيط. قال الجبائي والكعبي والقاضي: إنه تعالى أخبر عن يوسف أنه أضاف الإحسان إلى الله ونسب النزغ إلى الشيطان وهو الإفساد والإغراء، ففيه دليل على أن الخير من الله دون الشر. وأجيب بأنه إنما راعى الأدب وإلا فليس فعل الشيطان إلا الوسوسة، وأما صرف الداعية إلى الشر فلا يقدر عليه إلا الله فإن العاقل لا يريد ضرر نفسه. {إن ربي لطيف لما يشاء} فإذا أراد حصول أمر هيأ أسبابه وإن كان في غاية البعد عن الأوهام. {إنه هو العليم} بالوجه الذي تسهل به الصعاب {الحكيم} في أفعاله حتى تجيء على الوجه الأصوب والنحو الأصلح. يحكى أن يوسف أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الورق والذهب وخزائن الحلي والثياب والسلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزائن القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل! قال: أمرني جبريل. قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: {أية : وأخاف أن يأكله الذئب}تفسير : [يوسف: 13] قال: فهلا خفتني. ثم إن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة. فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له قال: {رب آتيتني من الملك} شيئاً من ملك الدنيا أو من ملك مصر لأنه كان دون ملك فوقه {وعلمتني من تأويل الأحاديث} بعضاً من ذلك لأنه لا يمكن أن يحصل للإنسان في العمر المتناهي والاستعداد المعين المحصور سوى المتناهي من السعادات الدنيوية والكمالات الأخروية {فاطر السموات والأرض} منادى ثان أو صفة النداء الأول أي مبدعهما على النحو الأفضل من مادة سابقة كالدخان أو من عدم محض {أنت وليي في الدنيا والآخرة} لا يتولى إصلاح مهماتي في الدارين غيرك. ولما قدم النداء والثناء كما هو شرط الأدب الحسن ذكر المسألة فقال {توفني مسلماً} أراد الوفاة على حال الإسلام والختم بالحسنى كقول يعقوب لولده: {أية : ولا تموتن إلى وأنتم مسلمون}تفسير : [آل عمران: 102] {وألحقني بالصالحين} من آبائي أو على العموم. قيل: الصلاح أول درجات المؤمنين الصالحين فالواصل إلى الغاية وهي النبوة كيف يليق به أن يطلب البداية؟ والجواب إن أراد الإلحاق بالآباء فظاهر، وإن أراد العموم فكذلك لأن طلب الصلاح غير الإلحاق بأهل الصلاح فإن اجتماع النفوس المشرقة بالأنوار الإلهية له أثر عظيم وفوائد جمة كالمرآة المستنيرة المتقابلة التي يتعاكس أضواؤها ويتكامل أنوارها إلى حيث لا تطيقها الضعيفة، هذا مع أن الختم على الصلاح نهاية مراتب الصديقين. وههنا بحث للأشاعرة وهو أن التوفي على الإسلام والإلحاق بأهل الصلاة لو لم يكن من فعل الله تعالى كان طلبه من الله جارياً مجرى قول القائل: افعل يا من لا يفعل. وهل هذا إلا كتشنيع المعتزلة علينا إذ كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقول للمكلف افعل مع أنه ليس بفاعل؟ أجاب الجبائي والكعبي بأن المراد ألطف بي بالإقامة على الإسلام إلى أن أموت فألحق بالصلحاء. ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله في حق الكل. سؤال آخر: الأنبياء يعلمون أنهم يموتون على الإسلام ألبتة. فما الفائدة في الطلب؟ الجواب: العلم الإجمالي لا يغني عن العلم التفصيلي ولا سيما في مقام الخشية والرهبة. وقال في التفسير الكبير: المطلوب ههنا حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر وهي الاستسلام لحكم الله والرضا بقضائه. وعن قتادة وكثير من المفسرين أنه تمنى الموت واللحوق بدار البقاء في زمرة الصلحاء ولم يتمن الموت نبي قبله ولا بعده. قال أهل التحقيق: لا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن تعظم رغبته في الموت لوجوه منها: أن مراتب الموجودات ثلاث: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله تعالى وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجساد فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة، ويتوسطهما قسم ثالث هو عالم الأرواح لأنها تقبل الأثر والتصرف من العالم الإلهي، ثم إذا أقبلت على عالم الأجساد تصرفت فيه وأثرت. وللنفوس في التأثير والتأثر مراتب غير متناهية لأن تأثيرها بحسب تأثرها مما فوقها والكمال الإلهي غير متناه فإذن لا تنفك النفس من نقصان ما، والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وقد ذاق لذة الكمال بقي في القلق وألم الطلب ولا سبيل له إلى دفع هذا القلق والألم إلا الموت فحينئذ يتمنى الموت. ومنها أن سعادات الدنيا ولذاتها سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها، ثم إنها مخلوطة بالمنغصات والأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كانت حصة الأراذل أكثر فلا جرم يتمنى العاقل موته ليتخلص من هذه الآفات. ومنها أن اللذات الجسمانية لا حقيقة لها لأن حاصلها يرجع إلى دفع الآلام. وقد قررنا هذا المعنى فيما سلف. ومنها أن مداخل اللذات الدنيوية ثلاثة: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل منها عيوب؛ فلذة الأكل مع أنها غير باقية بعد البلع فإن المأكول يتخلط بالبصاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر، ثم لما يصل إلى المعدة يستحيل إلى ما ذكره منفر فكيف به ومن هنا قالت العقلاء: من كانت همته ما يدخل في جوفه كانت قيمته ما يخرج من بطنه، هذا مع اشتراك الحيوانات الخسيسة فيها. وأيضاً اشتداد الجوع حاجة والحاجة نقص وآفة وكذا الكلام في لذة النكاح وعيوبها مع أن فيها احتياجاً إلى زيادة المال، والنفقة للزوج والولد وما يلزمهما، والاحتياج إلى المال يلقي المرء في مهالك الاكتساب ومهاوي الانتجاع، ولذة الرياسة أدنى عيوبها أن كل واحد يكره بالطبع أن يكون خادماً مأموراً ويحب أن يكون مخدوماً، فسعي الإنسان في الرياسة سعي في مخالفة كل من سواه. ولا ريب أن هذا أمر صعب الحصول منيع المرام وإذا ناله كان على شرف الزوال في كل حين وأوان لأن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر فيكون دائماً في الحزن والخوف. فإذا تأمل العاقل في هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح في اللذات العاجلة ولكن النفس جبلت على طلبها والرغبة فيها فيكون دائماً في بحر الآفات وغمرات الحسرات فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة. وقد سبق منا في تمني الموت كلام آخر في سورة البقرة في تفسير قوله: {أية : فتمنوا الموت إن كنتم صادقين}تفسير : [الجمعة: 6] فليتذكر. قال أهل السير: لما توفي يوسف تخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي أن عملوا له صندوقاً من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا فيه شرعاً. وولد له إفراثيم وميشا وولد لإفراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم بقي يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه والله تعالى أعلم بحقائق الأمور. التأويل: إن يعقوب الروح لا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب لأنه مرآة جمال الحق لا يشاهد الحق إلا فيها فلذلك أبيضت عيناه في انتظارها فلامه على ذلك الأوصاف البشرية بقولهم {تفتؤ تذكر يوسف} وأين أهل السلوة من أهل العشق، أين الخلي من الشجي، ولا بد للمحب من ملامة الخلق فأول ملامتي آدم عليه السلام حين قالت الملائكة لأجله {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] بل أول ملامتي هو الله تعالى حين قالوا له: {أتجعل فيها} وذلك أنه أول محب ادعى المحبة وهو قوله {يحبهم} {أية : وأعلم من الله ما لا تعلمون}تفسير : [الأعراف: 62] من جماله وكماله {اذهبوا فتحسسوا} فيه أن الواجب على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، وإن ترك لطف الله واليأس عن وجدانه كفر. فلما رأت الأوصاف البشرية آثار العزة من رب العزة على صفحات أحوال يوسف القلب حين وصلوا بتيسير أحكام الشريعة وتدبير آداب الطريقة إلى سرداقات حضرة القلب {قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا} وهم القوى الإنسانية {ضر} البعد عن الحضرة الربانية {وجئنا ببضاعة مزجاة} من الأعمال البدنية {فأوف لنا الكيل} بإفاضة سجال العوارف وإسباغ ظلال العواطف {إذ أنتم جاهلون} إذ كنتم على صفة الظلومية والجهولية {لقد آثرك الله علينا} بالطلب والصدق والشوق والمحبة والوصول والوصال {وإن كنا لخاطئين} في الإقبال على استيفاء الحظوظ الحيوانية التي تضر القلب والسر والروح {لا تثريب عليكم اليوم} لأنه صدر منها ما صدر بحكمة من الله تعالى وتربية القلب وإن كان مضراً له ظاهراً كما أن صنيع إخوة يوسف في البداية صار سبباً لرفعة منزلته في النهاية {اذهبوا بقميصي} وهو نور جمال الله {ولما فصلت} عير واردات القلب وهبت نفحات ألطاف الحق {إنك لفي ضلالك القديم}. شعر : يا عاذل العاشقين دع فئة أضلها الله كيف ترشدها تفسير : {فارتد بصيراً} لأن الروح كان بصيراً في بدو الفطرة ثم عمي لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها ثم صار بصيراً بوارد من القلب: شعر : ورد البشير بما أقر الأعينا وشفى النفوس فنلن غايات المنى تفسير : والقلب في بدو الأمر كان محتاجاً إلى الروح في الاستكمال، فلما كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين إصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية صار الروح محتاجاً إليه لاستنارته بأنوار الحق، وذلك أن القلب بمثابة المصباح في قبول نار النور الإلهي والروح كالزيت فيحتاج المصباح في البداية إلى الزيت في قبول النار، ولكن الزيت يحتاج إلى المصباح في البداية وتزكيته في النهاية لتقبل بواسطة النار {ادخلوا مصر إن شاء الله} لأنه لا يصل إلى الحضرة الأحدية إلا بجذبة المشيئة آمنين من الانقطاع والانفصال {وخروا له سجداً} لما رأوه وعرفوه أنه عرش الحق تعالى، فالسجدة كانت في الحقيقة لرب العرش لا للعرش {هذا تأويل رؤياي من قبل} إن كنت نائماً في نوم العدم {إذ أخرجني من السجن} سجن الوجود ولم يقل من الجب لأنه لا يخرج من جب البشرية ما دام في الدنيا {من البدو} بدو الطبيعة {آتيتني من الملك} ملك الوصال والوصول {فاطر سموات} عالم الأرواح وأرض البشرية {توفني مسلماً} أخرجني من قيد الوجود المجازي وأبقني ببقائك مع الباقين بك بفضلك وكرمك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله {يا أسفى على يوسف} قال: يا حزناً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {يا أسفى على يوسف} قال: يا حزناً على يوسف. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {يا أسفى على يوسف} قال: يا جزعاً. وأخرج أبو عبيد وابن سعيد وابن أبي شيبة وابن المنذر، عن يونس - رضي الله عنه - قال: لما مات سعيد بن الحسن حزن عليه الحسن حزناً شديداً، فكلم الحسن في ذلك فقال: ما سمعت الله عاب على يعقوب عليه السلام الحزن. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وأبو الشيخ، عن الحسن - رضي الله عنه - قال: كان منذ خرج يوسف عليه السلام من عند يعقوب عليه السلام إلى يوم رجع، ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه، ودموعه تجري على خديه. ولم يزل يبكي حتى ذهب بصره. والله ما على وجه الأرض يومئذ خليقة أكبر على الله من يعقوب. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - قال: لم يعط أحد الاسترجاع غير هذه الأمة، ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب عليه السلام. ألا تستمعون إلى قوله {يا أسفى على يوسف}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأحنف بن قيس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن داود قال: يا رب، إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحق ويعقوب، فاجعلني لهم رابعاً. فأوحى الله إليه أن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك. وأن إسحق بذل مهجة دمه في سببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وأن يعقوب أخدت منه حبيبه حتى ابيضت عيناه من الحزن فصبر، وتلك بلية لم تنلك ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {فهو كظيم} قال: حزين. وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - إن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {فهو كظيم} ما الكظيم؟ قال: المغموم. قال فيه قيس بن زهير: شعر : فإن أك كاظماً لمصاب شاس فإني اليوم منطلق لساني تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {فهو كظيم} قال: كظم الحزن. وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {فهو كظيم} قال: كظم على الحزن، فلم يقل إلا خيراً، أو في لفظ: يردد حزنه في جوفه ولم يتكلم بسوء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن عطاء الخراساني - رضي الله عنه - في قوله {فهو كظيم} قال: فهو مكروب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {كظيم} قال: مكروب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه قال: الكظيم الكمد. وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - {فهو كظيم} قال: مكمود. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن زيد رضي الله عنه قال: الكظيم الذي لا يتكلم، بلغ به الحزن حتى كان لا يكلمهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ليث بن أبي سليم - رضي الله عنه - أن جبريل عليه السلام، دخل على يوسف عليه السلام في السجن فعرفه، فقال له: أيها الملك الكريم على ربه، هل لك علم بيعقوب؟ قال نعم. قال: ما فعل؟ قال: ابيضت عيناه من الحزن عليك. قال: فماذا بلغ من حزنه؟ قال: حزن سبعين مثكلة. قال: هل له على ذلك من أجر؟ قال: نعم. أجر مائة شهيد. وأخرج ابن جرير من طريق ليث، عن ثابت البناني - رضي الله عنه - مثله سواء. وأخرج ابن جرير من طريق ليث بن أبي سليم، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال: حدثت أن جبريل عليه السلام، دخل على يوسف عليه السلام وهو بمصر في صورة رجل، فلما رآه يوسف عليه السلام عرفه، فقام إليه فقال: أيها الملك الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، هل لك بيعقوب من علم؟ قال: نعم. قال: فكيف هو؟... فقال: ذهب بصره. قال: وما الذي أذهب بصره؟ قال: الحزن عليك. قال: فما أعطي على ذلك؟ قال: أجر سبعين شهيداً. وأخرج ابن جرير، عن عبد الله بن أبي جعفر - رضي الله عنه - قال: دخل جبريل عليه السلام على يوسف عليه السلام في السجن فقال له يوسف: يا جبريل، ما بلغ من حزن أبي؟ قال: حزن سبعين ثكلى. قال: فما بلغ أجره من الله؟ قال: أجر مائة شهيد. وأخرج ابن أبي شيبة عن خلف بن حوشب مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - قال: لما أتى جبريل عليه السلام يوسف عليه السلام بالبشرى وهو في السجن قال: هل تعرفني أيها الصديق؟ قال: أرى صورة طاهرة، وريحاً طيبة لا تشبه أرواح الخاطئين. قال: فإني رسول رب العالمين، وأنا الروح الأمين. قال: فما الذي أدخلك إلى مدخل المذنبين، وأنت أطيب الطيبين، ورأس المقربين، وأمين رب العالمين؟؟؟... قال: ألم تعلم يا يوسف، أن الله يطهر البيوت بمطهر النبيين؟ وأن الأرض التي تدخلونها هي أطيب الأرضين؟ وأن الله قد طهر بك السجن وما حوله بأطهر الطاهرين وابن المطهرين؟ إنما يتطهر بفضل طهرك وطهر آبائك الصالحين المخلصين. قال: كيف تسميني بأسماء الصديقين وتعدني من المخلصين، وقد دخلت مدخل المذنبين، وسميت بالضالين المفسدين؟... قال: لم يفتن قلبك الحزن، ولم يدنس حريتك الرق، ولم تطع سيدتك في معصية ربك، فلذلك سماك الله بأسماء الصديقين، وعدّك مع المخلصين، وألحقك بآبائك الصالحين. قال: هل لك علم بيعقوب؟ قال: نعم، وهب الله له الصبر الجميل، وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم. قال: فما قدر حزنه؟ قال: سبعين ثكلى. قال: فماذا له من الأجر؟ قال: قدر مائة شهيد. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة - رضي الله عنه - قال: أتى جبريل عليه السلام، يوسف عليه السلام وهو في السجن، فسلم عليه، فقال له يوسف: أيها الملك الكريم على ربه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، هل لك علم بيعقوب؟ قال: نعم، ما أشد حزنه!.. قال: ماذا له من الأجر؟ قال: أجر سبعين ثكلى. قال: أفتراني لاقيه؟ قال: نعم. فطابت نفس يوسف. وأخرج ابن جرير، عن الحسن - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سئل "حديث : ما بلغ وجد يعقوب على ابنه؟ قال: وجد سبعين ثكلى. قيل فما كان له من الأجر؟ قال: أجر مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله ساعة من ليل أو نهار ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد، عن عمرو بن دينار أنه ألقي على يعقوب عليه السلام حزن سبعين مثكل، ومكث في ذلك الحزن ثمانين عاماً.

القشيري

تفسير : تولَّى عن الجميع - وإن كانوا أولادَه - ليُعْلَمَ أَنَّ المحبةَ لا تُبْقي ولا نَذَرْ. ويقال أراد إخوةُ يوسفَ أن يكونَ إقبال يعقوب عليهم بالكليَّة فأَعْرَضَ، وتولَّى عنهم، وفَاتَهُم ما كان لهم، ولهذا قيل: مَنْ طَلَبَ الكُلَّ فاته الكلُّ. ويقال لم يَجِدْ يعقوبُ مُساعِداً لنفسِه على تأسفه على يوسف فتولَّى عن الجميع، وانفرد بإظهار، أسفه، وفي معناه أنشدوا: شعر : فريدٌ عن الخِلاَّنِ في كل بلدةٍ إذا عَظُمَ المطلوبُ قَلَّ المُساعِدُ تفسير : ويقال كان بكاءُ داود عليه السلام أكثرَ من بكاء يعقوب عليه السلام، فلم يذهب بَصَرُ داود وذهْب بَصَرَ يعقوب؛ لأن يعقوب عليه السلام بكى لأَجْلِ يوسف ولم يكن في قدْرةِ يوسف أن يحفظَ بصره من البكاء لأجله، وأمَّا داود فقد كان يبكي لله، وفي قدرة الله - سبحانه - ما يحفظ بَصَرَ الباكي لأَجْلِه. سمعتُ الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله - يقول ذلك، وقال رحمه الله: إن يعقوبَ بكى لأجل مخلوقٍ فذهب بَصَرَهُ، وداود بكى لأَجْل الله فبقي بَصَرُه. وسمعته - رحمه الله - يقول: لم يقل الله: "عَمِيَ يعقوب" ولكن قال: {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ}، لأنه لم يكن في الحقيقة عَمَىً، وإنما كان حجاباً عن رؤية غير يوسف. ويقال كان ذهابُ بصرِ يعقوب حتى لا يحتاج إلى أن يرى غير يوسف، لأنه لا شيءَ أشدُّ على الأحبابِ من رؤية غير المحبوب في حال فراقه، وفي معناه أنشدوا: شعر : لما تَيَقَّنْتُ أني لَسْتُ أُبْصرِكم أغمضتُ عيني فلم أنظر إلى أحد تفسير : وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: كان يعقوب عليه السلام يتسلَّى برؤية بنيامين في حال غيبة يوسف، فلما بقي عن رؤيته قال: {يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} أي أنه لما مُنِعَ من النظر كان يتسلى بالأثر، فلمَّا بقي عن النظر قال: يا أسفا على يوسف.

اسماعيل حقي

تفسير : {وتولى عنهم} اعرض يعقوب عنهم كراهة لما سمع منهم. قال الكاشفى [بس يعقوب ازغايت ملال توجه به بيت الاحزان فرمود] قال الجامى شعر : رواى همدم تودربزم طرب بادوستان خوش زى مرا بكذار تاتنها درين بيت الحزن ميرم تفسير : {وقال يا اسفى على يوسف} الاسف اشد الحزن والحسرة واصله يا اسفى باضافة الاسف الى ياء المتكلم فقلبت الياء الفا طلبا للتخفيف لان الفتحة والالف اخف من الكسرة والياء نادى اسفه وقال يا اسفا تعالى واحضر فهذا اوانك: قال الجامى شعر : كرجو يوسف زما شوى غائب همجو يعقوب ما ويا أسفا تفسير : وقال الحافظ شعر : يوسف عزيزم رفعت اى برادران رحمى كز غمش عجب ديدم حال بير كنعانى تفسير : وانما تأسف على يوسف مع ان الحادث مصيبة اخويه بنيامين والمحتبس والحادث اشد على النفس دلالة به على تمادى اسفه على يوسف وان زرأه ان مصيبته مع تقادم عهده كان غضا عنده طريا ولان زرأ يوسف كان قاعدة المصيبات ولانه كان واثقا بحياتهما عالما بمكانهما طامعا فى ايابهما واما يوسف فلم يكن فى شأنه ما يحرك سلسلة رجائه سوى رحمة الله وفضله وفى الحديث "حديث : لم تعط امة من الامم انا لله وانا اليه راجعون عند المصيبة الا امة محمد صلى الله عليه وسلم" تفسير : الا يرى الى يعقوب حين اصابه ما اصابه لم يسترجع بل قال يا اسفا على يوسف. وعن ابى ميسرة قال لو ان الله ادخلنى الجنة لعاتبت يوسف بما فعل بابيه حيث لم يكتب كتابا ولم يعلم حاله ليسكن ما به من الغم انتهى. يقول الفقير هذا كلام ظاهرى وذهول عما سيأتى من الخبر الصحيح ان هذا كان بامر جبرائيل عن امر الله تعالى والا فكيف يتصور من الانبياء قطع الرحم وقد كان بين مصر وكنعان ثمانى مراحل {وابيضت عيناه من الحزن} الموجب للبكاء فان العبرة اذا كثرت محقت سواد العين وقلبته الى بياض وقد تعميها كما اخبر عن شعيب عليه السلام فانه بكى من حب الله تعالى حتى عمى فرد الله عله بصره وكذا بكى يعقوب حتى عمى وهو الاصح لقوله تعالى {أية : فارتد بصيرا} تفسير : قال الكمال الخجندى شعر : زكريه برسر مردم يقين كه خانه جشم فرو رود شب هجران وبس كه بارانست تفسير : -روى- انه ماجفت عينا يعقوب من يوم فراق يوسف الى حين لقائه ثمانين سنة وما على وجه الارض اكرم على الله من يعقوب. فان قلت لم ذهب بصر يعقوب بفراقه واشتياقه الى يوسف. قلت لئلا يزيد حزنه النظر الى اولاده ولسر شهود الجمال لما حديث : ورد فى الخبر النبوى يرويه عن جبريل عن ربه قال "يا جبريل ما جزاء من سلبت كريمتيه" يعنى عينيه قال "سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا قال تعالى جزاؤه الخلود فى دارى والنظر الى وجهى تفسير : وفى الخبر حديث : اول من ينظر الى وجه الرب تعالى الاعمى" تفسير : قال بعض الكبار اورث ذلك العمى بذهاب بصره النظر الى الجمال اليوسفى الذى هو مظهر من مظاهر الجمال المطلق لان الحق تعالى تجلى بنور الجمال فى المجلى اليوسفى فاحبه ابوه وابتلى بحبه اهل مصر من وراء الحجاب. وفيه اشارة الى انه ما لم يفن العارفين العين الكونى الشهادى لا يصل الى شهود الجمال المطلق شعر : هر محنتى مقدمة راحتى بود شد همزبان حق جو زبان كليم سوخت تفسير : فالعارف يشاهد الجمال المطلق بعين السر فى مصر الوجود الانسانى وينقاد له القوى والحواس جميعا. واستدل بالآية على جواز التاسف والبكاء عند النوائب فان الكف عن ذلك مما لا يدخل تحت التكليف فانه ان قل من يملك نفسه عند الشدائد. حديث : قال انس رضى الله عنه دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابى سيف القين وكان ظئرا لابراهيم ولده عليه السلام فاخذ رسول الله ابراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وابراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف وانت يا رسول الله قال "يا ابن عوف انها رحمة" ثم اتبعها اخرى اى دمعة اخرى فقال "ان العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول الا ما يرضى ربنا وانا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون " تفسير : قال فى الروضة وابراهيم بنى النبى عليه السلام مات فى المدينة وهو ابن ثمانية عشر شهرا انتهى. وانما الذى لا يجوز ما يفعله الجهلة من الصياح والنياحة ولطم الخدود والصدور وشق الجيوب وتمزيق الثياب. حديث : وعنه عليه السلام انه بكى على ولد بعض بناته وهو يجود بنفسه فقيل يا رسول الله تبكى وقد نهيتنا عن البكاء فقال "ما نهيتكم عن البكاء وانما نهيتكم عن صوتين احمقين صوت عند الفرح وصوت عند الترح" تفسير : قال فى المغرب الحمق نقصان العقل وانما قيل لصوتى النياحة والترنم فى اللعب احمقان لحمق صاحبهما. والبكاء على ثلاث اوجه من الله وعلى الله والى الله فالبكاء من توبيخه وتهديده والبكاء اليه من شوقه ومحبته والبكاء عليه من خوف الفراق وفرق الله بين يوسف وابيه لميله اليه ومحبته عليه والمحبوب يورث المحنة. والعميان من الانبياء اسحاق ويعقوب وشعيب. ومن الاشراف عبد المطلب بن هاشم وامية بن عبد شمس وزهرة بن كلاب ومطعم بن عدى. ومن الصحابة سواء كان اعمى فى عهده او حدث له بعد وفاته عليه السلام البراء بن عازب وجابر بن عبد الله وحسان بن ثابت والحكم بن ابى العاص وسعد بن ابى وقاص وسعيد بن يربوع وصخر بن حرب ابو سفيان والعباس بن عبد المطلب وعبد الله بن الارقم وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله عمير وعبد الله بن ابى اوفى وعتبان بمن مالك وعتبة بن مسعود الهذلى وعثمان بن عامر ابو قحافة وعقيل بن ابى طالب وعمرو بن ام مكتوم المؤذن وقتادة بن النعمان {فهو كظيم} مملوء من الغيظ على اولاده ممسك له فى قلبه شعر : در ديست درين سينه كه كفتن نتوانيم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: يا أسفي، ويا ويلتي، ويا حسرتي، مما عوض فيه الألف عن ياء المتكلم. والأسف: أشد الحزن. وقيل: شدة الحسرة. و (كظيم): إما بمعنى مفعول، كقوله: (وهو مكظوم)؛ أي: فهو مملوء غيظاً على أولاده، ممسك له في قلبه، تقول: كظم السقاء؛ إذا شد على ملئِه. أو بمعنى فاعل؛ كقوله: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} تفسير : [آل عمران: 134]؛ من كظم البعير جِرَّتَهُ؛ إذا ردها في جوفه. و (تفتأ): من النواقص اللازم للنفي، وحذفه هنا لعدم الإلباس؛ لأنه لو كان مثبتاً لأكد باللام والنون. والحرض: المريض المشرف على الهلاك، وهو في الأصل مصدر، ولذلك لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. والبث: أشد الحزن. يقول الحق جل جلاله: {وتولّى} يعقوب عن أولاده، أي: أعرض {عنهم} لما لم يصدقهم، كراهةً إما صادف منهم، ورجع إلى تأسفه {وقال يا أسَفَا} أي: يا شدة حزني {على يوسف}. وإنما تأسف على يوسف دون أخويه لأن محبته كانت أشد؛ لإفراط محبته فيه، ولأن مصيبته سبقت عليهما. {وابيضَّتْ عيناه} من كثرة البكاء {من الحُزن}، كأَنَّ العَبْرَةَ محقت سوادها، وقيل: ضعف بصره، وقيل: عمي. وقد رُوي أنه: "حَزِنَ يعقُوب حُزْن سبعين ثَكْلَى، وأُعطِي أَجر مائَة شَهيدٍ، وما ساءَ ظَنّه بالله قَطّ". وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع. ولعل أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف، فإنه قلَّ من يملك نفسه عند الشدائد، وقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : القلْبُ يَحْزَنُ، والعَيْنُ تَدمَعُ، ولا نَقُولُ إلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا، وإنَّا على فِراقِكَ يا إبراهِيمُ لَمَحْزُونون ". تفسير : {فهو كظيم} أي: مملوء غيظاً على أولاده؛ لما فعلوا. أو كاظم غيظه، ماسك له، لم يظهر منه شيئاً، ولم يَشْكُ لأحد. {قالوا تاللهِ تَفْتَؤا}: لا تزال {تذكرُ يوسفَ} تفجعاً عليه، {حتى تكون حَرَضاً}: مشرفاً على الهلاك، {أو تكون من الهالكين}: من الميتين. {قال إنما أشكو بَثّي} أي: شدة همي {وحزني} الذي لا صبر عليه، {إلى الله} لا إلى أحد منكم ولا غيركم؛ فَخَلّوني وشِكَايتي، فلست مِمَّن يجزع ويَضْجَر؛ فيستحق التعنيف، وإنما أشكو إلى الله، ولا تعنيف فيه؛ لأن فيه إظهار الفقر، والعجر بين يديه، وهو محمود. {وأعلمُ من الله ما لا تعلمون} أي: أعلم من لطف الله ورأفته ورحمته، ما يوجب حسن ظني وقوة رجائي، وأنه لا يخيب دعائي، ما لا تعلمون. أو: وأعلم من طريق الوحي من حياة يوسف ما لا تعلمون؛ لأنه رأى ملك الموت فأخبره بحياته، كما تقدم. وقيل: علم من رؤيا يوسف أنه لا يموت حتى تخر له إخوته سُجّداً. {يا بَني اذهبوا} إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم، {فتحسسُوا من يوسفَ وأخيهِ} أي: تعرفوا من خبرهما، وتفحَّصوا عن حالهما. والتحسس: طلب الشيء بالحواس. وإنما لم يذكر الولد الثالث؛ لأنه بقي هناك اختياراً. وفي ذكر يوسف دليل على أنه كان عالماً بحياته. {ولا تيأسوا من رَّوْح الله}: لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه، أو من رحمته، وقرئ بضم الراء، أي: من رحمته التي يحيي بها العباد، أي: ولا تيأسوا من حي معه روح الله؛ فكل من بقي روحه يرْجى، أي: ويوسف عندي، فمن معه روح الله فلا تيأسوا من رجوعه. {إنه} أي: الشأن {لا ييأسُ من رَّوْح الله إلا القومُ الكافرون} بالله وصفاته؛ لأن العارف لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال. وإنما جعل اليأس من صفة الكافر؛ لأن سببه تكذيبٌ بالربوبية، أو جهل بصفة الله وقدرته، والجهل بالصفة جهل بالموصوف، فالإياس من رحمة الله كفر. وأما حديث الرجل الذي قال: (إذا متُّ فاحرقوني، ثم اذْروني في البحر والبر في يوم رائح، فلئِنِ قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحد من الناس)، حسبما في الصحيح، فليس فيه اليأس ولا تعجيز القدرة، لكن لما غلبه الخوف المفرط لم يتأمل ولم بضبط حاله؛ إما لحقه من الخوف وغمره من الدهش، دون عقد ولا إصرار على نفي الرحمة واليأس منها. ويدل على ذلك قوله: (لما قال له الرب ـ تعالى ـ: ما حملك على هذا؟ قال: مخافتك، فغفر له). ولم يقل اليأس من رحمتك. انظر المحشي الفاسي. الإشارة: لم يتأسف يعقوب عليه السلام على فقد صورة يوسف الحسية، إنما تأسف على فقد ما كان يشاهد فيه من جمال الحق وبهائه، في تجلي يوسف وحسن طلعته البهية، وفي ذلك يقول ابن الفارض: شعر : عَيْني لِغَيْرِ جَمَالِكُمْ لاَ تَنْظُرُ وسِوَاكمُ فِي خَاطِري لا يَخطرُ تفسير : فلما فقد ذلك التجلي الجمالي حزن عليه، وإلا فالأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ أولى بالغنى بالله عما سواه. فإذا حصل للقلب الغنى بالله لم يتأسف على شيء، ولم يحزن على شيء؛ لأنه حاز كل شيء، ولم يفته شيء. "ماذا فقد من وجده، وما الذي وجد من فقده". ولله در القائل: شعر : أَنَا الفَقِيرُ إِليْكُمُ والْغَنِيُّ بِكُمُ وَلَيْس لِي بَعدَكُمُ حِرْصٌ عَلى أَحدِ تفسير : وهذا أمر محقق، مذوق عند العارفين؛ أهل الغنى بالله. وقوله: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}: فيه رفع الهمة عن الخلق، والاكتفاء بالملك الحق، وعدم الشكوى فيما ينزل إلى الخلق... وهو ركن من أركان طريق التصوف، بل هو عين التصوف. وبالله التوفيق. ثم ذهبوا إلى مصر كما أمرهم أبوهم، قال تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى عن يعقوب أنه تولى عنهم بعد ان قال لهم ما تقدم ذكره بمعنى أعرض بوجهه عنهم، والتولي والاعراض بمعنى واحد {وقال يا أسفى على يوسف} اي يا حسرتاه، في قول الحسن وقتادة والضحاك. وانما نادى بالاسف على وجه البيان، لان الحال حال حزن كأنه قال: يا اسف احضر، فانه من احيانك واوقاتك، ومثله (واحزناه). والاسف الحزن على ما فات. وقيل: هو أشد الحزن يقال: أسف يأسف أسفاً وتأسف تأسفاً، وهو متأسف. وقوله {ابيضت عيناه} فالإبيضاض انقلاب الشيء الى حال البياض. والمعنى انه عمي فلم يبصر شيئاً. والعين حاسد الادراك للمرئيات. والحزن الغم الشديد، وهو من الحزن، وهي الارض الغليظة، والكظيم هو الممسك للحزن في قلبه لا يبثه بما لا يجوز الى غيره، ومنه قوله {أية : والكاظمين الغيظ}تفسير : اي لا يتسرع بموجبه الى غيره. وقيل كظيم على الحزن لم يقل يا اسفاه - في قول مجاهد والضحاك، والحسن - وقيل كظيم بالغيظ على نفسه، لم ارسله مع إخوته - في قول السدي والجبائي.

الجنابذي

تفسير : {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} رغبة فى الخلوة والعزلة لغاية الحزن لمّا رأى انّ اقباله على اولاده واعتماده عليهم ذهب بثلاثة منهم تنبّه انّ الاعتماد على الغير يوجب التّضرّر وتولىّ عنهم ولكن لمّا كان حبّ يوسف (ع) قويّاً فى قلبه لم يقو على التّسلّى عنه {وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ} كناية عن العمى، وقيل عن كثرة البكاء لانّ الحدقة اذا اغرورقت فى الدّمع تترائى مبيضّة {فَهُوَ كَظِيمٌ} بمعنى مكظوم اى مملّو من الغيظ على اولاده او من الحزن على يوسف (ع) او بمعنى كاظم مثل الكاظمين الغيظ اى ممسك غيظه او حزنه غير مظهر الاّ الخير، والفاء للسّببيّة المحضة مشعرة بسببيّة ما بعدها لما قبلها سببيّة ما قبلها الاعتقاد بما بعدها.

اطفيش

تفسير : {وتَولَّى عَنهم} أعرض لكراهة ما جاءوا به {وقالَ يا أسفى} نداء تفجع، والأصل يا أسفى أحضر، فهذا أوانك والأسف أشد الحزن والحسرة والألف بدل من ياء المتكلم، وكان ذلك النداء لظهور أن المراد التوجع والتفجع لا حقيقة طلب الإقبال، وليس مراده بذلك النداء الجزع، بل التوجع إلى الله والشكوى إليه، وهو فى المعنى بمنزلة قولك يا إلهى ارحم أسفى. {عَلى يُوسفَ} متعلق بإلا يوسف وبينهما تجانس، وهو بديع مستملح نحو قوله تعالى: {أية : اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا}تفسير : والشاهد {فى الأرض} و{أرضيتم} {أية : وهم ينهون عنه وينأون عنه}{أية : ويحسبون أنهم يحسنون صنعا}تفسير : و{أية : من سبأ بنبأ}تفسير : وإما تأسف على يوسف فقط، مع أن المفقود آخر من يكون وجعه عليه طريا، لأن إصابته بفقد يوسف كانت قاعدة للمصيبات، وعليها تترتب، وكانت غصة طرية مع تطاول الأزمان، ولم يقع فائت عند موقعه، ولأنه كان واثقا بحياة من بقى بمصر منهم دون يوسف، خلافا لرواية أنه علم بحياته من الوحى، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال: يا أسفى"تفسير : وهذا يرد قول بعض أنه لا يبعد أن يجتمع الاسترجاع ويا أسفى لهذه الأمة وليعقوب عليه السلام. {وابيضَّتْ عَيناهُ من الحُزْن} وقرئ بفتح الحاء والزاى، أى للحزن أى لكثرة بكائه من الحزن حتى محقت الدمعة سواد العين، وقلبته إلى بياض، وكان لا يبصر شيئا قال قتادة: لم يبصر شيئا ست سنين، وقيل: كان يدرك إدراكا ضعيفا، وقد علمت أن من للتعليل، لأن الحزن إذا كان علة لكثرة البكاء، وكثرة البكاء علة للابيضاض، فهوعلة للابيضاض إذا كان علة لعلته، ويجوز أن تكون للابتداء إذ حدث ابيضاضهما من الحزن. قال فى عرائس القرآن: قال الحسن: ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما، وما على وجه الأرض أكرم منه على الله سبحانه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه سأل جبريل: ما بلغ وَجْد يعقوب على يوسف، قال: وجْدُ سبعين ثكلى، قال: فما كان له من الأجر؟ قال: أجر مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله تعالى ساعة قط . تفسير : وهكذا قال جبريل ليوسف حين دخل عليه السجن، فقال: هل تعرفنى أيها الصدِّيق المخلص؟ قال: أرى صورة حسنة، قال: انا جبريل، قال: فما أدخلك مدخل المذنبين؟ قال: إن الأرض التى يحلها نبى أطهر أرض، وقد طهر الله بك السجن وما حوله. قال: كيف لى باسم الصدِّيق المخلص، وقد أدخلت مدخل المذنبين؟ قال: لأنه لم يفتن قلبك بسيدتك، ولم تطعها فى معصية ربك بعد السؤال عن حال أبيه وأجره قال: أفترانى لاقيه؟ قال: نعم، فطابت نفسه، قال: ما أبالى ما لقيت. وإن قلت: كيف بلغ ذلك المبلغ من الحزن وهى نبى؟ قلت: لم يبلغه باختياره، بل جبلت النفس على أن تحزن عند الشدائد، وكان مأجورا على عدم خروجه عن الرضا لله وقدره، إلى تحويره، أو صياح، أو نياحة، أو لطم، أو تمزيق ثوب ونحو ذلك. حديث : ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم فقال: "القلب يوجع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنى عليك يا إبراهيم لمحزون"تفسير : وفى رواية: "حديث : القلب يجزع"تفسير : أى يتألم وفى رواية: "حديث : يحزن"تفسير : وقال: "حديث : إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بهذا ويرحم"تفسير : وإشار إلى لسانه. حديث : وبكى على بعض ولد بناته وهو يجود بنفسه، فقيل: يا رسول تبكى وقد نهيتنا عن البكاء! فقال: "ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أجمعين صوت عند الفرح وصوت عند الترح"تفسير : وبكى الحسن على ولد أو غيره فقيل له فى ذلك فقال: ما رأيت الله جعل الحزن على يعقوب عارا. {فهُو كَظيمٌ} أى مغموم مكروب، لا يظهر كربه إلا ما ظهر منه غلبة وطبعا مملوءا هما على يوسف أو عليه وعلى من بقى بمصر، وكظيم كما رأيت فعيل بمعنى مفعول كقوله: {وهو مكظوم} من كظم السقاء إذا شد فمه وقد ملئ، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل أى فهو كاظم لغيظه كاتم له، قال قتادة: الكظيم الذى يرد حزنه فى جوفه ولم يقل إلا خيرا، وأصله كظم البعير جرته إذا ردها فى جوفه، والكظم بفتح الطاء مخرج النفس. وفى الحديث: أن يعقوب كبر وضعف حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقيل: كان يرفعهما بخرقة، فقال بعض جيرانه: لو عشت ونميت لم تبلغ من السن ما بلغ أبوك حتى هرمت، فقال: من طول الزمان، وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه: تشكونى إلى خلقى، فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفر لى، قال: قد غفرت لك، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: أية : {إنما أشكوا بثى وحزنى إلى الله}. تفسير : وفى الحديث، عن أنس قال أخ فى الله ليعقوب: ما قوَّس ظهرك، وأذهب بصرك؟ قال: أذهب بصرى البكاء على يوسف، وقوس ظهرى الحزن على بنيامين، فأوحى الله إليه أتشكونى... إلى آخر ما مر.

اطفيش

تفسير : {وَتَوَلَّى} أَعرض {عَنْهُمْ} لأَنه لم ير منهم ما يسره فى شأْن يوسف وأَخيه أَو أَخويه، وترك خطابهم إِذ لا يفيده {وَقَالَ} إذا بلغ جهده بيوسف {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} يا حزنى الشديد احضر فهذا أَوانك هذا ظاهر اللفظ، والمراد الكناية عن التحسر فإنه معلوم أَن غير الحيوان لا ينادى فنداؤه استعارة مكنية هيج حزنه على يوسف بحدوث موجب للحزن آخر كان يتسلى بعض تسل عنه ببنيامين، إِذ كانا من أُم ولما غاب عنه زاد حزنه، وكان حبه يوسف أَعظم من حبه بنيامين، وهو القاعدة فى حزنه غض طرى ولو قدم، وأَيضا هو واثق بحياة روبيل وبنيامين دون يوسف، وهذا قبل أَن يقول له عزرائِيل: إِن يوسف حى أَو بعده وخاف أَنه مات، وأَلف أَسفى ضمير جر للمتكلم، قلبت الياءُ ولو ساكنة أَلفا بعد فتحه لا يشترط تحركها للقلب لأَن ذلك شرط فى الياءِ التى هى حرف من الكلمة لا فى ياء المتكلم فلا تهم، وقيل الأَلف للندبة وهاؤها مقدرة، وذلك شكوى إِلى الله لا إِلى غيره ولا جزع كأَنه قال: يا أَرحم الراحمين اشتد حزنى. روى الطبرانى وابن مردويه والبيهقى عن سعيد بن جبير عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم تعط أُمة من الأُمم إِنا لله وإِنا إِليه راجعون عند المصيبة إِلا أُمة محمد صلى الله عليه وسلم"تفسير : أَلا ترى إِلى قول يعقوب حين أَصابه ما أَصابه لم يسترجع وقال يا أَسفى، وفيه مع لفظ يوسف تجنيس {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} لكثرة بكائِه، فالحزن سبب بعيد لبياض العين، وكثرة البكاءِ سبب قريب فأُقيم سبب مقام السبب تنبيها على كمال السببية البعيدة كأَنه محق الدموع سواد عينيه لاستمراره ولا ضعف لبصره، وهذا هو الراجح فيما قيل ولا يعارضه: فارتد بصيرا فإِن معناه زوال تلكَ الدموع التى صار بها كالأَعمى، وقيل: زال نظره وعمى كما هو ظاهر قوله: "أية : فارتد بصيرا"تفسير : [يوسف: 96] ولا مانع من حدوث العمى أو الجذام، ونحو ذلك للأَنبياءِ بعد التبليغ بالحجج والمعجزات، وقيل ضعف بصره تحقيقا ثم ارتد بصيرا كامل البصر، ويروى فارق يوسف يعقوب ثمانين سنة ودموعه تجرى فيها حتى ذهب بصره وما على ظهر الأَرض يومئِذ أَكرم على الله تعالى منه، ويروى أَن جبريل دخل على يوسف فى السجن فقال: هل لك علم بيعقوب وحاله؟ فقال: ابيضت عيناه من الحزن عليك، حزن سبعين مثكلة وله على ذلك أَجر مائَة شهيد {فهُوَ كظِيمٌ} مكظوم مملوءٌ من الهم كقربة مملوءَة شد على فيها لم يزله أَو بعضه بالشكوى إِلى الخلق أَو بالجزع ففى ذلك استعارة مكنية شبه بالقربة ورمز إِليها بلازمها وهو الكظم ولو يمنعه ذلك عن ذكر الله وعبادته ومناجاته وانشراح صدره، أَو هو بمعنى كاظم أًى شاد على نفسه من أًن تجزع أو تشكو لغير الله - جل وعلا - فيجوز أَن يكون من كظم البعير جرته إِذا ردها إِلى بطنه فذلك استعارة مكنية أَيضاً، والتأسف والحزن والبكاءُ غير حرام ما لم يكن جزع وصياح ونياحة ولطم الخد والصدر وشق الجيب، وربما لم يدخل تحت التكليف، ولما مات ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم إِبراهيم بكى وقال: " حديث : القلب يجزع والعين تدمع وأَنا لا أَقول ما يسخط الرب وأَنا عليك يا إِبراهيم لمحزون"تفسير : ورفع إِليه ولد لبعض بناته يجود بنفسه ووضعه فى حجره ففاضت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: حديث : هذه رحمة جعلها الله فيمن شاءَ من عباده، وإِنما يرحم الله من عباده الرحماءِ .

الالوسي

تفسير : {وَتَوَلَّـى} أي أعرض {عَنْهُمْ} كراهة لما جاؤا به {وَقَالَ يَا أسَفى عَلَى يُوسُفَ} الأسف أشد الحزن على ما فات، والظاهر أنه عليه السلام أضافه إلى نفسه، والألف بدل من ياء المتكلم للتخفيف، والمعنى يا أسفى تعال فهذا أوانك، وقيل: الألف ألف الندبة والهاء محذوفة والمعول عليه الأول، وإنما تأسف على يوسف مع أن الحادث مصيبة أخوية لأن رزأه كان قاعدة الإرزاء عنده وإن تقادم عهده أخذاً بمجامع قلبه لا ينساه ولا يزول عن فكره أبداً:شعر : ولم تنسني أو في المصيبات بعده ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع تفسير : ولا يرد أن هذا مناف لمنصب النبوة إذ يقتضي ذلك معرفة الله تعالى ومن عرفه سبحانه أحبه ومن أحبه لم يتفرغ قلبه لحب ما سواه لما قيل: إن هذه محبة طبيعية ولا تأبى الاجتماع مع حبه تعالى، وقال الإمام: إن مثل هذه المحبة الشديدة تزيل عن القلب الخواطر ويكون صاحبها كثير الرجوع إليه تعالى كثير الدعاء والتضرع/ فيصير ذلك سبباً لكمال الاستغراق، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما للصوفية قدس الله تعالى أسرارهم في هذا المقام في باب الإشارة، وقيل: لأنه عليه السلام كان واثقاً بحياتها عالماً بمكانهما طامعاً بإيابهما وأما يوسف فلم يكن في شأنه ما يحرك سلسلة رجائه سوى رحمة الله تعالى وفضله وفيه بحث. وأخرج الطبراني وابن مردوية والبيهقي في "شعب الإيمان" عن سعيد بن جبير: "لم تعط أمة من الأمم {أية : إنا لله وإنا إليه راجعون} تفسير : [البقرة:156] إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم" أي لم يعلموه ولم يوفقوا له عند نزول المصيبة بهم، ألا يرى إلى يعقوب عليه السلام حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال ما قال، وفي {أسفا} و {يوسف} تجنيس نفيس من غير تكلف وخو مما يزيد الكلام الجليل بهجة. {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْن} أي بسببه وهو في الحقيقة سبب للبكاء والبكاء سبب لابيضاض عينه فإن العبرة إذا كثرت محقت سواد العين وقلبته إلى بياض كدر فأقيم سبب السبب مقامه لظهوره، والابيضاض قيل إنه كناية عن العمى فيكون قد ذهب بصره عليه السلام بالكلية واستظهره أبو حيان لقوله تعالى: {أية : فَٱرْتَدَّ بَصِيراً} تفسير : [يوسف: 96] وهو يقابل بالأعمى، وقيل: ليس كناية عن ذلك والمراد من الآية أنه عليه السلام صارت في عينيه غشاوة بيضتهما وكان عليه السلام يدرك إدراكاً ضعيفاً، وقد تقدم الكلام في حكم العمى بالنسبة إلى الأنبياء عليهم السلام، وكان الحسن ممن يرى جوازه. فقد اخرج عبد الله بن أحمد في "زوائده" وابن جرير وأبو الشيخ عنه قال: كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب عليهما السلام إلى يوم رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ودموعه تجري على خديه ولم يزل يبكي حتى ذهب بصره وما على الأرض يومئذ والله أكرم على الله تعالى منه، والظاهر أنه عليه السلام لم يحدث له هذا الأمر عند الحادث الأخير، ويدل عليه ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ليث بن أبي سليم أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام في السجن فعرفه فقال له أيها الملك الكريم على ربه هل لك علم بيعقوب؟ قال: نعم. قال: ما فعل؟ قال: ابيضت عيناه من الحزن عليك قال: فما بلغ من الحزن؟ قال: حزن سبعين مشكلة قال: هل له على ذلك من أجر؟ قال: نعم أجر مائة شهيد وقرأ ابن عباس ومجاهد {من الحزن} بفتح الحاء والزاي وقرأ قتادة بضمهما. واستدل بالآية على جواز التأسف والبكاء عند النوائب، ولعل الكف عن أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد. وقد روى الشيخان من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم بكى على ولده إبراهيم وقال: [حديث : إن العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون] تفسير : وإنما المنهي عنه ما يفعله الجهلة من النياحة ولطم الخدود والصدور وشق الجيوب وتمزيق الثياب. ورويا أيضاً من حديث أسامة حديث : أنه صلى الله عليه وسلم رفع إليه صبي لبعض بناته يجود بنفسه فأقعده في حجره ونفسه تتقعقع كأنها في شن ففاضت عيناه عليه الصلاة والسلام فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله تعالى فيمن شاء من عباده وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماءتفسير : . وفي "الكشاف" أنه قيل له عليه الصلاة والسلام: تبكي وقد نهيتنا عن البكاء؟ قال. ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أحمقين صوت عند الفرح وصوت عند الترح. وعن الحسن أنه بكى على ولد أو غيره فقيل له في ذلك فقال: ما رأيت الله تعالى جعل الحزن عاراً على يعقوب عليه السلام. {فَهُوَ كَظيمٌ} / أي مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا يظهره، وقيل: مملوء من الحزن ممسك له لا يبديه، وهو من كظم السقاء إذا شده بعد ملئه، ففعيل بمعنى مفعول أي مكظوم فهو كما جاء في يونس عليه السلام {أية : إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} تفسير : [ القلم: 48] ويجوز أن يكون بمعنى فاعل كقوله تعالى:{أية : وَٱلْكَاظِمِينَ} تفسير : [آل عمران: 134] من كظم الغيظ إذا تجرعه أي شديد التجرع للغيظ أو الحزن لأنه لم يشكه إلى أحد قط، وأصله من كظم البعير جرته إذا ردها في جوفه فكأنه عليه السلام يرد ذلك في جوفه مرة بعد أخرى من غير أن يطلع أحداً عليه. وفي الكلام من الاستعارة على الوجهين ما لا يخفى، ورجح الأخير منهما بأن فعيلاً بمعنى فاعل مطرد ولا كذلك فعيلاً بمعنى مفعول.

ابن عاشور

تفسير : انتقال إلى حكاية حال يعقوب ــــ عليه السلام ــــ في انفراده عن أبنائه ومناجاته نفسه، فالتولي حاصل عقب المحاورة. و{تولى}: انصرف، وهو انصراف غَضَب. ولمّا كان التولّي يقتضي الاختلاء بنفسه ذكر من أخواله تجدد أسفه على يوسف ــــ عليه السلام ــــ فقال: {يا أسفىٰ على يوسف} والأسف؛ أشد الحزن، أسِف كحزن. ونداء الأسف مجاز. نزّل الأسف منزلة من يعقل فيقول له: احضر فهذا أوان حضورك، وأضاف الأسف إلى ضمير نفسه لأن هذا الأسف جزئي مختص به من بين جزئيات جنس الأسف. والألف عوض عن ياء المتكلم فإنها في النداء تبدل ألفاً. وإنما ذكر القرآن تحسّره على يوسف ــــ عليه السلام ــــ ولم يذكر تحسره على ابنيه الآخرين لأن ذلك التحسّر هو الذي يتعلق بهذه القصة فلا يقتضي ذكرُه أن يعقوب ــــ عليه السلام ــــ لم يتحسّر قط إلاّ على يوسف، مع أن الواو لا تفيد ترتيب الجمل المعطوفة بها. وكذلك عطف جملة {وابيضت عيناه من الحزن} إذ لم يكن ابيضاض عينيه إلا في مدة طويلة. فكل من التولّي والتحسر وابييضاض العينين من أحواله إلاّ أنها مختلفة الأزمان. وابييضاض العينين: ضعُف البصر. وظاهره أنه تبدّل لون سوادهما من الهزال. ولذلك عبّر بــــ {وابيضت عيناه} دون عميت عيناه. و{من} في قوله: {من الحزن} سببية. والحزن سبب البكاء الكثير الذي هو سبب ابييضاض العينين. وعندي أن ابييضاض العينين كناية عن عدم الإبصار كما قال الحارث بن حلزة: شعر : قبل ما اليوم بيّضَتْ بعيون النــــ ــــاس فيها تغيض وإباء تفسير : وأن الحزن هو السبب لعدم الإبصار كما هو الظاهر. فإن توالي إحساس الحزن على الدماغ قد أفضى إلى تعطيل عمل عصب الإبصار؛ على أن البكاء من الحزن أمر جبليّ فلا يستغرب صدوره من نبيء، أو أن التصبّر عند المصائب لم يكن من سنة الشريعة الإسرائيلية بل كان من سننهم إظهار الحَزن والجزع عند المصائب. وقد حكت التوراة بكاء بني إسرائيل على موسى ــــ عليه السلام ــــ أربعين يوماً، وحَكت تمزيق بعض الأنبياء ثيابهم من الجزع. وإنما التصبر في المصيبة كمال بلغت إليه الشريعة الإسلامية. والكظيم: مبالغة للكاظم. والكَظم: الإمساك النفساني، أي كاظم للحزن لا يظهره بين الناس، ويبكي في خلوته، أو هو فعيل بمعنى مفعول، أي محزون كقوله: {وهو مكظوم}. وجملة {قالوا تالله} محاورة بنيه إياه عندما سمعوا قوله: {يا أسفىٰ على يوسف} وقد قالها في خلوته فسمعوها. والتاء حرف قسم، وهي عوض عن واو القسم. قال في «الكشاف» في سورة الأنبياء: «التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب». وسلمه في «مغني اللبيب»، وفسره الطيبي بأن المقسم عليه بالتاء يكون نادر الوقوع لأن الشيء المتعجب منه لا يكثر وقوعه ومن ثم قل استعمال التاء إلا مع اسم الجلالة لأن القسم باسم الجلالة أقوى القسم. وجواب القسم هو {تفتأ تذكر يوسف} باعتبار ما بعده من الغاية، لأن المقصود من هذا اليمين الإشفاق عليه بأنه صائر إلى الهلاك بسبب عدم تناسيه مصيبة يوسف ــــ عليه السلام ــــ وليس المقصود تحقيق أنه لا ينقطع عن تذكر يوسف. وجواب القسم هنا فيه حرف النفي مقدر بقرينة عدم قرنه بنون التوكيد لأنه لو كان مثبتاً لوجب قرنه بنون التوكيد فحذف حرف النفي هنا. ومعنى {تفتأ} تفتر. يقال: فتىء من باب علم، إذا فتر عن الشيء. والمعنى: لا تفتر في حال كونك تذكر يوسف. ولملازمة النفي لهذا الفعل ولزوم حال يعقب فاعله صار شبيهاً بالأفعال الناقصة. و{حرضاً} مصدر هو شِدة المرض المشفي على الهلاك، وهو وصف بالمصدر، أي حتى تكون حرضاً، أي بالِياً لا شعور لك. ومقصودهم الإنكار عليه صداً له عن مداومة ذكر يوسف ــــ عليه السلام ــــ على لسانه لأن ذكره باللسان يفضي إلى دوام حضوره في ذهنه. وفي جعلهم الغاية الحرض أو الهلاك تعريض بأنه يذكر أمراً لا طمع في تداركه، فأجابهم بأن ذكره يوسف ــــ عليه السلام ــــ موجه إلى الله دعاءً بأن يردّه عليه. فقوله: {يا أسفىٰ على يوسف} تعريض بدعاء الله أن يزيل أسفه بردّ يوسف ــــ عليه السلام ــــ إليه لأنه كان يعلم أن يوسف لم يهلك ولكنه بأرض غربة مجهولة، وعلم ذلك بوحي أو بفراسة صادقة وهي المسماة بالإلهام عند الصوفية. فجملة {إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله} مفيدة قصر شكواه على التعلّق باسم الله، أي يشكو إلى الله لا إلى نفسه ليجدد الحزن، فصارت الشكوى بهذا القصد ضراعة وهي عبادة لأن الدعاء عبادة، وصار ابييضاض عينيه الناشىء عن التذكر الناشىء عن الشكوى أثراً جسدياً ناشئاً عن عبادة مثل تفطّر أقدام النبي صلى الله عليه وسلم من قيام الليل. والبَثّ: الهمّ الشديد، وهو التفكير في الشيء المُسيء. والحزن: الأسف على فائت. فبينَ الهمّ والحزنِ العمومُ والخصوص الوجهي، وقد اجتمعا ليعقوب ــــ عليه السلام ــــ لأنه كان مهتماً بالتفكير في مصير يوسف ــــ عليه السلام ــــ وما يعترضه من الكرب في غربته وكان آسفاً على فراقه. وقد أعقب كلامه بقوله: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} لينبّههم إلى قصور عقولهم عن إدراك المقاصد العَالية ليعلموا أنهم دون مرتبة أن يعلّموه أو يلوموه، أي أنا أعلم علماً من عند الله علّمنيه لا تعلمونه وهو علم النبوءة. وقد تقدم نظير هذه الجملة في قصة نوح ــــ عليه السلام ــــ من سورة الأعراف فهي من كلام النبوءة الأولى. وحكي مثلها عن شعيب ــــ عليه السلام ــــ في سورة الشعراء. وفي هذا تعريض برد تعرضهم بأنه يطمع في المحال بأن ما يحسبونه محالاً سيقع. ثم صرح لهم بشيء ممّا يعلمه وكاشفهم بما يحقق كذبهم ادعاء ائتكال الذئب يوسف ــــ عليه السلام ــــ حين أذنه الله بذلك عند تقدير انتهاء البلوى فقال: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه}. فجملة {يا بني اذهبوا} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن في قوله: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} ما يثير في أنفسهم ترقب مكاشفته على كذبهم فإن صاحب الكيد كثير الظنون { أية : يحسبون كل صيحة عليهم } تفسير : [المنافقون: 4]. والتحسّس بالحاء المهملة: شدة التطلّب والتعرّف، وهو أعم من التجسس بالجيم فهو التطلّب مع اختفاء وتستر. والرّوْح بفتح الراء: النفَس بفتح الفاء استعير لكشف الكرب لأن الكرب والهمّ يطلق عليهما الغَمّ وضيق النفَس وضيق الصدر، كذلك يطلق التنفس والتروح على ضد ذلك، ومنه استعارة قولهم: تنفس الصبح إذا زالت ظلمة الليل. وفي خطابهم بوصف البُنوّة منه ترقيق لهم وتلطف ليكون أبعث على الامتثال. وجملة {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} تعليل للنهي عن اليأس، فموقع {إنّ} التعليل. والمعنى: لا تيأسوا من الظفر بيوسف ــــ عليه السلام ــــ معتلين بطول مدة البعد التي يبعد معها اللقاء عادة. فإن الله إذا شاء تفريج كربة هيّأ لها أسبابها، ومن كان يؤمن بأن الله واسع القدرة لا يُحيل مثل ذلك فحقّه أن يأخذ في سببه ويعتمد على الله في تيسيره، وأما القوم الكافرون بالله فهم يقتصرون على الأمور الغالبة في العادة وينكرون غيرها. وقرأ البزي بخُلف عنه {ولا تأْيَسُوا} ــــ و{إنه لا يَأيس} بتقديم الهمزة على الياء الثانية، وتقدم في قوله: { أية : فلمّا استيأسوا منه } تفسير : [سورة يوسف: 80].

د. أسعد حومد

تفسير : {يَٰأَسَفَىٰ} (84) - وَأَعْرَضَ يَعْقُوبُ عَنْ بَنِيهِ، وَقَالَ مُتَذَكِّراً حُزْنَهُ القَدِيمَ عَلَى يُوسُفَ: (يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ)، وَجَدَّدَ لَهُ حُزْنُهُ الجَدِيدُ عَلَى ابْنِهِ الأَصْغَر، حُزْنَهُ الدَّفِينَ عَلَى يُوسُفَ، وَعَمِيَتْ عَيْنَاهُ، وَأَصَابَتْهُمَا غِشَاوَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ كَثْرَةِ البُكَاءِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَكْظِمُ غَيْظَهُ عَلَى بَنِيهِ، وَيَحْمِلُ مُصَابَهُ وَهُوَ صَامِتٌ لاَ يَشْكُو إِلى مَخْلُوقٍ مَا يُعَانِيهِ. يَا أَسَفَا - يَا حُزْنِي الشَّدِيدَ. ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ - أَصَابَتْهُمَا غِشَاوَةٌ فَابْيَضَّتَا. كَظِيمٌ - مُمْتَلِىءٌ غَيْظاً وَحُزْناً وَلَكِنَّهُ يَكْتمُهُ وَلا يُبْدِيهِ.

الثعلبي

تفسير : {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} وذلك أنّ يعقوب لمّا بلغه خبر بنيامين تتامّ حزنه وبلغ جهده وجدّد حزنه على يوسف، فأعرض عنهم {وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ} يا حزني {عَلَى يُوسُفَ} وقال مجاهد: يا جزعاه، والأسف: شدّة الحزن والندم. {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ} مقاتل: لم يُبصر بهما ستّ سنين {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي مكظوم مملوء من الحزن، ممسك عليه لا يبثّه، ومنه كظم الغيظ، عطاء الخراساني: كظيم: حزين، مجاهد: مكبود، الضحّاك: كميد، قتادة: تردّد حزنه في جوفه، ولم يتكلّم بسوء، ولم يتكلّم إلاّ خيراً، ابن زيد: بلغ به الجزع حتى كان لا يكلّمهم، ابن عباس: مهموم، مقاتل: مكروب، وكلّها متقاربة. سعيد بن جبير: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لم يعط أُمّة من الأمم إنّا لله وإنّا إليه راجعون عند المصيبة إلاّ أُمّة محمّد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه لم يسترجع: إنّما قال يا أسفى على يوسف؟ ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه [قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك] القطيعي قال: حدّثنا عبدالله بن أحمد ابن حنبل، [قال: حدّثني] أُبي، عن هشام [بن القاسم] عن الحسن، قال: كانت بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانين عامّاً لا تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب. {قَالُواْ} يعني ولد يعقوب {تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي لا تزال تذكر يوسف، لا تفتر من حبّه، يقال: ما فتِئتُ أقول ذلك، وما فتأتُ أو أفتؤ، فتأً وفتوّاً، قال أوس بن حجر: شعر : فما فتِئتْ حيّ كأن غبارها سرادق يوم ذي رياج ترفع تفسير : وقال آخر: شعر : فما فتئت خيل تثوب وتدّعي ويلحق منها لاحق وتقطع تفسير : أي فما زالت. وحذف (لا) قوله فتئ كقول امرئ القيس: شعر : فقلتُ يمين الله أبرحُ قاعداً ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي تفسير : أي: لا أبرح. وقال خداش بن زهير: شعر : وأبرحُ ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقاً مجيداً تفسير : أي لا أبرح ومثله كثير. {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً} اختلف ألفاظ المفسّرين فيه، فقال ابن عباس: دنفاً، العوفي: يعني الهد في المرض، مجاهد: هو ما دون الموت، يعني قريباً من الموت، قتادة: هرِماً، الضحّاك: بالياً مدبراً، ابن اسحاق: فاسداً لا عمل لك، ابن زيد: الحرض: الذي قد ردّ إلى أرذل العمر حتى لا يعقل، الربيع بن أنس: يابس الجلد على العظم، مقاتل: مُدنفاً، الكسائي: الحرض: الفاسد الذي لا خير فيه، الأخفش: يعني ذاهباً، المُخرج: ذائباً من الهمّ، الفرّاء عن بعضهم: ضعيفاً لا حراك بك، الحسن: كالشنّ المدقوق المكسور، علام تعباً مُضنى، ابن الأنباري: هالكاً فاسداً، القتيبي: ساقطاً، وكلّها متقاربة. ومعنى الآية: حتى يكون دنف الجسم مخبول العقل، وأصل الحرض: الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم، ومنه قول العَرجي: شعر : إنّي امرؤ لجّ بي حبٌّ فأحرضني حتى بليتُ وحتى شفني السقم تفسير : يُقال: منه رجل حرض وامرأة حرض ورجلان وامرأتان حرض، ورجال ونساء حرض يستوي فيه الواحد والإثنان والجمع، والمذكّر والمؤنّث، لأنّه مصدر وضع موضع الاسم، ومن العرب من يقول للذكر حارض وللأُنثى حارضة، فإذا وصف بهذا اللفظ ثنّى وجمع وانّث، ويُقال: حرض، يحرّض، حرضاً وحراضة فهو حرض، ويُقال: رجل محرّض وأنشد في ذلك: شعر : طلبته الخيل يوماً كاملا ولو آلفته لأضحى مُحرضاً تفسير : وقال امرؤ القيس: شعر : أرى المرءَ ذا الأذواد يُصبح مُحرضاً كإحراض بكر في الدّيار مريض تفسير : {أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ} أي الميّتين، وقال يعقوب عند ذلك لمّا رأى غلظتهم وسوء لفظهم، {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ} لا إليكم، قال المفسّرون دخل على يعقوب جار له فقال: يا يعقوب ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من مُصاب يوسف، فأوحى الله إليه: يا يعقوب تشكوني إلى خلقي؟ قال: يا ربّ خطيئة أخطأتها فاغفر لي، قال: فإنّي قد غفرتها لك وكان بعد ذلك إذا سُئل قال: إنّما أشكو بثّي وحُزني إلى الله. وقال حبيب بن أبي ثابت: بلغني أنّ يعقوب كبر حتى سقط حاجباه على عينيه، وكان يرفعهما بخرقة، فقال له رجل: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله إليه: يا يعقوب تشكوني، فقال: خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. وعن عبدالله بن قميط، قال: سمعت أبي يقول: بلغنا أنّ رجلا قال ليعقوب (عليه السلام): ما الذي أذهب بصرك؟ قال: حزني على يوسف، قال: فما الذي قوّس ظهرك؟ قال: حزني على أخيه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ وعزّتي وجلالي لو كانا ميّتين لأخرجتهما لك حتى تنظر إليهما، وإنّما وجدت عليكم أنّكم ذبحتم شاة فأتاكم مسكين فلم تطعموه شيئاً، وأنّ أحبّ خلقي إليّ الأنبياء ثمّ المساكين، فاصنع طعاماً وادعُ إليه المساكين، فصنع طعاماً، ثمّ قال: من كان صائماً فليفطر الليلة عند آل يعقوب. وروى أبو عمران عن أبي الخلد ووهب بن منبه، قالا: أوحى الله تعالى إلى يعقوب: تدري لم عاقبتك وغيّبت عنك يوسف وبنيامين؟ قال: لا إلهي، قال: لأ نّك شويت عتاقاً وقترت على جارك، وأكلت ولم تطعمه، ويقال: إنّ سبب ابتلاء يعقوب بفقد يوسف، أنّه كانت له بقرة ولها عجول فذبح عجولها بين يديها، وإنّما كانت تخور فلم يرحمها، فأخذه الله به وابتلاه بفقد يوسف أعزّ ولده. وقال وهب بن منبه والسدّي وغيرهما: أتى جبرئيل يوسف وهو في السجن، فقال: هل تعرفني أيّها الصدّيق؟ قال: أرى صورة طاهرة وريحاً طيّبة، قال: فإنّي رسول ربّ العالمين، وأنا الروح الأمين، قال: فما الذي أدخلك حبس المذنبين وأنت أطيب الطيّبين، ورأس المقرّبين، وأمين ربّ العالمين؟ قال: ألم تعلم يا يوسف أنّ الله يُطهّر البيوت لهؤلاء الطيّبين، وأنّ الأرض التي تدخلونها هي أطهر الأرضين، وأنّ الله قد طهّر بك السجن وما حوله يا أطهر الطاهرين وابن الصالحين؟ قال: كيف لي بابن الصدّيقين وتعدّني من المخلصين، وقد أدخلت مدخل المُذنبين، سمّيت باسم المفسدين؟ قال: لأنّه لم يفتتن قلبك ولم تطع سيدتك في معصية ربّك فلذك سمّاك الله في الصدّيقين، وعدّك مع المخلصين وألحقك بآبائك الصالحين، قال: هل لك علم بيعقوب أيّها الروح الأمين؟ قال: نعم وهب الله له البلاء الجميل وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم، قال: فما قدر حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فماذا له من الأجر يا جبرئيل؟ قال: أجر مائة شهيد، قال: أفتراني لاقيه؟ قال: نعم، فطابت نفس يوسف، قال: ما أُبالي ما ألفيته أن رأيته. وأمّا قوله بثّي فالبثّ: أشدّ الحزن سُمّي بذلك لأنّ صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثّه أي يُظهره، يقال: بثّ، يبثّ فهو باثّ وأبثّ [يأبثه أبثاً] يُبثّ فهو مُبثّ إذا أظهره قال ذو الرمّة: شعر : وقفتُ على ربع لميّة ناقتي فما زلتُ أبكي عندهُ وأُخاطبه وأسقيه حتى كاد ممّا أبُثّه تكلّمني أحجاره وملاعبه تفسير : وقال الحسن: بثّي أي حاجتي، وقال محمّد بن القاسم الأنباري: البثّ: التفرق، وقال محمّد بن إسحاق: معناه: إنّما أشكو حزني الذي أنا فيه إلى الله، وهو من بثّ الحديث. {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال ابن عباس: يقول أعلم أنّ رؤيا يوسف صادقة وأني وأنتم سنسجد له، وقال آخرون: وأعلم أنّ يوسف حيّ. قال السدّي: لما أخبره ولده بسيرة الملك وقوله أحسّت نفس يعقوب فطمع وقال: لعلّه يوسف، ويروى أنّه رأى الملك في المنام فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ قال: لا والله، وهو حيّ. ويقال: أرسل الله إليه ذئباً فسلّم عليه وكلّمه، فقال له يعقوب: أكلت ابني وقّرة عيني وثمرة فؤادي؟ قال: قد والله علمتَ يا يعقوب أنّ لحوم الأنبياء وأولاد الأنبياء علينا حرام، فلذلك قال لبنيه: {يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} ولا تيأسوا من روح الله سيروا واطلبوا الخبر، من يوسف وأخيه: وهو تفعّلوا من الحسّ يعني تتبّعوا، قال ابن عباس: إلتمسوا، {وَلاَ تَيْأَسُواْ}، أي لا تقنطوا، من روح الله: من فرج الله، قال ابن زيد وقتادة، والضحّاك: من رحمة الله، {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ}. يُقال: سُئل ابن عباس عن الفرق بين التجسّس والتحسّس فقال: لا يبعد أحدهما عن الآخر إلاّ أنّ التحسّس في الخير والتجسّس في الشرّ، الحسن وقتادة: ذكر لنا أنّ نبي الله يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلاّ أتى حسن ظنّه بالله من ورائه، وما ساء ظنّه بالله ساعة قط من ليل أو نهار، الحسن عن الأحنف بن قيس عن ابن عباس بن عبدالمطّلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : قال داود: [إلهي] أسمع الناس يقولون إله إبراهيم وإسحق ويعقوب فاجعلني رابعاً: فقال: لست هناك، إنّ ابراهيم لم يَعدل بي شيئاً قط إلاّ اختارني، وإنّ إسحاق جادَ لي بنفسه، وإنّ يعقوب في طول ما كان لم ييأس من يوسف ". تفسير : {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ} في الآية متروك يستدلّ بسياق الكلام عليه تقديره: فجاؤوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف، فقالوا له: يا أيّها العزيز، يا أيّها الملك بلغة حمير، {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ} الشدّة والجوع {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} قليلة، رديئة ناقصة، كاسدة. لا تنفق في شيء من الطعام إلاّ [يتوجبن] من البائع فيها، وأصل الإزجاء السوق والدفع، قال الله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً}تفسير : [النور: 43] قال النابغة الذبياني: شعر : وهبّت الريحُ من تلقاء ذي أزل تُزجي مع الليلِ من صَرّادها صرما تفسير : وقال حاتم الطائي: شعر : لَيبكِ على مَلِحان ضيفٌ مُدَفَّعٌ وأرمَلةٌ تُزجي مع الليلِ أَرملا تفسير : وإنّما قيل للبضاعة: مزجاة لأنّها غير نافقة وإنّما يجوز تجويزاً على دفع من أخذها. وأمالها حمزة والكسائي وفخّمها الباقون. واختلف المفسّرون في هذه البضاعة ما هي؟ عكرمة عن عباس: كانت دراهم رديئة زيوفاً لا تنفق إلاّ بوضيعه بإذن عنه، يعني لا تنفق في الطعام؛ لأنّه لا يُؤخذ في ثمن الطعام إلاّ الجيّد، ابن أبي مليكة: حبل خِلق الغرارة والحبل ورثة المتاع، عبدالله بن الحرث: متاع الأعراب، الصوف والسّمن، الكلبي ومقاتل وابن حيّان: الصنوبر وحبّة خضراء، سعيد بن جبير: دراهم [قليلة]، ابن اسحاق: قليلة لا تبلغ ما كان يشترى به إلاّ أن تتجاوز لنا فيها أحسن كانت أو أوطأ، جويبر عن الضحّاك: النعال والأدم، ورويَ عنه أنّها سويق المقل. {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ} أي أعطنا بها ما كنت تُعطينا من قبل بالثمن الجيّد الوافي {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} وتفضّل علينا بما بين الثمنين الجيّد والرديء. ولا تنقصنا من السعر، هذا قول أكثر المفسّرين، وقال ابن جريج والضحّاك: تصدّق علينا بردّ أخينا إلينا. {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} قال الضحّاك: لم يقولوا: إنّ الله يجزيك أن تصدّقت علينا لأنّهم لم يعلموا أنّه مؤمن، قال عبدالجبار بن العلاء: سُئِلَ سفيان بن عُيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبيّنا صلى الله عليه وسلم قال سفيان: ألم تسمع قوله: {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} أراد سفيان أنّ الصدقة كانت لهم حلالا وأنّها إنّما حُرّمت على نبيّنا صلى الله عليه وسلم وروي أنّ الحسن البصري سمع رجلا يقول: اللهمّ تصدّق عليّ، فقال: يا هذا إنّ الله لا يتصدّق إنّما يتصدّق من يبغي الثواب، قل: اللهمّ أعطني أو تفضّل عليّ. {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} اختلفوا في السبب الذي حمل يوسف على هذا القول، فقال ابن اسحاق: ذُكر لي أنّهم لمّا كلّموه بهذا الكلام غلبته نفسه وأدركته الرقّة فانفضّ دمعه باكياً ثمّ باح لهم بالذي كان يكتم فقال: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}. وقال الكلبي: إنّما قال ذلك حين حكى لإخوانه: أنّ مالك بن أذعر قال: إنّي وجدت غلاماً في بئر حاله كيت وكيت وابتعته من قوم بألف درهم فقال: أيّها الملك نحن بعنا ذلك الغلام منه، فغاظ يوسف ذلك وأمر بقتلهم فذهبوا بهم ليقتلوهم، فولّى يهوذا وهو يقول: كان يعقوب يحزن لفقد واحد منّا حتى كفّ بصره فكيف به إذاً لو قتل بنوه كّلهم، ثمّ قالوا: إن فعلت ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا وإنّه في مكان كذا وكذا، فذاك حين رحمهم وبكى وقال لهم ذلك القول. وقال بعضهم: إنّما قال ذلك حين قرأ كتاب أبيه إليه وذلك أنّ يعقوب لما قيل له: إنّ ابنك سرق، كتب إليه: من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله، بن ابراهيم خليل الله أمّا بعد فإنّا أهلُ بيت مُوكَّل بنا البلاء، فأمّا جدّي فشدّت يداه ورجلاه وأُلقي في النار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأمّا أبي فشدّت يداه ورجلاه ووضع السكّين على قفاه، ليُقتل، ففداه الله، وأمّا أنا فكان لي ابن وكان أحبّ أولادي إليّ فذهب به إخوته إلى البريّة ثمّ أتوني بقميصه مُلطّخاً بالدم وقالوا: قد أكله الذئب وذهب [..........] ثمّ كان لي ابن وكان أخاه من أُمّة وكنت أتسّلى به، فذهبوا به ثمّ رجعوا وقالوا: إنّه سرق، وإنّك حبسته بذلك وإنّا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً، فإنْ ردَدته إليّ وإلاّ دعوت عليك دعوة تنزل السابع من ولدك، فلمّا قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك البكاء وعيل صبره فقال لهم ذلك. وقال بعضهم: إنّما قال ذلك حين سأل أخاه بنيامين: هل لك ولد؟ قال: نعم، ثلاثة بنين، قال: فما سمّيتهم؟ قال: سمّيتُ الأكبر يوسف قال: ولِمِ؟ قال: محبّة لك، لأذكرك به، قال: فما سمّيت الثاني؟ قال: ذئباً، قال: ولم سمّيته بالذئب وهو سبع عاقر؟ قال: لأذكرك به، قال: فما سمّيت الثالث؟ قال: دماء، قال: ولمَ؟ قال لأذكرك به، فلمّا سمع يوسف المقالة خنقته العبرة، ولم يتمالك، فقال لإخوته: لمّا دخلوا عليه: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ فرّقتم بينهما وصنعتم ما صنعتم إذ أنتم جاهلون، بما يؤول إليه أمر يوسف. وقيل: يكون المذنب جاهل وقت ذنبه. قال ابن عباس: إذا أنتم صبيّان، الحسن: شبان وهذا غيرُ بعيد من الصواب لأنّ مظنّة الجهل الشباب. فإنّ سئل عن معنى قول يوسف {مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} وقيل ما كان عنهم إلى أخيه وهم لم يسعوا في حبسه، فالجواب أنّهم لمّا أطلقوا ألسنتهم على أخيهم بسبب الصاع [حبس] وقالوا: ما رأينا منكم يا بني راحيل كما ذكرناه، فعاتبهم يوسف على ذلك. وقيل: إنّهما لمّا كانا من أُمّ واحدة وكانوا يؤذونه بعد فَقْد يوسف فعاتبهم على ذلك. {قَالُوۤاْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ}: قرأ ابن مُحصن وابن كثير: إنّك على الخبر، وقرأ الآخرون على الاستفهام، ودليلهم قراءة أُبي بن كعب أو أنت يوسف، قال ابن أسحاق: لمّا قال يوسف لأخوته {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} الآية، كشف عنهم الغطاء ورفع الحجاب فعرفوه، فقالوا: إنّك لأنت يوسف، جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس، قال: قال يوسف: هل علمتم ما فعلتم بيوسف؟ ثمّ تبسّم، وكان إذا تبسّم كأنّ ثناياه اللؤلؤ المنظوم، فلمّا أبصروا ثناياه شبّهوه بيوسف، فقالوا له استفهاماً: إنّك لأنت يوسف؟، ابن سمعان عن عطاء عن ابن عباس قال: إنّ إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان في قرنه علامة، وكان ليعقوب مثلها، وكان لإسحاق مثلها، وكان لسارة مثلها شبه الشامة البيضاء، فلمّا قال لهم: [هل] علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه ورفع التاج عنه، فعرفوه فقالوا: إنّك لأنت يوسف. {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ} بأن جمع بيننا بعدما فرّقتم {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ} بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ويصبر عمّا حرّم الله عليه، قال ابن عباس: يتّق الزنا ويصبر على العزوبة، مجاهد: يتّق معصية الله ويصبر على السجن {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}، ف {قَالُواْ} مُقرّين مُعتذرين: {تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} اختارك الله علينا بالعلم والحكم والعقل والفضل والحسن والمُلك {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} وإن كنّا في صنيعنا بك لمخطئين، مذنبين، يُقال: خطئ، يخطأ، خطأ وخِطأ وأخطأ إذا أذنب، قال أُمّية بن الأكسر: شعر : وإنّ مهاجرين تكنَّفاهُ لعمرُ الله قد خطئا وخابا تفسير : وقيل لابن عباس: كيف قالوا: إنّا كنّا خاطئين وقد تعمّدوا لذلك؟ فقال: أخطأوا الحقّ وإن تعمّدوا، وكلّ من أتى ذنباً كذلك يُخطئ المنهاج الذي عليه من الحقّ حتى يقع في الشبهة والمعصية ف {قَالَ} يوسف وكان حليماً موفّقاً: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} لا تعيير ولا تأنيب عليكم، ولا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم، وأصل التثريب: الإفساد، وهي لغة أهل الحجاز، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا زَنَت أَمَة أحدكم فليجلدها الحد ولا يُثرب عليها"تفسير : أي لا يُعيّرها، ثمّ دعا لهم يوسف وقال: {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}. عطاء عن ابن عباس قال: حديث : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بعضادتي الباب يوم فتح مكّة وقد لاذ الناس بالبيت، وقال: الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده" ثمّ قال: "ما تظنون؟" قالوا: نظنّ خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، قال: "وأنا أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم" . تفسير : قال السدي وغيره: فلمّا عرّفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل؟ قالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه وقال لهم: {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً} يعود مُبصراً، لأنّه كان دُعاء. قال الضحاك: كان ذلك القميص من نسج الجنّة، روى السدّي عن أبيه عن مجاهد عن هذه الآية قال: كان يوسف أعلم بالله عزّ وجل من أن يعلم أنّ قميصه يردّ على يعقوب بصره، ولكنّ ذلك قميص إبراهيم الذي ألبسه الله عزّ وجل في النار من حرير الجنّة، وكان كساه إسحاق، وكان إسحاق كساه يعقوب وكان يعقوب، أدرج القميص وجعله في قصبة وعلّقه في عنق يوسف لما كان يخاف عليه من العين، ثمّ أمره جبرئيل (عليه السلام) أن أرسل بقميصك فإنّ فيه ريح الجنّة لا يقع على مبتل ولا سقيم إلاّ صحّ وعوفي. {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وأعرض يعقوب عليه السلام عنهم؛ فما جاءوا به هو خبر أحزنه، وخَلاَ بنفسه؛ لأنه ببشريته تحسَّر على يوسف، فقد كانت قاعدة المصائب هي افتقاده يوسفَ. وساعةَ تسمع نداءً لشيء محزن، مثل: "وا حُزْناه" أو "وا أسفاه" أو "وا مُصيبتاه"؛ فهذا يعني أن النفس تضيق بالأحداث وتقول "يا همّ، هذا أوانك، فاحضر". أو أنه قال: {يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ..} [يوسف: 84]. لأن أخاه بنيامين كان أشبهَ الناس به؛ فكان حُزْنه على يوسف طاقة من الهَمِّ نزلتْ به، وتبعتها طاقة هَمٍّ أخرى، هي افتقاد بنيامين. وقول الحق سبحانه: {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ ..} [يوسف: 84]. أي: أن دموع يعقوب كثُرتْ حتى بَدا الجزء الأسود في العين وكأنه أبيض. أو: ابيضتْ عيناه من فَرْط حُزنه، الذي لا يبثُّه لأحد ويكظمه. وهو قد يكظم غيظه من كل ما حدث، أما الانفعالات فلا أحد بقادر على أن يتحكم فيها. حديث : ونجد رسولنا صلى الله عليه وسلم يبكي؛ وتذرف عيناه حُزْناً على موت ابنه إبراهيم، فقال له عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: أتبكي؟ أو لم تكن نهيْتَ عن البكاء؟ قال: "لا، ولكن نهيتُ عن صوتين أحْمقيْنِ فاجرين: صوت عند مصيبة، خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان" ". تفسير : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ". تفسير : وهكذا نعلم أن الحق سبحانه لا يريد من الإنسان أن يكون جلموداً أو يكون صخراً لا ينفعل للأحداث، بل يريده مُنفعلاً للأحداث؛ لأن هذا لَوْنٌ يجب أن يكون في إنسانيته، وهذه عاطفة يريد الله أن يُبقيها، وعلى المؤمن أن يُعلِيها. فسبحانه هو الذي خلق العاطفة، والغريزة في الإنسان، ولو أراد الله الإنسانَ بلا عاطفة أو غريزة لَفعلَ ما شاء، لكنه أراد العاطفة والغريزة في الإنسان لمهمة. ولحظة أن تخرج العاطفة أو الغريزة عن مُهمتها، يقول لك المنهج: لا. لأن مهمة المنهج أن يُهذِّب لك الانفعال. والمثل الذي أضربه هنا هو حُبُّ الإنسان للاستمتاع بالطعام، يقول له المنهج: كُلْ ما يفيدك ولا تَكُنْ شَرِهاً. والمثل الآخر: غريزة حب الاستطلاع، يقول لك المنهج: اعرف ما يفيدك؛ ولا تستخدم هذه الغريزة في التجسُّس على الناس. وغريزة الجنس أرادها الله لإبقاء النوع، ولتأتي بالأولاد والذرية، لكن لا تستعملها كانطلاقات وحشية. وهكذا يحرس المنهجُ الغرائزَ والعواطفَ لتبقى في إطار مهمتها. والعاطفة - على سبيل المثال - هي التي تجعل الأب يَحنُو على ابنه الصغير ويرعاه، وعلى ذلك فالمؤمن عليه أن يُعْلِي غرائزه وعواطفه. وقول الحق سبحانه عن يعقوب: {فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84]. أي: أنه أخذ النزوع على قَدْره. وكلمة "كظيم" مأخوذة من "كظمت القربة" أي: أحكمنا غَلْق فوهة القِرْبة، بما يمنع تسرُّب الماء منها. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {قَالُواْ تَالله ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} والمعنى يُريدُ بِهِ يَا حُزنِي. والأَسفُ: أَشدُ الحُزنِ. تفسير : وقوله تعالى: {فَهُوَ كَظِيمٌ} معناهُ كَمِيدٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وتولى يعقوب عليه الصلاة والسلام عن أولاده بعد ما أخبروه هذا الخبر، واشتد به الأسف والأسى، وابيضت عيناه من الحزن الذي في قلبه، والكمد الذي أوجب له كثرة البكاء، حيث ابيضت عيناه من ذلك. { فَهُوَ كَظِيمٌ } أي: ممتلئ القلب من الحزن الشديد، { وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ } أي: ظهر منه ما كمن من الهم القديم والشوق المقيم، وذكرته هذه المصيبة الخفيفة بالنسبة للأولى، المصيبة الأولى. فقال له أولاده متعجبين من حاله: { تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ } أي: لا تزال تذكر يوسف في جميع أحوالك. { حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا } أي: فانيا لا حراك فيك ولا قدرة على الكلام. { أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ } أي: لا تترك ذكره مع قدرتك على ذكره أبدا. { قَالَ } يعقوب { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي } أي: ما أبث من الكلام { وَحُزْنِي } الذي في قلبي { إِلَى اللَّهِ } وحده، لا إليكم ولا إلى غيركم من الخلق، فقولوا ما شئتم { وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } من أنه سيردهم علي ويقر عيني بالاجتماع بهم.

همام الصنعاني

تفسير : 1332- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ}: [الآية: 84]، قالأ: يا حسرتا عَلَى يُوسُفَ. 1333- عبد الرزاق، عن الثوري، عن سُفْيَانَ بن زياد العصفري، عن سعيد بن جبير، قال: لم يُعْطَ أحد غير هذه الأمة الاسترجاع، ألا تسمعوا إلى قول يعقوب: {يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ}. 1334- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَهُوَ كَظِيمٌ}: [الآية: 84]، قال: كَظَمَ على الحزن فلم يَقُلْ شيئاً.