Verse. 1683 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

يٰبَنِيَّ اذْہَبُوْا فَتَحَسَّسُوْا مِنْ يُوْسُفَ وَاَخِيْہِ وَلَا تَايْــــَٔــسُوْا مِنْ رَّوْحِ اؘ۝۰ۭ اِنَّہٗ لَا يَايْـــــَٔـسُ مِنْ رَّوْحِ اللہِ اِلَّا الْقَوْمُ الْكٰفِرُوْنَ۝۸۷
Ya baniyya ithhaboo fatahassasoo min yoosufa waakheehi wala tayasoo min rawhi Allahi innahu la yayasu min rawhi Allahi illa alqawmu alkafiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه» اطلبوا خبرهما «ولا تيأسوا» تقنطوا «من روح الله» رحمته «إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون» فانطلقوا نحو مصر ليوسف.

87

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} هذا يدلّ على أنه تيقن حياته؛ إما بالرؤيا، وإما بإنطاق الله تعالى الذئب كما في أوّل القصة، وإما بإخبار ملك الموت إياه بأنه لم يقبض رُوحه؛ وهو أظهر. والتَّحسُّس طلب الشيء بالحواسّ؛ فهو تفعّل من الحِّس، أي ٱذهبوا إلى هذا الذي طلب منكم أخاكم، وٱحتال عليكم في أخذه فاسألوا عنه وعن مذهبه. ويروى أن ملَك الموت قال له: ٱطلبه من هاهناٰ وأشار إلى ناحية مصر. وقيل: إن يعقوب تنبه على يوسف بردّ البضاعة، وٱحتباس أخيه، وإظهار الكرامة؛ فلذلك وجّههم إلى جهة مصر دون غيرها. {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ} أي لا تقنطوا من فرج الله؛ قاله ابن زيد؛ يريد: أن المؤمن يرجو فرج الله، والكافر يقنط في الشدّة. وقال قَتَادة والضحاك: من رحمة الله. {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} دليل على أن القنوط من الكبائر، وهو اليأس، وسيأتي في «الزُّمَر» بيانه إن شاء الله تعالى.

البيضاوي

تفسير : { يا بَنِىَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } فتعرفوا منهما وتفحصوا عن حالهما والتحسس تطلب الإحساس. {وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ } ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه. وقرىء {مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ } أي من رحمته التي يحيا بها العباد. {إِنَّهُ لاَ يَيْأََسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} بالله وصفاته فإن العارف المؤمن لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن يعقوب عليه السلام: إنه ندب بنيه على الذهاب في الأرض يستعلمون أخبار يوسف وأخيه بنيامين، والتحسس يكون في الخير، والتجسس يكون في الشر، ونهضهم وبشرهم، وأمرهم أن لا ييأسوا من روح الله، أي: لا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه ويقصدونه، فإنه لا يقطع الرجاء ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. وقوله: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ} تقدير الكلام: فذهبوا، فدخلوا مصر، ودخلوا على يوسف {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ} يعنون: من الجدب والقحط وقلة الطعام، {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} أي: ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره، وهو ثمن قليل، قاله مجاهد والحسن وغير واحد. وقال ابن عباس: الرديء، لا ينفق، مثل خلق الغرارة والحبل والشيء، وفي رواية عنه: الدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان، وكذا قال قتادة والسدي. وقال سعيد بن جبير: هي الدراهم الفسول. وقال أبو صالح: هو الصنوبر وحبة الخضراء، وقال الضحاك: كاسدة لا تنفق. وقال أبو صالح: جاؤوا بحب البطم الأخضر والصنوبر، وأصل الإزجاء الدفع لضعف الشيء، كما قال حاتم الطائي:شعر : لِيَبْك على ملحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعٌ وأَرْمَلَةٌ تُزْجي مَعَ اللَّيْلِ أَرْمَلا تفسير : وقال أعشى بني ثعلبة:شعر : الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها عُوذاً تُزَجِّي خَلْفَها أطفالَها تفسير : وقوله إخباراً عنهم: {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ} أي: أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك، وقرأ ابن مسعود: (فأوقر ركابنا، وتصدق علينا). وقال ابن جريج: وتصدق علينا برد أخينا إلينا. وقال سعيد بن جبير والسدي: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} يقولون: تصدق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة، وتجوز فيها. وسئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ألم تسمع قوله: {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ}؟ رواه ابن جرير عن الحارث، عن القاسم عنه. وقال ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا القاسم، حدثنا مروان بن معاوية عن عثمان بن الأسود، سمعت مجاهداً وسئل: هل يكره أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق علي؟ قال: نعم، إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰبَنِىَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } اطلبوا خبرهما {وَلاَ تَايْئَسُواْ } تقنطوا {مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ } رحمته {إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَّوْحِ ٱللهِ إلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ } فانطلقوا نحو مصر ليوسف.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... اذهبوا فتحسَّسُوا مِن يوسُفَ وأخيه} أي استعملوا وتعرّفوا، ومنه قول عديّ بن زيد: شعر : فإنْ حَييتَ فلا أحسسك في بلدي وإن مرضت فلا تحسِسْك عُوّادِي تفسير : وأصله طلب الشيء بالحس. {ولا تيأسوا من روح الله}فيه تأويلان: أحدهما: من فرج الله، قاله محمد بن إسحاق. والثاني: من رحمة الله، قاله قتادة. وهو مأخوذ من الريح التي بالنفع. وإنما قال يعقوب ذلك لأنه تنّبه على يوسف برد البضاعة واحتباس أخيه وإظهار الكرامة ولما حكي أن يعقوب سأل ملك الموت هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا. قوله عز وجل: {فلمّا دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مَسّنا وأهلنا الضر}وهذا مِن ألطف ترفيق وأبلغ استعطاف. وفي قصدهم بذلك قولان: أحدهما: بأن يرد أخاهم عليهم، قاله ابن جرير. والثاني: توفية كيلهم والمحاباة لهم، قاله علي بن عيسى. {وجئنا ببضاعةٍ مزجاةٍ}وأصل الإزجاء السَوْق بالدفع، وفيه قول الشاعر عدي بن الرقاع. شعر : تزجي أغَنّ كأن إبرَة روقِهِ قلمٌ أصاب من الدواة مدادها تفسير : وفي بضاعتهم هذه خمسة أقاويل: أحدها: أنها كانت دراهم، قاله ابن عباس. الثاني: متاع الأعراب، صوف وسمن، قاله عبدالله بن الحارث. الثالث: الحبة الخضراء وصنوبر، قاله أبو صالح. الرابع: سويق المقل. قاله الضحاك. الخامس: خلق الحبْل والغرارة، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. وفي المزجاة ثلاثة تأويلات: أحدها: أنها الرديئة، قاله ابن عباس. والثاني: الكاسدة، قاله الضحاك. الثالث: القليلة، قاله مجاهد. قال ابن إسحاق: وهي التي لا تبلغ قدر الحاجة ومنه قول الراعي: شعر : ومرسل برسول غير متّهم وحاجة غير مزجاة من الحاج تفسير : وقال الكلبي: هي كلمة من لغة العجم، وقال الهيثمي: من لغة القبط. {فأوف لنا الكيل} فيه قولان: أحدهما: الكيل الذي كان قد كاله لأخيهم، وهو قول ابن جريج. الثاني: مثل كيلهم الأول لأن بضاعتهم الثانية أقل، قاله السدي. {وتصدق علينا} فيه أربعة أقاويل: أحدهما: معناه تفضل علينا بما بين الجياد والرديئة، قاله سعيد بن جبير والسدي والحسن، وذلك لأن الصدقة تحرم على جميع الأنبياء. الثاني: تصدق علينا بالزيادة على حقنا، قاله سفيان بن عيينة. قال مجاهد: ولم تحرم الصدقة إلا على محمد صلى الله عليه وسلم وحده. الثالث: تصدق علينا برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج، وكره للرجل أن يقول في دعائه: اللهم تصدّق عَليّ، لأن الصدقة لمن يبتغي الثواب. الرابع: معناه تجوّز عنا، قاله ابن شجرة وابن زيد واستشهد بقول الشاعر: شعر : تصدّق علينا يا ابن عفان واحتسب وأمر علينا الأشعري لياليا

ابن عطية

تفسير : المعنى: {اذهبوا} إلى الأرض التي جئتم منها وتركتم أخويكم بنيامين وروبيل، {فتحسسوا}، أي استقصوا ونقروا، والتحسس: طلب الشيء بالحواس من البصر والسمع، ويستعمل في الخير والشر، فمن استعماله في الخير هذه الآية، وفي الشر نهي النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ولا تحسسوا. وقوله: {من يوسف} يتعلق بمحذوف يعمل فيه {تحسسوا} التقدير: فتحسسوا نبأ أو حقيقة من أمر يوسف. لكن يحذف ما يدل ظاهر القول عليه إيجازاً. وقرأت فرقة: "تيأسوا" وقرأت فرقة "تأيسوا" على ما تقدم، وقرأ الأعرج "تِئسوا" بكسر التاء. وخص يوسف وبنيامين بالذكر لأن روبيل إنما بقي مختاراً. وهذان قد منعا الأوبة. و"الروح": الرحمة. ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين. إذ فيه إما التكذيب بالربوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى. وقرأ الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز "من رُوح الله" بضم الراء. وكأن معنى هذه القراءة لا تأيسوا من حي معه روح الله الذي وهبه، فإن من بقي روحه فيرجى، ومن هذا قول الشاعر: [الطويل] شعر : وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع تفسير : ومن هذا قول عبيد: شعر : وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب تفسير : ويظهر من حديث الذي قال: إذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في البحر والبر في يوم راح. فلئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من الناس، إنه يئس من روح الله، وليس الأمر كذلك، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث فغفر الله له يقتضي أنه مات مؤمناً إذ لا يغفر الله لكافر، فبقي أن يتأول الحديث، إما على أن قدر بمعنى ضيق وناقش الحساب، فذلك معنى بين، وإما أن تكون من القدرة، ويقع خطأ في أن ظن في أن الاجتماع بعد السحق والتذرية محال لا يوصف الله تعالى بالقدرة عليه فغلط في أن جعل الجائز محالاً، ولا يلزمه بهذا كفر. قال النقاش: وقرأ ابن مسعود "من فضل" وقرأ أبي بن كعب: "من رحمة الله". وقوله تعالى: {فلما دخلوا عليه} الآية، في هذا الموضع اختصار محذوفات يعطيها الظاهر، وهي: أنهم نفذوا من الشام إلى مصر ووصلوها والضمير في {عليه} عائد على يوسف، و {الضر} أرادوا به المسغبة التي كانوا بسبيلها وأمر أخيهم الذي أهم أباهم وغم جميعهم، و"البضاعة" القطعة من المال يقصد بها شراء شيء، ولزمها عرف الفقه فيما لا حظ لحاملها من الربح، والـ {مزجاة} معناها المدفوعة المتحيل لها، ومنه إزجاء السحاب، ومنه إزجاء الإبل كما قال الشاعر: شعر : على زواحف تزجى مخهارير تفسير : وكما قال النابغة: [البسيط] شعر : وهبت الريح من تلقاء ذي أزل تزجى مع الليل من صرّادها صرما تفسير : وقال الأعشى: [الكامل] شعر : الواهب المائة الهجان وعبدها عوذاً تزجي خلفها أطفالها تفسير : وقال الآخر: شعر : بحاجة غير مزجاة من الحاج تفسير : وقال حاتم: شعر : ليبكِ على ملحان ضيف مدفع وأرملة تزجي مع الليل أرملا تفسير : فجملة هذا أن من يسوق شيئاً ويتلطف في تسييره فقد أزجاه فإذا كانت الدراهم مدفوعة نازلة القدر تحتاج أن يعتذر معها ويشفع لها فهي مزجاة، فقيل: كان ذلك لأنها كانت زيوفاً - قاله ابن عباس - وقال الحسن: كانت قليلة، وقيل: كانت ناقصة - قاله ابن جبير - وقيل: كانت بضاعتهم عروضاً، فلذلك قالوا هذا. واختلف في تلك العروض: ما كانت؟ فقيل: كانت السمن والصوف - قاله عبد الله بن الحارث - وقال علي بن أبي طالب: كانت قديد وحش - ذكره النقاش - وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: كانت الصنوبر والحبة الخضراء. قال القاضي أبو محمد: وهي الفستق. وقيل: كانت المقل، وقيل: كانت القطن، وقيل: كانت الحبال والأعدال والأقتاب. وحكى مكي أن مالكاً رحمه الله قال: المزجاة: الجائزة. قال القاضي أبو محمد: ولا أعرف لهذا وجهاً، والمعنى يأباه. ويحتمل أن صحف على مالك وأن لفظه بالحاء غير منقوطة وبالراء. واستند مالك رحمه الله في أن الكيل على البائع إلى هذه الآية، وذلك ظاهر منها وليس بنص. وقولهم: {وتصدق علينا} معناه بما بين الدراهم الجياد وهذه المزجاة، قاله السدي وغيره. وقيل: كانت الصدقة غير محرمة على أولئك الأنبياء وإنما حرمت على محمد، قاله سفيان بن عيينة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، يرده حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : نحن معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة ". تفسير : وقالت فرقة: كانت الصدقة عليهم محرمة ولكن قالوا هذا تجوزاً واستعطافاً منهم في المبايعة، كما تقول لمن تساومه في سلعة: هبني من ثمنها كذا وخذ كذا، فلم تقصد أن يهبك، وإنما حسنت له الانفعال حتى يرجع معك إلى سومك، وقال ابن جريج: إنما خصوا بقولهم {وتصدق علينا} أمر أخيهم بنيامين، أي أوف لنا الكيل في المبايعة وتصدق علينا بصرف أخينا إلى أبيه. وقولهم: {إن الله يجزي المتصدقين} قال النقاش: يقال: هو من المعاريض التي هي مندوحة عن الكذب، وذلك أنهم كانوا يعتقدونه ملكاً كافراً على غير دينهم، ولو قالوا: إن الله يجزيك بصدقتك في الآخرة، كذبوا، فقالوا له لفظاً يوهمه أنهم أرادوه وهم يصح لهم إخراجه منه بالتأويل.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَتَحَسَّسُواْ} استعلموا وتعرفوا، أخذ من طلب الشيءَ بالحس {رَّوْحِ اللَّهِ} فرجه، أو رحمته من الريح التي تأتي بالنفع. أمرهم بذلك، لأنه تنبه على يوسف برد البضاعة واحتباس أخيه وإظهار الكرامة، وسأل يعقوب ملك الموت هل قبضت روح يوسف قال: لا.

النسفي

تفسير : { يبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } فتعرفوا منهما وتطلبوا خبرهما وهو تفعل من الإحساس وهو المعرفة {وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ } ولا تقنطوا من رحمة الله وفرجه {إِنَّهُ } إن الأمر والشأن {لاَ يَايْـئَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } لأن من آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته، وأما الكافر فلا يعرف رحمة الله ولا تقلبه في نعمته فييأس من رحمته، فخرجوا من عند أبيهم راجعين إلى مصر {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ } على يوسف {قَالُواْ يا أَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } الهزال من الشدة والجوع {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقاراً لها من أزجيته إذا دفعته وطردته. قيل: كان دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة. وقيل: كانت صوفاً وسمناً {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ } الذي هو حقنا {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة أوزدنا على حقنا أوهب لنا أخانا {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدّقِينَ } ولما قالوا مسنا وأهلنا الضر وتضرعوا إليه وطلبوا منه أن يتصدق عليهم ارفضت عيناه ولم يتمالك أن عرفهم نفسه حيث قال: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ } أي هل علمتم قبح ما فعلتم بيوسف {وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ } لا تعلمون قبحه أو إذ أنتم في حد السفه والطيش وفعلهم بأخيه تعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بأنواع الأذى {قَالُواْ أَءنَّكَ} بهمزتين: كوفي وشامي { لأَنتَ يُوسُفُ } اللام لام الابتداء و{أنت} مبتدأ و{يوسف} خبره، والجملة خبر «إن» {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِى } وإنما ذكر أخاه وهم قد سألوه عن نفسه لأنه كان في ذكر أخيه بيان لما سألوه عنه {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } بالألفة بعد الفرقة وذكر نعمة الله بالسلامة والكرامة ولم يبدأ بالملامة {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ } الفحشاء {وَيِصْبِرْ } عن المعاصي وعلى الطاعة {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي أجرهم فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين والصابرين. وقيل: من يتق مولاه ويصبر على بلواه لا يضيع أجره في دنياه وعقباه.

الخازن

تفسير : {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه} التحسس طلب الخبر بالحاسة وهو قريب من التجسس بالجيم وقيل إن التحسس بالحاء يكون في الخير وبالجيم يكون في الشر ومنه الجاسوس وهو الذي يطلب الكشف عن عورات الناس قال ابن عباس التمسوا قال ابن الأنباري يقال تحسست عن فلان ولا يقال من فلان وقال هنا من يوسف وأخيه لأنه أقيم من مقام عن قال ويجوز أن يقال من للتبعيض ويكون المعنى تحسسوا خبراً من أخبار يوسف وأخيه، روي عن عبد الله بن يزيد عن أبي فروة أن يعقوب كتب كتاباً إلى يوسف عليهما الصلاة والسلام حين حبس عنده بنيامين: من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى ملك مصر أما بعد فإنا أهل بيت وكل بنا البلاء أما جدي إبراهيم فشدت يداه ورجلاه وألقي في النار فجعلها الله برداً وسلاماً وأما أبي فشدت يداه ورجلاه ووضع السكين على قفاه ففداه الله وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إليّ فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي ثم كان لي ابن آخر وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به وإنك حبسته وزعمت أنه سرق وأنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً فإن رددته إليّ وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك فلما قرأ يوسف كتاب أبيه اشتد بكاؤه وعيل صبره وأظهر نفسه لأخوته على ما سنذكره إن شاء الله تعالى فذلك قوله تعالى يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه {ولا تيأسوا} أي ولا تقنطوا {من روح الله} يعني من رحمة الله وقيل من فضل الله وقيل من فرج الله {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرين} يعني أن المؤمن على خير يرجوه من الله فيصبر عند البلاء فينال به خيراً ويحمد عند الرخاء فينال به خيراً والكافر بضد ذلك. قوله تعالى: {فلما دخلوا عليه} فيه حذف واختصار تقديره فخرجوا من عند أبيهم قاصدين مصر فلما دخلوا عليه يعني على يوسف {قالوا يا أيها العزيز} يعنون يا أيها الملك والعزيز القادر الممتنع وكان العزيز لقب ملك مصر يومئذ {مسنا وأهلنا الضر} أي الشدة والفقر والجوع وأرادوا بأهلهم من خلفهم ومن وراءهم من العيال {وجئنا ببضاعة مزجاة} أي ببضاعة رديئة كاسدة لا تنفق في ثمن الطعام إلا بتجوز من البائع. وأصل الإزجاء في اللغة: الدفع قليلاً قليلاً والتزجية دفع الشيء لينساق كتزجية الريح السحاب ومنه قول الشاعر: شعر : وحاجة غير مزجاة من الحاج تفسير : يعني هي قليلة يسيرة يمكن دفعها وسوقها لقلة الاعتناء بها وإنما وصفوا تلك البضاعة بأنها مزجاة إما لنقصانها أو لرداءتها أو لمجموعهما فلذلك اختلفت عبارات المفسرين في معنى هذه البضاعة المزجاة، فقال ابن عباس: كانت دراهم رديئة زيوفاً وقيل كانت خلق الغرائر والحبال، وقيل: كانت من متاع الأعراب من الصوف والأقط، وقال الكلبي ومقاتل: كانت حبة الخضراء وقيل كانت سويق المقل وقيل كانت الأدم والنعال، وقال الزجاج: سميت هذه البضاعة القليلة الرديئة مزجاة من قولهم: فلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالقليل من العيش والمعنى جئنا ببضاعة مزجاة لندافع بها الزمان وليست مما يتسع بها، وقيل: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن يدفعها {فأوف لنا الكيل} يعني أعطنا ما كنت تعطينا من قبل بالثمن الجيد الوافي والمعنى إنا نريد أن تقيم لنا الزائد مقام الناقص والجيد مقام الرديء {وتصدق علينا} يعني وتفضل علينا بما بين الثمين الجيد والرديء ولا تنقصنا، هذا قول أكثر المفسرين قال ابن الأنباري: وكان الذي يسألونه من المسامحة يشبه الصدقة وليس به واختلف العلماء هل كانت الصدقة حلالاً للأنبياء قبل نبينا أم لا فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم واستدل بهذه الآية وأنكر جمهور العلماء ذلك وقالوا إن حال الأنبياء كلهم واحد في تحريم الصدقة عليهم لإنهم ممنوعون من الخضوع للمخلوقين والأخذ منهم، والصدقة أوساخ الناس فلا تحل لهم لأنهم مستغنون بالله عمن سواه. وأجيب عن قوله وتصدق علينا أنهم طلبوا منه أن يجريهم على عادتهم من المسامحة وإيفاء الكيل ونحو ذلك مما كان يفعل بهم من الكرامة وحسن الضيافة لا نفس الصدقة وكره الحسن ومجاهد ان يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علينا لأن الصدقة لا تكون إلا ممن يبتغي الثواب وروي أن الحسن سمع رجلاً يقول اللهم تصدق عليّ فقال إن الله لا يتصدق إنما يتصدق من يبغي الثواب قل اللهم أعطني وتفضل عليّ، وقال ابن جريج والضحاك وتصدق علينا يعني برد أخينا علينا {إن الله يجزي المتصدقين} يعني بالثواب الجزيل وقال الضحاك لم يقولوا إن الله يجزيك لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن {قال} يعني قال يوسف لإخوته {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه} وقد اختلفوا في السبب الذي من أجله حمل يوسف وهيجه على هذا القول، فقال ابن إسحاق: ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام أدركته رقة على إخوته فباح بالذي كان يكتم، وقيل: إنه أخرج لهم نسخة الكتاب الذي كتبوه ببيعه من مالك وفي آخره وكتبه يهوذا فلما قرؤوا الكتاب اعترفوا بصحته وقالوا يا أيها الملك إنه كان لنا عبد فبعناه منه فغاظ ذلك يوسف وقال: إنكم تستحقون العقوبة وأمر بقتلهم فلما ذهبوا بهم ليقتلوهم قال يهوذا كان يعقوب يبكي ويحزن لفقد واحد منا فكيف إذا أتاه الخبر بقتل بنيه كلهم ثم قالوا إن كنت فاعلاً ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا فإنه بمكان كذا وكذا فذلك حين أدركته الرقة عليهم والرحمة فبكى، وقال هذا القول، وقيل: إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه لم يتمالك أن بكى وقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه وهذا استفهام يفيد تعظيم أمر هذه الواقعة ومعناه ما أعظم ما ارتكبتم من أمر يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه من قطيعة الرحم وتفريقه من أبيه وهذا كما يقال للمذنب هل تدري من عصيت وهل تعرف من خالفت ولم يرد بهذا نفس الاستفهام ولكنه أراد تفظيع الأمر وتعظيمه ويجوز أن يكون المعنى هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف وأخيه من تسليم الله إياهما من المكروه. واعلم أن هذه الآية تصديق لقوله تعالى: {أية : وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}تفسير : [يوسف: 15] فإن قلت الذي فعلوه بيوسف معلوم ظاهر فما الذي فعلوه بأخيه من المكروه حتى يقول لهم هذه المقالة فإنهم لم يسعوا في حبسه ولا أرادوا ذلك. قلت: إنهم لما فرقوا بينه وبين أخيه يوسف نغصوا عليه عيشه وكانوا يؤذونه كلما ذكر يوسف، وقيل: إنهم قالوا له لما اتهم بأخذ الصواع ما رأينا منكم يا بني راحيل خيراً {إذ أنتم جاهلون} هذا يجري مجرى العذر لهم يعني أنكم أقدمتم على هذا الفعل القبيح المنكر حال كونكم جاهلين وهو وقت الصبا وحالة الجهل وقيل جاهلون بما يؤول إليه أمر يوسف.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن النصر بن عربي - رضي الله عنه - قال: بلغني أن يعقوب عليه السلام مكث أربعة وعشرين عاماً لا يدري أحي يوسف عليه السلام أم ميت، حتى تخلل له ملك الموت فقال له: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت. قال: فأنشدك بإله يعقوب، هل قبضت روح يوسف عليه السلام؟ قال: لا فعند ذلك قال {يا بني، اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله} فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا عليه لم يجدوا كلاماً أرق من كلام استقبلوه به. {قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر} . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {ولا تيأسوا من روح الله} قال: من رحمة الله. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك - رضي الله عنه - مثله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله {ولا تيأسوا من روح الله} قال: من فرج الله، يفرج عنكم الغم الذي أنتم فيه.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ}[87] قال سهل: أفضل الخدمة وأعلاها انتظار الفرج من الله تعالى، كما حكي عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : انتظار الفرج بالصبر عبادة" تفسير : وانتظار الفرج على وجهين: أحدهما قريب، والآخر بعيد؛ فالقريب في السر فيما بين العبد وربه، والبعيد في الخلق؛ فينظر إلى البعيد فيحجب عن القريب.

القشيري

تفسير : كان يعقوب عليه السلام يبعث بنيه في طلب يوسف، وكان الإخوة يخرجون بطلب المسيرة وفي اعتقادهم هلاكُ يوسف... وكلُّ إنسانٍ وهمُّه. ويقال قوله: {فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} أمرٌ بطلب يوسف بجميع حواسِّهم؛ بالبَصَرِ لعلَّهم تقع عليه أعينهم، وبالسَّمْع لعلَّهم يسمعون ذِكْرَه، وبالشمِّ لعلهم يجدون رِيحَه؛ وقد توهَّم يعقوبُ أنهم مثله في إرادةِ الوقوفِ على شأنه. ثم أحالهم على فضل الله حيث قال: {لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ}. ويقال لم يكن ليعقوب أحدٌ من الأولاد بمكان يوسف، فَظَهَر من قِلَّةِ الصبر عليه ما ظهر، وآثَرَ غيْبَةَ الباقين من الأولاد في طلب يوسف على حضورهم عنده.. فشتَّان بين حاله معهم وبين حاله مع يوسف! واحدٌ لم يَرَهْ فابْيَضَّتْ عيناه من الحزن بفرقته، وآخرون أَمرَهُم - باختياره - بِغَيْبَتِهم عنه.

اسماعيل حقي

تفسير : فقال {يا بنى اذهبوا} الى مصر {فتحسسوا من يوسف واخيه} اى تعرفوا من خبرهما بحواسكم فان التحسس طلب الشيء بالحاسة. قال فى تهذيب المصادر [التحسس مثل التجسس: آكاهى جستن] وفى الاحياء بالجيم فى تطلع الاخبار وبالحاء فى المراقبة بالعين. وقال فى انسان العيون ما بالحاء ان يفحص الشخص عن الاخبار بنفسه وما بالجيم ان يفحص عنها بغيره وجاء تحسسوا ولا تجسسوا انتهى. والمراد باخيه بنيامين ولم يذكر الثالث وهو الذى قال فلن ابرح الارض واحتبس بمصر لان غيبته اختيارية لا يعسر ازالتها. قال ابن الشيخ فان قلت كيف خاطبهم بهذا اللطف وقد تولى عنهم فالجواب ان التولى التجاء الى الله والشكاية اليه والاعراض عن الشكاية الى احد منهم ومن غيرهم لا ينافى الملاطفة والمكالمة معهم فى امر آخر انتهى. قالوا له اما بنيامين فلا نترك الجهد فى امره واما يوسف فانه ميت وانا لا نطلب الاموات فانه اكله الذئب منذ زمان فقال لهم يعقوب {ولا تيأسوا من روح الله} لا تقنطا من فرجه وتنفيسه واليأس والقنوط انقطاع الرجاء. وعن الاصمعى ان الروح ما يجد الانسان من نسيم الهواء فيسكن اليه وتركيب الراء والواو والحاء يفيد الحركة والاهتزاز فكل ما يلتذ الانسان ويهتز بوجوده فهو روح. قال فى الكواشى اصله استراحة القلب من غمه. والمعنى لا تقنطوا من راحة تاتيكم من الله انتهى. وقرئ من روح الله بالضم اى من رحمته التى يحيى بها العباد {انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون} لعدم علمهم بالله وصفاته فان العارف لا يقنط فى حال من الاحوال اى فى الضراء والسراء ويلاحظ قوله تعالى {أية : ان مع العسر يسرا} تفسير : فصنع الله عجيب وفرج الله قريب وفى الحديث "حديث : الفاجر الراجى اقرب الى الله من العابد القانط" تفسير : -وروى- ان رجلا مات فاوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام مات ولى من اوليائى فاغسله فجاء موسى عليه السلام فوجده قد طرحه الناس فى المزابل لفسقه فقال موسى انت تسمع مقالة الناس فى حقه فقال تعالى يا موسى انه تشفع عند موته بثلاثة اشياء لو سال بها جميع المذنبين لغفرت. الاول انه قال يا رب انت تعلم انى وان كنت ارتكبت المعاصى بفعل الشيطان والقرين السوء ولكنى كنت اكرهها بقلبى. والثانى انى وان كنت مع الفسقة بارتكاب المعاصى ولكن الجلوس مع الصالحين كان احب الى. والثالث لو استقبلنى صالح وفاجر كنت اقدم حاجة الصالح. وفى رواية وهب بن منبه قال يا رب لو عفوت عنى لفرح انبياؤك واولياؤك وحزن عدوك الشيطان ولو عذبتنى لكان الامر بالعكس ولا ريب ان فرح الاولياء احب اليك من فرح الاعداء فارحمنى وتجاوز عنى قال الله تعالى فرحمته فانى غفور رحيم خاصة لمن اقر بالذنب. فعلى العاقل ان لا يقنط من رحمة ربه فانه تعالى يكشف الشدائد فى الدنيا والآخرة -حكى- ان رجلا بقى فى جزير بلا زاد فقال بطريق اليأس شعر : اذا شاب الغراب اتيت اهلى وصار القار كاللبن الحليب تفسير : فسمع قائلا يقول شعر : عسى الكرب الذى امسيت فيه يكون وراءه فرج قريب تفسير : فلما نظر رأى سفينة فوصل بها الى اهله. قال فى التاويلات النجمية فى الاية اشارة الى ان الواجب على كل مسلم ان يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره ولا ييأس ان يجد روح الله اى ريحه منهما بل من وجد قلبه وجد فيه ربه اذ هو سبحانه متجل لقلوب اوليائه المؤمنين وقد وعد الله بوجدانه الطالبين فقال {أية : الا من طلبنى وجدنى} تفسير : والسر فيه ان طلب الحق تعالى يكون بالقلب لا بالقالب ووجدانه ايضا يكون فى القلب كما قال موسى عليه السلام الهى اين اطلبك قال {أية : انا عند المنكسرة قلوبهم من اجلى} تفسير : اى من محبتى وفى قوله {انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون} اشارة الى ان ترك طلب اليأس من وجدانه كفر انتهى: وفى المثنوى شعر : كركران وكر شتابنده بود آنكه جويندست يابنده بود در طلب زن دائما توهر دودست كه طلب درراه نيكو رهبرست لنك ولوك وخفته شكل بى ادب سوى اومى غيثر واورامى طلب كه بكفت وكه بخاموشى وكه بوى كردن كير هرسو بوى شه كفت آن يعقوب با اولاد خويش جستن يوسف كنيد ازحد بيش هرخسى خودرا درين جستن بجد هر طرف رانيد شكل مستعد كفت از روح خدا لا تيأسوا همجوكم كرده بسر رو سوبسو ازره حس دهان برسان شويد كوش را بر جار راه اونهيد هرجكا بوى خوش آيد بوبريد سوى آن سركاشناى آن سريد هرجكا لطفى ببينى ازكسى سوى اصل لطف ره يابى عسى اين همه خوشها زدرياييست زرف جزورا بكذار وبركل دار طرف

الطوسي

تفسير : هذا إخبار عما قال يعقوب لبنيه بعد ان قال ما تقدم ذكره {يا بني اذهبوا فتحسسوا} والتحسس طلب الشيء بالحاسة فاما طلبه بالدعاء الى فعله، فلا يسمى تحسساً، والتحسس والتجسس بالحاء والجيم بمعنى واحد. {ولا تيأسوا من روح الله} اي لاة تقطعوا رجاءكم منه. والروح والفرج نظائر، وهو رفع ترح بلذة، مأخوذ من الريح التي تأتي بما فيه اللذة. وقوله {إنه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون} اخبار منه بأن الذي يائس من رحمة الله الكافرون، وذلك يدل على ان الفاسق الملّي لا ييأس منه، بخلاف ما يقوله اهل الوعيد، وقد أجاب عن ذلك اهل الوعيد بجوابين: احدهما - ان ذلك على وجه التغليب، فيدخل فيه الفاسق في الجملة. والثاني - أنه لا ييأس في حال التكليف إلا الكافر الذي لا يعرف الله تعالى، فاما من يعرف الله فانه لا ييأس منه، لانه يسوّف التوبة.

الأعقم

تفسير : {يا بنيَّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه} أي استخبروا من شأنهما واطلبوا خبرهما، وقيل: توهم أن الذي احتال بهذه الحيلة يوسف وقال: انظروا من حبس ابني؟ وعلى أي ذنب؟ وكيف وقع بمصر؟ وتعرفوا خبر بنيامين {ولا تيأسوا من روح الله} أي لا تقنطوا من رحمة الله تعالى، وقيل: من فرج الله تعالى {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} يعني أنه من أيس من رحمة الله فقد أساء ظنه بربه فيكفر {فلما دخلوا عليه} وفيه حذف أي فخرجوا إلى مصر فلما ادخلوا عليه {قالوا يا أيها العزيز} أي الملك {مسّنا وأهلنا الضر} أي أصابنا وقومنا الضر قيل: هو الشدة والقحط والجوع، وقيل: شكوا ما نالهم من هلاك مواشيهم والبلاء الذي أصابهم {وجئنا ببضاعة مزجاة}، قيل: رديَّة لا تؤخذ إلاَّ بوكس، وقيل: قليلة، وقيل: كانت دراهم رديَّة لا تنفق في ثمن الطعام، وقيل: الاقط، وقيل: الصوف والسمن، وقيل: النعال والأدم {فأوف لنا الكيل} أي أعطنا ما كنت تعطينا بالثمن الجيد {وتصدق علينا}، قيل: تفضل ما بين الثمن والأدنى ولا تنقصنا من السعر، وقيل: هذا لا يحل لأحد من الأنبياء، وقيل: سألوا الصدقة وهم أنبياء وكانت حلالاً لهم {إن الله يجزي المتصدقين} يثيبهم ولو لم يقولوا أن الله يجزيك لأنهم لا يعلموا دينه {قال} يوسف {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون}، قيل: رأى المصلحة في ذلك إما بأمر الله تعالى أو بزوال الموانع، وقيل: إنما قال ذلك حين قرأ كتاب يعقوب، وقيل فيه: "من يعقوب اسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر، أما بعد، فإنَّا أهل بيت موكل بنا البلاء، ألقي جدي في النار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فشدت يداه ورجلاه ووضع السكين على قفاه ففداه الله بذبح عظيم، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب عني، وكان له أخ أتسلى به، فإن رددت علي ولدي وإلاَّ دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك" فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك من البكاء فقال: {هل علمتم} الآية {قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف} الآية قيل: لما رفع يوسف (عليه السلام) الحجاب، وقيل: وضع التاج عن رأسه {قالوا} يعني أخوة يوسف {تالله} قسم {لقد آثرك الله علينا} أي فضلك واختارك بالعلم والحلم والحكم والملك {وإن كنا لخاطئين} مذنبين {قال لا تثريب عليكم اليوم} أي لا تأنيب ولا عتب {اذهبوا بقميصي هذا}، قيل: هو من الجنة، وقيل: كان ذلك قميص ابراهيم صار إلى يعقوب، ثم إلى يوسف، وكان من الجنة أمره جبريل أن يرسله اليه فإن فيه ريحاً لا تقع على مبتلى ولا سقيم إلا عوفي، وقيل: يهوذا هو الذي حمل القميص وسار حافياً، وروي أنه خرج ومعه سبعة أرغفة وكان المسافة ثمانين فرسخاً.

الهواري

تفسير : قوله: { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} [اي: تَبَحَّثُوا عن خبرهما] { وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ} أي: من رحمته {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ}. قوله: { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ} أي: فلما رجعوا إلى مصر، فدخلوا على يوسف وهم لا يعرفونه {قَالُوا يَاأَيُّهَا العَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} أي: الحاجة {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} أي: يسيرة، في تفسير بعضهم. وقال الحسن: خفيفة قليلة. وقال مجاهد: قليلة. وقال بعضهم بدارهم ردية، وكانوا لا يأخذون في الطعام إلا الجياد. قوله: { فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} أي: بضاعتنا { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} أي: بأخينا. { إِنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ}. { قَالَ: هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} أي: إن ذلك كان منكم بجهالة، ولم يكونوا حين ألقوه في الجب بأنبياء. {قَالُوا: أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} على الاستفهام { قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ}. {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا} وهذا منهم قَسَم يُقسمون به {وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} أي: وقد كنا خاطئين. من الخطيئة التي انتهكوها منه ومن أبيهم.

اطفيش

تفسير : قالَ يعقوب: {يا بنىَّ} الأصل يا بنين حذفت النون للإضافة لياء المتكلم، وأدغمت فيها ياء الإعراب {اذْهبُوا فتحسَّسوا مِنْ يُوسفَ وأخِيهِ} بنيامين اطلبوا الخبر عنهما بالحساسة، فمن بمعنى عن ويجوز كونها للابتداء، فإن الخبر المسموع فى حقها آت من شأنهما، وقرئ بالجيم وهو أيضا طلب الخير، وإنما قرأ به من يقول: إنه بالجيم وبالحاء سواء، وقيل: إنه بالجيم فى الشر وبالحاء المهملة فى الخير {ولا تيأسُوا مِنْ رُوحِ الله} لا تقنطوا من فرج الله سبحانه وتنفيسه، وقرأ الحسن، وقتادة: من روح الله بضم الراء، أى من رحمته التى تكون حياة للعباد {إنَّه لا ييْئسُ من رُوحِ اللّهِ إلاَّ القومُ الكافِرُونَ} بالتكذيب لله جل وعلا، أو بجهله بالصفات، فإن العارف لا يقنط من رحمته فى شئ من الأحوال، وفى الآية عندى دليل على أن الإياس من رحمة الله فى الدنيا كبيرة، كما أن الإياس من رحمة الآخرة كبيرة، فإن الآية فى رحمة الدنيا وفَرَجها، والمشهور فى كتب الفقه، وعلى الألسنة أن الإياس من رحمة الآخرة كبيرة، ومن رحمة الدنيا ليس كبيرة. وذكره الشيخ عمرو التلاتى فى شرح النونية وقد تابعتهم عليه فى بعض كتبى الفقهية قبل أن تظهر لى هذه الحجة، ويبعد أن يكون قوله: {ولا تيأسوا} إلى آخره كلاما مستقلا فى رحمة الآخرة. روى أن يعقوب أمر شمعون على أنه [إن] رجع مع إخوته أن يكتب إلى ملك مصر، بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر، ولو عرفت اسمك لذكرتك به، يا من اعتز بعزه، فإن الله يعز من يشاء، ويذل من يشاء، إنى أيها العزيز رجل قد اشمأز قلبى، وقطع الحزن أوصالى، وإنى ناه عن الأفراح، دان إلى التراح، دائم البكاء والصياح، وأنا من نطف آباء كرام كيف يتوله منى اللصوص،وأنا من الخصوص، وقد أخبرت أنك وضعت الصاع فى الليل فى رحل ولدى الأصغر، ذلك الهلال الأقمر، واعلم أن حزنى على يوسف الفقيد دائم مسرمد، وإن أفجعتنى فى الآخر فإن قلبى لا محالة طائر. وكتب إليه يوسف: اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا. وفى عرائس القرآن: إن يعقوب كتب إلى يوسف: من يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر الطاهر العدل، الموفى الكيل. أما بعد: فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء، فأما جدى فابتلاه الله بنمرود فشدت يداه ورجلاه ورمى فى النار، وأما أبى إسحاق فشدت يداه ورجلاه، ووضع السكين على قفاه للذبح، وأما أنا فكان لى ابن أحب أولادى إلىَّ، فذهب به إخوته إلى البرية، ثم أتونى بقميصة ملطخ بالدم، وقالوا قد أكله الذئب، فذهبت عيناى، ثم كان لى ابن وكان أخاه من أمه، وكنت أتسلى به، ثم ذهبوا فرجعوا فقالوا: إنه سرق، وإنك حبسته، وإنا أهل بيت لا نسرق، فإن رددته إلىَّ وإلا دعوت عليك بدعوة تدرك السابع من ولدك، وختم الكتاب ودفعه إليهم، ووجههم به إلى مصر مع بضاعه مزجاة كما ذكر الله سبحانه وتعالى فى قوله: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ...}

الالوسي

تفسير : . {يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ} أي فتعرفوا، وهو تفعل من الحس وهو في الأصل الإدراك بالحاسة، وكذا أصل التحسس طلب الإحساس، واستعماله في التعرف استعمال له في لازم معناه وقريب منه التجسس بالجيم، وقيل: إنه به في الشر وبالحاء في الخير ورد بأنه، قرىء هنا {فتجسسوا} بالجيم أيضاً، وقال الراغب: ((أصل الجس مس العرق وتعرف نبضه للحكم به على الصحة والمرض وهو أخص من الحس فإنه تعرف ما يدركه الحس والجس تعرف حال ما من ذلك)). {مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} أي من خبرهما، ولم يذكر الثالث لأن غيبته اختيارية لا يعسر إزالتها، وعلى فرض ذلك الداعية فيهم للتحسس منه لكونه أخاهم قوية فلا حاجة لأمرهم بذلك، والجار متعلق بما عنده وهو بمعنى عن بناء على ما نقل عن ابن الأنباري أنه لا يقال: تحسست من فلان، وإنما يقال: تحسست عنه، وجوز أن تكون للتبعيض على معنى تحسوا خبراً من أخبار يوسف وأخيه. {وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ } أي لا تقنطوا من فرجه سبحانه وتنفيسه، وأصل معنى الروح بالفتح كما قال الراغب التنفس يقال: أراح الإنسان إذا تنفس ثم استعير للفرج كما قيل: له تنفيس من النفس. وقرأ عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة {روح} بالضم، وفسر بالرحمة على أنه استعارة من معناها المعروف لأن الرحمن سبب الحياة كالروح وإضافتها إلى الله تعالى لأنها منه سبحانه، وقال ابن عطية كأن معنى هذه القراءة لا تيأسوا من حي معه روح الله الذي وهبه فإن كل من بقيت روحه يرجى، ومن هذا قوله:شعر : وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع تفسير : وقول عبيد بن الأبرص:شعر : وكل ذي غيبة يؤب وغائب الموت لا يؤب تفسير : وقرأ أبـي {من رحمة الله} وعبد الله {من فضل الله} وكلاهما عند أبـي حيان تفسير لا قراءة. وقرىء {تأيسوا}. وقرأ الأعرج {تيئسوا} بكسر التاء والأمر والنهي على ما قيل إرشاد لهم إلى بعض ما أبهم في قوله: {أية : وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [يوسف: 86]. ثم إنه عليه السلام حذرهم عن ترك العمل بموجب نهيه بقوله: {إِنَّهُ} أي الشأن {لاَ يَايْـئَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} لعدم علمه بالله تعالى وصفاته فإن العارف لا يقنط في حال من الأحوال أو تأكيداً لما يعلمونه من ذلك، قال ابن عباس: إن المؤمن من الله تعالى على خير يرجوه/ في البلاء ويحمده في الرخاء. وذكر الإمام أن اليأس لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال أو غير عالم بجميع المعلومات أو ليس بكريم، واعتقاد كل من هذه الثلاث يوجب الكفر فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحدها وكل منها كفر ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافراً، واستدل بعض أصحابنا بالآية على أن اليأس من رحمة الله تعالى كفر، وادعى أنها ظاهرة في ذلك. وقال الشهاب: ليس فيها دليل على ذلك بل هو ثابت بدليل آخر، وجمهور الفقهاء على أن اليأس كبيرة ومفاد الآية أنه من صفات الكفار لا أن من ارتكبه كان كافراً بارتكابه، وكونه لا يحصل إلا عند حصول أحد المكفرات التي ذكرها الإمام مع كونه في حيز المنع لجواز أن ييأس من رحمة الله تعالى إياه مع إيمانه بعموم قدرته تعالى وشمول علمه وعظم كرمه جل وعلا لمجرد استعظام ذنبه مثلاً واعتقاده عدم أهليته لرحمة الله تعالى من غير أن يخطر له أدنى ذرة من تلك الاعتقادات السيئة الموجبة للكفر لا يستدعي أكثر من اقتضائه سابقية الكفر دون كون ارتكابه نفسه كفراً كذا قيل، وقيل: الأولى التزام القول بأن اليأس قد يجامع الايمان وأن القول بأنه لا يحصل إلا بأحد الاعتقادات المذكورة غير بين ولا مبين. نعم كونه كبيرة مما لا شك فيه بل جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه تعالى عنه أنه أكبر الكبائر، وكذا القنوط وسوء الظن، وفرقوا بينها بأن اليأس عدم أمل وقوع شيء من أنواع الرحمة له، والقنوط هو ذاك مع انضمام حالة هي أشد منه في التصميم على عدم الوقوع، وسوء الظن هو ذاك مع انضمام أنه مع عدم رحمته له يشدد له العذاب كالكفار. وذكر ابن نجيم في بعض "رسائله" ما به يرجع الخلاف بين من قال: إن اليأس كفر ومن قال: إنه كبيرة لفظياً فقال: قد ذكر الفقهاء من الكبائر الأمن من مكر الله تعالى واليأس من رحمته وفي "العقائد" واليأس من رحمة الله تعالى كفر فيحتاج إلى التوفيق. والجواب أن المراد باليأس إنكار سعة الرحمة للذنوب، ومن الأمن الاعتقاد أن لا مكر، ومراد الفقهاء من اليأس اليأس لاستعظام ذنوبه واستبعاد العفو عنها، ومن الأمن الأمن لغلبة الرجاء عليه بحيث دخل في حد الأمن ثم قال: والأوفق بالسنة طريق الفقهاء لحديث الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً حيث عدها من الكبائر وعطفها على الإشراك بالله تعالى اهـ وهو تحقيق نفيس فليفهم.

الواحدي

تفسير : {يا بنيَّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف} تَبَحَّثوا عنه {ولا تَيْأَسُوا من روح الله} من الفرج الذي يأتي به {إنه لا يَيْأَسُ من روح الله إلاَّ القوم الكافرون} يريد: إنَّ المؤمن يرجو الله تعالى في الشدائد، والكافر ليس كذلك، فخرجوا إلى مصر. {فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسَّنا وأهلنا الضر} أصابنا ومَنْ يختصُّ بنا الجوع {وجئنا ببضاعة مزجاة} ندافع بها الأيام ونتقوَّت، وليست ممَّا يتشبَّع به، وكانت دراهم زيوفاً {فأوف لنا الكيل} سألوه مساهلتهم في النَّقد، وإعطاءَهم بدراهمهم مثل ما يعطي بغيرها من الجياد {وتصدَّق علينا} بما بين القيمتين {إن الله يجزي} يتولَّى جزاء {المتصدقين} فلمَّا قالوا هذا أدركته الرِّقَّة ودمعت عيناه، وقال توبيخاً لهم وتعظيماً لما فعلوا: {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه} بإدخال الغمِّ عليه بإفراده من يوسف {إذ أنتم جاهلون} آثمون بيعقوب أبيكم، وقطع رحم أخيكم جهلاً منكم، ولمَّا قال لهم هذه المقالة رفع الحجاب.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰبَنِيَّ} {تَيْأَسُواْ} {ٱلْكَافِرُونَ} {يَيْأَسُ} (87) - وَحَثَّ يَعُقُوبُ بَنِيهِ عَلَى الذَّهَابِ إِلى مِصْرَ لِتَقَصِّي أَخْبَارِ يُوسُفَ وَأَخِيهِ (وَالتَّحَسُّسُ يَكُونُ فِي الخَيْرِ، وَالتَّوَجُّسُ يَكُونَ فِي الشَّرِّ)، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّلَطُّفِ فِي البَحْثِ وَالسُّؤَالِ عَنْهُمَا، وَبِأَلاَّ يَيْأَسُوا وَيَقْطَعُوا رَجَاءهُمْ وَأَمَلَهُمْ مِنَ اللهِ فِيمَا يَرُومُونَهُ وَيَقْصِدُونَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَقْطَعُ الرَّجَاءَ مِنَ اللهِ، وَلاَ يَقْنَطُ وَيَيْأَسُ مِنْ رُوحِ اللهِ إِلاّ القَوْمُ الكَافِرُونَ. فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ - تَعَرَّفُوا مِنْ خَبَرِهِ. رَوْحِ اللهِ - رَحْمَتِهِ وَفَرَجِهِ وَتَنْفِيسِهِ الكَرْبَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلحظ أن الذين غابوا هم ثلاثة: يوسف، وبنيامين، والأخ الأكبر الذي أصرَّ على ألاَّ يبرح مصر إلا بعد أن يأذنَ أبوه، أو يأتي فرج من الله. وهنا في هذه الآية جاء ذِكْر يوسف وأخيه، ولم يَأْتِ ذِكْر الأخ الكبير أو رئيس الرحلة. ونقول: إن يوسف وأخاه هما المعسكر الضعيف الذي عانى من مناهضة بقية الإخوة، وهما قد فارقا الأب صغاراً، أما الأخ الأكبر فيستطيع أن يحتال، وأن يعود في الوقت الذي يريد. وقول يعقوب: {ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ..} [يوسف: 87]. نجد فيه كلمة (تحسسوا)، وهي من الحسِّ، والحِسُّ يُجمع على "حواس"، والحواس هي منافذ إدراك المعلومات للنفس البشرية، فالمعلومات تنشأ عندنا من الأمور المُحسَّة، وتدركها حواسنا لتصير قضايا عقلية. وهكذا نعلم أن الحواس هي قنواتُ المعرفة، وهي غير مقصورة على الحواس الخمس الظاهرة؛ بل اكتشف العلماء أن هناك حواسَّ أخرى غير ظاهرة، وسبق أن تعرضنا لهذا الأمر في مرَّاتٍ كثيرة سابقة. وقوله: {فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ..} [يوسف: 87]. يعني أعملوا حواسكم، بكل ما فيها من طاقة، كي تصلوا إلى الحقيقة. ونعلم أن كلمة "الجاسوس" قد أُطلِقَتْ على مَنْ يتنصَّتْ ويرى ويشُمُّ رائحة الأخبار والتحرُّكات عند معسكر الأعداء؛ ويقال له "عين" أيضاً. وفي عُرْفنا العام نقول لمن يحترف التقاط الأخبار "شَمْ شِمْ لنا على حكاية الأمر الفلاني". وتابع يعقوب القول: {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]. أي: إياكم أن تقولوا أننا ذهبنا وتعبنا وتحايلنا؛ ولم نجد حلاً، لأن الله موجود، ولا يزال لله رحمة. والأثر يقول: "لا كَرْبَ وأنت رَبُّ". وما يَعِزُّ عليك بقانونك الجأ فيه إلى الله. وقد علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه كلما حَزَبه أمر قام وصلى". وبهذا لجأ إلى ربِّ الأسباب، وسبحانه فوق كل الأسباب، وجَرِّبوا ذلك في أيِّ أمر يُعضِلكم، ولن ينتهي الواحد منكم إلى نهاية الصلاة إلا ويجد حَلاّ لِمَا أعضلَه. وكلمة "رَوْح" نجدها تُنطَق على طريقتين "رَوْح" و"رُوح"، و"الرَّوْح" هي الرائحة التي تهبُّ على الإنسان فيستروح بها، مثلما يجلس إنسان في يوم قَيْظ؛ ثم تهبُّ نسمة رقيقة ينتعش بها. والحق سبحانه يقول: {أية : فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} تفسير : [الواقعة: 89]. ونأخذ لهذه الروح مثلاً من المُحسَّات حين يشتد القيظ، ونجلس في بستان، وتهبُّ نسمة هواء؛ فيتعطر الجو بما في البستان من زهور. والرُّوح هي التي ينفخها الحقُّ سبحانه في الجماد فيتحرك. ويأتي هنا يعقوب عليه السلام بالقضية والمبدأ الذي يسير عليه كل مؤمن، فيقول: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]. لأن الذي ليس له رَبٌّ هو مَنْ ييأس، ولذلك نجد نسبة المنتحرين بين الملاحدة كبيرة، لكن المؤمن لا يفعل ذلك؛ لأنه يعلم أن له رباً يساعد عباده. وما دام المؤمن قد أخذ بالأسباب؛ فسبحانه يَهبُه ممَّا فوق الأسباب. وسبحانه يقول: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}تفسير : [الطلاق: 2-3]. وهذه مسألة تحدث لمن يتقي الله. أتحدى أن يوجد مؤمن ليس في حياته مثل هذه الأمور، ما دام يأخذ بالأسباب ويتقي الله، وسوف يجد في لحظة من لحظات الكرب أن الفرج قد جاء من حيث لا يحتسب؛ لأن الله هو الرصيد النهائي للمؤمن. وهَبْ أنك سائر في الطريق، وفي جيبك جنيه واحد، وليس عندك غيره وضاع منك؛ هل تحزن؟ نعم سوف تحزن، ولكن إن كان في بيتك عشرة جنيهات فحزنك يكون خفيفاً لضياع الجنيه، ولو كان رصيدك في البنك ألف من الجنيهات، فلن تحزن على الجنيه الذي ضاع. ومَنْ له رَبٌّ، يبذل الجَهْد في الأخذ بالأسباب؛ سيجد الحل والفرج من أيِّ كرب مِمَّا هو فوق الأسباب. ولماذا ييأس الإنسان؟ إن المُلحِد هو الذي ييأس؛ لأنه لا يؤمن بإله، ولو كان يؤمن بإله، وهذا الإله لا يعلم بما فيه هذا الكافر من كَرْب، أو هو إله يعلم ولا يساعد مَنْ يعبده؛ إما عجزاً أو بُخْلاً، فهو في كل هذه الحالات ليس إلهاً، ولا يستحق أن يُؤمَن به. أما المؤمن الحق فهو يعلم أنه يعبد إلهاً قادراً، يعطي بالأسباب، وبما فوق الأسباب؛ وهو حين يمنع؛ فهذا المَنْع هو عَيْنُ العطاء؛ لأنه قد يأخذ ما يضره ولا ينفعه. وينقلنا الحق سبحانه إلى نَقْلة أخرى؛ وهي لحظة أنْ دخلوا على يوسف عليه السلام في مقرِّه بمصر؛ ونقرأ قوله الحق: {فَلَمَّا دَخَلُواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ} معناه تَخَبَّروا.

الجيلاني

تفسير : ثم لما استروح يعقوب من روح الله واستنشق من نسمات رحمته، نادى بنيه نداء مرحمة وإشفا؛ ليقبلو إليه بعدما آيسوا عنه وعن عطفه؛ إذ بالغوا في سوء الأدب معه وإيقاعه بانواع المحن والشدائد، فقال: {يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ} إلى مصر مرة أخرى {فَتَحَسَّسُواْ} أي: تفحصوا وتطلبوا أصالة {مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} بنيامين تبعاً {وَلاَ تَيْأَسُواْ} أي: لا تقنطوا يا بني {مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ} وتنفيسه تفريجاً لهم؛ إذ نحن معاشر الأنبياء لا يليق بنا اليأس والقنوط عن كرم الله وجوده في حال من الأحوال {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ} أي: لا يقنط {مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ} وكمال قدرته وسعة جوده {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] الساترون بغيوم هوياتهم الباطلة شمس الحق السارية المتجلية في الآفاق الفائضة عليهم سجال الفضل والكرم على مقدار قابلياتهم واستعدادتهم. فعليكم ألا تقنطوا من الله في حال من الأحوال، بل اعتقدوا أن له التصرف والقدرة التامة والإرادة الكاملة على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ثم لما صمموا العم بالخروج إلى مصر كرة أخرى بإذن أبيهم وخرجوا من عنده وساروا إلى أن وصلوا مصر {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ} أي: على يوسف {قَالُواْ} أولاً: {يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ} أي: الجدب وشدة الجوع {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} قليلة رديئة {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ} وتممه لنا من جاهك وإحسانك {وَ} قالوا ثانياً: {تَصَدَّقْ عَلَيْنَآ } برد أخينا لنرده إلى أبيه المحزون، فإنه قد أشرف على الهلاك من شدة الحزن والأسف {إِنَّ ٱللَّهَ} المجازي عن أعمال عباده {يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف: 88] المؤمنين منهم جزاءً حسناً، لا جزاء أحسن منه. ثم لما سمع يوسف من أسف أبيه وشدة كربه وكآبته وأبيضاض في عينيه وهزال جمسه وإشرافه على الانهدام والانخرام، شرع يظهر أمره عليهم حيث {قَالَ} تفضيحاً لهم وتقريعاً: {هَلْ عَلِمْتُمْ} أيها المفسدون قبح {مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} من الزجر والإذلال والضرب والشتم وأنواع المكروهات والمذمومات، سيما ما شريتموه بثمن بخس دراهم معدودة لتبعدوه عن وجه أبيه، وتطردوه عن ساحة عز حضوره {إِذْ أَنتُمْ} قوم {جَاهِلُونَ} [يوسف: 89] بألاَّ مرد لقضاء الله، ولا معقب لحكمه، بعفل ما يشاء ويحكم ما يريد، فاجتهدتم لهدم بناء الله وتغيير مراده ورد قضائه مبارزة عليه وخروجاً بين يديه.ط وبعدما سمعوا منه ما سمعوا {قَالُوۤاْ} مخبتين خاضعين متذليين بعدما عرفوه مستفهمين على سبيل التقرير والتثبيت: {أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} أيها العزيز {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ} بن يعقوب الذي فعلتم به ما فعلتم {وَهَـٰذَا أَخِي} بنيامين من أبي وأمي {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ} بأنواع الكرم والإحسان، ووقانا عما قصدتم علينا من السوء والإذلال وأنواع الوبال والنكال {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ} عن محارم الله وعما لا يرضى به الله {وَيَِصْبِرْ} على ما جرى عليه من القضاء {فَإِنَّ ٱللَّهَ} الرقيب المطلع لأحوال عباده {لاَ يُضِيعُ} أي: لا يهمل ولا ينقص {أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] الذين يحسنون الأدب مع الله ويعبدونه كأنهم يرونه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وفي قوله: {يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ} [يوسف: 87] إشارة إلى أن الواجب على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ} أي: ريحه منهما؛ بل من وجد قلبه وجد فيه ربه؛ إذ هو سبحانه وتعالى متجلٍ لقلوب أولياء المؤمنين وقد وعد الله بوجدانه الطالبين فقال: "حديث : ألا من طلبني وجدني"تفسير : والسر فيه أن طلب الحق تعالى يكون بالقلب لا بالقالب، ووجدانه أيضاً يكون في القلب كما قال موسى عليه السلام: "حديث : إلهي أين أجدك؟ قال: أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي"تفسير : أي: من محبتي. وفي قوله: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] إشارة إلى أن ترك طلب الله تعالى واليأس من وجدانه كفر، {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ} [يوسف: 88] يشير إلى أن إخوة أوصاف البشرية لمَّا وصلوا بسر أحكام الشريعة، وتدبير آداب الطريقة إلى سرادقات حضرة يوسف القلب، وأراد سلطانه في مملكة مصر الملكوت، وشاهدوا منه آثار العزة والجبروت وقد مسهم ضر تعلقات الجسمانية، وتصرفات الدنياوية، وانعدام أقوات الروحانية، وتحقق عندهم احتياجهم لأنعامه وإحسانه، {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا} [يوسف: 88] وهم قوى الإنسانية {ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} [يوسف: 88] في الأعمال البدنية، والأفعال الإنسانية، والسعي في الترقي عن حضيض الحيوانية إلى ذروة كما الروحانية. {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ} [يوسف: 88] بإفاضة سجال العوارف الروحانية علينا، وإسباغ ظلال العواطف الربانية لدينا، {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} [يوسف: 88] بإسبال سبحات الإعزاز والإكرام، وإدرار ما شاء من العطاء والإنعام، {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف: 88] بإعطاء الخلق العفو عمَّا سلف كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَنفق أُنفق عليك"،تفسير : {قَالَ} [يوسف: 89] يوسف القلب، {هَلْ عَلِمْتُمْ} [يوسف: 89] بأوصاف البشرية، {مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} [يوسف: 89] القلب أن ألقيتموه في غيابة جب الحيوانية، {وَأَخِيهِ} [يوسف: 89] وبنيامين السر بعدتموه عن يعقوب الروح. {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} [يوسف: 89] أي: إذا كنتم على طبيعة الظلومية والجهولية الإنسانية تظلمون على أرباب الروحانية جهلاً منكم، فلمَّا عرفهم ضيفهم به عرفوه، {قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} [يوسف: 90] القلب الذي ما عرفنا قدرك، وأردنا بالجهل إذلالك، وأراد الحق تعالى إعزازك وإكرامك، {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي} [يوسف: 90] وهذا أخي بنيامين السر، {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ} [يوسف: 90] بأن جمعنا شملنا بعدما فرقتمونا، {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ} [يوسف: 90] عن شهوات الدنيا، {وَيَصْبِرْ} [يوسف: 90] على مجاهدة تركها، وأيضاً من يتق عن غير الله ويصبر على مقاساة شدائد طلبه، {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] الذين أحسنوا السعي في الطلب بأن يوصلهم إلى المقصود والمطلوب كما قال: "حديث : ألا من طلبني وجدني ".

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قال يعقوب عليه السلام لبنيه: { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ } أي: احرصوا واجتهدوا على التفتيش عنهما { وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ } فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس: يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد، فضل الله وإحسانه ورحمته وروحه، { إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } فإنهم لكفرهم يستبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبهوا بالكافرين. ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه، فذهبوا { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ } أي: على يوسف { قَالُوا } متضرعين إليه: { يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } أي: قد اضطررنا نحن وأهلنا { وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ } أي: مدفوعة مرغوب عنها لقلتها، وعدم وقوعها الموقع، { فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ } أي: مع عدم وفاء العرض، وتصدق علينا بالزيادة عن الواجب. { إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ } بثواب الدنيا والآخرة. فلما انتهى الأمر، وبلغ أشده، رقَّ لهم يوسف رقَّة شديدة، وعرَّفهم بنفسه، وعاتبهم.

همام الصنعاني

تفسير : 1337- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ}: [الآية: 87]، قال من رحمة الله.