Verse. 1684 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

فَلَمَّا دَخَلُوْا عَلَيْہِ قَالُوْا يٰۗاَيُّہَا الْعَزِيْزُ مَسَّـنَا وَاَہْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَۃٍ مُّزْجٰىۃٍ فَاَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِيْنَ۝۸۸
Falamma dakhaloo AAalayhi qaloo ya ayyuha alAAazeezu massana waahlana alddurru wajina bibidaAAatin muzjatin faawfi lana alkayla watasaddaq AAalayna inna Allaha yajzee almutasaddiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر» الجوع «وجئنا ببضاعة مزجاة» مدفوعة يدفعها كل من رآها لرداءتها وكانت دراهم زيوفا أو غيرها «فأوف» أتم «لنا الكيل وتصدق علينا» بالمسامحة عن رداءة بضاعتنا «إن الله يجزي المتصدقين» يثيبهم فَرَقَّ لهم وأدركته الرحمة ورفع الحجاب بينه وبينهم.

88

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المفسرين اتفقوا على أن ههنا محذوفاً والتقدير: أن يعقوب لما قال لبنيه: { أية : ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } تفسير : قبلوا من أبيهم هذه الوصية فعادوا إلى مصر ودخلوا على يوسف عليه السلام فقالوا له: {هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ }. فإن قيل: إذا كان يعقوب أمرهم أن يتحسسوا أمر يوسف وأخيه فلماذا عدلوا إلى الشكوى وطلبوا إيفاء الكيل؟ قلنا: لأن المتحسسين يتوسلون إلى مطلوبهم بجميع الطرق والاعتراف بالعجز وضيق اليد ورقة الحال وقلة المال وشدة الحاجة مما يرقق القلب فقالوا: نجربه في ذكر هذه الأمور فإن رق قلبه لنا ذكرنا له المقصود وإلا سكتنا. فلهذا السبب قدموا ذكر هذه الواقعة وقالوا {هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ } والعزيز هو الملك القادر المنيع {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } وهوا الفقر والحاجة وكثرة العيال وقلة الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } وفيه أبحاث: البحث الأول: معنى الإزجاء في اللغة، الدفع قليلاً قليلاً ومثله التزجية يقال الريح تزجي السحاب. قال الله تعالى: { أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِى سَحَاباً } تفسير : [النور: 43] وزجيت فلاناً بالقول دافعته، وفلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالحيلة. والبحث الثاني: إنما وصفوا تلك البضاعة بأنها مزجاة إما لنقصانها أو لرداءتها أو لهما جميعاً والمفسرون ذكروا كل هذه الأقسام قال الحسن: البضاعة المزجاة القليلة، وقال آخرون إنها كانت رديئة واختلفوا في تلك الرداءة، فقال ابن عباس رضي الله عنهما كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام، وقيل: خلق الغرارة والحبل وأمتعة رثة، وقيل: متاع الأعراب الصوف والسمن. وقيل: الحبة الخضراء، وقيل: الأقط، وقيل: النعال والأدم، وقيل: سويق المقل، وقيل: صوف المعز، وقيل: إن دراهم مصر كانت تنقش فيها صورة يوسف والدراهم التي جاؤا بها ما كان فيها صورة يوسف فما كانت مقبولة عند الناس. البحث الثالث: في بيان أنه لم سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة؟ وفيه وجوه: الأول: قال الزجاج: هي من قولهم فلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالقليل، والمعنى أنا جئنا ببضاعة مزجاة ندافع بها الزمان، وليست مما ينتفع به وعلى هذا الوجه فالتقدير ببضاعة مزجاة بها الأيام، الثاني: قال أبو عبيد: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة، لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها قال وهي من الأزجاء، والأزجاء عند العرب السوق والدفع. الثالث: ببضاعة مزجاة أي مؤخرة مدفوعة عن الإنفاق لا ينفق مثلها إلا من اضطر واحتاج إليها لفقد غيرها مما هو أجود منها. الرابع: قال الكلبي: مزجاة لغة العجم، وقيل هي من لغة القبط قال أبو بكر الأنباري: لا ينبغي أن يجعل لفظ عربي معروف الاشتقاق والتصريف منسوباً إلى القبط. البحث الرابع: قرأ حمزة والكسائي مزجاة بالإمالة، لأن أصله الياء، والباقون بالنصب والتفخيم. واعلم أن حاصل الكلام في كون البضاعة مزجاة إما لقلتها أو لنقصانها أو لمجموعها ولما وصفوا شدة حالهم ووصفوا بضاعتهم بأنها مزجاة قالوا له: {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ } والمراد أن يساهلهم إما بإن يقيم الناقص مقام الزائد أو يقيم الرديء مقام الجيد، ثم قالوا: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } والمراد المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسع بالجيد، واختلف الناس في أنه هل كان ذلك طلباً منهم للصدقة فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الآية وعلى هذا التقدير، كأنهم طلبوا القدر الزائد على سبيل الصدقة، وأنكر الباقون ذلك وقالوا حال الأنبياء وحال أولاد الأنبياء ينافي طلب الصدقة لأنهم يأنفون من الخضوع للمخلوقين ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله تعالى والاستغاثة به عمن سواه، وروي عن الحسن ومجاهد: أنهما كرها أن يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علي، قالوا: لأن الله لا يتصدق إنما يتصدق الذي يبتغي الثواب، وإنما يقول: اللهم أعطني أو تفضل، فعلى هذا التصدق هو إعطاء الصدقة والمتصدق المعطي، وأجاز الليث أن يقال للسائل: متصدق وأباه الأكثرون. وروي أنهم لما قالوا: {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } وتضرعوا إليه اغرورقت عيناه فعند ذلك {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ } وقيل: دفعوا إليه كتاب يعقوب فيه من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر. أما بعد: فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي في النار ليحرق فنجاه الله وجعلها برداً وسلاماً عليه، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي من البكاء عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به إليك ثم رجعوا وقالوا: إنه قد سرق وإنك حبسته عندك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً، فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك. فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب لم يتمالك وعيل صبره وعرفهم أنه يوسف. ثم حكى تعالى عن يوسف عليه السلام في هذا المقام أنه قال: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ } قيل إنه لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت مفاصله واقشعر جلده ولان قلبه وكثر بكاؤه وصرح بأنه يوسف. وقيل: إنه لما رأى إخوته تضرعوا إليه ووصفوا ما هم عليه من شدة الزمان وقلة الحيلة أدركته الرقة فصرح حينئذ بأنه يوسف، وقوله: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ } استفهام يفيد تعظيم الواقعة، ومعناه: ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه، وهو كما يقال للمذنب هل تدري من عصيت وعل تعرف من خالفت؟ واعلم أن هذه الآية تصديق لقوله تعالى: { أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } تفسير : [يوسف: 15] وأما قوله: {وَأَخِيهِ } فالمراد ما فعلوا به من تعريضه للغم بسبب إفراده عن أخيه لأبيه وأمه، وأيضاً كانوا يؤذونه ومن جملة أقسام ذلك الإيذاء قالوا في حقه: { أية : إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } تفسير : [يوسف: 77] وأما قوله: {إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ } فهو يجري مجرى العذر كأنه قال: أنتم إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في جهالة الصبا أو في جهالة الغرور، يعني والآن لستم كذلك، ونظيره ما يقال في تفسير قوله تعالى: { أية : مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [الأنفطار: 6] قيل إنما ذكر تعالى هذا الوصف المعين ليكون ذلك جارياً مجرى الجواب وهو أن يقول العبد يا رب غرني كرمك فكذا ههنا إنما ذكر ذلك الكلام إزالة للخجالة عنهم وتخفيفاً للأمر عليهم. ثم إن إخوته قالوا: {أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ } قرأ ابن كثير {إِنَّكَ } على لفظ الخبر، وقرأ نافع {أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ } بفتح الألف غير ممدودة وبالياء وأبو عمرو {آينك} بمد الألف وهو رواية قالون عن نافع، والباقون {أئنك} بهمزتين وكل ذلك على الاستفهام، وقرأ أبي {أَوْ أَنتَ يُوسُفَ } فحصل من هذه القراءات أن من القراء من قرأ بالاستفهام ومنهم من قرأ بالخبر. أما الأولون فقالوا: إن يوسف لما قال لهم: {هَلْ عَلِمْتُمْ } وتبسم فأبصروا ثناياه، وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف، فقالوا له استفهاماً {أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ } ويدل على صحة الاستفهام أنه {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ } وإنما أجابهم عما استفهموا عنه. وأما من قرأ على الخبر فحجته ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، وكان في فرقه علامة وكان ليعقوب وإسحق مثلها شبه الشامة، فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة، فقالوا: {إِنَّكَ لاَنتَ يُوسُفَ } ويجوز أن يكون ابن كثير أراد الاستفهام ثم حذف حرف الاستفهام وقوله: {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ } فيه بحثان: البحث الأول: اللام لام الابتداء، وأنت مبتدأ ويوسف خبره، والجملة خبر إن. البحث الثاني: أنه إنما صرح بالاسم تعظيماً لما نزل به من ظلم إخوته وماعوضه الله من الظفر والنصر؛ فكأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أعظم الوجوه والله تعالى أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك العاجز الذي قصدتم قتله وإلقاءه في البئر ثم صرت كما ترون، ولهذا قال: {وَهَـٰذَا أَخِى } مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول: وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت ثم إنه صار منعماً عليه من قبل الله تعالى كما ترون وقوله: {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } قال ابن عباس رضي الله عنهما بكل عز في الدنيا والآخرة وقال آخرون بالجمع بيننا بعد التفرقة وقوله: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ } معناه: من يتق معاصي الله ويصبر على أذى الناس {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } والمعنى: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجرهم فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن يوسف عليه السلام وصف نفسه في هذا المقام الشريف بكونه متقياً ولو أنه قدم على ما يقوله الحشوية في حق زليخا لكان هذا القول كذباً منه وذكر الكذب في مثل هذا المقام الذي يؤمن فيه الكافر ويتوب فيه العاصي لا يليق بالعقلاء. المسألة الثانية: قال الواحدي روي عن ابن كثير في طريق قنبل: {إِنَّهُ مِنَ يَتَّقِى } بإثبات الياء في الحالين ووجهه أن يجعل «من» بمنزلة الذي فلا يوجب الجزم ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: {وَيِصْبِرْ } في موضع الرفع إلا أنه حذف الرفع طلباً للتخفيف كما يخفف في عضد وشمع والباقون بحذف الياء في الحالين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ} أي الممتنع. {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ} هذه المرة الثالثة من عودهم إلى مصر؛ وفي الكلام حذف، أي فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف قالوا: «مَسَّنَا» أي أصابنا «وَأَهْلَنَا الضُّرُّ» أي الجوع والحاجة؛ وفي هذا دليل على جواز الشكوى عند الضُّر، أي الجوع؛ بل واجب عليه إذا خاف على نفسه الضّر من الفقر وغيره أن يبدي حالته إلى من يرجو منه النفع؛ كما هو واجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه؛ ولا يكون ذلك قدحاً في التوكل، وهذا ما لم يكن التشكِّي على سبيل التّسخط؛ والصبر والتّجلد في النّوائب أحسن، والتّعفف عن المسألة أفضل؛ وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى؛ وذلك قول يعقوب: «إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنيِ إلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» أي من جميل صنعه، وغريب لطفه، وعائدته على عباده؛ فأما الشكوى على غير مُشْكٍ فهو السّفه، إلا أن يكون على وجه البثّ والتّسلّي؛ كما قال ٱبن دُرَيْد:شعر : لاَ تَحْسَبَنْ يا دهرُ أنّي ضارِعٌ لِنَكْبةٍ تَعْرِقُنيِ عَرْقَ الْمُدَى مَارَسْت مَنْ لَوْ هوتِ الأفلاكُ مِنْ جَوَانِبِ الجوِّ عليه ما شَكَا لكنّها نَفْثَةُ مَصْدورٍ إذا جَاشَ لُغَامٌ مِن نَوَاحِيَها غَمَا تفسير : قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ} البضاعة القطعة من المال يقصد بها شراء شيء؛ تقول: أبضعت الشيء وٱستبضعته أي جعلته بضاعة؛ وفي المثل: كمستبضع التمر إلى هَجَر. قوله تعالى: {مُّزْجَاةٍ} صفة لبضاعة؛ والإزجاء السَّوْق بدفع؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً} تفسير : [النور: 43] والمعنى أنها بضاعة تدفع؛ ولا يقبلها كل أحد. قال ثعلب: البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة. ٱختلف في تعيينها هنا؛ فقيل: كانت قدِيداً وحيساً؛ ذكره الواقديّ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وقيل: خَلَقُ الغَرَائر والحبِال؛ روي عن ابن عباس. وقيل: متاع الأعراب صوف وسمن؛ قاله عبد الله بن الحارث. وقيل: الحبة الخضراء والصَّنَوبر وهو البُطْم، حبّ شجرٍ بالشام، يؤكل ويعصر الزيت منه لعمل الصابون، قاله أبو صالح؛ فباعوها بدراهم لا تَنفُق في الطعام، وتَنْفق فيما بين الناس؛ فقالوا: خذها منا بحساب جيادٍ تَنفُق في الطعام. وقيل: دراهم رديئة؛ قاله ابن عباس أيضاً. وقيل: ليس عليها صورة يوسف، وكانت دراهم مصر عليها صورة يوسف. وقال الضحاك: النعال والأدم؛ وعنه: كانت سوِيقا منخلاً. والله أعلم. قوله تعالى: {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ}. فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} يريدون كما تبيع بالدراهم الجياد لا تنقصنا بمكان دراهمنا؛ هذا قول أكثر المفسرين. وقال ابن جريج: «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ» يريدون الكيل الذي كان قد كاله لأخيهم. {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} أي تفضل علينا بما بين سعر الجياد والرديئة. قاله سعيد بن جُبير والسدي والحسن: لأن الصدقة تحرم على الأنبياء. وقيل المعنى: «تَصَدَّقْ عَلَيْنَا» بالزيادة على حقّنا؛ قاله سفيان بن عُيَيْنة. قال مجاهد: ولم تحرم الصدقة إلا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جُريج: المعنى «تَصَدَّقْ عَلَيْنَا» بردّ أخينا إلينا. وقال ابن شجرة: «تَصَدَّقْ عَلَيْنَا» تَجوَّز عنا؛ وٱستشهد بقول الشاعر:شعر : تَصدّقْ علينا يا ٱبن عَفَّان وٱحْتَسِبْ وأَمِّرْ علينا الأشعريّ لَيَالِيَا تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} يعني في الآخرة؛ يقال: هذا من مَعَاريض الكلام؛ لأنه لم يكن عندهم أنه على دينهم، فلذلك لم يقولوا: إن الله يجزيك بصدقتك، فقالوا لفظاً يوهمه أنهم أرادوه، وهم يصح لهم إخراجه بالتأويل؛ قاله النقاش وفي الحديث: «حديث : إن في المَعَاريض لمندوحةً عن الكذب».تفسير : الثانية: ٱستدلّ مالك وغيره من العلماء على أن أجرة الكيال على البائع؛ قال ٱبن القاسم وابن نافع قال مالك: قالوا ليوسف «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ» فكان يوسف هو الذي يكيل، وكذلك الوزَّان والعدّاد وغيرهم، لأن الرجل إذا باع عِدّة معلومة من طعامه، وأوجب العقد عليه، وجب عليه أن يبرزها ويميّز حق المشتري من حقه، إلا أن يبيع منه مُعيَّناً ـ صُبْرة أو مالا حقّ توفية فيه ـ فخلّى (ما) بينه وبينه، فما جرى على المبيع فهو على المبتاع؛ وليس كذلك ما فيه حق توفية من كيل أو وزن، ألا ترى أنه لا يستحق البائع الثمن إلا بعد التوفية، وإن تلف فهو منه قبل التوفية. الثالثة: وأما أجرة النقد فعلى البائع أيضاً؛ لأن المبتاع الدافع لدراهمه يقول: إنها طَيِّبة، فأنت الذي تدّعي الرداءة فٱنظر لنفسك؛ وأيضاً فإن النفع يقع له فصار الأجر عليه، وكذلك لا يجب على الذي (يجب) عليه القصاص؛ لأنه لا يجب عليه أن يقطع يد نفسه، إلا أن يمكن من ذلك طائعاً؛ ألا ترى أن فرضاً عليه أن يفدي يده، ويصالح عليه إذا طلب المقتص ذلك منه؛ فأجر القطاع على المقتص. وقال الشافعي في المشهور عنه: إنها على المقتص منه كالبائع. الرابعة: يكره للرجل أن يقول في دعائه: اللهم تصدّق عليّ؛ لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالثواب بجميع النعم لا ربّ غيره؛ وسمع الحسن رجلاً يقول: اللهم تصدّق عليّ؛ فقال الحسن: يا هذا! إن الله لا يتصدّق إنما يتصدّق من يبتغي الثواب؛ أما سمعت قول الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} قل: اللهم أعطني وتفضّلّ عليّ.

البيضاوي

تفسير : {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ} بعدما رجعوا إلى مصر رجعة ثانية. {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } شدة الجوع. {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } رديئة أو قليلة ترد وتدفع رغبة عنها، من أزجيته إذا دفعته ومنه تزجية الزمان. قيل كانت دراهم زيوفاً وقيل صوفاً وسمناً. وقيل الصنوبر والحبة الخضراء. وقيل الأقط وسويق المقل. {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ } فأتمم لنا الكيل. {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} برد أخينا أو بالمسامحة وقبول المزجاة، أو بالزيادة على ما يساويها. واختلف في أن حرمة الصدقة تعم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو تختص بنبينا صلى الله عليه وسلم. {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدّقِينَ} أحسن الجزاء والتصدق التفضل مطلقاً، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في القصر «حديث : هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»تفسير : لكنه اختص عرفاً بما يبتغي به ثواب من الله تعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَاٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } الجوع {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } مدفوعة يدفعها كل من رآها لرداءتها وكانت دراهم زيوفاً أو غيرها {فَأَوْفِ } أتمّ {لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } بالمسامحة عن رداءة بضاعتنا {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ } يثيبهم فَرَقَّ عليهم وأدركته الرحمة ورفع الحجاب بينه وبينهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} استعطفوه ليرد أخاهم، أو ليوفي كيلهم ويحابيهم. {الْعَزِيزُ} الملك، أو كان اسماً لكل من ملك مصر. {بِبِضَاعَةٍ} صوف وسمن أو حبة الخضراء والصنوبر، أو خَلِق الحبل والغِرارة، أو دراهم {مُّزْجَاةٍ} رديئة، أو كاسدة، أو قليلة، وأصل الإزجاء السوق بالدفع، {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} الذي قد كان كاله لأخيهم، أو مثل الكيل الأول، لا، بضاعتهم الثانية أقل. {وَتَصَدَّقْ} تفضل بما بين سعر الجياد والرديئة، لأن الصدقة محرمة على الأنبياء، أو تصدق بالزيادة على حقنا ولا تحرم الصدقة إلا على محمد وآله لا غير، أو برد أخينا، أو تجوز عنا. وكره مجاهد أن يقال في الدعاء: اللهم تصدق عليَّ، لأن الصدقة لمن يبتغي الثواب.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ} الآية اتفق المفسِّرون على أنَّ هنا محذوفاً، وتقديره: فخرجوا راجعين إلى مصر، ودخلوا على يوسف، فقالوا: يا أيُّها العزيزُ. فإن قيل: إذا كان يقعوب أمرهم أن يتحسسوا من يوسف وأخيه، فلم عادوا إلى الشكوى؟. فالجواب: أنَّ المتحسِّسَ يصل إلى مطلوبه بجميع الطُّرقِ، والاعترافِ بالعجز، وضموا رقَّة الحال، وقلَّة المال، وشدَّة الحاجة، وذلك ممَّا يرقِّقٌ القلب، فقالوا: نُجرِّبهُ في هذه الأمورِ، فإن رقَّ قلبه لنا ذكرنا له المقصود، وإلا سكتنا، فلهذا قدَّموا ذكر ذلك فقالوا: "يا أيُّها العزيزُ" والعزيزُ: الملكُ القادرُ الممتنع: "مسَّنَا وأهْلنَا الضُرُّ" وهو الفقر، والحاجة، وكثرة العيال وقلَّة الطَّعام، وعنوا بأهلهم من خلفهم. قوله: "مُزجَاةٍ" أي مدفوعة يدفعها كلُّ أحدٍ عنه لزهادته فيها، ومنه: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً}تفسير : [النور:43] أي: يسوقها بالريح؛ وقال حاتم [الطويل] شعر : 3143ـ لِيََبْكِ على مِلحَان ضَيْفٌ مُدفَّعٌ وأرْمَلةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلاَ تفسير : ويقال: أزْجيتُ رَدِيء الدرهم فزُجِي، ومنه استعير زَجَا الجِرَاح تزْجُوا زجاً وجراح زَاج. وقول الشاعر: [البسيط] شعر : 3144ـ وحَاجَةٍ غَيْرِ مُزْجاةٍ مِن الحَاجِ تفسير : أي: غير يسيرة يمكنُ دفعها، وصرفها لقلَّة الاعتداد بها، فألف "مُزجَاةٍ" منقلبة عن واو. فصل وإنَّما وصفوا تلك البضاعة بأنها مزجاة إمَّا لنقصانها، أو لدناءتها أو لهما جميعاً، قال بعضهم: المُزْجَاةُ القليلة. وقيل: كانت رَدِيئةً. وقال ابنُ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن الطَّعام وقيل: أمتعة رديئة. وقيل: متاع الأعراب الصُّوفُ والسَّمْن. وقيل: الحبة الخضراء، وقيل: الأقط، وقيل: النعال والأدم، وقيل: سويق المقل. وقيل: إنَّ الدَّراهم كانت منقوشة عليها صورة يوسف، والدَّراهم الَّتي جاؤا بها، ما كان فيها صورة يوسف. وإنَّما سميت البضاعة القليلة الرَّديئة مزجاة، قال الزجاج: من قولهم: فلانٌ يزْجِي العَيْشَ، أي: يدفع الزَّمان بالقليلِ، أي: إنَّا جئنا ببضاعة مزجاة ندافع بها الزَّمان، وليست مما ينتفعُ بها، وعلى هذا فالتقديرُ ببضاعة مزجاةٍ ندافع بها الأيام. قال أبو عبيد: إنَّما قيل للدَّراهم الرّّديئةِ مزجاة؛ لأنَّها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممَّن ينفقها، قال: وهي من الإزجاء، والإزجاء عند العرب: الدَّفعُ. وقيل: مزجاة، أي: مؤخرة مدفوعة عن الإنفاقِ لا يقبل مثلها إلاَّ من اضطر، واحتاج إليها لفقد غيرها ممَّا هو أجود منها. وقال الكلبيُّ: "مزجاة لغة العجم، وقيل: هي من لفظ القِبْطِ". قال ابن الأنباري: لا ينبغي أن يجعل لفظ عربي معروف الاشتقاق منسوباً إلى القبط. وقرأ حمزة والكسائي: "مُزْجَاةٍ" بالإمالة؛ لأن أصله الياء، والباقون بالفتح والتفخيم. ثمَّ لما وصفوا شدَّة حالهم، ووصفوا بضاعتهم بأنها مزجاة قالوا له: "فأوْفِ لنَا الكيْلَ: يجوز أن يراد به حقيقة من الآلة، وأن يراد به الكيل، فيكون مصدراً، والمعنى إنَّا نريدُ أن نقيم النَّاقص مقام الزَّائد أو نقيم الرَّديء مقام الجيِّد. {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ}: أي تفضل علينا بما بين الثمنين الجيّد، والرَّديء، وسامحنا ولا تنقصنا. وقال ابن جريج، والضحاك، أي: تصدَّق علينا بردِّ أخينا لنا: {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} يثيب المتصدقين. قال الضحاك: لم يقولوا: إنَّ الله يجزيك؛ لأنَّهم لم يعلموا أنَّه مؤمنٌ. وسُئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على نبيّ من الأنبياء سوى نبيِّنا ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ؟. قال سفيان: ألم تسمع قوله: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ}. يريد: أنَّ الصَّدقة كانت حلالاً لهم، وأنكر الباقون ذلك، وقالوا: حالُ الأنبياء وحالُ أولادِ الأنبياء في طلب الصَّدقة سواء؛ لأنَّهم يأنفون من الخضوع إلى المخلوقين ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله، والاستغناء به عمَّنْ سواه. وروي عن الحسنِ ومجاهدٍ: أنَّهما كرها أن يقول الرَّجل في دعائه: اللَّهُمَّ تصدَّق علينا، قالوا: لأنَّ الله لا يتصدَّق، وإنَّما التَّصدُّق بمعنى الثَّواب، وإنما يقول اللَّهُمَّ أعطني وتفضَّل علينا. فصل قال القرطبيُّ: "استدلَّ العلماء بهذه الآية على أنَّ أجرة الكيال على البائع، لقولهم ليوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ "فأوْفِ لَنَا الكَيْلَ" فكان يوسفُ هو الذي يكيل، وكذلك الوزَّانُ، العدَّادُ وغيرهم؛ لأنَّ الرَّجُلَ إذا باع عدّة من طعامه معلومة، وأوجب العقد عليه؛ وجب عليه أن يبرزها، ويُمَيِّز حقَّ المشتري من حقِّه إلا إن كان المبيعُ فيه معيناً صبره، أو ما ليس فيه حق موفيه، فيخلي ما بينه وبينه، وما جرى على المبيع فهو ضمان المبتاع، وليس كذلك ما يتعلَّق به حقُّ موفيه من كيل أو وزنٍ، ألا ترى: أنَّه لا يستحقُّ البائع الثمن إلاَّ بعد التَّوفية، كذلك أجرة النقد على البائع أيضاً؛ لأنَّ المتباع الدَّافع لدراهمه يقول: إنَّها طيبة فأنت الذي تدّعي الرَّداءة، فانظر لنفسك، ليقع له فكان الأجرُ عليه، وكذلك لا يجبُ أجرة القاطع على من يجب عليه القصاص لأنه لا يجب عليه أن يقطع نفسه، ولا أن يمكن من ذلك طائعاً؛ ألا ترى أنَّ فرضاً عليه أن يفدي يده، ويصالح عليه، إذا طلب المقتص ذلك. وقال الشَّافعيُّ: إن الأجرة على المقتص منه كالبائع؛ لأنَّه يجب عليه تسليم يده. فصل روي: أنهم لما قالوا: {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ} وتضرَّعُوا إليه، أدركته الرِّقَّة، فارفضَّ دمعه، فباح بالذي كان يكتمُ، فقال: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} وقيل: دفعوا إليه كتاب يعقوب، فلما قرأ الكتاب ارتعدت مفاصله واقشعرَّ جلدهُ، ولانَ قلبه، وكثر بكاؤه؛ فصرح بأنه يوسف. قوله: {هَلْ عَلِمْتُمْ} يجوز أن تكون استفهامية للتَّوبيخ، وهو الأظهر وقيل: هو خبر و"هَلْ" بمعنى "قَدْ". وقال الكلبيُّ: "إنما قال: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} حين حكى لإخوته أنَّ مالك بن دعر قال: إنِّي وجدت غلاماً في بئر من حاله كَيْتَ وكيْتَ فأبتعته بكذا وكذا درهماً، فقالوا أيُّها الملك: نحن بِعْنَا ذلك الغلام منه؛ فغاظ يوسف ـ عليه السلام ـ ذلك، وأمر بقتلهم، فذهبوا بهم ليقتلوهم، فولى يَهُوذا وهو يقول: كان يعقوب قد حزن لِفقْدِ واحدة منَّا حتَّى كفَّ بصره، فكيف إذا أتاهُ قتل بنيه كلِّهم، ثم قالوا له: إن فعلت ذلك، فابعثْ بأمتعتنا إلى أبينا، فإنَّه بمكان كذا وكذا، فذلك حين رحمهم وبكى، وقال ذلك القول". وفي هذه الآية تصديق قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [يوسف:15]، وأمَّا قوله: "وَأخِيهِ" فالمراد ما فعلتم من تعريضه للغمِّ بسبب إفراده عن أخيه لأبيه وأمِّه، وأيضاً: كانوا يؤذونه، ومن جملة الإيذاء، قالوا في حقه: {أية : إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}تفسير : [يوسف:77] وأما قوله: {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} فهو يجرى مجرى الغدرِ لهم كأنه قال: أنتم أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال كونكم من حالة الصِّبا، وفي جهالة الغرور، يعني: والآن لستُم كذلك، ونظيره قوله تعالى: {أية : مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ}تفسير : [الانفطار:6] وقيل: إنما ذكر ـ تعالى ـ ذلك الوصف ليكون ذلك جارياً مجرى الجواب، فيقول العبدُ: يا ربِّ غرَّنِي كرَمُكَ، فكذا ههنا إنَّما قال لهم يوسف ذلك الكلام إزالة للخجل عنهم، وتخفيفاً للأمر عليهم. وقيل: المعنى: إذ أنتم جاهلون بما يئول إليه أمر يوسف صلوات الله وسلامه عليه. فإن قيل: كيف قال: {مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ}، ولم يكن منهم إلى أخيه شيء، ولم يسعوا في حبسه؟. قيل: هو قولهم حين أخرجوا الصواع من رحله، ما رأينا منكم يا بني راحيل إلاَّ البلاء. وقيل: تفريقهم بينه، وبين أخيه يوسف، وكانوا يؤذونه بعد فقد يوسف. قوله: "أئِنَّكَ" قرأ ابن كثير، وأبو جعفر: "إنَّكَ" بهمزة واحدة على الخبر والباقون بهمزتين استفهاماً، وقد تقدَّم قراءتهم في هاتين الهمزتين تخفيفاً، وتسهيلاً وغير ذلك، فأمَّا قراءة ابن كثير، فيحتمل أن تكون خبراً محضاً واستبعد هذا من حيث تخالف القراءتين مع أنَّ القائل واحد. وقد أجيب عن ذلك بأنَّ بعضهم قاله استفهاماً، وبعضهم قاله خبراً، ويحتمل أن يكون استفهاماً حذف منه الأداة لدلالة السِّياق، والقراءة الأخرى عليه، وقد تقدَّم نحو هذا في الإعراب. وقرأ أبيّ (أَوَأَنْتَ يوسف) فمن قرأ بالاستفهام قالوا: إنَّ يوسف لما قال لهم: {هل علمتم ما فعلتم} تبيَّنوا يوسف، فأبصروا ثناياه كاللّؤلؤ المنظُوم. وروى الضحاكُ عن ابنِ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ لما قال هذا القول تبسَّم فرأوْا ثناياه كاللّؤلؤ، فشبهوه بيوسف، ولم يعرفوه، فقالوا استفهاماً: {أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} ويدلُّ على أنه استفهام قوله: "أنَا يُوسفُ"، وإنَّما أجابهم عما اسْتَفْهَمُوا عنه، ومن قرأ على الخبر فحجته ما روى الضحاك عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنَّه قال: إنَّ أخوة يوسف لم يعرفوه حتّى وضع التَّاج عن رأسه، وكان في قرنه شامة وكان لإسحاق، ويعقوب مثلها تشبه التَّاج عرفوه بتلك العلامة. وقال ابن إسحاق: "كان يتكلَّم من وراء ستر، فلما قال: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} رفع الحجاب فعرفوه" وقيل: قالوه على التَّوهُّمِ. "واللام في: "لأنْتَ" لام الابتداء، و"أنْتَ" مبتدأ، و"يُوسفُ" خبره والجملة خبر "إنَّ" ويجوز أن تكون "أنْتَ" فصلاً، ولا يجوز أن يكن تأكيداً لاسم "إنَّ" لأنَّ هذه اللام لا تدخل على التوكيد". وقرأ أبي: (أئنك أو أنت يوسف) وفيها وجهان: أحدهما: قال أبُوا الفتح: إنَّ الأصل: أئنك لغير يوسف، أو أنت يوسف فحذف خبر "إن" لدلالة المعنى عليه. والثاني: ما قاله الزمخشريُّ: المعنى: أئنَّك يوسف، أو أنت يوسف فحذف الأول لدلالته، وهذا كلام متعجب مستغرب لما يسمع، فهو يكرِّر الاستثبات فقال: {أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي} وإنَّما صرَّح بالاسم تعظيماً لما نزل به من ظلم إخوته، وما عوضه الله من الظَّفر والنَّصر، فكأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أعظم الوجوه، والله أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك العاجزُ الذي قصدتم قتله، وإلقاءه في الجبِّ، ثمَّ صرتُ كما ترون، ولهذا قال: "وهَذا أخِي" مع أنَّهم كانوا يعرفونه؛ لأن مقصوده أن يقول: وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت، ثم إنه صار منعماً عليه من قبل الله كما ترون. {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ} قال ابنُ عباسٍ ـ رضي الله عنه ـ بكلِّ عزِّ في الدنيا والآخرة.. وقيل: بالجمع بيننا بعد الفرقة. قوله: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ} قرأ قنبل "يتقي" بإثبات الياء وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها فيهما. فأمَّا قراءة الجماعة فواضحة؛ لأنَّه مجزومٌ، وأمَّا قراءة قنبلٍ، فاختلف فيها النَّاس على قولين: أحدهما: أنَّ إثبات حرف العلَّة في الجزم لغة لبعض العرب؛ وأنشدوا: [الوافر] شعر : 3145ـ أَلَمْ يَأتِيكَ والأنْبَاءُ تَنْمِي بِمَا لاقَتْ لبُونُ بَنِي زِيَادِ تفسير : وقول الآخر: [البسيط] شعر : 3146ـ هَجَوْتَ زبَّان ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِراً مِنْ هَجْوِ زبَّان لَمْ تَهْجُوا ولَمْ تَدعِ تفسير : وقول الآخر: [الرجز] شعر : 3147ـ إذَا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطلِّقِ ولا تَرضَّاهَا ولا تَملَّقِ تفسير : وقول الآخر: [الرجز] شعر : 3148ـ إنِّي إذَا مَا ما القَوْمُ كَانُوا أنْجِيَهْ واضْطَربَ القَوْمُ اضطرابَ الأرْشِيَهْ هُنَاكَ أوْصِينِي ولا تُوصِي بِيَهْ تفسير : ومذهب سيبويه: أنَّ الجازم بحذف الحركة المقدرة، وإنَّما تبعها حرف العلَّة في الحذف تفرقة بين المرفوع، والمجزوم. واعترض عليه: بأنَّ الجازم يبين أنَّه مجزوم، وعدمه يُبيِّنُ أنه غيرُ مجوزم. وأجيب: بأنه في بعض الصُّورِ يلتبس فاطرد الحذف، بيانه: أنَّك إذا قلت "زُرْنِي أعْطِتكَ" بثبوت الياءِ، احتمل أن يكون "أعْطِيكَ" جزاء الزيارة، وأن يكون خبراً مستأنفاً، فإذا قلت: "أعْطِكَ" بحذفها تعين أن يكون جزاء له؛ فقد وقع اللَّبس بثبوت حرف العلِّة، وفقد بحذفه، فيقالُ: حرف العلَّة يحذف عند الجازمِ لا به. ومذهب ابنِ السَّراج: أنَّ الجازم أثَّر في نفس الحرف فحذفه، وفيه البحثُ المتقدم. والثاني: أنَّه مرفوعٌ غير مجزومٍ و"مَنْ" موصولةٌ، والفعل صلتها؛ فلذلك لم يحذف لامه. واعترض على هذا بأنَّهُ قد عطف عليه مجزوم وهو قوله: "ويَصْبِرْ" فإنَّ قُنْبُلاً لم يقرأ إلا بإسكان الرَّاء. وأجيب عن ذلك: بأنَّ التَّسكين لتوالي الحركات، وإن كان من كلمتين كقراءة أبي عمرو {يَنصُرْكُمُ} [آل عمران:160]، و {يَأْمُرَكُمْ} [آل عمران:80]، وأجيب أيضاً: بأنه جزم على التوهم يعني لما كانت "مَنْ" الموصولة تشبه "مَنْ" الشرطية، وهذه العبارة فيها غلط على القرآن، فينبغي أن يقال فيها مراعاة للشَّبهة اللَّفظي، ولا يقال للتَّوهُّم. وأجيب أيضاً: بأنه سكن للوقف ثم أجرى الوصل مُجْرَى الوقف. وأجيب أيضاً: بأنه إنما جزم حملاً لـ"مَنْ" الموصولة على "مَنْ" الشَّرطيَّة؛ لأنَّها مثلها في المعنى، ولذلك دخلت [الفاء] في خبرها. قال شهابُ الدِّين: وقد يقالُ على هذا: يجوز أن تكون "مَنْ" شرطيَّة، وإنَّما ثبتت الياء، ولم تجزم "من" لشبهها بـ"مَنْ" الموصولة ثمَّ لم يعتبر هذا الشبه في قوله: "ويَصْبِرْ"، فلذلك جزمه، إلاَّ أنه يبعد من جهة أنَّ العامل لم يؤثر فيما بعده، ويليه، ويؤثر فيما هو بعيد منه، وقد تقدَّم الكلام على مثل هذه المسألة أوَّل السُّورة في قوله: {أية : يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ}تفسير : [يوسف:12]. وقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ} الرَّابطُ بين جملة الشَّرط، وبين جوابها: إمَّا العموم في "المُحْسِنيِنَ"، وإمَّا الضمير المحذوف، أي: المحسنين منهم، وإمَّا لقيام: "ألْ" مقامه، والأصل: محسنيهم، فقامت "ألْ" مقام ذلك الضَّمير. فصل معنى الآية: من يتَّق معاصي الله، ويصبر على أذى النَّاسِ. وقيل: من يتَّق بأداء الفرائض، واجتناب المعاصي ويصبر على ما حرم الله عليه. وقال ابنُ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنه ـ: يتّقي في الزِّنا، ويصبر على العُزوبةِ، وقال مجاهدٌ: يتقي المعصية، ويصبر على السجن. {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} قال ابن الخطيب: "واعلم أنَّ يوسف ـ عليه السلام ـ وصف نفسه في هذا المقام الشَّريف بكونه متقِياً، ولو أنه أقدم على المعصية كما قالوه في حق زليخا، لكان هذا القول كذباً منه، وذكر الكذب في مثل هذا المقام الذي يؤمن فيه الكافر، ويتوب فيه العاصي لا يليق بالعقلاء". قوله: {تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} أي تفضَّل عليك، والإيثارُ: التفضيل بأنواع جميع العطايا، آثرهُ يُؤثِرهُ إيثَاراً، وأصله من الأثر، وهو تتبع الشيء، فكأنه يَسْتقْصِي جميع أنواع المَكارمِ، وفي الحديث: "حديث : سَتكُون بعدي أثرةٌ"تفسير : أي: يستأثر بعضكم على بعض، ويقال: اسْتأثَر بكذا، أي: اختص به، واستأثر اللهُ بفلان، كناية عن اصطفائه له. وقال الشاعر: [الرجز] شعر : 3149ـ واللهُ اسْماكَ سُماً مُبَاركَا آثَركَ الله بِهِ إيثَاركَا تفسير : قال الأصمعيُّ: يقالُ: آثَرَكَ الله إيثاراً، أي: فضَّلك، والمعنى: لقد فضلك الله علينا بالعلمِ، والعملِِ، والحسنِ، والملكِ. فصل احتجَّ بعضهم بهذه الآية على أنَّ إخوة يوسف ما كانوا أنبياء؛ لأنَّ جميع المناصب المغايرة لمنصب النبوة كالعدم بالنِّسبة لمنصب النُّبوة فلو كانوا شاركوه في منصب النبوة لما قالوا: {تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا}، وعلى هذا يذهب سؤال من يقول: آثره عليهم بالملك، وإن شاركوه في النبوة؛ لأنَّا بيَّنا أنَّ سائر المناصب لا تعتبر في جنب منصب النُّبوَّة. ثم قالوا: {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} والخَاطِىءُ: هو الذي أتى بالخطيئة عمداً وهذا هو الفرقُ بين الخَاطىءِ، ولهذا يقالُ للمُجْتهدِ الذي لمْ يُصِبْ أنَّهُ مخطىءٌ، ولا يقال: إنه خاطىءٌ. فصل أكثر المفسرين على أن الذي اعتذروا منه هو إقدامهم على إلقائه في الجُبِّ وبيعه وتبعيده عن أبيه. وقال أبو عليّ الجبائيٌّ: لم يعتذروا من ذلك؛ لأنَّ ذلك كان منهم قبل البلوغ، فلا يكون ذنباً، فلا يعتذر منه، وإنَّما اعتذروا من حيثُ إنهم أخطئوا بعد ذلك بأن لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنَّه حي، وأنَّ الذِّئب لم يأكله. وأجاب ابنُ الخطيب عن ذلك: "بأنَّه لا يجوز أن يقال: إنهم أقدموا على ذلك الفعل في زمن الصِّبا؛ لأنه من البعيد في [مثل] يعقوب جمعاً غير بالغين من غير أن يبعث معهم رجلاً عاقلاً يمنعهم عمَّا لا ينبغي، ويحملهم على ما ينبغي". قوله: {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ} عليكم يجوز أن يكون خبر "لاَ" و"اليَوْمَ" يحتمل أن يتعلق بما تعلَّق به هذا الخبر أي: لا تثريب مستقرٌ عليكم ويجوز أن يكون "اليَوْمَ" خبر "لاَ"، و"عَليْكُمْ" متعلق بما تعلق به هذا الظرف ويجوز أن يكون: "عليكم" صفة لاسم: "لا"، و"اليَوْمَ" خبرها أيضاً ولا يجوز أن يتعلق كل من الظرف، والجار بـ: "تَثْرِيب"؛ لأنه يصيرُ مطولاً شبيهاً بالمضاف ومتى كان كذلك أعرب ونُوِّن، نحو: "لا خَيْراً من زَيْدٍ عندكَ" ويزيدُ عليه الظرف بأنه يلزم الفصل بين المصدر المؤول بالموصول، ومعموله بأجنبي وهو: "عَليْكُمْ" لأنه إما خبر وإما صفة. وقد جوَّز الزمخشريُّ: أن يكون الظَّرف متعلقاً بـ: تَثْرِيبَ" فقال: فإن قلنا: بم يتعلق "اليوم"؟ قلت: بالتثريب، أو بالمقدر في "عَليْكُم" من معنى الاستقرار أو بـ:يَغْفِرُ"، فجعله أنه متعلق بـ "تَثْرِيب" وفيه ما تقدَّم. وقد أجرى بعضهم الاسم العامل مجرى المضاف لشبهه به، فنزع ما فيه من تنوين أو نون؛ وجعل الفارسيُّ من ذلك قول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 3150ـ أرَانِي ولا كُفْرانَ للهِ أيَّةً لِنفْسِي لقَدْ طَالبْتُ غَيْرَ مُنِيلِ تفسير : قال: فأية منصوب بـ: "كُفْرانَ" أي: أكفر الله أية لنفسي، ولا يجوز أن تنصب "أيَّةً" بـ: "أوَيْتُ" مضمراً، لئلا يلزم الفصل بين مفعولي: "أرَى" بجملتين أي: بـ"لاَ"، وما في خبرها، وبـ"أوَيْتُ" المقدرة، ومعنى "أوَيْتُ" رققت وجعل منه ابنُ مالكٍ ما جاء في الحديث: "حديث : لا صُمْتَ يومٌ إلى اللَّيلِ" تفسير : برفع "يَوْمٌ" على أنه مرفوعٌ بالمصدر المنحل لحرف مصدريّ، وفعل مبني للمفعول وفي بعض ما تقدَّم خلافٌ، وأمَّا تعليقه بالاستقرار المقدَّر فواضح، ولذلك وقف أكثرُ القراء عليه، وابتدأ بـ:"يَغفِرُ اللهُ لكُمْ" وأما تعليقه بـ:"يَغْفِرُ" فواضحٌ أيضاً ولذلك وقف بعض القراء على: "عَليْكُمْ"، وابتدأ: "اليَوْم يغفرُ اللهُ لكُمْ" وجوَّزوا أن يكون "عليكم" بياناً كـ "لَكَ" في قولهم: "سقياً لَكَ" فعلى هذا يتعلق بمحذوفٍ؛ ويجوز أن يكون خبر: "لا" محذوفاً، و"عَلَيْكُمْ"، و"اليَوْمَ" كلاهما متعلقان بمحذوف آخر يدلُّ عليه: "تَثْريبَ"، والتقدير: لا تثريبَ يتثرب عليكم اليوم كما قدروا في: {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [هود:43] لا عاصم يعصمُ اليوم. قال أبو حيَّان: "لو قيل به لكان قويًّا"، وقد يفرَّق بينهما: بأنّ هنا يلزم كثرة المجاز، وذلك أنَّك تحذف الخبر، وتحذف هذا الذي تعلق به الظرف وحرف الجر، وتنسب الفعل إليه، لأنَّ التثريب لا يثرب إلا مجازاً، كقولهم: "شِعرٌ شاعرٌ" بخلاف: "لا عَاصِمَ يَعْصِم" فإن نسبة الفعل إلى العاصم حقيقة، فهناك حذف شيءٍ واحد من غير مجاز، وهنا حذف شيئين مع مجاز. والتَّثْرِيبُ: العَتبُ، والتَّأنيب، وعبَّر بعضهم عنه بالتَّعيير من عيَّرته بكذا إذا عتَبْته وفي الحديث: "حديث : إذَا زَنَتْ أمَةٌ أحدكُم، فليَجْلدْهَا، ولا يُثرِّبْ" تفسير : أي: لا يعيِّر، وأصله من الثَّرب، وهو ما تغشى الكرش من الشَّحم، ومعناه: إزالةٌ الثَّرب، كما أنَّ التَّجليد إزالةٌ الجلدِ، فإذا قلت: ثرَّبتُ فلاناً، فكأنَّك لشدَّة عتبك له أزلت ثربه، فضرب مثلاً في تزيق الأعراض. وقال الرَّاغب: "ولا يُعْرَفُ من لفظه إلاَّ قولهم: الثَّرْبُ، وهو شحمةٌ رقيقةٌ وقوله تعالى: {أية : يٰأَهْلَ يَثْرِبَ}تفسير : [الأحزاب:13] يصحُّ أن يكون أصله من هذا الباب، والياء فيه مزيدة". فصل قال المفسرون: التَّثْريبُ: التَّوبيخُ، قال عطاءٌ الخراسانيُّ: طلب الحوائج إلى الشَّباب أسهل منها إلى الشُّيوخ ألا ترى إلى قول يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ "لا تَثْريب عَليْكُمْ"، وقول يعقوب عليه الصلاة والسلام {أية : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف:98]. واعلم أنَّا إذا جعلنا: "اليَوْمَ" متعلِّقاً بـ:"لا تَثْريبَ" أي: لا أثرِّبُكمُ اليوم وهو اليوم الذي مظنته التَّثريب، فما ظنُّكم بسائر الأيَّام، ويحتمل أنِّي حكمت في هذا اليوم ألاّ تثريب مطلقاً؛ لأنَّ قوله: "لا تَثْرِيبَ" نفي للماهيَّة، ونفي الماهيَّة يقتضي نفي أفراد جميع الماهية، فكان ذلك مفيداً للنَّفي المتناول لكلِّ الأوقات والأحوال. ثمَّ إنَّه أزال عنهم ملامة الدُّنيا طلب من اللهِ أن يزيل عنهم عقاب الآخرةِ، فدعا لهم بقوله: {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ}. وإن قلنا: "اليَوْمَ" متعلق بقوله: {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ} كأنه لما نفى الذَّنب عنهم مطلقاً بشَّرهم بأنَّ الله يغفر ذنبهم في ذلك اليوم، وذلك أنَّهم لما خجلوا، واعترفوا وتابوا، فالله ـ تعالى ـ قَبِلَ توبتهم، وغفر ذنوبهم؛ فلذلك قال: {ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ}. "حديث : روي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعِضَادتي الكعبة يوم الفتحِ وقال لقريش: ما تَرونَ؟ قالوا: خيراً أخٌ كريمٌ، وابنُ أخٍ كريمٍ، وقد قدرتَ، قال: أقُولُ ما قَالَ أخي يوسف: "لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُم" ". تفسير : وروي أنَّ أبا سفيان لما جاء ليُسلم، قال لهُ العبَّاس ـ رضي الله عنه ـ: "حديث : إذا أتيت رسُول الله صلى الله عليه وسلم فاتْلُ عليه: {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ} ففعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غفر الله لَكَ ولمن علَّمك ". تفسير : وروي: أنَّ أخوة يوسف لما عرفوه أرسلوا إليه: إنَّا نستحي منك لما صدر منَّا من الإساءة إليك، فقال يوسف: إنَّ أهل مصر لو ملكت فيهم، فإنهم ينظرون إليَّ بالعين الأولى، ويقولون: سبحان الذي بلغ عبداً بِيعَ بِعشرينَ درهماً ما بلغ، ولقد شَرُفتُ بإتيانكم، وعظُمتُ في العيون لما جئتم، علم النَّاس أنكم إخوتي، وأنِّي من حفدةِ إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ ثم سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل أبي من بعدي قالوا: ذهبت عيناه؛ فأعطاهم قميصه وقال: {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً} أي يعيده مبصراً، وقيل: يأتيني بصيراً. قال الحسنُ رضي الله عنه: لم يعلم أنه يعود بصيراً إلا بالوحي؛ لأنَّ العقل لا يدلُّ عليه وقال الضحاك: كان ذلك القميص من نسيج الجنَّة. وعن مجاهدٍ: أمره جبريل ـ صلوات الله عليه ـ أن يرسل قميصه، وكان ذلك القميص قميص إبراهيم ـ عليه السلام ـ وذلك أنه جُرِّد من ثيابه، وألقي في النَّار عرياناً، فآتاه جبريل بقميص من حرير الجنَّة، فألبسه إياه، فكان ذلك عند إبراهيم فلما مات إبراهيم عليه السلام ورِثهُ إسحاق، فلما مات إسحاق ورثهُ يعقوب، فلمَّا شبَّ يوسف ـ عليه السلام ـ جعل ذلك يعقوب في قصبةٍ من فضة وسد رأسها، وعلقها في عنقه لما كان يخافُ عليه من العين وكانت لا تفارقه، فلمَّا ألقى في الجُبِّ عُرياناً جاءهُ جبريلُ ـ عليه السلام ـ وعلى يوسف ذلك التَّعويذُ؛ فأخرج القميص منه، وألبسه، ففي ذلك الوقت جاءهُ جبريل، وقال: أرسل ذلك القميص فإنَّ فيه ريحَ الجنَّة لا يقع على مبتلى، ولا سقيم إلا عُوفِي، فدفع يوسف ذلك القميص إلى إخوته، وقال: {فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً} أي: مبصراً وإنَّما أفرد بالذِّكر تعظيماً له، وقال في الباقين: {وائتوني بأهلكم أجمعين}. قال ابن الخطيب: "ويمكن أن يقال: لعلَّ يوسف علم أنَّ أباهُ ما صار أعمى إلاَّ من كثرة البكاءِ، وضيق القلب، وذلك يضعفُ البصر، وإذا ألقي عليه قميصه، فلا بد وأن ينشرح صدره، وأن يحصل في قلبه الفرحُ الشديد، وذلك يقوِّي الرُّوحَ، ويزيلُ الضَّعف عن القوى فحينئذ يقوى بصره، ويزول عنه ذلك، فهذا القدرُ ممَّا يُمِكنُ معرفته بالقلبِ فإنَّ القوانين الطبيَّة تدلُّ على صحَّة هذا المعنى". قوله: "بِقَمِيصِي" يجوز أن يتعلَّق بما قبله على أنَّ الباء معدِّية كهي في"ذَهَبتُ بهِ" وأن تكون للحال فتتعلق بمحذوف، أي: اذهبوا معكم بقميصي، و"هَذَا" نعتٌ له، أو بدلٌ، أو بيانٌ، و"بَصِيراً" حالٌ، و"أجْمَعِينَ" توكيد له، وقد أكد بِهَا دُون كل، ويجوز أن تكون حالاً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر} أي الضر في المعيشة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وجئنا ببضاعة} قال: دراهم {مزجاة} قال: كاسدة غير طائلة. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {ببضاعة مزجاة} قال: رثة المتاع، خلق الحبل والغرارة والشيء. وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {ببضاعة مزجاة} قال: الورق الردية الزيوف، التي لا تنفق حتى يوضع فيها. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {ببضاعة مزجاة} قال: قليلة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {ببضاعة مزجاة} قال: دراهم زيوف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير وعكرمة - رضي الله عنهما - في قوله {ببضاعة مزجاة} قال أحدهما: ناقصة. وقال الآخر: فلوس رديئة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عبد الله بن الحارث - رضي الله عنه - في قوله {ببضاعة مزجاة} قال: متاع الإِعراب، الصوف والسمن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي صالح - رضي الله عنه - في قوله {ببضاعة مزجاة} قال: حبة الخضراء، وصنوبر وقطن. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {ببضاعة مزجاة} قال: ببعيرات وبقرات عجاف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {مزجاة} قال: كاسدة. وأخرج ابن النجار، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {ببضاعة مزجاة} قال: سويق المقل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك بن أنس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن أجر الكيالين: أيؤخذ من المشتري؟ قال: الصواب - والذي يقع في قلبي - أن يكون على البائع. وقد قال إخوة يوسف عليهم السلام: {أوف لنا الكيل وتصدق علينا}. وكان يوسف عليه السلام هو الذي يكيل. وأخرج ابن جرير، عن إبراهيم - رضي الله عنه - قال: في مصحف عبد الله "فأوف لنا الكيل وأوقر ركابنا". وأخرج ابن جرير، عن سفيان بن عيينة - رضي الله عنه، أنه سئل: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ألم تسمع قوله {فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: الأنبياء عليهم السلام لا يأكلون الصدقة، إنما كانت دراهم نفاية لا تجوز بينهم، فقالوا: تجوّز عنا ولا تُنْقِصْنا من السعر لأجل رديء دراهمنا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله {وتصدق علينا} قال: اردد علينا أخانا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أن رجلاً قال له: تصدق عليَّ، تصدق الله عليك بالجنة، فقال: ويحك، إن الله لا يتصدق، ولكن الله يجزي المتصدقين. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - أنه سئل: أيكره أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق علي؟ فقال نعم, إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب. وأخرج ابن أبي حاتم, عن ثابت البناني - رضي الله عنه - قال: قيل لبني يعقوب: إن بمصر رجلاً يطعم المسكين ويملأ حجر اليتيم. قالوا: ينبغي أن يكون هذا منا أهل البيت، فنظروا فإذا هو يوسف بن يعقوب.

ابو السعود

تفسير : {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ} أي على يوسف بعد ما رجعوا إلى مصر بموجب أمرِ أبـيهم وإنما لم يُذكر ذلك إيذاناً بمسارعتهم إلى ما أمروا به وإشعاراً بأن ذلك أمرٌ محققٌ لا يفتقر إلى الذكر والبـيان {قَالُواْ ياأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ} أي الملكُ القادرُ المتمنع {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ} الهُزالُ من شدة الجوع {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} مدفوعةٍ يدفعها كلُّ تاجر رغبةً عنها واحتقاراً لها من أزجَيتُه إذا دفعتُه وطردتُه والريحُ تزجي السحابَ. قيل: كانت بضاعتُهم من متاع الأعراب صوفاً وسمناً، وقيل: الصنوبرَ وحبةَ الخضراء، وقيل: سُويقُ المُقْل والأقِطُ، وقيل: دراهمَ زيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة وإنما قدّموا ذلك ليكون ذريعةً إلى إسعاف مرامهم ببعث الشفقةِ وهو العطفُ والرأفة وتحريكُ سلسلة المرحمة. ثم قالوا {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ} أي أتممْه لنا {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} بردّ أخينا إلينا، قاله الضحاك وابن جريج وهو الأنسبُ بحالهم نظراً إلى أمر أبـيهم، أو بالإيفاء أو بالمسامحة وقَبول المُزجاة أو بالزيادة على ما يساويها تفضلاً وإنما سمَّوه تصدقاً تواضعاً أو أرادوا التصدقَ فوق ما يعطيهم بالثمن بناء على اختصاص حُرمة الصدقة بنبـينا عليه الصلاة والسلام وإنما لم يبدأوا بما أُمروا به استجلاباً للرأفة وللشفقة ليبعثوا بما قدّموا من رقة الحالِ رقةَ القلب والحنُوَّ على أن ما ساقوه كلامٌ ذو وجهين، فإن قولهم: وتصدّق علينا {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدّقِينَ} يحتمل الحملَ على المحملين فلعله عليه السلام حمله على المحمل الأول ولذلك {قَالَ} مجيباً عما عرّضوا به وضمّنوه كلامَهم من طلب ردِّ أخيهم {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} وكان الظاهرُ أن يتعرضَ لما فعلوا بأخيه فقط، وإنما تعرض لما فعلوا بـيوسف لاشتراكهما في وقوع الفعلِ عليهما، فإن المراد بذلك إفرادُهم له عن يوسف وإذلالُه بذلك حتى كان لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذِلةٍ أي هل تُبتم عن ذلك بعد علمِكم بقبحه؟ فهو سؤالٌ عن الملزوم والمرادُ لازمُه {إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ} بقبحه فلذلك أقدمتم على ذلك أو جاهلون عاقبتَه وإنما قاله نصحاً لهم وتحريضاً على التوبة وشفقةً عليهم لمّا رأى عجزَهم وتمسكنَهم لا معاتبةً وتثريباً، ويجوز أن يكون هذا الكلامُ منه عليه السلام منقطعاً عن كلامهم وتنبـيهاً لهم على ما هو حقُّهم ووظيفتهم من الإعراض عن جميع المطالب والتمحضِ في طلب بنيامين بل يجوز أن يقف عليه السلام بطريق الوحي أو الإلهام على وصية أبـيه وإرسالِه إياهم للتحسس منه ومن أخيه فلما رآهم قد اشتغلوا عن ذلك قال ما قال، وقيل: أعطَوه كتابَ يعقوبَ عليه السلام وقد كتب فيه: «كتابٌ من يعقوبَ إسرائيلِ الله بن إسحاقَ ذبـيحِ الله بن إبراهيمَ خليل الله إلى عزيز مصرَ أما بعد فإنا أهلُ بـيتٍ موكلٍ بنا البلاءُ أما جدّي فشُدت يداه ورجلاه فرُمي به في النار فنجّاه الله تعالى وجُعلت النار له برداً وسلاماً وأما أبـي فوُضع السكينُ على قفاه ليُقتل ففداه الله تعالى وأما أنا فكان لي ابنٌ وكان أحبَّ أولادي إلىّ فذهب به إخوتُه إلى البرية ثم أتَوْني بقميصه ملطخاً بالدم فقالوا: قد أكله الذئبُ فذهبت عيناي من بكائي عليه ثم كان لي ابنٌ وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا: إنه سرَق وأنك حبستَه وإنا أهلُ بـيت لا نسرِق ولا نلد سارقاً فإن رددتَه عليَّ وإلا دعوتُ عليك دعوةً تُدرك السابعَ من ولدَك والسلام». فلما قرأه لم يتمالكْ وعيل صبرُه فقال لهم ما قال، وقيل: لما قرأه بكى وكتب الجواب: اصبِر كما صبروا تظفرْ كما ظفِروا.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ}[88] يعني يا أيها الملك العظيم، وباطنها يا أيها المغلوب في نفسه، كما قال الله تعالى: {أية : وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ}تفسير : [ص:23] أي غلبني فيه.

القشيري

تفسير : لما دخلوا على يوسف خاطبوه بذكر الضُّرِّ، ومقاساة الجوع والفقر، ولم يذكروا حديث يوسف عليه السلام، وما لأجله وَجَّهَهُم أبوهم. ويقال استلطفوه بقولهم: {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ} ثم ذكروا بعد ذلك حديث قلة بضاعتهم. ويقال لمَّا طالعوا فقرهم نطفوا بقدرهم فقالوا: وجئنا ببضاعة مزجاة - أي رديئة - ولما شاهدوا قدر يوسف سألوا على قدره فقالوا: {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ}. ويقال قالوا كلنا كيلاً يليق بفضلك لا بفقرنا، وبكرمك لا بعدمنا، ثم تركوا هذا اللسان وقالوا: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ}: نَزَلَوا أوْضَعَ مَنْزلٍ؛ كأنهم قالوا: إنْ لم نستوجِبْ معاملةَ البيع والشراء فقد استحققنا بَذْلَ العطاءِ، على وجه المكافأة والجزاء. فإِنْ قيل كيف قالوا وتصدَّقْ علينا وكانوا أنبياء - والأنبياء لا تحل لهم الصدقة؟ فيقال لم يكونوا بعد أنبياء، أو لعلّه في شرعهم كانت الصدقةُ غيرَ مُحَرَّمةٍ على الأنبياء. ويقال إنما أرادوا أنَّ مِنْ ورائنا مَنْ تَحِلُّ له الصدقة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} اما قوله يا ايها العزيز اى ايها الملتبس بانوار الربوبية التى كسبت فى الازل ظاهرا وباطنا ايها الممتنع من ان يراك احد بالشهوة وايها الغالب على سلب قلوب الخلائق بالجمال والجلال مسنا واهلنا ضر فراقك وبعد وصالك نحن فى ضر جنايتنا محجوبون عن جمالك وابوك واهاليك فى ضر البعاد عن رؤيتك ووصالك وانشد شعر : كفى حزنا بالوالة الصب ان يرى منازل من يهوى معطلة قفرا تفسير : مسنا واهلنا الضر من تغير الله ايانا فى حقك وعتابه فيما فعلنا وايضا مسنا ضر الخجالة بين يديك وجئنا ببضاعة مزجاة بعذر من جنايتنا ما لا يليق بما فعلنا بك بكيل عفوك وتصدق علينا بالتجاوز عما فعلنا فان الله يجزى المتصدقين بانه يعافيك عما هممت به وبان يكرمك احسن الاكرام من لطيف الانعام وما احسن افتقار الفقر او المبتدين عند اكابر القوم وتواضعهم بين ايديهم وتسميتهم باسماء التعظيم كما فعل بنو اسرائيل عند يوسف باءوا بذكر المقاسات والفقر حين راوا بساطا بسيطا عن ملكه وسلطانه ثم ذكروا قلة بضاعتهم حين شاهدوا هيبة يوسف ومهابته وجلال قدره فلما انبسط اليهم انبسطوا اليه وقالوا {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ} فلما طالعوا ان بضاعتهم لا يليق بمثل بساطه نسوه وقالوا {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} فان ما معنى لا يليق بعرض بيعك وشراك فان جزاؤك بلا علة وحديث البضاعة والفقر علة طلب الوصال ورؤية الجمال والغرض الكلى ذلك لانهم مامورون بطلب يوسف الا ترى الى قوله فتحسسوا من يوسف عرضهم رؤيته ومشاهدته وانشد فى معناه شعر : وما الفقر من ارض العشير ساقنا ولكننا جئنا بلقياك نسعد تفسير : هذا يكون من قبل المخلوق فكيف يكون اذا دخلوا عشاق جمال القدم فى بساط الكرم == قالوا الا ما قال اخوه يوسف مسنا واهلنا الضر مسنا من ضر فراقك والبعد من وصالك ما يحتملها الصم الصلاب شعر : خليلى ما القاه فى الحب ان ندم على صخرة ملساء يتعلق الصحن تفسير : ويقولون جئنا ببضاعة مزجاة من اعمال مغلولة وافعال مغشوشة نفسانية حدثانية ومعرفة قليلة عاجزة عن ادراك ذرة من انوار عظمتك وكل هذا لا يليق بعزتك وجلال صمديتك فاوف لنا كيل قربك ووصالك من بحار فضلك وجودك وتصدق علينا اعطنا من نعم مشاهدتك التى لا تعطيها احد الا بتفضلك بغير الاعواض بقولك للذين احسنوا الحسنى وزيادة قيل فى هذه الاية تعليم اداب الدعاء والرجوع الى الاكابر ومخاطبة السادات فمن لم يرجع الى باب === بالذلة والافتقار وتذليل النفس وتصغير ما يبدوا منها ويرى ان ما من سيده اليه على طريق الصدقة والفضل لا على طريق الاستحقاق كان متعمدا مطرودا قال ابو سعيد القرشى فى قوله مسنا واهلنا الضر اى مسنا الضر فى ارتكاب المعاصى وبما جاتمع علينا من الجنايات والمخالفات وجئنا ببضاعة مزجاة بانفس قاصره عن الخدمة واعمال لا تصلح لبساط المشاهدة والنشر فاوف لنا الكيل اى فعد علينا بما لم نزل يعرفه من فضلك واحسانك وتصدق علينا اجعلنا منك بمحل الفقراء اليك الذين يستوجبون الصدقة منك تفضلا وان لم يكن منهم فالحقنا بهم وقال سهل فى قوله يا ايها العزيز اى ايها المغلوب فى نفسه كما قال وعزنى فى الخطاب اى غلبنى ويقال استلطفوا بقولهم مسنا واهلنا الضر بعد ذلك حديث قلة بضاعتهم ويقا للما طالعوا فقرهم نطقوا بقدرهم فقالوا لو جئنا ببضاعة مزجاة ولما شاهدوا قدر يوسف سألوا على قدره وقالوا فاوف لنا الكيل فلما ذكروا حديث الصدقة ترحم عليهم يوسف وهاج سرّه الى اظهار الحال وحيث راى عجزهم وتواضعهم لم يبق له قرار حتى كشف الحال بقوله {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} ليس عرضه تعييرهم بل عرضهم تقريبهم فعاتبهم وذكر صنايعهم به وباخيه تعريفا منه اياهم بانه يوسف لئلا يبقى لهم شك ويعرفوه حق المعرفة ووضع عذرهم بقوله {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} اى ما جرت فى زمان الجهل والشباب لا تعيير به وتمكن ان سر تلك النفس الامارة === فى البين ليوقفهم فى محل الخجالة ثم ادركه الله حتى بين غدرهم بقوله اذ انتم جاهلون وهذا كقول بعضهم هل علمتم ما فعلتم بيوسف فى باب العتاب اخطر من كل عقوبة كان يعاقبهم بها حيث احجلهم مشافهة ويقال لما حجلوا بهذا العتاب لم يرض يوسف حتى بسط عذرهم فقال اذ انتم جاهلون ففما ذكر الاشارة اوقع الله فى اسرارهم ان المخاطب هو يوسف فقالوا {قَالُوۤاْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي} فلما عرفوه خاطبوه بخطاب المودة لا بخطاب التكلف قالوا ائنك لانت يوسف فاجابهم ايضا بخطاب المودة تعريفا وتواصلا وتواضعا فقال انا يوسف وانشدوا شعر : اذا صفت الموندة بين قوم ودام ولاءهم سمج الثناء تفسير : ويمكن انهم لما عرفوه سقط عنهم الهيبة وهاجب لهم الحمية وما تكلوا بانبساط الاول من حيث القرابيته وقوله انا يوسف وهذا اخى لاظهار صدق الحال ويمكن انه بشير الى تعييرهم حيث قال هذا اخى وما قال انا اخوكم اى الاخوة الصحيحة ما لم يكن فيها جفاء ويقال هون عليهم حال بديهة الخجلة حيث قال انا يوسف بقوله وهذا اخى فكانه شغلهم بقوله وهذا اخى كما قيل فى قوله تعالى وما تلك بيمينك يا موسى انه سبحانه شغل موسى بسماع قوله وما تلك بيمينك وبمطالعة العصا فى غير ما كوشف به من قوله اخى انا الله ثم رجع يوسف من تعريفه الى الله حيث قال {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ} اى قد تفضل علينا بما وقانا مما وقعتم فيه وايضًا قد من الله علينا بالوصاف بعد الفراق وايضا بد من الله علينا بالاخلاق الكريمة حتى تجاوزنا عن ما فعلتم وايضا قد من الله بملك الدنيا وملك الاخرة وايضا قد من الله علينا بالمعرفة والمحبة والرسالة وعلم الغيب والبراهين الساطعة والحسن والجمال الظاهر والمكاشفة والمشاهدة الباطنة ثم بين انه تعالى اذا اراد ان يكرم عبد الهمه الصبر فى بلائه والتقوى فى عبادة بقوله {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ} اى من يتق فى الخلوة عن متابعة الشهوة والوقوع فى التهمة ويصبر عن انقاد هوى النفس بعد جريان الهمة قال ابن عطا من يتق ارتكاب المحارم ويصبر على اداء الفرائض فان الله لا يضيع سعى من احسن فى هذين المقامين واعتمد على الله ولم يعتمد سعيه ولا عمله ولما رجع يوسف الى ذكر تفضل الله عليه وعلى اخيه وذكر توحيده اوقعهم الله ذلك الى رؤية توحيد الله بقوله {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} رجعوا الى الله فى اول مقالتهم وذكروا فضله عليه ثم اوالى مذمة انفسهم اى اثرك الله علينا بان جعلك مظلوما وجعلنا ظالمين عليك وايضا اثرك الله علينا بالخلق والخُلق والحسن والجمال والملك والشرف والمكاشفة والعلم {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} اى جاهلين بجاهك قال بعضهم اختارك وقدمك علينا بحسن التوفيق والعصمة وترك المكافاة على الاشارة وان كنا لخاطبين لمسيئين اليك فلما سمع يوسف اعتذارهم ارجع نفسه ونفوسهم الى مقادير السابق ثم استعمل الكرم والظرافة فى الخلق بقوله {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} اى هذا يوم الوصال وكشف الجمال يرفع العذاب لا يوم التعيير والتثريب وفى هذه الحالة اشارة الى ان الاولين والاخرين اذا دخلوا فى ساحة الكبرياء وسكت لهم السنة العذر يبسط الله سبحانه اوراق الاقدار التى جرت فى سبق السابق بما كان وما سيكون وتحمل اعمالهم جميعا على مطبة القدر ويبرأهم عن الجرائم ويقول من افضاله وكرمه لا تثريب عليكم اليوم فان افعالهم جرت بتقديرى وكيف كنتم تدفعون مقاديرى كانه تعالى يضع العذر على القدر ويغفر لهم جميعا بقوله {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} بُيّن الجرم وغلب العفو والكرم على العتاب والمواخذة قال جعفر لا عيب عليكم فيما علمتم لانكم كنتم مجبورين عليه وذلك فى سابق القضاء عليكم قال ابو عثمان ليس لمن اذنب ان يعاتب مذنبا وكيف اعيبكم وقد سبق منى الهم والاختيار للسجن وقولى اذكرنى عند ربك وكيف الومكم فما عملتم وانسى ما عملت قال شاه الكرمانى رحمة الله عليه من نظر الى الخلق بعين الحق سلم من مخالفاتهم ومن نظر اليهم بعينه افنى ايامه فى مخاصماتهم الا ترى الى يوسف لما علم مجارى القضاء كيف غدر اخواته وقال لا تثريب عليكم اليوم قال ابو بكر لما اعتذروا اليه واقروا بالجناية بقولهم وان كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم وهذا من شرط الكرم ان يعفو اذا قدر ويقبل عذر من اعتذر وقال الاستاد اسرع يوسف التجاوز عنهم ووعد يعقوب لهم بالاستغفار بقوله سوف استغفر لكم ربى لانه كان اشد حبا لهم فعاتبهم واما يوسف فلم يرهم اهلا للعتاب فتجاوز عنهم على الوهلة ويقال ما اصابهم فى الحال من الخجلة قام مقام كل عقوبة ولهذا قيل فى المثل كفى للمقصر حياء يوم اللقاء ولما فزع يوسف من كشف حاله مع اخوته ووصاله معهم رتب شغل وصال يعقوب ومن كرمه وجلاله اعطى ووصاله اولا للخاطئين ثم للعاشقين لان === ضعيف لا يحتمل البلاء والعاشق قوى يحتمل البلاء ولان يعقوب يرى يوسف كل وقت بعين سره فاحتمل بلاؤه بذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما دخلوا عليه} -روى- ان يعقوب امر بعض اولاده فكتب بسم الله الرحمن من يعقوب اسرائيل الله ابن اسحاق ذبيح الله ابن ابراهيم خليل الله الى عزيز مصر اما فانا اهل بيت موكل بنا البلاء اما جدى ابراهيم فانه ابتلى بنار النمرود فصبر وجعلها الله عليه بردا وسلاما واما ابى اسحاق فابتلى بالذبح فصبر ففداه الله بذبح عظيم واما انا فابتلانى الله بفقد ولدى الذى امسكته عندك وزعمت انه سارق وانا اهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فان رددته علىّ والا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولد السلام [بس نامه بفرزندان داد واندك بضاعتى ازبشم وروغن وامثال آن ترتيب نموده ايشانرا بمصر فرستاد ايشان بمصر آمده برادريرا كه آنجا بود ملاقات كردند وباتفاق روى بباركاه يوسف نهادند بس آن هنكام درآمدن برادران يوسف بروى] {قالوا يا ايها العزيز} اى الملك القادر الغالب {مسنا} اصابنا {واهلنا} وهم من خلفوهم {الضر} الفقر والحاجة وكثرة العيال وقلة الطعام {وجئنا ببضاعة} [وآورده ايم بضاعتى] {مزجاة} [اندك وبى اعتبار] اى مردودة مدفوعة يدفعها كل تاجر رغب عنها واحتقارا لها من ازجيته اذا دفعته وطردته وكانت بضاعتهم من متاع الاعراب صوفا وسمنا وقيل هى الصنوبر والحبة الخضراء وهى الفستق او دراهم زيوف لا تؤخذ الا بنقصانها {فاوف لنا الكيل} فاتم لنا الكيل الذى هو حقنا. قال بعضهم اعطنا بالزيوف كما تبيع بالدراهم الجياد ولا تنقصنا شيئا {وتصدق علينا} تفضل بالمسامحة وقبول المزجاة فان التصدق التفضل مطلقا واختص عرفا بما يبتغى به ثواب الله ولذا لا يقال فى العرف اللهم تصدق على لانه لا يطلب الثواب من العبد بل يقال اعطنى او تفضل علىّ وارحمنى. ثم هذا اى حمل التصدق على المساهلة فى المعاملة على قول من يرى تحريم الصدقة على جميع الانبياء واهليهم اجمعين واما على قول من جعله مختصا بنبينا عليه السلام فالمراد حقيقة الصدقة {ان الله يجزى المتصدقين} يثيب المتفضلين احسن الجزاء والثواب. قال الضحاك لم يقولوا ان الله يجزيك لانهم لم يعلموا انه مؤمن. يقول الفقير دخل يوسف فى لفظ الجمع سواء شافهوه بالجزاء اولا مع ان الجزاء ليس بمقصور على الجزاء الاخروى بل قد يكون دنيويا وهو اعم فافهم. ومن آثار الثواب الدنيوى ما حكى عن الشيخ ابى الربيع انه قال سمعت امرأة فى بعض القرى اكرمها الله بشاة تحلب لبنا وعسلا فجئت اليها وحلبت الشاة فوجدتها كما سمعت وسألت عن سببها قالت لنا شاة نتقوّت بلبنها فنزل علينا ضيف وقد امرنا باكرامه فذبحنا له لوجه الله تعالى فعوضنا الله تعالى هذه الشاة ثم قالت انها ترعى فى قلوب المريدين يعنى لما طابت قلوبنا طاب ماعندنا فطيبوا قلوبكم يطب لكم ما عندكم فالاعتقاد الصحيح والنية الخالصة وطيب الخاطر لها تأثير عظيم - حكى - ان السلطان محمود مر على ارض قوم يكثر فيها قصب السكر وكان لم يره بعد فقشعر له بعض القصبات فلما مص منه السكر استحسنه والتذ منه فى الغاية فخطر بباله ان يضع فيه شيئا من الرسوم كالباج والخراج حتى يحصل له من هذا القصب فى كل سنة كذا وكذا فلما مص بعد هذه الخاطرة وجد قصبا يابسا خاليا عن السكر فسمعه من تلك القبيلة شيخ عتيق وقال قدهم الملك بان يفعل بدعة وظلما فى مملكته او فعلها فلذلك نفد سكر القصب فاستتاب السلطان فى نفسه ورجع عما خطر بباله فلما مصه ثانيا بعد ذلك وجده مملوأ من السكر كما كان فهذا من تأثير النية والهمة. ثم ان الصدقة لا تختص بالمال بل كل معروف صدقة ومنها العدالة بين الاثنين والاعانة والكلمة الطيبة والمشى الى الصلاة واماطة الاذى عن الطريق ونحوها وكذا النوافل لا تختص عند اهل الاشارة بالصلوات بل تعم كل خير زائد وفى الحديث القدسى "حديث : لا يزال عبدى يتقرب الىّ بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه وبصره" تفسير : فعلى العاقل الاشتغال بنوافل الخيرات من الصدقات وغيرها: قال السعدى قدس سره شعر : يكى دربيابان سكى تشنه يافت برون ازرمق در حياتش نه يافت كله دلو كرد آن بسنديده كيش جو حبل اندران بست دستار خويش به خدمت ميان بست وبازو كشاد سك ناتوان را دمى آب داد خبر داد بيغمبر از حال مرد كه داور كناهان او عفو كرد ألاكر جفا كارا انديشه كن وفاييش كيرو كرم بيشه كن كسى باسكى نيكوى كم نكرد كجاكم شود خير بانيك مرد كرم كن جنان كت برآيدزدست جهانبان در خير بركس نبست كرت در بيانان نباشد جهى جراغى بنه در زيارتكهى به قنطار رزربخش كردن زكنج نباشد جو قيراطى ازدست رنج بردهر كسى بار درخوردزور كرانست باى ملخ بيش مور تفسير : ثم فى قوله {وجئنا ببضاعة مزجاة} الآية اشارة الى ان طالب الحق ينبغى له عرض الحاجة والفقر والافتقار ورؤية تقصيره فان الفناء محبوب المحبوب وطريق حسن لنيل المطلوب ولذلك لما سمع يوسف كلامهم هذا ادركته الرحمة فرفع الحجاب وخلصهم من ألم الفرقة والاضطراب. ومن هذا المقام ما قيل لابى يزيد البسطامى قدس سره خزائننا مملوءة بالاعمال فأين العجز والافتقار والتضرع والسؤال ولا يلزم من هذا ترك العمل فانه لا بد منه فى مقامه ألا ترى ان الاخوة انما قالوا ما قالوا بعد ان جاؤا ببعض الامتعة فللطالب ان يعمل قدر طاقته ولكن لا يعتر بعلمه بل يتقرب اليه بالفناء وترك الرؤية ليكون ذلك وسيلة الى المعرفة والقربة والوصلة: قال ابو يزيد البسطامى قدس سره شعر : جار جيز آورده ام شاها كه در كنج تو نيست نيستى وحاجت وعجز ونياز آورده ام تفسير : -قال- لما رأى يوسف تمسكن اخوته رق لهم فلم يتمالك من ان عرفهم نفسه. قال الكاشفى [آن نامه يعقوب بركوشه تخت نهادند يوسف نامه را بخواند كريه بروى غلبه كرد عنان تمالك ازدست داده كفت اى برادران]

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (من يتق ويصبر): من قرأ بالياء: أجرى الموصول مجرى الشرط؛ لعمومه وإبهامه، فعطف على صلته بالجزم، ومنه قول الشاعر: شعر : كذَلِكَ الذي يَبْغي عَلَى النَّاسِِ ظَالِماً تُصْبه عَلَى رغمِ عَوَاقِبُ مَا صَنَعْ تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فلما دخلوا عليه} على يوسف حين رجعوا إليه مرة ثالثة، {قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضُّرُّ} شدة الجوع {وجئنا} إليك {ببضاعةٍ مُّزجَاةٍ}: رديئة، أو قليلة، أو ناقصة، تدفع وترد من أزجيته، دفعته. ومنه: {أية : يُزْجِي سَحَاباً} تفسير : [النور: 43] قيل: كانت دراهم زيوفاً وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء. وقيل: سَويق المُقْل أي: الدوم. وقيل: عروضاً. {فأوْف لنا الكَيْلَ}: أتممه لنا، {وتصدَّقْ علينا} بالمسامحة، وقبول المزجاة، أو بالزيادة على ثمننا. وهذا يقتضي أن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف المشهور. أو برد أخينا، {إن الله يجزي المتصدّقين} أحسن الجزاء. والتصدق: التفضل مطلقاً، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في القصر: "حديث : هذهِ صَدَقةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ عَلَيكُمْ بها، فاقبلوا صدقته ". تفسير : رُوي أن يعقوب عليه السلام لما أرسلهم أرسلهم المرة الثالثة ليتحسسوا أخبار يوسف وأخيه، أرسل معهم كتاباً ونصه: بسم الله الرَّحمن الرحيم، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر، ولو عرفت اسمك لذكرتك في كتابي هذا، يا من أعتز بعز الله، فالله يُعِزُ من يشاء، ويُذل من يشاء، وإني أيها العزيز قد اشمأز قلبي، وقطع الحزن أوصالي، وإني ناهٍ إلى الإقراح، دائم البكاء والصياح، وإني من نطفة آباء كرام، فكيف يتولد اللصوص مني وأنا من الخصوص! وقد أخبرت أنك وضعت الصَّاع بالليل في رحل ولدي الأصغر، وإني حزين عليه كما كنتُ حزيناً على أخيه الفقيد، حزناً دائماً سرمداً شديداً. وإن كنت أفجعتني في الآخرة؛ فإن قلبي لا محالة طائر. ثم ختمه بالسلام. فلما دفعوه ليوسف قرأه. وبكى بكاء شديداً، ثم دفعه لأخيه بنيامين فقرأه وبكى أيضاً. ثم نزل عن سريره، ثم دفع لهم الكتاب الذي كانوا يكتبوه لمالك بن ذعْر لما باعوه بخطوط شهادتهم، كان أخذه من مالك حين باعه. فلما قرأوه تغيرت ألوانهم وتضعضعت أركانهم، وبُهتوا، فقال لهم: {هلْ علمتم ما فعلتم بيوسفَ وأخيه}؛ من إيذاء يوسف، وتفريقه من أبيه، ومضرة أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، أي: هل علمتم قبحة فتبتم منه؟ قاله نصحاً وتحريضاً لهم على التوبة. {إذ أنتم جاهِلَون} أي: فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين قُبح ذلك. وإنما سماهم جاهلين؛ لأن فعلهم حينئذٍ فعل الجهال، أو لأنهم حينئذٍ كانوا صبياناً طياشين، فعرفوه حينئذٍ على ظن، فقالوا: {أئنك لأنتَ يوسف}؟ بالاستفهام التقريري. وقرأ ابن كثير على الإيجاب. قيل: عرفوه بذوائبه وشمائله حين نزل إليهم وكلمهم. وقيل: تبسم فعرفوه بثناياه. وقيل: رفع التاج عن رأسه فعرفوه بِشَامةٍ كانت في رأسه بيضاء، وكانت لسارة يعقوب مثلها. {قال} لهم: {أنا يوسف وهذا أخي} من أبي وأمي. ذكره تعريفاً لنفسه به، وتفخيماً لشأنه، وإدخالاً له في المنة بقوله: {قد مَنّ الله علينا} بالسلامة والكرامة والعز. {إنه من يتقِ} الله {ويصبرْ} على بلواه، وعلى طاعته وتقواه {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}، وضع المحسنين موضع المضمر؛ تنبيهاً على أن المحسن جمع بين الصبر والتقوى. فمن اتقى الله وصبر فهو محسن... {قالوا تالله لقد آثَرَكَ اللهُ علينا} بحسن الصورة وكمال السيرة، أو فضلك علينا رغماً على أنفنا، {وإن كنا لخاطئين} أي: والحال أن شأننا أنَّا كنا مذنبين فيما فعلنا معك. {قال لا تثريبَ}: لا عتاب {عليكم اليوم} أي: لا عقوبة عليكم في هذا اليوم. ثم دعا لهم فقال: {يغفرُ الله لكم}، فيوقف على اليوم. وقيل: يتعلق بيغفر، فيوقف على ما قبله، وهو بعيد؛ لأنه تحكم على الله، وإنما يصلح أن يكون دعاء، إذ هو الذي يليق بآداب الأنبياء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: {لا تثريب عليكم اليوم}، ثم دعا الله أن يغفر لهم الله حقه. قاله ابن جزي، وصدر به البيضاوي. وبه تعلم ضعف وقف الهبطي. ثم قال في تمام دعائه: {وهو أرحمُ الراحمين}؛ فإنه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب. قال البيضاوي: ومن كرم يوسف عليه السلام أنهم لما عرفوه أرسلوا له، وقالوا: إنك تدعوننا بالبكرة والعشي إلى الطعام، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال لهم: إن أهل مصر كانوا ينظرون إليَّ بالعين الأولى، ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شَرُفْت بكم، وعظمت في أعينهم حيث إنكم إخوتي، وإني من حفدة إبراهيم عليه السلام. هـ. الإشارة: من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار، فليدخل من باب الذل والانكسار. وفي الحِكَم: "ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار". فإذا قرعت الباب، ورمت الدخول مع الأحباب، فقل بلسان التضرع والانكسار: يا أيها العزيز الغفار مسنا الضر، وهو البعد والغفلة، وجئنا ببضاعة مزجاة؛ عمل مدخول، وقلب معلول، فأوْفِ لنا ما أملناه من الجزاء المأمول، وتفضل علينا بالقبول والوصول، وقل: اليوم نغفر لكم ونغطي مساوءكم، ونوصلكم بما مني إليكم من الإحسان، لا بما منكم إلينا الطاعة والإذعان. هؤلاء إخوة يوسف لما أظهروا فاقتهم، واستقلوا بضاعتهم، وأحضروا شكايتهم، سمح لهم وقربهم، وكشف لهم عن وجهه الجميل، ومنحهم العطاء الجزيل، فما ظنك بالرب العظيم الجليل، الذي هو أرحم الراحمين، ومحل أمل القاصدين. ثم أمرهم بالرجوع إلى أبيهم والإتيان به وبمن معه من أولادهمِ، فقال: {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى ان اخوة يوسف لما قال لهم يعقوب {اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه} رجعوا الى يوسف ودخلوا عليه، وقالوا له {يا أيها العزيز} لانهم كانوا يسمون الملك العزيز. والعزيز في اللغة هو الواسع المقدور الذي لا يهتضم المنيع بسعة مقدوره {مسنا وأهلنا الضر} أي اصابنا الضر، والمس ملابسة ما يحس، ولما كان الضر بمنزلة الملامس لهم، وهو مما يحس، عبر عنه بأنه مسه. والاهل: خاصة الشيء الذي ينسب اليه، ومنه قوله {أية : إن ابني من أهلي} تفسير : وتسمى زوجة الرجل بأنها أهله وكذلك اهل البلد واهل الدار، وهم خاصته الذين ينسبون اليه. وقوله {وجئنا ببضاعة مزجاة} قيل في معنى المزجاة ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير: إنها ردية لا تؤخذ الاّ بوكس. وقال الحسن ومجاهد وابراهيم وقتادة وابن زيد: إنها قليلة. وقال الضحاك: هي كاسدة غير نافعة. وروي انه كان معهم متاع البادية من الصوف والشعر والسمن والحبال البالية وغير ذلك. وأصلها القلة قال الاعشى: شعر : الواهب المئة الهجان وعبدها عوذاً يزجِّي خلفها اطفالها تفسير : اي يسوقهم قليلاً قليلاً، وقال النابغة: شعر : وهبت الريح من تلقاء ذي أرل تزجي مع الليل من صرّادها صرما تفسير : يعنى تسوق، وتدفع، وقال آخر: شعر : وحاجة غير مزجاة من الحاج تفسير : وقيل الاصل الدفع بالسوق فهي مدفعه لا تنفق. وقوله {فأوف لنا الكيل} اي لا تنقصنا من كيلنا لنقصان بضاعتنا، وتصدق علينا. وقيل في معناه قولان: احدهما - قال سعيد بن جبير: سألوا التفضل بترك النقصان من السعر، لان الصدقة ما كانت تحل لهم. وقال سفيان بن عيينة. إنهم سألوا الصدقة وهم أنبياء وكانت حلالا لهم، وكان مجاهد يكره ان يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علي، لان الصدقة ممن يبتغي الثواب. والصدقة العطية للفقراء ابتغاء الاجر، ولهذا يطلق، فيقال: {إن الله يجزي المتصدقين} و {أية : لا يضيع أجر المحسنين} تفسير : من العباد، والمعنى انه يثيبهم على ذلك.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ} على يوسف (ع) {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ} المجاعة {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} رديّة غير عزيزة القيمة وكانت مقلاً او دراهم رديّة لا تنفق فى ثمن الطّعام او خلق الجوالق والحبل ورثّ المتاع او الصّوف والسّمن اللّذين هما متاع العرب او الصّنوبر وحبّة الخضراء او اقطاً او النّعال والادم {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ} كما اوفيت لنا سابقاً {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} بلا ثمنٍ او بأخينا بنيامين {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} وقد كانت الشّدّة بلغت بهم الغاية مع الخجلة عمّا نسب اليهم من السّرقة ولذلك استكانوا غاية المسكنة وعرّفهم يوسف (ع) نفسه ورقّ لهم وفرّج عنهم و {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ}.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا دخَلُوا عَليه} الخ ففى الكلام حذف تقديره فرجعوا إلى مصر متحسسين من يوسف وأخيه ووصلوها، فلما دخلوا على يوسف الخ، وهذا ذهاب ثالث إلى مصر {قالُوا يا أيُّها العزيزُ} أى الملك، سُمى عزيز لعزته وغلبته {مسَّنا وأهْلنَا الضرَّ} والجوع حتى هزلنا لشدته. {وجئنا ببِضاعةٍ} قال الثعلبى فى عرائس القرآن: كانت دراهم رديئة زيوفا لا تنفق فى شئ إلا بوضيعة، وقال أبو مليكة عنه: خرق الغرائر والحبال، ورثة المتاع، وقال عبد الله بن الحارث بن الحسن: متاع العرب الصوف والسمن والإقط ا هـ. وقال الكلبى ومقاتل: الحبة الخضراء وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء وهى الفستق، وقيل: بضاعتهم سويق المقل، وقيل: سويقه والإقط، وقيل: الأدم والنعال. {مُزْجاةٍ} تدفع وترد لرداءتها أو لقلتها أو لهما معا، فلا تنفق فى الطعام أو غيره إلا بتحيل من صاحبها، أو بتساهل من البائع يقال: أزجيت الشئ دفعته ليذهب، وأزجت الريح السحاب وأزجى الزمان بعضه بعضا أى دفعه، وكانوا لا يأخذون فى الطعام إلا الجياد. {فأوْفِ لنا الكَيلَ} بها كما توفيه بالبضاعة الجبدة {وتَصدَّقْ عَلينا} زيادة على إيفاء الكيل، أو تفضل علينا بقبولها وإجازتها، أو أو برد أخينا بنيامين كما قال الداودى عن ابن جريج، وكذا قال الضحاك، والصدقة كانت محرمة على الأنبياء، وقيل: كانت تحل لغير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وسئل سفيان بن عيينة عن ذلك فقال: ألم تسمع {وتصدق علينا} أراد أنها حلال لهم، رواه عبد الجبار بن العلاء، والجمهور على الأول، لأن الأنبياء ممنوعون عن الخضوع للناس، والأخذ منهم، والصدقة وسخ الناس، وهم مستغنون بالله عنهم، وإنما أرادوا بالتصدق فى قولهم: {وتصدق علينا} أن يجرى لهم على عادته فى المسامحة وإيفاء الكيل ونحو ذلك، مما يفعل بهم من الكرامة وحسن الضيافة، لا نفس الصدقة، وإنما يحل للأنبياء ما كان هدية أو إكراما لا صدقة برسم الخضوع، أو باسم للصدقة كما يتصدق على المساكين، ولا زكاة. قال التلاتى: الصدقة تمليك يقصد به الثواب، والهدية تمليك يقصد به التعظيم، وقال أيضا هو وغيره: إنهما لا يفترقان إلا فى شيئين هما أن الهبة يرجع فيها الواهب لا الصدقة، وأن الهبة يصح الرجوع فيها بالبيع، ولا يجوز فى الصدقة ولو على ابنه انتهى. وقيل: يجوز رجوعها بشراء أو إرث أو غيرهما مما ليس إبطالا لها، وقيل: إنما حرمت الزكاة على نبينا صلى الله عليه وسلم لا الصدقة، وامتناعه من أكلها لا تنزه تحريم، وهذا خلاف ظاهر قوله: "حديث : إنا معشر الأنبياء لا نأكل الصدقة"تفسير : إلا إن حملت الصدقة فيه على الزكاة، وهو الذى سبق فى حفظى ورويته، وكذا البحث فى إعطاء سلمان له رطبا قائلا له: إنه صدقة فرده، وأعطاه بعد وقال: هدية فقبلها. وظاهر الآية أن إخوة يوسف طلبوا الصدقة بتمسكن وخضوع، ولذلك رق لهم وعرف لهم نفسه، ويدل لذلك قوله تعالى عنهم: {إنَّ الله يَجْزى المتصدِّقينَ} أحسن جزاء بالخلف فى الدنيا والآخرة، وليس القول ببنبوة إخوته متعينا، والمتصدق من يريد بصدقته الثواب. سمع الحسن رجلا يقول: اللهم تصدق علىَّ فقال: إن الله لا يتصدق، إنما يتصدق من يبتغى الثواب، قل: اللهم أعطنى وتفضل علىَّ كذلك قيل. قلت: الحق جواز إطلاق التصدق على الفضل مطلقا سواء كان مع ابتغاء ثواب أم لا، ففى الحديث فى شأن قصر الصلاة: "هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" ولعل اختصاصه بابتغاء الثواب عرف، ولما يقولوا: إن الله يجزيك، لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن كذا قال الضحاك، وقيل: علموه مؤمنا، ولكن أتوا بصيغة تعمه وتعم كل متصدق، ولما تمسكنوا له وخضعوا، وطلبوا التصدق ملكته الرحمة لهم، وارفضت عيناه بالدموع، فشرع فيما يفضى به إلى تعريف نفسه لهم إذ قال ما حكى الله عنه فى قوله: {قالَ هَل علمتُم...}

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا دَخَلُوا عليْهِ} خرجوا من عند أَبيهم للتحسس إِلى مصر ودخلوها ودخلوا على يوسف، ولما دخلوا عليه {قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضَاعةٍ مُزْجَاةٍ فَأْوفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ} هذه مرة ثالثة فى دخول مصر الأُولى ليكتالوا، والثانية ليرجعوا بنيامين إليها ويزدادوا كيل بعير، وهذه للتحسس، ولكن قدموا ذكر مس الضر وهو الجوع وطلب إِيفاءِ الكيل والتصدق، لأَن المتحسس يستعمل كل ما يظن أَنه يتوصل به إلى مطلوبه فاعترفوا له بالمسكنة أَولا ليقابلها بما يصلحها من الإِيفاء والتصدق، وذلك استجلاب للرأْفة، فإِن رق لهم طلبوا بنيامين وسأَلوه العمل فى يوسف وإلا شرعوا لا محالة فى بنيامين ويوسف أَو سكتوا، والبضاعة ما يشترى به أَو يباع، والمزجاة التى تدفع على صاحبها لقلتها أَو خستها أولهما وهو المتبادر من المقام، والخسيسة قد تكون قليلة وقد تكون كثيرة، والقليلة قد تكون خسيسة وقد تكون جيدة، وذلك عموم وخصوص من وجه، وكانت دراهم مزيفة تؤخذ بوضيعة، أَو صوفا وسمنا وحب السنوبر والحبة الخضراءُ المأْكولة من البطم، ويعصر منها الزيت، أَو الأَقط وسويق المقل، أَو الفستق مع السنوبر وسماه بعض الحبة الخضراءُ، ويقال المقل الدوم، ويقال: صمغ شجرة، والزيف يكون بخلط النحاس مثلا، ويقال: نحاس مطلى بمعقود الزئْبق مع الكبريت، وجعل مس الضر علة لإِيفاءِ الكيل والتصدق، أَو المجىء بالبضاعة الزجاة علة لهما لبنائها على مس الضر، والمراد أَوف الكيل ولا تنظر إِلى رداءَة بضاعة فتنقصه أَو اقبلها كالجيدة، وزد على ما تسوى الجيدة أَو أَوفه برد أَخينا وتصدق علينا زيادة على ذلك كله لا فى مقابلة ثمن، أَو التصدق برد بنيامين، وأَخطأَ من قال: إن إِخوة يوسف أَنبياءُ لأًفعالهم فلا شك أَنه تحل لهم الصدقة لأَنها ولو حرمت على الأَنبياء كلهم لكن لم تحرم على آلهم كما حرمت على آل محمد صلى الله عليه وسلم مثله، وذكر بعض أنها حرمت عليهم وعلى آلهم، ولعلهم طلبوا الصدقة لأَنفسهم، وهم غير أَنبياءَ لا ليعقوب النبى فإما أن لا يعطوه منها وإما أَن يعطوه منها لأَنها لم تطلب له كما قال صلى الله عليه وسلم فى لحم: حديث : إِنه صدقة على بريرة وهدية لىتفسير : ، والمشهور أَن الصدقة حرمت على النبى صلى الله عليه وسلم وعلى آله لا على الأنبياء قبله، وهو المتبادر من قوله فتصدق علينا، لكن التصدق برده بنيامين، وأيضاَ التصدق على كل أَحد هبة والهبة لكل أَحد، وكأَنهم قالوا: وهب لنا، وأَيضاً تطلق على التفضل مطلقاً كما جاءَ أن القصر صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته، بقى أن يقال: الأَنسب إذا كان لنبى أَن لا تسمى صدقة، والصدقة فى العرف ما يبتغى به الثواب، ولذلك رد الحسن على من قال: اللهم تصدق علينا، وقال: قل اللهم أَعطنا وتفضل علينا، ولا يعارض بهذا الحديث؛ لأَن القائل ليس بليغاً يتصرف فى كلامه، ولئَلا يشرع فى الناس، أَو هو فى الحديث للمشاكلة، وقالوا يجزى المتصدقين، ولم يقولوا إن الله يجزيك؛ لأَنهم لا يعرفونه مؤمنا وظنوه كافراً كملوك مصر، ولما قالوا ذلك رق لهم فقال ما فى قوله تعالى: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ} من الضرب والشتم والإلقاء فى البئْر والبيع والنسبة إلى السرقة والتفريق له عن أَبيه وأَهله {وأَخِيهِ} بنيامين من إِذلاله حتى لا يكلمهم إٍلا فى عجز وذل ولا يجد ذكر أَخيه يوسف إٍلا فى ذلك، ومن تفريقهم بينه وبين يوسف، وقولهم له لما خرج الصاع من رحله: ما رأَينا منكم يا بنى راحيل خيرا، والاستفهام توبيخ ليتوبوا أَو تقريع كذلك، والمراد هل علمتم قبح ما فعلتم أو عقابه من الله وفى قوله {إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} تليين لهم فإِنه علمهم الاعتذار وسهل لهم لجهلهم، جعل عمدهم كالجهل؛ كالجاهل فى عدم العمل، أَو جاهلون سفهاءَ كأَنهم صبيان، أَو جاهلون عاقبة أَمرى من النبوة والملك، أعقاب فعلكم أو قبحه.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ} أي على يوسف عليه السلام بعد ما رجعوا إلى مصر بموجب أمر أبيهم، وإنما لم يذكر إيذاناً بمسارعتهم إلى ما أمروا به وإشعاراً بأن ذلك أمر محقق لا يفتقر إلى الذكر والبيان. وأنكر اليهود رجوعهم بعد أخذ بنيامين إلى أبيهم ثم عودهم إلى مصر وزعموا أنهم لما جاؤا أولاً للميرة اتهمهم بأنهم جواسيس فاعتذروا وذكروا أنهم أولاد نبـي الله تعالى يعقوب وأنهم كانوا اثني عشر ولداً هلك واحد منهم وتخلف أخوه عند أبيهم يتسلى به عن الهالك حيث إنه كان يحبه كثيراً فقال: ائتوني به لأتحقق صدقكم وحبس شمعون عنده حتى يجيؤا فلما أتوا به ووقع من أمر السرقة أظهروا الخضوع والانكسار فلم يملك عليه السلام نفسه حتى تعرف إليهم ثم أمرهم بالعود إلى أبيهم ليخبروه الخبر ويأتوا به وهو الذي تضمنته توراتهم اليوم وما بعد الحق إلا الضلال. {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ} خاطبوه بذلك تعظيماً له على حد خطابهم السابق به على ما هو الظاهر، وهل كانوا يعرفون اسمه أم لا، لم أر من تعرض/ لذلك فإن كانوا يعرفون ازداد أمر جهالتهم غرابة، والمراد على ما قال الإمام وغيره يا أيها الملك القادر المنيع {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } الهزال من شدة الجوع، والمراد بالأهل ما يشمل الزوجة وغيرها {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقاراً، من أزجيته إذا دفعته وطردته والريح تزجي السحاب، وأنشدوا لحاتم:شعر : ليبك على ملحان ضيف مدفع وأرملة تزجى مع الليل أرملاً تفسير : وكنى بها عن القليل أو الردىء لأنه لعدم الاعتناء يرمى ويطرح، وقيل: كانت بضاعتهم من متاع الأعراب صوفاً وسمناً، وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء وروى ذلك عن أبـي صالح. وزيد بن أسلم، وقيل: سويق المقل والأقط، وقيل: قديد وحش، وقيل: حبالاً وإعدالاً وأحقاباً، وقيل: كانت دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والمروي عن الحسن تفسيرها بقليلة لا غير، وعلى كل ـ فمزجاة ـ صفة حقيقية للبضاعة، وقال الزجاج: هي من قولهم: فلان يزجى العيش أي يدفع الزمان بالقليل، والمعنى إنا جئنا ببضاعة يدفع بها الزمان وليس مما ينتفع بها، والتقدير على هذا ببضاعة مزجاة بها الأيام أي تدفع بها ويصبر عليها حتى تنقضي كما قيل:شعر : درج الأيام تندرج وبيوت الهم لا تلج تفسير : وما ذكر أولاً هو الأولى، وعن الكلبـي أن {مُّزْجَاةٍ} من لغة العجم، وقيل: من لغط القبط. وتعقب ذلك ابن الأنباري بأنه لا ينبغي أن يجعل لفظ معروف الاشتقاق والتصريف منسوباً إلى غير لغة العرب فالنسبة إلى ذلك مزجاة. وقرأ حمزة والكسائي {مزجية} بالإمالة لأن أصلها الياء. والظاهر أنهم إنما قدموا هذا الكلام ليكون ذريعة إلى إسعاف مرامهم ببعث الشفقة وهز العطف والرأفة وتحريك سلسلة الرحمة ثم قالوا: {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ} أي أتمه لنا ولا تنقصه لقلة بضاعتنا أو رداءتها، واستدل بهذا على أن الكيل على البائع ولا دليل فيه {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } ظاهره بالإيفاء أو بالمسامحة وقبول المزجاة أو بالزيادة على ما يساويها. وقال الضحاك وابن جريج إنهم أرادوا تصدق علينا برد أخينا بنيامين على أبيه، قيل: وهو الأنسب بحالهم بالنسبة إلى أمر أبيهم وكأنهم أرادوا تفضل علينا بذلك لأن رد الأخ ليس بصدقة حقيقة، وقد جاءت الصدقة بمعنى التفضل كما قيل، ومنه تصدق الله تعالى على فلان بكذا، وأما قول الحسن لمن سمعه يقول: اللهم تصدق عليَّ إن الله تعالى لا يتصدق إنما يتصدق من يبغي الثواب قل: اللهم أعطني أو تفضل عليَّ أو ارحمني فقد رد بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته»تفسير : وأجيب عنه مجازاً ومشاكلة، وإنما رد الحسن على القائل لأنه لم يكن بليغاً كما في قصة المتوفي، وادعى بعضهم تعين الحمل على المجاز أيضاً إذا كان المراد طلب الزيادة على ما يعطي بالثمن بناء على أن حرمة أخذ الصدقة ليست خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه سفيان بن عيينة بل هي عامة له عليه الصلاة والسلام ولمن قبله من الأنبياء عليهم السلام وآلهم كما ذهب إليه البعض، والسائلون من إحدى الطائفتين لا محالة، وتعقب بأنا لو سلمنا العموم لا نسلم أن المحرم/ أخذ الصدقة مطلقاً بل المحرم إنما هو أخذ الصدقة المفروضة وما هنا ليس منها. والظاهر كما قال الزمخشري: أنهم تمسكنوا له عليه السلام بقولهم: {مَسَّنَا } الخ وطلبوا إليه يتصدق عليهم بقولهم: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } فلو لم يحمل على الظاهر لما طابقه ذلك التمهيد ولا هذا التوطيد أعني {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدّقِينَ} بذكر الله تعالى وجزائه الحاملين على ذلك وإن فاعله منه تعالى بمكان. قال النقاش: وفي العدول عن إن الله تعالى يجزيك بصدقتك إلى ما في النظم الكريم مندوحة عن الكذب فهو من المعاريض، فإنهم كانوا يعتقدونه ملكاً كافراً وروي مثله عن الضحاك، ووجه عدم بدءهم بما أمروا به على القول بخلاف الظاهر في متعلق التصدق بأن فيما سلكوه استجلاباً للشفقة والرحمة فكأنهم أرادوا أن يملأوا حياض قلبه من نميرها ليسقوا به أشجار تحسسهم لتثمر لهم غرض أبيهم، ووجهه بعضهم بمثل هذا ثم قال: على أن قولهم {وَتَصَدَّقْ} الخ كلام ذو وجهين فإنه يحتمل الحمل على المحملين فلعله عليه السلام حمله على طلب الرد ولذلك: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ...}

ابن عاشور

تفسير : الفاء عاطفة على كلام مقدّر دل عليه المقام، أي فارتحلوا إلى مصر بقصد استطلاق بنيامين من عزيز مصر ثم بالتعرض إلى التحسّس من يوسف ــــ عليه السلام ــــ، فوصلوا مصر، فدخلوا على يوسف، {فلما دخلوا عليه} الخ... وقد تقدم آنفاً وجه دعائهم يوسف عليه السلام بوصف العزيز. وأرادوا بمسّ الضر إصَابته. وقد تقدم إطلاق مسّ الضرّ على الإصابة عند قوله تعالى: { أية : وإن يمسسك الله بضر } تفسير : في سورة الأنعام (17). والبضاعة تقدمت آنفاً. والمزجاة: القليلة التي لا يرغب فيها فكأنّ صاحبها يُزجيها، أي يدفعها بكلفة ليقبلها المدفوعة إليه. والمراد بها مال قليل للامتيار، ولذلك فرع عليه {فأوف لنا الكيل}. وطلبوا التصدّق منه تعريضاً بإطلاق أخيهم لأن ذلك فضل منه إذ صار مملوكاً له كما تقدم. وجملة {إن الله يجزي المتصدّقين} تعليل لاستدعائهم التصدّق عليهم.

القطان

تفسير : الضر: المجاعة. ببضاعة مزجاة: قليلة آثرك: فضلك واختارك. لا تثريب عليكم: لا لوم ولا تأنيب. واستجاب أبناء يعقوب لطلب أبيهم فذهبوا الى مصر، ودخلوا على يوسف مسترحمين، وقالوا: يا ايها العزيز، مسّنا وأهلَنا الضرُّ والجوع، وجئنا ببضاعة قليلة فأوفِ لنا الكيلَ وتصدَّق علينا، ان الله تعالى يكافئ المتصدّقين بأحسن الثواب. فاخذت يوسف الشفقة الأخوية، وابتدأ يكشف امره لهم قائلا في عتب: هل أدركتُم قبح ما فعلتموه بيوسف من إلقائه في الجُبّ، وبأخيه من أذى؟! نبهتهم تلك المفاجأة السارّة الى إدراك ان هذا يوسف، فقالوا مؤكدين: إنك لأنتَ يوسف حقا! فقال يوسف مصدّقا لهم: أنا يوسف، وهذا أخي، قد منّ الله علينا بالسلامة من المهالِك، وبالكرامة والسطان {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}. فقالوا: صدقت فيما قلت.. إن الله فضَّلك علينا بالتقوى والصبر وحُسن السيرة، وأثابَك بالمُلك وعلوّ المكانة، وكنّا نحن آثمين. فرد عليهم النبيّ الكريم قائلا: لا لومَ عليكم اليوم، ولكم عندي الصفح الجميل، وليغفر الله لكم {وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}. ثم سألهم يوسف عن ابيه، فلما أخبروه عن حاله وسوءِ بصره، أعطاهم قميصَه وقال لهم: عودوا به الى أبي فاطرحوه على وجهِه، فسيفْرَح بسلامتي ويعودُ إليه بصرُه، وحنيئذ تعالوا به وبأهلِكم أجمعين. قراءات: قرأ ابن كثير: "انك" بهمزة واحدة. والباقون "أإنك" بهمزتين.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {بِبِضَاعَةٍ} {مُّزْجَاةٍ} (88) - فَذَهَبَ إِخْوَةُ يُوسُفَ إِلَى مِصْرَ، عَمَلاً بِوَصِيَّةِ أَبِيهِمْ، فَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، وَمَعَهُمْ بِضَاعَةٌ رَدِيئَةٌ (مُزْجَاةٌ) حَمَلُوهَا مَعَهُمْ لِيَدْفَعُوهَا ثَمَنَ المِيرَةِ التِي أَتَوْا يَطْلُبُونَهَا، وَقَالُوا لِيُوسُفَ: لَقَدْ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُرُّ وَالأَذَى، وَعَضَّنَا الجُوعُ، فَجِئْنَا بِهذِهِ البِضَاعَةِ الرَّدِيئَةِ نَطْلُبُ أَنْ تُعْطِينَا بِهَا شَيْئاً مِنَ المِيرَةِ، وَتَصدَّقْ عَلَيْنَا بِقَبُولِ هذِهِ البِضَاعَةِ الرَّديئَةِ ثَمَناً لِمِيرَتِنا، إِنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ خَيْراً عَلَى عَمَلِهِمْ. (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِرَدِّ أَخِينَا عَلَيْنَا، لأَِنَّهُمْ كَانُوا يُرِيدُونَ بِهذِهِ المَقَالَةِ رُؤْيَةَ الأَثَرِ الذِي تَتْرُكُهُ عَلَى مَلاَمِحِ وَجْهِهِ). الضُّرُّ - الهُزَالُ مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ. بِبِضَاعَة مُزْجَاةٍ - بِأَثْمَانٍ رَدِيئَة كَاسِدَةٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولم يذكر الحق سبحانه اسم مَنْ دخلوا عليه، لأنه بطل القصة، والضمير في "عليه" لا بُدَّ أن يعود إلى معلوم، ونادوه بالتفخيم قائلين: {يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ ..} [يوسف: 88]. أي: أن الجوع صَيَّرنا إلى هُزَال، وبدأوا بترقيق قلب مَنْ يسمعهم؛ بعد تفخيمهم له؛ فهو الأعلى وهُم الأدنى. ويستمر قولهم: {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف: 88]. ونعلم أنهم قد جاءوا ليتحسسوا أمر يوسف وأخيه، وقد اختاروا مَدْخل الترقيق والتفخيم كَلَوْن من المَكْر، فالتفخيم بندائه بلقب العزيز؛ أي: المالك المُتمكِّن؛ ويعني هذا النداء أن ما سوف يطلبونه منه هو أمر في متناول سلطته. والترقيق بشكوى الحال من جوع صار بهم إلى هُزال، وأعلنوا قدومهم ومعهم بضاعة مزجاة، أي: بضاعة تُستخدم كأثمان لِمَا سوف يأخذونه من سِلَع. وكلمة: {مُّزْجَاةٍ ..} [يوسف: 88]. أي: مدفوعة من الذي يشتري أو يبيع. والحق سبحانه يقول: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ..} تفسير : [النور: 43]. وكلمة "يزجي" بمعنى: يدفع. إذن: فما معنى قول الحق سبحانه: {بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ ..} [يوسف: 88]. ولكي تعرف المعنى بإحساسك؛ جَرِّب هذا الأمر في نفسك، وراقب كيف تدفع ثمن أيَّ شيء تشتريه؛ فإنْ كان معك نقود قديمة ونقود جديدة؛ ستجد أنك تدفع قيمة ما تشتريه من النقود القديمة؛ وسوف تجد نفسك مرتاحاً لاحتفاظك بالنقود الجديدة لنفسك. وقد يقول لك مَنْ تشتري منه: "خذ هذه الورقة النقدية القديمة التي تدفعها لي، واستبدلها لي بورقة جديدة". فما دامت النقود سوف تُدفع؛ فأنت تريد أن تتخلص من النقود القديمة؛ وتفعل ذلك وأنت مُرتاح، وبذلك يمكننا أن نفهم معنى: {بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ ..} [يوسف: 88]. على أنها بِضَاعة رديئة. فكأن الضُّرَّ الذي أصابهم جعلهم عاجزين عن دفع الأثمان للمَيْرة التي سوف يأخذونها، مثل الأثمان السابقة التي تميزت بالجودة. ويتابع الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم: {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف: 88]. أي: أنهم يرجونه أن يُوفِّي لهم الكيل ولا ينقصه؛ إنْ كان ما جاءوا به من أثمان لا يُوفى ما تساويه المَيْرة، وطالبوه أن يعتبر تلك التَّوْفِية في الكَيْل صدقة. وبذلك رَدُّوه إلى ثمن أعلى مما حملوه من أثمان، وفوق قدرة البشر على الدَّفْع؛ لأن الصدقة إنما يُثيب عليها الحق سبحانه وتعالى. ولقائل أن يسأل: أليسوا أبناء نبوة، ولا تجوز عليهم الصدقة؟ نقول: إن عدم جواز الصدقة هو أمر اختصَّ به الحق سبحانه آل محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أمر خاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس ". تفسير : وانظر إلى ما فعلته الترقيقات التي قالوها؛ نظر إليهم يوسف عليه السلام وتبسم، ولما تبسَّم ظهرت ثناياه، وهي ثنايا مميزة عن ثنايا جميع مَنْ رأوه. وجاء الحق سبحانه بما قاله: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} [معناه] قَلِيلةٌ يَسيرةٌ ويقالُ: زُيُوفٌ رَديّةٌ. ويقالُ كَاسِدةٌ. ويُقالُ: نَاقِصةٌ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 422 : 42 : 39 - سفين في قوله "بضاعة مزجاة" قال، قليلة: سمن وصوف. [الآية 88].

همام الصنعاني

تفسير : 1339- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ}: [الآية: 88]، قال: يَسيرة. 1340- حدثنا عبد الرَّزاق، عن ابن عُيَيْنَةَ، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي ملكيةَ، قال: سمعت ابنَ عباس، وسُئل عن قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ}: [الآية: 88]، قال: رثة المتاع خلق الحبل والغرارة والشيء.