١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
89
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} ٱستفهام بمعنى التذكير والتوبيخ، وهو الذي قال الله: {أية : لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا} تفسير : [يوسف: 15] الآية. {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} دليل على أنهم كانوا صغاراً في وقت أخذهم ليوسف، غير أنبياء؛ لأنه لا يوصف بالجهل إلا من كانت هذه صفته؛ ويدلّ على أنه حسنت حالهم الآن؛ أي فعلتم ذلك إذ أنتم صغار جهال؛ قال معناه ابن عباس والحسن؛ ويكون قولهم: «وَإنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ» على هذا، لأنهم كبروا ولم يخبروا أباهم بما فعلوا حياء وخوفاً منه. وقيل: جاهلون بما تؤول إليه العاقبة. والله أعلم. قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} لما دخلوا عليهِ فقالوا: «مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ» فخضعوا له وتواضعوا رق لهم، وعرفهم بنفسه، فقال: «هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ» فتنبهوا فقالوا: «أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ» قاله ابن إسحق. وقيل: إن يوسف تبسّم فشبهوه بيوسف وٱستفهموا. قال ابن عباس لما قال لهم: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} الآية، ثم تبسم يوسف ـ وكان إذا تبسم كأنّ ثناياه اللؤلؤ المنظوم ـ فشبهوه بيوسف، فقالوا له على جهة الاستفهام: «أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ». وعن ابن عباس أيضاً: أن إخوته لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان في قرنه علامة، وكان ليعقوب مثلها شِبْه الشامة، فلما قال لهم: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} رفع التاج عنه فعرفوه، فقالوا: «أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ». وقال ابن عباس: كتب يعقوب إليه يطلب ردّ ابنه، وفي الكتاب: من يعقوب صفيّ الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر ـ أما بعد ـ فإنّا أهل بيت بلاء ومِحَن، ابتلى الله جدّي إبراهيم بنمروذ وناره، ثم ابتلى أبي إسحق بالذبح، ثم ٱبتلاني بولد كان لي أحبّ أولادي إليّ حتى كُفَّ بصري من البكاء، وإني لم أسرق ولم ألِدْ سارقاً والسلام. فلما قرأ يوسف الكتاب ٱرتعدت مفاصله، واقشعرّ جلده، وأرخى عينيه بالبكاء، وعِيلَ صبره فباح بالسرّ. وقرأ ابن كثِير «إنَّكَ» على الخبر، ويجوز أن تكون هذه القراءة استفهاماً كقوله: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ} تفسير : [الشعراء: 26]. {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ} أي أنا المظلوم والمراد قتله، ولم يقل أنا هو تعظيماً للقصة. {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ} أي بالنجاة والملك. {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ} أي يتق الله ويصبر على المصائب وعن المعاصي. {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي الصابرين في بلائه، القائمين بطاعته. وقرأ ٱبن كثِير: «إنَّهُ مَنْ يَتَّقيِ» بإثبات الياء؛ والقراءة بها جائزة على أن تجعل «مَنْ» بمعنى الذي، وتدخل «يَتَّقيِ» في الصلة، فتثبت الياء لا غير، وترفع «ويصبر». وقد يجوز أن تجزم «ويصبر» على أن تجعل «يتقي» في موضع جزم و «من» للشرط، وتثبت الياء، وتجعل علامة الجزم حذف الضمة التي كانت في الياء على الأصل؛ كما قال:شعر : ثم نادِي إذا دَخلتَ دِمَشْقاً يا يزيدُ بنَ خالدِ بنِ يزيد تفسير : وقال آخر:شعر : ألم يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِي بما لاَقَتْ لَبُونُ بنيِ زيادِ تفسير : وقراءة الجماعة ظاهرة، والهاء في «إنَّهُ» كناية عن الحديث، والجملة الخبر. قوله تعالى: {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} الأصل همزتان خفّفت الثانية، ولا يجوز تحقيقها، وٱسم الفاعل مُؤثِر، والمصدر إيثار. ويقال: أثَرْتُ التراب إثارةً فأنا مُثير؛ وهو أيضاً على أَفْعَل ثم أُعِلَّ، والأصل أَثْيَر نقلت حركة الياء على الثاء، فانقلبت الياء ألفاً، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. وأَثَرْتُ الحديث على فَعَلْتُ فأنا آثِرٌ؛ والمعنى: لقد فضّلك الله علينا، وٱختارك بالعلم والحلم والحكم والعقل والملك. {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} أي مذنبين من خَطِىء يَخْطَأ إذا أتى الخطيئة، وفي ضمن هذا سؤال العفو. وقيل لابن عباس: كيف قالوا «وَإنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ» وقد تعمدوا لذلك؟ قال: وإن تعمّدوا لذلك، فما تعمدوا حتى أخطؤوا الحق، وكذلك كل من أتى ذنباً تَخطّى المنهاج الذي عليه من الحق، حتى يقع في الشبهة والمعصية. قوله تعالى: {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} أي قال يوسف ـ وكان حليماً موفَّقاً ـ: «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» وتمّ الكلام. ومعنى «اليوم»: الوقت. والتثريب التَّعيير والتوبيخ، أي لا تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم؛ قاله سفيان الثوري وغيره؛ ومنه قوله عليه السلام: «حديث : إذا زنت أمة أحدكم فليجلِدها الحدّ ولا يُثَرِّب عليها» تفسير : أي لا يعيرها؛ وقال بشر:شعر : فعَفَوتُ عنهم عَفْوَ غَيرِ مُثَرِّبٍ وتركتهم لعقابِ يومٍ سَرْمَدِ تفسير : وقال الأَصمعي: ثَرَّبْتُ عليه وعَرَّبْتُ عليه بمعنى إذا قبحتَ عليه فعله. وقال الزجاج: المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحقّ الإخوة، ولكم عندي العفو والصفح؛ وأصل التثريب الإفساد، وهي لغة أهل الحجاز. وعن ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بُعضادَتَي الباب يوم فتح مكة، وقد لاَذَ الناسُ بالبيت فقال: «الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ثم قال: «ماذا تظنون يا معشر قريش» قالوا: خيراً، أخ كريم، وٱبن أخ كريم وقد قَدَرت؛ قال: «وأنا أقول كما قال أخي يوسف «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ»تفسير : فقال عمر رضي الله عنه: ففِضتُ عَرقاً من الحياء من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذلك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة: اليوم ننتقم منكم ونفعل، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ٱستحييت من قولي. {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ} مستقبل فيه معنى الدعاء؛ سأل الله أن يستر عليهم ويرحمهم. وأجاز الأخفش الوقف على «عَلَيْكُمُ» والأوّل هو المستعمل؛ فإن في الوقف على «عليكم» والابتداء بـ «ـالْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» جَزْم بالمغفرة في اليوم، وذلك لا يكون إلا عن وحي، وهذا بيّن. وقال عطاء الخراساني: طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ؛ ألم تر قول يوسف: «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» وقال يعقوب: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي». قوله تعالى: {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا} نعت للقميص، والقميص مذكر، فأما قول الشاعر:شعر : تَدْعو هَوَازِنُ والقميصُ مُفَاضَةٌ فوق النِّطاقِ تُشَدُّ بالأزرارِ تفسير : فتقديره: (والقميص) دِرْع مُفاضةٌ. قاله النحاس. وقال ابن السدّي عن أبيه عن مجاهد: قال لهم يوسف: «ٱذْهَبُوا بِقَمِيِصي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبيِ يَأْتِ بَصِيراً» قال: كان يوسف أعلم بالله من أن يعلم أن قميصه يَرُدّ على يعقوب بصره، ولكن ذلك قميص إبراهيم الذي ألبسه الله في النار من حرير الجنة، وكان كساه إسحق، وكان إسحق كساه يعقوب، وكان يعقوب أدرج ذلك القميص في قَصَبة من فضة وعلّقه في عُنق يوسف، لِمَا كان يخاف عليه من العين، وأخبره جبريل بأن أرسل قميصك فإن فيه ريح الجنة، و (إن) ريح الجنة لا يقع على سقيم ولا مُبتلًى إلا عُوفي. وقال الحسن: لولا أن الله تعالى أعلم يوسف بذلك لم يعلم أنه يرجع إليه بصره، وكان الذي حمل قميصه يهوذا، قال ليوسف: أنا الذي حملت إليه قميصك بدم كذب فأحزنته، وأنا الذي أحمله الآن لأسرّه، وليعود إليه بصره، فحمله؛ حكاه السدّي. {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} لتتخذوا مصر داراً. قال مسروق: فكانوا ثلاثة وتسعين، ما بين رجل وٱمرأة. وقد قيل: إن القميص الذي بعثه هو القميص الذي قدّ من دُبره، ليعلم يعقوب أنه عُصِم من الزنى؛ والقول الأوّل أصح، وقد روي مرفوعاً من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكره القُشَيريّ والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ } أي هل علمتم قبحه فتبتم عنه وفعلهم بأخيه إفراده عن يوسف وإذلاله حتى لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذلة. {إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ } قبحه فلذلك أقدمتم عليه أو عاقبته، وإنما قال ذلك تنصيحاً لهم وتحريضاً على التوبة، وشفقة عليهم لما رأى من عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريباً. وقيل أعطوه كتاب يعقوب في تخليص بنيامين وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه فقال لهم ذلك، وإنما جهلهم لأن فعلهم كان فعل الجهال، أو لأنهم كانوا حينئذ صبياناً شياطين.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن يوسف عليه السلام: أنه لما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام وعموم الجدب، وتذكر أباه، وما هو فيه من الحزن؛ لفقد ولديه، مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسعة، فعند ذلك أخذته رقة ورأفة ورحمة وشفقة على أبيه وإخوته، وبدره البكاء، فتعرف إليهم، فيقال: إنه رفع التاج عن جبهته، وكان فيها شامة، وقال: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} يعني: كيف فرقوا بينه وبين أخيه {إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ} أي: إنما حملكم على هذا، الجهل بمقدار هذا الذي ارتكبتموه؛ كما قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل، وقرأ: {أية : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَـٰلَةٍ} تفسير : [النحل: 119] الآية، والظاهر - والله أعلم - أن يوسف عليه السلام إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن الله تعالى له في ذلك، كما أنه إنما أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين بأمر الله تعالى له في ذلك، والله أعلم. ولكن لما ضاق الحال، واشتد الأمر، فرج الله تعالى من ذلك الضيق، كما قال تعالى: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} تفسير : [الشرح:5-6] فعند ذلك قالوا: {أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} وقرأ أبي بن كعب: (إنك لأنت يوسف)، وقرأ ابن محيصن: (لأنت يوسف) والقراءة المشهورة هي الأولى؛ لأن الاستفهام يدل على الاستعظام، أي: إنهم تعجبوا من ذلك؛ أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر، وهم لا يعرفونه، وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام: {أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِى}. وقوله: {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ} أي: بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} الآية، يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق، والسعة والملك والتصرف والنبوة أيضاً، على قول من لم يجعلهم أنبياء، وأقروا له بأنهم أساؤوا إليه وأخطأوا في حقه {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} يقول: أي: لا تأنيب عليكم، ولا عتب عليكم اليوم، ولا أعيد عليكم ذنبكم في حقي بعد اليوم، ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة، فقال: {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَٰحِمِينَ} قال السدي: اعتذروا إلى يوسف، فقال: {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} يقول: لا أذكر لكم ذنبكم. وقال ابن إسحاق والثوري: {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ} أي: لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم، {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي: يستر الله عليكم فيما فعلتم {وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَٰحِمِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : ثم {قَالَ } لهم توبيخاً {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ } من الضرب والبيع وغير ذلك {وَأَخِيهِ } من هضمكم له بعد فراق أخيه {إِذْ أَنتُمْ جَٰهِلُونَ } ما يؤول إليه أمر يوسف؟
الشوكاني
تفسير : الاستفهام في قوله: {هَلْ عَلِمْتُمْ } للتوبيخ والتقريع، وقد كانوا عالمين بذلك، ولكنه أراد ما ذكرناه، ويستفاد منه تعظيم الواقعة لكونه في قوّة: ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وأخيه، وما أقبح ما أقدمتم عليه؟ كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت؟ والذي فعلوا بيوسف هو ما تقدّم مما قصه الله سبحانه علينا في هذه السورة، وأما ما فعلوا بأخيه، فقال جماعة من المفسرين: هو ما أدخلوه عليه من الغمّ بفراق أخيه يوسف، وما كان يناله منهم من الاحتقار والإهانة، ولم يستفهمهم عما فعلوا بأبيهم يعقوب، مع أنه قد ناله منهم ما قصه الله فيما سبق من صنوف الأذى. قال الواحدي: ولم يذكر أباه يعقوب مع عظم ما دخل عليه من الغمّ بفراقه تعظيماً له، ورفعاً من قدره، وعلماً بأن ذلك كان بلاء له من الله عزّ وجلّ ليزيد في درجته عنده {إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ } نفى عنهم العلم، وأثبت لهم صفة الجهل، لأنهم لم يعملوا بما يقتضيه العلم، وقيل: إنه أثبت لهم صفة الجهل لقصد الاعتذار عنهم، وتخفيف الأمر عليهم، فكأنه قال: إنما أقدمتم على هذا الفعل القبيح المنكر وقت عدم علمكم بما فيه من الإثم، وقصور معارفكم عن عاقبته، وما يترتب عليه، أو أراد عند ذلك في أوان الصبا وزمان الصغر، اعتذاراً لهم، لما يدهمهم من الخجل والحيرة مع علمه وعلمهم بأنهم كانوا في ذلك الوقت كباراً. {قَالُواْ أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ}. قرأ ابن كثير "إنك" على الخبر بدون استفهام. وقرأ الباقون على الاستفهام التقريري، وكان ذلك منهم على طريق التعجب والاستغراب. قيل: سبب معرفتهم له بمجرد قوله لهم: {مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ } أنهم لما قال لهم ذلك تنبهوا وفهموا أنه لا يخاطبهم بمثل هذا إلاّ هو. وقيل: إنه لما قال لهم بهذه المقالة وضع التاج عن رأسه فعرفوه. وقيل: إنه تبسم فعرفوا ثناياه {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِى } أجابهم بالاعتراف بما سألوه عنه. قال ابن الأنباري: أظهر الاسم فقال: أنا يوسف، ولم يقل: أنا هو، تعظيماً لما وقع به من ظلم إخوته، كأنه قال: أنا المظلوم المستحل منه المحرم، والمراد قتله. فاكتفى بإظهار الاسم عن هذه المعاني، وقال: وهذا أخي مع كونهم يعرفونه ولا ينكرونه؛ لأن قصده وهذا أخي المظلوم كظلمي، {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } بالخلاص عما ابتلينا به، وقيل: منّ الله علينا بكل خير في الدنيا والآخرة. وقيل: بالجمع بيننا بعد التفرق، ولا مانع من إرادة جميع ذلك {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ }. قرأ الجمهور بالجزم على أن "من" شرطية. وقرأ ابن كثير بإثبات الياء في يتقي. كما في قول الشاعر:شعر : ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبونُ بني زياد تفسير : وقيل إنه جعل "من" موصولة لا شرطية، وهو بعيد. والمعنى: إنه من يفعل التقوى أو يفعل ما يقيه عن الذنوب ويصبر على المصائب {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } على العموم، فيدخل فيه ما يفيده السياق دخولاً أوّلياً، وجاء بالظاهر، وكان المقام مقام المضمر، أي: أجرهم للدلالة على أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } أي: لقد اختارك وفضلك علينا بما خصك به من صفات الكمال، وهذا اعتراف منهم بفضله وعظيم قدره، ولا يلزم من ذلك ألا يكونوا أنبياء، فإن درج الأنبياء متفاوتة، قال الله تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ }تفسير : [البقرة: 253] {وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِئِينَ } أي: وإن الشأن ذلك. قال أبو عبيدة: خطىء وأخطأ بمعنى واحد. وقال الأزهري: المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره، ومنه قولهم: المجتهد يخطىء ويصيب، والخاطىء من تعمد ما لا ينبغي. قالوا هذه المقالة المتضمنة للاعتراف بالخطأ والذنب استجلاباً لعفوه واستجذاباً لصفحه. {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ } التثريب التعيير والتوبيخ أي: لا تعيير ولا توبيخ، ولا لوم عليكم. قال الأصمعي: ثربت عليه: قبحت عليه فعله. وقال الزجاج: المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوّة، ولكم عندي الصلح والعفو، وأصل التثريب: الإفساد، وهي لغة أهل الحجاز. وقال ابن الأنباري: معناه. قد انقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب. قال ثعلب: ثرب فلان على فلان إذا عدّد عليه ذنوبه، وأصل التثريب من الثرب، وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش، ومعناه: إزالة التثريب، كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع، وانتصاب {اليوم} بالتثريب، أي: لا أثرب عليكم أو منتصب بالعامل المقدّر في {عليكم} وهو مستقرّ أو ثابت أو نحوهما، أي: لا تثريب مستقر أو ثابت عليكم. وقد جوّز الأخفش الوقف على {عليكم} فيكون: اليوم متعلق بالفعل الذي بعده. وقد ذكر مثل هذا ابن الأنباري، ثم دعا لهم بقوله: {يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } على تقدير الوقف على اليوم، أو أخبرهم بأن الله قد غفر لهم ذلك اليوم على تقدير الوقف على {اليوم}، أو أخبرهم بأن الله قد غفر لهم ذلك اليوم على تقدير الوقف على {عليكم} {وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ } يرحم عباده رحمة لا يتراحمون بها فيما بينهم فيجازي محسنهم ويغفر لمسيئهم. قوله: {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا } قيل: هذا القميص هو القميص الذي ألبسه الله إبراهيم لما ألقي في النار وكساه إبراهيم إسحاق، وكساه إسحاق يعقوب. وكان يعقوب أدرج هذا القميص في قضيب وعلقه في عنق يوسف لما كان يخاف عليه من العين، فأخبر جبريل يوسف أن يرسل به إلى يعقوب ليعود عليه بصره؛ لأنّ فيه ريح الجنة، وريح الجنة لا يقع على سقيم إلا شفي، ولا مبتلي إلاّ عوفي {فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا } أي: يصْر بصيراً، على أن {يأت} هي التي من أخوات كان. قال الفراء: يرجع بصيراً. وقال السدّي: يعد بصيراً. وقيل: معناه يأتِ إليّ إلى مصر وهو بصير قد ذهب عنه العمى، ويؤيده قوله: {وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } أي: جميع من شمله لفظ الأهل من النساء والذراري، وقيل: كانوا نحو سبعين، وقيل: ثلاثة وتسعين. {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ } أي: خرجت منطلقة من مصر إلى الشام. يقال: فصل فصولاً، وفصلته فصلاً، لازم ومتعدّ، ويقال: فصل من البلد فصولاً: إذا انفصل عنه وجاوز حيطانه {قَالَ أَبُوهُمْ } أي: يعقوب لمن عنده في أرض كنعان من أهله {إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } قيل: إنها هاجت ريح فحملت ريح القميص إلى يعقوب مع طول المسافة، فأخبرهم بما وجد، ثم قال: {لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } لولا أن تنسبوني إلى الفند، وهو ذهاب العقل من الهرم، يقال: أفند الرجل إذا خرف وتغير عقله. وقال أبو عبيدة: لولا أن تسفهون، فجعل الفند السفه. وقال الزجاج: لولا أن تجهلون، فجعل الفند الجهل، ويؤيد ذلك قول من قال: إنه السفه قول النابغة:شعر : إلاّ سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند تفسير : أي: امنعها عن السفه. وقال أبو عمرو الشيباني: التفنيد: التقبيح، ومنه قول الشاعر:شعر : يا صاحبيّ دعا لومي وَتَفنيدي فليس ما فات من أمري بمردود تفسير : وقيل: هو الكذب، ومنه قول الشاعر:شعر : هل في افتخار الكريم من أود؟ أم هل لقول الصدّيق من فند؟ تفسير : وقال ابن الأعرابي: {لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } لولا أن تضعفوا رأيي، وروي مثله عن أبي عبيدة. وقال الأخفش: التفنيد: اللوم وضعف الرأي. وكل هذه المعاني راجع إلى التعجيز، وتضعيف الرأي، يقال: فنده تفنيداً: إذا عجزه، وأفند: إذا تكلم بالخطأ، والفند: الخطأ من الكلام، ومما يدل على إطلاقه على اللوم قول الشاعر:شعر : يا عاذِلي دعا الملام وأَقصِرا طال الهوى وَأطلتُما التفنيدا تفسير : أخبرهم يعقوب بأن الصبا قد حملت إليه ريح حبيبه، وأنه لولا ما يخشاه من التفنيد لما شك في ذلك:شعر : فإن الصبا ريح إذا ما تنفست على نفس مهموم تجلت همومها إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني نسيم الصبا من حيث ما يطلع الفجر ولقد تهبّ لي الصبا من أرضها فيلذّ مسّ هبوبها ويطيب تفسير : {قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ } أي: قال الحاضرون عنده من أهله: إنك يا يعقوب لفي ذهابك عن طريق الصواب الذي كنت عليه قديماً من إفراط حبك ليوسف لا تنساه، ولا تفترّ عنه، ولسان حال يعقوب يقول لهم:شعر : لا يعرف الشوق إلاّ من يكابده ولا الصبابة إلاّ من يعانيها لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى تكون حشاك في أحشائه تفسير : وقيل: المعنى: إنك لفي جنونك القديم، وقيل: في محبتك القديمة. قالوا له ذلك لأنه لم يكن قد بلغهم قدوم البشير. {فَلَمَّا أَن جَاء ٱلْبَشِيرُ } قال المفسرون: البشير هو يهوذا بن يعقوب، قال لإخوته: أنا جئته بالقميص ملطخاً بالدم، فأعطني اليوم قميصك لأخبره أنك حيّ، فأفرحه كما أحزنته {أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ } أي: ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب، أو ألقاه يعقوب على وجه نفسه {فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا } الارتداد: انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها، والمعنى: عاد ورجع إلى حالته الأولى من صحة بصره {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ } أي: قال يعقوب لمن كان عنده من أهله الذين قال لهم: إني لأجد ريح يوسف، ألم أقل لكم هذا القول فقلتم ما قلتم، ويكون قوله: {إِنّى أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } كلاماً مبتدأ لا يتعلق بالقول، ويجوز أن تكون جملة: {إِنّى أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } مقول القول، ويريد بذلك إخبارهم بما قاله لهم سابقاً {أية : إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [يوسف: 86]، {قَالُواْ يا أبانا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَـٰطِئِينَ } طلبوا منه أن يستغفر لهم، واعترفوا بالذنب، وفي الكلام حذف، والتقدير: ولما رجعوا من مصر ووصلوا إلى أبيهم قالوا هذا القول، فوعدهم بما طلبوه منه، و {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى }. قال الزجاج: أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وقت السحر؛ لأنه أخلق بإجابة الدعاء، لا أنه بخل عليهم بالاستغفار، وقيل: أخره إلى ليلة الجمعة، وقيل: أخره إلى أن يستحلّ لهم من يوسف، ولم يعلم أنه قد عفا عنهم. وجملة {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } تعليل لما قبله. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة في قوله: {لاَ تَثْرَيبَ } قال: لا تعيير. وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة التفت إلى الناس فقال: حديث : ماذا تقولون وماذا تظنون؟ فقالوا: ابن عمّ كريم، فقال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعاً نحوه. وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عطاء الخراساني قال: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألم تر إلى قول يوسف {لا تثريب عليكم اليوم}؟. وقال يعقوب: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى }. أقول: وفي هذا الكلام نظر فإنهم طلبوا من يوسف أن يعفو عنهم بقولهم: {لقد آثرك الله علينا}، فقال: لا تثريب عليكم اليوم، لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم، وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم وهو لا يكون إلاّ بطلب ذلك منه إلى الله عزّ وجلّ، وبين المقامين فرق، فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلاً عليهم بسؤال الله لهم، ولا سيما إذا صح ما تقدّم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة. فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول. وأخرج الحكيم الترمذي، وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: لما كان من أمر إخوة يوسف ما كان، كتب يعقوب إلى يوسف وهو لا يعلم أنه يوسف: بسم الله الرحمٰن الرحيم، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إلٰه إلاّ هو، أما بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء، كان جدّي إبراهيم خليل الله ألقي في النار في طاعة ربه، فجعلها الله عليه برداً وسلاما، وأمر الله جدّي أن يذبح له أبي ففداه الله بما فداه، وكان لي ابن وكان من أحبّ الناس إليّ ففقدته، فأذهب حزني عليه نور بصري، وكان له أخ من أمه كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري فأذهب عني بعض وجدي، وهوالمحبوس عندك في السرقة، وإني أخبرك أني لم أسرق، ولم ألد سارقاً؛ فلما قرأ يوسف الكتاب بكى وصاح وقال: {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا }. وأخرج أبو الشيخ عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله: «حديث : {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا } أن نمروذ لما ألقى إبراهيم في النار نزل إليه جبريل بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة، فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة، وقعد معه يتحدّث، فأوحى الله إلى النار{كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمَا } [الأنبياء: 69]»تفسير : ولولا أنه قال {وسلاماً} لآذاه البرد. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مرفوعاً: إن الله كسا إبراهيم ثوباً من الجنة، فكساه إبراهيم إسحاق، وكساه إسحاق يعقوب، فأخذه يعقوب فجعله في قصبة من حديد وعلقه في عنق يوسف، ولو علم إخوته إذ ألقوه في الجب لأخذوه، فلما أراد الله أن يردّ يوسف على يعقوب كان بين رؤياه وتعبيره أربعون سنة، أمر البشير أن يبشره من ثمان مراحل، فوجد يعقوب ريحه فقال: {إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون}، فلما ألقاه على وجهه ارتدّ بصيراً، وليس يقع شيء من الجنة على عامة من عاهات الدنيا إلاّ أبرأها بإذن الله. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وأحمد في الزهد، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ } قال: لما خرجت العير هاجت الريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال: {إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } تسفهون، فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه قال: وجد ريحه من مسيرة عشرة أيام. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عنه قال: وجده من مسيرة ثمانين فرسخاً. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عنه أيضاً {لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } قال: تجهلون. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً: قال: تكذبون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال: تهرمون، يقولون: قد ذهب عقلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن الربيع قال: لولا أن تحمقون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ } يقول: خطئك القديم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: جنونك القديم. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: حبك القديم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: البشير: البريد. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن الضحاك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن سفيان قال: البشير هو يهوذا بن يعقوب. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما أن جاء البشير إلى يعقوب فألقى عليه القميص قال: على أيّ دين خلفت يوسف؟ قال: على الإسلام، قال: الآن تمت النعمة. وأخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى } قال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس قال: أخرهم إلى السحر، وكان يصلي بالسحر. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه عنه قال: أخرّهم إلى السحر لأن دعاء السحر مستجاب. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عنه أيضاً قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في قصه «حديث : هو قول أخي يعقوب لبنيه: سوف أستغفر لكم ربي»، يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قال هَلْ علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه} معنى قوله {هل علمتم ما فعلتم} أي قد علمتم، كقوله تعالى {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} أي قد أتى. قال ابن إسحاق: ذكر لنا أنهم لما قالوا{مسّنا وأهلنا الضر} رحمهم ورقَّ لهم، فقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ وعَدَّدَ عليهم ما صنعوا بهما. {إذ أنتم جاهلون} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني جهل الصغر. الثاني: جهل المعاصي. الثالث: الجهل بعواقب أفعالهم. فحينئذ عرفوه. {قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي} وحكى الضحاك في قراءة عبدالله: وهذا أخي وبيني وبينه قربى {قد مَنّ الله علينا} يعني بالسلامة ثم بالكرامة، ويحتمل بالإجتماع بعد طول الفرقة. {إنه مَنْ يتّق ويصبرْ} فيه قولان: أحدهما: يتقي الزنى ويصبر على العزوبة، قاله إبراهيم. الثاني: يتقي الله تعالى ويصبر على بلواه. وهو محتمل. {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} فيه قولان: أحدهما: في الدنيا. الثاني: في الآخرة. قوله عز وجل:{قالوا تالله آثرك اللهُ علينا} مأخوذ من الإيثار، وهو إرادة تفضيل أحد النفسين على الآخر، قال الشاعر: شعر : والله أسماك سُمًّا مباركاً آثرك الله به إيثارَكاً تفسير : {وإن كنا لخاطئين} أي فيما صنعوا بيوسف، وفيه قولان: أحدهما: آثمين. الثاني: مخطئين. والفرق بين الخاطئ والمخطئ أن الخاطئ آثم. فإن قيل: فقد كانوا عند فعلهم ذلك به صغاراً ترفع عنهم الخطايا. قيل لما كبروا واستداموا إخفاء ما صنعوا صاروا حينئذ خاطئين. قوله عز وجل: {قال لا تثريب عليكم} فيه قولان أربعة تأويلات: أحدها: لا تغيير عليكم، وهو قول سفيان ابن عيينة. الثاني: لا تأنيب فيما صنعتم، قاله ابن إسحاق. الثالث: لا إباء عليكم في قولكم، قاله مجاهد. الرابع: لا عقاب عليكم وقال الشاعر: شعر : فعفوت عنهم عفو غير مثربٍ وتركتهم لعقاب يومٍ سرمد تفسير : {اليوم يغفر الله لكم}يحتمل وجهين: أحدهما: لتوبتهم بالاعتراف والندم. الثاني: لإحلاله لهم بالعفو عنهم. {وهو أرحم الراحمين}يحتمل وجهين: أحدهما: في صنعه بي حين جعلني ملكاً. الثاني: في عفوه عنكم عما تقدم من ذنبكم.
ابن عطية
تفسير : روي أن يوسف عليه السلام لما قال إخوته {أية : مسنا وأهلنا الضر} تفسير : [يوسف: 88] واستعطفوه - رق ورحمهم، قال ابن إسحاق: وارفض دمعه باكياً فشرع في كشف أمره إليهم، فيروى أنه حسر قناعه وقال لهم: {هل علمتم} الآية. وقوله: {فعلتم بيوسف وأخيه} يريد من التفريق بينهما في الصغر والتمرس بهما وإذاية بنيامين. بعد مغيب يوسف. فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، ولم يشر إلى قصة بنيامين الآخرة لأنهم لم يفعلوا هم فيها شيئاً، ونسبهم إما إلى جهل المعصية، وإما إلى جهل الشباب وقلة الحنكة، فلما خاطبهم هذه المخاطبة - ويشبه أن يكون قد اقترن بها من هيئته وبشره وتبسمه ما دلهم - تنبهوا ووقع لهم من الظن القوي أنه يوسف، فخاطبوه مستفهمين استفهام مقرر. وقرأت فرقة "أأنك يوسف" بتحقيق الهمزتين، وقرأت فرقة بإدخال ألف بين همزتين وتحقيقهما "أإنك"، وقرأت فرقة بتسهيل الثانية "إنك"، وقرأ ابن محيصن وقتادة وابن كثير "إنك" على الخبر وتأكيده وقرأ أبي بن كعب "أأنك أو أنت يوسف" قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا على حذف خبر "إن" كأنه قال: أئنك لغير يوسف أو أنت يوسف؟ وحكى أبو عمرو الداني: أن في قراءة أبي بن كعب: "أو أنت يوسف" وتأولت فرقة ممن قرأ "إنك" إنها استفهام بإسقاط حرف الاستفهام، فأجابهم يوسف كاشفاً أمره قال: {أنا يوسف وهذا أخي} وقال مجاهد: أراد {من يتق} في ترك المعصية ويصبر في السجن. وقال إبراهيم النخعي: المعنى: {من يتق} الزنى ويصبر على العزوبة. قال القاضي أبو محمد: ومقصد اللفظ إنما هو العموم في العظائم، وإنما قال هذان ما خصصا، لأنها كانت من نوازله، ولو فرضنا نزول غيرها به لاتقى وصبر. وقرأ الجمهور "من يتق ويصبر" وقرأ ابن كثير وحده: "ومن يتقي ويصبر" بإثبات الياء، واختلف في وجه ذلك، فقيل: قدر الياء متحركة وجعل الجزم في حذف الحركة، وهذا كما قال الشاعر: [الوافر] شعر : ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد تفسير : قال أبو علي: وهذا مما لا نحمله عليه، لأنه يجيء في الشعر لا في الكلام، وقيل: "من" بمعنى الذي و"يتقي" فعل مرفوع، و"يصبر" عطف على المعنى لأن "من" وإن كانت بمعنى الذي ففيها معنى الشرط، ونحوه قوله تعالى: {أية : فأصدق وأكن} تفسير : [المنافقون: 10] وقيل: أراد "يصبر" بالرفع لكنه سكن الراء تخفيفاً، كما قرأ أبو عمرو: {أية : ويأمركم} تفسير : [البقرة: 67] بإسكان الراء. وقوله تعالى: {قالوا: تالله لقد آثرك الله علينا} الآية، هذا منهم استنزال ليوسف وإقرار بالذنب في ضمنه استغفار منه. و {آثرك} لفظ يعم جميع التفضيل وأنواع العطايا، والأصل فيها همزتان وخففت الثانية، ولا يجوز تحقيقها، والمصدر إيثار، و {خاطئين} من خطىء يخطأ، وهو المتعمد للخطأ، والمخطىء من أخطأ، وهو الذي قصد الصواب فلم يوفق إليه، ومن ذلك قول الشاعر - وهو أمية بن الأسكر - [الوافر] شعر : وإن مهاجرين تكتفاه غداة إذ لقد خطئا وخابا تفسير : وقوله: {لا تثريب عليكم} عفو جميل، وقال عكرمة: أوحى الله إلى يوسف: بعفوك على إخوتك رفعت لك ذكرك؛ وفي الحديث: أن أبا سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية لما وردا مهاجرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرض عنهما لقبح فعلهما معه قبل، فشق ذلك عليهما وأتيا أبا بكر فكلفاه الشفاعة، فأبى، وأتيا عمر فكذلك، فذهب أبو سفيان بن الحارث إلى ابن عمه علي، وذهب عبد الله إلى أخته أم سلمة، فقال علي رضي الله عنه: الرأي أن تلقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحفل فتصيحان به: {تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين} فإنه لا يرضى أن يكون دون أحد من الأنبياء فلا بد لذلك أن يقول: لا تثريب عليكما، ففعلا ذلك، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تثريب عليكم} الآية. والتثريب: اللوم والعقوبة وما جرى معهما من سوء معتقد ونحوه، وقد عبر بعض الناس عن التثريب بالتعيير، ومنه قول النبي عليه السلام: "حديث : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثرب" تفسير : ، أي لا يعير، أخرجه الشيخان في الحدود. ووقف بعض القرأة {عليكم} وابتدأ {اليوم يغفر الله لكم} ووقف أكثرهم: {اليوم} وابتدأ {يغفر الله لكم} على جهة الدعاء - وهو تأويل ابن إسحاق والطبري، وهو الصحيح - و {اليوم} ظرف، فعلى هذا فالعامل فيه ما يتعلق به {عليكم} تقديره: لا تثريب ثابت أو مستقر عليكم اليوم. وهذا الوقف أرجح في المعنى، لأن الآخر فيه حكم على مغفرة الله، اللهم إلا أن يكون ذلك بوحي.
ابن عبد السلام
تفسير : {هَلْ عَلِمْتُم} قد علمتم كـ {أية : هَلْ أَتَىٰ}تفسير : [الإنسان: 1] لما قالوا مسنا وأهلنا الضر رق لهم فقال: {هَلْ عَلِمْتُم} {جَاهِلُونَ} جهل الصغر، أو جهل المعاصي.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ }، روي أنَّ يوسُف عليه السلام لما قال له إخوته: { أية : مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } تفسير : [يوسف:88]، واستعطفوه رَقَّ ورحمهم، قال ابنُ إِسحاق: وَٱرفضَّ دمعه باكياً، فَشَرَعَ في كَشْفِ أمره إِليهم، فروي أنه حَسَرَ قناعه، وقال لَهُمْ: {هَلْ عَلِمْتُمْ...} الآية، و{مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ }: أي: التَّفْريق بينَهُما في الصِّغَر وما نالهما بسَبَبِكُم من المِحَن؛ {إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ}، نسبهم إِمَّا إِلى جَهْلِ المعصيةِ، وإِما إِلى جَهْلِ الشَبَابِ وقلَّةِ الحُنْكَة، فلمَّا خاطبهم هذه المخاطبة، تنبَّهوا، ووقَعَ لهم من الظَّنِّ القويِّ وقرائنِ الحال؛ أنه يوسُفُ فقالوا: {أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ }؛ مستفهمين، فأجابهم يوسف كاشفاً عن أمره، {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي} وباقي الآية بيِّن. وقوله سبحانه: {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِئِينَ}: هذا منهم ٱسْتِنْزالٌ ليوسُفَ، وإِقرار بالذنْبِ في ضِمْنه ٱستغفارٌ منه، و{ءَاثَرَكَ }: لفظٌ يعمُّ جميعَ التفضيل. وقوله: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ } عفوٌ جميلٌ، وقال عكرمة: أوحى اللَّه إِلى يوسف بِعَفْوِكَ عَنْ إِخوتك، رَفَعْتُ لك ذكْرَك، و«التثريب»: اللوْمُ والعقوبةُ وما جَرَى معهما من سوءِ مُعْتَقَدٍ ونحوه، وعبَّر بعضُ الناس عن التثْرِيب بالتعيير، ووقَفَ بعْضُ القَرَأَةِ {عَلَيْكُم}، وابتدأ: {ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ }؛ ووقف أكثرهم: {ٱلْيَوْم} وابتدأ: {يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } على جهة الدعاء وهو تأويلُ ابن إِسحاق والطبريِّ، وهو الصحيحُ الراجح في المعنَى؛ لأن الوقْفَ الآخِرَ فيه حُكْم على مغفرة اللَّه، اللَّهُمَّ إِلا أَنْ يكون ذلك بوَحْيٍ.
البقاعي
تفسير : فلما رأى أن الأمر بلغ الغاية ولم يبق شيء يتخوفه، عرفهم بنفسه فاستأنف تعالى الإخبار عن ذلك بقوله حكاية: {قال هل علمتم} مقرراً لهم بعد أن اجترؤوا عليه واستأنسوا به، والظاهر أن هذا كان بغير ترجمان {ما} أي قبح الذي {فعلتم بيوسف} أي أخيكم الذي حلتم بينه وبين أبيه {وأخيه} في جعلكم إياه فريداً منه ذليلاً بينكم، ثم في قولكم له لما وجدوا الصواع في رحله: لا يزال يأتينا البلاء من قبلكم يا بني راحيل! وأعلمهم بأن ظنه فيهم الآن جميل تسكيناً لهم فقال: {إذ} أي حين {أنتم جاهلون *} أي فاعلون فعلهم - تلويحاً لهم إلى معرفته وتذكيراً بالذنب ليتوبوا، وتلطفاً معهم في ذلك المقام الذي يتنفس فيه المكروب، وينفث فيه المصدور، ويشتفي فيه المغيظ المحنق، ويدرك ثأره الموتور، بتخصيص جهلهم - بمقتضى "إذا" - بذلك الزمان إفهاماً لهم أنهم الآن على خلاف ذلك، فكأنه قيل: إنه قد قرب لهم الكشف عن أمره، لأنه لا يستفهم ملك مثله - لم ينشأ بينهم ولا تتبع أحوالهم وليس منهم - هذا الاستفهام ولا سيما وقد روى أنه لما قال هذا تبسم، وكان في تبسمه أمر من الحسن لا يجهله معه من رآه ولو مرة واحدة، فهل عرفوه؟ فقيل: ظنوه ظناً غالباً، ولذلك {قالوا} مستفهمين {أإنك} وأكدوا بقولهم: {لأنت يوسف}. ولما كان المتوقع من مثله فيما هو فيه من العظمة أن يجازيهم على سوء صنيعهم إليه، استأنف بيان كرمه فقال: {قال أنا يوسف} وزادهم قوله: {وهذا أخي} أي بنيامين شقيقي لذكره لهم في قوله{ وأخيه} وليزيدهم ذلك معرفة له، وثبتها في أمره بتصديقه له مع مكثه عنده مدة ذهابهم وإيابهم، وليبني عليه قوله: {قد منَّ الله} أي الذي له الجلال والإكرام {علينا} بأن جمع بيننا على خير حال تكون؛ ثم تعليله بقوله: {إنه من يتق} وهو مجزوم لأنه فعل الشرط، وأثبت قنبل - بخلافه عنه - ياءه في الحالين معاملاً له معاملة الصحيح إشارة إلى وصف التقوى بالصحة الكاملة والمكنة الزائدة والملازمة لها في كل حال {ويصبر} أي يوفه الله أجره لإحسانه {فإن الله} أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال {لا يضيع} أي أدنى إضاعة - أجره، هكذا كان الأصل، ولكنه عبر بما يعرف أن التقوى والصبر من الإحسان، فقال: {أجر المحسنين *} والتقوى: دفع البلاء بسلوك طريق الهدى؛ والصبر: حبس النفس بتجرع مرارة المنع عما يشتهي، ولعله إنما ستر أمره عنهم إلى هذا الحد لأنه لو أرسل إلى أبيه يخبره قبل الملك لم يأمن كيد إخوته، ولو تعرف إليهم بعده أو أول ما رآهم لم يأمن من أن تقطع أفئدتهم عند مفاجأتهم بانكشاف الأمر وهو فيما هو فيه من العز، فإنهم فعلوا به فعل القاتل من غير ذنب قدمه إليهم، فهم لا يشكون في أنه إذا قدر عليهم يهلكهم لما تقدم لهم إليه من سوء الصنيعة، وعلى تقدير سلامتهم لا يأمنونه وإن بالغ في إكرامهم، فإن الأمور العظام - إن لم تكن بالتدريج - عظم خطرها، وتعدى ضررها، فإن أرسلهم ليأتوا بأبيهم خيف أن يختلوا أباهما من ملك مصر ويحسنوا له الإبعاد عن بلاده، فيذهبوا إلى حيث لا يعلمه، وإن أرسل معهم ثقات من عنده لم يؤمن أن يكون بينهم شر، وإن سجنهم وأرسل إلى أبيه من يأتي به لم يحسن موقع ذلك من أبيه، ويحصل له وحشة بحبس أولاده، وتعظم القاله بين الناس من أهل مصر وغيرهم في ذلك، ففعل معهم ما تقدم ليظهر لهم إحسانه وعدله ودينه وخيره، وكفه عنهم وعفوه عن فعلهم بالتدريج، ويقفوا على ذلك منه قولاً وفعلاً من أخيه الذي ربى معهم وهم به آنسون وله ألفون، فتسكن روعتهم، وتهون زلتهم، ومما يدل على ذلك أنه لما انتفى عن أخيه بنيامين ما اتصفوا به مما ذكر، تعرف إليه حين قدم عليه ونهاه أن يخبرهم بحقيقة الأمر، وشرع يمد في ذلك لتستحكم الأسباب التي أرادها، فلما ظن أن الأمر قد بلغ مداه، لوح لهم فعرفوه وقد أنسهم حسن عقله وبديع جماله وشكله ورائع قوله وفعله، فكان موضع الوجل والخجل، وموضع اليأس الرجاء، فحصل المراد على وفق السداد - والله الموفق؛ وذلك تنبيه لمن قيل لهم أول السورة {أية : لعلكم تعقلون} تفسير : [يوسف:2] على الاقتداء بأفعال الهداة المهديين في التأني والاتئاد وتفويض الأمور إلى الحكيم، وأن لا يستعجلوه في أمر، وأن يعلموا أن سنته الإلهية جرت بأن الأمور الصعاب لا تنفذ إلا بالمطاولة لترتب الأسباب شيئاً فشيئاً على وجه الإحكام، وفي ذلك فوائد من أجلها امتحان أولى الطاعة والعصيان - كما ستأتي الإشارة إليه آخر السورة بقوله؛ {أية : حتى إذا استيئس الرسل} تفسير : [ يوسف:110] الآية والله أعلم. ولما كان ما ذكر، كان كأنه قيل: لقد أتاهم ما لم يكونوا يحتسبون فما قالوا؟ فقيل: {قالوا} متعجبين غاية التعجب. ولذلك أقسموا بما يدل على ذلك: {تالله} أي الملك الأعظم {لقد آثرك الله} أي الذي له الأمر كله {علينا} أي جعل لك أثراً يغطي آثارنا بعلوه فالمعنى: فضلك علينا أي بالعلم والعقل والحكم والحسن والملك والتقوى وغير ذلك {وإن} خففوها من الثقيلة تأكيداً بالإيجاز للدلالة على الاهتمام بالإبلاغ في الاعتذار في أسرع وقت {كنا} أي كوناً هو جبلة لنا {لخاطئين *} أي عريقين في الخطأ، وهو تعمد الإثم، فكأنه قيل: ما قال لهم على قدرته وتمكنه مع ما سلف من إساءتهم؟ فقيل: {قال} قول الكرام اقتداء بإخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام {لا تثريب} أي لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك {عليكم اليوم} وإن كان هذا الوقت مظنة اللوم والتأنيب، فإذا انتفى ذلك فيه فما الظن بما بعده! ومادة " ثرب" تدور على البرث - بتقديم الموحدة، وهو أسهل الأرض وأحسنها؛ ولثبرة - بتقديم المثلثة: أرض ذات حجارة بيض، فإنه يلزمه الإخلاد، والدعة، ومنه: ثابر على الأمر: دوام، والمثبر - كمنزل: لمسقط الولد أي موضع ولادته، والمقطع والمفصل، فيأتي الكسل واللين فيأتي الفساد، ومنه الثبور للهلاك، والبثر بتقديم الموحدة: خراج معروف: والماء البثر: الذي بقى منه على الأرض شيء قليل؛ والربث - بتقديم الموحدة أيضاً: حبس الإنسان، وهو يرجع إلى الإقامة والدوام أيضاً؛ والتثريب: التقرير بالذنب، فهو إزالة ما على الإنسان من ساتر العفو، من الثرب وهو شحم يغشى الكرش والأمعاء ويسترهما، وهو من لوازم الأرض السهلة لما يلزم من خصبها، فالتثريب إزالته، وذلك للقحط الناشىء عنه الهلاك، فأغلب مدار المادة الهلاك. ولما أعفاهم من الترثيب، كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب من الله، فأتبعه الجواب عن ذلك بالدعاء لهم بقوله: {يغفر الله} أي الذي له صفات الكمال {لكم} أي ما فرط منكم وما لعله يكون بعد هذا؛ ولعله عبر في هذا الدعاء بالمضارع إرشاداً لهم إلى إخلاص التوبه، ورغبهم في ذلك ورجاهم بالصفة التي هي سبب الغفران، فقال: {وهو} أي وحده {أرحم الراحمين *} أي لجميع العباد ولا سيما التائب، فهو جدير بإدرار النعم بعد الإعاذة من النقم، وروى أنهم أرسلوا إليه أنك لتدعونا إلى طعامك وكرامتك بكرة وعشياً ونحن نستحي لما فرط منا، فقال: إن أهل مصر ينظرونني - وإن ملكت فيهم - بعين العبودية فيقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي، وأني من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن الأعمش - رضي الله عنه - قال: قرأ يحيى بن وثاب - رضي الله عنه "أنك لأنت يوسف" بهمزة واحدة. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك - رضي الله عنه - قال: في حرف عبدالله {قال: أنا يوسف وهذا أخي} بيني وبينه قربى {قد منّ الله علينا}. وأخرج أبو الشيخ في قوله {إنه من يتق} الزنا {ويصبر} على العزوبة فإن الله {لا يضيع أجر المحسنين}. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الربيع بن أنس - رضي الله عنه - قال: مكتوب في الكتاب الأول، أن الحاسد لا يضر بحسده إلا نفسه، ليس ضاراً من حسد. وإن الحاسد ينقصه حسده، وإن المحسود إذا صبر، نجاه الله بصبره؛ لأن الله يقول {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}.
القشيري
تفسير : افتضحوا بحضرة يوسف عليه السلام وقالوا: {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ} فعرفهم فعلمهم ووقفهم عند أحدهم فقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ يعني إنَّ مَنْ عَامَل يوسفَ وأخاه بمثل معاملتكم فلا ينبغي له أن يتجاسَرَ في الخطاب كتجاسركم. ويقال إن يوسف عليه السلام قال لهم: أنهيتم كلامكم، وأكثرتم خطابكم، فما كان في حديثكم إلا ذكر ضرورتكم.. أفلا يخطر ببالكم حديث أخيكم يوسف؟! وذلك في باب العتابِ أعظم من كلِّ عقوبة. ولمَّا أخجلهم حديث العتاب لم يَرْضَ يوسفُ حتى بسط عندهم فقال: {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {هل علمتم ما فعلتم بيوسف واخيه} اى هل تبتم عن ذلك بعد علمكم بقبحه فهو سؤال عن الملزوم والمراد لازمه وفعلهم باخيه بنيامين افراده عن يوسف واذاه بانواع الاذى واذلاله حتى كان لا يقدر ان يكلمهم الا بعجز وذلة {اذ انتم جاهلون} [جه آن وقت نادان بوديد بقبح آن] فلذلك اقدمتم على ذلك او جاهلون بما يؤول اليه امر يوسف وانما كان كلامه هذا شفقة عليهم وتنصحا لهم فى الدين وتحريضا على التوبة لا معاتبة وتثريبا ايثارا لحق الله على حق نفسه -روى- انه لما قرأ الكتاب بكى وكتب اليه (بسم الله الرحمن الرحيم الى يعقوب اسراءيل الله من ملك مصر اما بعد ايها الشيخ فقد بلغنى كتابك وقرأته واحطت به علما وذكرت فيه آباءك الصالحين وذكرت انهم كانوا اصحاب البلايا فانهم ان ابتلوا وصبروا ظفروا فاصبر كما صبروا والسلام فلما قرأ يعقوب الكتاب قال والله ما هذا كتاب الملوك ولكنه كتاب الانبياء ولعل صاحب الكتاب هو يوسف). قال الكاشفى [آنكه نقاب افكند وتاج ازسر برداشت ايشانرا نظر بران شكل وشمائل افتاد]
الطوسي
تفسير : هذا حكاية ما أجاب به يوسف إخوته حين سألوه التصدق عليهم وايفاء كيلهم، فرقّ لهم، وقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وإخيه؟! على وجه التوبيخ لهم والتذكير لهم بما فعلوه من إلقائه في الجب بعد ان كانوا عزموا على قتله ثم بيعهم إياه عبداً للتاجر الذي حمله الى مصر، وفعلوا بأخيه ما عرضوه به للغم بأن أفردوه عن أخيه لأبيه وامه مع جفائهم له حتى كان لاذلالهم إياه لا يمكنه ان يكلم احداً منهم الاّ كلام الذليل للعزيز، فعاملوه هذه المعاملة، وسلكوا في امره هذه الطريقة. ومعنى قوله {إذ أنتم جاهلون} انكم فعلتم ذلك في حال كنتم فيها جاهلين جهالة الصبي لا جهالة المعاصي، وذلك يقتضي انهم الآن على خلافه، ولولا ذلك لقال وأنتم جاهلون. وانما وبخو بحال قد أقلعوا عنها وتابوا منها على وجه التذكير وليتنبهوا على حال من يخاطبهم ويعرفوه بها، لا ان تلك الحال ذكرت بطريق التقبيح لها. وقال السدي وابن اسحاق إن يوسف لما قالوا له ما قالوا أدركته الرقة، فدمعت عينه وباح لهم بما كان يكتمه من شأنه وشأنهم.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} ولمّا رأى خجلتهم من معرفته وما صنعوا به اعتذر عنهم فقال {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} ولعلّه كان المراد بما فعلوا بأخيه اذلالهم له لأنّه ما كان يقدر على التّكلّم معهم الاّ بالعجز والانكسار. روى عن الصّادق (ع) كلّ ذنبٍ عمله العبد وان كان عالماً فهو جاهل حين خاطر بنفسه معصية ربّه فقد حكى الله تعالى قول يوسف (ع) لاخوته هل علمتم ما فعلتم بيوسف واخيه اذا انتم جاهلون فنسبهم الى الجهل لمخاطرتهم بانفسهم فى معصية الله.
اطفيش
تفسير : {قالَ} يوسف {هَل علمتُم ما فعَلْتم بيُوسفَ} من إلقاء فى جب وبيع وضرب {وأخيهِ} بنيامين من إفراده عن يوسف وإذلاله حتى لا يستطيع أن يكلمهم، وإيذائهم إياه كيوسف، وقولهم: ما رأينا منكم يا بنى راحيل خيرا إلا بذل ذكرهم ذلك ليجرهم إلى التوبة التى هى لله حق، تقديما لحقه على حق نفسه، فمراده هل علمتم قبح فعلكم بهما عند الله جل وعلا فتتوبوا عنه، أو فتبتم عنه. {إذْ أنتم جاهِلُون} متعلق بفعلتم، أى ما فعلتم بهما وقت جهلكم قبحه، وسماهم جاهلين ولو كانوا عالمين، لأنهم لم يعلموا بما علموا، وقيل: إذا أنتم صغار فى حد السفه والطيش لم تبلغوا، أو إن الرزانة وهذا منه قيل: يجرى مجرى العذر، وقيل: جاهلون بما يئول إليه أمر يوسف. وروى أنه ما قال لهم: {هل علمتم} الخ حتى أزال القناع عن وجهه، وقيل: أزاله بعد، وقال الكلبى: سبب قول هذا المفضى إلى تعريف نفسه لهم كتاب أبيه، الذى كتبه إليه بعد حبس بنيامين ووجهه معهم. وقيل: سبب قوله ذلك أنه ذكر لهم ما فعلوا مع مالك بن ذعر، وقال لهم: إن مالك بن ذعر قال: وجدت غلاما فى بئر من حاله كذا فاشتريته، فاعترفوا أنهم هو [الذى] بايعوه، وقيل: إنه قرأ عليهم ما كتبوه لمالك بن ذعر، وكان فى آخره: إن الكاتب يهودا فاعترفوا بذلك فغضب وأمر بقتلهم، فذهبوا بهم ليقتلوهم فولى يهودا وهو يقول: كان يعقوب يبكى ويحزن لفقد واحد حتى كف بصره، فكيف إذا أتاه قتل بنيه كلهم، ثم قالوا له: إن فعلت ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا فإنه بمكان كذا وروى أنه رمى إليهم كتاب مالك بن ذعر فأفحموا، وأخذ الصواع فنقره فقال: إنه يخبرنى أنكم رميتم أخاكم فى الجب، وأهرقتم الماء من صطيحته، وضربتموه ثم نقره فقال: يقول: أردتم قتله فمنعه يهودا، فقال: نعم فقال: أيكم يهودا؟ فأشاروا إليه، فقال: جزاك الله خيرا عن أخيك يا يهودا، وجعل ينقره ويخبر حتى أتى على جميع فعلهم، وفى جميع ذلك يصدقونه، فقال: بئس ما فعلتم بأخيكم، ثم قال لغلمانه: خذوا بأيديهم واضربوا رقابهم، فقالوا أيها العزيز لا تفعل، فإن أبانا قد حزن على فقد واحد حتى عمى، وتركناه على الآخر طائر القلب، فكيف إذا سمع بقتلنا كلنا، وتملقوا وبكوا، وبكى معهم، ثم رفع البرقع عن وجهه فغشيهم نور وجهه فشبهوه بيوسف.
الالوسي
تفسير : . {قَالَ} مجيباً عما عرضوا به وضمنوه كلامهم من ذلك: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ } وكان الظاهر على هذا الاقتصار على التعرض بما فعل مع الأخ إلا أنه عليه السلام تعرض لما فعل به أيضاً لاشتراكهما في وقوع الفعل عليهما، فإن المراد بذلك إفرادهم له عنه وإذلاله بذلك حتى كان لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذلة، والاستفهام ليس عن العلم بنفس ما فعلوه لأن الفعل الإرادي مسبوق بالشعور لا محالة بل هو عما فيه من القبح بدليل قوله: {إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ } أي هل علمتم قبح ما فعلتموه زمان جهلكم قبحه وزال ذلك الجهل أم لا؟ وفيه من إبداء عذرهم وتلقينهم إياه ما فيه كما في قوله تعالى: {أية : مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [الإنفطار: 6] والظاهر لهذا أن ذلك لم يكن تشفياً بل حث على الإقلاع ونصح لهم لما رأى من عجزهم وتمسكنهم ما رأى مع خفي معاتبة على وجود الجهل وأنه حقيق الانتفاء في مثلهم، فلله تعالى هذا الخلق الكريم كيف ترك حظه من التشفي إلى حق الله تعالى على وجه يتضمن حق الأخوتين أيضاً والتلطف في اسماعه مع التنبيه على أن هذا الضر أولى بالكشف، قيل: ويجوز أن يكون هذا الكلام منه عليه السلام منقطعاً عن كلامهم وتنبيهاً لهم عما هو حقهم ووظيفتهم من الإعراض عن جميع المطالب والتمحض لطلب بنيامين، بل يجوز أن يقف عليه السلام بطريق الوحي أو الإلهام على وصية أبيه عليه السلام وإرساله إياهم للتحسس منه ومن أخيه فلما رآهم قد اشتغلوا عن ذلك قال ما قال، والظاهر أنه عليه السلام لما رأى ما رأى منهم وهو من أرق خلق الله تعالى قلباً وكان قد بلغ الكتاب أجله شرع في كشف أمره فقال ما قال. روى عن ابن إسحٰق أنهم لما استعطفوه رق لهم ورحمهم حتى أنه ارفض دمعه باكياً ولم يملك نفسه فشرع في التعرف لهم، وأراد بما فعلوه به جميع ما جرى وبما فعلوه بأخيه أذاهم له وجفاءهم إياه وسوء معاملتهم له وإفرادهم له كما سمعت، ولم يذكر لهم ما آذوا به أباهم على ما قيل تعظيماً لقدره وتفخيماً لشأنه أن يذكره مع نفسه وأخيه مع أن ذلك من فروع ما ذكر، وقيل: إنهم أدوا إليه كتاباً من أبيهم وصورته كما في «الكشاف» من يعقوب إسرائيل الله بن إسحٰق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء، أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمى به في النار ليحرق فنجاه الله تعالى وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما/ أبـي فوضع على قفاه السكين ليقتل ففداه الله تعالى، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب الأولاد إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا: قد أكله الذئب فذهبت عيناي من بكائي عليه ثم كان لي ابن كان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا: إنه سرق وإنك حبسته لذلك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام. وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي روق نحوه، فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك. وروى أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا. هذا، وما أشرنا إليه من كون المراد إثبات الجهل لهم حقيقة هو الظاهر، وقيل: لم يرد نفي العلم عنهم لأنهم كانوا علماء ولكنهم لما لم يفعلوا ما يقتضيه العلم وترك مقتضى العلم من صنيع الجهال سماهم جاهلين، وقيل: المراد جاهلون بما يؤل إليه الأمر، وعن ابن عباس والحسن {جَـٰهِلُونَ } صبيان قبل أن تبلغوا أوان الحلم والرزانة، وتعقب بأنه ليس بالوجه لأنه لا يطابق الوجود وينافي {أية : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } تفسير : [يوسف:8] فالظاهر عدم صحة الإسناد، وزعم في "التحرير" أن قول الجمهور: إن الاستفهام للتقرير والتوبيخ ومراده عليه السلام تعظيم الواقعة أي ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف وأخيه كما يقال: هل تدري من عصيت، وقيل: هل بمعنى قد كما في {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ } تفسير : [الإنسان: 1] والمقصود هو التوبيخ أيضاً وكلا القولين لا يعول عليه والصحيح ما تقدم. ومن الغريب الذي لا يصح البتة ما حكاه الثعلبـي أنه عليه السلام حين قالوا له ما قالوا غضب عليهم فأمر بقتلهم فبكوا وجزعوا فرق لهم وقال: {هَلْ عَلِمْتُمْ} الخ.
ابن عاشور
تفسير : الاستفهام مستعمل في التوبيخ. و{هل} مفيدة للتحْقيق لأنها بمعنى {قد} في الاستفهام. فهو توبيخ على ما يعلمونه محققاً من أفعالهم مع يوسف عليه السلام وأخيه، أي أفعالهم الذميمة بقرينة التوبيخ، وهي بالنسبة ليوسف عليه السلام واضحة، وأما بالنسبة إلى بنيامين فهي ما كانوا يعاملونه به مع أخيه يوسف عليه السلام من الإهانة التي تنافيها الأخوة، ولذلك جعل ذلك الزمن زمن جهالتهم بقوله: {إذ أنتم جاهلون}. وفيه تعريض بأنهم قد صلح حالهم من بعد. وذلك إما بوحي من الله إن كان صار نبيئاً أو بالفراسة لأنه لما رآهم حريصين على رغبات أبيهم في طلب فداء (بنيامين) حين أُخذ في حكم تهمة السرقة وفي طلب سراحه في هذا الموقف مع الإلحاح في ذلك وكان يعرف منهم معاكسة أبيهم في شأن بنيامين علم أنهم ثابوا إلى صلاح. وإنما كاشفهم بحاله الآن لأن الاطلاع على حاله يقتضي استجلاب أبيه وأهله إلى السكنى بأرض ولايته، وذلك كان متوقفاً على أشياء لعلها لم تتهيأ إلا حينئذٍ. وقد أشرنا إلى ذلك عند قوله تعالى: { أية : قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } تفسير : [يوسف: 79] فقد صار يوسف عليه السلام جِدّ مكين عند فرعون. وفي الإصحاح (45) من سفر التكوين أن يوسف عليه السلام قال لإخوته حينئذٍ وهو أي الله قد جعلني أباً لفرعون وسيداً لكل بيته ومتسلطاً على كل أرض مصر. فالظاهر أن الملك الذي أطلق يوسف عليه السلام من السجن وجعله عزيز مصر قد توفّي وخلفه ابن له فحجبه يوسفُ عليه السلام وصار للملك الشاب بمنزلة الأب، وصار متصرّفاً بما يريد، فرأى الحال مساعداً لجلب عشيرته إلى أرض مصر. ولا تعرف أسماء ملوك مصر في هذا الزمن الذي كان فيه يوسف عليه السلام لأن المملكة أيامئذٍ كانت منقسمة إلى مملكتين: إحداهما ملوكها من القبط وهم الملوك الذين يُقسمهم المؤرخون الإفرنج إلى العائلات الخامسة عشرة، والسادسة عشرة، والسابعة عشرة، وبعض الثامنة عشرة. والمملكة الثانية ملوكها من الهكسوس، ويقال لهم: العمالقة أو الرعاة وهم عَرب. ودام هذا الانقسام خمسمائة سنة وإحدى عشرة سنة من سنة (2214) قبل المسيح إلى سنة (1703) قبل المسيح. وقولهم: {أإنك لأنت يوسف} يدل على أنهم استشعروا من كلامه ثم من ملامحه ثم من تفهم قَول أبيهم لهم: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} إذ قد اتضح لهم المعنى التعريضي من كلامه فعرفوا أنه يتكلم مريداً نفسه. وتأكيد الجملة بــــ {إنّ} ولام الابتداء وضمير الفصل لشدة تحققهم أنه يوسف ــــ عليه السلام ــــ. وأدخل الاستفهام التقريري على الجملة المؤكّدة لأنهم تطلبوا تأييده لعلِمهم به. وقرأ ابن كثير {إنك} بغير استفهام على الخبرية، والمراد لازم فائدة الخبر، أي عرفناك، ألا ترى أن جوابه بــــ {أنَا يوسف} مجرد عن التأكيد لأنهم كانوا متحققين ذلك فلم يبق إلا تأييده لذلك. وقوله: {وهذا أخي} خبر مستعمل في التعجيب من جمع الله بينهما بعد طول الفرقة، فجملة {قد من الله علينا} بيان للمقصود من جملة {وهذا أخي}. وجملة {إنه من يتق ويصبر} تعليل لجملة {منَّ الله علينا}. فيوسف عليه السلام اتّقى الله وصبر وبنيامين صَبر ولم يعْص الله فكان تقياً. أراد يوسف عليه السلام تعليمهم وسائل التعرض إلى نعم الله تعالى، وحثهم على التقوى والتخلق بالصبر تعريضاً بأنهم لم يتقوا الله فيه وفي أخيه ولم يصبروا على إيثار أبيهم إياهما عليهم. وهذا من أفانين الخطابة أن يغتنم الواعظ الفرصة لإلقاء الموعظة، وهي فرصة تأثر السامع وانفعاله وظهور شواهد صدق الواعظ في موعظته. وذكر المحسنين وضعٌ للظاهر موضع المضمر إذ مقتضى الظاهر أن يقال: فإن الله لا يضيع أجرهُم. فعدل عنه إلى المحسنين للدلالة على أن ذلك من الإحسان، وللتعميم في الحكم ليكون كالتذييل، ويدخل في عمومه هو وأخوه. ثم إن هذا في مقام التحدث بالنعمة وإظهار الموعظة سائغ للأنبياء لأنه من التبليغ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إنّي لأتقاكم لله وأعلمكم به » تفسير : . والإيثار: التفضيل بالعطاء. وصيغة اليمين مستعملة في لازم الفائدة، وهي علمهم ويقينهم بأن ما ناله هو تفضيل من الله وأنهم عرفوا مرتبتَه، وليس المقصود إفادة تحصيل ذلك لأن يوسف عليه السلام يعلمه. والمراد: الإيثار في الدنيا بما أعطاه الله من النعم. واعترفوا بذنبهم إذ قالوا: {وإنّ كنا لخاطئين}. والخاطىء: فاعل الخطيئة، أي الجريمة، فنفعت فيهم الموعظة. ولذلك أعلمهم بأن الذنب قد غفر فرفع عنهم الذم فقال: {لا تثريب عليكم}. والتثريب: التوبيخ والتقريع. والظاهر أن منتهى الجملة هو قوله: {عليكم}، لأن مثل هذا القول مِمّا يجري مجرى المثل فيُبنى على الاختصار فيكتفي بــــ {لا تثريب} مثل قولهم: لا بأس، وقوله تعالى: { أية : لا وزر } تفسير : [القيامة: 11]. وزيادة {عليكم} للتأكيد مثل زيادة {لَك} بعد (سقياً ورعياً)، فلا يكون قوله: {اليوم} من تمام الجملة ولكنه متعلق بفعل {يغفر الله لكم}. وأعقب ذلك بأن أعلمهُم بأن الله يغفر لهم في تلك الساعة لأنها ساعة توبة، فالذنب مغفور لإخبار الله في شرائعه السالفة دون احتياج إلى وحي سوى أن الوحي لمعرفة إخلاص توبتهم. وأطلق {اليوم} على الزمن، وقد مضى عند قوله تعالى: { أية : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } تفسير : في أول سورة العقود (3). وقوله: {اذهبوا بقميصي هذا} يدل على أنه أعطاهم قميصاً، فلعلّه جعل قميصه علامة لأبيه على حياته، ولعلّ ذلك كان مصطلحاً عليه بينهما. وكان للعائلات في النظام القديم علامات يصطلحون عليها ويحتفظون بها لتكون وسائل للتعارف بينهم عند الفتن والاغتراب، إذ كانت تعتريهم حوادث الفقد والفراق بالغزو والغارات وقطع الطريق، وتلك العلامات من لباس ومِن كلمات يتعارفون بها وهي الشعار، ومن علامات في البَدن وشَامات. وفائدة إرساله إلى أبيه القميصَ أن يثق أبوه بحياته ووجوده في مصر، فلا يظن الدعوة إلى قدومه مكيدة من ملك مصر، ولقصد تعجيل المسرة له. والأظهر أنه جعل إرسال قميصه علامة على صدق إخوته فيما يبلغونه إلى أبيهم من أمر يوسف عليه السلام بجلبه فإنّ قمصان الملوك والكبراء تنسج إليهم خصيصاً ولا توجد أمثالها عند الناس وكان الملوك يخلعونها على خاصتهم، فجعل يوسف عليه السلام إرسال قميصه علامة لأبيه على صدق إخوته أنهم جاءوا من عند يوسف عليه السلام بخبر صدق. ومن البعيد مَا قيل: إن القميص كان قميص إبراهيم عليه السلام مع أن قميص يوسف قد جاء به إخوته إلى أبيهم حين جاءوا عليه بدم كذب. وأما إلقاء القميص على وجه أبيه فلقصد المفاجأة بالبُشرى لأنه كان لا يبصر من بعيد فلا يتبين رفعة القميص إلا من قرب. وأما كونه يصير بصيراً فحصل ليوسف عليه السلام بالوحي فبشرهم به من ذلك الحين. ولعل يوسف عليه السلام نُبيءَ ساعتئذٍ. وأدمج الأمر بالإتيان بأبيه في ضمن تبشيره بوجوده إدماجاً بليغاً إذ قال: {يأت بصيراً} ثم قال: {وأتوني بأهلكم أجمعين} لقصد صلة أرحام عشيرته. قال المفسرون: وكانت عشيرة يعقوب ــــ عليه السلام ــــ ستا وسبعين نفساً بين رجال ونساء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إذ أنتم جاهلون: أي لا تعلمون ما يؤول إليه أمر يوسف. قد منّ الله علينا: أي أنعم علينا بأن جمع بيننا بعد افتراق طويل أنتم سببه. من يتق ويصبر: أي يتق الله فيخافه فلا يعصيه ويصبر على ما يناله من وصب ونصب. لقد آثرك الله علينا: أي فضلك علينا بما منّ عليك من الإِنعام والكمال. لا تثريب عليكم: أي لا عتب عليكم ولا لوم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث مع يوسف وإخوته، إنه لما وصلوا إليه من أرض كنعان بأمر والدهم وشكوا إليه ما هم فيه من ضيق الحال إذ قالوا له: قد مسنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة، لما سمع منهم ذلك رق قلبه وارفَضَّت عيناه بالدموع وأراد أن ينهي التكتم الذي كان عليه وهو إخفاء حاله عليهم فقال لهم: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} ذكرهم بما صنعوا به من إلقائه في الجب وبيعه عبداً وبذلك فرقوا بينه وبين والده وأخيه شقيقه وقوله: {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} أي بما يصير إليه أمر يوسف وهنا قالوا في اندهاش وتعجب: {أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} فأجابهم قائلاً بما أخبر تعالى به عنه {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ} أي أنعم علينا فجمع بيننا على أحسن حال ثم قال: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ} أي يتق الله يخافه فيقيم فرائضه ويتجنب نواهيه ويصبر على ذلك وعلى ما يبتليه به {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي في طاعة ربهم والإِسلام له ظاهراً وباطناً. وهنا قالوا له ما أخبر به تعالى عنهم: {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} أي بالعلم والعمل والفضل {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} فيما فعلنا بك، فكان هذا توبة منهم فقال لهم: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} أي لا عتب ولا لوم ولا ذكر لما صنعتم لأنه يؤذي {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} سأل الله تعالى له ولهم المغفرة وأثنى على الله تعالى بأنه أرحم الراحمين متعرضاً لرحمته تعالى له ولإِخوته. ثم سألهم عن والده فأخبروه أنه قد عمي من الحزن عليه فقال: {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً} أي يرجع بصيراً كما كان {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} يريد أبويه والنساء والأطفال والأحفاد. وهو تحول كامل للأسرة الشريفة من أرض كنعان إلى أرض مصر تدبيراً من الله العزيز الحكيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ أن المعاصي لن تكون إلا نتيجة للجهل بالله تعالى وجلاله وشرائعه ووعده ووعيده. 2- فضل التقوى والصبر وما لهما من حسن العاقبة. 3- فضل الصفح والعفو وترك عتاب القريب إذا أساء.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَاهِلُونَ} (89) - وَلَمَّا أَدْرَكَ يُوسُفُ أَنَّ الجَهْد وَالمَجَاعَةَ وَالجَدْبَ أَرْهَقَ كُلُّ ذلك أَهْلَهُ، تَذَكَّرَ أَبَاهُ وَمَا يُقَاسِيهِ مِنْ هذِهِ الحَالِ، وَمِنْ فَقْدِ وَلَدَيْهِ، فَرَقَّ قَلْبُهُ، وَعَرَّفَ إِخْوَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: هَلْ عَلِمْتُمْ مِا صَنَعْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ مِنَ الكَيْد وَالإِيذَاءِ، حِينَمَا كُنْتُمْ جَاهِلِينَ قُبْحَ مَا فَعَلْتُمُوهُ فِي حُكْمِ شَرْعِكُمْ، وَحُقُوقِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ، وَمَا يَجِبُ مِنْ تَرَاحُمِ القَرَابَةِ وَالرَّحْمِ، وَلاَ تُقَدِّرُونَ عَوَاقِبَ هذا الطَّيْشِ، وَاتِّبَاعِ الهَوَى، وَإِطَاعَةِ الحَسَدِ؟.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومجيء هذا القول في صيغة السؤال؛ يدفعهم إلى التأمل والتدقيق؛ لمعرفة شخصية المُتحدِّث. ثم يأتي التلطُّف الجميل منه حين يضيف: {مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} [يوسف: 89]. وفي هذا القول ما يلتمس لهم به العُذْر بالجهل، ولم يتحدث إليهم بعِزَّة الكبرياء، وغرور المكانة التي وصل إليها، وهدفه أن يخفف عَنهم صَدْمة المفاجأة، فذكر لهم أنهم فعلوا ذلك أيام جهلهم. وهذا مثلما يكون أحدهم قد أخطأ في حقِّك قديماً بسلوك غير مقبول، ولكن الأيام أزالتْ مرارتك من سلوكه، فتُذكِّره بما فعله قديماً وأنت تقول له: إن فعلك هذا قد صدر منك أيام طَيْشك، لكنك الآن قد وصلت إلى درجة التعقُّل وفَهْم الأمور. وقول يوسف عليه السلام لهم هذا الأمر بهذه الصيغة من التلطُّف، إنما يعبر أيضاً عن تأثُّره بشكواهم، ثم تبسُّمه لهم، وظهور ثناياه دفعهم إلى تذكُّره، ودار بينهم وبينه الحوار الذي جاء في الآية التالية: {قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { قال هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ } أما يوسف فظاهر فعلهم فيه، وأما أخوه، فلعله والله أعلم قولهم: { إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ } أو أن الحادث الذي فرَّق بينه وبين أبيه، هم السبب فيه، والأصل الموجب له. { إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ } وهذا نوع اعتذار لهم بجهلهم، أو توبيخ لهم إذ فعلوا فعل الجاهلين، مع أنه لا ينبغي ولا يليق منهم. فعرفوا أن الذي خاطبهم هو يوسف، فقالوا: { أَئِنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا } بالإيمان والتقوى والتمكين في الدنيا، وذلك بسبب الصبر والتقوى، { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ } أي: يتقي فعل ما حرم الله، ويصبر على الآلام والمصائب، وعلى الأوامر بامتثالها { فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } فإن هذا من الإحسان، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. { قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا } أي: فضلك علينا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وأسأنا إليك غاية الإساءة، وحرصنا على إيصال الأذى إليك، والتبعيد لك عن أبيك، فآثرك الله تعالى ومكنك مما تريد { وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ } وهذا غاية الاعتراف منهم بالجرم الحاصل منهم على يوسف. فـ { قَالَ } لهم يوسف عليه السلام، كرما وجودا: { لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } أي: لا أثرب عليكم ولا ألومكم { يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } فسمح لهم سماحا تاما، من غير تعيير لهم على ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان، الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):