١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
92
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ} لا تأنيب عليكم تفعيل من الثرب وهو الشحم الذي يغشى الكرش للإِزالة كالتجليد، فاستعير للتقريع الذي يمزق العرض ويذهب ماء الوجه. {ٱلْيَوْمَ } متعلق بالـ {تَثْرَيبَ } أو بالمقدر للجار الواقع خبراً للـ {لاَ تثريبَ} والمعنى لا أثربكم اليوم الذي هو مظنته فما ظنكم بسائر الأيام أو بقوله: {يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } لأنه صفح عن جريمتهم حينئذ واعترفوا بها. {وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} فإنه يغفر الصغائر والكبائر ويتفضل على التائب، ومن كرم يوسف عليه الصلاة والسلام أنهم لما عرفوه أرسلوا إليه وقالوا: إنك تدعونا بالبكرة والعشي إلى الطعام ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال إن أهل مصر كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت بكم وعظمت في عيونهم حيث علموا أنكم اخوتي وأني من حفدة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ } عتب {عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ } خصه بالذكر لأنّه مظنة التثريب فغيره أولى {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلراحِمِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا تَثْرِيبَ} لا تعيير، أو لا تأنيب. أو [لا] إباء عليكم في قبولكم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {لا تثريب} قال لا تعيير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {لا تثريب} قال لا إباء. وأخرج أبو الشيخ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: "حديث : لما استفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، التفت إلى الناس فقال: "ماذا تقولون، وماذا تظنون؟... قالوا: ابن عم كريم. فقال {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم}" ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:"يا أهل مكة، ماذا تظنون، ماذا تقولون؟ قالوا: نظن خيراً ونقول خيراً: ابن عم كريم قد قدرت، قال: فإني أقول كما قال أخي يوسف {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين}". تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، طاف بالبيت وصلى ركعتين، ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب، فقال: "ماذا تقولون، وماذا تظنون؟ قالوا: نقول ابن أخ وابن عم حليم رحيم، فقال: أقول كما قال يوسف {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإِسلام" ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عطاء الخراساني - رضي الله عنه - قال: طلب الحوائج إلى الشباب، أسهل منها إلى الشيوخ. ألم تر إلى قول يوسف {لا تثريب عليكم اليوم} وقال يعقوب عليه السلام {سوف أستغفر لكم ربي}. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني - رضي الله عنه - قال: أما والله، ما سمعنا بعفو قط مثل عفو يوسف. وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - قال: لما كان من أمر إخوة يوسف ما كان، كتب يعقوب إلى يوسف - وهو لا يعلم أنه يوسف - بسم الله الرحمن الرحيم. من يعقوب بن إسحق بن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون، سلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنا أهل بيت، مولع بنا أسباب البلاء. كان جدي إبراهيم، خليل الله عليه السلام ألقي في النار في طاعة ربه، فجعلها عليه الله برداً وسلاماً. وأمر الله جدي أن يذبح له أبي، ففداه الله بما فداه الله به. وكان لي ابن وكان من أحب الناس إلي ففقدته. فأذهب حزني عليه نور بصري، وكان له أخ من أمه، كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري. فأذهب عني وهو المحبوس عندك في السرقة، وأني أخبرك أني لم أسرق ولم ألد سارقاً. فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب، بكى وصاح وقال {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً}. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله {اذهبوا بقميصي هذا} "حديث : إن نمرود لما ألقى إبراهيم في النار، نزل إليه جبريل بقميص من الجنة، وطنفسة من الجنة، فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة، وقعد معه يتحدث، فأوحى الله إلى النار {كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} [الأنبياء: 69] ولولا أنه قال: وسلاماً، لأذاه البرد ولقتله البرد ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: حديث : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا خير البشر، فقال: ذاك يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن اسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله. إن الله كسا إبراهيم ثوباً من الجنة، فكساه إبراهيم إسحاق، فكساه اسحاق يعقوب، فأخذه يعقوب فجعله في قصبة حديد، وعلقه في عنق يوسف، ولو علم إخوته إذ ألقوه في الجب لأخذوه، فلما أراد الله أن يرد يوسف على يعقوب وكان بين رؤياه وتعبيرها أربعين سنة، أمر البشير أن يبشره من ثمان مراحل، فوجد يعقوب ريحه فقال {إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون} فلما ألقاه على وجهه ارتد بصيراً، وليس يقع شيء من الجنة على عاهة من عاهات الدنيا إلا أبرأها بإذن الله تعالى . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن المطلب بن عبدالله بن حنطب - رضي الله عنه - قال: لما ألقي إبراهيم في النار، كساه الله تعالى قميصاً من الجنة، فكساه إبراهيم اسحاق، وكساه اسحاق يعقوب، وكساه يعقوب يوسف، فطواه وجعله في قصبة فضة، فجعله في عنقه وكان في عنقه حين ألقي في الجب، وحين سجن، وحين دخل عليه إخوته. وأخرج القميص من القصبة فقال {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً} فشم يعقوب عليه السلام ريح الجنة وهو بأرض كنعان، بأرض فلسطين، فقال {إني لأجد ريح يوسف}. أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كان أهله حين أرسل إليهم، فأتوا مصر ثلاثة وتسعين إنساناً، رجالهم أنبياء، ونساؤهم صِدِّيقات، والله ما خرجوا مع موسى عليه السلام، حتى بلغوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس - رضي الله عنه - قال: خرج يعقوب عليه السلام إلى يوسف عليه السلام بمصر، في اثنين وسبعين من ولده وولد ولده، فخرجوا منها مع موسى عليه السلام وهم ستمائة ألف.
اسماعيل حقي
تفسير : ولذلك {قال لا تثريب عليكم اليوم} [هيج سرزنش نيست برشما امروز ومن هركز ديكر كناه شمارا باروى شمانيارم] وهو تفعيل من الثرب وهو الشحم الذى يغشى الكرش ومعناه ازالة الثرب فكان التعبير والاستقصاء فى اللوم يذيب جسم الكريم وثربه لشدته عليه كما فى الكواشى. وقال ابن الشيخ سمى التقريع تثريبا تشبيها له بالتثريب فى اشتمال كل منهما على معنى التمزيق فان التقريع يمزق العرض ويذهب ماء الوجه. واليوم منصوب بالتثريب اى لا تثريب عليكم اليوم الذى هو مظنة التثريب فما ظنكم بسائر الايام باليوم الزمان مطلقا ثم ابتدأ فقال {يغفر الله لكم} فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم او منصوب بيغفر وذلك ان يوسف صفح عن جريمتهم يومئذ فسقط حق العبد وتابوا الى الله فلم يبق حق الله لان الله تعالى يقبل التوبة عن عباده فلذلك قال {يغفر الله لكم}. وفى التأويلات النجمية اخبر بصنيعهم فى البداية ولكنه كان سبب رفعة منزلته ونيل مملكته فى النهاية فلذلك قال {يغفر الله لكم} انتهى. ومن كرم يوسف ان اخوته ارسلوا اليه انك تدعونا الى طعامك بكرة وعشيا ونحن نستحيى منك بما فرط منا فيك فقال ان اهل مصر وان ملكت فيهم كانوا ينظرون الىّ بالعين الاولى ويقولون سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ ولقد شرفت بكم الآن وعظمت فى العيون حيث علم الناس انكم اخوتى وانى من حفدة ابراهيم عليه السلام حديث : - وروى - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اخذ بعضادتى باب الكعبة يوم الفتح فقال لقريش "ما تروننى فاعلا بكم" قالوا نظن خيرا اخ كريم وابن اخ كريم وقد قدرت فقال "اقول ما قال اخى يوسف لا تثريب عليكم اليوم" حديث : - وروى - ان ابا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس اذا أتيت الرسول فاتل عليه {لا تثريب عليكم اليوم} ففعل فقال عليه السلام "غفر الله لك ولمن علمك" تفسير : {وهو ارحم الراحمين} لان رحمة الراحمين ايضا برحمته او لان رحمتهم جزء من مائة جزء من رحمته تعالى والمخلوق اذا رحم فكيف الخالق شعر : بآهى بسوزد جهانى كناه بأشكى بشويد درون سياه بدر ماندهه تحت شاهى دهد بدر ماند كان هر جه خواهى دهد تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : نه يوسف كه جندان بلاديد وبند جو حكمش روان كشت وقدرش بلند كنه عفو كرد آل يعقوب را كه معنى بود صورت خوب را بكر دار بدشان مقيد نكرد بضاعات مرجات شان رد نكرد ز لطف همين جشم داريم نيز درين بى بضاعت ببخش اى عزيز بضاعت نياوردم الا اميد خدايا ز عقوم مكن نا اميد تفسير : قال فى بحر العلوم الذنب للمؤمن سبب للوصلة والقرب من الله فانه سبب لتوبته واقباله على الله. قال ابو سليمان الدارانى ما عمل داود عليه السلام عملا انفع له من الخطيئة ما زال يهرب منها الى الله حتى اتصل. وقال فى التأويلات النجمية فى قوله {وهو ارحم الراحمين} اشارة الى انه ارحم من ان يجرى على عبد من عباده المقبولين امرا يكون فيه ضرر لعبد آخر فى الحال وانفع فى المآل ثم لا يوفقه لاسترضاء الخصم ليعفو عنه ما جرى منه ويستغفر له حتى يرحمه الله وايضا انه تعالى ارحم للعبد المؤمن من والديه وجميع الرحماء انتهى. - حكى ـ انه حديث : اعتقل لسان فتى عن الشهادة حيث اشرف على الموت فاخبروا النبى صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وعرض الشهادة فاضطرب ولم يعمل لسانه فقال عليه السلام "أما كان يصلى أما كان يزكى أما كان يصوم" قالوا بلى قال "فهل عق والديه" قالوا نعم قال "هاتوا بامه" فجاءت وهى عجوز عوراء فقال عليه السلام "هلا عفوت أللنار حملته تسعة اشهر أللنار ارضعته سنين فأين رحمة الام" فعند ذلك انطلق لسانه بالكلمة تفسير : والنكتة انها كانت رحيمة لا رحمانة فللقليل من رحمتها ما جوزت احراقه بالنار فالرحمن الرحيم الذى لا يتضرر بجناية العباد كيف يستجيز احراق المؤمنين المواظب على كلمة الشهادة سبعين سنة
الطوسي
تفسير : هذا اخبار من الله تعالى عما قال يوسف لأخوته حين اعترفوا بأن الله فضله عليهم، وانهم خطئوا فيما فعلوه، بأن قال {لا تثريب عليكم اليوم} ومعناه لا بأس عليكم بما سلف له منكم، والتثريب تعليق الضرر بصاحبه من اجل جرم كان منه. وقال سفيان: معنى لا تثريب لا تعيير. وقيل: معناه لا تخليط بعائده مكروه. وقيل: معناه لا تثريب مكروه بتوبيخ، ولا غيره. وقوله {يغفر الله لكم} معناه يستر الله عليكم خطيئاتكم ولا يعاقبكم عليها، وهو ارحم الراحمين، فالرحمة النعمة على المحتاج، ومن الرحمة ماهو واجب وفيها ما ليس بواجب، فالواجبة ما لا يجوز الاحلال بها، وان كان سببها تفضلاً، كالثواب الذي سببه التكليف، وهو تفضل. وقيل: في معنى قوله {يغفر الله لكم} قولان: احدهما - انه دعا لهم بالمغفرة، ويكون الوقف عند قوله {لا تثريب عليكم اليوم} ثم ابتدأ، فقال {يغفر الله} وقد وقف بعضهم عند قوله {عليكم} والأول أجود. الثاني - لما كان ظلمهم له معلقاً باحلاله أباهم منه حسن هذا القول، لان الله هو الآخذ له بحقه إلا ان يصفح.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} فلا تخافوا من عتابى {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ} فلا تخافوا من عقوبته {وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} عطف فيه معنى التّعليل او حال كذلك او عطف او حال لازدياد رجائهم يعنى يغفر لكم ويتفضّل عليكم فوق المغفرة لانّه ارحم الرّاحمين.
الهواري
تفسير : { قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [أي: لا تخليط ولا شغب ولا إفساد ولا معاقبة] قد غفرت لكم ذَلك. {يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}. وهكذا يكون العفو الكريم، والصفح الجميل. وفيما يؤثر عن النبي عليه السلام إذا أظهره الله على مكة، وأظفره بها أنه قام على باب الكعبة، فأخذ بعضادتي الباب، وقد اجتمعت قريش أجمعها، فحمد الله وأثنى عليه؛ وصلى على نفسه وعلى الأنبياء، ثم قال: حديث : يا معشر قريش، ما تقولون وما تظنون؟ قالوا: نقول خيراً ونظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت، فما تقول؟ قال: أقول كما قال أخي يوسف صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}، وأنتم اذهبوا فأنتم عتقاء الله وطلقاؤه . تفسير : فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم، ولم يثرّب عليهم شيئاً مما فعلوه به، كما فعل يوسف بإخوته إذ قال: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} أي: أرحم من رحم. دعا لهم. قوله: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً} [أي: يرجع بصيراً] وإنما بعث بقميصه إلى أبيه بأمر الله، ولولا أن ذلك عَلِمَه من قِبَل الله، لأنه كان نبياً مرسلاً، لم يكن له بذلك علم أنه يرجع إليه بصره إذا ألقي القميص على وجهه. قوله: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}.
اطفيش
تفسير : {قالَ لا تثْريبَ عَليْكم اليومَ} لا تعبير اليوم، ولا توبيخ ولا تمزيق عرض وإذهاب ماء وجه، فضلا عن سائر الأيام بعد، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثربها"تفسير : أى لا يعيرها بعد إقامة الحد، وأصله تفعل من الثرب وهو الشحم الذى يغشى الكرش، والتشديد للإزالة، يقال ثربت الكرش أى زلت ثربه، كقولك: قردت البعير، إذا أزلت قراده، وجلدت الشاة أزلت جلدها، فاستعير هنا لنحو التعبير مما فيه إزالة حسن العرض، وإزالة ماء الوجه، والوقف عندى على اليوم، وعلى الجمهور وهو الصحيح، وعليه الطبرى وابن إسحاق يتعلق بما يتلعق به عليكم وما بعده، تبشيرا ودعاء. وقيل: الوقف على عليكم فيتعلق بقوله: {يغْفرُ الله لكُم} ما فعلتم بى، ولا يؤاخذكم عليه، ويضعفه أنه دعاء بالغفران، وتعليق اليوم به يقتضى أنه إخبار إلا أن يقال: المراد: اللهم اغفر لهم اليوم، أو علم بالغفران اليوم بالوحى، والمراد باليوم مقابل الليل، أو ما استقبل من الزمان بعد توبتهم، فقد روى أنه ما غفر الله إلا بعد سنين. {وهُو أرْحم الرَّاحمينَ} يغفر الكبائر والصغائر، ويتفضل على التائب، قال الزمخشرى، يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه: إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشيا، ونحن نستحى منك لما فرط منا فيك، فقال يوسف: إن أهل مصر، وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إلى بالعين الأولى، ويقولون سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم، وعظمت فى العيون حين علم الناس أنكم إخوتى، وأنى من حفدة إبراهيم انتهى. ولما عرفهم يوسف بنفسه، وتم لهم المرام قال لهم: ما حال أبى؟ قالوا: ذهب بصره بكثرة البكاء عليك فقال: {اذهبوا بقَميصِى هَذا} وهو قميص من الجنة، كسى به إبراهيم عليه السلام حين ألقى فى النار، توارثه بنوه حتى كان عند يعقوب، فجعله فى قصبة من فضة، وجعلها فى عنق يوسف مخافة العين كما مر، وأخرجه منها جبريل حين ألقى فى الجب فألبسه إياه كما مر، ولا يقع على سقيم أو مبتلى فى جسده إلا عوفى لوقته، قال عياض: هذا يحتاج إلى سند، والظاهر أنه قميص يوسف كسائر القمص أنتهى. {فأقُلوهُ عَلَى وجْه أبى يَأتِ} يصير {بَصيراً} أو يجئ إلىَّ بصيرا لا أعمى، علم أنه إذا ألقى على وجه كان بصيرا من الوحى، وكان فيه ريح الجنة، أو من التجريب كما أعطى زليخا منها خيطا فرجعت بصيرة، أو من العقل، فإن عماه أو ضعف بصره كان من كثرة الحزن والبكاء، فإذا اتصل بقميصه انشرح صدره فيزول الضعف من الجسد والعينين، وخصَّ القميص إما على أنه من الجنة فواضح، وإما على أنه من الدنيا فلأنه يلى جسده أكثر مما يليه الخاتم لصغره، والعمامة لتراكمها، ويدل على أن المراد يجئ إلىَّ بصيرا قوله: {وأتُونى بأهْلكُم أجْمعينَ} وعدة أهلهم سبعون إنسانا فيما قال الحلبى، وثلاثة وسبعون فيما قال مسروق، وذلك ما بين رجال ونساء وأطفال، وبُلَّغ وأحرار، وموال وعبيد، والذاهب بالقميص يهودا، قال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطخا بالدم إليه، فأفرحه كما أحزنته، فحمله حافيا منكشف الرأس، مسرعا من مصر إلى كنعان، مسيرة ثمانين فرسخا، ومعه سبعة أرغفة، ولم يستوف أكلها حتى أتى أباه، ورافقه العبد الذى باعه يعقوب عليه السلام، وذلك انه لما ماتت راحيل أم يوسف عليه السلام، اشترى يعقوب جارية لرضاع بنيامين، وكان لها ولد رضيع، ففرق يعقوب بينهما وباعه ليكون اللبن كله لبنيامين، فبكت وقالت: يا رب اللهم كما فرق بينى وبين ولدى ففرق اللهم بينه وبين ولده الذى يحب، ولا يصل إيله حتى يصل إلى ولدى، فهتف بها هاتف: لا تحزنى واصبرى، فقد استجاب الله لك كما طلبت، واسمه البشير، واشتراه يوسف من بعض التجار، فكان يرسله إلى البلاد ولا يعلم به، وكتب الكتاب إلى أبيه ولفَّه فى القميص، فأعطاه ليهودا وذهب معه البشير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فرق بين أمة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"تفسير : وكان التفريق جائزا فى شريعة يعقوب على كراهية، أو فرق ذاهلا غير متعمد. فلما خرج البشير ويهودا من مصر استأذنت ريح الصبا ربها أن توصل ريح يوسف إلى يعقوب عليه السلام قبل أن يصلا بعشرة أيام، فأذن لها، وكان يعقوب عليه السلام جالسا بين أولاد أولاده، ومن حلوه من أهله، فقال لهم: يا بنى أبنائى قد ذهب حزنى، وأظن فرحى قد قرب، كما قال الله سبحانه وتعالى {ولمَّا فَصَلتْ العِيرُ...}.
اطفيش
تفسير : {قَالَ لاَ تَثْرِيب} لا عتاب كثيراً بل قليل كما مر أَنه وبخهم وإن لم يكن فالمبالغة راجعة إلى النفى أَى انتفى التثريب انتفاءً بليغاً وذلك أَن الأَصل ثرب ثرباً كضرب ضرباً شدد للمبالغة، ولما استحقوا المبالغة فى العتاب لمبالغتهم فى الشر تركها عفوا استعارة من التثريب بمعنى إِزالة الشحم فيبقى هزيلا فلوعد ذنوبهم عليهم لزال كمالهم كما زال كمال اللحم {علَيْكُمُ} خبر {الْيَوْمَ} متعلق بما تعلق به عليكم أَو بعليكم لنيابته، ولو علق عليكم بتثريب لنون عند البصريين، وأَجاز البغداديون نصب المشبه بالمضاف بلا تنوين نحو: لا طالع جبلا، ويجوز تقدير الخبر أى لا تثريب يقع عليكم، كما قدر فى قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا مانع لما أَعطيت تفسير : لا مانع مانع، وعدم التنوين فى ذلك للبناءِ أَو للتخفيف قولان وأَل للعهد الحضورى وهو يومهم ذلك الذى أَظهر لهم يوسف فيه نفسه فإِذا انتفى التثريب فيه مع أنه وقت شدة الغضب انتفى بعد باَولى بل نفيه اليوم نفى لما بعد، أو يتعلق بقوله: {يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ} ذنوبكم التى فى شأْنى، دعاءٌ بليغ حتى كأَنه قد أُجيب فهو يخبر بأَنه وقع الغفران فى الحال ويقع فى وقت مستقبل، ولوح بكونه على صورة الإِخبار إلى العلة كأَنه قيل لا تثريب عليكم لأَنه يغفر لكم الله، ولا يتحقق التعليل لأَن ذلك على الإِنشاءِ لا خارج له، وما قيل من أَن الإِنشَاءَ لا يعمل فيما قبله غلط فكما يقال: إياى ارحم يا رب، يقال: إياى رحم الله بمعنى ارحمنى، وقيل: يغفر إِخبار لفظاً ومعنى وذلك رغبة لتوبتهم، أَو بالوحى، ولو قالوا بعد يا َأبانا استغفر لنا ذنوبنا لأَن المغفرة تطلب ولو حصلت؛ لأَن ذلك مزيد دعاء وتضرع للطمأْنينة، وأَيضاً المستقبل يطلب ما لم يقع ولو وعد به، وأَيضاً لا يدرى وقته فيطلب تعجيله، وأَيضاً طلبوا من يوسف عفوا عن حقه وطلبوا من أَبيهم عفوا عن حقه، وأَيضاً طلبوا من يعقوب مغفرة مقارفتهم من الله بعد ما سامح صاحب الحق {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمينَ} يتفضل على التائِب بعد مغفرة صغائِره وكبائِره، وكان يغديهم ويعشيهم معه فأَرسلوا إليه: نستحيى منك بإِساءَتنا فقال: لا، لقد تشرفت بكم فى أَهل مصر إِذ علموا أَنكم إٍخوتى وإنى من إبراهيم، ومن قبل يروننى بعين العبودية ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهما هذه المرتبة، والله علم ما يقع من القحط وأَجرى شأْنه على يدى لتبقوا أَنتم وغيركم أَحياءَ، وقد مر من سنيه سنتان وبقى خمس، وقد خالطنى فرعون فى أُموره كلها إلا زوجته، وقال أَتَأْنف أن تأْكل معى فقلت أَنا آنف أَن آكل معك لأنى من بيت إبراهيم، وقال: ما حال أَبى بعدى؟ قالوا: عمى، فقال: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِى} مع قميصى {هّذَا} مر أَنه قميص من الجنة ألبس إِبراهيم حين جرد وأُلقى فى النار، وكان معلقاً على يوسف كالتميمة فى شىءٍ فكه جبريل حين أُلقى فى البئْر وأَلبسه إِياه وفيه ريح الجنة، قال جبريل عليه السلام: لا يلقى على مبتلىً إِلا عوفِى، ولم يزل لابساً له أو مستصحباً له وإن رده فى وعائِه فإنه استحضره إِذ قال هذا، وقيل: قميص آخر لبسه فى الحال، قال اذهبوا به ليعقوب ليعلم أَنى برىءٌ مما رميت به وهو الصحيح، وقيل: هو القميص الذى قد، وهذا نعت أَو بيان أًو بدل أَو مفعول لأَعنى أَو خبر لهو {فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى} ليزول همه الذى ضعف به بصره، وكذا ضعف بكثرة البكاءِ فينشرح صدره ويقوى بصره، أو علم أنه يرجع بصره به ولو ذهب كله {يَأْتِ} يصر {بَصِيرا} كما قال فارتد بصيرا أَى صار ورجع، أَو يأْتنى بصيراً كما قال: وأْتونى بأَهلكم أَجمعين، وصح أَن أَباه أَتاه إلى مصر معهم، ولكن لا مانع أنه يصير بصيرا، ويجىءُ بعد، وذلك بعد عماه، أَو كامل البصر بعد نقصه، وعلم يوسف بعماه أَو ضعف بصره بالوحى أَو بإِخبار إِخوته كما مر آنفاً {وأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمعِين} شامل لأًبيه وخالته ونسائِهم وأَولادهم ومواليهم وعبيدهم وأَولادهم، ويبحث فى جعل الأَب من الأًهل وتابعاً ملحقاً، ويجاب ضعفه، ولو عاش بعد ذلك أَربعا وعشرين، فإذا كان لا يلى الأمور كالكسب والرفع والحط فهو كالطفل من جملة الأَهل، وإن كان فى ذلك كراهة جعلنا الإِتيان تغليباً عليه، أو ائتونى أَنتم وأَبى بأَهلكم، وغلب المخاطب، وليس فى هذا إتيان بالأَب والأَهل اثنان وسبعون أَو سبعون أَو ثمانون أو تسعون أو ثلاثة وتسعون أَو ستة وتسعون، ونموا فى مصر حتى خرجوا منها مع موسى، وهم ستمائة أَلف وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلا سوى الذرية والهرمى، والذرية ألف ألف ومائتا ألف فيما قيل.
الالوسي
تفسير : {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ} أي لا تأنيب ولا لوم {عَلَيْكُمُ} وأصله من الثرب وهو الشحم الرقيق في الجوف وعلى الكرش، وصيغة التفعيل للسلب أي إزالة الثرب كالتجليد والتقريع بمعنى إزالة الجلد والقرع، واستعير للوم الذي يمزق الأعراض ويذهب بهاء الوجه لأنه بإزالة الشحم يبدو الهزال وما لا يرضى كما أنه باللوم تظهر العيوب فالجامع بينهما طريان النقص بعد الكمال وإزالة ما به الكمال والجمال وهو اسم {لا} و {عَلَيْكُمُ} متعلق بمقدر وقع خبراً، وقوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ } متعلق بذلك الخبر المقدر أو بالظرف أي لا تثريب مستقر عليكم اليوم، وليس التقييد به لإفادة وقوع التثريب في غيره فإنه عليه السلام إذا لم يثرب أول لقائه واشتعال ناره فبعده بطريق الأولى. وقال المرتضى: إن {ٱلْيَوْمَ } موضوع موضع الزمان كله كقوله:شعر : اليوم يرحمنا من كان يغبطنا واليوم نتبع من كانوا لنا تبعاً تفسير : كأنه أريد بعد اليوم، وجوز الزمخشري تعلقه ـ بتثريب ـ وتعقبه أبو حيان قائلاً: لا يجوز ذلك لأن التثريب مصدر وقد فصل بينه وبين معموله ـ بعليكم ـ وهو إما خبر أو صفة ولا يجوز الفصل بينهما بنحو ذلك لأن/ معمول المصدر من تمامه، وأيضاً لو كان متعلقاً به لم يجز بناؤه لأنه حينئذٍ من قبيل المشبه بالمضاف وهو الذي يسمى المطول والممطول فيجب أن يكون معرباً منوناً، ولو قيل: الخبر محذوف و {عَلَيْكُمُ} متعلق بمحذوف يدل عليه تثريب وذلك المحذوف هو العامل في {ٱلْيَوْمَ } والتقدير لا تثريب يثرب عليكم اليوم كما قدروا في {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [هود: 43] أي لا عاصم يعصم اليوم لكان وجهاً قوياً لأن خبر {لا } إذا علم كثر حذفه عند أهل الحجاز ولم يلفظ به بنو تميم، وكذا منع ذلك أبو البقاء وعلله بلزوم الإعراب والتنوين أيضاً، واعترض بأن المصرح به في متون النحو بأن شبيه المضاف سمع فيه عدم التنوين نحو لا طالع جبلاً ووقع في الحديث «حديث : لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت»تفسير : باتفاق الرواة فيه وإنما الخلاف فيه هل هو مبني أو معرب ترك تنوينه، وفي "التصريح" نقلاً عن "المغني" أن نصب الشبيه بالمضاف وتنوينه هو مذهب البصريين، وأجاز البغداديون لا طالع جبلاً بلا تنوين أجروه في ذلك مجرى المضاف كما أجروه مجراه في الإعراب وعليه يتخرج الحديث «لا مانع» الخ. فيمكن أن يكون مبني ما قاله أبو حيان وغيره مذهب البصريين، والحديث المذكور لا يتعين ـ كما قال الدنوشري أخذاً من كلام المغني في الجهة الثانية من الباب الخامس ـ حمله على ما ذكر لجواز كون اسم {لا } فيه مفرداً واللام متعلقة بالخبر والتقدير لا مانع مانع لما أعطيت وكذا فيما بعده. وذكر الرضي أن الظرف بعد النفي لا يتعلق بالمنفي بل بمحذوف وهو خبر وأن {ٱلْيَوْمَ } في الآية معمول {عَلَيْكُمُ} ويجوز العكس، واعترض أيضاً حديث الفصل بين المصدر ومعموله بما فيه ما فيه، وقيل: {عَلَيْكُمُ} بيان كلك في سقيا لك فيتعلق بمحذوف و {ٱلْيَوْمَ } خبر. وجوز أيضاً كون الخبر ذاك و {ٱلْيَوْمَ } متعلقاً بقوله: {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ } ونقل عن المرتضى أنه قال في «الدرر»: قد ضعف هذا قوم من جهة أن الدعاء لا ينصب ما قبله ولم يشتهر ذلك، وقال ابن المنير: لو كان متعلقاً به لقطعوا بالمغفرة بإخبار الصديق ولم يكن كذلك لقولهم: {أية : يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ } تفسير : [يوسف: 97] وتعقب بأنه لا طائل تحته لأن المغفرة وهي ستر الذنب يوم القيامة حتى لا يؤاخذوا به ولا يقرعوا إنما يكون ذلك الوقت وأما قبله فالحاصل هو الإعلام به والعلم بتحقق وقوعه بخبر الصادق لا يمنع الطلب لأن الممتنع طلب الحاصل لا طلب ما يعلم حصوله، على أنه يجوز أن يكون هضماً للنفس واعتبر باستغفار الأنبياء عليهم السلام، ولا فرق بين الدعاء والإخبار هنا انتهى. وقد يقال أيضاً: إن الذي طلبوه من أبيهم مغفرة ما يتعلق به ويرجع إلى حقه ولم يكن عندهم علم بتحقق ذلك، على أنه يجوز أن يقال: إنهم لم يعتقدوا إذ ذاك نبوته وظنوه مثلهم غير نبـي فإنه لم يمض وقت بعد معرفة أنه يوسف يسع معرفة أنه نبـي أيضاً وما جرى من المفاوضة لا يدل على ذلك فافهم، وإلى حمل الكلام على الدعاء ذهب غير واحد وذهب جمع أيضاً إلى كونه خبراً والحكم بذلك مع أنه غيب قيل: لأنه عليه السلام صفح عن جريمتهم حينئذٍ وهم قد اعترفوا بها أيضاً فلا محالة أنه سبحانه يغفر لهم ما يتعلق به تعالى وما يتعلق به عليه السلام بمقتضى وعده جل شأنه بقبول توبة العباد، وقيل: لأنه عليه السلام قد أوحى إليه بذلك، وأنت تعلم أن أكثر القراء على الوقف على {ٱلْيَوْمَ } وهو ظاهر في عدم تعلقه ـ بيغفر ـ وهو اختيار الطبري وابن إسحاق وغيرهم واختاروا كون الجملة بعد دعائية وهو الذي يميل إليه الذوق والله تعالى أعلم. {وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ } فإن كل من يرحم سواه جل وعلا فإنما يرحم برحمته سبحانه مع كون ذلك مبنياً على جلب نفع أو دفع ضر ولا أقل من دفع ما يجده في نفسه من التألم الروحاني مما يجده في المرحوم، وقيل: لأنه تعالى يغفر الصغائر/ والكبائر التي لا يغفرها غيره سبحانه ويتفضل على التائب بالقبول، والجملة إما بيان للوثوق بإجابة الدعاء أو تحقيق لحصول المغفرة لأنه عفا عنهم فالله تعالى أولى بالعفو والرحمة لهم هذا. ومن كرم يوسف عليه السلام ما روي أن إخوته أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشية ونحن نستحي منك بما فرط منا فيك فقال عليه السلام: إن أهل مصر وإن ملكت فيهم كانوا ينظرون إليّ بالعين الأولى ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ ولقد شرفت بكم الآن وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم عليه السلام، والظاهر أنه عليه السلام أنه حصل بذلك من العلم للناس ما لم يحصل قبل فإنه عليه السلام على ما دل عليه بعض الآيات السابقة والأخبار قد أخبرهم أنه ابن من وممن. وكذا ما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: قال الملك يوماً ليوسف عليه السلام إني أحب أن تخالطني في كل شيء إلا في أهلي وأنا آنف أن تأكل معي فغضب يوسف عليه السلام، فقال: أنا أحق أن آنف أنا ابن إبراهيم خليل الله وأنا ابن إسحاق ذبيح الله وأنا ابن يعقوب نبـي الله لكن لم يشتهر ذلك أو لم يفد الناس علماً. وفي التوراة التي بأيدي اليهود اليوم أنه عليه السلام لما رأى من إخوته مزيد الخجل أدناهم إليه وقال: لا يشق عليكم أن بعتموني وإلى هذا المكان أوصلتموني فإن الله تعالى قد علم ما يقع من القحط والجدب وما ينزل بكم من ذلك ففعل ما أوصلني به إلى هذا المكان والمكانة ليزيل عنكم بـي ما ينزل بكم ويكون ذلك سبباً لبقائكم في الأرض وانتشار ذراريكم فيها وقد مضت من سني الجدب سنتان وبقي خمس سنين وأنا اليوم قد صيرني الله تعالى مرجعاً لفرعون وسيداً لأهله وسلطاناً على جميع أهل مصر فلا يضق عليكم أمركم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلرَّاحِمِينَ} (92) - قَالَ يُوسُفُ لإِخْوَتِهِ: لاَ عَتَبَ عَلَيْكُم اليَوْمَ وَلاَ لَوْمَ، فِيمَا فَعَلْتُمْ بِي وَبِأَخِي، وَدَعَا لَهُمْ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ وَظُلْمَهُمْ، وَأَنْ يَسْتُرَهَا عَلَيْهِمْ، فَهُوَ تَعَالَى أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ لِمَنْ تَابَ وَأَقْلَعَ عَنْ ذَنْبِهِ، وَأَنَابَ إِلَى طَاعَتِهِ بِالتَّوْبَةِ. لاَ تَثْرِيبَ - لاَ تَأْنِيبَ وَلاَ لَوْمَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والتثريب هو اللوم العنيف، وهو مأخوذ من الثَّرْب؛ فحين يذبحون ذبيحة، ويُخرِجون أمعاءها يجدون حول الأمعاء دُهْناً كثيفاً؛ هذا الدُّهْن يُسمَّى ثَرْب. أما إن كانت هزيلة، ولم تتغذَّ جيداً، فأمعاؤها تخرج وقد ذاب من عليه هذا الثَّرْب. والتثريب يعني: أن اللوم العنيف قد أذابَ الشحم من لحمه، وجعل دمه ينزّ، ويكاد أن يصل بالإنسان إلى أن ينزل به ويسلّه. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إذا زنت أَمَةُ أحدكم فتبيَّن زناها فليجلدها الحدّ، ولا يُثرِّب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يُثرِّب عليها، ثم إنْ زنت الثالثة فتبيّن زِنَاها فَليبِعْها، ولو بحبل من شعر ". تفسير : أي: لا يقولن لها: يا مَنْ فعلت كذا وكذا، بل فليعاقبها بالعقاب الذي أنزله الله لمثل هذه الجريمة؛ فإن لم ترتدع عن الفعل فَلْيبِعْها، وهكذا نفهم أن التثريب أو اللوم العنيف قد يُولِّد العِناد. وقال يوسف عليه السلام: {ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92]. ولقائل أن يتساءل: ولماذا قال يوسف ذلك؛ وقد يكونون قد استغفروا الله من قبل؟ ونقول: إن دعوة يوسف بالمغفرة لهم جاءت في حدود معرفته ولتصفية النفوس مما شابها بهذا اللقاء. وقوله: {وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92]. هو فَهْمٌ لحقيقة أن أيَّ رحمة في العالم، أو من أي أحد إنما هي مُستمدَّة من رحمته سبحانه. وقد قال يوسف ذلك وهو واثق من إجابة دعوته، لأنه قد غفر لهم خطأهم القديم وعَفَا عنهم؛ والله أَوْلَى منه بالعفو عنهم. ثم يعود الحديث بينه وبينهم إلى والدهم، فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف لإخوته، وهو الذي عَلِم ما حدث لأبيه بعد فراقه له: {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} معناه لاَ لَومَ عَلَيكُمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):