Verse. 1689 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

اِذْہَبُوْا بِقَمِيْصِيْ ہٰذَا فَاَلْقُوْہُ عَلٰي وَجْہِ اَبِيْ يَاْتِ بَصِيْرًا۝۰ۚ وَاْتُوْنِيْ بِاَہْلِكُمْ اَجْمَعِيْنَ۝۹۳ۧ
Ithhaboo biqameesee hatha faalqoohu AAala wajhi abee yati baseeran watoonee biahlikum ajmaAAeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«اذهبوا بقميصي هذا» وهو قميص إبراهيم الذي لبسه حين ألقي في النار كان في عنقه في الجب وهو من الجنة أمره جبريل بإرساله وقال إن فيه ريحها ولا يُلقى على مبتلًى إلا عوفي «فألقوه على وجه أبي يأت» يصر «بصيرا وائتوني بأهلكم أجمعين».

93

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا } القميص الذي كان عليه. وقيل القميص المتوارث الذي كان في التعويذ. {فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا } أي يرجع بصيراً أي ذا بصر. {وَائْتُوني} أنتم وأبي. {بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} بنسائكم وذراريكم ومواليكم.

ابن كثير

تفسير : يقول: اذهبوا بهذا القميص، {فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا} وكان قد عمي من كثرة البكاء، {وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} أي: بجميع بني يعقوب، {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ} أي: خرجت من مصر {قَالَ أَبُوهُمْ} يعني: يعقوب عليه السلام، لمن بقي عنده من بنيه: {إِنِّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} تنسبوني إلى الفند والكبر. قال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: سمعت ابن عباس يقول: ولما فصلت العير، قال: لما خرجت العير، هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف، فقال: {إِنِّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} قال: فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام، وكذا رواه سفيان الثوري وشعبة وغيرهما عن أبي سنان به. وقال الحسن وابن جريج: كان بينهما ثمانون فرسخاً، وكان بينه وبينه منذ افترقا ثمانون سنة. وقوله: {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة وسعيد بن جبير: تسفهون. وقال مجاهد أيضاً والحسن: تهرمون. وقولهم: {إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ} قال ابن عباس: لفي خطئك القديم. وقال قتادة: أي: من حب يوسف لا تنساه ولاتسلاه، قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله صلى الله عليه وسلم، وكذا قال السدي وغيره.

المحلي و السيوطي

تفسير : وسألهم عن ابيه فقالوا ذهبت عيناه فقال:{ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَٰذَا } وهو قميص إبراهيم الذي لبسه حين ألقي في النار كان في عنقه في الجب وهو من الجنة، أمره جبريل بإرساله وقال إن فيه ريحها لا يُلقى على مبتلى إلاّ عوفي {فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ } يَصِرْ {بَصِيراً وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً} وفيه وجهان: أحدهما: مستبصراً بأمري لأنه إذا شم ريح القميص عرفني. الثاني: بصيراً من العمى فذاك من أحد الآيات الثلاث في قميص يوسف بعد الدم الكذب وقدّه من دُبُره. وفيه وجه آخر لأنه قميص إبراهيم أنزل عليه من الجنة لما أُلقي في النار، فصار لإسحاق ثم ليعقوب، ثم ليوسف فخلص به من الجب وحازه حتى ألقاه أخوه على وجه أبيه فارتد بصيراً، ولم يعلم بما سبق من سلامة إبراهيم من النار ويوسف من الجب أن يعقوب يرجع به بصيراً. قال الحسن: لولا أن الله تعالى أعلم يوسف بذلك لم يعلم أنه يرجع إليه بصره... وكان الذي حمل قميصه يهوذا بن يعقوب، قال ليوسف: أنا الذي حملت إليه قميصك بدم كذب فأحزنته فأنا الآن أحمل قميصك لأسرّه وليعود إليه بصره فحمله، حكاه السدي. {وأتوني بأهلكم أجمعين} لتتخذوا مِصرَ داراً. قال مسروق فكانوا ثلاثة وتسعين بين رجل وامرأة. قوله عز وجل: {ولمّا فصلت العير} أي خرجت من مصر منطلقة إلى الشام. {قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف} فيها قولان: أحدهما: أنها أمارات شاهدة وعلامات قوي ظنه بها، فكانت هي الريح التي وجدها ليوسف، مأخوذ من قولهم تنسمت رائحة كذا وكذا إذا قرب منك ما ظننت أنه سيكون. والقول الثاني: وهو قول الجمهور أنه شم ريح يوسف التي عرفها. قال جعفر بن محمد رضي الله عنه: وهي ريح الصبا. ثم اعتذر فقال: {لولا أن تفندّون}فيه أربعة أقاويل: أحدها: لولا أن تسفهون، قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه قول النابغة الذبياني: شعر : إلا سليمان إذ قال المليكُ له قم في البرية فا جددها عن الفنَد تفسير : أي عن السفة. الثاني: معناه لولا أن تكذبون، قاله سعيد بن جبير والضحاك، ومنه قول الشاعر: شعر : هل في افتخار الكريم من أود أم هل لقول الصديق من فند تفسير : أي من كذب. الثالث: لولا أن تضعّفون، قاله ابن إسحاق. والتفنيد: تضعيف الرأي، ومنه قول الشاعر: شعر : يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي فليس ما فات من أمري بمردود تفسير : وكان قول هذا لأولاد بنيه، لغيبة بنيه عنه، فدل هذا على أن الجدَّ أبٌ. الرابع: لولا أن تلوموني، قاله ابن بحر. ومنه قول جرير: شعر : يا عاذليَّ دعا الملامة واقصِرا طال الهوى وأطلْتُما التفنيدا تفسير : واختلفوا في المسافة التي وجد ريح قميصه منها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه وجدها من مسافة عشرة أيام. قاله أبو الهذيل. الثاني: من مسيرة ثمانية أيام، قاله ابن عباس. الثالث: من مسيرة ستة أيام، قاله مجاهد. وكان يعقوب بأرض كنعان ويوسف بمصر وبينهما ثمانون فرسخاً، قاله قتادة. قوله عز وجل: {قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أي في خطئك القديم، قاله ابن عباس وابن زيد. الثاني: في جنونك القديم، قاله سعيد بن جبير. قال الحسن: وهذا عقوق. الثالث: في محبتك القديمة، قاله قتادة وسفيان. الرابع: في شقائك القديم، قاله مقاتل، ومنه قول لبيد: شعر : تمنى أن تلاقي آل سلمى بحطمة والمنى طرف الضِّلال تفسير : وفي قائل ذلك قولان: أحدهما: بنوه، ولم يقصدوا بذلك ذماً فيأثموا. والثاني: بنو نبيه وكانوا صغاراً.

ابن عطية

تفسير : حكمه بعد الأمر إلقاء القميص على وجه أبيه بأن أباه يأتي بصيراً ويزول عماه دليل على أن هذا كله بوحي وإعلام من الله. قال النقاش: وروي أن هذا القميص كان لإبراهيم كساه الله إياه حين خرج من النار وكان من ثياب الجنة. وكان بعد لإسحاق ثم ليعقوب ثم كان دفعه ليوسف فكان عنده في حفاظ من قصب. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يحتاج إلى سند، والظاهر أنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل أحد، وهكذا تبين الغرابة في أن وجد ريحه من بعد، ولو كان من قمص الجنة لما كان في ذلك غرابة ولوجده كل أحد. وأما "أهلهم" فروي: أنهم كانوا ثمانين نسمة، وقيل ستة وسبعين نفساً بين رجال ونساء - وفي هذا العدد دخلوا مصر ثم خرج منها أعقابهم مع موسى في ستمائة ألف. وذكر الطبري عن السدي أنه لما كشف أمره لإخوته سألهم عن أبيهم: ما حاله؟ فقالوا: ذهب بصره من البكاء. فحينئذ قال لهم: {اذهبوا بقميصي} الآية. وقوله تعالى: {ولما فصلت العير} الآية، معناه: فصلت العير من مصر متوجهة إلى موضع يعقوب، حسبما اختلف فيه، فقيل: كان على مقربة من بيت المقدس،وقيل كان بالجزيرة والأول أصح لأن آثارهم وقبورهم حتى الآن هناك. وروي أن يعقوب وجد {ريح يوسف} وبينه وبين القميص مسيرة ثمانية أيام، قاله ابن عباس، وقال: هاجت ريح فحملت عرفه؛ وروي: أنه كان بينهما ثمانون فرسخاً - قاله الحسن - وابن جريج قال: وقد كان فارقه قبل ذلك سبعاً وسبعين سنة. قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من الأول. وروي: أنه كان بينهما مسيرة ثلاثين يوماً، قاله الحسن بن أبي الحسن، وروي عن أبي أيوب الهوزني: أن الريح استأذنت في أن توصل عرف يوسف إلى يعقوب، فأذن لها في ذلك. وكانت مخاطبة يعقوب هذه لحاضريه، فروي: أنهم كانوا حفدته، وقيل: كانوا بعض بنيه، وقيل: كانوا قرابته. و {تفندون} معناه: تردون رأيي وتدفعون في صدري، وهذا هو التفنيد في اللغة، ومن ذلك قول الشاعر: [البسيط] شعر : يا عاذليّ دعا لومي وتفنيدي فليس ما فات من أمري بمردود تفسير : ويقال: أفند الدهر فلاناً: إذا أفسده. قال ابن مقبل: [الطويل] شعر : دع الدهر يفعل ما أراد فإنه إذا كلف الإفناد بالناس أفندا تفسير : ومما يعطي أن الفند الفساد في الجملة قول النابغة: [البسيط] شعر : إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفند تفسير : وقال منذر بن سعيد: يقال: شيخ مفند: أي قد فسد رأيه، ولا يقال: عجوز. قال القاضي أبو محمد: والتفنيد يقع إما لجهل المفند، وإما لهوى غلبه، وإما لكذبه، وإما لضعفه وعجزه لذهاب عقله وهرمه، فلهذا فسّر الناس التفنيد في هذه الآية بهذه المعاني ومنه قوله عليه السلام أو هرماً مفنداً. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معناه تسفهون، وقال ابن عباس - أيضاً - تجهلون، وقال ابن جبير وعطاء: معناه: تكذبون، وقال ابن إسحاق: معناه: تضعفون، وقال ابن زيد ومجاهد: معناه: تقولون: ذهب عقلك، وقال الحسن: معناه: تهرمون. والذي يشبه أن تفنيدهم ليعقوب إنما كان لأنهم كانوا يعتقدون أن هواه قد غلبه في جانب يوسف. قال الطبري: أصل التفنيد الإفساد. وقولهم: {لفي ضلالك} يريدون في انتكافك وتحيرك، وليس هو بالضلال الذي هو في العرف ضد الرشاد، لأن ذلك من الجفاء الذي لا يسوغ لهم مواجهته به، وقد تأول بعض الناس على ذلك، ولهذا قال قتادة رحمه الله: قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله عليه السلام، وقال ابن عباس: المعنى: لفي خطئك. قال القاضي أبو محمد: وكان حزن يعقوب قد تجدد بقصة بنيامين، فلذلك يقال له: ذو الحزنين.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَصِيراً} من العمى ولولا أن الله أعلمه بأنه يبصر بعد العمى لم يعلم يوسف أنه يرجع إليه بصره، قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ أو مستبصراً بأمري لأنه إذا شم القميص عرفني قال أخوه يهوذا: أنا حملت إلى أبيك قميصك بدم كذب فأحزنته فأنا أحمل القميص الآن لأسره ويعود إليه بصره فحمله. {بِأَهْلِكُمْ} ليتخذوا مصر داراً.

النسفي

تفسير : {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا } قيل: هو القميص المتواراث الذي كان في تعويذ يوسف، وكان من الجنة أمره جبريل أن يرسله إليه فإن فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلي ولا سقيم إلا عوفي {فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا } يصر بصيراً. تقول: جاء البناء محكماً أي صار، أو يأت إلي وهو بصير. قال يهوذا: أنا أحمل قميص الشفاء كما ذهبت بقميص الجفاء. وقيل: حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً{وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } لينعموا بآثار ملكي كما اغتموا بأخبار هلكي. {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ } خرجت من عريش مصر. يقال: فصل من البلد فصولاً إذا انفصل منه وجاوز حيطانه {قَالَ أَبُوهُمْ } لولد ولده ومن حوله من قومه {إِنّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } أوجده الله ريح القميص حين أقبل من مسيرة ثمانية أيام {لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } التفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وإنكار العقل من هرم. يقال: شيخ مفند. والمعنى لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني.

الخازن

تفسير : {اذهبوا بقميصي هذا} قال الضحاك كان هذا القميص من نسج الجنة، وقال مجاهد: أمره جبريل أن يرسل إليه قميصه وكان ذلك القميص قميص إبراهيم وذلك أنه لما جرد من ثيابه وألقي في النار عرياناً أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فكان ذلك القميص عند إبراهيم، فلما مات ورثه إسحاق فلما مات ورثه يعقوب فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في قصبة من فضة وسد رأسها وجعلها في عنق يوسف كالتعاويذ لما كان يخاف عليه من العين وكانت لا تفارقه فلما ألقي يوسف في البئر عرياناً أتاه جبريل وأخرج ذلك القميص وألبسه إياه فلما كان هذا الوقت جاءه جبريل فأمره أن يرسل هذا القميص إلى أبيه لأن فيه ريح الجنة فلا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا عوفي في الوقت فدفع ذلك القميص يوسف إلى إخوته وقال اذهبوا بقميصي هذا {فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً} قال المحققون: إن علم يوسف أن إلقاء ذلك القميص على وجه يعقوب يوجب رد البصر كان بوحي الله إليه ذلك ويمكن أن يقال إن يوسف لما علم أن أباه قد عمي من كثرة البكاء عليه وضيق الصدر بعث إليه قميصه ليجد ريحه فيزول بكاؤه وينشرح صدره ويفرح قلبه فعند ذلك يزول الضعف ويقوى البصر فهذا القدر تمكن معرفته من جهة العقل وقوله {وأتوني بأهلكم أجمعين} قال الكلبي: كانوا نحواً من سبعين إنساناً وقال مسروق: كانوا ثلاثة وسبعين ما بين رجل وامرأة {ولما فصلت العير} يعني خرجت من مصر وقيل من عريش مصر متوجهين إلى أرض كنعان {قال أبوهم} يعني: قال يعقوب لولد ولده {إني لأجد ريح يوسف} قيل: إن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير، وقال مجاهد: أصابت يعقوب ريح يوسف من مسيرة ثلاث أيام، وقال ابن عباس: من مسيرة ثمان ليل وقال الحسن كان بينهما ثمانون فرسخاً، وقيل: هبت ريح فاحتملت ريح القميص إلى يعقوب فوجد يعقوب ريح الجنة فعلم أنه ليس في الأرض من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص فعلم بذلك أنه من ريح يوسف فلذلك قال: إني لأجد ريح يوسف {لولا أن تفندون} أصل التفنيد من الفند وهو ضعف الرأي وقال ابن الأنباري أفند الرجل إذا خرف وفند إذا جهل ونسب ذلك إليه وقال الأصمعي: إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو الفنيد والفند فيكون المعنى لولا أن تفندوني أي تنسبوني إلى الخرف وقيل تسفهوني وقيل: تلوموني وقيل تجلهوني وهو قول ابن عباس:، وقال الضحاك تهرموني فتقولون شيخ كبير قد خرف وذهب عقله {قالوا} يعني أولاد أولاد يعقوب وأهله الذين عنده لأن أولاده لصلبه كانوا غائبين عنه {تالله إنك لفي ضلالك القديم} يعني من ذكر يوسف ولا تنساه لأنه كان عندهم ان يوسف قد مات وهلك ويرون أن يعقوب قد لهج بذكره فلذلك قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم من ذكره والضلال الذهاب عن طريق الصواب.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي}: قال النَّقَّاش: روي أن هذا القميصَ كَانَ مِنْ ثياب الجَنَّة، كساه اللَّه إِبراهيم، ثم توارَثَهُ بنوه. قال * ع *: هذا يحتاجُ إِلى سندٍ والظاهرُ أنه قميصُ يوسُفَ كسائر القُمُصِ، وقولُ يوسف: {يَأْتِ بَصِيرًا } فيه دليلٌ على أنَّ هذا كلَّه بوحْيٍ وإِعلامٍ مِنَ اللَّه تعالى، وروي أنَّ يعقوب وجد ريحَ يوسُفَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ القَميصِ مسيرةُ ثمانيةِ أيامٍ؛ قاله ابن عباس، وقال: هاجَتْ ريحٌ، فحملَتْ عَرْفَه، وقول يعقوب: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}: مخاطبةٌ لحاضريه، فروي أنهم كانوا حَفَدَتَهُ، وقيل: كانوا بَعْضَ بنيه، وقيل: كانوا قرابتَهُ و{تُفَنِّدُونِ } معناه: تردُّون رأْيي، وتدْفَعُون في صَدْره، وهذا هو التفنيد لغة، قال مُنْذِرُ بن سَعِيدٍ: يقال: شَيْخٌ مُفَند، أيْ: قد فسد رأيه والذي يشبه أنَّ تفنيدهم ليعقوبَ؛ إِنما كان لأَنهم كانوا يعتقدون أنَّ هواه قد غَلَبَهُ في جانِبِ يوسُفَ. وقال * [ص] *: معنى {تُفَنِّدُونِ}: تسفِّهون، انتهى، وقولهم: {إِنَّكَ لَفِي ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ}: يريدون: لَفِي ٱنتلافِكَ في مَحَبَّة يوسف، وليس بالضَّلال الذي هو في العُرْف ضدُّ الرشادِ؛ لأن ذلك من الجَفَاءِ الذي لا يَسُوغُ لهم مواجَهَتِه به. وقوله سبحانه: {فَلَمَّا أَن جَاءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا}: روي عن ابنَ عَبَّاسٍ؛ أن البشير كان يَهُوذَا؛ لأنه كان جَاءَ بِقَمِيصِ الدَّمِ و{بَصِيراً }: معناه: مُبْصراً، وروي أنه قال للبشير: على أيِّ دِينٍ تركْتَ يوسُفَ؟ قال: على الإِسلام؛ قال: الحَمْدِ للَّهِ؛ الآن كَمُلَتِ النعمة.

البقاعي

تفسير : ولما أقر أعينهم بعد اجتماع شملهم بإزالة ما يخشونه دنيا وأخرى، بقي ما يخص أباهم من ذلك، فكأنه وقع السؤال عنه فأجيب بقوله: {اذهبوا بقميصي} ولما كان قوله هذا ربما أوقع في أفهامهم قميصه الذي سلبوه إياه، احترز عن ذلك بقوله: {هذا فألقوه} أي عقب وصولكم {على وجه أبي يأت} أي يرجع إلى ما كان {بصيراً} أو يأت إلى حالة كونه بصيراً، فإنه إذا رد إليه بصره وعلم مكاني لم يصبر عن القصد إليّ لما عنده من وفور المحبة وعظيم الشوق، وكونه قميصاً من ملابس يوسف المعتادة أدخل في الغرابة وأدل على الكرامة؛ والقميص ألصق الثياب بالجسم، فإظهار الكرامة به أدل على كمال دين صاحبه وعراقته في أمور الإيمان، وهو يؤول في المنام بالدين، وذلك أدخل في كمال السرور ليعقوب عليه الصلاة والسلام {وأتوني} أي بأبي وأنتم {بأهلكم} أي مصاحبين لهم {أجمعين *} لا يتخلف منهم أحد، فرجعوا بالقميص لهذا القصد، قيل: كان يهوذا هو الذي حمل قميصه لما لطخوه بالدم، فقال: لا يحمل هذا غيري لأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما ثمانون فرسخاً {ولما فصلت العير} من العريش آخر بلاد مصر إلى بلاد الشام {قال أبوهم} لولد ولده ومن حوله من أهله، مؤكداً لعلمه أنهم ينكرون قوله: {إني لأجد} أي لأقول: إني لأجد {ريح يوسف} وصدهم عن مواجهته بالإنكار بقوله: {لولا أن تفندون *} أي لقلت غير مستح ولا متوقف، لأن التفنيد لا يمنع الوجدان، وهو كما تقول لصاحبك: لولا أن تنسبني إلى الخفة لقلت كذا، أي إني قائل به مع علمي بأنك لا توافقني عليه، "وفصل" هنا لازم يقال: فصل من البلد يفصل فصولاً، والفصل: القطع بين الشيئين بحاجز، والوجدان: ظهور من جهة إدراك يستحيل معه انتفاء الشيء، والريح: عرض يدرك بحاسة الأنف أي الشم، والتفنيد: تضعيف الرأي بالنسبة إلى الفند، وهو الخوف وإنكار العقل من هرم، يقال: شيخ مفند، ولا يقال: عجوز مفندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فيفندها كبرها؛ ثم استأنف حكاية جوابهم فقال: {قالوا} أي السامعون له ما ظنه بهم، مقسمين بما دل على تعجبهم، وهو {تالله} أي الملك الأعظم، وأكدوا لمعرفتهم أنه ينكر كلامهم وكذا كل من يعرف كماله {إنك لفي ضلالك} أي بحيث صار ظرفاً لك {القديم *} أي خطئك في ظن حياة يوسف؛ قال الرماني: والضلال: الذهاب عن جهة الصواب. فصحح الله قوله وحقق وجدانه، وعجلوا إليه بشيراً فأسرع بعد الفصول، ولذلك عبر بالفاء في {فلما} وزيدت {أن} لتأكيد مجيئه على تلك الحال وزيادتها قياس مطرد {جاء البشير} وهو يهوذا بذلك، معه القميص {ألقاه} أي القميص حين وصل إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام من غير فاصل ما بين أول المجيء وبينه كما أفادته زيادة "أن" لتأكيد ما تفيده " لما " من وقوع الفصل الثاني وهو هنا الإلقاء عقب الأول وترتبه عليه وهو هنا المجيء {على وجهه} أي يعقوب عليه الصلاة والسلام {فارتد} من حينه {بصيراً} والارتداد: انقلاب الشيء إلى حال كان عليها، فالتفت الخاطر إلى حاله مع فنده، فأخبر تعالى عن ذلك بقوله مستأنفاً: {قال} أي يعقوب عليه الصلاة والسلام {ألم أقل لكم}: إني أجد ريحه؛ ثم علل هذا التقرير بقوله مؤكداً لأن قولهم قول من ينكر: {إني أعلم من الله} أي المختص بصفات الكمال {ما لا تعلمون *} لما خصني به تعالى من أنواع المواهب، وهو عام لأخبار يوسف عليه الصلاة والسلام وغيرها، وهو من التحديث بنعمة الله. ولما كان ذلك تشوفت النفس إلى علم ما يقع بينه وبين أولاده في ذلك، فدفع عنها هذا العناء بقوله: {قالوا ياأبانا} منادين بالأداة التي تدل على الاهتمام العظيم بما بعدها لما له من عظيم الوقع: {استغفر} أي اطلب من الله أن يغفر {لنا ذنوبنا} ورد كل ضمير من هذه الضمائر إلى صاحبه في غاية الوضوح، فلذلك لم يصرح بصاحبه. ولما سألوه الاستغفار لذنوبهم، عللوه بالاعتراف بالذنب، لأن الاعتراف شرط التوبة - كما قال صلى الله عليه وسلم:" حديث : إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه" تفسير : فقالوا مؤكدين تحقيقاً للإخلاص في التوبة: {إنا كنا خاطئين *} أي متعمدين للإثم بما ارتكبنا في أمر يوسف علية الصلاة والسلام؛ ثم حكى جوابه بقوله مستأنفاً: {قال} أي أبوهم عليه السلام مؤكداً لكلامه: {سوف أستغفر} أي أطلب أن يغفر {لكم ربي} أي الذي لم يزل يحسن إليّ ويربيني أحسن تربية، فهو الجدير بأن يغفر لبني حتى لا يفرق بيني وبينهم في دار البقاء؛ والربوبية: ملك هو أتم الملك على الإطلاق، وهو ملك الله تعالى لإنشاء الأنفس باختراعها وتصريفها أتم التصريف من الإيجاد والإعدام والتقليب من حال إلى حال في جميع الأمور من غير تعب؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنه هو} أي وحده {الغفور الرحيم *} كل ذلك تسكيناً لقلوبهم وتصحيحاً لرجائهم ليقوى أملهم، فيكون تعالى عند ظنهم بتحقيق الإجابة وتنجيزاً لطلبه؛ ولعله عبر بـ"سوف" لتقديم هاتين الجملتين على المسألة لما ذكرته من الأغراض، وقيل: لأنه أخر الدعاء إلى صلاة الليل، وقيل: إلى ليلة الجمعة؛ وقيل: يؤخذ منها أن طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منه إلى الشيوخ.

ابو السعود

تفسير : . {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا} قيل: هو الذي كان عليه حينئذ، وقيل: هو القميصُ المتوارَث الذي كان في التعويذ أمره جبريلُ بإرساله إليه وأوحى إليه أن فيحَ ريحِ الجنةِ لا يقع على مبتلىً إلا عُوفي {فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا} يكن بصيراً أو يأت إليَّ بصيراً، وينصره قوله: {وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} أي بأبـي وغيره ممن ينتظمه لفظُ الأهل جميعاً من النساء والذراري. قيل: إنما حمل القميصَ يهوذا وقال: أنا أحزنتُه بحمل القميصِ ملطخاً بالدم إليه فأُفرِحه كما أحزنته، وقيل: حمله وهو حافٍ حاسرٌ من مصر إلى كنعان وبـينهما مسيرةُ ثمانين فرسخاً. {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ} خرجت من عريش مصر، يقال: فصَل من البلد فصولاً إذا انفصل منه وجاوز حيطانَه، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما انفصل العير {قَالَ أَبُوهُمْ} يعقوبُ عليه الصلاة والسلام لمن عنده {إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} أوجده الله سبحانه ما عبق بالقميص من ريح يوسف من ثمانين فرسخاً حين أقبل به يهوذا {لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ} أي تنسُبوني إلى الفند وهو الخرفُ وإنكارُ العقل وفسادُ الرأي مِنُ هرمٍ، يقال: شيخٌ مفنّد ولا يقال عجوزٌ مفنّدة إذ لم تكن في شبـيبتها ذاتَ رأي فتُفَنّد في كِبَرها، وجواب لولا محذوف أي لصدقتموني {قَالُواْ} أي الحاضرون عنده {تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ} لفي ذهابك عن الصواب قدُماً في إفراط محبتِك ليوسف ولَهجِك بذكره ورجائِك للقائه وكان عندهم أنه قد مات. {فَلَمَّا أَن جَاء ٱلْبَشِيرُ} وهو يهوذا {أَلْقَاهُ} أي ألقى البشيرُ القميصَ {عَلَىٰ وَجْهِهِ} أي وجه يعقوب أو ألقاه يعقوبُ على وجه نفسه {فَٱرْتَدَّ} عاد {بَصِيراً} لما انتعش فيه من القوة {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} يعني قولَه: إني لأجد ريحَ يوسف، فالخطابُ لمن كان عنده بكنعان أو قولَه: ولا تيأسوا من رَوْح الله فالخطابُ لبنيه وهو الأنسب بقوله: {إِنّى أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فإن مدارَ النهي المذكورِ إنما هو العلمُ الذي أوتي يعقوبُ من جهة الله سبحانه وعلى هذا يجوز أن يكون هذا مقولَ القولِ أي ألم أقل لكم ـ حين أرسلتكم إلى مصرَ وأمرتُكم بالتحسس ونهيتُكم عن اليأس من رَوْح الله تعالى ـ وأعلم من الله ما لا تعلمون من حياة يوسف عليه الصلاة والسلام. روي أنه سأل البشيرَ: كيف يوسف؟ فقال: هو ملِكُ مصرَ، قال: ما أصنع بالمُلك، على أي دينٍ تركتَه؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت النِّعمة.

القشيري

تفسير : البلاءُ إذا هَجَمَ هَجَمَ مَرَّةً، وإذا زال بالتدريج؛ حلَّ البَلاءُ بيعقوب مرةً واحدةً حيث قالوا: {فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ} ولما زال البلاءُ.. فأولاً وَجَدَ ريحَ يوسفَ عليه السلام، ثم قميص يوسف، ثم يوم الوصول بين يدي يوسف، ثم رؤية يوسف. ويقال لمَّا كان سببُ البلاءِ والعمى قميصَ يوسف أراد اللَّهُ أن يكونَ به سَبَبُ الخلاص من البلاء. ويقال علم أن يعقوب عليه السلام - لِمَا يلحقه من فَرْطِ السرور - لا يطيقه عند أخذ القميص فقال: {فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي}. ويقال القميص لا يصلح إلا للباس إلا قميص الأحباب فإنه لا يصلح إلا لوجدان ريح الأحباب. ويقال كان العمى في العين فأمر بإلقاء القميص على الوجه ليجدَ الشفاءَ من العمى. ويقال لمَّا كان البكاء بالعين التي في الوجه كان الشفاء في الإلقاء على العين. التي في الوجه، وفي معناه أنشدوا: شعر : وما بات مطوياً على أريحية عُقَيب النَّوى إلا فتىً ظلَّ مغرما تفسير : وقوله {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}: لما عَلِمَ حزنَ جميعَ الأهلِ عليه أراد أن يشترك في الفرح جميعُ من أصابهم الحزن. ويقال عَلِمَ يوسفُ أن يعقوبَ لن يطيق على القيام بكفاية أمور يوسف فاستحضَرَه، إبقاءً على حالِه لا إخلالاً لِقَدْرِه وما وَجَبَ عليه من إجلاله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً} الحكمة فى ارسال القميص انه علم ان يعقوب لا يحتمل الوصال الكل بالبديهة فجعل وصاله بالتدريج لئلا يهلك فى اولا الملاقات من فرح الوجدان فارسل القميص ليقويه بريحه وطيب روحه ولان عينى يعقوب ابيضتا لم يكونا اعمتا انما ضعف نورهما فارسل القميص لذهاب بياضهما فانه لو يشم يوسف بعينه احترق بقية نورهما من فوذة الهيجان فخاف على عينيه وايضا ان قميص يوسف كان من نسج الجنة فراى يوسف غيرة الحق فارسل القميص اليه ليشم اولا رائحة بساط القرب وايضا كان قميص يوسف علامة بينه وبين ابيه فاشار اليه بالقميص اى اذا كان بالقميص بالسلامة من حرق الذنب فانا ايضا بالسلامة وعن على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر قال كان المراد فى القميص انه اتاه الهم من قبل القميص بقوله وجاءوا على قميصه بدم كذب فاحب ان يدخل السرور من جهته التى دخل الهم به عليه ويقال كان العمة فى العين فامر بالقاء القميص عليه ليجد الشفاء من العمة ويقال لما كان البكاء بالعين التى فى الوجه كان الشفاء فى اللقاء للعين التى فى الوجه وفى معناه انشد شعر : وما بات مطويا على اريحته بعقب النوى الا فتى ظل مغرما تفسير : قوله تعالى {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} كان كرم يوسف يقتضى ان يذهب الى ابيه ولم يستحضره ولكن ابى العشق الا ان يزيد البلاء على العاشق ومن يرى معشوقا فى الكونين رحيما بعاشقه فان اقتضى الظاهر الادب غلب العشق على الرسوم حتى يزيد عشقه على عشقه وشوقه على شوقه ويرى يوسف فتوته فآثر اجر السعى على ابيه كان سخا بدينه لا بدنياه وذلك من عزة ابيه عنده وشارك لاهل لانهم ايضا قاسوا مقاساة الفراق اراد ان يشتركوا فى الفرح ويقال علم يوسف ان يعقوب لا يطيق القيام بكفاية امر يوسف فاستحضره ابقاء على حاله لا اذلالا بقدره وما عليه من اجلاله.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذهبوا} لما عرفهم يوسف نفسه وعرفوه سألهم عن أبيه فقال ما فعل ابى بعدى قالوا اذهبت عيناه فاعطاهم قميصه وقال اذهبوا يا اخوتى {بقميصى هذا} حال والباء للملابسة والمصاحبة ويجوز ان تكون للتعدية. فالمعنى بالفارسية [ببريد اين بيراهن مرا] وهو القميص المتوارث كما روى عن انس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : اما قوله اذهبوا بقميصى هذا فان نمرود الجبار لما القى ابراهيم فى النار نزل الله جبريل بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فالبسه القميص واقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه فكسا ابراهيم ذلك القميص اسحاق وكساه اسحاق يعقوب وكساه يعقوب يوسف فجعله فى قصبة من فضة وعلقها اى للحفظ من العين وغيرها " تفسير : وفى التبيان مخافة من اخوته عليه فالقى فى الجب والقميص فى عنقه وكان فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلى او سقيم الاصح وعوفى. وفى التأويلات النجمية فيه اشارة الى ان قميص يوسف القلب من ثياب الجنة وهو كسوة كساه الله تعالى من انوار جماله اذا القى على وجه يعقوب الروح الاعمى يرتد بصيرا ومن هذا السر ارباب القلوب من المشايخ يلبسون المريدين خرقتهم لتعود بركة الخرقة الى ارواح المريدين فيذهب عنهم العمى الذى حصل على من حب الدنيا والتصرف فيها انتهى. قال بعض الحفاظ من الكذب قول من قال ان عليا البس الخرقة الحسن البصرى فان ائمة الحديث لم يثبتوا للحسن من على سماع فضلا عن ان يلبسه الخرقة انتهى. يقول الفقير هذا من سنة المشايخ قدس الله اسرارهم فانهم لبسوا الخرقة والبسوها تبركا وتيمنا وهم قد فعلوا ذلك بالهام من الله تعالى واشارة فليس لاحد ان يدعى انه من الزيادات والبدع القبيحة. وزرت فى بلدة قونية مرقد حضرة الشيخ صدر الدين قدس سره وله فى حجرة الكتب خرقة لطيفة محفوظة يقال انها من البسة الجنة وغسلت طرفا من ذيلها فى طست له يستشفى بمائه وشربت على نية زوال الامراض الظاهرة والباطنة والحمد لله {فالقوه على وجه ابى يأت بصيرا} يصير بصيرا كقولك جاء البناء محكما بمعنى صار ويشهد له فارتد بصيرا ويأت الىّ حال كونه بصيرا ذاهبا بياض عينه وراجعا اليها الضوء وينصره قوله {وائتونى} [وبياييد بمن] اى انتم وابى ففيه تغلب المخاطبين {باهلكم اجمعين} بنسائكم وذراريكم ومواليكم فان الاهل يفسر بالازواج والاولاد وبالعبيد والاماء وبالاقارب وبالاصحاب وبالمجموع -روى- ان يهودا حمل القميص وقال انا احزنته بحمل القميص الملطخ بالدم اليه فافرحه كما احزنته فحمله وهو حاف حاسر من مصر الى كنهان ومعه سبعة ارغفة لم يستوف اكلها حتى اتاه وكانت المسافة ثمانين فرسخا. قال الكاشفى [ببراهن بوى داد واسباب راه جهت بدر ومتعلقان مهياسا خته بردران تسليم كرد]

ابن عجيبة

تفسير : قلت: جواب (لولا): محذوف، أي: لولا أن تفندون لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني. يقول الحق جل جلاله: قال يوسف لإخوته لما عرفوه، وأزال ما بينه وبينهم من الوحشة، وقد أخذ قميصه: {اذهبوا بقميصي هذا}، رُوي أن هذا القميص كان لإبراهيم الذي لبسه حين كان في النار، وقيل: ألبسه له جبريل حين خرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب، ثم كان دفعه ليوسف، فكان عنده في حِفَاظ من قصب، وكان في عنقه في الجب، وأمره جبريل بإرساله، وقال: إنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل واحد. وبهذا تتبين الغرابة في أن وجد يعقوبُ ريحة من بُعدٍ ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ويجده كل أحد. هـ. قلت: وما قاله لا ينهض؛ لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى على حاله دائماً؛ لأنه من أسرار الغيب، بل لا يجده إلا أهل الذوق من أهل القرب، كنور الحجر الأسود، وغيره مما نزل من الجنة. والله تعالى أعلم. ثم قال لهم اذهبوا به: {فألقوه على وجهِ أبي يأتِ بصيراً} أي: يرجع بصيراً، علم ذلك بوحي، أو تجربة من القميص، {وأتوني بأهلكم أجمعين}؛ نسائكم وذراريكم وأموالكم. {ولما فَصَلَتِ العيرُ} من مصر، وخرجت من عمارتها، {قال أبوهم} لمن حضره: {إني لأجِدُ ريحَ يوسف}؛ أوجده الله، ريح ما عَبَق من قميصه حين أقبل إليه به يهوذا من ثمانين فرسخاً؛ لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس، ويوسف بمصر، {لولا أن تُفَنِّدون}؛ تنسبوني إلى الفِند، وهو: نُقصان عَقْلِ يحدث من هِرَم. ولذلك لا يقال عجوز مفندة؛ لأن نقصان عقلها ذاتي. أي: لولا أن تحمِّقوني لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني في ذلك، أو لولا أن تلوموني، وتردوا عليّ قولي لقلت إنه ريح يوسف. {قالوا} أي: الحاضرون: {تاللهِ إنك لفي ضلالِكَ القديم} أي: إنك لفي خطئك القديم بالإفراط في محبة يوسف، وإكثار ذكره، وتوقع لقائه. {فلما أن جاءَ البشير} أي: المبشر، وهو يهوذا. رُوي أنه قال: كنتُ أحزنْتُه بِحَمل قميصه المُلَطَّخ بالدم إليه، اليوم أفرحُه بحمل هذا إليه. وفي رواية عنه قال: إني ذهبت إليه بقميص التَّرْحَة، فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة. فلما وصل إليه {ألقاه على وجهه}؛ طرح البشيرُ القميصَ على وجه يعقوب، أو: القاه يعقوبُ بنفسه على وجهه، {فارتدَّ بصيراً} بقدرة الله وبركة القميص. {قال ألم أقلْ لكم إني أعلمُ من الله ما لا تعملون} من حياة يوسف، وإنزال الفرج. {قالوا يا أبانا استغفرْ لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين}، وقد اعترفنا بذنوبنا، وسألنا المغفرة. {قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم}، أخره إلى السَّحَر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحرياً لوقت الإجابة، أو إلى أن يتحلّل لهم من يوسف، فإن عفو المظلوم شرط في المغفرة، ويؤيده ما رُوي أنه لما اجتمع به، وتحلل منه، استقبل يعقوبُ القبلة قائماً يدعو، ويوسفُ خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلةً خاشعين، حتى نزل جبريل وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في أولادك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. وهو إن صح، دليل نبوتهم، وأن ما صدر منهم كان قبل نبوتهم، قاله البيضاوي. الإشارة: اعلم أن الحق ـ جل جلاله ـ جعل للبشرية عَيْنَين حسيين: تبصر بهما الحسيات، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني. فالأول: يسمى البصر، والثاني: البصيرة: فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة، والأخرى تبصر أسرار الحقيقة. وقد يغشى القلب ظلمةُ الكفر، فتغطيهما معاً، وهو: عمى البصيرة. وقد يغشاه ظلمة المعاصي، واتباع الحظوظ والهوى، فتعمى عين الحقيقة، وجلباب العصمة على عين الشريعة، فيرجع القلب بصيراً. ولا بد من صحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص، ويقول: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه بصيرتكم، تأتي بصيرة عارفة، فإذا قرب منها هذا القميص هبَّ عليها نسيم الوصال، وهاج عليها الوجدُ والحالُ. وأنشدت بلسان المقال: شعر : سُوَيْداء قََلْبِي أَصْبَحَت حَرماً لَكُم تَطُوفُ بها الأسرارُ من عَالَم اللُّطف وسائلُ ما بينَ المُحبِّين أَصْبَحَتْ تَجِلُّ عن التَّعْرِيفِ والرَّسم والعُرْفِ رَسَائِل جَاءَتْنا بِِرُؤْيَا جَنَابِكُمْ عَوارِِفُ عُرف فَاقَ كُلَّ شّذا عَرف تفسير : ثم ذكر دخول يعقوب مصر، وجمع شمله بيوسف ـ عليهما السلام ـ، فقال: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ}.

الطوسي

تفسير : هذا اخبار من الله تعالى بأن يوسف أعطى اخوته قميصه. وقال: احملوه إلى أبي يعقوب واطرحوه على وجهه، فإنه يرجع بصيراً، ويزول عنه العمى وذلك معجز دال على نبوته، لانه - على قول المفسرين كالحسن والسدي وغيرهما - كان قد عمي، ولولا ان الله أعلمه انه يرجع اليه بصره لما أرسله اليه، وانما حمل اليه القميص، لان الله تعالى كان جعله علامة له إذا شمه شم منه رائحة يوسف، وبشارة له قبل لقائه. وقوله {وأتوني بأهلكم أجمعين}، معناه احملوا أهاليكم أجمع الى عندي وجيؤني بهم.

الجنابذي

تفسير : {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا} وقد ابتلّ القميص بدموعه او كان قميص ابراهيم (ع) الّذى اتى به جبرئيل من الجنّة حين القاء نمرود فى النّار فصارت برداً وسلاماً وقد جعله ابراهيم (ع) تعويذاً لاسحاق (ع) وجعله اسحاق (ع) تعويذاً ليعقوب (ع) وجعله يعقوب (ع) تعويذاً ليوسف (ع) على اختلاف الاخبار {فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ} عير اخوة يوسف (ع) الّتى فيها القميص عن مصر {قَالَ أَبُوهُمْ} لمن حضره {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} تنسبونى الى الفند والخرافة من الكبر.

الالوسي

تفسير : {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا } هو القميص الذي كان عليه حينئذٍ كما هو الظاهر؛ وعن ابن عباس وغيره أنه القميص الذي كساه الله تعالى إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وكان من قمص الجنة جعله يعقوب حين وصل إليه في قصبة فضة وعلقه في عنق يوسف وكان لا يقع على عاهة من عاهات الدنيا إلا أبرأها بإذن الله تعالى. وضعف هذا بأن قوله: {أية : إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } تفسير : [يوسف: 94] يدل على أنه عليه السلام كان لابساً له في تعويذته كما تشهد به الإضافة إلى ضميره وهو تضعيف ضعيف كما لا يخفى، وقيل: هو القميص الذي قُدَّ من دبر وأرسله ليعلم يعقوب أنه عصم من الفاحشة ولا يخفى بعده، وأياً ما كان فالباء إما للمصاحبة أو للملابسة أي اذهبوا مصحوبين أو ملتبسين به أو للتعدية على ما قيل أي اذهبوا قميصي هذا {فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا} أي يصر بصيراً ويشهد له {أية : فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا } تفسير : [يوسف:96] أو يأت إلي وهو بصير وينصره قوله: {وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } من النساء والذراري وغيرهم مما ينتظمه لفظ الأهل كذا قالوا. وحاصل الوجهين ـ كما قال بعض المدققين ـ أن الإتيان في الأول مجاز عن الصيرورة ولم يذكر إتيان الأب إليه لا لكونه داخلاً في الأهل فإنه يجل عن التابعية بل تفادياً عن أمر الإخوة بالإتيان لأنه نوع إجبار على من يؤتى به فهو إلى اختياره، وفي الثاني على الحقيقة وفيه التفادي المذكور، والجزم بأنه من الآتين لا محالة وثوقاً بمحبته وإن فائدة الإلقاء إتيانه على ما أحب من كونه معافى سليم البصر، وفيه أن صيرورته بصير أمر/ مفروغ عنه مقطوع إنما الكلام في تسبب الإلقاء لإتيانه كذلك فهذا الوجه أرجح وإن كان الأول من الخلافة بالقبول بمنزل، وفيه دلالة على أنه عليه السلام قد ذهب بصره، وعلم يوسف عليه السلام بذلك يحتمل أن يكون بإعلامهم ويحتمل أن يكون بالوحي، وكذا علمه بما يترتب على الإلقاء يحتمل أن يكون عن وحي أيضاً أو عن وقوف من قبل على خواص ذلك القميص بالتجربة أو نحوها إن كان المراد بالقميص الذي كان في التعويذة ويتعين الاحتمال الأول إن كان المراد غيره على ما هو الظاهر. وقال الإمام: يمكن أن يقال: لعل يوسف عليه السلام علم أن أباه ما عرا بصره ما عراه إلا من كثرة البكاء وضيق القلب فإذا ألقي عليه قميصه فلا بد وأن ينشرح صدره وأن يحصل في قلبه الفرح الشديد وذلك يقوي الروح ويزيل الضعف عن القوى فحينئذٍ يقوى بصره ويزول عنه ذلك النقصان فهذا القدر مما يمكن معرفته بالعقل فإن القوانين الطبية تدل على صحته وأنا لا أرى ذلك، قال الكلبـي: وكان أولئك الأهل نحواً من سبعين إنساناً وأخرج ابن أبـي حاتم عن الربيع بن أنس أنهم اثنان وسبعون من ولده وولد ولده، وقيل: ثمانون، وقيل: تسعون وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن مسعود أنهم ثلاثة وتسعون. وقيل: ست وتسعون وقد نموا في مصر فخرجوا منها مع موسى عليه السلام وهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلاً سوى الذرية والهرمى وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف على ما قيل.

د. أسعد حومد

تفسير : (93) - وَسَأَلَ يُوسُفُ إِخْوَتَهُ عَنْ حَالِ أَبِيهِمْ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّ بَصَرَهُ قَدْ كُفَّ مِنْ كَثْرَةِ البُكَاءِ وَالحُزْنِ العَمِيقِ، فَدَفَعَ إِلَيْهِمْ قَمِيصَهُ وَقَالَ لَهُمْ: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا إِلى أَبِي، وَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِهِ يَرْجِعْ مُبْصِراً، وَأْتُونِي مَعَ أَبِيكُمْ وَجَمِيعِ آلِ يَعْقُوبَ وَأَزْوَاجِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ. يَأْتِ بَصِيراً - يَرْجِعْ بَصِيراً مِنْ شِدَّةِ السُّرُورِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكان يوسف عليه السلام، قد عَلِم أن أباه يربط عينيه من الحزن، وكاد أن يفقد بصره، فأمر إخوته أن يذهبوا بقميصه الذي كان يلبسه إلى أبيه. وتقول كتب السِّير أن أخاه الأكبر الذي رفض أن يبرح مصر، وقال: {أية : فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} تفسير : [يوسف: 80]. قد قال ليوسف: "يا أيها العزيز إنني أنا الذي حملتُ القميص بدم كذب إلى أبي، فدعْني احمل هذا القميص لأبي، كي تمحو هذه تلك". وقال يوسف عن فعل القميص مع الأب: {فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ..} [يوسف: 93]. ونلحظ أنه لم يَقُلْ: "وجه أبيكم". وفي قوله: {وَجْهِ أَبِي ..} [يوسف: 93]. إشارة إلى الحنان الأبوي الذي فقدوه منذ أن غاب يوسف، فغرق والده في الحزن. و. {يَأْتِ بَصِيراً ..} [يوسف: 93]. أي: يرتدّ إليه بصره، أو يراه أمامه سليماً. ويضيف يوسف: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف: 93]. هذا تعبير قُرآني دقيق، أن يُحضروا معهم كل مَنْ يَمُتُّ بصلة قرابة لهم أو يعمل معهم، ولم يَقُلْ يوسف "بآلكم" حتى لا يأتوا بالأعيان فقط. ونلحظ أنه لم يذكر والده في أمر يوسف لإخوته أن يأتوه بكل مَنْ يمُتُّ لهم بصلة قُرْبى؛ لأن في مثل هذا الأمر - من موقع عزيز مصر - إجباراً للأب على المجيء، وهو يُجِلُّ أباه عن ذلك. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَمَّا فَصَلَتِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قال يوسف عليه السلام لإخوته: { اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا } لأن كل داء يداوى بضده، فهذا القميص - لما كان فيه أثر ريح يوسف، الذي أودع قلب أبيه من الحزن والشوق ما الله به عليم - أراد أن يشمه، فترجع إليه روحه، وتتراجع إليه نفسه، ويرجع إليه بصره، ولله في ذلك حكم وأسرار، لا يطلع عليها العباد، وقد اطلع يوسف من ذلك على هذا الأمر. { وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } أي: أولادكم وعشيرتكم وتوابعكم كلهم، ليحصل تمام اللقاء، ويزول عنكم نكد المعيشة، وضنك الرزق. { وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ } عن أرض مصر مقبلة إلى أرض فلسطين، شمَّ يعقوب ريح القميص، فقال: { إِنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ } أي: تسخرون مني، وتزعمون أن هذا الكلام، صدر مني من غير شعور، لأنه رأى منهم من التعجب من حاله ما أوجب له هذا القول. فوقع ما ظنه بهم فقالوا: { تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ } أي: لا تزال تائها في بحر الحبّ لا تدري ما تقول. { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ } بقرب الاجتماع بيوسف وإخوته وأبيهم، { أَلْقَاهُ } أي: القميص { عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا } أي: رجع على حاله الأولى بصيرا، بعد أن ابيضت عيناه من الحزن، فقال لمن حضره من أولاده وأهله الذين كانوا يفندون رأيه، ويتعجبون منه منتصرا عليهم، متبجحا بنعمة الله عليه: { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } حيث كنت مترجيا للقاء يوسف، مترقبا لزوال الهم والغم والحزن. فأقروا بذنبهم ونجعوا بذلك و { قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } حيث فعلنا معك ما فعلنا. فـ { قَالَ } مجيبا لطلبتهم، ومسرعا لإجابتهم: { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } أي: ورجائي به أن يغفر لكم ويرحمكم، ويتغمدكم برحمته، وقد قيل: إنه أخر الاستغفار لهم إلى وقت السحر الفاضل، ليكون أتمَّ للاستغفار، وأقرب للإجابة.