١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
94
Tafseer
الرازي
تفسير : يقال: فصل فلان من عند فلان فصولاً إذا خرج من عنده. وفصل مني إليه كتاباً إذا أنفذ به إليه. وفصل يكون لازماً ومتعدياً وإذا كان لازماً فمصدره الفصول وإذا كان متعدياً فمصدره الفصل قال لما خرجت العير من مصر متوجهة إلى كنعان قال يعقوب عليه السلام لمن حضر عنده من أهله وقرابته وولد ولده {إِنّى لاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } ولم يكن هذا القول مع أولاده لأنهم كانوا غائبين بدليل أنه عليه السلام قال لهم: { أية : ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } تفسير : [يوسف: 87] واختلفوا في قدر المسافة فقيل: مسيرة ثمانية أيام، وقيل عشرة أيام، وقيل ثمانون فرسخاً. واختلفوا في كيفية وصول تلك الرائحة إليه، فقال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم عليه السلام أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فمن ثم قال: {إِنّى لاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } وروى الواحدي بإسناده عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أما قوله: { أية : ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا } تفسير : [يوسف: 93] فإن نمروذ الجبار لما ألقى إبراهيم في النار نزل عليه جبريل عليه السلام بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه، فكسا إبراهيم عليه السلام ذلك القميص إسحاق وكساه إسحق يعقوب وكساه يعقوب يوسف فجعله في قصبة من فضة وعلقها في عنقه فألقى في الجب القميص في عنقه فذلك قوله: {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا } والتحقيق أن يقال: إنه تعالى أوصل تلك الرائحة إليه على سبيل إظهار المعجزات لا وصول الرائحة إليه من هذه المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة فيكون معجزة ولا بد من كونها معجزة لأحدهما والأقرب أنه ليعقوب عليه السلام حين أخبر عنه ونسبوه في هذا الكلام إلى ما لا ينبغي، فظهر أن الأمر كما ذكر فكان معجزة له. قال أهل المعاني: إن الله تعالى أوصل إليه ريح يوسف عليه السلام عند انقضاء مدة المحنة ومجيء وقت الروح والفرح من المكان البعيد ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل ومعنى: لأجد ريح يوسف أشم وعبر عنه بالوجود لأنه وجدان له بحاسة الشم، وقوله: {لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } قال أبو بكر ابن الأنباري: أفند الرجل إذا حزن وتغير عقله وفند إذا جهل ونسب ذلك إليه، وعن الأصمعي إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو المفند قال صاحب «الكشاف»: يقال شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة، لأنها لم يكن في شبيبتها ذات رأي حتى تفند في كبرها فقوله: {لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } أي لولا أن تنسبوني إلى الخرف، ولما ذكر يعقوب ذلك قال الحاضرون عنده: {تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ } وفي الضلال ههنا وجوه: الأول: قال مقاتل: يعني بالضلال ههنا الشقاء، يعني شقاء الدنيا والمعنى: إنك لفي شقائك القديم بما تكابد من الأحزان على يوسف، واحتج مقاتل بقوله: {أية : إِنَّا إِذاً لَّفِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ } تفسير : [القمر: 24] يعنون لفي شقاء دنيانا، وقال قتادة: لفي ضلالك القديم، أي لفي حبك القديم لا تنساه ولا تذهل عنه وهو كقولهم: { أية : إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [يوسف: 8] ثم قال قتادة: قد قالوا كلمة غليظة ولم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله، وقال الحسن إنما خاطبوه بذلك لاعتقادهم أن يوسف قد مات وقد كان يعقوب في ولوعه بذكره، ذاهباً عن الرشد والصواب وقوله:{فَلَمَّا أَن جَاء ٱلْبَشِيرُ} في «أن» قولان: الأول: أنه لا موضع لها من الإعراب وقد تذكر تارة كما ههنا، وقد تحذف كقوله: {أية : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ } تفسير : [هود: 74] والمذهبان جميعاً موجودان في أشعار العرب. والثاني: قال البصريون هي مع «ما» في موضع رفع بالفعل المضمر تقديره: فلما ظهر أن جاء البشير، أي ظهر مجيء البشير فأضمر الرافع قال جمهور المفسرين البشير هو يهودا قال أنا ذهبت بالقميص الملطخ بالدم وقلت إن يوسف أكله / الذئب فأذهب اليوم بالقميص فأفرحه كما أحزنته قوله: {أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ } أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب أو يقال ألقاه يعقوب على وجه نفسه {فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا } أي رجع بصيراً ومعنى الارتداد انقلاب الشيء إلى حالة قد كان عليها وقوله: {فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا } أي صيره الله بصيراً كما يقال طالت النخلة والله تعالى أطالها واختلفوا فيه فقال بعضهم: إنه كان قد عمي بالكلية فالله تعالى جعله بصيراً في هذا الوقت. وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء وكثرة الأحزان، فلما ألقوا القميص على وجهه، وبشر بحياة يوسف عليه السلام عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه، فعند ذلك قوي بصره وزال النقصان عنه، فعند هذا قال: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنّى أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } والمراد علمه بحياة يوسف من جهة الرؤيا، لأن هذا المعنى هو الذي له تعلق بما تقدم، وهو إشارة إلى ما تقدم من قوله: { أية : إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [يوسف: 86] روي أنه سأل البشير وقال: كيف يوسف قال هو ملك مصر، قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته قال: على دين الإسلام قال: الآن تمت النعمة، ثم إن أولاد يعقوب أخذوا يعتذرون إليه {وَقَالُواْ يـٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَـٰطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } وظاهر الكلام أنه لم يستغفر لهم في الحال، بل وعدهم بأنه يستغفر لهم بعد ذلك، واختلفوا في سبب هذا المعنى على وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: والأكثرون أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر، لأن هذا الوقت أوفق الأوقات لرجاء الإجابة. الثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: في رواية أخرى أخر الاستغفار إلى ليلة الجمعة، لأنها أوفق الأوقات للإجابة. الثالث: أراد أن يعرف أنهم هل تابوا في الحقيقة أم لا، وهل حصلت توبتهم مقرونة بالإخلاص التام أم لا. الرابع: استغفر لهم في الحال، وقوله: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكُمْ } معناه أني أداوم على هذا الاستغفار في الزمان المستقبل، فقد روي أنه كان يستغفر لهم في كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة، وقيل: قام إلى الصلاة في وقت فلما فرغ رفع يده إلى السماء وقال: «اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عليه، واغفر لأولادي ما فعلوه في حق يوسف عليه السلام» فأوحى الله تعالى إليه: قد غفرت لك ولهم أجمعين. وروي أن أبناء يعقوب عليه السلام قالوا ليعقوب وقد غلبهم الخوف والبكاء: ما يغني عنا إن لم يغفر لنا، فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى قل صبرهم فظنوا أنها الهلكة فنزل جبريل عليه السلام وقال: «إن الله تعالى أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة» وقد اختلف الناس في نبوتهم وهو مشهور.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ} أي خرجت منطلقة من مصر إلى الشام، يقال: فَصَلَ فُصُولاً، وفَصَلْته فَصْلاً، فهو لازم ومتعد. {قَالَ أَبُوهُمْ} أي قال لمن حضر من قرابته ممن لم يخرج إلى مصر وهم ولد ولده: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}. وقد يحتمل أن يكون خرج بعض بنيه، فقال لمن بقي: «إنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ». قال ابن عباس: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف إليه، وبينهما مسيرة ثمان ليال. وقال الحسن: مسيرة عشر ليال؛ وعنه أيضاً مَسيرة شهر. وقال مالك (بن أنس) رضي الله عنه: إنما أوصل ريحه من أوصل عرش بلقيس قبل أن يرتدّ إلى سليمان عليه السلام طرفه. وقال مجاهد: هبّت ريح فصَفَقَت القميصَ فراحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فعند ذلك قال: «إنِّي لأَجِدُ» أي أشم؛ فهو وجود بحاسة الشم. {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} قال ابن عباس ومجاهد: لولا أن تُسفّهون؛ ومنه قول النابغة: شعر : إلاَّ سُليمان إذ قال المليكُ لَهُ قُمْ في البرِيَّة فٱحْدُدْها عنِ الفَنَدِ تفسير : أي عن السَّفَه. وقال سعيد بن جُبير والضحاك: لولا أن تكذِّبون. والفَنَد الكذب. وقد أَفْنَد إفْنَاداً كَذَب؛ ومنه قول الشاعر:شعر : هل في ٱفتخار الكريم من أَوَدِ أَمْ هل لقول الصَّدُوقِ من فَنَدِ تفسير : أي من كذب. وقيل: لولا أن تُقبِّحون؛ قاله أبو عمرو؛ والتّفنيد التقبيح، قال الشاعر:شعر : يا صاحبيّ دعا لوميِ وتَفْنيدِي فليس ما فاتَ مِن أمرِي بمردودِ تفسير : وقال ٱبن الأعرابي: «لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ» لولا أن تُضعِّفوا رأيي؛ وقاله ابن إسحق. والفند ضعف الرأي من كِبر. وقول رابع: تُضلِّلون، قاله أبو عبيدة. وقال الأخفش: تلوموني؛ والتفنيد اللوم وتضعيف الرأي. وقال الحسن وقَتَادة ومجاهد أيضاً: تُهرِّمون؛ وكله متقارب المعنى، وهو راجع إلى التعجيز وتضعيف الرأي؛ يقال: فَنَّده تفنيداً إذا أعجزه، كما قال:شعر : أهلكنـي باللـوم والتفنِيـد تفسير : ويقال: أفند إذا تكلم بالخطأ؛ والفند الخطأ في الكلام والرأي، كما قال النابغة: شعر : ... فٱحـددهـا عـن الفَنَـدِ تفسير : أي ٱمنعها عن الفساد في العقل، ومن ذلك قيل: اللوم تفنيد؛ قال الشاعر:شعر : يا عاذليّ دَعَا الْمَلاَمَ وأَقْصِرَا طالَ الهَوَى وأطلتما التَّفْنِيدا تفسير : ويقال: أَفْنَد فلاناً الدهرُ إذا أفسده؛ ومنه قول ابن مُقْبِل:شعر : دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلْ ما أَرادَ فإنَّهُ إذا كُلِّف الإفنادَ بالناسِ أَفْنَدَا تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} أي لفي ذهاب عن طريق الصواب. وقال ابن عباس وابن زيد: لفي خطئِك الماضي من حبّ يوسف لا تنساه. وقال سعيد بن جُبير: لفي جنونك القديم. قال الحسن: وهذا عقوق. وقال قَتَادة وسفيان: لفي محبتك القديمة. وقيل: إنما قالوا هذا؛ لأن يوسف عندهم كان قد مات. وقيل: إن الذي قال له ذلك من بقي معه من ولده ولم يكن عندهم الخبر. وقيل: قال له ذلك من كان معه من أهله وقرابته. وقيل: بنو بنيه وكانوا صغاراً؛ فالله أعلم. قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ} أي على عينيه. {فَٱرْتَدَّ بَصِيراً} «أَنْ» زائدة، والبشير قيل هو شمعون. وقيل: يهوذا قال: أنا أذهب بالقميص اليوم كما ذهبت به مُلَطَّخاً بالدّم؛ قاله ابن عباس. وعن السدّي أنه قال لإخوته: قد علمتم أني ذهبت إليه بقميص التَّرْحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفَرْحة. وقال يحيـى بن يمان عن سفيان: لما جاء البشير إلى يعقوب قال له: على أيّ دِينٍ تركت يوسف؟ قال: على الإسلام؛ قال: الآن تمت النعمة؛ وقال الحسن: لما ورد البشير على يعقوب لم يجد عنده شيئاً يُثِيبه به؛ فقال: والله ما أصبتُ عندنا شيئاً، وما خبزنا شيئاً منذ سبع ليال، ولكن هوّن الله عليك سكراتِ الموت. قلت: وهذا الدعاء من أعظم ما يكون من الجوائز، وأفضل العطايا والذخائر. ودلّت هذه الآية على جواز البذل والهِبات عند البشائر. وفي الباب حديث كعب بن مالك ـ الطويل ـ وفيه: «فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشّرني نزعت ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشارته» وذكر الحديث، وقد تقدّم بكماله في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا، وكسوة كعب ثوبيه للبشير مع كونه ليس له غيرهما دليل على جواز مثل ذلك إذا ٱرتجى حصول ما يستبشر به، وهو دليل على جواز إظهار الفرح بعد زوال الغمّ والتّرَح. ومن هذا الباب جواز حِذَاقة الصبيان، وإطعام الطعام فيها، وقد نحر عمر بعد (حفظه) سورة «البقرة» جَزُوراً. والله أعلم. قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ذَكَّرهم قوله: {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قوله تعالى: {قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } في الكلام حذف، التقدير: فلما رجعوا من مصر قالوا يا أبانا؛ وهذا يدلّ على أن الذي قال له: «تَاللَّهِ إنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ» بنو بنيه أو غيرهم من قرابته وأهله لا ولده؛ فإنهم كانوا غُيّبًا، وكان يكون ذلك زيادة في العقوق. والله أعلم. وإنما سألوه المغفرة، لأنهم أدخلوا عليه من ألم الحزن ما لم يسقط المأثم عنه إلا بإحلاله. قلت: وهذا الحكم ثابت فيمن آذى مسلماً في نفسه أو ماله أو غير ذلك ظالماً له؛ فإنه يجب عليه أن يَتَحَلَّل له ويخبره بالمَظْلِمة وقدرها؛ وهل ينفعه التّحليل المطلق أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينفع؛ فإنه لو أخبره بمظلِمة لها قَدْرٌ وبَالٌ ربما لم تَطب نفس المظلوم في التَّحلُّل منها. والله أعلم. وفي صحيح البخاريّ وغيره عن أبي هُريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كانت له مَظْلِمَة لأخيه من عِرْضه أو شيءٌ فلْيحلّله منه اليوم قبل ألا يكونَ دينارٌ ولا دِرْهمٌ إن كان له عمل صالح أُخِذ منه بقدر مَظلِمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فُحمِل عليه» تفسير : قال المهلَّب فقوله صلى الله عليه وسلم: «أُخذ منه بقدر مَظْلِمته» يجب أن تكون المظلمة معلومة القدر مشاراً إليها مبيّنة، والله أعلم. قوله تعالى: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ} قال ابن عباس: أَخَّر دعاءه إلى السَّحَر. وقال المُثَنَّى بن الصَّبَّاح عن طاوس قال: سَحَر ليلة الجمعة، ووافق ذلك ليلة عاشوراء. وفي دعاء الحِفِط ـ من كتاب الترمذيّ ـ حديث : عن ابن عباس أنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ فقال: ـ بأبي أنت وأمِّي ـ تَفَلَّتَ هذا القرآنُ من صدرِي، فما أجدني أقدر عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا أعلمك كلماتٍ يَنفعْكَ اللَّهُ بهنّ ويَنفعْ بهنّ من عَلَّمته ويُثبِّت ما تعلمتَ في صدرك قال: أجل يا رسول الله! فَعلَّمني؛ قال: إذا كان ليلة الجمعة فإن ٱستطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخرِ فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب وقد قال أخي يعقوب لبنيه «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» يقول حتى تأتي ليلة الجمعة» تفسير : وذكر الحديث. وقال أيوب بن أبي تميمة السَّخْتِيَاني عن سعيد بن جُبير قال: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» في الليالي البيض، في الثالثة عشرة، والرابعة عشرة، والخامسة عشرة فإن الدعاء فيها مستجاب. وعن عامر الشّعبي قال: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» أي أسأل يوسف إن عفا عنكم ٱستغفرت لكم ربي؛ وذكر سُنَيد بن داود قال: حدّثنا هشيم قال حدّثنا عبد الرحمن بن إسحق عن محارب بن دِثَار عن عَمّه قال: كنت آتي المسجد في السَّحر فأمرُّ بدار ٱبن مسعود فأسمعه يقول: اللهم إنك أمرتني فأطعت، ودعوتني فأجبت، وهذا سَحَرٌ فٱغفر لي، فلقيت ٱبن مسعود فقلت: كلمات أسمعك تقولهنّ في السحر؟ فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السَّحَر بقوله: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي». قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ} أي قَصْراً كان له هناك. {آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} قيل: إن يوسف بعث مع البشير مائتي راحلة وجهازاً، وسأل يعقوب أن يأتيه بأهله وولده جميعاً؛ فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه، أي ضمّ؛ ويعني بأبويه أباه وخالته، وكانت أمّه قد ماتت في ولادة أخيه بنيامين. وقيل: أحيا الله (له) أمّه تحقيقاً للرؤيا حتى سجدت له، قاله الحسن؛ وقد تقدّم في «البقرة» أن الله تعالى أحيا لنبيه عليه السلام أباه وأمه فآمنا به. قوله تعالى: {ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} قال ٱبن جريج: أي سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله؛ قال: وهذا من تقديم القرآن وتأخيره؛ قال النحاس: يذهب ٱبن جُرَيج إلى أنهم قد دخلوا مصر فكيف يقول: «ٱدْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ». وقيل: إنما قال: «إنْ شَاءَ اللَّهُ» تَبَرُّكاً وجَزْماً. «آمنين» من القَحْط، أو من فرعون؛ وكانوا لا يدخلونها إلا بجوازه.
البيضاوي
تفسير : {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ } من مصر وخرجت من عمرانها. {قَالَ أَبُوهُمْ } لمن حضره. {إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } أوجده الله ريح ما عبق بقميصه من ريحه حين أقبل به إليه يهوذا من ثمانين فرسخاً. {لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } تنسبوني إلى الفند وهو نقصان عقل يحدث من هرم، ولذلك لا يقال عجوز مفندة لأن نقصان عقلها ذاتي. وجواب {لَوْلاَ } محذوف تقديره لصدقتموني أو لقلت إنه قريب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ } خرجت من عريش مصر {قَالَ أَبُوهُمْ } لمن حضر من بنيه وأولادهم {إِنِّى لاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } أوصلته إليه (الصبا) بإذن الله تعالى من مسيرة ثلاثة أيام أو ثمانية أو أكثر {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ } تسفهوني لصدقتموني.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَصَلَتِ} خرجت من مصر إلى الشام. قال: أبوهم لأولاد بنيه لأن بنيه كانوا غُيَّبا {تُفَنِّدُونِ} تسفهون"ع، أو تكذبون، وجد ريح القميص من مسافة عشرة أيام، أو ثمانية أيام "ع"، أو ستة أيام.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ} يقال: فَصَل فلانٌ عن فلانٍ فُصُولاً إذا خرج من عنده، و"فَصَلَ" كذا إذا أنفذ، و"فَصَلَ" يكون لازماً، ومتعديًّا، فإن كان لازماً فمصدره فصولاً، وإن كان متعدياً فمصدره فصلاً. قال المفسرون: لما توجَّه العير من مصر إلى كنعان، قال يعقوب لمن كان عنده من ولد ولده: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} قال مجاهدٌ: أصاب يعقوب ريحُ القميص من مسيرة ثلاثة أيامٍ. وعن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنه ـ من مسيرة ثماني ليال. وقال الحسنُ: كان بينهما ثمانون فرسخاً، وقال مجاهد: هبَّ ريح يوسف فصفق القميص؛ ففاحت روائح الجنَّة في الدُّنيا، واتَّصلت بيعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ فعلم أنَّه ليس في الدنيا من ريح الجنَّة إلاَّ ما كان من ذلك القميص فمن ثمَّ قال: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} وروي أنَّ ريح الصَّبا استأذنت ربَّها أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشيرُ. واعلم أنَّ وصول تلك الرائحة إلى يعقوب من هذه المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة فكان ذلك معجزة، ولكن لمن منهما؟ والأقربُ أنَّها ليعقوب حيثُ أخبروه عنه، ونسبوه إلى ما لا ينبغي؛ فظهر الأمر كما قال؛ فكانت معجزة لهُ. قال أهل المعاني: إنَّ الله ـ تعالى ـ أوصل ريح يوسف عند انقضاء مدَّة المحنة ومجيء وقت الروح والفرج من المكانِ البعيدِ، ومنع من وصولِ خبره إليه مع قرب إحدى البلدين من الأخرى في مدَّة ثمانين سنة، وذلك يدلُّ على أنَّ كلَّ سهلٍ فهو في زمنِ المحنةِ صعبٌ، وكلَّ صعبٍ في زمنِ الإقبال سهلٌ، ومعنى: {لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}: أشم، وعبَّر عنه بالوجود؛ لأنه وجدان له بحاشة الشَّمِّ. قوله: {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} التَّفنيدُ: الإفسادُ، يقال: فنَّدت فلاناً، أي: أفسدتُ رأيه ورددته. قال الشاعر: [البسيط] شعر : 3150ب ـ يَا صَاحبيَّ دَعَا لَوْمِي وتَفْنِيدِي فَليْسَ مَا فَاتَ مِنْ بِمَرْدُودِ تفسير : ومنه: أفْنَدَ الدَّهرُ فلاناً؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3151ـ دَعِ الدَّهْرُ يَفْعَلْ ما أرَاد فإنَّهُ إذَا كُلِّفَ الإفْنادَ بالنَّاسِ أفْنَدا تفسير : والفَنَدُ: الفسادُ؛ قال النابغة: [البسيط] شعر : 3152ـ إلاَّ سُليْمان إذْ قَالَ الإلهُ لَهُ قُمْ فِي البَريِّةِ فاحْدُدْهَا عنِ الفَندِ تفسير : والفِنْدُ: شمراخ الجبلِ، وبه سمي الرَّجل فنداً، والفِنْدُ الزَّماني أحد شعراء الحماسة من ذلك. وقال الزمخشري: "يقالُ: شَيْخٌ مفنَّدٌ، ولا يقال: عجُوزٌ مُفنَّدة؛ لأنَّها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فتفنَّد في كبرها وهو غريبٌ". وجواب "لَوْلاَ" الامتناعية محذوفٌ، تقديره: لصَدَّقْتُمونِي ويجوز أن يكون تقديره: لأخبرتكم. قال ابنُ الأنباريّ: "أفْنَدَ الرَّجلُ: إذا انْحَرفَ، وتغيَّر عَقْلهُ، وفند إذا جهل ونسب ذلك إليه". وعن الأصمعيِّ قال: إذا كثر كلامٌ الرَّجلِ من خرفٍ فهو الفَنَد والتَّفنيد. فصل قال المفسرون: "لَوْلاَ أن تُفنِّدُون" تسفهون، وعن ابن عبَّاس ـ رضي الله عنه ـ: تَجْهلُون، وقال الضحاك: تَهْرَمُون، تقولون: شَيْخٌ كبيرٌ قد خرفَ، وذهب عقلهُ. "قَالُوا": يعني أولاد أولاده {إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} أي في ذهاب عن طريق الصَّواب. وقال ابن عبَّاس، وابن زيدٍ، لفي خطئك الماضي من حُبِّ يوسف لا تنساهُ. وقال مقاتلٌ الضَّلالُ هنا الشَّقاءُ، يعني: شقاء الدُّنيا، أي: إنَّك في شقائك القديم بما تُكَابدُ من الأحزان على يوسف. وقال قتادة: لفي حُبِّك القديم لا تنساه، ولا تذهل عنه، قال قتادة: لقد قالوا كلمة [غليظة] لم يجز قولها لنبي الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ. وقال الحسن: إنَّما خاطبوه بذلك، لاعتقادهم أنَّ يوسف قد مَاتَ. {فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ} وهو المبشِّر، في موضع: "أنْ" قولان: أحدهما: لا محلَّ لها من الإعراب، فقد تذكَّر تارة كما هنا، وقد تحذف كقوله: {أية : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ}تفسير : [هود:74]. والثاني: قال البصريُّون: هي في موضع رفعٍ بفعلٍ تقديره: فلمَّا ظهر أن جاء البشير أي: ظهر على البشير؛ فأضمر الرَّافع. وقال جمهورُ المفسِّيرين البشيرُ هو يهوذا قال: أنا ذهبتُ بالقميص مُلطَّخاً بالدَّم، وقلت: إنَّ يوسف أكلهُ الذِّئبُ، فأذهب اليوم بقميصه، وأخبره أنه حي فأفرحهُ كما أحزنته، وقيل: البشيرُ مالكُ بنُ دُعْرٍ. قوله: "ألقاهُ" الظَّاهرُ أنَّ الفاعل هو ضمير البشير، وقيل: هو ضمير يعقوب وفي "بَصِيراً" وجهان: أحدهما: حال، أي: يرجع في هذه الحال. والثاني: أنَّه خبرها؛ لأنَّها بمعنى صار عند بعضهم، و"بَصِيراً" من بصُر بالشيء كـ"ظَرِيف" من "ظَرُفَ". وقيل: هو مثالُ مبالغةٍ، كـ "عَلِيم" وفيه دلالة على أنَّه لم يذهب بصره بالكلِّية ومعنى الارتداد: انقلابُ الشَّيء إلى حالٍ كان عليها. وقوله: {فَٱرْتَدَّ بَصِيراً} أي صيَّرهُ اللهُ بصيراً، كما يقال: طالت النَّخلة والله أطالها. قال بعضهم: إنه كان قد عمي بالكلية، فجعله اللهُ بصيراً في هذا الوقت. وقال آخرون: بل كان ضعف بصره من كثرة البكاءِ والحزن، فلمَّا ألقوا القميص على وجهه، وبشَّره بحياةِ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ عظم فرحه وانشرح صدرهُ وزالت أحزانه فعند ذلك قَوي بصره، وعادت قُوَّته بعد الضَّعف، وقال: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من حياة يوسف من جهة رُؤيَاه، وهو أنَّ الله يجمع بيننا، وهو إشارةٌ إلى قوله: {أية : إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [يوسف:86]. روي أنَّه قال للبشير: كيف حاله؟ قال: إنَّه ملكُ مصر، قال: ما أصنعُ بالملك، على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمَّت النِّعمة. ثمَّ إن أولاد يعقوب أخذوا يعتذرون، و{قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ} فوعدهم بأنه يستغفر لهم. قال ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: أخَّر الاستغفار لهم إلى وقتِ السَّحر، وهو الوقت الذي يقول الله فيه: {هل من داع فأستجيب له}. وروي عن ابن عبَّاس ـ رضي الله عنه ـ رواية أخرى: أنَّه أخَّر الاستغفار إلى ليلة الجمعة؛ لأنَّها أوفق الأوقات لرجاءِ الإجابة. وقيل: أخَّر الاستغفار ليعلم هل تابوا حقيقة أم لا؟ وهل أخلصوا في التَّوبة أم لا؟. وقيل: استغفر لهم في الحالِ، ومعنى: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ} أي أداوم على الاستغفار في المستقبل. وروي: أنه كان يستغفر لهم في كلِّ ليلةِ جمعةٍ في نيّف وعشرين سنة. روي أنَّ يوسف بعث مع البشير إلى يعقوب مائتي راحلة، وجهازاً كثيراً، ليأتوا بيعقوب وأهله وولده، فخرجوا وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة، فلمَّا دنا من مصر كلَّم يوسف الملك الذي فوقه، فخرج يوسف، والملك في أربعة آلاف من الجُندِ، وركب أهل مصر معهما فتلقوا يعقوب، وهو يتوكأ على يهوذا ماشياً؛ فنظر إلى الجبل، وإلى الناس فقالوا: يا يهوذا: هذا فرعون مصر؟ قال: لا هذا ابنُك يوسفُ، فلمَّا تدانيا ذهب يوسف يبدأ بالسَّلام، فقال جبريل ـ عليه السلام ـ: لا حتّى يبدأ يعقوب بالسلام، فقال يعقوب: السَّلام عليك. قال الثوريُّ: لما التقَى يعقوب ويوسف ـ صلوات الله وسلامه عليهما ـ عانق لك واحد منهما صاحبه وبكيا، فقال يوسف: يا أبتِ! بكيت عليَّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أنَّ القيامة تجمعنا؟ قال: بلى يا بُنَيّ، ولكن خشيت أن تسلب دينك، فيحال بيني وبينك. قيل: دخل يعقوب وولده مصر، وهم اثنان وسبعون ما بين رجل، وامرأة، وخرجوا منها مع موسى، والمقاتلون ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلاً سوى الصبيان والشيوخ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما - في قوله {ولما فصلت العير} قال: خرجت العير، هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف، قال: {إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون} تسفهون. قال: فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {إني لأجد ريح يوسف} قال: وجد ريحه من مسيرة عشرة أيام. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل من كم وجد يعقوب عليه السلام ريح القميص؟ قال: وجده من مسيرة ثمانين فرسخاً. وأخرج ابن المنذر عن الحسن - رضي الله عنه - قال: وجد ريح يوسف من مسيرة شهر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: وجد يعقوب عليه السلام ريح يوسف، من مسيرة ستة أيام. وأخرج أبو الشيخ، عن محمد بن كعب - رضي الله عنه - قال: وجد ريحه من مسيرة سبعة أيام. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {لولا أن تفندون} يقول: تجهلون. وأخرج ابن أبي حاتم, عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {لولا أن تفندون} قال: تكذبون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {لولا أن تفندون} قال: تهرمون، تقولون قد ذهب عقلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في الآية قال: المفند، الذي ليس له عقل. يقولون: لا يعقل. قال: وقال الشاعر: شعر : مهلاً فإن من العقول مفندا تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن الربيع - رضي الله عنه - في قوله {لولا أن تفندون} قال: لولا أن تُحَمِّقون. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - قال: لما بعث يوسف عليه السلام القميص إلى يعقوب عليه السلام، أخذه فشمه، ثم وضعه على بصره فرد الله عليه بصره، ثم حملوه إليه، فلما دخلوا ويعقوب متكئ على ابن له يقال له يهودا، استقبله يوسف عليه السلام في الجنود والناس، فقال يعقوب: يا يهودا، هذا فرعون مصر. قال: لا يا أبت، ولكن هذا ابنك يوسف قيل له إنك قادم فتلقاك في أهل مملكته، والناس، فلما لقيه ذهب يوسف عليه السلام ليبدأه بالسلام، فمنع من ذلك ليعلم أن يعقوب أكرم على الله منه، فاعتنقه وقبّله وقال: السلام عليك أيها الذاهب بالأحزان عني. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - قال: إن يعقوب عليه السلام لقي ملك الموت عليه السلام فقال: هل قبضت نفس يوسف فيمن قبضت؟ قال: لا. فعند ذلك {قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون}. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو الشيخ، عن عمر بن يونس اليمامي قال: بلغني أن يعقوب عليه السلام كان أحب أهل الأرض إلى ملك الموت، وأن ملك الموت استأذن ربه في أن يأتي يعقوب عليه السلام، فأذن له، فجاءه، فقال له يعقوب عليه السلام: يا ملك الموت، أسألك بالذي خلقك: هل قبضت نفس يوسف فيمن قبضت من النفوس؟ قال: لا. قال له ملك الموت: يا يعقوب، ألا أعلمك كلمات، لا تسأل الله شيئاً إلا أعطاك؟ قال: بلى. قال: قل: ياذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً، ولا يحصيه غيرك. فدعا بها يعقوب عليه السلام في تلك الليلة، فلم يطلع الفجر حتى طرح القميص على وجهه فارتد بصيراً. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسن، أنه حدث أن ملكاً من ملوك العمالق، خطب إلى يعقوب ابنته رقية، فأرسل إليه يعقوب أن المرأة المسلمة المعزوزة لا تحل للكافر الأغرل، فغضب ذلك الملك وقال: لأقتلنه ولأقتلن ولده، فبعث إليهم جيشاً، فغزا يعقوب ومعه بنوه، فجلس لهم على تل مرتفع، ثم قال: أي بني، أي ذلك أحب إليكم أن تقتلوهم بأيديكم قتلاً، أو يكفيكموهم الله؟ فإني قد سألت الله ذلك فأعطانيه. قالوا نقتلهم بأيدينا هو أشفى لأنفسنا. قال: أي بني، أو تقبلون كفاية الله؟ قال: فدعا الله عليهم يعقوب عليه السلام، فخسف بهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {إنك لفي ضلالك القديم} يقول: خطئك القديم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - في قوله {لفي ضلالك القديم} قال: حبك القديم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}. ما دام البلاءُ مُقْبِلاً كان أمرُ يوسفَ وحديثُه - على يعقوب - مُشْكِلاً، فلما زالت المحنة بعثرت بكل وجهٍ حاله. ويقال لم يكن يوسف بعيداً عن يعقوب حين ألقوه في الجُبِّ ولكن اشتبه عليه خَبَرُه وحالُه، فلما زال البلاءُ وَجَدَ ريحَه وبينهما مسافة ثمانين فرسخاً - من مصر إلى كنعان. ويقال إنما انفرد يعقوبُ عليه السلام بوجدان ريح يوسف لانفرادِه بالأسف عند فقدان يوسف. وإنما يجد ريح يوسف مَنْ وَجَدَ على فراق يوسف؛ فلا يعرف ريحَ الأحبابِ إلا الأحبابُ، وأَمَّا على الأجانب فهذا حديثٌ مُشْكِل.. إذ أنَّى يكون للإنسان ريح!؟. ويقال لفظ الريح ها هنا توسع، فيقال هبَّتْ رياحُ فلانٍ، ويقال إني لأَجِدُ ريح الفتنة.. وغير ذلك. قوله جلّ ذكره: {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ}. تَفَرَّسَ فيهم أنهم يبسطون لسان الملامة فلم ينجع فيهم قولُه، فزادوا في الملامة فقالوا: - {قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ}. قرنوا كلامهم بالشتم، ولم يحتشموا أباهم، ولم يُراعوا حقَّه في المخاطبة، فوصفوه بالضلال في المحبة. ويقال إن يعقوب عليه السلام قد تعرَّف من الريح نسيمَ يوسف عليه السلام، وخبر يوسف كثير حتى جاء الإذن للرياح، وهذه سُنَّةُ الأحباب: مساءلة الديار ومخاطبة الأطلال وفي معناه أنشدوا: شعر : وإنِّي لأستهدي الرياح نسيمكم إذا هي أقبَلْت نحوكم بهُبُوب واسألها حَمْلَ السلامِ إليكمُ فإنْ هي يوماً بلَغَتْ فأَجِيبُوا
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} لما خرج العير من مصر هبّ ريح الصبا على القميص وجاءت الى يعقوب وهبت على وجهه ونشقته ريح يوسف فقال انى لاجد ريح يوسف وجد ريح يوسف من مسافة ثلاثين فرسخا لانه كان فى كل انفاسه مستنشقا لريح يوسف وهكذا شان كل عاشق يتعرضون لنفحات ريح وصال الازل ويستنشقون نسائم ورد مشاهدة الابد بقلوب حاضرة وعيون باكية فى الخلوت والصحارى و الفلوات كانهم ينشدون هذين البيتين كل وقت شوقا الى تلك المعادن شعر : ايا جيلى نعمان بالله خليا طريق الصبا يخلص الىّ نيسمها تفسير : فان الصبا ريح اذا ما تنسّمت على نفس مهموم تجلت همومها ولذلك قال صلى الله عليه وسمل ان لربكم فى ايام دهركم لنفحات الا فتعرضوا لنفحات الرحمن ما اطيب حال المحبين حيث راقبوا لرايح كشف الصفات من معادن الذات وطلبتهم عرائس القدم فى قميص الالتباس كانهم ينشدون من غاية الشوق الى تلك المعاهد هذين البيتين شعر : سلام على تلك المعاهد انها شريعة ورد او مهب شمال فقد صرت ارضى من سواكن ارضها تخلب برق او بطيف خيال تفسير : فدين لهذه القضية الحسنة الالهية ما احسن شمائلها وما اطيب لطائفها وما انور روائحها انظر كيف اخبر سبحانه من حسن احوال العاشقين والمعشوقين قال نحن نقص عليك احسن القصص علم يوسف مواساة ريح الصبا واودعه ريحه حتى اسرع من البشير فى ايصال الخبر الى يعقوب شوقا منه الى وصال يعقوب اذكر فى هذا المعنى بيتين لطيفتين شعر : نسيم الصبا بلغ سلامى اليهم وارفق بفضلك بالهبوب عليهم وقل لهم انى وان كنت نازحا فروحى وقلبى حاضران لديهم نسيم الصبا ان جئت ارض احبتى فخصهم منى بالف سلام وبلغهم انى رهين صبابة وان غرامى فوق كل غرامى تفسير : ومعنى قوله {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} علم ان من لم يكن فى بلاء المعشوق لم يستنشق ريح المعشوق فيريب المخبر بما كوشف له قال جعفر يقال ان ريح الصبا سال الله فقال خصّه بان ابشره بابنه فاذن الله له فى ذلك فكان يعقوب ساجدا فرفع رأسه وقال انى لاجد ريح يوسف فقال له اولاده انك لفى ضلالك القديم اى فى محبتك القديمة وكان الريح ممزوجة بالعناية والشّفقة والرحمة والخبار وبزوال المحنة وكذلك المؤمن المتحقق يجد نسيم الايمان فى قلبه وروح المعرفة من العناية التى سبقت له من الله فى سرّه قال الاستاد كان امر يوسف وحديثه على يعقوب مشكلا فلما زالت المحنة تغيرت بكل وجه الحالة قيل كان من يوسف على يعقوب اقل من مرحلة حيث القوه فى الجب فاستتر عليه خبره وحاله ولما زال البلاء وجد ريحه وبينهما مسافة ثمانين فرسخا من مصر الى كنعان ويقال لا يعرف ريح الاحباب الا الاحباب فاما على الاجانب فقد احدث مشكل ان يكون للانسان ريح وقال الاستاد فى قوله لولا تفندون تفرس فيهم انهم يبسطون لسان الملامة فنبههم على ترك الملامة فلم ينجع فيهم قوله فزادوا فى الملامة بان قرنوا كلامهم بالقسم وقالوا الله انك فلى ضلالك القديم لم يحتشموا اباهم ولم يرواعوا حقه فى المخاطبة فوصفوه بالضلال فى المحبة ويقال ان يعقوب قد يعرف من الرياح نسيم يوسف وخبر يوسف كثيرا حتى جاء الاذن للرياح وهذا سنته الاحباب مسائلة الديار ومخاطبة الاظلال وفى معناه انشدوا شعر : وانى لا شهدى الرياح نسيمكم اذا اقبلت من نحوكم بهبوب واسألها حمل السلام اليكم فان هى يوما بلغت فاجيب
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما فصلت العير} يقال فصل من البلد فصولا اذا انفصل منه وجاوز حيطانه وعمرانه. قال الكاشفى [وآن وقت كه جدا شد يعنى بيرون آمد كاروان از عمارت مصر وبفضاء صحرا رسيده] {قال ابوهم} يعقوب لمن عنده من ولد ولده وغيرهم {انى لاجد ريح يوسف} اوجده الله اى جعله واجد اريح ما عبق اى لزق ولصق من ريح يوسف من ثمانين فرسخا حين اقبل به يهودا شعر : ايها السالون قوموا واعشقوا تلك رياح يوسف فاستنشقوا تفسير : قال فى المثنوى شعر : بوى ببراهان يوسف را ثديد آنكه حافظ بود يعقوبش كشيد تفسير : وهذا البيت اشارة الى حال اهل السلوك والسكر واصحاب الزهد والعشق وذلك لان الزاهد ذاهل عما عنده كالحمار الغافل عما استصحبه من الكتب فكيف يعرف ما عنده غيره والعاشق يستنشق من كل مظهر ريح سر من الاسرار ويدخل فى خيشومه من روائح النفس الرحمانى ما لو عاش الزاهد الف سنة على حاله ماشم شيئا منها. قال اهل المعانى ان الله اوصل اليه رائحة يوسف عند انقضاء المحنة ومجيئ وقت الروح والفرح من المكان البعيد ومنع من وصول خبره اليه مع قرب احدى البلدتين من الاخرى وذلك يدل على ان كل سهل فهو فى زمان المحنة صعب وكل صعب فهو فى زمان الاقبال سهل. وذكر أن ريح الصبا استأذنت ربها فى ان تأتى بعقوب بريح يوسف قبل ان يأتيه البشير بالقميص فأذن لها فأتته بها: قال المولى الجامى شعر : ديرمى جنبد بشير اى باد بر كنعان كذر مزده ببراهن يوسف ببر يعقوب را تفسير : ولذلك يستروح كل محزون بريح الصبا ويتنسمها المكروبون فيجدون لها روحا وهى التى تأتى من ناحية المشرق وفيها لين اذا هبت على الابدان نعمتها ولينتها وهيجت الاشواق الى الاحباب والحنين الى الاوطان قال الشاعر شعر : أيا جبلى نعمان بالله خليا نسيم الصبا يخلص الى نسيمها فان الصبا ريح اذا ما تنفست على نفس مهموم تجلت همومها تفسير : قال الحافظ شعر : باصبا همراه بفرست ازرحت كلدسته بوكه بويى بشنويم ازخاك بستان شما تفسير : وفى التبيان هاجت الريح فحملت ريح القميص من مسافة ثمانين فرسخا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم انه ليس فى الدنيا من ريح الجنة الا ما كان من ذلك القميص انتهى. يقول الفقير هذا موافق لما ذكر من انه كان فى القميص ريح الجنة لا يقع على مبتلى الا صح فالخاصية فى ريح الجنة لا فى ريح يوسف كما ذهب اليه البيضاوى. واما الاضافة فى قوله {ريح يوسف} فللملابسة كما لا يخفى. قال الامام الجلدكى فى كتاب الانسان من كتاب البرهان لعمرى كلما كثفت طينة الانسان وزادت كثافتها نقصت حواسه فى مدركاتها لحجب الكثافة الطارية على ذات الانسان من اصل فطرته واما جوهر ذات الانسان اذا لطف وتزايدت لطافته فان جميع حواسه تقوى ويزيد ادراكها وكثير من اشخاص النوع الانسانى يدركون بحاسة الشم الروائح العطرة من بعد المسافة على مسافة ميل او اكثر من ذلك على مسيرة اميال ولعل من تزايدت لطافته يدرك رائحة ما لا رائحة له من الروائح المعتادة كما قال الله تعالى حكاية عن يعقوب {انى لاجد ريح يوسف} وهذه الحاسة مخصوصة باهل الكشف لا بغيرهم من الناس انتهى: وفى المثنوى شعر : بود واى جشم باشد نور ساز شد زبويى ديده ديده يعقوب باز بوى بد مرديده را تارى كند بوى يوسف ديده را بارى كند بوى كل ديدى كه انجا كل نبود جوش مل ديدى كه انجامل نبود آن شنيدى داستان بايزيد كه زحال بو الحسن بيشين جه ديد روزى آن سلطان تقوى ميكذشت بامريدان جانب صحرا ودشت بوى خوش آمد مراورا نا كهان از سوادرى زسوى خارقان هم بر انجا ناله مشتاق كرد بوى را ازباد اشتنشاق كرد جون در و آثار مستى شد بديد يكك مريد اورا ازان دم بر رسيد بس بيرسيدش كه اين احوال خوش كه برونست از حجاب بنج وشش كاه سرخ وكاه زرد وكه سبيد مى شود رويت جه حالست ونويد مى كشى بوى وبظاهر نيست كل بى شك از غيبست واز كلزار كل كفت بوى بو العجب آمد بمن همجانكه مصطفى را از يمن كه محمد كفت برست صبا از يمن آيدم بوى خدا از اويس واز قرن بوى عجب مر نبى را مست كرد وبر طرب كفت ازين سوبرى يارى مى رسد اندرين ده شهريارى مى رسد بعد جندين سال مى زايد شهى مى زند بر آسمانها خر كهى رويش از كلزار حق كلبون بود از من او اندر مقام افزون بود جيست نامش كفت نامش بو الحسن حليه اش واكفت از كيسو ذقن قد او ورنك او وشكل او يك بيك واكفت از كيسو ورو حليهاى روح اورا هم نمود از صفات واز طريق وجا وبود تفسير : {لولا ان تفندون} اى تنسبونى الى الفند وهو الخرف ونقصان العقل وفساد الرأى من هرم. يقال شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة اذ لم تكن فى شبيبتها ذات رأى فتفند فى كبرها اى نقصان عقلها ذاتى لا حادث من عارض الهرم وجواب لولا محذوف تقديره لولا تفنيدكم لصدقتمونى. واعلم ان الخرف بالفارسية [فرتوت شدن] لا يطرأ على الانبياء والورثة لانه نوع من الجنون الذى هو من النقائص وهم مبرأون مما يشين بهم من الآفات
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية انه حين انصرفت العير من عند يوسف. قال: لهم أبوهم يعقوب اني لأجد ريح يوسف اي إني احس برائحته. وقال ابن عباس جاءت الريح برائحة يوسف من ثماني ليال. وقال الحسن من مسيرة شهر. وقيل إنه كان بينهم ثمانين فرسخاً، لأن يعقوب كان بوادي كنعان من ارض فلسطين. وقيل إنه كان بأرض الجزيرة، ويوسف بمصر. والفصل القطع بحاجز بين الشيئن. ونقيضه الوصل، ومثله الفرق. والعير قافلة الحمير، وان كان فيها الجمال، وكل جماعة خرجت من بلد الى بلد، فهم قافلة. وقوله {لولا أن تفندون} قال ابن عباس: معناه لولا ان تسفهون. وقال الحسن ومجاهد: لولا ان تهرمون. وقال ابن اسحاق: معناه تضعفون. وقال الضحاك معناه تكذبون. وانما قال يعقوب هذا القول لمن حضره من أهله وقرابته دون ولده، لانهم كانوا غيّباً عنه لم يصلوا إِليه. والتفنيد في اللغة هو تضعيف الرأي يقال فنده تفنيداً إذا نسبه الى ضعف الرأي، قال الشاعر: شعر : يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي فليس ما فات من امر بمردود تفسير : وفنده الدهر اي أفسده، وقال ابن مقبل: شعر : دع الدهر يفعل ما يشاء فانه اذا كلف الانسان بالدهر افندا تفسير : وروي (إذا كلف الافناد بالناس فندا).
الأعقم
تفسير : {ولما فصلت العِيْرُ} أي خرجت القافلة من مصر متوجهة إلى كنعان {قال} يعقوب لأولاد أولاده كانوا بمصر: {إني لأجد ريح يوسف}، قيل: هذا الريح المعروف بعينه وهو حركة الجو عند أكثر المفسرين، قيل: جاءت الريح من الجنة {لولا أن تفندون}، قيل: تكذبون، وقيل: تضعفون، وقيل: تقولون شيخ قد خرّف {قالوا تالله} قسم منهم {إنك لفي ضلالك القديم} أي في خطائك القديم غلظوا له القول بهذه إشفاقاً عليه وكان عندهم أنه قد مات وهذا الكلام من أسباط يعقوب فإن أولاده في الطريق {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه} يعني ألقى قميص يوسف على وجه يعقوب {فارتد بصيراً} بعدما كان أعمى، وقيل: قال يعقوب للبشير: كيف خلفت يوسف؟ قال: هو ملك مصر، قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟ قال: على دين الإِسلام، قال: الآن تمت النعمة، وروي أنه كان بين مصر وكنعان شهر {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا} أي سل الله لنا المغفرة عما لحقك من جهتنا من الحزن {إنّا كنَّا خاطئين} مذنبين {قال} يعقوب (عليه السلام) {سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم}، قيل: أخرهم إلى ليلة الجمعة، وقيل: إلى وقت السحر لأنه أقرب الإِجابة للدعاء، وقيل: أراد الدوام، فقد روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة، ثم بيَّن تعالى التقاء يوسف مع أبيه وأخوته فقال تعالى: {فلما دخلوا على يوسف} وفيه حذف تقديره فلما خرج يعقوب من أرضه ودخل مصر {آوى اليه أبويه} قيل: أباه وأمُّه وقيل: أباه وخالته، وقيل: ان يوسف وجّه إلى أبيه جهازاً ومئتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه، وخرج يوسف في أربعة آلاف من الخيل وأهل مصر بأجمعهم فلقوا يعقوب (عليه السلام) وهو يمشي ويتوكَّأ على يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال ليهوذا: هذا فرعون مصر؟ لا هذا ولدك، فلما لقيه قال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان، وروي أن يوسف (عليه السلام) قال لأبيه حين لقيه: يا أبت بكيت عليّ حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال يعقوب: لم أبكِ على ذلك ولكن خشيت أن يسلب دينك فيحال بيني وبينك، وقيل: ان يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة، وخرجوا منها مع موسى ستمائة ألف وخمس مائة وبضع وسبعون رجلاً سوى الذرية {آوى اليه أبويه} ضمهما إليه وعانقهما {وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} أنزل أبويه وأخوته معه {وقال ادخلوا مصر} الآية، فإن قيل: ما وجه الاستثناء وقد حصل الدخول؟ قالوا: تلقاهم يوسف خارج مصر ودخل منزلاً فلما دخلوا إليه ضمهم إلى نفسه {وقال ادخلوا مصر} الآية، والاستثناء على الإِقامة فعلى هذا هو متصلاً بالدخول، وقيل: متصل بالإِقامة {ورفع أبويه على العرش} يعني على السرير وهو سرير الملك {وخرُّوا له سُجّداً}، قيل: سجود التحية لا سجود العبادة وكانت جائزة، وقيل: عظّموه بالسجود والمعبود هو الله تعالى، وقيل: المراد بالسجود الخضوع والتواضع، وقيل: سجدوا لله شكراً لأمر يوسف ولقائه {وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً} كان بين الرؤيا وبين تأويلها أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو} وكانوا من بوادي الشام وأصحاب مواشي {من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} قيل: نزغ الشيطان إفساده، وقيل: هو الاعراء.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ} أي: خرجت العِير مِن مصر بالقميص وجد يعقوب ريح يوسف فقال: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ}. قال بعضهم: وجد ريحه حين خرجوا بالقميص من مصر، وهو بأرض كنعان، وبينهما ثمانون فرسخاً. وقوله: {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} أي: لولا أن تسفِّهون. وقال الحسن: لولا أن تهرِّمون. وهو واحد. يقول: لولا أن تقولوا هرم واختلط عقله فتسفِّهون. وقال مجاهد: لولا أن تقولوا: ذهب عقله. { قَالُوا تَاللَّهِ} وهو قسم يقسمون به {إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ القَدِيمِ} أي: في حبِّك يوسف، أما تنساه. وبعضهم يقول: في طمع من يوسف. وبلغنا أن هذا قول أبنائهم، وكان آباؤهم في العير، وأنه كان يقول منذ فقد يوسف إلى أن وجد ريح القميص: ما أنا بيائس منه كلما ذكرت رؤياه. قوله: { فَلَمَّا أَن جَاءَ البَشِيرُ} ذكروا أن مجاهداً قال: البشير يهوذا بن يعقوب. { أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال الحسن: يعني من فرج الله ونعمته وعطائه. وكان الله قد أخبره بأن يوسف حيّ، ولم يعلم أين مكانه. قوله: { قَالُوا: يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} أي: أوخر ذلك إلى السحر. { إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ}. قوله: { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ ءَامِنِينَ} قال بعضهم: يعني بأبويه أباه يعقوب وخالته. وقال بعضهم: كانت جدته أم أمه. وكان الحسن يقول: هي أمه التي ولدته.
اطفيش
تفسير : {ولمَّا فَصَلت العِيرُ} قيل خرجت من عريش مصر، وهى بلدة من أعمال مصر خربت، يقال فصل من البلد إذا انفصل منه، من هو جواز حيطانه، وقيل: من مصر متوجها إلى كنعان {قالَ أبوهُم} لمن حوله من أولاد أولاده وقرابته، وزعم بعض أنه قال لبعض بنيه {إنِّى لأجدُ ريِحَ يوسفَ} وجده من ثمانين فرسخا، وقيل بينه وبين القميص مائة وأربعين فرسخا، وقال الحسن: بينهما ثلاثون فرسخا، وقال ابن عباس: ثمانية أيام، وقال مجاهد: ثلاثة أيام، وجد ريح الجنة، فعلم أنه من ريح قميص يوسف. {لَوْلا أنْ تُفنِّدونَّ} تنسبوننى إلى الفند، وهو نقصان عقل من هرم، ولذلك لا يقال عجوز مفندة، لأن نقصان عقلها ذاتى وقيل: الفند ضعف الرأى، وقيل: السفه، وقيل: الجهل، وجواب لولا محذوف، أى لصدقتمونى، أو لقلت إنه قريب، وإنما لم أقرده مما قبلها، لأن وجدان ريح يوسف متحقق ولو فندوه.
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا فَصَلَتِ} انفصلت {الْعِيرُ} خرجت من عريش مصر مع القميص، وعريش مصر آخر بلادها مما يلى الشام قريبا من الشام، كذا قيل، كأَنه قيل خرجت من أعمال مصر، والمتبادر أَن المراد لما خرجت من المدينة التى هى مصر القاهرة التى فيها يوسف إٍن كان فيها، أَو من أَى بلد هو فيها من بلاد مصر، وكأَنه قيل: لما فصلت العير عن عمران مصر إلى كنعان من الشام {قَالَ أَبُوهُمْ} لهم أَو لمن حضره منهم ومن أَولادهم وأَحبابه {إِنِّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} الطيبة فى أنفى، أو المراد ريح قميصه، والأَول أَولى لأَنه ظاهر اللفظ، وقد قيل: إن ريح بدنه أَشد من ريح المسك، وقيل: وجد ريح القميص حين خرج به يهوذا من ثمانين فرسخاً، وفى عبارة من مسير ثلاثين يوماً، وفى أُخرى عشرة أَيام، روايات عن الحسن، وعن ابن عباس: ثمانية أيام، ويقال: استأَذنت الصبا فى إيصال ريح يوسف فأُذن لها، والخطاب فى اذهبوا بقميصى للمجموع، وأيضاً كأَنه حمله كل واحد لرضاهم به وفرحهم بما يسر أَباه وأَيضاً رفقة واحدة يتحافظون، أَوصلت إليه ريح الصبا ريح بدنه أَو ريح القميص بإِذن الله لكن مصر تكون غرباً أَو جنوبا لا صبا، ولعل الله أَرسل إِليه ريحاً هبت من جهة الصبا ودارت إِلى مصر وحملت الريح، وإلا فمهب ريح الصبا يقابل الشام، وريح القميص من ريح الجنة، قيل: هبت ريح فلعلها ريح الصبا فصفقت القميص فامتلأَت الدنيا ريحاً واتصلت بيعقوب، وعلم أَنه ريح يوسف لأَنه ليس فى الدنيا ريح الجنة إلا ما فى قميص يوسف، ويبحث بأَنه قال: ريح يوسف لا ريح قميصه، وأَما غيره فلو فاحه لا يدرى أَنه ريح قميص يوسف أَو ريح يوسف، ويقال: أَوصلته إليه وبينهما ثلاثة أيام، ويقال: ثمانية ويقال عشرة ويقال شهر {لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ} لولا تفنيدكم تكذيبكم إياى أَو تخطئتكم أَو نسبتكم إياى إلى الضعف فى الرأْى أَو إلى السفه أَو نقصان العقل، والجواب محذوف أًى لأَكثرت التبجح به وأظهرت المبالغة فى السرور، وهذا أَولى من أَن يقال؛ لقلت أَن يوسف فى قريب المكان منى أَو يقرب اجتماعه بى، أو لقلت أن مبشره إلى قريب، وأما أن يقال لصدقتمونى فضعيف لأَن وجود التفنيد هو نفس انتفاءِ التصديق فلا تهم.
الالوسي
تفسير : {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ} خرجت من عريش مصر قاصدة مكان يعقوب عليه السلام وكان قريباً من بيت المقدس والقول بأنه كان بالجزيرة لا يعول عليه، يقال: فصل من البلد يفصل فصولاً إذا انفصل منه وجاوز حيطانه وهو لازم وفصل الشيء فصلاً إذا فرقه وهو متعد. وقرأ ابن عباس {ولما انفصل العير} {قَالَ أَبُوهُمْ} يعقوب عليه السلام لمن عنده {إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } أي لأشم فهو وجود حاسة الشم أشمه الله تعالى ما عبق بالقميص من ريح يوسف عليه السلام من مسيرة ثمانية أيام على ما روي عن ابن عباس، وقال الحسن وابن جريج من ثمانين فرسخاً، وفي رواية عن الحسن أخرى من مسيرة ثلاثين يوماً وفي أخرى عنه من مسيرة عشر ليال، وقد استأذنت الريح على ما روي عن أبـي أيوب الهروي في إيصال عرف يوسف عليه السلام فأذن الله تعالى لها، وقال مجاهد: صفقت الريح القميص فراحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب عليه السلام فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريحها إلا ما كان من ذلك القميص فقال ما قال، ويبعد ذلك الإضافة فإنها حينئذٍ لأدنى ملابسة وهي فيما قبل وإن كانت كذلك أيضاً إلا أنها أقوى بكثير منها على هذا كما لا يخفى. {لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } أي تنسبوني إلى الفند بفتحتين ويستعمل بمعنى الفساد كما في قوله:شعر : إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفند تفسير : وبمعنى ضعف الرأي والعقل من الهرم وكبر السن ويقال: فند الرجل إذا نسبه إلى الفند، وهو على ما قيل مأخوذ من الفند وهو الحجر كأنه جعل حجراً لقلة فهمه كما قيل:شعر : / إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فكن حجراً من يابس الصخر جلمد تفسير : ثم اتسع فيه فقيل فَنَّدَهُ إذا ضَعَّفَ رأيه ولامه على ما فعل؛ قال الشاعر:شعر : يا عاذلي دَعْ لومي وتفنيدي فليس ما قلت من أمر بمردود تفسير : وجاء أفند الدهر فلاناً أفسده، قال ابن مقتل:شعر : دع الدهر يفعل ما أراد فإنه إذا كلف الإفناد بالناس أفندا تفسير : ويقال: شيخ مفند إذا فسد رأيه، ولا يقال: عجوز مفندة لأنها لا رأي لها في شبيبتها حتى يضعف قاله الجوهري وغيره من أهل اللغة، وذكره الزمخشري في «الكشاف» وغيره، واستغربه السمين ولعل وجهه أن لها عقلاً وإن كان ناقصاً يشتد نقصه بكبر السن فتأمل، وجواب {لَوْلاَ } محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني أو لقلت: إن يوسف قريب مكانه أو لقاؤه أو نحو ذلك، والمخاطب قيل: من بقي من ولده غير الذين ذهبوا يمتارون وهم كثير، وقيل: ولد ولده ومن كان بحضرته من ذوي قرابته وهو المشهور.
ابن عاشور
تفسير : {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ * فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا} التقدير: فخرجوا وارتحلوا في عير. ومعنى {فصلتْ} ابتعدت عن المكان، كما تقدم في قوله تعالى: { أية : فلما فصل طالوت بالجنود } تفسير : في سورة البقرة (249). والعير تقدم آنفاً، وهي العير التي أقبلوا فيها من فلسطين. ووجدَانُ يعقوب ريح يوسف عليهما السلام إلهام خارق للعادة جعله الله بشارة له إذ ذكره بشمه الريح الذي ضمّخ به يوسف عليه السلام حين خروجه مع إخوته وهذا من صنف الوحي بدون كلام ملك مُرسل. وهو داخل في قوله تعالى: { أية : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً } تفسير : [سورة الشورى: 51]. والريح: الرائحة، وهي ما يعبق من طيب تدركه حاسة الشم. وأكد هذاالخبر بـ {إنّ} واللام لأنه مظنة الإنكار ولذلك أعقبه بــــ {لولا أن تفندون}. وجواب {لولا} محذوف دلّ عليه التأكيد، أي لولا أن تفندوني لتحققتم ذلك. والتفنيد: النسبة للفنَد بفتحتين، وهو اختلال العقل من الخرف. وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً بعد نون الوقاية وبقيت الكسرة. والذين قالوا: {تالله إنك لفي ضلالك القديم} هم الحاضرون من أهله ولم يسبق ذكرهم لظهور المراد منهم وليسوا أبناءه لأنهم كانوا سائرين في طريقهم إليه. والضلال: البُعْد عن الطريق الموصّلة. والظرفية مجاز في قوة الاتّصاف والتلبّس وأنه كتلبس المظروف بالظرف. والمعنى: أنك مستمر على التلبس بتطلب شيء من غير طريقه. أرادوا طمعه في لقاء يوسف ــــ عليه السلام ــــ. ووصفوا ذلك بالقديم لطول مدّته، وكانت مدة غيبة يوسف عن أبيه ــــ عليهما السلام ــــ اثنتين وعشرين سنة. وكان خطابهم إياه بهذا مشتملاً على شيء من الخشونة إذ لم يكن أدب عشيرته منافياً لذلك في عرفهم. و{أن} في قوله: {فلما أن جاء البشير} مزيدة للتأكيد. ووقوع {أنْ} بعد {لمّا} التوقيتية كثير في الكلام كما في «مغني اللّبيب». وفائدة التأكيد في هذه الآية تحقيق هذه الكرامة الحاصلة ليعقوب عليه السلام لأنها خارق عادة، ولذلك لم يؤت بــــ {أن} في نظائر هذه الآية مما لم يكن فيه داع للتأكيد. والبشير: فعيل بمعنى مُفعل، أي المُبشر، مثل السميع في قول عمرو بن معديكرب: شعر : أمِن ريحانة الداعي السميع تفسير : والتبشير: المبادرة بإبلاغ الخبر المسرّ بقصد إدخال السرور. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : يبشرّهم ربهم برحمة منه } تفسير : في سورة براءة (21). وهذا البشير هو يهوذا بن يعقوب عليه السلام تقدم بين يدي العِير ليكون أول من يخبر أباه بخبر يوسف عليه السلام. وارتد: رجع، وهو افتعال مطاوع ردّه، أي رد الله إليه قوة بصره كرامة له وليوسف عليهما السلام وخارق للعادة. وقد أشرت إلى ذلك عند قوله تعالى: { أية : وابيضّت عيناه من الحزن } تفسير : [سورة يوسف: 84]. {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّىۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} جواب للبشارة لأنها تضمنت القول، ولذلك جاء فعل {قال} مفصولاً غير معطوف لأنه على طريقة المحاورات، وكان بقية أبنائه قد دخلوا فخاطبهم بقوله: {ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} فبيّن لهم مجمل كلامه الذي أجابهم به حين قالوا: { أية : تالله تفتأ تذكر يوسف } تفسير : [يوسف: 85] الخ. وقولهم: {استغفر لنا ذنوبنا} توبة واعتراف بالذنب، فسألوا أباهم أن يطلب لهم المغفرة من الله. وإنما وعدهم بالاستغفار في المستقبل إذ قال: {سوف أستغفر لكم ربي} للدلالة على أنه يلازم الاستغفار لهم في أزمنة المستقبل. ويعلم منه أنه استغفر لهم في الحال بدلالة الفحوى؛ ولكنه أراد أن ينبههم إلى عظم الذنب وعظمة الله تعالى وأنه سيكرر الاستغفار لهم في أزمنة مستقبلة. وقيل: أخّر الاستغفار لهم إلى ساعة هي مظنة الإجابة. وعن ابن عباس مرفوعاً أنه أخر إلى ليلة الجمعة، رواه الطبري. وقال ابن كثير: في رفعه نظر. وجملة {إنه هو الغفور الرحيم} في موضع التعليل لجملة {أستغفر لكم ربي}. وأكد بضمير الفصل لتقوية الخبر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولما فصلت العير: أي خرجت من عريش مصر متوجهة إلى أرض فلسطين. إني لأجد ريح يوسف: أشتمها لأن الريح حملتها إليه بأمر الله تعالى. لولا أن تفندّون: أي تسفّهون، لصدقتموني فإني وجدت ريح يوسف. إنك لفي ضلالك القديم: أي خطإك بإفراطك في حب يوسف. فلما أن جاء البشير: هو يهودَا الذي حمل إليه القميص الملطخ بالدم الكذب. فارتد بصيراً: أي رجع بصيراً. سوف استغفر لكم ربي: أجَّلَ الاستغفار لهم إلى آخر الليل أو إلى ليلة الجمعة. على العرش: أي السرير. وخروا له سجداً: أي سجدو له تحية وتعظيماً. من البدو: أي البادية، بادية الشام. من بعد أن نزغ: أي أفسد. لطيف لما يشاء: أي لطيف في تدبيره لمن يشاء من عباده كما لطف بيوسف. معنى الآيات: هذه أواخر قصة يوسف عليه السلام، إنه بعد أن بعث بقميصه إلى والده وحمله أخوه يهودا ضمن القافلة المتجهة إلى أرض كنعان، ولما فصلت العير من عريش مصر حملت ريح الصبا ريح يوسف إلى أبيه قال: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} أي تسفهون لصدقتموني فإني أجدها فقال الحاضرون مجلسه من أفراد الأسرة والذين لم يعلموا بخبر يوسف بمصر قالوا له: {إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} أي من خطإك بإفراطك في حب يوسف. وواصلت العير سيرها وبعد أيام وصلت وجاء يهودا يحمل القميص فألقاه على وجه يعقوب فارتد بصيراً كما أخبر يوسف إخوته بمصر. وهنا واجه أبناءه بالخطاب الذي أخبر تعالى به في قوله: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي أعلم من لطف الله وحسن تدبيره ورحمته وإفضاله ما لا تعلمون. وهنا طلبوا من والدهم أن يعفو عنهم ويستغفر لهم ربهم فقالوا ما أخبر تعالى به: {قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. أجَّلَ لهم طلب المغفرة إلى ساعة الاستجابة كآخر الليل وقت السحر أو يوم الجمعة. وتنفيذاً لأمر يوسف إخوته بأن يأتوه بأهلهم أجمعين تحملت الأسرة بسائر أفرادها مهاجرين إلى مصر. وكان يوسف وملك مصر وألوف من رجال الدولة وأعيان البلاد في استقبالهم، وكان يوسف قد ضربت له خيمة أو فسطاط، ووصلت المهاجرة إلى مشارف الديار المصرية وكان يوسف في فسطاطه {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} أي ضمّهما إلى موكبه {وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} ولما انتهوا إلى القصر ودخلوا {وَرَفَعَ} يوسف {أَبَوَيْهِ} أمه وأباه {عَلَى ٱلْعَرْشِ} سرير الملك {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} تحية وتشريفاً. وهنا قال يوسف {يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً} إذ رأى في صباه أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رآهم له ساجدين. وقوله {وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ} هذا ثناء على الله بنعمه وتذكير للحاضرين بالحادثة والطاف الله تعالى فيها. ومن كرم نفس يوسف وسمو آدابه لم يقل قد أحسن بي إذ أخرجني من الجب فيذكرهم بما يؤلمهم بل قال من السجن. ويعني بقوله وجاء بكم من البدو أي من أرض كنعان. ونسب الإساءة التي كانت من إخوته إلى الشيطان تلطيفاً للجو ومبالغة في إذهاب الهم من نفس إخوته، وختم حديث النعمة في أعظم فرحة {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ} أي بخلقه {ٱلْحَكِيمُ} في تدبيره وصنعه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- آية عظيمة هي حمل الريح ريح يوسف على مسافات بعيدة. 2- آية أخرى هي ارتداد بصر يعقوب بعد العمى بمجرد أن أُلِقيَ القميص على وجهه. 3- كرم يعقوب وحسن عفوه وصفحه على أولاده إذ استغفر لهم ربهم فغفر لهم. 4- مشروعية الخروج خارج المدينة لاستقبال أهل الكمال والفضل كالحجاج مثلا. 5- صدق رؤيا يوسف عليه السلام إذ تمت حرفياً فجلس يوسف على عرشه وخر له أبواه وإخوته ساجدين. 6- قد يتأخر تأويل الرؤيا عشرات السنين إذ تأخرت رؤيا يوسف أربعين سنة. 7- تجليات الألطاف الإِلهية والرحمات الربانية في هذه القصة في مظاهر عجيبة.
القطان
تفسير : ولما توجهت القافلة نحو ديار الشام، وكان يعقوب مسغرِقا في ترقُّب ما تأتي به رحلةُ بنيه، قال: إني لأَشَمّ رائحة يوسف، ولولا خشيةُ أن تتهموني في قولي لأنبأتُكم عن يوسف بأكثر من الشعورِ والوجدان. فقال من حضر وسمع مقاله: {تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} يا يعقوب، من حبِّ يوسف لا تسلوه. ولم يطل الانتظار حتى جاء البشير الى يعقوب بسلامة يوسف وأخيه، والقى قميص يوسف على وجه يعقوب فارتد بصيراً وقرّت عينه وبشّر نفسه باللقاء، فقال لمن لاموه وفنّدوا رأيه: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. فأقبلوا عليه معتذرِين عما كان منهم، وطلبوا منه ان يستغفر لهم ذنوبهم، واعترفوا بخطأهم، فقال لهم: سأظلّ أطلب لكم العفو من الله عن سيئاتكم، {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}.
د. أسعد حومد
تفسير : (94) - وَلَمَّا خَرَجَتِ القَافِلَةُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، مُتَّجِهَةً إِلَى فِلَسْطِينَ، قَالَ يَعْقُوبُ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَحْفَادِهِ وَأَزْوَاجِهِمْ: إِنَّهُ يَشُمُّ رَائِحَةَ يُوسُفَ كَمَا عَرَفَهَا وَهُوَ صَغِيرٌ، لَوْلا أَنْ يَنْسُبُوا ذَلِكَ مِنْهُ إِلى الخَرَفِ، وَكِبَرِ السِّنِّ (الفَنَدِ). فَصَلَتِ العِيرُ - فَارَقَتِ القَافِلَةُ عَرِيشَ مِصْرَ. تُفَنِّدُونَ - تُسَفِّهُونَ أَوْ تُكَذِّبُونَ أَوْ تَنْسُبُونَ ذلِكَ إِلَى الفَنَدِ.
الثعلبي
تفسير : {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ} يعني خرجت من عريش مصر متوجّهة إلى كنعان. {قَالَ أَبُوهُمْ} لوِلد ولده {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} روي أنّ الريح استأذنت ربّها في أن تأتي يعقوب (عليه السلام) بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير، فأذن لها فأتته بها، ابن السدّي عن أبيه عن مجاهد، قال: أصاب يعقوب ريح يوسف من مسيرة ثلاثة أيّام وذلك أنّه هبّت فصفقت القميص فاحتملت الريحُ ريحَ القميص إلى عقوب فوجد ريح الجنّة فعلم أن ليس في الأرض من ريح الجنّة إلاّ أن تأتي من ذلك القميص فمن ثمّ قال: إنّي لأجدُ ريح يوسف، وهو منه على مسيرة ثماني ليال. وروى شعيبة عن أبي سنان قال: سمعت عبدالله بن أبي الهُذيل قال: سمعت ابن عباس يقول: وجد يعقوب ريح يوسف روى أبو سنان عن أبي هذيل قال: سمعت ابن عباس يقول: وجد يعقوب ريح يوسف وهو منه على مسيرة ثماني ليال، وروى شعيبة عن أبي سنان قال: سمعت عبدالله بن أبي الهُذيل عن ابن عباس في هذه الآية قال: وجد ريحه من مسيرة ما بين البصرة والكوفة. وقال الحسن: ذكر لنا أنّه كان بينهما يومئذ ثمانون فرسخاً. {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ}: سفيان عن حصيف، عن مجاهد {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ}، قال: تُسفهون الرأي، عن ابن عباس: تجهلون، ابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد: لولا أن تقولوا ذهب عقلك، سعيد بن جبير والسدّي والضحّاك: تُكذّبون، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، والحسن وقتادة: تهرمون، ومثله روى إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد، ربيع: تحمقون، جويبر عن الضحّاك: تُهرمون، فتقولون: شيخ كبير قد خرف وذهب عقله، ابن يسار: تضعفون، أبو عمرو بن العلاء: تقبحون، الكسائي: تُعجزون، الأخفش: تلومون، أبو عبيدة: تُضللون، وأصل الفند: الفساد، قال النابغة: شعر : إلاّ سُليمان إذْ قالَ المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند تفسير : أي امنعها من الفساد، ولذلك يقال: اللوم تفنيد، قال الشاعر: شعر : يا صاحبيَّ دعا لومي وتفنيدي فليس ما فات من أمر بمردود تفسير : وقال جرير بن عطية: شعر : يا عاذليّ دعا الملامَ وأقصرا طال الهوى وأطلتُما التفنيدا تفسير : وقال آخر: شعر : أهلكتني باللومِ والتفنيد تفسير : والفند: الخطأ في الكلام والرأي ويقال: أفند فلاناً الدهر إذا أفسده، ومنه قول ابن مُقبل: شعر : دَعْ الدهر يفعل ما أراد فإنّه إذا كُلّف الافناد بالناس أفندا تفسير : {قَالُواْ} يعني أولاد أولاده {تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ} خطأك {ٱلْقَدِيمِ} من حبّك يوسف لا تنساه، {فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ} المُبشّر برسالة يوسف، قال ابن عباس: البريد يهوذا بن يعقوب، ابن مسعود: جاء البشير من بين يدي العِير قال السدّي: قال يهوذا: أنا ذهبتُ بالقميص مُلطّخاً بالدم إلى يعقوب وأخبرته أنّ يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنّه حيّ وأفرحه كما أحزنته، قال ابن عباس: حمله يهوذا دونهم، وخرج حاسراً حافياً وجعل يعدو حتى أتى أباه، وكان معه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها، وكانت المسافة ثمانين فرسخاً، وروى الضحّاك عن ابن عباس، قال: البشير مالك بن ذعر من أهل مدين. {أَلْقَاهُ} يعني ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب، {فَٱرْتَدَّ بَصِيراً}: فعاد بصيراً بعد ما كان عمي. عبدالله بن أحمد بن حنبل عن أبي عبدالله السلمي: قال سمعتُ يحيى بن مسلم عمّن ذكره قال: كان يعقوب أكرم أهل الأرض على ملك الموت، وإنّ ملك الموت استأذن ربّه في أن يأتي يعقوب فأذن له فجاءه فقال يعقوب: يا ملك الموت أسألك بالذي خلقك، هل أخذت نفس يوسف فيمن قبضت من النفوس؟ قال: لا، قال مَلك الموت: يا يعقوب ألا أُعَلِّمك دُعاءً؟ قال: بلى، قال: قُل: يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ولا يُحصيه غيرك، قال: فدعا به يعقوب في تلك الليلة فلم يطلع الفجر حتى طرح القميص على وجهه فارتدّ بصيراً، قال الضحّاك: رجع إليه بصره بعد العمى والقوّة بعد الضعف والشباب بعد الهرم والسرور بعد الحزن. {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من حياة يوسف وأنّ الله يجمع بيننا {قَالُواْ} بعد ذلك {يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} مذنبين. {قَالَ} يعقوب (عليه السلام): {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ} في صلاة الليل، قال أكثر المفسّرين: أخّره من الليل إلى السحر، وذلك أنّ الدعاء بالأسحار لا يُحجب عن الله، فلمّا انتهى يعقوب إلى الموعد تقدّم إلى الصلاة بالسحر، فلمّا فرغ منها رفع يده إلى الله تعالى: اللهمّ اغفر لي حزني على يوسف وقلّة صبري عنه، واغفر لوِلدي ما أتوا على يوسف، فأوحى الله إليه: إنّي قد غفرتُ لك ولهم جمعين. قال محارب بن دثار: كان عمّ لي يأتي المسجد، قال: فمررت بدار عبدالله بن مسعود فسمعته يقول: اللهمّ إنّك دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت فهذا سحرٌ فاغفر لي. فسألته عن ذلك فقال: إنّ يعقوب أخّر استغفار بنيه إلى السحر بقوله: سوف أستغفر لكم ربّي. عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سوف أستغفر لكم ربّي، يقول: حتى يأتي يوم الجمعة ". تفسير : قال وهب: كان يستغفر لهم كلّ ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة، وقال طاووس: أخّر إلى السحر من ليلة الجمعة فوافق ذلك ليلة عاشوراء. عن أبي سلمة عن عطاء الخراساني قال: طلب الحوائج إلى الشاب أسهل منها في الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، وقول يعقوب (عليه السلام): سوف أستغفر لكم ربّي. أبو الحسن الملاني الشعبي: قال: سوف أستغفر لكم ربي، قال: أسأل يوسف إن عفا عنكم استغفر لكم ربي {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} روي أنّ يعقوب (عليه السلام) قال للبشير لمّا أخبره بحياة يوسف، قال: كيف تركت يوسف؟ قال: إنّه ملك مصر، فقال يعقوب: ما أصنع بالملك؟ على أيّ دين تركته؟ قال: على دين الإسلام. فقال يعقوب: الآن تمّت النعمة. وقال الثوري: لمّا التقى يعقوب ويوسف (عليهما السلام) عانق كلّ واحد منهما صاحبه وبكيا، فقال يوسف: يا أبة بكيتَ عليَّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أنّ القيامة تجمعنا؟ قال: بلى بُنيّ، ولكن خشيت أن تُسلب دينك، فيُحال بيني وبينك. قالوا: قد كان يوسف بعث مع البشير إلى يعقوب جهازاً ومائتي راحلة، وسأل يعقوب أن يأتيه بأهله وولده أجمعين، متهيّأ يعقوب للخروج إلى مصر، فلمّا دنا من مصر كلّم يوسف الملك الذي فوقه فخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند، وركب أهل مصر معهما، يتلقون يعقوب، ويعقوب يمشي ويقود ركابه يهوذا، فنظر يعقوب إلى الخيل والناس، فقال ليهوذا: هذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا إبنك. فلمّا دنا كلّ واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف ليبدأه بالسلام فمنع من ذلك وكان يعقوب أحقّ بذلك منه وأفضل، فابتدأه يعقوب بالسلام وقال: السلام عليك أيّها الذاهب بالأحزان، فذلك قوله عزّ وجل: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ}. فإن قيل: كيف قال لهم يوسف: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين بعدما دخلوها، وقد أخبر الله أنّهم لما دخلوا على يوسف وضمّ إليه أبويه قال لهم هذا القول حين تلقّاهم قبل دخولهم مصر كما ذكرنا. وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، وهذا الاستثناء من قول يعقوب حين قال: سوف أستغفر لكم ربي ومعنى الكلام: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ} إن شاء الله {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. فلمّا دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال: ادخلوا مصر آمنين {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} وهذا معنى قول أبي جرير، وقال بعضهم: إنّما وقع الاستثناء على الأمن لا على الدخول كقوله تعالى: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ}تفسير : [الفتح: 27] و "حديث : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دخول المقابر: وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ". تفسير : فالاستثناء وقع على اللحوق بهم لا على الموت، وقيل: (إنْ) هاهنا بمعنى (إذْ) كقوله تعالى: {أية : وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [البقرة: 278]، وقوله: {أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 139]، وقوله {أية : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً}تفسير : [النور: 33]. وقال ابن عباس: إنّما قال: آمنين لأنّهم فيما خلا كانوا يخافون ملوك مصر ولا يدخلون مصر لأنّهم لا جواز لهم، وأمّا قوله تعالى {آوَىٰ} فقال ابن إسحاق: أباه وأمّه وقال الآخرون: أبوه وخالته لعيّا، وكانت راحيل أمّ يوسف قد ماتت في نفاسها وتزوّج يعقوب بعدها أُختها لعيا فسمى الخالة أُمّاً كما سمّى العمّ أباً في قوله: {أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}تفسير : [البقرة: 133]وروى اسحاق عن بشر عن سعيد عن الحسن، قال: نشر الله راحيل أمّ يوسف من قبرها حتى سجدت تحقيقاً للرؤيا. {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} على السرير، يعني أجلسهما عليه قال ابن اسحاق يعني رفع اسمهما {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} يعني يعقوب وخالته وإخوته، وكانت تحيّة الناس يومئذ السجود، ولم يرد بالسجود وضع الجباه على الأرض، لأنّ ذلك لا يجوز إلاّ للهِ تعالى وإنّما هو الانحناء والتواضع على طريق التحيّة والتعظيم والتسليم إلاّ على جهة العبادة والصلاة، وهذا قول الأعشى بن ثعلبة: شعر : فلمّا أتانا بعيد الكرى سجدنا له ورفعنا العمارا تفسير : وقال آخر: شعر : فضول أزمتها لأمّها أسجدت سجود النصارى لأربابها تفسير : وقيل: السجود في اللغة الخضوع كقول النابغة: شعر : بجمع تضل البلق في حجراته ترى ألاكم فيه سُجّداً للحوافِر تفسير : أي متطامنة ذليلة. قال [ثعلبة]: خرّوا يعني مرّوا، ولم يرد الوقوع والسقوط على الأرض، نظيره قوله تعالى: {أية : لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً}تفسير : [الفرقان: 73] إنّما أراد لم يمرّوا كذلك، مجاهد: بمعنى المرور، وروي عن ابن عباس أنّ معناه خرّوا لله سُجّداً فقوله: له كناية عن الله تعالى {وَقَالَ} يوسف عند ذلك واقشعرّ جلده: {هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً}، وهو قوله {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً}. واختلفوا في مدّة غيبة يوسف عن يعقوب، فقال الكلبي: مائتان وعشرون سنة، سلمان الفارسي: أربعون سنة، عبدالله بن شدّاد: سبعون سنة وقيل: سبع وسبعون سنة، وقال الحسن: أُلقي يوسف في الجُب وهو ابن سبع عشرة سنة وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد لقائه بيعقوب ثلاثاً وعشرين سنة، ومات وهو ابن عشرين ومائه سنة، وفي التوراة: مائة وستّ وعشر سنين. في قول ابن إسحاق بن يسار: ثمانين وسبعة أعوام، وقال ابن أبي إسحاق: ثماني عشرة سنة، وولد ليوسف من امرأة العزيز: افراثيم وميشا ورحمة امرأة أيوّب، وبين يوسف وموسى أربعمائة سنة. {وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ} ولم يقل من الجبّ استعمالا للكرم لئلاّ يذكّر إخوته صنيعهم، وقيل: لأنّ نعمة الله عليه في النجاة من السجن أكبر من نعمته عليه في إنقاذه من الجب، وذلك أنّ وقوعه في البئر كان لحسد إخوته، ووقوعه في السجن مكافأة من الله لزلّة كانت منه. {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} وذلك أنّ يعقوب وبنوه كانوا أهل بادية ومواشي، والبدو مصدر قولك: بدا، يبدو، بدوّاً، إذا صار بالبادية، {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ} أفسد {ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ} ذو لُطف وصنع {لِّمَا يَشَآءُ} عالم بدقائق الأمور وحقائقها، {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}. روى عبدالصمد عن أبيه عن وهب: قال: دخلوا يعني يعقوب وولده مصر وهم اثنان وسبعون إنساناً ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاطنهم ستّمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلا سوى الذرّية والهرمى والزمنى، وكانت الذرّية ألف ألف ومائتا ألف سوى المقاتلة. قال أهل التاريخ: أقام يعقوب بمصر بعد موافاته بأهله أربعاً وعشرين سنة في أغبط حال وأهنأ عيش، ثمّ مات بمصر، ولمّا حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق، ففعل يوسف ذلك ومضى به حتى دفنه بالشام، ثمّ انصرف إلى مصر. قال سعيد بن جبير: نُقل في تابوت من ساج إلى بيت المقدس ووافق ذلك يوم مات عيصوا فدفنا في قبر واحد، فمن ثَمّ تنقل اليهود موتاهم إلى بيت المقدس من فعل ذلك منهم، وولد يعقوب وعُيص في بطن واحد، ودفنا في قبر واحد وكان عمرهما جميعاً مائة وسبعة وأربعين سنة. قالوا: فلمّا جمع الله ليوسف شمله وأقرّ له عينه وأتمّ له رؤياه، وكان موسّعاً له في ملك الدنيا ونعيمها علم أنّ ذلك لا يدوم له وأن لابدّ له من فراقه فأراد نعيماً هو (أدوم) منه، فاشتاقت نفسه إلى الجنّة فتمنى الموت ودعا ربّه، ولم يتمنَّ نبي قبله ولا بعده الموت فقال: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ} يعني ملك مصر {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} يعني تعبير الرؤيا {فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي خالقها وبارئها. {أَنتَ وَلِيِّي} مُعيني {فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ} تتولّى أمري {تَوَفَّنِي} اقبضني إليك {مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} بآبائي النبيين. قيل: فتوفّاه الله طيّباً طاهراً بمصر، ودفن في النيل في صندوق رُخام، وذلك أنّه لما مات تشاحّ الناس عليه كلٌّ يُحب أن يُدفن في محلّتهم لما يرجون من بركته،فاجتمعوا على ذلك حتى همّوا بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النيل حيث مفرق الماء بمصر فيمرّ الماء عليه ثمّ يصل الماء إلى جميع مصر، فيكونوا كلّهم فيه شرعاً واحداً ففعلوا. وروى صالح المرّي، عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك، قال: إنّ الله عزّ وجل لمّا جمع ليعقوب شمله خلا ولده نجيّاً، فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم ما صنعتم وما لقي منكم الشيخ وما لقي منكم يوسف؟ قالوا: بلى، قال: فإنْ أعَفَوا عنكم ولكن كيف لكم بربّكم؟، فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ فجلسوا بين يديه ويوسف إلى جنب أبيه قاعد. قالوا: يا أبانا أتيناك في أمر لم نأتك في مثله قط، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله، حتى حرّكوه، والأنبياء (عليهم السلام) أرحم البريّة، فقال: ما لكم يا بَنيَّ؟ قالوا: ألست قد علمت ما كان منّا إليك، وما كان منّا إلى أخينا يوسف؟ قالا: بلى، وقالوا: أفلستما قد عفوتما، قالا: بلى، قالوا: فإنّ عفوكما لا يغني عنّا إنْ كان الله لم يعفُ عنّا، قال: فما تُريدون يا بَني؟ قالوا: نُريد أن تدعو الله فإذا جاء الوحي من عند الله بأنّه قد عفا عنا صُنْعَنا قرّت أعيُننا واطمأنّت قلوبنا، وإلاّ فلا قرّة عين لنا في الدنيا أبداً، فقام الشيخ واستقبل القبلة وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلّة خاشعين، فدعا يعقوب وأمّن يوسف فلم يجب فيهم عشرين سنة. قال صالح المرّي: يخيفهم، حتى إذا كان رأس العشرين نزل جبرئيل على يعقوب فقال: إنّ الله تبارك وتعالى بعثني إليك أُبشّرك، فإنّه قد أجاب دعوتك في وِلدك،وإنّه قد عفا عمّا صنعوا، فإنّه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوّة، وذلك الذي ذكرت وقصصتُ عليك.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"فصلت" تدل على شيء كان مُلْتصقاً بشيء آخر وانفصل عنه، وفَصِلت العِيرُ. أي: خرجتْ من المدينة وتجاوزتْها؛ لتسير في رحلتها، والمقصود خروج القافلة من حدود مصر قاصدةً مكان يعقوب عليه السلام. وهنا قال يعقوب لمن كانوا حاضرين معه من الأحفاد وأبناء الأبناء: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ..} [يوسف: 94]. والمعروف أن القميص الذي أرسله مع أخيه الأكبر يحمل رائحة يوسف، لكن الذين حول يعقوب من أقربائه لم يُصدِّقوا قوله، فأضاف: {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} [يوسف: 94]. أي: لولا اتهامكم لي بالخَرف، لأن التفنيد هو الخرف. ومن العجيب أننا في أيامنا هذه نجد العلم وقد أثبت أن صُورَ المرائي والأصوات، توجد لها آثار في الجو، رغم ما يُخيَّل للإنسان أنها تلاشتْ. ويحاول العلم بوسائل من الأشعة أن يكشف صورة أيِّ جماعة كانت تجلس في مكان ما، ثم رحلتْ عنه منذ ساعة أو ساعتين، ممَّا يدلُّ على أن الصور لها نضح من شعاع وظلال يظل بالمكان لفترة قبل أن يضيع. وكذلك الأصوات؛ فالعلماء يحاولون استرداد أصوات مَنْ رحلوا؛ ويقولون: لا شيءَ يضيع في الكون، بل كل ما وُجِد فيه محفوظ بشكل أو بآخر. والرائحة أيضاً لا تضيع، بدليل أن الكلب يشُمُّ الريح من على مسافات بعيدة، ويميز الآن المخدرات من رائحتها؛ ولذلك تنتشر الكلاب المدرَّبة في المطارات وعلى الحدود؛ لتكشف أيَّ محاولة لتهريب المخدرات. وإذا كان الحيوان المخلوق بقدرة الله قادراً على التقاط الرائحة من بين آلاف الروائح، وإذا كان العلم الموهوب من الله للبشر؛ يبحث الآن في كيفية استحضار الصورة واسترداد الصوت من الفضاء المحيط بالإنسان؛ فعلينا أن ندرك أن العِيرَ عندما خرجتْ من أسوار المدينة؛ وأخذتْ طريقها إلى الموقع الذي يعيش فيه يعقوب عليه السلام؛ استطاع يعقوبُ بقدرة الله أن يَشُمَّ رائحة يوسف؛ تلك التي يحملها قميصه القادم مع القافلة. ولسائل أن يقول: ولماذا ارتبط تنسُّم يعقوب لرائحة يوسف بخروج العِير من مصر، وتواجدها على الطريق إلى موطن يعقوب؟ نقول: لأن العِيرَ لحظة تواجدها في المدينة تكون رائحة قميص يوسف مُخْتلطة بغيرها من الروائح؛ فهناك الكثير من الروائح الأخرى داخل أي مدينة، ويصعب نفاذ رائحة بعينها لتغلب على كل الروائح؛ ويختلف الأمر في الخلاء؛ حيث يمكن أن تمشي هَبَّة الرائحة دون أن يعترضها شيء. وبذلك نؤمن أن كل شيء في الكون محفوظ ولا يضيع؛ مصداقاً لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ} تفسير : [الانفطار: 10-11]. وكل ما يصدر منك مُسجَّل عليك؛ ولذلك يأتيك كتابك يوم القيامة لتقرأه، وتكون على نفسك حسيباً. ويردُّ مَنْ بقِي من أهل يعقوب معه على قوله بأنه يجد رِيحَ يوسف: {قَالُواْ تَٱللَّهِ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: تتحدث الآيات عن مجيء أسرة يعقوب بأسرهم إلى مصر، ودخولهم على يوسف وهو في عز السلطان وعظمة الملك، وتحقيق الرؤيا بسجود إخوته الأحد عشر له مع أبيه وأمه، واجتماع الشمل بعد الفرقة، وحلول الأنس بعد الكدر، ثم تختم السورة الكريمة بتوجيه الأنظار إلى عجائب الكون الدالة على القدرة والوحدانية، وما في قصص القرآن من العبر والعظات {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}!!. اللغَة: {تُفَنِّدُونِ} تنسبوني إلى الخَرَف قال الأصمعي: إذا كَثُر كلام الرجل من خَرَف فهو المفند وقال الزمخشري: التفنيد النسبة إلى الفَنَد وهو الخَرَف وإنكار العقل من هرم يقال: شيخ مُفند ولا يقال عجوز مُفْندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فتفند في كبرها {ضَلاَلِكَ} ذهابك عن الصواب {ٱلْبَدْوِ} البادية {نَّزغَ} أفسد وأغوى وأصله من نزغ الراكب الدابة إذا نخسها ليحملها على الجري {فَاطِرَ} مبدع ومخترع وأصله من فطر إذا شقَّ ثم صار عبارة عن الخلق والإِيجاد {غَاشِيَةٌ} عذاب يغشاهم {بَغْتَةً} فجأة {بَأْسُنَا} عذابنا {عِبْرَةٌ} عظة وتذكرة. التفسِير: {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ} أي خرجت منطلقة من مصر إلى الشام {قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} أي قال يعقوب لمن حضر من قرابته إني لأشمّ رائحة يوسف قال ابن عباس: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف وبينهما مسيرة ثمان ليال {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} أي تسفهوني وتنسبوني إلى الخَرَف وهو ذهاب العقل وجواب {لَوْلاَ} محذوف تقديره لأخبرتكم أنه حيٌّ {قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} أي قال حفدته ومن عنده: والله إنك لفي خطأ وذهاب عن طريق الصواب قديم، بإفراطك في محبة يوسف، ولهجك بذكره، ورجائك للقائه قال المفسرون: وإنما قالوا ذلك لاعتقادهم أن يوسف قد مات {فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ} أي فلما جاء المبشر بالخبر السارّ قال مجاهد: كان البشير أخاه يهوذا الذي حمل قميص الدم فقال: أُفرحه كما أحزنته {أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ} أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب {فَٱرْتَدَّ بَصِيراً} أي عاد بصيراً لما حدث له من السرور والانتعاش {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي قال يعقوب لأبنائه: ألم أخبركم بأني أعلم ما لا تعلمونه من حياة يوسف وأن الله سيرده عليَّ لتتحقق الرؤيا؟ قال المفسرون: ذكّرهم بقوله {أية : إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [يوسف: 86] روي أنه سأل البشير كيف يوسف؟ فقال: هو ملك مصر، قال ما أصنع بالملك! على أيّ دين تركتَه؟ قال: على دين الإِسلام، قال: الآن تمَّت النعمة {قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ} طلب أبناؤه أن يستغفر لهم لما فرط منهم ثم اعترفوا بخطأهم بقولهم {إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} أي مخطئين فيما ارتكبنا مع يوسف {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ} وعدهم بالاستغفار قال المفسرون: أخَّر ذلك إلى السَّحَر ليكون أقرب إلى الإِجابة وقيل: أخرَّهم إلى يوم الجمعة ليتحرى ساعة الإِجابة {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} أي الساتر للذنوب الرحيم بالعباد {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} أي فلما دخل يعقوب وأبناؤه وأهلوهم على يوسف ضمَّ إليه أبويه واعتنقهما {وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} أي ادخلوا بلدة مصر آمنين من كل مكروه، وإنما قال {إِن شَآءَ ٱللَّهُ} تبركاً وتيمناً {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي أجلسهما على سرير الملك بجانبه {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} أي سجد له أبوه وأمه وإخوته حين دخولهم عليه قال المفسرون: كان السجود عندهم تحية وكرامة لا عبادة {وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} أي هذا تفسير الرؤيا التي رأيتها في منامي وأنا صغير {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً} أي صدقاً حيث وقعت كما رأيتها في النوم {وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ} أي أنعم عليَّ بإخراجي من السجن قال المفسرون: ولم يذكر قصة الجب تكرماً منه لئلا يُخْجل إخوته ويذكّرهم صنيعهم بعد أن عفا عنهم {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} أي جاء بكم من البادية لأنهم كانوا أهل إبل وغنم ببادية فلسطين، ذكّرهم بنعمة الله على آل يعقوب حيث نقلهم من البادية إلى الحضر واجتمع شمل الأسرة بمصر قال الطبري: ذُكر أن يعقوب دخل مصر هو ومن معه من أولاده وأهاليهم وأبنائهم وهم أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا وهم زيادة على ستمائة ألف {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ} أي أفسد ما بيني وبين إخوتي بالإِغواء قال أبو حيان: وذكر هذا القدر من أمر إخوته لأن النعمة إذا جاءت إِثْر بلاءٍ وشدة كانت أحسن موقعاً {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ} أي لطيف التدبير يحقّق مشيئتَه بلطفٍ ودقةٍ خفية لا يحسها الناس ولا يشعرون بها {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} أي العليم بخلقه الحكيم في صنعه قال المفسرون: إن يعقوب عليه السلام أقام مع يوسف في مصر أربعاً وعشرين سنة ثم مات وكان قد أوصى أن يُدفن بالشام إلى جنب أبيه إسحاق، فمضى يوسف بنفسه ودفنه ثمَّة، ثم لما عاد إلى مصر عاش بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم الخالد، واشتاق إلى لقاء الله وإلى آبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق فقال {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ} أي أعطيتني العزَّ والجاه والسلطان، وذلك من نعمة الدنيا {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي علمتني تفسير الرؤيا، وذلك من نعمة العلم {فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي يا مبدع السماوات والأرض وخالقَهما على غير مثال سابق {أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ} أي أنت يا رب متولي أموري وشئوني في الدارين {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} أي اقبضني إليك مسلماً، واجعل لحاقي بالصالحين، ابتهل إلى ربه أن يحفظ عليه إسلامه حتى يموت عليه، وإلى هنا تنتهي قصة يوسف الصدّيق، ثم يأتي التعقيب بعد ذلك بإقامة البرهان على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} أي ذلك الذي أخبرناك عنه يا محمد من أمر يوسف وقصته، من الأخبار المغيَّبة التي لم تكن تعلمها قبل الوحي، وإنما نُعلمك نحن بها على أبلغ وجه وأدق تصوير، ليظهر صدقُك في دعوى الرسالة {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} أي وما كنت حاضراً مع إخوة يوسف حين تآمروا على أخيهم وأجمعوا أمرهم على إلقائه في الجب وهم يحتالون ويمكرون به وبأبيه ليرسله معهم، فإنك يا محمد لم تشاهدهم حتى تقف على حقيقة القصة وإنما جاءتك بوحيٍ من العليم الخبير {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي ليس أكثر الخلق ولو حرصتَ على إيمانهم وبالغتَ في إرشادهم بمصدقين لك لتصميمهم على الكفر {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي وما تطلب منهم على هذا النصح، والدعاء إلى الخير والرشد أجرة حتى يثقل عليهم {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} أي ما هذا القرآن إلا عظة وتذكير للعالمين، وأنت لا تطلب في تلاوته عليهم مالاً، فلو كانوا عقلاء لقبلوا ولم يتمردوا {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي كم من الآيات والعلامات الدالة على وجود الله جل وعلا ووحدانيته، الكائنة في السماوات والأرض كالشمس والقمر والنجوم، والجبال والبحار والأشجار، وسائر ما فيهما من العجائب {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} أي يشاهدونها ليلَ نهار، ويمرون عليها بالعشي والإِبكار {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} أي لا يفكرون فيها ولا يعتبرون، فلا تتعجب من إعراضهم عنك فإن إعراضهم عن هذه الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته أغرب وأعجب {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} أي لا يؤمن أكثر هؤلاء المكذبين من قومك إلا إذا أشركوا مع الله غيره، فإنهم يقرّون بأن الله هو الخالق الرازق ويعبدون معه الأصنام قال ابن عباس: ومن ذلك قولهم في تلبيتهم: "لبَّيْك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك" {أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} أفأمن هؤلاء المكذبون عقوبةً من عذاب الله تغشاهم وتشملهم؟ {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي أو تأتيهم القيامة بأهوالها فجأة من حيث لا يشعرون ولا يتوقعون؟ والاستفهام إنكاري وفيه معنى التوبيخ {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ} أي قل يا محمد هذه طريقي ومنهاجي واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة {أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} أي أدعو على عبادة الله وطاعته، على بيانٍ وحجة واضحة أنا ومن آمن بي {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي وأنزهه سبحانه عن الشركاء والأنداد، فأنا مؤمن موحِّد ولست من المشركين {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} إي وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً من البشر لا ملائكة من السماء قال الطبري: أي رجالاً لا نساءً ولا ملائكة نوحي إليهم آياتنا للدعاء إلى طاعتنا، والآية ردٌّ على من أنكر أن يكون النبي من البشر، أو زعم أن في النساء نبيات {مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} أي من أهل المُدن والأمصار لا من أهل البوادي قال الحسن: لم يبعث الله نبياً من أهل البادية قط ولا من النساء ولا من الجن قال المفسرون: وإنما كانوا من أهل الأمصار لأنهم أعلم وأحلم، وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي أفلم يسر هؤلاء المكذبون في الأرض فينظروا نظر تفكر وتدبر ما حلَّ بالأمم السابقين ومصارع المكذبين فيعتبرون بذلك؟ والاستفهام للتوبيخ {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي الدار الآخرة خير للمؤمنين المتقين من هذه الدار التي ليس فيها قرار {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفلا تعقلون فتؤمنون!! {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ} أي يئس الرسل من إيمان قومهم {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} أي أيقن الرسل أن قومهم كذّبوهم {جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} أي أتاهم النصر عند اشتداد الكرب، ففي اللحظة التي تستحكم فيها الشدة، ويأخذ فيها الكرب بالمخانق، ولا يبقى أملٌ في غير الله، في هذه اللحظة يجيء النصر كاملاً حاسماً فاصلاً {فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ} أي فنجينا الرسل والمؤمنين بهم دون الكافرين {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي ولا يُردُّ عذابنا وبطشنا عن المجرمين إذا نزل بهم {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي لقد كان في قصة يوسف وإِخوته عظة وتذكرة لأولي العقول النيِّرة {مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ} أي ما كان هذا القرآن أخباراً تُروى أو أحاديث تختلق {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي ولكن كان هذا القرآن مصدقاً لما سبقه من الكتب السماوية المنزّلة من قبل {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} أي تبيان كل ما يُحتاج إليه من أحكام الحلال والحرام، والشرائع والأحكام {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي وهداية من الضلالة ورحمة من العذاب لقوم يصدّقون به ويعملون بأوامره ونواهيه. البَلاغَة: 1- {تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ} أكدوا كلامهم بالقسم وإنَّ واللام وهذا الضرب يسمى (إنكارياً) لتتابع أنواع المؤكدات. 2- {ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} جملة {إِن شَآءَ ٱللَّهُ} دعائيةٌ جيء بها للتبرك وفي الآية تقديم وتأخير تقديره: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله. 3- {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} أبواه المراد به الأب والأم فهو من باب التغليب، والرفع مؤخر عن الخرور وإن تقدم لفظاً للاهتمام بتعظيمه لهما أي سجدوا له ثم أجلس أبويه على عرش الملك. 4- {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} جملة {وَلَوْ حَرَصْتَ} اعتراضية بين اسم {مَا} الحجازية وخبرها، وجيء بهذا الاعتراض لإِفادة أن الهداية بيد الله جل وعلا وحده. 5- {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} هذا على حذف مضاف أي وما تسألهم على تبليغ القرآن من أجر. 6- {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} {إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} فيه من المحسنات البديعية "السجعُ" وهو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير. تنبيه: دلَّ قوله تعالى {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} على أن الغرض من ذكر هذه القصص والأخبار، العظةُ والاعتبار، ووجه الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر على إخراج يوسف من الجب بعد إلقائه فيه، وإخراجه من السجن، وتمليكه مصر بعد العبودية، وجمع شمله بأبيه وإخوته بعد المدة الطويلة واليأس من الاجتماع، قادرٌ على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم، وإعلاء شأنه، وإظهار دينه، وأن الإِخبار بهذه القصة العجيبة جار مجرى الإِخبار عن الغيوب، فكان ذلك معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: وَجَدَها مِن مَسِيرةِ عَشرةِ أَيامٍ. تفسير : وقوله تعالى: {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} معناهُ تُكَذِّبون. ويقالُ تُسَفِّهون.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 423 : 43 : 14 - سفين عن خصيف عن مجاهد {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} قال، تسفهون. [الآية 94]. 424 : 44 : 15 - سفين عن أبي مودود عن الحسن قال، تهرمون. 425 : 45 : 16 - حدثنا سفين عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن بن عباس قال، وجد يعقوب ريح قميص يوسف من مسيرة ثمان. قلت، هو إذا ما بين الكوفة والبصرة.
همام الصنعاني
تفسير : 1338- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ}: [الآية: 94]، قال: لولا أن تُسفّهون، تهرمون. 1343- عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: سمعتُ ابنَ عَبَّاس يقول: {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ}: [الآية: 94]، قال: لمَّا خرجت العِير هَاجت ريح، فجاءت يعقوب بريحِ قميص يوسف، فقال: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ}: [الآية: 94]، يقول: تُسَفّهُون قال: فوجَد ريحه من مسيرة ثمانية أيام.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):