١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
96
Tafseer
ابن كثير
تفسير : قال ابن عباس والضحاك: {ٱلْبَشِيرُ} البريد. وقال مجاهد والسدي: كان يهوذا بن يعقوب، قال السدي: إنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص، وهو ملطخ بدم كذب، فأحب أن يغسل ذلك بهذا، فجاء بالقميص، فألقاه على وجه أبيه، فرجع بصيراً، وقال لبنيه عند ذلك: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّىۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: أعلم أن الله سيرده إلي، وقلت لكم: {إِنِّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين له: {يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} أي: من تاب إليه، تاب عليه، قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السحر. وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إدريس، سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دثار قال: كان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد، فيسمع إنساناً يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لي. قال: فاستمع الصوت، فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسأل عبد الله عن ذلك، فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىۤ} وقد ورد في الحديث أن ذلك كان ليلة الجمعة، كما قال ابن جرير أيضاً: حدثني المثنى، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي، حدثنا الوليد، أنبأنا ابن جريج عن عطاء، وعكرمة عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىۤ} يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة، وهو قول أخي يعقوب لبنيه» تفسير : وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه نظر، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّآ أَنْ } زائدة {جَآءَ ٱلْبَشِيرُ }( يهوذا) بالقميص وكان قد حمل قميص الدم فأحب أن يفرحه كما أحزنه {أَلْقَاهُ } طرح القميص {عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ } رجع {بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فلما أن جاء البشير} وفي قولان: أحدهما: شمعون، قاله الضحاك. الثاني: يهوذا. سمي بذلك لأنه أتاه ببشارة. {ألقاه على وجهه} يعني ألقى قميص يوسف على وجه يعقوب. {فارتدَّ بصيراً} أي رجع بصيراً، وفيه وجهان: أحدهما: بصيراً بخبر يوسف. الثاني: بصيراً من العمى. {قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: إني أعلم من صحة رؤيا يوسف ما لا تعلمون. الثاني: إني أعلم من قول ملك الموت أنه لم يقبض روح يوسف ما لا تعلمون. الثالث: إني أعلم من بلوى الأنبياء بالمحن ونزول العراج ونيل الثواب ما لا تعلمون. قوله عز وجل: {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا} وإنما سألوه ذلك لأمرين: أحدهما: أنهم أدخلوا عليه من آلام الحزن ما لا يسقط المأثم عنه إلا بإجلاله. الثاني: أنه نبيُّ تجاب دعوته ويعطى مسألته، فروى ابن وهب عن الليث بن سعد أن يعقوب وإخوة يوسف قاموا عشرين سنة يطلبون التوبة فيما فعل إخوة يوسف بيوسف لا يقبل ذلك منهم حتى لقي جبريل يعقوب فعلمه هذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين لا تخيب رجائي، ويا غوث المؤمنين أغثني، ويا عَوْن المؤمنين أعني، ويا مجيب التّوابين تُبْ عليَّ فاستجيب لهم. فإن قيل قد تقدمت المغفرة لهم بقول يوسف من قبل {لا تثريب عليكم} الآية، فلمَ سألوا أباهم أن يستغفر لهم؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: لأن لفظ يوسف عن مستقبل صار وعداً، ولم يكن عن ماض فيكون خبراً. الثاني: أن ما تقدم من يوسف كان مغفرة في حقه، ثم سألوا أباهم أن يستغفر لهم في حق نفسه. الثالث: أنهم علموا نبوة أبيهم فوثقوا بإجابته، ولم يعلموا نبوة أخيهم فلم يثقوا بإجابته. قوله عز وجل: {قال سوف أستغفر لكم ربي}وفي تأخيره الاستغفار لهم وجهان: أحدهما: أنه أخره دفعاً عن العجيل ووعداً من بعد، فلذلك قال عطاء: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم}وإلى قول يعقوب:{سوف أستغفر لكم ربي}. الثاني: أنه أخّره انتظاراً لوقت الإجابة وتوقعاً لزمان الطلب. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: عند صلاة الليل، قاله عمرو بن قيس. الثاني: إلى السحَر، قاله ابن مسعود وابن عمر. روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أخرهم إلى السحر لأن دعاء السحر مستجار ". تفسير : الثالث: إلى ليلة الجمعة قاله ابن عباس ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً. وإنما سألوه عن الاستغفار لهم وإن كان المستحق في ذنوبهم التوبة منها دون الاستغفار لهم ثلاثة أمور: أحدها: للتبرك بدعائه واستغفاره. الثاني: طلباً لاستعطافه ورضاه. الثالث: لحذرهم من البلوى والامتحان في الدنيا
ابن عطية
تفسير : روي عن ابن عباس: أن {البشير} كان يهوذا لأنه كان جاء بقميص الدم. قال القاضي أبو محمد: حدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت الواعظ أبا الفضل بن الجوهري على المنبر بمصر يقول: إن يوسف عليه السلام لما قال: {أية : اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي} تفسير : [يوسف: 93] قال يهوذا لإخوته: قد علمتم أني ذهبت إليه بقميص الترحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة؛ فتركوه وذلك. وقال هذا المعنى السدي. و {ارتد} معناه: رجع هو، يقال: ارتد الرجل ورده غيره، و {بصيرا} معناه: مبصراً، ثم وقفهم على قوله: {إني أعلم من الله ما لا تعلمون} وهذا - والله أعلم - هو انتظاره لتأويل الرؤيا - ويحتمل أن يشير إلى حسن ظنه بالله تعالى فقط. وروي: أنه قال للبشير: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على الإسلام قال: الحمد لله، الآن كملت النعمة. وفي مصحف ابن مسعود: "فلما أن جاء البشير من بين يدي العير"، وحكى الطبري عن بعض النحويين أنه قال: {أن} في قوله: {فلما أن جاء البشير} زائدة، والعرب تزيدها أحياناً في الكلام بعد لما وبعد حتى فقط، تقول: لما جئت كان كذا، ولما أن جئت، وكذلك تقول: ما قام زيد حتى قمت، وحتى أن قمت. وقوله: {قالوا: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا} الآية، روي أن يوسف عليه السلام لما غفر لإخوته، وتحققوا أيضاً أن يعقوب يغفر لهم، قال بعضهم لبعض: ما يغني عنا هذا إن لم يغفر الله لنا؟! فطلبوا - حينئذ - من يعقوب أن يطلب لهم المغفرة من الله تعالى، واعترفوا بالخطأ، فقال لهم يعقوب: {سوف أستغفر}، فقالت فرقة: سوفهم إلى السحر، وروي عن محارب بن دثار أنه قال: كان عم لي يأتي المسجد فسمع إنساناً يقول: اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت، وهذا سحر فاغفر لي، فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسئل عبد الله بن مسعود عن ذلك، فقال: إن يعقوب عليه اسلام أخر بنيه إلى السحر، ويقوي هذا التأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينزل ربنا كل ليلة إذا كان الثلث الآخر إلى سماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟" تفسير : الحديث. ويقويه قوله تعالى: {أية : والمستغفرين بالأسحار} تفسير : [آل عمران: 17]. وقالت فرقة: إنما سوفهم يعقوب إلى قيام الليل، وقالت فرقة - منهم سعيد بن جبير - سوفهم يعقوب إلى الليالي البيض، فان الدعاء فيهن يستجاب وقيل: إنما أخرهم إلى ليلة الجمعة، وروى ابن عباس هذا التأويل عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : أخرهم يعقوب حتى تأتي له الجمعة ". تفسير : ثم رجاهم يعقوب عليه السلام بقوله: {إنه هو الغفور الرحيم}. وقوله: {فلما دخلوا} الآية، ها هنا محذوفات يدل عليها الظاهر، وهي: فرحل يعقوب بأهله أجمعين وساروا حتى بلغوا يوسف، فلما دخلوا عليه. و {آوى} معناه: ضم وأظهر الحماية بهما، وفي الحديث: "حديث : أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله"تفسير : . وقيل: أراد "بالأبوين": أباه وأمه - قاله ابن إسحاق والحسن - وقال بعضهم: أباه وجدته - أم أمه - حكاه الزهراوي - وقيل: أباه وخالته، لأن أمه قد كانت ماتت - قاله السدي -. قال القاضي أبو محمد: والأول أظهر - بحسب اللفظ - إلا لو ثبت بسند أن أمه قد كانت ماتت. وفي مصحف ابن مسعود: "آوى إليه أبويه وإخوته". وقوله: {ادخلوا مصر} معناه: تمكنوا واسكنوا واستقروا، لأنهم قد كانوا دخلوا عليه، وقيل: بل قال لهم ذلك في الطريق حين تلقاهم - قاله السدي - وهذا الاستثناء هو الذي ندب القرآن إليه، أن يقوله الإنسان في جميع ما ينفذه بقوله في المستقبل، وقال ابن جريج: هذا مؤخر في اللفظ وهو متصل في المعنى بقوله: {سوف أستغفر لكم}. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا التأويل ضعف. و {العرش}: سرير الملك، وكل ما عرش فهو عريش وعرش، وخصصت اللغة العرش لسرير الملك، و {خرجوا} معناه: تصوبوا إلى الأرض، واختلف في هذا السجود، فقيل: كان كالمعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه مما كان سيرة تحياتهم للملوك في ذلك الزمان، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود - على أي هيئة كان - فإنما كان تحية لا عبادة. قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم. وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. وقال الحسن: الضمير في {له} لله عز وجل. قال القاضي أبو محمد: ورد على هذا القول. وحكى الطبري: أن يعقوب لما بلغ مصر في جملته كلم يوسف فرعون في تلقيه فخرج إليه وخرج الملوك معه فلما دنا يوسف من يعقوب وكان يعقوب يمشي متوكئاً على يهوذا - قال: فنظر يعقوب إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا، هذا فرعون مصر، قال: لا هو ابنك، قال: فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدأ بالسلام، فمنعه يعقوب من ذلك وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل، فقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان. قال القاضي أبو محمد: ونحو هذا من القصص، وفي هذا الوقت قال يوسف ليعقوب: إن فرعون قد أحسن إلينا فادخل عليه شاكراً، فدخل عليه، فقال فرعون: يا شيخ ما مصيرك إلى ما أرى؟ قال: تتابع البلاء عليّ. قال: فما زالت قدمه حتى نزل الوحي: يا يعقوب، أتشكوني إلى من لا يضرك ولا ينفعك؟ قال: يا رب ذنب فاغفره. وقال أبو عمرو الشيباني: تقدم يوسف يعقوب في المشي في بعض تلك المواطن فهبط جبريل فقال له: أتتقدم أباك؟ إن عقوبتك لذلك ألا يخرج من نسلك نبي.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْبَشِيرُ} يهوذا، سمي بذلك لأنه جاءه ببشارة، {بَصِيراً} من العمى، أو بخبر يوسف {مَا لا تَعْلَمُونَ} من صحة رؤيا يوسف، أو قول ملك الموت ما قبضت روحه، أو من بلوى الأنبياء بالمحن ونزول الفرج ونيل الثواب.
الخازن
تفسير : {فلما أن جاء البشير} وهو المبشر بخبر يوسف، قال ابن مسعود: جاء البشير بين يدي العير قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما هو يهوذا، قال السدي: قال يهوذا أنا ذهبت بالقميص ملطخاً بالدم إلى يعقوب وأخبرته أن يوسف أكله الذئب فأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته. قال ابن عباس: حمله يهوذا وخرج به حافياً حاسراً يعدو ومعه سبعة أرغفة فلم يستوف أكلها حتى أتى أباه وكانت المسافة ثمانين فرسخاً {ألقاه على وجهه} يعني فألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب {فارتد بصيراً} يعني فرجع بصيراً بعد ما كان قد عمي وعادت إليه قوته بعد الضعف وسروره بعد الحزن {قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} يعني من حياة يوسف وأن الله يجمع بيننا، وروي أن يعقوب قال للبشير كيف تركت يوسف قال تركته ملك مصر قال يعقوب ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟ قال على دين الإسلام قال الآن تمت النعمة. قوله تعالى: {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا} يعني قال أولاد يعقوب حين وصلوا إليه وأخذوا يعتذرون إليه مما صنعوا به وبيوسف استغفر لنا أي اطلب لنا غفر ذنوبنا من الله {إنا كنا خاطئين} يعني في صنيعنا {قال سوف أستغفر لكم ربي} قال أكثر المفسرين: إن يعقوب أخر الدعاء والاستغفار لهم إلى وقت السحر لأنه أشرف الأوقات وهو الوقت الذي يقول الله فيه هل من داع فأستجيب له فلما انتهى يعقوب إلى وقت السحر قام إلى الصلاة متوجهاً إلى الله تعالى فلما فرغ رفع يديه إلى الله تعالى وقال اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لأولادي ما أتوا إلى أخيهم يوسف فأوحى الله إليه أني قد غفرت لك ولهم أجمعين قال عكرمة عن ابن عباس: إنه أخر الاستغفار لهم إلى ليلة الجمعة لأنها أشرف الأوقات قال وهب كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة نيفاً وعشرين سنة وقال طاوس أخر الاستغفار إلى وقت السحر من ليلة الجمعة فوافق ذلك ليلة عاشوراء وقال الشعبي سوف أستغفر لكم ربي قال حتى أسأل يوسف فإن كان قد عفا عنكم أستغفر لكم ربي {إنه هو الغفور} يعني لذوب عباده {الرحيم} بجميع خلقه قال عطاء الخراساني طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منه إلى الشيوخ ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته لا تثريب عليكم الآية وقول يعقوب سوف أستغفر لكم ربي، قال أصحاب الأخبار إن يوسف عليه الصلاة والسلام بعث مع إخوته إلى أبيه مائتي راحلة وجهازاً كثيراً ليأتوه بيعقوب وجميع أهله إلى مصر فلما أتوه تجهز يعقوب للخروج إلى مصر فجمع أهله وهم يومئذ اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة وقال مسروق كانوا ثلاثة وسبعين فلما دنا يعقوب من مصر كلم يوسف الملك الأكبر يعني ملك مصر وعرفه بمجيء أبيه وأهله فخرج يوسف ومعه الملك في أربعة آلاف من الجند وركب أهل مصر معهم يتلقون يعقوب عليه الصلاة والسلام وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يد ابنه يهوذا فلما نظر إلى الخيل والناس قال يا يهوذا هذا فرعون مصر قال لا بل هذا ابنك يوسف فلما دنا كل واحد من صاحبه أراد يوسف أن يبدأ يعقوب بالسلام فقال له جبريل لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام فقال يعقوب السلام عليك يا مذهب الأحزان، وقيل: إنهما نزلا وتعانقا وفعلا كما يفعل الوالد بولده والولد بوالده وبكيا، وقيل: إن يوسف قال لأبيه يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا قال بلى ولكن خشيت أن يسلب دينك فيحال بيني وبينك.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه} قال: البريد. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك - رضي الله عنه - مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {فلما أن جاء البشير} قال: البشير، يهودا بن يعقوب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سفيان - رضي الله عنه - قال: البشير، هو يهودا. قال: وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يقرأ: [وجاء البشير من بين يدي العير]. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن - رضي الله عنه - قال: لما جاء البشير إلى يعقوب عليه السلام، قال: ما وجدت عندنا شيئاً، وما اختبزنا منذ سبعة أيام. ولكن هوّن الله عليك سكرة الموت. وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، عن لقمان الحنفي - رضي الله عنه - قال: بلغنا أن يعقوب عليه السلام، لما أتاه البشير قال له: ما أدري ما أثيبك اليوم، ولكن هوّن الله عليك سكرات الموت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن - رضي الله عنه - قال: لما أن جاء البشير إلى يعقوب عليه السلام فألقى عليه القميص، قال: على أي دين خلفت عليه يوسف عليه السلام؟ قال: على الإِسلام. قال: الآن تمت النعمة.
القشيري
تفسير : لو أُلقِيَ قميصُ يوسف على وجه مَنْ في الأرض مِنَ العميان لم يرتد بصرهم، وإنما رجع بصرُ يعقوب بقميص يوسف على الخصوص؛ فإنَّ بَصَرَ يعقوبَ ذهب لفراق يوسف، ولمّا جاءوا بقميصه أَنْطَقَ لسانَه، وأَوْضحَ برهانَه، فقال لهم: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} عن حياة يوسف، وفي معناه أنشدوا: شعر : وَجْهُك المأمولُ حُجَّتُنا يومَ يأتي النَّاسُ بالحجج
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما ان} ان صلة اى زائدة لتأكيد الفعلين واتصالهما حتى كأنهما وجدا فى جزء واحد من الزمان من غير وقت {جاءه البشير} [مزده دهنده] وهو يهودا {القاه على وجهه} طرح البشير القميص على وجه يعقوب {فارتد} الارتداد انقلاب الشيء الى حال كان عليها وهو من الافعال الناقصة اى عاد ورجع {بصيرا} بعدما كان قد عمى ورجعت قوته وسروره بعد الضعف والحزن شعر : داشت در بيت حزن جامى جاى جاءه منك بشيرا فنجا تفسير : قال فى التأويلات النجمية {فلما ان جاءه البشير} من حضرة يوسف القلب الى يعقوب الروح بقميص انوار الجمال {القاه على وجهه فارتد بصيرا} يشير الى ان الروح كان بصيرا فى بدوة الفطرة ثم عمى لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها ثم ارتد بصيرا بوارد من القلب شعر : ورد البشير بما اقر الاعينا وشفى النفوس فنلن غايات المنى وتقاسم الناس المسرة بينهم قسما فكان اجلهم حظا انا تفسير : وفيه اشارة الى ان القلب فى بدو الامر كان محتاجا الى الروح فى الاستكمال فلما كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين الاصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القرية فى النهاية صار الروح محتاجا اليها لاستنارته بانوار الحق وذلك لان القلب بمثابة المصباح فى قبول نار الالهية والروح بمثابة الزيت فيحتاج المصباح فى البداية الى الزيت فى قبول النار ولكن الزيت يحتاج الى المصباح وتركيبه فى النهاية ليقبل بواسطته النار فان الزيت بلا مصباح وآلاته ليس قابلا للنار فافهم جدا {قال ألم اقل لكم اني اعلم ما لا تعلمون} اي ألم اقل لكم يا بنى حين ارسلتكم الى مصر وامرتكم بالتجسس ونهيتكم عن اليأس من روح الله انى اعلم من الله ما لا تعلمون من حياة يوسف وانزال الفرج - وروى - انه سأل البشير كيف يوسف فقال هو ملك مصر قال ما اصنع بالملك وعلى أي دين تركته قال على دين الاسلام قال الآن تمت النعمة
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى إنه لما جاء المبشر بيوسف الى يعقوب ألقى القميص على وجهه فرجع بصيراً. والبشير الذي يأتي بالبشارة العظيمة. وجاء على لفظ (فعيل) لما فيه من المبالغة يقال بشره تبشيراً، ومعنى أبشرته: قلت له: استبشر، كقوله {أية : وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}تفسير : وقال الحسن، ومجاهد، والضحاك: كان البشير يهوذ بن يعقوب، والإِلقاء إِيقاع الشيء على الشيء، ويكون بمعنى ايجاد الشيء. وقوله {فارتد بصيراً} فالارتداد انقلاب الشيء الى حال، قد كان عليها، وهو والرجوع بمعنى واحد. والبصير من كان على صفة يجب لاجلها ان يبصر المبصرات إذا وجدت، و (ان) بعد قوله {فلما} زائدة للتوكيد، كما قال {أية : ولما أن جاءت رسلنا}تفسير : ولا موضع لها من الاعراب وهي تزاد مع (لما) و (حتى) على وجه الصلة تأكيداً، تقول: قد كان ذاك حتى كان كذا وكذا، وحتى ان كان كذا. وقوله {إني أعلم من الله ما لا تعلمون}.. قيل في معناه قولان: احدهما - إني اعلم من صحة رؤيا يوسف، وإن تأويلها سيكون على ما رأى {ما لا تعلمون} من تأويل الرؤيا. والثاني {إني اعلم} من بلوى الانبياء بالشدائد والمحن التي يصيرون منها الى وقت الفرج {ما لا تعلمون}، ذكره الجبائي.
اطفيش
تفسير : {فلمَّا أن} صلة {جَاء البشيرُ} ابن أمته المذكور، وهو اسمه، ويجوز أنه يراد به الوصف، ولو وافق اسمه بالقميص {ألقاهُ} يعقوب والهاء للقميص، وقيل: ألقاء البشير، وقام صياح فى آله من البشارة فرحين، وأقبلوا يبكون فرحا، وصاحت زينة فغشى عليها، وأفاقت وأتت ولدها، ولما وصلت غشى عليها، وقال ابن عباس: البشير صفة، وأنه يهودا جاء بالقميص وألقاه هو أو يعقوب. {عَلى وجْهِه} أى وجه يعقوب {فارتدَّ} صار {بصيراً قالَ} لمن حضره من ولد وولد ولدٍ وقرابة: {ألم أقلْ لكُم إنِّى أعلم مِنَ اللّهِ ما لا تعْلمونَ} الجملة مقول القول إشارة إلى قوله لهم: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} هذا هو الظاهر عندى، وقيل: إن الوقف على لكم، وإن مقول القول محذوف، أى ألم أقل لكم لا تيئسوا من روح الله، أو لم أقل لكم إنى لأجد ريح يوسف. ثم ضم يهودا إلى صدره، ونظر فى وجه البشير ساعة ثم قال البشير: يا نبى الله، أنا الذى فرقت بينى وبين والدتى، أنا البشير فبكى يعقوب عليه السلام وقال: واحسرتاه على ما فعلت يا بشير، أما علمت أن وجع الفراق شديد، سلنى حاجتك، قال: إنى لا أحتاج إلى الدنيا يا نبى الله، فقال يعقوب عليه السلام: إذا أصابك شئ: فقل: يا لطيف يا لطيف يا لطيف الطف بى، وبجميع أمورى كلها، أمور دنياى وأخراى لما ترضى، ثم قال له: هوَّن الله عليك سكرات الموت كما كانت على العموم. ثم رفع إليه الكتاب بخط يوسف عليه السلام، فوضعه على خده وقال: وا طول شوقاه إلى كتابك يا يوسف، ثم فكه وقرأه وفيه: يا أبت طلبت أن أزورك فأمرنى ربى أن أدعوك إلى حضرتى ومقالى، لتكون لك فرحتان، فرحة اللقاء، وفرحة العطاء، وقد أنفذت إليك يا ولدى مائة وثمانين دستا من الثياب، وعمائم مذهبة لأولاد إخوتى الذكور، وقمصان مذهبة للإناث، ولكل واحد منهم لباس، ولك دست من الثياب الملكية، وأرسل إليهم مائتى راحلة ليجيئوا عليها، أو أسألك أن لا تتزاهد فى ثيابنا، ولا تدخل مصر إلى فى هيئة حسنة لئلا يشمت بك الأعداء، والحاسدون، ويعيرونى بفقركم ومسكنتكم، فإن ها هنا كفارا قبطيين، ففعل كما أحب يوسف. وروى أنه قال: قال البشير: كيف تركت يوسف؟ قال: تركته ملك مصر، قال: ما أصنع بالملك على أى دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الحمد لله الآن تمت النعمة.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّأ أَنْ جَاءَ} قبل وصول العير {الْبَشْيرُ} يهوذا بالقميص قال: أَنا أَحمل إِليه القميص هذا لأُفرحه به كما أَحزنته برفع قميص يوسف الملطخ بالدم، يقال ذهب به حافياً مكشوف الرأْس يسرع، وزاده سبعة أرغفة لم يتسوف أكلها حتى أتى أباه، والمسافة ثمانون فرسخاً أَو غيرها، سبق العير فارقهم من حين وصلوا العريش أو من حين انفصلوا عن عمران مصر، وقيل: البشير الجائِى مالك بن ذعر رجل من عرب البدو، والصحيح مامر، ويرده قوله: فأَلقوه على وجه أبى {أَلْقَاهُ عَلَى وجْهِهِ} وجه يعقوب، وضمير القى للبشير، وقيل ليعقوب وهو أنسب بالأَدب، ورجح الأَول بقوله: فأَلقوه على وجه أبى،ولما ألقى على وجهه دخل ريحه أنفه، وقيل: الوجه عيناه لأَنهما فيه وهما بعضه، وقيل الوجه جسده، عبر بالبعض عن الكل {فَارْتَّد} بالله أو مع واسطة تحرك القوة فيه {بَصِيراً} صار بصيراً بعد العمى، أَو صار كامل البصر بعد نقصه، أو بعد كونه كالأَعمى لكثرة الدموع أوجع من العمى أو من كماله أو من شبهه، فعلمه يعقوب كلمات ورثها من أَبيه إسحاق وإسحق من أبيه إِبراهيم: يا لطيف فوق كل لطيف، الطف بى فى أُمورى كلها، كما أحب وأرضى فى دنياى وآخرتى، وسأل البشير: كيف يوسف؟ قال: ملك مصر، فقال: ما أَصنع بالملك؟ على أَى دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت النعمة، وما وجدت ما أَكافئُك به وما اختبزنا سبعة أَيام، ولكن هون الله عليك سكرات الموت {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أَلَم أَقل مقول لكم" أية : اذهبوا فتحسسوا"تفسير : [يوسف: 87] إِلخ أَو أَلم أَقل لكم إنى لأَجد ريح يوسف، أَو أَلم أقل لكم لا تيأَسوا إلخ، ومعنى أَعلم من الله إِلخ، أَعلم من سعة رحمة الله ما لاتعلمون أَو أَعلم بالوحى ما لا تعلمون من اجتماعى بيوسف، وأَنه حى ورؤْياه صادقة منتظرة، والخطاب لمن عنده قبل، وقيل لابنه القادم، والجمع تعظيم، أَو لأَنه معتبر مع إِخوته، أَو هذا المقال بعد حضورهم.
الالوسي
تفسير : {فَلَمَّا أَن جَاء ٱلْبَشِيرُ} قال مجاهد: هو يهوذا. روي أنه قال لإخوته قد علمتم أني ذهبت إلى أبـي بقميص الترحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة فتركوه. وفي رواية عن ابن عباس أنه مالك بن ذعر والرواية الشهيرة عنه ما تقدم، و {أن} صلة وقد أطردت زيادتها بعد لما. وقرأ ابن مسعود وعد ذلك قراءة تفسير (وجآء البشير من بين يدي العير) {أَلْقـٰاهُ} أي ألقى البشير القميص {عَلَىٰ وَجْهِهِ } أي وجه يعقوب عليه السلام، وقيل: فاعل {أَلْقَىٰ} ضمير يعقوب عليه السلام أيضاً والأول أوفق بقوله: {أية : فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ} تفسير : [يوسف: 93] وهو يبعد كون البشير مالكاً كما لا يخفى، والثاني قيل: هو الأنسب بالأدب ونسب ذلك إلى فرقد قال: إنه عليه السلام أخذه فشمه ثم وضعه على بصره {فَٱرْتَدَّ بَصِيراً} والظاهر أنه أريد بالوجه كله، وقد جرت العادة أنه متى وجد الإنسان شيئاً يعتقد فيه البركة مسح به وجهه، وقيل: عبر بالوجه عن العينين لأنهما فيه، وقيل: عبر بالكل عن البعض وارتد عند بعضهم من أخوات كان وهي بمعنى صار ـ فبصيراً ـ خبرها وصحح أبو حيان أنها ليست من أخواتها ـ فبصيراً ـ حال، والمعنى أنه رجع إلى حالته الأولى من سلامة البصر. وزعم بعضهم أن في الكلام ما يشعر بأن بصره صار أقوى مما كان عليه لأن فعيلاً من صيغ المبالغة وما عدل من يفعل إليه إلا لهذا المعنى. وتعقب بأن فعيلاً هنا ليس للمبالغة إذ ما يكون لها هو المعدول عن فاعل وأما بصير هنا فهو اسم فاعل من بصر بالشيء فهو جار على قياس فعل نحو ظرف فهو ظريف ولو كان/ كما زعم بمعنى مبصر لم يكن للمبالغة أيضاً لأن فعيلاً بمعنى مفعل ليس للمبالغة نحو أليم وسميع، وأياً ما كان فالظاهر أن عوده عليه السلام بصيراً بإلقاء القميص على وجهه ليس إلا من باب خرق العادة وليس الخارق بدعاً في هذه القصة، وقيل: إن ذاك لما أنه عليه السلام انتعش حتى قوي قلبه وحرارته الغريزية فأوصل نوره إلى الدماغ وأداه إلى البصر، ومن هذا الباب استشفاء العشاق بما يهب عليهم من جهة أرض المعشوق كما قال:شعر : وإني لأستشفي بكل غمامة يهب بها من نحو أرضك ريح تفسير : وقال آخر:شعر : ألا يا نسيم الصبح مالك كلما تقربت منا فاح نشرك طيبا كأن سليمى نبئت بسقامنا فأعطتك رياها فجئت طبيبا تفسير : إلى غير ذلك مما لا يحصى وهو قريب مما سمعته آنفاً عن الإمام هذا، وجاء في بعض الأخبار أنه عليه السلام سأل البشير كيف يوسف؟ قال: ملك مصر فقال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟ قال: على الإسلام قال: الآن تمت النعمة. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: لما جاء البشير إليه عليه السلام قال: ما وجدت عندنا شيئاً وما اختبزنا منذ سبعة أيام ولكن هون الله تعالى عليك سكرات الموت، وجاء في رواية أنه قال له: ما أدري ما أثيبك اليوم ثم دعا له بذلك {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ } يحتمل أن يكون خطاباً لمن كان عنده من قبل أي ألم أقل لكم إني لأجد ريح يوسف، ويحتمل أن يكون خطاباً لبنيه القادمين أي ألم أقل لكم لا تيأسوا من رحمة الله وهو الأنسب بقوله: {إِنّى أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فإن مدار النهي العلم الذي أوتيه عليه السلام من جهة الله سبحانه، والجملة على الاحتمالين مستأنفة وعلى الأخير يجوز أن تكون مقول القول أي ألم أقل لكم حين أرسلتكم إلى مصر وأمرتكم بالتحسس ونهيتكم عن اليأس من روح الله تعالى إني أعلم من الله ما لا تعلمون من حياة يوسف عليه السلام، واستظهر في «البحر» كونها مقول القول وهو كذلك.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 96- واستمر على أمله منتظرا رحمة اللَّه، واستمر أهله على سوء الظن به إلى أن أتاه منْ يحمل القميص ويبشره بسلامة يوسف، فحين طرح القميص على وجه يعقوب نفحته رائحة يوسف وغمرت قلبه الفرحة، فعاد إليه بصره، ولما حدثه الرسول بحال يوسف، وأنه يطلب رحلته إليه بأهله، اتجه إلى من حوله يذكرهم بنبوءته، ويُعاتبهم على تكذيبه، ويوجه أذهانهم إلى ذكر ما أكده لهم آنفا من أنه يدرك من رحمة اللَّه وفضله ما لا يُدْرِكون. 97- فقبلوا عليه معتذرين عمَّا كان منهم، راجين أن يصفح عنهم، وأن يطلب من اللَّه التجاوز عن آثامهم، لأنهم كما أكدوا فى اعتذارهم كانوا آثمين. 98- فقال يعقوب: سأداوم طلب العفو من اللَّه عن سيئاتكم، إنه - وحده - صاحب المغفرة الثابتة والرحمة الدائمة. 99- رحل يعقوب إلى مصر، وسار بأهله حتى بلغها، فحين دخلوا على يوسف - وكان قد استقبلهم فى مدخل مصر - عجَّل به الحنان والشوق إلى أبيه وأمه، فقربهما إليه، وطلب منهما ومن أهله أن يقيموا فى مصر آمنين سالمين بإذن اللَّه.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَلْقَاهُ} (96) - فَلَمَّا جَاءَهُ حَامِلُ القَمِيصِ، الذِي أَرْسَلَهُ يُوسُفُ، أَلْقَى القَمِيصَ عَلَى وَجْهِ أَبِيهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً، وَقَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ، أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنَّنِي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ شَيْئاً لاَ تَعْلَمُونَهُ أَنْتُمْ، وَهُوَ أَنَّهُ سَيَرُدَّ عَلَيَّ يُوسُفَ، وَقَدْ أَرْسَلْتُكُمْ لِمِصْرَلاعْتَقَادِي أَنَّهُ حَيٌّ فِيهَا، وَأَنَّهُ ذُو مَكَانَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وحين حضر البشير، وهو كما تقول الروايات كبير الإخوة؛ ويُقال أيضاً: إنه يهوذا؛ وهو مَنْ رفض أن يغادر مصر إلا بعد أن يأذن له والده، أو يأتي حَلٌّ من السماء لمشكلة بقاء بنيامين في مصر، بعد اتهام أعوان العزيز له بالسرقة، طبقاً لما أراده يوسف ليستبقي شقيقه معه. ولما جاء هذا البشير ومعه قميص يوسف؛ فألقاه على وجه الأب تنفيذاً لأمر يوسف عليه السلام. وبذلك زال سبب بكاء يعقوب، وفَرِح يعقوب فرحاً شديداً؛ لأنه في أيام حزنه على يوسف، وابيضاض عينيه من كثرة البكاء حدَّثه قلبه بالإلهام من الله أن يوسف ما زال حياً؛ وكان البكاء عليه من بعد ذلك هو بكاء من فَرْط الشوق لرؤية ابنه. وكذلك قد يكون يوسف قد علم بالوحي من الله أن إلقاء القميص على وجه أبيه يردُّ إليه بصره، بإذن من الحق سبحانه وتعالى، فضلاً عن أن الفرح له آثار نفسية تنعكس على الحالة الصحية، وهكذا تجلَّتْ انتصارات الحقِّ والنبوة. وقال يعقوب عليه السلام: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 96]. ولم يَقُلْ ذلك إذلالاً لهم، بل ليعطي الثقة والتوثيق لأخبار كل نبي، وأن الواقع قد أيَّد الكلام الذي قاله لهم: {أية : يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [يوسف: 87]. فإذا جاءكم خبر من معصوم؛ إياكم أن تقفوا بعقولكم فيه؛ لأن العقول تأخذ مُدْركات الأشياء على قَدْرها، وهناك أشياء فوق مُدْركات العقول. وحِين يُحدِّثكم معصوم عن ما فوق مُدْركات عقولكم إياكم أن تُكذِّبوه؛ سواء فهمتم ما حدَّثكم عنه، أو لم تستوعبوا حديثه عَمَّا فوق مُدْركات العقول. وهنا يقرّ إخوة يوسف بذنوبهم فيقول الحق سبحانه: {قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ} [الآية: 96]. وهو يهودا بن يعقوب. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} [الآية: 100]. يعني: على السرير. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله: {قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} [الآية: 101]. إِلى قوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} [الآية: 101]. قال: أَن يوسف أُلقي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أَبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ما لقي أَباه، وجمع الله شمله ورأَى تأْويل رؤياه، ثلاثاً وعشرين سنة، ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة. فلما / 34ظ / جمع الله له شمله، ورأَى تأْويل رؤياه، اشتاق إلى ربه فقال: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} [الآية: 101]. يعني: بآبائه إِبراهيم وإِسحق ويعقوب. قال الحسن: وكذلك السيد الصالح يشتاق إِلى ربه، عز وجل.
الأندلسي
تفسير : {فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ} ان زائدة للتأكيد وزيادتها بعد لما قياس مطرد قال ابن عباس: البشير كان يهوذاً لأنه كان جاء بقميص الدم والضمير المستكن في ألقاه عائد على البشير وقوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من حياة يوسف وإن الله تعالى يجمع بيننا ولما رجع إليه بصره وقرت عينيه بالمسير إلى ابنه يوسف وقررهم على قوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} طلبوا منه أن يستغفر لهم الله لذنوبهم واعترفوا بالخطأ السابق منهم وسوف أستغفر لكم عدة لهم بالاستغفار بسوف وهي ابلغ في التنفيس من السين فعن ابن مسعود أنه أخر الاستغفار لهم إلى السحر وعن ابن عباس إلى ليلة الجمعة وعنه إلى سحرها ولما وعدهم بالاستغفار رجاهم بحصول الغفران بقوله: انه هو الغفور الرحيم وفي الكلام حذف تقديره فامتثلوا ما أمرهم به يوسف من الذهاب والإِتيان بأهلهم. {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} الآية، ذكروا أن يوسف جهز إلى أبيه جهاز أو مائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه وخرج يوسف عليه السلام قيل والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب صلى الله عليه وسلم وهو يمشي يتوكأ على يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال يا يهوذا أهذا فرعون مصر، قال: لا، ولكن هذا ولدك فلما لقيه يعقوب قال: السلام عليك يا مذهب الأحزان آوى إليه إبويه أي ضمهما إليه وعانقهما والظاهر أنهما أبوه وأمه راحيل فقال الحسن وابن إسحاق: كانت أمه بالحياة وظاهر قوله: ادخلوا مصر إنه أمر بإِنشاء دخول مصر، قال السدي: قال لهم ذلك وهم في الطريق حين تلقاهم "انتهى". فيبقى قوله: فلما دخلوا على يوسف كأنه ضرب لهم مضرب أو بيت حالة التلقي في الطريق فدخلوا عليه فيه ومعنى ادخلوا أي تمكنوا واستقروا فيها والظاهر تعليق الدخول على مشيئة الله تعالى لما أمرهم بالدخول علق ذلك على مشيئة الله لأن جميع الكائنات إنما تكون بمشيئته تعالى وما لم يشأ لم يكن. {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} والعرش سرير الملك ولما دخل يوسف مصر وجلس في مجلسه على سريره واجتمعوا إليه أكرم أبويه فرفعهما على السرير وخصهما بذلك تكريماً لهما دون إخوته والضمير في: {وَخَرُّواْ} عائد على أبويه واخوته وظاهر قوله: وخروا له سجداً انه السجود المعهود وان الضمير في له عائد على يوسف لمطابقة الرؤيا في قوله: {أية : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً}تفسير : [يوسف: 4] الآية، وكان السجود إذ ذاك جائزاً من باب التكريم بالمصافحة وتقبيل اليد والقيام مما شهر بين الناس من باب التعظيم والتوقير. {وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} أي سجودكم هذا تأويل أي عاقبة رؤياي ان تلك الكواكب والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ومن متعلق برؤياي والمحذوف في من قبل تقديره من قبل هذه الكوائن والحوادث التي جرت بعد رؤياي ثم ابتدأ يوسف بتعديد نعم الله تعالى عليه فقال: {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً} أي صادقة رأيت ما وقع لي في منام يقظة حقيقة لا باطل فيها ولا لغو وفي المدة التي كانت بين رؤياه وسجودهم خلاف متناقض وأحسن أصله أن يتعدى بإِلى قال تعالى: {أية : وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ}تفسير : [القصص: 77] وقد يتعدى بالباء قال تعالى: {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}تفسير : [البقرة: 83] وقد يكون ضمن أحسن معنى لطف فعداه بالباء وذكر إخراجه من السجن وعدل عن إخراجه من الجب صفحاً عن ذكر ما يتعلق بفعل إخوته وتناسياً لما جرى منهم إذ قال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، وتنبيهاً على طهارة نفسه براءتها مما نسب إليه من المراودة وعلى ما تنقل إليه من الرياسة في الدنيا بعد خروجه من السجن بخلاف ما تنقل إليه بالخروج من الجب إلى أن بيع العبيد. {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} أي من البادية وكان منزل يعقوب بأطراف الشام بالبادية بادية فلسطين وكان رب إبل وغنم وبادية وقابل يوسف نعمة إخراجه من السجن بمجيئهم من البدو والإِشارة بذلك إلى الاجتماع بأبيه وأخوته وزوال حزن أبيه. وفي الحديث: من يرد الله به خيراً ينقله من البادية إلى الحاضرة. {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ} أي أفسد وتقدم الكلام على نزغ وأشد النزوغ إلى الشيطان لأنه هو الموسوس كما قال تعالى: {أية : فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا}تفسير : [البقرة: 36]. وذكر هذا القدر من أمر أخوته لأن النعمة إذا جاءت أثر بلاء وشدة كانت أحسن موقعاً. {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ} أي لطيف التدبير. {لِّمَا يَشَآءُ} من الأمور رفيق ومن في قوله من الملك وفي من تأويل للتبعيض لأنه لم يؤته إلا بعض ملك الدنيا ولا علم إلا بعض التأويل وانتصب فاطر على الصفة أو على النداء. {أَنتَ وَلِيِّي} تتولاني بالنعمة في الدارين وتوصل الملك الفاني بالملك الباقي وذكر كثير من المفسرين أنه لما عدد نعم الله عليه تشوف إلى لقاء ربه ولحاقه بصالحي سلفه ورأى أن الدنيا كلها فانية فتمنى الموت والذي يظهر أنه ليس في الآية تمنى الموت وإنما عدد نعمه تعالى عليه ثم دعا أن يتم عليه النعم في باقي أمره أي توفني إذا حان أجلي على الإِسلام وأجعل لحاقي بالصالحين وإنما تمنى الوفاة على الإِسلام لا الموت والصالحين أهل الجنة وقيل غير ذلك وعلماء التاريخ يزعمون أن يوسف عليه السلام عاش مائة عام وسبعة أعوام وله من الولد أفراثيم ومنشأ ورحمة زوجة أيوب قال الزهري: وولد لافراثيم نون ولنون يوشع وهو فتى موسى وولد لمنشأ موسى وهو قبل موسى بن عمران ويزعم أهل التوراة أنه صاحب الخضر وكان ابن عباس ينكر ذلك وثبت في الحديث الصحيح أن صاحب الخضر موسى بن عمران وتوارثت الفراعنة ملك مصر ولم تزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف عليه السلام وأبيه إلى أن بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم. {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} قال ابن الأنباري: سألت قريش واليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف فنزلت مشروحة شرحاً شافياً وأمل صلى الله عليه وسلم أن يكون سبباً لإِسلامهم فخالفوا تأميله فعزاه الله بقوله: وما أكثر الناس الآيات والإِشارة بذلك إلى ما قصه الله تعالى من قصة يوسف وإخوته. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} أي عند بني يعقوب حين أجمعوا أمرهم على أن يجعلوه في الجب ولا حين ألقوه فيه ولا حين التقطته السيارة ولا حين بيع. {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} أي يبغون الغوائل اليوسف ويتشاورون فيما يفعلون به أو يمكرون بيعقوب حين أتوا بالقميص ملطخاً بالدم وفي هذا تصريح لقريش بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا النوع في علم البيان يسمى بالاحتجاج النظري وبعضهم يسميه المذهب الكلامي وهو أن يلزم الخصم ما هو لازم لهذا الاحتجاج وتقدم نظير ذلك في آل عمران وفي هود وهذا تهكم بقريش وبمن كذبه لأنه لا يخفى على أحد أنه لم يكن من جملة هذا الحديث وأشباهه ولا لقي فيه أحداً يعلمه بشىء من ذلك ولم يسمع منه ولم يكن من علم قومه فإِذا أخبر به وقصه هذا القصص الذي أعجز حملته ورواته لم تقع شبهه من أنه ليس منه وأنه من جهة الوحي فإِذا أنكروه تهكم بهم وقيل لهم قد علمتم أنه لم يكن مشاهداً لمن مضى من القرون الخالية ونحوه {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} تفسير : [القصص: 44] فقوله: وما كنت هناك على جهة التهكم بهم لأنه قد علم كل أحد أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما كان معهم وأجمعوا أمرهم أي عزموا على إلقاء يوسف في الجب وهم يمكرون جملة حالية والمكر أن يدبر على الإِنسان تدبيراً يضره ويؤذيه والناس الظاهر العموم لقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [هود: 17] وعن ابن عباس أنهم أهل مكة. {وَلَوْ حَرَصْتَ} ولو بالغت في طلب إيمانهم لا يؤمنون لفرط عنادهم وتصميمهم على الكفر وجواب لو محذوف أي ولو حرصت لم يؤمنوا إنما يؤمن من يشاء الله إيمانه والضمير في عليه عائد على ما يحدثهم به ويذكرهم أن ينيلوك منفعة وجدوى كما يعطي حملة الأحاديث والأخبار إن هو إلا عظة وذكر من الله تعالى للعالمين عامة وحث على طلب النجاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخبر تعالى أنهم لفرط كفرهم يمرون على الآيات التي تكون سبباً للإِيمان فيعرضون عنها ولا تفيد عندهم شيئاً ولا تؤثر فيهم وان تلك الآيات هي في العالم العلوي وفي العالم السفلي ومعنى يمرون عليها أي يمشون عليها والمراد ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر. {وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} جملة حالية أي إيمانهم ملتبس بالشرك قال ابن عباس: هم أهل الكتاب أشركوا بالله من حيث كفروا بنبيه صلى الله عليه وسلم.
الجيلاني
تفسير : {فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ} وهو يهوذا مع القميص {أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ} على الوجه المأمور {فَٱرْتَدَّ} أي: عاد ورد فجأة {بَصِيراً} كما كان في سالف الزمان، فشكر الله وحمده، وسجد له سجدة خضوع وخشوع وتذلل تام، ثم رفع رأسه من سجوده {قَالَ} لبنيه ولحضار مجلسه: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} حين لمتوني بالأسف والحزن وكثرة المناجاة مع الله لملاقاة يوسف {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ} كرم {ٱللَّهِ} وسعة جوده ورحمته {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 96] أنتم أيها اللائمون. ثم لما سر يعقوب عليه السلام وخلص من الشدائد والمحن وقر عيناه {قَالُواْ} أي: بنوه منادين له متضرعين إليه: {يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ} التي كنا نعمل معك ومع من أحببته واخترته علينا {إِنَّا كُنَّا} فعلنا من الجرائم العظام والمعاصي والآثام {خَاطِئِينَ} [يوسف: 97] جاهلين عن عواقبها وما يؤول إليها؛ إذ هو من قضاء الله إيَّانا ولا مرد لقضائه. ثم لما تفرس يعقوب عليه السلام منهم الإخلاص والإنابة التامة والرجوع عن ظهر القلب {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ} في ذاته {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ} لذنوب عباده بعدما أخلصوا {ٱلرَّحِيمُ} [يوسف: 98] لهم يقبل توبتهم. سوَّف أمر استغفارهم إلى ملاقاة يوسف والمشورة معه، يدل عليه ما رُوي أن يعقوب استقبل القبلة قائماً يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين حتى نزل جبري عليه السلام، فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في حق أبنائك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. ثم لما صمموا عز الرحيل إلى مصر شدوا ركابهم، وساروا حتى وصلوا إلى قربها، سمع يوسف بقدومهم، وخرج إلى استقبالهم مع الملك وجنوده وجميع أهل مصر {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ} ووصلوا إليه {آوَىٰ إِلَيْهِ} أي: اعتنق وضم يوسف {أَبَوَيْهِ} إلى نفسه وواسا معهما {وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99] عن نكبات الجدب والقحط وآذيات الرحيل. {وَ} بعدما دخلوا على بيته {رَفَعَ أَبَوَيْهِ} تعظيماً لهما وتوقيراً {عَلَى ٱلْعَرْشِ} الذي يجلس هو عليه، وهو يقوم بين يديهما {وَ} بعدما تمكن أبوأه على عرشه {خَرُّواْ} أي: هما وبنوهما {لَهُ سُجَّدَاً} أي: خرجوا لشكر لقياه وشرف حضوره لله سجود شكر وخضوع. ولما رأى يوسف سجودهم تذكر ما رأى في المناقم في أوان الصبا {وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} في سالف الزمان {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً} صدقاً محققاً مطابقاً للواقع {وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ} ربي بأنواع الإحسانات {إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ} بعدما كانت فيه مدة مديدة {وَ} أعظم منه أنه {جَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} أي: البادية البعيدة {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ} وأوقع {ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ} بأنواع الإيقاعات والوساوس {إِنَّ رَبِّي} الذي رباني بأنواع اللطف والكرم {لَطِيفٌ} مدبر كامل وموفق كافل {لِّمَا يَشَآءُ} من الأمور ويريد إصلاحه {إِنَّهُ} بذاته {هُوَ ٱلْعَلِيمُ} بعلمه الحضوري لمصالح عباده {ٱلْحَكِيمُ} [يوسف: 100] المتقن في أفعاله على مقتضى ما تعلق بعلمه وإرادته.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ} [يوسف: 96] من حضرة يوسف القلب إلى يعقوب الروح بقميص أنوار الجمال، {أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيراً} [يوسف: 96] يشير إلى أن يعقوب الروح كان بصيراً في بدء الفطرة ثم عمي؛ لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها، ثم ارتد بصيراً بوارد من القلب: شعر : وَرَدَ الَبشيرُ بِما أَقَرَّ الأعُينا وَشَفى النُفوسَ وَهَزَّ غاياتِ المُنى تفسير : وفيه إشارة إلى أن القلب في بدء الأمر كان محتاجاً إلى الروح في الاستكمال، فلمَّا كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين الإصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية صارت الروح محتاجاً إليه لاستنارته بأنوار الحق؛ وذلك لأن القلب بمثابة المصابيح في قبور أنوار الإلهية، والروح بمثابة الزيت، فيحتاج المصباح في البداية بالزيت في قبول النار، ولكن الزيت محتاج إلى مصباح وتركيبه في النار ليقبل بواسطته النار، فإن الزيت بلا مصباح وآلاته ليس قابلاً للنار، فافهم جدّاً. ثم قال: يعني يعقوب الروح لمَّا ارتد بصيراً، {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 96] يا أوصاف البشرية؛ لأنه مخصوص من الله تعالى بنفخته وبالإضافة إلى نفسه تبارك وتعالى بقوله تعالى: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [الحجر: 29]، {قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [97] فيما فعلنا معك ومع يوسف القلب بالظلومية والجهولية، {قَالَ} [يوسف: 98] يعقوب الروح؛ {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ} بواقعة يوسف القلب حين حضوري مع الله، {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ} لمن تاب ورجع إليه، {ٱلرَّحِيمُ} [يوسف: 98] لمن يتوسل إليه بخواصه ومحبته وأوليائه ومقربيه، {فَلَمَّا دَخَلُواْ} [يوسف: 99] يعني: وصلوا الروح وزوجات النفس وأولاده وأوصافه ورفع أبويه على العرش، إذ قال: {آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} [يوسف: 99] ليعلم أن القلب بمثابة العرش وهو على الحقيقة عرش الرحمن، وفي الآية تقديم وتأخير في المعنى تقديرها: {عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} بوأنه رفع أبويه على العرش، {وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ} [يوسف: 99] أي: مصر حضرة الملك العزيز، {إِن شَآءَ ٱللَّهُ} [يوسف: 99] لأن لا يصل إلى حضرته أحد إلا بجذبة مشيئته، {آمِنِينَ} [يوسف: 99] على الانقطاع عن تلك الحضرة الملك العزيزي، فإنها منزهة عن الاتصال والانفصال والانقطاع عنها. {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} [يوسف: 100] لما رأوه وعرفوا أنه عرش الحق تبارك وتعالى، فالسجدة كانت على الحقيقة لرب العرش لا للعرش، وقال يوسف القلب: {وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} [يوسف: 100] أي: من قبل الوجود أن كنت نائماً بنوم العدم، {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً} [يوسف: 100] أي: جعلها في عالم الوجود الحقيقي، {وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ} [يوسف: 100] أي: من سجن الوجود؛ ولهذا قال: {أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ} ولم يقل في الجب البشرية، ونعمة إخراجه من سجن الوجود أو فر من نعمة إخراجه من جب البشرية. {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} أي: بدو الطبيعة البشرية، {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ} [يوسف: 100] بالإفساد وقطع رحم الروحانية حتى ألقوني في جب البشرية، {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ} [يوسف: 100] يريد للطفه، {لِّمَا يَشَآءُ} [يوسف: 100] من الأمور المهلكة جعلها أسباب سعادة الدارين لمن شاء، {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ} [يوسف: 100] بما قدر لعباده كيف تبدو بما دبر من الأمر كيف دبر، {ٱلْحَكِيمُ} [يوسف: 100] فيما قدر ودبر بما دبر في الأزل وما دبر إلى الأبد شيئاً فشيئاً، بل قدر ودبر بالحكمة البالغة ما شاء كما شاء، كما أنه تبارك وتعالى قدر ودبر جميع مراتب سلوك الإنسان في عالم البشرية من مبدأ سيره إلى انتهاء وصوله إلى حضرة الربوبية مرتباً على قصة يوسف ويعقوب وولده وعزيز وزوجته - عليهم السلام - وسماها أحسن القصص؛ لأنها أتم وأكمل في القصص كلها في هذا الشأن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):