Verse. 1695 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

فَلَمَّا دَخَلُوْا عَلٰي يُوْسُفَ اٰوٰۗى اِلَيْہِ اَبَوَيْہِ وَقَالَ ادْخُلُوْا مِصْرَ اِنْ شَاۗءَ اللہُ اٰمِنِيْنَ۝۹۹ۭ
Falamma dakhaloo AAala yoosufa awa ilayhi abawayhi waqala odkhuloo misra in shaa Allahu amineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما دخلوا على يوسف» في مضربه «آوى» ضم «إليه أبويه» أباه وأمه أو خالته «وقال» لهم «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين» فدخلوا وجلس يوسف على سريره.

99

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه روي أن يوسف عليه السلام وجه إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه وخرج يوسف عليه السلام والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم تلقوا يعقوب عليه السلام وهو يمشي يتوكأ على يهودا فنظر إلى الخيل والناس فقال يا يهودا هذا فرعون مصر. قال: لا هذا ولدك يوسف فذهب يوسف يبدأ بالسلام فمنع من ذلك فقال يعقوب عليه السلام: السلام عليك وقيل إن يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى والمقاتلون منهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلاً سوى الصبيان والشيوخ. أما قوله: {إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ } ففيه بحثان: البحث الأول: في المراد بقوله أبويه قولان: الأول: المراد أبوه وأمه، وعلى هذا القول فقيل إن أمه كانت باقية حية إلى ذلك الوقت، وقيل إنها كانت قد ماتت، إلا أن الله تعالى أحياها وأنشرها من قبرها حتى سجدت له تحقيقاً لرؤية يوسف عليه السلام. والقول الثاني: أن المراد أبوه وخالته، لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين، وقيل: بنيامين بالعبرانية ابن الوجع، ولما ماتت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله تعالى بأحد الأبوين، لأن الرابة تدعى، إما لقيامها مقام الأم أو لأن الخالة أم كما أن العم أب، ومنه قوله تعالى: { أية : وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } تفسير : [البقرة: 133]. البحث الثاني: آوى إليه أبويه ضمهما إليهما واعتنقهما. فإن قيل: ما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر؟ قلنا: كأنه حين استقبلهم نزل بهم في بيت هناك أو خيمة فدخلوا عليه وضم إليه أبويه وقال لهم: {ٱدْخُلُواْ مِصْرَ }. أما قوله: {دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءاوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } ففيه أبحاث: البحث الأول: قال السدي إنه قال: هذا القول قبل دخولهم مصر؛ لأنه كان قد استقبلهم وهذا هو الذي قررناه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بقوله: {ٱدْخُلُواْ مِصْرَ } أي أقيموا بها آمنين، سمى الإقامة دخولاً لاقتران أحدهما بالآخر. البحث الثاني: الاستثناء وهو قول: {إِن شَاء ٱللَّهُ } فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الأمن لا إلى الدخول، والمعنى: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله، ونظيره قوله تعالى: { أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَاء ٱللَّهُ ءامِنِينَ } تفسير : [الفتح: 27] وقيل إنه عائد إلى الدخول على القول الذي ذكرناه إنه قال لهم هذا الكلام قبل أن دخلوا مصر. البحث الثالث: معنى قوله: {ءامِنِينَ } يعني على أنفسكم وأموالكم وأهليكم لا تخافون أحداً، وكانوا فيما سلف يخافون ملوك مصر وقيل آمنين من القحط والشدة والفاقة، وقيل آمنين من أن يضرهم يوسف بالجرم السالف. أما قوله: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ } قال أهل اللغة: العرش السرير الرفيع قال تعالى: { أية : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } تفسير : [النمل: 23] والمراد بالعرش ههنا السرير الذي كان يجلس عليه يوسف، وأما قوله: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } ففيه إشكال، وذلك لأن يعقوب عليه السلام كان أبا يوسف وحق الأبوة عظيم قال تعالى: { أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } تفسير : [الإسراء: 23] فقرن حق الوالدين بحق نفسه، وأيضاً أنه كان شيخاً، والشاب يجب عليه تعظيم الشيخ. والقول الثالث: أنه كان من أكابر الأنبياء ويوسف وإن كان نبياً إلا أن يعقوب كان أعلى حالاً منه. والقول الرابع: أن جد يعقوب واجتهاده في تكثير الطاعات أكثر من جد يوسف ولما اجتمعت هذه الجهات الكثيرة فهذا يوجب أن يبالغ يوسف في خدمة يعقوب فكيف استجاز يوسف أن يسجد له يعقوب هذا تقرير السؤال. والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: وهو قول ابن عباس في رواية عطاء أن المراد بهذه الآية أنهم خروا له أي لأجل وجدانه سجداً لله تعالى، وحاصل الكلام: أن ذلك السجود كان سجوداً للشكر فالمسجود له هو الله، إلا أن ذلك السجود إنما كان لأجله والدليل على صحة هذا التأويل أن قوله: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } مشعر بأنهم صعدوا ذلك السرير، ثم سجدوا له، ولو أنهم سجدوا ليوسف لسجدوا له قبل الصعود على السرير لأن ذلك أدخل في التواضع. فإن قالوا: فهذا التأويل لا يطابق قوله: {وَقَالَ يأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰى مِن قَبْلُ } والمراد منه قوله: { أية : إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } تفسير : [يوسف: 4]. قلنا: بل هذا مطابق ويكون المراد من قوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } لأجلي أي أنها سجدت لله لطلب مصلحتي وللسعي في إعلاء منصبي، وإذا كان هذا محتملاً سقط السؤال. وعندي أن هذا التأويل متعين، لأنه لا يستبعد من عقل يوسف ودينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة والعلم والدين وكمال النبوة. والوجه الثاني: في الجواب أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً لنعمة وجدانه. وهذا التأويل حسن فإنه يقال: صليت للكعبة كما يقال: صليت إلى الكعبة. قال حسان شعراً: شعر : ما كنت أعرف أن الأمر منصرف عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم وأعرف الناس بالقرآن والسنن تفسير : وهذا يدل على أنه يجوز أن يقال فلان صلى للقبلة، وكذلك يجوز أن يقال سجد للقبلة وقوله: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } أي جعلوه كالقبلة ثم سجدوا لله شكراً لنعمة وجدانه. الوجه الثالث: في الجواب قد يسمى التواضع سجوداً كقوله: شعر : ترى الأكم فيها سجداً للحوافر تفسير : وكان المراد ههنا التواضع إلا أن هذا مشكل، لأنه تعالى قال: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } والخرور إلى السجدة مشعر بالإتيان بالسجدة على أكمل الوجوه وأجيب عنه بأن الخرور قد يعني به المرور فقط قال تعالى: { أية : لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً } تفسير : [الفرقان: 73] يعني لم يمروا. الوجه الرابع: في الجواب أن نقول: الضمير في قوله: {وَخَرُّواْ لَهُ } غير عائد إلى الأبوين لا محالة، وإلا لقال: وخروا له ساجدين، بل الضمير عائد إلى إخوته، وإلى سائر من كان يدخل عليه لأجل التهنئة، والتقدير: ورفع أبويه على العرش مبالغة في تعظيمهما، وأما الإخوة وسائر الداخلين فخروا له ساجدين. فإن قالوا: فهذا لا يلائم قوله: {وَقَالَ يأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰى مِن قَبْلُ }. قلنا: إن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقاً للرؤيا بحسب الصورة والصفة من كل الوجوه فسجود الكواكب والشمس والقمر، تعبير عن تعظيم الأكابر من الناس له ولا شك أن ذهاب يعقوب مع أولاده من كنعان إلى مصر لأجله في نهاية التعظيم له، فكفى هذا القدر في صحة الرؤيا فأما أن يكون التعبير مساوياً لأصل الرؤيا في الصفة والصورة فلم يوجبه أحد من العقلاء. الوجه الخامس: في الجواب لعل الفعل الدال على التحية والإكرام في ذلك الوقت هو السجود، وكان مقصودهم من السجود تعظيمه، وهذا في غاية البعد لأن المبالغة في التعظيم كانت أليق بيوسف منها بيعقوب، فلو كان الأمر كما قلتم، لكان من الواجب أن يسجد يوسف ليعقوب عليه السلام. والوجه السادس: فيه أن يقال: لعل إخوته حملتهم الأنفة والاستعلاء على أن لا يسجدوا له على سبيل التواضع، وعلم يعقوب عليه السلام أنهم لو لم يفعلوا ذلك لصار ذلك سبباً لثوران الفتن ولظهور الأحقاد القديمة بعد كمونها فهو عليه السلام مع جلالة قدره وعظم حقه بسبب الأبوة والشيخوخة والتقدم في الدين والنبوة والعلم فعل ذلك السجود، حتى تصير مشاهدتهم لذلك سبباً لزوال الأنفة والنفرة عن قلوبهم ألا ترى أن السلطان الكبير إذا نصب محتسباً فإذا أراد ترتيبه مكنه في إقامة الحسبة عليه ليصير ذلك سبباً في أن لا يبقى في قلب أحد منازعة ذلك المحتسب في إقامة الحسبة فكذا ههنا. الوجه السابع: لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا هو كما أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم لحكمة لا يعرفها إلا هو، ويوسف ما كان راضياً بذلك في قلبه إلا أنه لما علم أن الله أمره بذلك سكت. ثم حكى تعالى أن يوسف لما رأى هذه الحالة: {قَالَ يَـٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا } وفيه بحثان: البحث الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه لما رأى سجود أبويه وإخوته هاله ذلك واقشعر جلده منه، وقال ليعقوب هذا تأويل رؤياي من قبل، وأقول: هذا يقوي الجواب السابع كأنه يقول: يا أبت لا يليق بمثلك على جلالتك في العلم والدين والنبوة أن تسجد لولدك إلا أن هذا أمر أمرت به وتكليف كلفت به، فإن رؤيا الأنبياء حق كما أن رؤيا إبراهيم ذبح ولده صار سبباً لوجوب ذلك الذبح عليه في اليقظة فكذلك صارت هذه الرؤيا التي رآها يوسف وحكاها ليعقوب سبباً لوجوب ذلك السجود، فلهذا السبب حكى ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لما رأى ذلك هاله واقشعر جلده ولكنه لم يقل شيئاً، وأقول: لا يبعد أن يكون ذلك من تمام تشديد الله تعالى على يعقوب كأنه قيل له: إنك كنت دائم الرغبة في وصاله ودائم الحزن بسبب فراقه، فإذا وجدته فاسجد له، فكان الأمر بذلك السجود من تمام الشديد. والله أعلم بحقائق الأمور. البحث الثاني: اختلفوا في مقدار المدة بين هذا الوقت وبين الرؤيا فقيل ثمانون سنة، وقيل: سبعون، وقيل: أربعون، وهو قول الأكثرين، ولذلك يقولون إن تأويل الرؤيا إنما صحت بعد أربعين سنة، وقيل ثماني عشرة سنة وعن الحسن أنه ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وبقي في العبودية والسجون ثمانين سنة، ثم وصل إلى أبيه وأقاربه، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة فكان عمره مائة وعشرين سنة والله أعلم بحقائق الأمور. ثم قال: {وَقَدْ أَحْسَنَ بَى } أي إلي يقال: أحسن بي وإليه. قال كثير: شعر : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن ثقلت تفسير : إذا أخرجني من السجن ولم يذكر إخراجه من البئر لوجوه: الأول: أنه قال لإخوته {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ } ولو ذكر واقعة البئر لكان ذلك تثريباً لهم فكان إهماله جاراً مجري الكرم، الثاني: أنه لما خرج من البئر لم يصر ملكاً بل صيروه عبداً، أما لما خرج من السجن صيروه ملكاً فكان هذا الإخراج أقرب من أن يكون إنعاماً كاملاً، الثالث: أنه لما أخرج من البئر وقع في المضار الحاصلة بسبب تهمة المرأة فلما أخرج من السجن وصل إلى أبيه وإخوته وزالت التهمة فكان هذا أقرب إلى المنفعة، الرابع: قال الواحدي: النعمة في إخراجه من السجن أعظم لأن دخوله في السجن كان بسبب ذنب هم به، وهذا ينبغي أن يحمل على ميل الطبع ورغبة النفس، وهذا وإن كان في محل العفو في حق غيره إلا أنه ربما كان سبباً للمؤاخذة في حقه لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. ثم قال: {وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية قولان: القول الأول: جاء بكم من البدو أي من البداية، وقال الواحدي: البدو بسيط من الأرض يظهر فيه الشخص من بعيد وأصله من بدا يبدو بدواً، ثم سمي المكان باسم المصدر فيقال: بدو وحضر وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش وبرية. والقول الثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما كان يعقوب قد تحول إلى بدا وسكنها، ومنها قدم على يوسف وله بها مسجد تحت جبلها قال ابن الأنباري: بدا اسم موضع معروف يقال هو بين شعب وبدا وهما موضعان ذكرهما جميعاً كثير فقال: شعر : وأنت التي حببت شعباً إلى بدا إلى وأوطاني بلاد سواهما تفسير : فالبدو على هذا القول معناه قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا يقال بدا القوم يبدون بدوا إذا أتوا بدا كما يقال: غار القوم غوراً إذا أتوا الغور فكان معنى الآية وجاء بكم من قصد بدا، وعلى هذا القول كان يعقوب وولده حضريين لأن البدو لم يرد به البادية لكن عنى به قصد بدا إلى ههنا كلام قاله الواحدي في «البسيط». المسألة الثانية: تمسك أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى، لأن خروج العبد من السجن أضافه إلى نفسه بقوله: {إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ } ومجيئهم من البدو وأضافه إلى نفسه سبحانه بقوله: {وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ } وهذا صريح في أن فعل العبد بعينه فعل الله تعالى وحمل هذا على أن المراد أن ذلك إنما حصل بإقدار الله تعالى وتيسيره عدول عن الظاهر. ثم قال: {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } قال صاحب «الكشاف»: {نَّزغَ } أفسد بيننا وأغوى وأصله من نزغ الراكض الدابة وحملها على الجري: يقال: نزغه ونسغه إذا نخسه. واعلم أن الجبائي والكعبي والقاضي: احتجوا بهذه الآية على بطلان الجبر قالوا: لأنه تعالى أخبر عن يوسف عليه السلام أنه أضاف الإحسان إلى الله وأضاف النزغ إلى الشيطان، ولو كان ذلك أيضاً من الرحمن لوجب أن لا ينسب إلا إليه كما في النعم. والجواب: أن إضافته هذا الفعل إلى الشيطان مجاز، لأن عندكم الشيطان لا يتمكن من الكلام الخفي وقد أخبر الله عنه فقال: { أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } تفسير : [إبراهيم: 22] فثبت أن ظاهر القرآن يقتضي إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مع أنه ليس كذلك. وأيضاً فإن كان إقدام المرء على المعصية بسبب الشيطان فإقدام الشيطان على المعصية إن كان بسبب شيطان آخر لزم التسلسل وهو محال وإن لم يكن بسبب شيطان آخر فليقل مثله في حق الإنسان، فثبت أن إقدام المرء على الجهل والفسق ليس بسبب الشيطان وليس إيضاً بسبب نفسه لأن أحداً لا يميل طبعه إلى اختيار الجهل والفسق الذي يوجب وقوعه في ذم الدنيا وعقاب الآخرة، ولما كان وقوعه في الكفر والفسق لا بد له من موقع، وقد بطل القسمان لم يبق إلا أن يقال ذلك من الله تعالى، ثم الذي يؤكد ذلك أن الآية المتقدمة على هذه الآية وهي قوله: {إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ } صريح في أن الكل من الله تعالى. ثم قال: {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء } والمعنى أن حصول الاجتماع بين يوسف وبين أبيه وإخوته مع الألفة والمحبة وطيب العيش وفراغ البال كان في غاية البعد عن العقول إلا أنه تعالى لطيف فإذا أراد حصول شيء سهل أسبابه فحصل وإن كان في غاية البعد عن الحصول. ثم قال: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } أعني أن كونه لطيفاً في أفعاله إنما كان لأجل أنه عليم بجميع الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية لها فيكون عالماً بالوجه الذي يسهل تحصيل ذلك الصعب وحكيم أي محكم في فعله، حاكم في قضائه، حكيم في أفعاله مبرأ عن العبث والباطل والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن ورود يعقوب عليه السلام على يوسف عليه السلام، وقدومه بلاد مصر، لما كان يوسف قد تقدم لإخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحملوا عن آخرهم، وترحلوا من بلاد كنعان قاصدين بلاد مصر، فلما أخبر يوسف عليه السلام باقترابهم، خرج لتلقيهم، وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله يعقوب عليه السلام، ويقال: إن الملك خرج أيضاً لتلقيه، وهو الأشبه، وقد أشكل قوله: {ءَاوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ} على كثير من المفسرين، فقال بعضهم: هذا من المقدم والمؤخر، ومعنى الكلام {وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ} وآوى إليه أبويه، ورفعهما على العرش، ورد ابن جرير هذا، وأجاد في ذلك، ثم اختار ما حكاه عن السدي: أن يوسف آوى إليه أبويه لما تلقاهما، ثم لما وصلوا باب البلد، قال: {ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ} وفي هذا نظر أيضاً، لأن الإيواء إنما يكون في المنزل، كقوله: {آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ} وفي الحديث: «حديث : من آوى محدثاً» تفسير : وما المانع أن يكون قال لهم بعدما دخلوا عليه وآواهم إليه: ادخلوا مصر، وضمنه: اسكنوا مصر إن شاء الله آمنين، أي: مما كنتم فيه من الجهد والقحط، ويقال - والله أعلم -:إن الله تعالى رفع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قدوم يعقوب عليهم؛ كما رفع بقية السنين التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل مكة حين قال: «حديث : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» تفسير : ثم لما تضرعوا إليه، واستشفعوا لديه، وأرسلوا أبا سفيان في ذلك، فدعا لهم، فرفع عنهم بقية ذلك ببركة دعائه عليه السلام. وقوله: {ءَاوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما كان أباه وخالته، وكانت أمه قد ماتت قديماً. وقال محمد بن إسحاق وابن جرير: كان أبوه وأمه يعيشان، قال ابن جرير: ولم يقم دليل على موت أمه، وظاهر القرآن يدل على حياتها، وهذا الذي نصره هو المنصور الذي يدل عليه السياق. وقوله: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني: السرير، أي: أجلسهما معه على سريره، {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا} أي: سجد له أبواه وإخوته الباقون. وكانوا أحد عشر رجلاً، {وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰىۤ مِن قَبْلُ} أي: التي كان قصها على أبيه من قبل: {إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} الآية، وقد كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزاً من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصاً بجناب الرب سبحانه وتعالى، هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث: أن معاذاً قدم الشام، فوجدهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجع سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ما هذا يا معاذ؟» تفسير : فقال: إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله فقال: «حديث : لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها»تفسير : . وفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة، وكان سلمان حديث عهد بالإسلام، فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت»تفسير : ، والغرض أن هذا كان جائزاً في شريعتهم، ولهذا خروا له سجداً، فعندها قال يوسف: {يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰىۤ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا} أي: هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر، كما قال تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ} تفسير : [الأعراف: 53] أي: يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به من خير وشر. وقوله: {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا} أي: صحيحة صدقاً، يذكر نعم الله عليه، {وَقَدْ أَحْسَنَ بَىۤ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} أي: البادية. قال ابن جريج وغيره: كانوا أهل بادية وماشية، وقال: كانوا يسكنون بالعَرَبات من أرض فلسطين من غور الشام، قال: وبعض يقول: كانوا بالأولاج من ناحية شِعْب أسفلَ من حَسْمَى، وكانوا أصحاب بادية وشاء وإبل، {بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىۤ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ} أي: إذا أراد أمراً، قيض له أسباباً، وقدره، ويسره {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ} بمصالح عباده، {ٱلْحَكِيمُ} في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده. قال أبو عثمان النهدي، عن سليمان: كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة، قال عبد الله بن شداد: وإليها ينتهي أقصى الرؤيا، رواه ابن جرير، وقال أيضاً: حدثنا عمر بن علي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا هشام عن الحسن قال: كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ودموعه تجري على خديه، وما على وجه الأرض عبد أحب إلى الله من يعقوب. وقال هشيم، عن يونس، عن الحسن: ثلاث وثمانون سنة، وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة، فمات وله عشرون ومائة سنة، وقال قتادة: كان بينهما خمس وثلاثون سنة. وقال محمد بن إسحاق: ذكر - والله أعلم - أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثماني عشرة سنة، قال: وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها، وأن يعقوب عليه السلام بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة، ثم قبضه الله إليه. وقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: دخل بنو إسرائيل مصر وهم ثلاثة وستون إنساناً، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً، وقال أبو إسحاق، عن مسروق: دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون بين رجل وامرأة، فالله أعلم. وقال موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله ابن شداد: اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر وهم ستة وثمانون إنساناً: صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف ونيف.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ } في مضربه {ءَاوَىٰ } ضمَّ {إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } أباه وأمه أو خالته {وَقَالَ } لهم {ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللهُ ءَامِنِينَ } فدخلوا وجلس يوسف على سريره.

الشوكاني

تفسير : قوله: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ } لعلّ في الكلام محذوفاً مقدّراً، وهو: فرحل يعقوب وأولاده وأهله إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه، أي: ضمهما وأنزلهما عنده، قال المفسرون: المراد بالأبوين هنا يعقوب وزوجته خالة يوسف؛ لأن أمه قد كانت ماتت في ولادتها لأخيه بنيامين، كما تقدّم. وقيل: أحيا الله له أمه تحقيقاً للرؤيا حتى سجدت له {وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء ٱللَّهُ آمنين} مما تكرهون، وقد كانوا فيما مضى يخافون ملوك مصر، ولا يدخلونها إلاّ بجواز منهم. قيل: والتقييد بالمشيئة عائد إلى الأمن، ولا مانع من عوده إلى الجميع؛ لأن دخولهم لا يكون إلا بمشيئة الله سبحانه، كما أنهم لا يكونون آمنين إلاّ بمشيئته. وقيل: إن التقييد بالمشيئة راجع إلى قوله:{سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى} وهو بعيد، وظاهر النظم القرآني: أن يوسف قال لهم هذه المقالة، أي: ادخلوا مصر قبل دخولهم، وقد قيل في توجيه ذلك: أنه تلقاهم إلى خارج مصر، فوقف منتظراً لهم في مكان أو خيمة، فدخلوا عليه فـ {آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ} فلما دخلوا مصر ودخلوا عليه دخولاً أخر في المكان الذي له بمصر {رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ } أي: أجلسهما معه على السرير الذي يجلس عليه كما هو عادة الملوك. {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } أي: الأبوان والأخوة، والمعنى: أنهم خرّوا ليوسف سجداً، وكان ذلك جائزاً في شريعتهم منزلاً منزلة التحية. وقيل: لم يكن ذلك سجوداً بل هو مجرد إيماء، وكانت تلك تحيتهم، وهو يخالف معنى: وخرّوا له سجداً، فإن الخرور في اللغة المقيد بالسجود لا يكون إلاّ بوضع الوجه على الأرض. وقيل: الضمير في قوله: {له} راجع إلى الله سبحانه، أي: وخرّوا لله سجداً، وهو بعيد جداً. وقيل: إن الضمير ليوسف، واللام للتعليل أي: وخرّوا لأجله سجداً، وفيه أيضاً بعد؛ وقال يوسف: {يأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰى } يعني: التي تقدّم ذكرها {مِن قَبْلُ } أي: من قبل هذا الوقت {قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا } بوقوع تأويلها على ما دلت عليه {وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ } الأصل أن يتعدّى فعل الإحسان بإلى، وقد يتعدّى بالباء كما في قوله تعالى: {أية : وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً }تفسير : [الإسراء: 23]، وقيل: إنه ضمن أحسن معنى لطف أي: لطف بي محسناً، ولم يذكر إخراجه من الجبّ، لأن في ذكره نوع تثريب للإخوة، وقد قال: لا تثريب عليكم. وقد تقدّم سبب سجنه ومدّة بقائه فيه، وقد قيل: إن وجه عدم ذكر إخراجه من الجبّ أن المنة كانت في إخراجه من السجن أكبر من المنة في إخراجه من الجبّ، وفيه نظر، {وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ } أي: البادية، وهي أرض كنعان بالشام، وكانوا أهل مواش وبرية، وقيل: إن الله لم يبعث نبياً من البادية، وأن المكان الذي كان فيه يعقوب يقال له: بدا، وإياه عني جميل بقوله:شعر : وأنت الذي حببت شعباً إلى بدا إليّ وأوطاني بلاد سواهما تفسير : وفيه نظر، {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } أي: أفسد بيننا وحمل بعضنا على بعض، يقال: نزغه: إذا نخسه، فأصله من نخس الدابة ليقوى مشيها. وأحال يوسف ذنب إخوته على الشيطان تكرماً منه وتأدّباً {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء } اللطيف: الرفيق، قال الأزهري: اللطيف من أسماء الله تعالى معناه: الرفيق بعباده، يقال: لطف فلان بفلان يلطف: إذا رفق به، وقال عمرو بن أبي عمرو: اللطيف: الذي يوصل إليك أربك في لطف. قال الخطابي: اللطيف هو البرّ بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون. وقيل: اللطيف: العالم بدقائق الأمور. ومعنى {لما يشاء}: لأجل ما يشاء حتى يجيء على وجه الصواب {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } أي: العليم بالأمور، الحكيم في أفعاله. ولما أتم الله نعمته على يوسف عليه السلام بما أخلصه منه من المحن العظيمة، وبما خوّله من الملك، وعلمه من العلم، تاقت نفسه إلى الخير الأخروي الدائم الذي لا ينقطع، فقال: {رَبّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ } "من" للتبعيض، أي: بعض الملك، لأنه لم يؤت كل الملك، إنما أوتي ملكاً خاصاً، وهو ملك مصر في زمن خاص {وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } أي: بعضها، لأنه لم يؤت جميع علم التأويل، سواء أريد به مطلق العلم والفهم، أو مجرد تأويل الرؤيا. وقيل: "من" للجنس، كما في قوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } تفسير : [الحج: 30]. وقيل: زائدة أي: آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديث {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } منتصب على أنه صفة لربّ، لكونه منادى مضافاً، ويجوز أن يكون انتصابه على أنه منادى بحرف مقدّر، أي: يا فاطر، والفاطر: الخالق والمنشىء والمخترع والمبدع {أنت وليى} أي: ناصري ومتولي أموري {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ } تتولانى فيهما {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } أي: توفني على الإسلام لا يفارقني حتى أموت، وألحقني بالصالحين من النبيين من آبائي وغيرهم فأظفر بثوابهم منك ودرجاتهم عندك. وقيل: إنه لما دعا بهذا الدعاء توفاه الله عزّ وجلّ. وقيل: كان عمره عند أن ألقي في الجبّ سبع عشرة سنة، وكان في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة إلى قدوم أبيه يعقوب عليه، ثم عاش بعد اجتماع شملهم حتى كمل عمره المقدار الذي سيأتي وتوفاه الله. قيل: لم يتمنّ الموت أحد غير يوسف لا نبيّ ولا غيره. وذهب الجمهور إلى أنه لم يتمنّ الموت بهذا الدعاء، وإنما دعا ربه أن يتوفاه على الإسلام، ويلحقه بالصالحين من عباده عند حضور أجله. وقد أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال: دخل يعقوب مصر في ملك يوسف وهو ابن مائة وثلاثين سنة، وعاش في ملكه ثلاثين سنة، ومات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة. قال أبو هريرة: وبلغني أنه كان عمر إبراهيم خليل الله مائة وخمساً وتسعين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {آوى إليه أبويه} قال: أبوه وأمه ضمهما. وأخرجا عن وهب قال: أبوه وخالته، وكانت توفيت أمّ يوسف في نفاس أخيه بنيامين. وأخرج أبو الشيخ نحوه عن سفيان بن عيينة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ } قال: السرير. وأخرج ابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم في قوله: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } قال: كانت تحية من كان قبلكم فأعطاكم الله السلام مكانها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة نحوه، وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن زيد قال: ذلك سجود تشرفة كما سجدت الملائكة تشرفة لآدم، وليس سجود عبادة. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله: {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء } قال: لطيف ليوسف، وصنع له حين أخرجه من السجن، وجاء بأهله من البدو، ونزع من قلبه نزغ الشيطان وتحريشه على إخوته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما سأل نبيّ الوفاة غير يوسف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عنه قال: اشتاق إلى لقاء الله، وأحب أن يلحق به وبآبائه، فدعا الله أن يتوفاه، وأن يلحقه بهم. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } قال: يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: يعني أهل الجنة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه} اختلف في إجتماع يوسف مع أبويه وأهله، فحكى الكلبي والسدي أن يوسف خرج عن مصر وركب معه أهلها، وقيل خرج الملك الأكبر معه واستقبل يعقوب، قال الكلبي على يوم من مصر، وكان القصر على ضحوة من مصر، فلما دنا يعقوب متوكئاً على ابنه يهوذا يمشي، فلما نظر إلى الخيل والناس قال: يا يهوذا أهذا فرعون؟ قال: لا، هذا ابنك يوسف، فقال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان عني، فأجابه يوسف: {وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} فيه وجهان: أحدهما: آمنين من فرعون، قاله أبو العالية. الثاني: آمنين من القحط والجدب، قاله السدي. وقال ابن جريج: كان اجتماعهم بمصر بعد دخولهم عليه فيها على ظاهر اللفظ، فعلى هذا يكون معنى قوله{ادخلوا مصر} استوطنوا مصر. وفي قوله: {إن شاء الله} وجهان: أحدهما: أن يعود إلى استيطان مصر، وتقديره استوطنوا مصر إن شاء الله. الثاني: أنه راجع إلى قول يعقوب: سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله آمنين إنه هو الغفور الرحيم، ويكون اللفظ مؤخراً، وهو قول ابن جريج. فحكى ابن مسعود أنهم دخلوا مصر وهم ثلاثة وتسعون إنساناً من رجل وامرأة، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً. قوله عز وجل: {ورفع أبويه على العرش} قال مجاهد وقتادة: وفي أبويه قولان: أحدهما: أنهما أبوه وخالته راحيل، وكان أبوه قد تزوجها بعد أمه فسميت أُماً، وكانت أمه قد ماتت في نفاس أخيه بنيامين، قاله وهب والسدي. الثاني: أنهما أبوه وأمه وكانت باقيه إلى دخول مصر، قاله الحسن وابن إسحاق. {وخرّوا له سجداً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم سجدوا ليوسف تعظيماً له، قال قتادة: وكان السجود تحية من قبلكم وأعطى الله تعالى هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. وقال الحسن: بل أمرهم الله تعالى بالسجود له لتأويل الرؤيا. وقال محمد بن إسحاق: سجد له أبواه وإخوته الأحد عشر. والقول الثاني: أنهم سجدوا لله عز وجل، قاله ابن عباس، وكان يوسف في جهة القبلة فاستقبلوه بسجود، وكان سجودهم شكراً، ويكون معنى قوله {وخروا} أي سقطوا، كما قال تعالى{فخرّ عليهم السقف مِنْ فوقهم} أي سقط. والقول الثالث: أن السجود ها هنا الخضوع والتذلل، ويكون معنى قوله تعالى {خروا}أي بدروا. {وقال يا أبَتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً} واختلف العلماء فيما بين رؤياه وتأويلها على خمسة أقاويل: أحدها: أنه كان بيهما ثمانون سنة، قاله الحسن وقتادة. الثاني: كان بينهما أربعون سنة، قاله سليمان. الثالث: ست وثلاثون سنة، قاله سعيد بن جبير. الرابع: اثنتان وعشرون سنة. والخامس: أنه كان بينهما ثماني عشرة سنة، قاله ابن إسحاق. فإن قيل: فإن رؤيا الأنبياء لا تكون إلا صادقة فهلاّ وثق بها يعقوب وتسلى؟ ولم {قال يا بُني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً} وما يضر الكيد مع سابق القضاء؟ قيل عن هذا جوابان: أحدهما: أنه رآها وهو صبي فجاز أن تخالف رؤيا الأنبياء المرسلين. الثاني: أنه حزن لطول المدة في معاناة البلوى وخاف كيد الإخوة في تعجيل الأذى. {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو} فإن قيل فلم اقتصر من ذكر ما بُلي به على شكر إخراجه من السجن دون الجب وكانت حاله في الجب أخطر؟ قيل عنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه كان في السجن مع الخوف من المعرة ما لم يكن في الجب فكان ما في نفسه من بلواه أعظم فلذلك خصه بالذكر والشكر. الثاني: أنه قال ذلك شكراً لله عز وجل على نقله من البلوى إلى النعماء، وهو إنما انتقل إلى الملك من السجن لا من الجب، فصار أخص بالذكر والشكر إذ صار بخروجه من السجن ملكاً، وبخروجه من الجب عبداً. الثالث: أنه لما عفا عن إخوته بقوله{لا تثريب عليكم اليوم} أعرض عن ذكر الجب لما فيه من التعريض بالتوبيخ وتأول بعض أصحاب الخواطر قوله: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن} أي من سجن السخط إلى فضاء الرضا. وفي قوله: {وجاء بكم من البدو} ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم كانوا في بادية بأرض كنعان أهل مواشٍ وخيام، وهذا قول قتادة. الثاني: أنه كان قد نزل "بدا" وبنى تحت جبلها مسجداً ومنها قصد، حكاه الضحاك عن ابن عباس. قال جميل: شعر : وأنتِ التي حَبَبْتِ شغباً إلى بَدَا إليّ وأوطاني بلادٌ سِواهما تفسير : يقال بدا يبدو إذا نزل "بدا" فلذلك قال: وجاء بكم من البدو وإن كانوا سكان المدن. الثالث: لأنهم جاءُوا في البادية وكانوا سكان مدن، ويكون بمعنى في. واختلف من قال بهذا في البلد الذي كانوا يسكنونه على ثلاثة أقاويل. أحدها: أنهم كانوا من أهل فلسطين، قاله علي بن أبي طلحة. الثاني: من ناحية حران من أرض الجزيرة، ولعله قول الحسن. الثالث: من الأولاج من ناحية الشعب، حكاه ابن إسحاق. {من بَعْدِ أن نَزَغَ الشيطانُ بيني وبين إخوتي} وفي نزغه وجهان: أحدهما: أنه إيقاع الحسد، قاله ابن عباس. الثاني: معناه حرّش وأفسد، قاله ابن قتيبة. {إن ربي لطيف لما يشاء} قال قتادة: لطيف بيوسف بإخراجه من السجن، وجاء بأهله من البدو، ونزع عن يوسف نزغ الشيطان.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَلَمَّا دَخَلُواْ} خرج يوسف وأهله والملك الأكبر واستقبلوا يعقوب على يوم من مصر فقال لهم: ادخلوا مصر آمنين من فرعون، أو من الجدب والقحط. أو لم يجتمعوا به إلا بعد دخولهم عليه بمصر فقوله: ادخلوا أي استوطنوا مصر ـ إن شاء الله ـ استيطانكم، أو الاستثناء متعلق بقوله: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّى} دخلوا مصر وهم ثلاثة وتسعون ما بين رجل وامرأة، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة وتسعون ألفاً [أ]و دخلوا وهم اثنان وسبعون، وخرجوا منها مع موسى وهم ستمائة ألف.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه} يعني ضم إليه {أبويه} قال أكثر المفسرين: هو أبوه يعقوب وخالته ليا وكانت أمه قد ماتت في نفاس بنيامين وقال الحسن هما أبوه وأمه وكانت حية بعد، وقيل: إن الله أحياها ونشرها من قبرها حتى تسجد ليوسف تحقيقاً لرؤياه والأول أصح {وقال ادخلوا مصر} قيل المراد بالدخول الأول في قوله فلما دخلوا على يوسف أرض مصر وذلك حين استقبلهم ثم قال ادخلوا مصر يعني البلد وقيل إنه أراد بالدخول الأول دخولهم مصر وأراد بالدخول الثاني الاستيطان بها أي أدخلوا مصر مستوطنين فيهما {إن شاء الله آمنين} قيل إن هذا الاستثناء عائد إلى الأمن لا إلى الدخول والمعنى ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله وقيل إنه عائد إلى الدخول فعلى هذا يكون قد قال ذلك لهم قبل أن يدخلوا مصر، وقيل: إن هذا الاستثناء يرجع إلى الاستغفار فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير تقديره سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله وقيل إن الناس كانوا يخافون من ملوك مصر فلا يدخلها أحد إلا بجوارهم فقال لهم يوسف ادخلوا مصر آمنين على أنفسكم وأهليكم إن شاء الله فعلى هذا يكون قوله إن شاء الله للتبرك فهو كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"تفسير : مع علمه أنه لاحق بهم {ورفع أبويه على العرش} يعني على السرير الذي كان يجلس عليه يوسف والرفع النقل إلى لعلو {وخروا له سجداً} يعني يعقوب وخالته ليا وإخوته وكانت تحية الناس يومئذ السجود وهو الانحناء والتواضع ولم يرد به حقيقة السجود مع وضع الجبهة على الأرض على سبيل العبادة. فإن قلت كيف استجاز يوسف عليه السلام أن يسجد له أبوه وهو أكبر منه وأعلى منصباً في النبوة والشيخوخة؟ قلت: يحتمل أن الله تعالى أمر بذلك لتحقيق رؤياه، ثم في معنى هذا السجود قولان: أحدهما أنه كان انحناء على سبيل التحية كما تقدم فلا إشكال فيه، والقول الثاني أنه كان حقيقة السجود وهو وضع الجبهة على الأرض وهو مشكل لأن السجود على هذه الصورة لا ينبغي أن يكون إلا لله تعالى، وأجيب عن هذا الإشكال بأن السجود كان في الحقيقة لله تعالى على سبيل الشكر له وإنما كان يوسف كالقبلة كما سجد الملائكة لآدم ويدل على صحة هذا التأويل قوله ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وظاهر هذا يدل على أنهم لما صعدوا على السرير خروا سجداً لله تعالى ولو كان ليوسف لكان قبل الصعود لأن ذلك أبلغ من التواضع. فإن قلت يدفع صحة هذا التأويل قوله {أية : رأيتهم لي ساجدين}تفسير : [يوسف: 4] وقوله {خروا له سجداً} فإن الضمير يرجع إلى أقرب المذكورات وهو يوسف عليه الصلاة والسلام. قلت: يحتمل أن يكون المعنى وخروا لله سجداً لأجل يوسف واجتماعهم به وقيل يحتمل أن الله أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية وهي أن إخوة يوسف ربما احتملتهم الأنفة والتكبر عن السجود ليوسف فلما رأوا أن أباهم قد سجد له سجدوا له أيضاً فتكون هذه السجدة على سبيل التحية والتواضع لا على سبيل العبادة وكان ذلك جائزاً في ذلك الزمان فلما جاء الإسلام نسخت هذه الفعلة والله أعلم بمراده وأسرار كتابه {وقال} يعني وقال يوسف عند ما رأى ذلك {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} يعني هذا تصديق الرؤيا التي رأيت في حال الصغر {قد جعلها ربي حقاً} يعني في اليقظة واختلفوا فيما بين رؤياه وتأويلها فقال سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد أربعون سنة، وقال أبو صالح عن ابن عباس: اثنتان وعشرون سنة، وقال سعيد بن جبير وعكرمة والسدي: ست وثلاثون سنة، وقال قتادة: خمس وثلاثون سنة، وقال عبد الله بن سودون: سبعون سنة، وقال الفضيل بن عياض: ثمانون سنة، حكى هذه الأقوال كلها ابن الجوزي وزاد غيره عن الحسن: أن يوسف كان عمره حين ألقي في الجب سبع عشرة سنة وأقام في العبودية والسجن والملك مدة ثمانين سنة وأقام مع أبيه وإخوته وأقاربه مدة ثلاث وعشرين سنة وتوفاه الله وهو ابن مائة وعشرين سنة وقوله {وقد أحسن بي} يعني أنعم عليّ يقال أحسن بي وإليّ بمعنى واحد {إذ أخرجني من السجن} إنما ذكر إنعام الله عليه في إخراجه من السجن وإن كان الجب أصعب منه استعمالاً للأدب والكرم لئلا يخجل إخوته بعد أن قال لهم لا تثريب عليكم اليوم ولأن نعمة الله عليه في إخراجه من السجن كانت أعظم من إخراجه من الجب وسبب ذلك أن خروجه من الجب كان سبباً لحصوله في العبودية والرق وخروجه من السجن كان سبباً لوصوله إلى الملك وقيل إن دخوله الجب كان لحسد إخوته ودخوله السجن كان لزوال التهمة عنه وكان ذلك من أعظم نعمه عليه {وجاء بكم من البدو} يعني من البادية وأصل البدو هو البسيط من الأرض يبدو الشخص فيه من بعد يعني يظهر والبدو خلاف الحضر والبادية خلاف الحاضرة وكان يعقوب وأولاده أصحاب ماشية فسكنوا البادية {من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} يعني أفسد ما بيننا بسبب الحسد وأصل النزغ دخول في أمر لإفساده واستدل بهذه الآية من يرى بطلان الجبر من المبتدعة قالوا لأن يوسف أضاف الإحسان إلى الله وأضاف النزغ إلى الشيطان ولو كان من فعل الله لوجب أن ينسب إليه كما في الإحسان والنعم، والجواب عن هذا الاستدلال أن إسناد الفعل إلى الشيطان وإضافته إليه على سبيل المجاز وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي إضافة الفعل إلى الشيطان لا على الحقيقة لأن الفاعل المطلق المختار هو الله تعالى في الحقيقة {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}تفسير : [الأَنبياء: 22] فثبت بذلك أن الكل من عند الله وبقضائه وقدره ليس للشيطان فيه مدخل إلا بإلقاء الوسوسة والتحريش لإفساد ذات البين وذلك بإقدار الله إياه على ذلك {إن ربي لطيف لما يشاء} يعني أنه تعالى ذو لطف عالم بدقائق الأمور وخفياتها. قال صاحب المفردات: وقد يعب باللطف عما تدركه الحاسة ويصح أن يكون وصف الله تعالى به على هذا الوجه وأن يكون لمعرفه بدقائق الأمور وأن يكون لرفقه بالعباد في هدايتهم، وقوله: إن ربي لطيف لما يشاء، أي حسن الاستخراج تنبيهاً على ما أوصل إلى يوسف حين ألقاه إخوته في الجب. وقيل إن اجتماع يوسف بأبيه وإخوته بعد طول الفرقة وحسد إخوته له وإزالة ذلك مع طيب الأنفس وشدة المحبة كان من لطف الله بهم حيث جعل ذلك كله لأن الله تعالى إذا أراد أمراً هيأ أسبابه {إنه هو العليم} يعني بمصالح عباده {الحكيم} في جميع أفعاله. قال أصحاب الأخبار والتواريخ: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام أقام عند يوسف بمصر أربعاً وعشرين سنة في أهنأ عيش وأنعم بال وأحسن حال فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند قبر أبيه إسحاق في الأرض المقدسة بالشام فلما مات يعقوب عليه السلام بمصر فعل يوسف ما أمره به أبوه فحمل جسده في تابوت من ساج حتى قدم به الشام فوافق ذلك موت العيص أخي يعقوب وكانا قد ولدا في بطن واحد فدفنا في قبر واحد وكان عمرهما مائة وسبعاً وأربعين سنة فلما دفن يوسف أباه وعمه رجع إلى مصر. قالوا لما جمع الله شمل يوسف عليه الصلاة والسلام بأبيه وإخوته علم أن نعيم الدنيا زائل سريع الفناء لا يدوم فسأل الله حسن العاقبة والخاتمة الصالحة فقال:

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} الآية قال أكثر المفسرين المراد: أبوه وخالته "ليَّا" وكانت أمه قد ماتت في نفاسها ببنيامين وقال الحسنُ: أبوه وأمه، وكانت حية. وروي: أنَّ الله ـ تعالى ـ أحيَا أمّه حتَّى جاءت مع يعقوب إلى مصر حتَّى سجدت له تحقيقاً لرؤيا يوسف. وقيل: إن الخالة أم كما أنَّ العم أبٌ، قال تعالى: {أية : إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}تفسير : [البقرة:133]، ومعنى {آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} ضمهما إليه، واعتنقهما. فإن قيل: ما معنى دخولهما عليه قبل دخولهم مصر؟. فالجواب: أنَّهُ حين استقبلهم أنزلهم في خيمة، أو بيت هناك، فدخلوا عليه وضم إليه أبويه وقال: {ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ}، أي: أقيموا بها آمنين، سمَّى الإقامة دخولاً؛ لاقتران أحدهما بالآخر. قال السديُّ في هذا الاستثناء قولان: الأول: أنه عائدٌ إلى الأمن إلى الدخول، والمعنى: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله، كقوله تعالى: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ}تفسير : [الفتح:27]. وقيل: إنَّه عائدٌ إلى الدُّخول كما تقدَّم. وقيل: "إنْ" هنا بمعنى: "إذْ" يريدُ: إن شاء الله، كقوله: {أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران:139] أي: إذ كنتم مؤمنين. ومعنى قوله: "آمِنينَ" أي على أنفسكم، وأموالكم، وأهليكم لا تخافون أحداً، وكان فيما سلف يخافون ملك مصر، وقيل: آمنين من القحطِ والشّدة وقيل آمنين من أن يضرهم يوسف بالجرم السالف. {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ} من باب التَّغليب، يريد: أباه وأمه ـ أو خالته ـ {عَلَى ٱلْعَرْشِ} قال أهل اللغة: العرشُ: السَّريرُ الرَّفيعُ، قال تعالى: {أية : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}تفسير : [النمل:23]. والرفع: هو النقل إلى العلو، و"سُجَّداً" حال. قال أبو البقاء: "حال مقدرةٌ؛ لأنَّ السجود يكون بعد الخُرُورِ". فإن قيل: إن يعقوب ـ عليه السلام ـ كان أبا يوسف فحقُّه عظيم، قال تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}تفسير : [الإسراء:23] فقرن حق الوالدين بحق نفسه، وأيضاً: فإنَّه كان شيخاً كبيراً [والشاب] يجبُ عليه تعظيم الشيخ وأيضاً: كان من أكابر الأنبياء، ويوسف، وإن كان نبياً إلا أن يعقوب كان أعلى حالاً منه. وأيضاً: فإن جدّ يعقوب، واجتهاده في تكثير الطّاعات أكثر من جد يوسف، واجتماع هذه الجهات الكثيرةِ يوجب المبالغة في خدمة يعقوب، فكيف استجاز يوسف أن يسجد له يعقوب؟. فالجواب من و جوه: الأول: روى عطاءٌ عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ المراد بهذه الآية أنهم خرُّوا سجداً لأجل وجدانه، فيكون سجود شكر لله تعالى لأجل وجدانه يوسف، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً}. وذلك يشعر بأنهم صعدوا على السرير، ثمَّ سجدوا لله، ولو أنهم سجدوا ليوسف لسجدوا له قل الصُّعود على السَّرير؛ لأنَّ ذلك أدخل في التَّواضع. فإن قيل: هذا التَّأويلُ لا يطابق قوله: {يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} [يوسف:100]. والمراد منه قوله: {أية : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}تفسير : [يوسف:4] قيل: معناه لأجلي، لطلب مصلحتي، وللسعي في إعلاء منصبي، وإذا احتمل هذا سقط السؤال. الثاني: أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً لنعمته. وهذا تأويلٌ حسنٌ، فإنه يقال: صليت للكعبة كما يقال: صليتُ إلى الكعبة؛ قال حسَّانُ ـ رحمه الله ـ: [البسيط] شعر : 3153ـ ألَيْسَ أوَّل من صَلَّى لِقبْلتِكُمْ وأعْرَفَ النَّاس بالآثَارِ والسُّنَنِ تفسير : فدلَّ على أنَّه يجوز أن يقال: فلانٌ صلَّى للقلبةِ، فكذلك يجوز أن يقال: سجد لِلْقِبْلةِ. وقوله: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} أي جعلوه كالقبلة ثمَّ سجدوا لله شكراً لنعمة وجدانه. الثالث: التَّواضع يسمى سجوداً؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3154ـ......................... تَرَى الأكْمَ فِيهَا سُجَّداً للحَوَافِرِ تفسير : فالمراد هنا التَّواضعُ، وهذا يشكلُ بقوله تعالى: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} والخرور مشعر بالإتيان بالسُّجود على أكمل الوجوه. وأجيب: بأنَّ الخرور يعني به المرور فقط، قال تعالى: {أية : لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً}تفسير : [الفرقان:73] يعنى: لم يمروا. الرابع: أن يقال الضمير في قوله: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} عائد إلى إخوته وإلى سائر من كان يدخل عليه لأجل التَّهنئةِ، والتقدير: ورفع أبويه على العرش مبالغة في تعظيمهما، وأمَّا الإخوةُ وسائر الدَّاخلين، فخروا له ساجدين. فإن قيل: هذا لا يلائم قوله: {يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ}. فالجواب : أن تعبير الرُّؤيا لا يجب أن يكون مطابقاً للرُّؤيا بحسب الصُّورةِ، والصِّفة من كُلِّ الوجوه، فسجودُ الكواكب والشَّمس والقمر معبر بتعظيم الأكابر من النَّاس ولا شك أنَّ ذهاب يعقوب من كنعان مع أولاده إلى مصر نهاية التعظيم له، فكفى هذا القدر من صَّحة الرُّؤيا، فأمَّا كون التَّعبير مساوياً في الصُّورةِ والصِّفة، فلم يوجبه أحد من العقلاءِ. الخامس: لعلَّ الفعل الدَّال على التَّحية في ذلك الوقت، كان هو السُّجودُ وكان مقصودهم من السجود تعظيمه، ثمَّ نسخ ذلك في شرعنا. وهذا بعيد؛ لأنَّ المبالغة في التَّعظيم كانت أليق بيوسف منها بيعقوب، فلو كان الأمر كما قلتم، لكان من الواجب أن يسجد يوسف ليعقوب عليه الصلاة والسلام. السادس: لعلَّ إخوته حملتهم الأنفة، والاستعلاءُ على ألاّ يسجدوا له على سبيل التَّواضع، وعلم يعقوب أنهم إن لم يفعلوا ذلك لصار ذلك سبباً لثوران النَّفس، وظهور الأحقاد القديمة بعد كُمونِها، فيعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع جلالته وعظم قدره ـ بسبب الأبوة والشَّيخوخة، والتَّقدُّم في الدِّين، والعلم، والنبوة فعل ذلك السُّجود حتَّى تصير مشاهدتهم لذلك سبباً لزوال تلك الأنفة، والنفرة عن قلوبهم. السابع: لعلَّ الله ـ تعالى ـ أمر يعقوب بتلك السَّجدة لحكمة خفية لا يعلمها إلا هو [كما أمر الملائكة بالسجود لآدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لحكمة لا يعلمها إلا هو]، ويوسف ما كان راضياً بذلك في قلبه إلا أنَّه لما علم أنَّ الله أمره بذلك سكت. ثم إنَّ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما رأى هذه الحالة: {وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً}، وهي قوله: {أية : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً}تفسير : [يوسف:4] وهذا يقوّي الجواب السَّابع. والمعنى: أنَّه لا يليق بمثلك على حالتك، في العلم، والدين، والنبوة أن تسجد لولدك إلا أنَّ هذا أمر أمرت به، وأن رؤيا الأنبياء حقٌّ، كما أنَّ رؤيا إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذبح ولده كان سبباً لوجوب ذلك الذبح عليه في اليقظةِ، لذلك صارت هذه الرُّؤيا التي رآها يوسف سبباً لوجوب السُّجودِ على يعقوب. قوله: {مِن قَبْلُ} يجوز أن يتعلق بـ"رُؤيَايَ" أي تأويل رؤياي في ذلك الوقت ويجوز أن يكون العامل فيه: "تأوِيلُ"؛ لأن التَّأويل كان من حين وقوعها هكذا والآن ظهر له، ويجوز أن يكون حالاً من: "رُؤيَايَ" قاله أبو البقاء. وقد تقدَّم أنَّ المقطوع عن الإضافة لا يقع حالاً. قوله: {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً} حال من: "رُؤيَايَ"، ويجوز أن تكون مستأنفة وفي "حَقًّا" وجوه: أحدها: أنه حال. والثاني: أنه مفعول ثانٍ. والثالث: أنه مصدر مؤكد لفعل من حيث المعنى، أي: حقَّقها ربي حقاً بجعله. قوله: "أحْسنَ بِي" "أحْسنَ" أصله أن يتعدَّى بإلى، قال تعالى: {أية : وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ}تفسير : [القصص:77] فقيل: ضمن معنى: "لَطفَ" متعدّياً بالباءِ، كقوله تعالى: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} وقول كثير عزَّة: [الطويل] شعر : 3155ـ أسِيئِي بِنَا، أو أحْسِنِي لا مَلُومةً لَديْنَا ولا مَقْليَّةً إنْ تَقلَّتِ تفسير : وقيل: بل يتعدى بها أيضاً، وقيل: هي بمعنى "إلى" وقيل: المفعول محذوف. تقديره: أحسن صنعه بِى، فـ:"بي" متعلقة بذلك المحذوف، وهو تقدير أبي البقاءِ. وفيه نظرٌ؛ من حيث حذف المصدر، وإبقاء معموله، وهو ممنوع عند البصريين. و"إذْ" منصوب بـ "أحْسَنَ"، أو المصدر المحذوف، قاله أبو البقاء وفيه النظر المتقدِّمُ. والبَدْوُ: ضد الحضارة، وهو من الظُّهورِ، بَدَا يَبْدُوا: إذ سكن البادية. يروى عن عمر رضي الله عنه: "إذَا بَدوْنَا جَفوْنَا" أي: تخلقنا بأخلاق البدويين. قال الواحديُّ: البدو بسيطٌ من الأرض يظهرُ فيه الشخص من بعيدٍ، وأصله من بَدَا يَبْدُوا بَدْواً، ثم سمي المكان باسم المصدر، ويقال: بَدْوٌ وحَضَر، وكان يعقوب وولده بأرض كعنان أهل مواشٍ وبريَّةٍ. وقال ابن عبَّاس ـ رضي الله عنه ـ: [كان يعقوب قد تحوَّل إلى بدا وسكنها] ومنها قدم على يوسف، وبها مسجد تحت جبلها. قال ابن الأنباري "بدا" اسم موضع معروف، يقال: بين شعيب ـ عليه السلام ـ وبدا، وهما موضعان ذكرهما جميعاً كثيرٌ: [الطويل] شعر : 3156ـ وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ شَعْباً إلى بَدَا إليَّ وأوْطَانِي بِلادٌ سِواهُمَا تفسير : والبدو على هذا القول معناه: قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا، يقال: بَدَا القَوْمُ بدواً إذا أتوا بَدَا، كما يقال: غَارَ القوم غَوْراً، إذا أتوا الغُوْر، وكان معنى الآية: وجاء بكم من قصد بدا، وعلى هذا القول كان يعقوب، وولده حضريِّين، لأن البدو لم يرد به البادية لكن عني به قصد بدا. فصل اعلم أن قوله {يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً} وهو قوله: {أية : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً}تفسير : [يوسف:4]، {وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ} أنعم عليَّ {إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ} ولم يقل من الجُبّ مع كونه أشدّ من السجن استعمالاً للكرم كيلا تخجل إخوته بعدما قال: {أية : لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [يوسف:92] ولو ذكر الجبّ كان تثريباً لهم؛ ولأن نعمة الله عليه في أخراجه من السجن أعظم؛ لأنَّه بعد الخروج من الجُبّ صار إلى العبودية والرق وبعد الخروج من السجن صار إلى الملك ولأنه لما خرج من الجُب وقع في المضار بسبب تهمة المرأة، ولما خرج من السِّجن، وصل إلى أبيه وإخوته وزالت عنه التُّهمة. وقال الواحديُّ: "النِّعمة في إخراجه من السجن أعظم؛ لأنَّ دخوله في السجن كان بسبب ذنب هَمَّ به، وهذا ينبغي أن يحمل على ميل الطبع، ورغبة النَّفس، وهذا ـ وإن كان في محل العفو ـ في حقّ غيره إلا أنه كان سبباً للمؤاخذة في حقه؛ لأنَّ حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقربين". فصل دلَّت هذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق الله ـ تعالى ـ؛ لأنَّه أضاف إخراجه من السجن إلى [الله تعالى] ومجيئهم من البدو إليه، وهذا صريحٌ في أن فعل العبد فعل الله ـ تعالى ـ فإن حملوه على أن المراد أن ذلك إنَّما حصل بإقدار الله، وتدبيره، فذلك عدولٌ عن الظَّاهر. ثم قال: {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ} أفسد وأغوى، وأصله من نَزَغَ الرَّاكض الدَّابة حملها على الجَرْي إذا نخسها. احتجَّ الجبائيُّ، والكعبيُّ، والقاضي أبو إسحاق بهذه الآية: على بُطلانِ الجبر قالوا لأنه ـ تعالى ـ أخبر عن يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه أضاف الإحسان إلى الله ـ تعالى ـ وأضاف النَّزْغَ إلى الشَّيطان، ولو كان ذلك أيضاً من الرحمن، لوجب أن لا ينسب إلا إليه كما في النعمة. الجواب: أنَّ إضافة هذا القول إلى الشيطان مجاز؛ لأنَّ عندكم الشِّيطان لا يتمكَّن من الكلام الخفيّ، كما أخبر الله عنه، فقال: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي}تفسير : [إبراهيم:22] فظاهر القرآن يقتضي إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مع أنه ليس كذلك، وأيضاً: فإن كان إقدام المرءِ على المعصية بسبب الشَّيطان، فإقدام الشيطان على المعصية إن كان بسبب شيطان آخر؛ لزم التسلسل وهو محالٌ، وإن لم يكن بسبب شيطان آخر، فليقل مثله في حق الإنسان، فثبت أن إقدام المرء على الجهل والفسق بسب الشيطان وليس بسبب نفسه لأن أحداً لا يميل طبعه إلى اختيار الجهل والفسق الذي يوجب وقوعه في الذَّم في الدُّنيا، وعذاب الآخرة ولما كان وقوعه في الكفر، والفسق لا بد له من موقع، وقد بطل القسمان لم يبق إلا أن يقال: ذلك من الله ـ تعالى ـ ويؤيد ذلك قوله: {أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} وهذا صريحٌ في أنَّ الكل من الله ـ تعالى ـ. ثم قال: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ} "لطيف" أصله أن يتعدَّى بالباء، وإنَّما يتعدى باللاَّم لتضمنه معنى مدبر، أي: أنت بلطفك لما تشاءُ. والمعنى: أنه ذو لطف لما يشاء، وقيل: بمن يشاء، وحقيقته اللُّطفِ: الذي يوصل الإحسان إلى غيره بالرفق. والمعنى: أن اجتماع يوسف، وإخوته مع الأُلْفِ، والمحبَّة، وطيب العيشِ، وفراغ البال كان في غاية البُعدِ عن العقول، إلا أنه ـ تعالى ـ لطيفٌ، فإذا أراد حصول شيءٍ سهل أسبابه، فحصل، وإن كان في غايةِ البعدِ عن الحصولِ. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} يعني أنَّ كونه لطيفاً في أفعاله إنَّما كان لأنه عليم بجميع الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية لها، فيكون عالماً بالوجه الذي يسهل تحصيل ذلك الصعب. فصل اختلفوا في مقدار الوقت ما بين الرُّؤيا واجتماعهم. فقيل: ثمانون سنة، وقيل: سبعون، وقال الأكثرون: أربعون، ولذلك يقولون: إنَّ تأويل الرُّؤيا إنَّما صحَّت بعد أربعين سنة. وقيل: ثماني عشرة سنة وبقي في العبودية، والملك، والسجن ثمانين سنة، ثمَّ وصل إليه أقاربه، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة. وقال: أقام يعقوبُ بمصر عند يوسف أربعاً وعشرين سنة، ثم مات بمصر، فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفن عد أبيه إسحاق، ففعل يوسف ومضى به حتَّى دفنه بالشَّام، ثم رجع إلى مصر. قال سعيد بن جبيرٍ: نُقل يعقوب في تابوت من ساج إلى بيت المقدس فوافق ذلك يوم مات عيصُو، فدفنا في قبرٍ واحدٍ، وكانا ولدا في بطنٍ واحدٍ، وكان عمرهما مائة وسبعة وأربعين سنة، وعاش يوسف بعد ذلك عشرين سنة، وقيل: ستين سنة ومات وهو ابن مائة عشرين سنة، وفي التوراة مائة وعشرين، وولد له إفرائيم، وميشا وولد لإفرائيم نون ولاوي، ويوشع فتى موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ ورحمة امرأة أيوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأنه تمنى الموت. وقيل: ما تمنَّاه نبيُّ قبله، ولا بعده فتوفَّاه الله طيباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر في دفنه كل أحد يحبُّ أن يدفنه في محلتهم، فرأوا أن الأصلح أن يعمل له صندوقاً من مرمر، ويجعلوه فيه، ويدفنوه في النِّيل ليمر الماء عليه، ويصل إلى مصر، وبقي هناك إلى أن بعث موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ، فأخرج عظامه من مصر، ودفنه عند أبيه. قوله تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ} الآية قرأ عبد الله: (آتيتن وعلمتن) بغير ياء فيهما. وحكى ابنُ عطية أن أبا ذر قرأ: "أتَيْتَنِي" بغير ألف بعد الهمزة، و"مِن" في "مِنَ المُلْكِ"، وفي: "مِنْ تَأويلِ" للتبعيض والمفعول محذوف أي: عظيماً من الملك، فهي صفة لذلك المحذوف. وقيل: زائدة. وقيل: لبيان الجنس، وهذان بعيدان. و"فَاطِرَ" يجوز أن يكون نعتاً لـ "ربِّ" ويجوز أن يكون بدلاً أو بياناً، أو منصوباً بإضمار أعني أو نداء ثانياً. فصل لما جمع الله شمل يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ عَلِمَ أنَّ نعيم الدُّنيا لا يدوم فسأل الله حسن العاقبة، فقال: {رب قد ءاتيتني من الملك} يعني ملك مصر، والملك اتساع المقدور لمن له السياسة، والتدبير. {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} يعني تعبير الرؤيا. قوله: {فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يعني: يا فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما قال ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ: ما كنت أدري ما معنى الفاطر حتى احتكم إليَّ اعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فَطرتَهَا وأنا ابْتدأت حَفْرهَا. وقل أهلُ اللغة: أصلُ الفَطْر: الشَّقُّ، يقال: فطرت نابُ البعير، إذا بدا، وفطرتُ الشَيء، فانفطر، إذا شَقَقْتهُ، فانشقَّ، وتفطَّرتِ الأرض بالنَّبات والشَّجر بالورق، إذا تصدَّعتْ. هذا أصله في اللغة، ثمَّ صارت عبارة عن الإيجاد؛ لأنَّ ذلك الشيء في حال عدمه كأنَّه في ظلمة وخفاءٍ، فلمَّا دخل في الوجود، صار كأنَّه انشقَّ، وخرج ذلك الشيء منه. {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} أي: اقبضني إليك مسلماً، وألحقني بالصالحين يريد بآبائي النبيين. قال قتادة: لم يسأل نبيٌّ من الأنبياء الموت إلا يوسف، وبه قال جماعة من المفسرين. وقال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ في رواية عطاء: يريد: إذا توَفَّيْتني، فتوفَّني على الإسلام. فصل دل قوله {تَوَفَّنِي مُسْلِماً} على أنَّ الإيمان من الله؛ لأنَّه لو كان من العبد، لكان تقديره: كأنَّه يقول: افعل يا مَنْ لا يَفْعَل. قالت المعتزلة: إذا كان الفعل من الله، فكيف يجوزُ أن يقال للعبد: افعل مع أنَّك لست فاعلاً؟ فيقال لهم: إذا كان تحصيل الإيمان، وابقاؤه من العبد لا من الله، فكيف يطلب ذلك من الله ـ تعالى ـ. قال الجبائي والكعبي: معناه: أطلب اللُّطف في الإقامة على الإسلام إلى أن أموت عليه، وهذا الجواب ضعيفٌ، لأن السؤال وقع عن الإسلام، فحمله على اللطف عدول عن الظاهر، وأيضاً: فكُلّ ما كان في مقدور الله من الإلطاف، فقد فعله، كان طلبه من الله محالاً. فإن قيل: الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يعلمون أنَّهم يموتون لا محالة على الإسلام، فكان هذا الدُّعاء طلباً لتحصيل الحاصل، وأنَّه لا يجوز. فالجواب: أن كمال حال المسلم: أن يستسلم لحكم الله على وجه يستقرُّ قلبه على ذلك الإسلام، ويرضى بقضاء الله، وتطمئن النفس، وينشرح الصدر في هذا الباب، وهذه حالةٌ زائدة عن الإسلام الذي هو ضدُّ الكفر، والمطلوب هاهنا هو الإسلام بهذا المعنى. فإن قيل: إن يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان من أكابر الأنبياء، والصَّلاح أول درجات المؤمنين؛ فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية؟. قال ابن عبَّاس ـ رضي الله عنه ـ وغيره: يعني بـ"آبَائهِ": إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ أجمعين. والمعنى: ألحقني بهم في ثوابهم، ودرجاتهم، ومراتبهم. حديث : روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، عن جبريل ـ عليه السلام ـ عن ربِّ العزَّة قال: "مَنْ شغلهُ ذِكرِي عَن مَسْألتِي أعْطَيتهُ أفضلَ ما أعْطِي السَّائلين" . تفسير : فلهذا من أراد الدعاء، لا بُدَّ وأن يقدِّم عليه الثَّناء على الله ـ تعالى ـ فههنا يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ لمَّا أراد الدعاء قدَّم عليه الثناء، فقال {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ} ثم دعا عقبه، فقال: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} وكذلك فعل إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء:78] إلى قوله: {أية : يَوْمَ ٱلدِّينِ}تفسير : [الشعرا:82] فهذا ثناءٌ ثمَّ قال: {أية : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً}تفسير : [الشعراء:83] إلى آخر كلامه.

البقاعي

تفسير : ولما وقع ما ذكر، وكان قد أرسل معهم من الدواب والمال والآلات ما يتجهزون به، أقبلوا على التجهيز كما أمرهم يوسف عليه الصلاة والسلام، ثم قدموا مصر وهم اثنان وسبعون نفساً من الذكور والإناث، وكأنهم أسرعوا في ذلك فلذلك قال: {فلما} بالفاء {دخلوا على يوسف} في المكان الذي تلقاهم إليه في وجوه أهل مصر وضرب به مضاربه {آوى إليه أبويه} إكراماً لهما بما يتميزان به، قيل: هو المعانقة، والظاهر أنها أمه حقيقة، وبه قال الحسن وابن إسحاق - كما نقله الرماني وأبو حيان، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها خالته، وغلب الأب في هذه التثنية لذكورته كما غلب ما هو مفرد في أصله على المضاف في العمرين {وقال} مكرماً للكل {ادخلوا مصر} أي البلد المعروف، وأتى بالشرط للأمن لا للدخول، فقال: {إن شاء الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله {آمنين *} من جميع ما ينوب حتى مما فرطتموه في حقي وحق أخي. ولما ذكر الأمن الذي هو ملاك العافية التي بها لذة العيش، أتبعه الرفعة التي بها كمال النعيم، فقال: {ورفع أبويه} أي بعدما استقرت بهم الدار بدخول مصر مستويين {على العرش} أي السرير الرفيع؛ قال الرماني: أصله الرفع. {وخروا} أي انحطوا {له سجداً} الأبوان والإخوة تحقيقاً لرؤياه ممن هو غالب على كل أمر، والسجود - وأصله: الخضوع والتذلل - كان مباحاً في تلك الأزمنة {وقال} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {ياأبت} ملذذاً له بالخطاب بالأبوة {هذا} أي الذي وقع من السجود {تأويل رؤياي} التي رأيتها، ودل على قصر الزمن الذي رآها فيه بالجار فقال: {من قبل} ثم استأنف قوله: {قد جعلها ربي} أي الذي رباني بما أوصلني إليها {حقاً} أي بمطابقة الواقع لتأويلها، وتأويل ما أخبرتني به أنت تحقق أيضاً من اجتبائي وتعليمي وإتمام النعمة عليّ؛ والتأويل: تفسير بما يؤول إليه معنى الكلام؛ وعن سلمان رضي الله عنه أن ما بين تأويلها ورؤياها أربعون سنة. {وقد أحسن} أي أوقع إحسانه {بي} تصديقاً لما بشرتني به من إتمام النعمة، وتعدية {أحسن} بالباء أدل على القرب من المحسن من التعدية بـ " إلى " وعبر بقوله: {إذا أخرجني من السجن} معرضاً عن لفظ " الجب" حذراً من إيحاش إخوته مع أن اللفظ يحتمله احتمالاً خفياً {وجاء بكم} وقيل: إنهم كانوا أهل عمد وأصحاب مواش، يتنقلون في المياه والمناجع، فلذلك قال: {من البدو} من أطراف بادية فلسطين، وذلك من أكبر النعم كما ورد في الحديث " حديث : من يرد الله به خيراً ينقله من البادية إلى الحاضرة" تفسير : والبدو: بسيط من الأرض يرى فيه الشخص من بعيد، وأصله من الظهور، وأنس إخوته أيضاً بقوله مثبتاً الجار لأن مجيئهم في بعض أزمان البعد: {من بعد أن نزغ} عبر بالماضي ليفهم أنه انقضى {الشيطان} أي أفسد البعيد المحترق بوسوسته التي هي كالنخس {بيني وبين إخوتي} حيث قسم النزع بينه وبينهم ولم يفضل أحداً من الفريقين فيه، ولم يثبت الجار إشارة إلى عموم الإفساد للبينين، كل ذلك إشارة إلى تحقق ما بشر به يعقوب عليه الصلاة والسلام من إتمام النعمة وكمال العلم والحكمة؛ ثم علل الإحسان إليهم أجمعين بقوله: {إن ربي} أي المحسن إليّ على وجوه فيها خفاء {لطيف} - أي يعلم دقائق المصالح وغوامضها، ثم يسلك - في إيصالها إلى المستصلح - سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك فهو اللطيف - قاله الرازي في اللوامع. وهو سبحانه فاعل اللطف في تدبيره ورحمته {لما يشاء} لا يعسرعليه أمر؛ ثم علل هذه العلة بقوله: {إنه هو } أي وحده {العليم} أي البليغ العلم للدقائق والجلائل {الحكيم *} أي البليغ الإتقان لما يصنعه طبق ما ختم به يعقوب عليه الصلاة والسلام بشراه في أول السورة، أي هو منفرد بالاتصاف بذلك لا يدانيه أحد في علم ليتعرض إلى أبطال ما يقيمه من الأسباب، ولا في حكمة ليتوقع الخلل في شيء منها.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال: دخل يعقوب عليه السلام مصر في ملك يوسف عليه السلام، وهو ابن مائة وثمانين سنة، وعاش في ملكه ثلاثين سنة. ومات يوسف عليه السلام وهو ابن مائة وعشرين سنة. قال أبو هريرة - رضي الله عنه - وبلغني أنه كان عمر إبراهيم خليل الله مائة وخمسة وتسعين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {آوى إليه أبويه} قال: أبوه وأمه ضمهما. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - في قوله {ورفع أبويه على العرش} قال: أبوه وخالته، وكانت توفيت أم يوسف في نفاس أخيه بنيامين. وأخرج أبو الشيخ عن سفيان بن عيينة {ورفع أبويه} قال: كانت الخالة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي اله عنهما - في قوله {ورفع أبويه على العرش} قال: السرير. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {ورفع أبويه على العرش} قال: السرير. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله {ورفع أبويه على العرش} قال: مجلسه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - في قوله {وخروا له سجداً} قال: كان تحية من كان قبلكم السجود، بها يحيي بعضهم بعضاً، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة، كرامة من الله عجلها لهم ونعمة منه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله {وخروا له سجداً} قال: ذلك السجود تشرفة، كما سجدت الملائكة عليهم السلام تشرفة لآدم عليه السلام، وليس بسجود عبادة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {وخروا له سجداً} قال: بلغنا أن أبويه واخوته سجدوا ليوسف عليه السلام إيماء برؤوسهم، كهيئة الأعاجم، وكانت تلك تحيتهم كما يصنع ذلك ناس اليوم. وأخرج ابن جرير عن الضحاك وسفيان - رضي الله عنهما - قالا: كانت تلك تحيتهم. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان، عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: كان بين رؤيا يوسف عليه السلام وبين تأويلها، أربعون سنة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي، عن عبد الله بن شداد - رضي الله عنه - قال: كان بين رؤيا يوسف عليه السلام وتأويلها. أربعون سنة. وإليه ينتهي أقصى الرؤيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة - رضي الله عنه - قال: بينهما خمسة وثلاثون عاماً. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن الحسن - رضي الله عنه - قال: كان بين الرؤيا والتأويل ثمانون سنة. وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه، عن الفضيل بن عياض - رضي الله عنه - قال: كان بين فراق يوسف بن يعقوب إلى أن التقيا، ثمانون سنة. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج - رضي الله عنه - قال: كان بينهما سبع وسبعون سنة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه، عن الحسن - رضي الله عنه - أن يوسف عليه السلام ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، ولقي أباه بعد ثمانين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة. وأخرج ابن مردويه عن زياد يرفعه قال: لبث يوسف عليه السلام في العبودية، بضعة وعشرين سنة. وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: كان بين فراق يوسف يعقوب عليهما السلام إلى أن لقيه، سبعون سنة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن علي بن أبي طلحة - رضي الله عنه - في قوله {وجاء بكم من البدو} قال: كان يعقوب وبنوه بأرض كنعان، أهل مواش وبرية. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {وجاء بكم من البدو} قال: كانوا أهل بادية وماشية، وبلغنا أن بينهم يومئذ ثمانين فرسخاً، وقد كان فارقه قبل ذلك ببضع وسبعين سنة. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {إن ربي لطيف لما يشاء} قال: لطف بيوسف وصنع له حين أخرجه من السجن، وجاء بأهله من البدو، ونزع من قلبه نزغ الشيطان، وتحريشه على اخوته. وأخرج أبو الشيخ عن ثابت البناني - رضي الله عنه - قال: لما قدم يعقوب على يوسف عليه السلام، تلقاه يوسف عليه السلام على العجل، ولبس حلية الملوك، وتلقاه فرعون إكراماً ليوسف، فقال يوسف لأبيه: إن فرعون قد أكرمنا، فقل له فقال يعقوب: لقد بوركت يا فرعون. وأخرج أبو الشيخ عن سفيان الثوري - رضي الله عنه - قال: لما التقى يوسف ويعقوب، عانق كل واحد منهما صاحبه وبكى. فقال يوسف: يا أبت، بكيت علي حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى يا بني، ولكن خشيت أن يسلب دينك فيحال بيني وبينك. وأخرج أبو الشيخ عن ثابت البناني - رضي الله عنه - قال: لما حضر يعقوب عليه السلام الموت قال: ليوسف عليه السلام. إني أسألك خصلتين وأعطيك خصلتين: أسألك أن تعفو عن اخوتك ولا تعاقبهم بما صنعوا بك، وأسألك إذا أنا متّ أن تحملني فتدفنني مع آبائي إبراهيم واسحق وأعطيك أن تغمضني عند الموت، وأن ادخل ابنين لك في الأسباط، فلما وضع يوسف عليه السلام يده على وجه أبيه ليغمضه، فتح عينيه ثم قال: يا بني، إن هذا من الأبناء للآباء عند الله عظيم. وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر بن عياش - رضي الله عنهما - قال: لما مات يعقوب النبي عليه السلام، أقيم عليه النوائح أربعة أشهر. وأخرج أحمد في الزهد عن مالك بن دينار - رضي الله عنه - أن يعقوب عليه السلام، قال لما ثقل لابنه يوسف عليه السلام: أدخل يدك تحت صلبي، فاحلف لي برب يعقوب لتدفنني مع آبائي، فإني قد اشركتهم في العمل، فاشركني معهم في قبورهم. فلما توفي يعقوب عليه السلام، فعل ذلك يوسف حتى أتى به أرض كنعان فدفنه معهم.

القشيري

تفسير : اشتركوا في الدخول ولكن تباينوا في الإيواء فانفرد الأَبَوَان به لِبُعْدِهما عن الجفاء، كذلك غداً، إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون في وجود الجنان، ولكنهم يتباينون في بساط القربة فيختص به أهل الصفاء دون من اتصف اليوم بالاستواء.

البقلي

تفسير : اوى اليه ابويه لانهما ذاقا طعم حرارة الفراق فخصهما من بينهم بوصاله وتدانيه يوم التلاقى هناك يتبين تباين منازل الصديقين فى المحبة ومراتب المحبين فى الوصلة قال الاستاد اشتركوا فى الدخول ولكن تباينوا فى الايواء فانفرد الابوان به لعبدهما من الجفاء كذلك غدا اذا وصلوا الى الغفران يشتركن فيه وفى وجود الجنان ولكن يتبائنون فى بساط القربة فيختص به اصل الصفاء دون من اتصف اليوم بالالتواء ولما بان حالهما فى الايواء ظهر قدرها فى بساط الموانسة ومجلس القربة بقوله {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} قال ابن عطا دفع من محلهم بمقدار حزنهم كان عليه واسفهم ولم يدفع من اخوته لسرورهم باتلافه وكذبهم عليه بانه ان يسرق فقد سرق اخ له من قبل قال محمد بن على من رفع من مريد فوق ما يستحقه افسد عليه بذلك ارادته لان بعض الصحابة ذكر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال امرنا ان ننزل الناس منازلهم ورفع يوسف ابويه على العرش ولم يرفع اخوته انزل كل واحد منهم حيث يستحق من منزلته قوله تعالى {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} صحت ههنا بيان المكاشفة واوائل المشاهدة التى جرت ذكرها بقوله انى رايت احد عشر كوكبا لما بان سطوع انوار عزة الله على الصديق العزيز علا هيبته عليهم وعاينوا ما عاينت الملائكة فى ادم فخذوا له سجدا بغير اختيارهم لانه كان لعبة الله التى فيه ايات بينات انوار مشاهداته وسنا تجليه وظهور جلاله من الباس قدرته مقام ابراهيم حين قال هذا ربى راى ذلك فى ايات ملكوت السماء وراوا ذلك فى ايات ملكوت الارض لو راى الملك واهل مصرفيه ما راى يعقوب وبنوه لخرّوا له سجدا كما قال القائل شعر : لو يسمعون لما سمعت حديثها خروا لغده ركعا وسجدا تفسير : فلما اقترت المكاشفة بالمعاينة { وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ} اظهر على يعقوب كمال علمه بتاويل احاديث المكاشفات والايات المنامات {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً} اى بيانا بينا ليس فيه معارضة النفس ثم اثنى على الله سبحانه لما اولاه من نعمة الرفيعة وكراماته الساطعة بقوله {وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ} اى اخرجنى من سجن بلاء النفس وخطوات الشيطان وايضا اطلقنى من اسرار الارادة والمجاهدة والرياضة والامتحان الى سعة بساط الرضوان والمعرفة والغفران والمشاهدة والايقان ذكر السجن لان هناك موضع التهمة اى اخرجنى بكرمه من سجن التهمة بان اظهر طهارتى من الزلة وايضا بدأ بذكر السجن وما جرى لاجله لئلا يحزن قلوب اخوته وهذا من شرائط كرم المكرمين اسقط خجلتهم حين اظهر ما جرى عليه من الهمة وطول لبثه فى السجن من التفاته الى غير الله من وقت امتحانه ثم ذكر منازلهم وما فضل على ابويه واخوته بقوله {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} اى من بوادى الفراق الى منازل الوصال جاء بكم من منازل التفرقة الى عين الجمع ومن محل التلوين الى محل التمكين ثم دفع بكرمه الجرم عن اخوته واستعمل الادب حين لم يذكر ذكر القدر تنزيها لقدر الله وقدره من مباشرة العلة بقوله {أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ} اى ليس من طبائع الاولياء حركات الاعداء انما كان شيئا طاويا بغير اختيارنا اغزى الشيطان بالنزغات بيننا لزيادة درجتنا وصفاء مودتنا ثم وصف الله سبحانه باللطف والرحمة والعلم والحكمة بقوله {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} لطيف حيث جعلنى لطيفا فى حسن وجهى عليم بنيتى فى عفو اخوتى وقبول عذرهم وايضا عليم بخلق صورتى حكيم حيث خصنى بحكمة النبوة والرسالة قال جعفر الصادق قال يوسف اجحسن بى اذ اخرجنى من السجن ولم يقل اخرجنى من الجب وهو اصعب قال لانه لم يرد مواجهة اخوته بانكم جفوتمونى والقيتمونى فى الجب بعد ان قال لا تثريب عليكم اليوم وقال ابن عطا الحكمة ان السجن كان اختياره بقوله رب السجن احب الى مما تدعوننى اليه والحب موضع اضطرار ولم يكن له فيه شئ وفى الاختيار افات شكر الله حين خلصه من فتنة اختياره لنفسه وعلم ان ما اختياره الحق كان فيه الخبرة وخاف من اختياره لنفسه لما نجاه الله من ذلك شكره وقال الواسطى قد احسن بى اذا خرجنى من السجن بعد ان عمدت فيه سواه بقوله لصاحب السجن اذكرنى عند ربك وقال جعفر فى قوله ان ربى لطيف لما يشاء اوقف عباده تحت مشيئه ان شاء عذبهم وان شاء عفا عنهم وان شاء قربهم وان شاء بعدهم فيكون المشية والقدرة له لا لغيره ثم اظهر لطفه بعبادة الذين خصهم بفضله بالمحبة والمعرفة وقال الاستاذ ذكر حديث السجن دون البير لطول مدة السجن وقلة مدة البير وقال فى قوله وجاء بكم من البدو اشارة الى انه كما سُر برؤية اخوته وان كانوا اهل الجفاء لان الاخوة سبقت الحضرة ثم رجع الى الحق بالكلية ووصف بما نال منه من من كرمه بقوله {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} من ملك النبوة والعلم بحقائق المخاطبة وايضا اعطيتنى من ملكك ملك الربوبيّة حيث البستنى شواهد جودك وانوار جودك حتى املك بحسنى وجمالى قلوب العالمين وايضا اتيتنى من ملك شاهدتك وعلمتنى من حقائق معرفتك ثم وصف الله سبحانه بالقدرة القديمة والعظمة الازلية بقوله {فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وبين مكانته فى قربه وساحة كبريائه بقوله {أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ} حيث كاشف جمالك لى فى الدنيا وعرفتنى صفاتك وتكشف ايضا نقاب عزتك لى عن وجهك الكريم فى الاخرة ثم حاج شوقه الى جمال الازل وراى تمام نعمة الله عليه فقال {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} اى توفنى حين اخرجتنى من رؤية الحدثان وتدبير الاكوان وما سوى من العرفان والايقان مما يبدوا الى من كشف ندمك وجلال ابدك وانوار الوهيتك غيبتنى عنى فيك حتى لا ابقى انا فيك وتبقى لى والحقنى بمن كان مال بهذه الصفة قال سهل فى قوله توفنى مسلما فيه ثلاثة اشياء سوال ضرورة واظهار فقدوا اكتساب فرض وقال ايضا امتنى === مسلم اليك امرك مفوض اليك شانى لا يكون لى الى نفسى رجوع بمال ولا من الاسباب قال الدينورى والحقنى بالصالحين من اصلحتهم بمجالستك محضرك واسقطت منهم سمات الخلق وازلت عنهم رعونات الطبع قال ابو سعيد القرشى فى قوله توفنى مسلما قال هذا كلام مشتاق لم اجانس الا بالله وقال الاستاد قدم الثناء على الدعاء كذلك صفة اهل الولاء ثم قال انت وليى فى الدنيا والاخرة === بقطع الاسرار عن الاغيار وقال الاستاد فى قوله توفنى مسلما علم انه ليس بعد الكمال الا الزوال فسال الوفاة ويقال عن امارات الاشتياق تمنى الموت على بساط العوافى مثل يوسف القى فى الجب وحُبس فى السجن فلم يقل توفنى مسلاما ولما تم له الملك واستقام له الامر ولقى الاخرة سجدا له ولقى ابويه معه على العرش قال توفنى مسلما فعلم انه يشتاق الى لقائه ثم بين سبحانه ان هذه القصص العجيبة والانباء الغريبة الازلية على لسان النبى الا فى امر سماوى عرفه الله بالوحى الصادق والكلام الناطق بقوله {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} لتخبر الاشقين والمحبين والمومنين لتسلى بها الم فوادهم وتعرفهم بها الصبر فى بلائه والشكر فى الائه والشوق الى لقائه.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما دخلوا على يوسف} - روى - ان يوسف وجه الى ابيه جهازا كثيرا ومائتى راحلة وسأله ان يأتيه باهله اجمعين فتهيأ يعقوب للخروج الى مصر: قال الخدندى شعر : كرد شيرين دهن ما خبر يار عزيز كه زمصرت دكرا ينك شكرى مى آيد تفسير : فتوجه مع اولاده واهاليهم الى مصر على رواحلهم فلما قربوا من مصر اخبر بذلك يوسف شعر : صبا زدوست بيامى بسوى ما آورد بهمدمان كهن دوستى بجا آورد براى جشم ضعيف رمد كرفئة ما زخاك مقدم محبوب توتيا أورد تفسير : فاستقبله يوسف والملك الريان فى اربعة آلاف من الجند او ثلاثمائة الف فارس والعظماء واهل مصر باجمعهم ومع كل واحد من الفرسان جنة من فضة وراية من ذهب فتزينت الصحراء بهم واصطفوا صفوفا وكان الكل غلمان يوسف ومراكبه ولما صعد يعقوب تلا ومعه اولاده وحفدته اى اولاد اولاده ونظر الى الصحراء مملوءة من الفرسان مزينة بالالوان نظر اليهم متعجبا فقال له جبريل انظر الى الهواء فان الملائكة قد حضرت سرورا بحالكم كما كانوا محزونين مدة لاجلك. يعنى [ازين لشكر وتجمل عجب ميدارة ببالا نكر جنود ملك از زمين تا فلك بتفرج آمده بشادئ تو مبتهج ومسرورند جنانجه درين مدت ازاندوه تومخرون ورنجور بوجند] ثم نظر يعقوب الى الفرسان فقال ايهم ولدى يوسف فقال جبريل هو ذاك الذى فوق رأسه ظلة فلم يتمالك ان اوقع نفسه من البعير فجعل يمشى متوكئا على يهودا شعر : راه نزديك وبماندم سخت دير سير كشتم زين سوارى سيرسير سرنكون خودرا زاشتردرفكند كيف سوزندم زغم تاجند جند تفسير : فقال جبريل يا يوسف ان اباك يعقوب قد نزل لك فانزل له فنزل من فرسه وجعل كل واحد منهما يعدى الى الآخر فلما تقربا قصد يوسف ان يبدأ بالسلام فقال جبريل لا حتى يبدأ يعقوب به لانه افضل واحق فابتدأ به وقال السلام عليك يا مذهب الاحزان شعر : جه جورها كه كشيدند بلبلان ازدى ببوى آنكه دكر نو بهار باز آيد تفسير : فتعانقا وبكيا سرورا وبكت ملائكة السموات وماج الفرسان بعضهم فى بعض وصهلت الخيول وسبحت الملائكة وضرب بالطبول والبوقات فصار كأنه يوم القيامة شعر : جه خوش حاليست روى دوست ديدن بس از عمرى بيك ديكر رسيدن بكام دل زمانى آرميدن بهم كفتن سخن وزهم شنيدن تفسير : قال يوسف يا ابت بكيت على حتى ذهب بصرك ألم تعلم ان القيامة تجمعنا فقال بلى ولكن خشيت ان يسلب دينك فيحال بينى وبينك نسأل الله الثبات على الايمان انه الكريم المنان شعر : عروسى بود نوبت ماتمت كرت نيك روزى بود خاتمت تفسير : {آوى اليه ابويه} الجمهور على ان المراد بابويه ابوه وخالته ليا لان امه راحيل كانت قد ماتت فى ولادة بنيامين ولذلك سمى بنيامين فان يامين وجع الولادة بلسانهم كما فى تفسير ابى الليث. والرابة وهى موطوءة الاب تدعى اما لقيامها مقام الام او لان الخالة ام كما ان العم اب. والمعنى ضمهما الى نفسه فاعتنقهما وكأنه عليه السلام حين استقبلهم نزلهم فى خيمة او بيت كان له هناك فدخلوا عليه فى ذلك البيت او الخيمة وضمهما اليه. وقال الكاشفى [يس در مزديك مصر موضعى بود ازان يوسف وقصر رفيع در آنجا ساختة بودند يوسف درانجا نزول فرمود بس آن هنكام كه در آمدبر يوسف دران منزل لآوى اليه ابويه جاى داد بسوى خود بدر وخاله خودرا كه بجاى مادرش بود وديكر باره برادران را دركنار كرفت خالته رابرسش فرمود وبرادر زادكانرا نوازش كرد] {وقال} لهم قبل ان يدخلوا مصر {ادخلوا مصر ان شاء الله آمنين} من الجوع والخوف وسائر المكاره قاطبة لانهم كانوا قبل ولاية يوسف يخافون ملوك مصر ولا يدخلونها الا باجازتهم لكونهم جبابرة والمشيئة متعلقة بالدخول والامن معا كقولك للغازى ارجع سالما غانما ان شاء الله فالمشيئة متعلقة بالسلامة والغنم معا والتقدير ادخلوا مصر آمنين وذو الحال هو فاعل ادخلوا

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه}. قبل هذا الكلام محذوفات، وهي: فرحل يعقوب بأهله حتى بلغوا إليه، ولما دخلوا على يوسف... الخ. رُوي أن يوسف عليه السلام وجه إليه رواحل وأموالاً ليتجهز إليه بمن معه، وأرسل إليه مائة وثمانين كسوة من رفيع الثياب والعمائم لإخواته، وقميصان مُذَهبان للإناث، فلما وصلت إلى يعقوب لبس، وألبس أولاده. وركبوا المراكب، وخرجوا من أرض كنعان يريدون مصر، فلما قربوا، أًمَرَ يوسف عليه السلام العساكر أن تخرج معه للقائهم، فأول من لقيهم ثلاثون ألف فارس، كلهم يسجدون بين يدي يعقوب، وهو يتعجب من عظم تلك الأجناد، ويضحك من نصر الله تعالى، وعزه لا بنه. ثم لقيهم البغال، والجواري لنساء إخوته وأولادهم. ثم لقيهم أربعون ألف شيخ من الوزراء والكبراء. ثم استقبلهم يوسف عليه السلام مترجلاً ماشياً على قدميه، متواضعاً لأبيه، في مائة ألف، كلهم على أرجلهم، معهم الملك "ريَّان" ثم سلم يوسف عليه السلام والملك على أبيه، ثم اقبلا يبكيان، وبكى إخوته وضج الناس بالبكاء، ثم ضم إليه أبويه، وقيل: أباه وخالته، {وقال ادخلوا ان شاء الله آمنين}، ثم حُمل يعقوب عليه السلام في هودج من الذهب، ويوسف عليه السلام، وإخوته يمشون بين يديه مترجلين حتى دخلوا مصر، ثم أتوا إلى قصر مملكته. قال ابن عباس: فجلس يوسف عليه السلام على سريره، وأبوه عن يمينه، وخالته عن شماله، وإخوته بين يديه، فخروا له سجداً؛ لأنها كانت في ذلك الزمان ـ يعني تحيتهم على الملوك ـ رُوي أنهم قالوا في سجودهم: سبحان مولف الشتات بعد الإياس، سبحان كاشف الضر بعد البأس. فقال يوسف لأبيه: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل...} الخ ـ هكذا ذكر القصة صاحب الزهرالأنيق في قصة يوسف الصديق. وهذا معنى قوله: {فلما دخلوا على يوسف} بلده ومملكته {آوى إليه أبويه}؛ أي: اعتقهما، وسلم عليهما، وضمهما إليه. قيل: الأبوين حقيقة. وقيل: أباه وخالته، ونزَّل الخالة منزلة الأم تنزيلَ العم منزلة الأب في قوله: {أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}تفسير : [البقرة: 133]. {وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} من القحط وأصناف المكاره. والمشيئة متعلقة بالدخول المكيَّف بتلك الهيئة لا بالأمن. وقال ابن جزي: راجعة إلى الأمن. قال البيضاوي: وكان أولاد يعقوب الذين دخلوا مصر اثنين وسبعين رجلاً، وامرأة، وكانوا حين خرجوا مع موسى ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وتسعين رجلاً سوى الذرية والهرمى. هـ. {ورفع أبويهِ على العرش}، أي: حين دخلوا قصر مملكته، {وخرُّوا له سُجداً}؛ تحية وتكرمة؛ فإن السجود كان عندهم يجري مجرى التحية. وقيل: معناه: خروا لأجله سجداً لله؛ شكراً. وقول البيضاوي: الرفع مؤخر عن الخرور، فيه نظر؛ لما تقدم عن صاحب الزهر الأنيق، ولا داعي إلى الخروج عن الظاهر إلا بنص صريح. قال ابن عطية: واختلف في هذا السجود؛ فقيل: كان المعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك؛ كالركوع البالغ ونحوه، مما كان سيرة تحيتهم للملوك في ذلك الزمان. وأجمع المفسرون أن ذلك السجود، كيفما كان، إنما كان تحيةً لا عبادة. قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. ثم قال: قال أبو عمرو الشيباني: تقدم يوسُفُ يعقوب عليه السلام في المشي في بعض تلك المواطن، فهبط جبريل فقال: أتتقدَّم أباك؟ إن عقوبتك لذلك ألا يخرج من نسلك نبي. هـ. قال المحشي الفاسي: وما أظن لهذا صحة، وقد كان في ذريته "يوشع بن نون" عليه السلام، ويوسف المذكور في سورة الطَّوْل على قول. وفي البيضاوي: وكان عمر يوسف مائة عشرين سنة، وقد ولد له من راعيل: إفراثيم وميشا، وهو جد يوشع بن نون ورحمة امرأة أيوب. هـ. قلت: المذكورفي قصة أيوب أن زوجه رحمة إنما كانت ابنة إفراثيم بن يوشع لابنته. ثم قال: {يا أبت هذا تأوِيلُ رؤيايَ من قبلُ}؛ التي رأيتها أيام الصبا، وهي: رؤيا أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون لي، {قد جَعَلَهَا ربي حقاً}: صدقاً. وكان بين رؤياه وبين صدق تأويلها ثمانون عاماً، وقيل: أربعون، وهو الأصح. {وقد أحسنَ بي إذ أخرجني من السجن}، ولم يذكر الجب؛ لئلا يخجل إخوته ولأنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، فالنعمة هنا أوضح. {وجاءَ بكم من البَدْوِ}: من البادية؛ لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو، فعد عليهم من النعم انتقالهم للحاضرة؛ لأنها محل الراحة. {من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي}: أفسد بيننا وحرش، من نَزَغَ الدابة إذا نخسها. {إن ربي لطيف لِمَا يشاء} أي: لطيف التدبير لما يشاء من الأمور؛ إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته، ويتسهل دونها، {إنه هو العليم} بوجوه المصالح والتدابير، {الحكيم} الذي يفعل كل شيء في وقته، على وجه تقتضيه الحكمة. رُوي أن يوسف عليه السلام طاف بأبيه ـ عليهما السلام ـ في خزائنه، فلما أدخله خزانة القرطاس، قال: يا بني، ما أغفلك، عندك هذه القراطيس وما كتبت لي على ثماني مراحل، قال: أمرني جبريل، قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط مني، سله، فقال جبريل: أمرني ربي بذلك؛ لقولك(إني أخاف أن يأكله الذئب)، فهلا خفتني. هـ. قاله البيضاوي: وزاد في القوت: لِمَ خفت عليه الذئب ولم ترجني؟ ولِمَ نظرت إلى غفلة إخوته، ولم تنظر إلى حفظي له؟ فهذا على معنى قول يوسف عليه السلام للساقي: (اذكرني عند ربك)، فهذا مما يعتب على الخصوص من خفي سكونهم، ولمح نظرهم إلى ما سوى الله عز وجل. هـ. الإشارة: ما أحلى الوصال، بعد الفراق، وما ألذ شهود الحبيب على الاشتياق، فبقدر طول البين يعظم قدر الوصال، وبقدر حمل مشاق الطلب يظفر بالمأمول. فجدّ أيها العبد في طلب مولاك، وغبَ في سيرك إليه عن حظوظك وهواك، تظفر بالوصْل الدائم في عزك وعُلاك، وتتصل بكل ما كنت تأمله من مطالبك ومنُاك. وأنشدوا: شعر : وإنِ امْرُؤ أَمْسَى بِقُرْبِك نَازِلاً فَأَهْلاً بِه، حَازَ الفَضَائِلَ كُلّها وألبسته حُلْيَ المحاسِن فاكْتَسَى حُلَلَ الرضَا فازْدَادَ قُرْبا ما انْتَهَى تفسير : وبالله التوفيق. ثم إن يوسف عليه السلام لما تمكن من المُلك الفاني، اشتاق إلى المُلك الباقي، فقال: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}.

الطوسي

تفسير : في الكلام حذف، لان تقديره ان يعقوب وبنيه واهلهم رحلوا الى يوسف، فلما وصلوا اليه ودخلوا عليه {آوى إليه أبويه} يعنى أباه يعقوب وأمه، فثني على لفظ الاب تغليبا للذكر على الانثى، ولم يثن على لفظ الأم، كما غلب المفرد على المضاف في قولهم: سنة العمرين. ومثله قوله {أية : وورثه أبواه}تفسير : يعني أباه وامه. قال الحسن وابن اسحاق والجبائي: كانت امه بحق، وقال السدي كانت امه ماتت وتزوج يعقوب اختها، وهي خالة يوسف، فاقامها مقام الأم، والاول حقيقة والثاني مجاز. والايواء ضم القريب بالمحبة لصاحبه كضم المأوى بجمع شمله، وانما قال لهم {ادخلوا مصر} بعد دخولهم عليه، لامرين: احدهما - قال السدي وفرقد السحي: ان يوسف خرج يستقبل يعقوب وخرج معه أهل البلد، فلما رجع قال {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين}. وقال آخرون أراد {ادخلوا مصر} مقيمين {إن شاء الله آمنين} والمشيئة هي الارادة، والأمن سكون النفس الى الامر والخوف انزعاج النفس من الأمر. والامن التام الأمن من كل جهة، فاما الأمن من جهة دون جهة، فهو أمن ناقص. وفي الناس من قال: ان قوله {إن شاء الله} متعلق بقوله {سأستغفر لكم} ان شاء الله، لانه كان قاطعاً على انهم يدخلون مصر آمين، وليس يحتاج الى ذلك لانه مطابق لقوله {أية : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله}.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} يعقوب وامّه راحيل وروى انّ امّه توفّيت فى نفاس بنيامين وتزوّج يعقوب باختها خالة يوسف (ع) واسمها كانت يا ميل او يامين وتسمية الخالة امّاً شائعة وكانت مربّية ليوسف (ع) وتسمية المربّية ايضاً أُمّاً شائعة {وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} الاستثناء للتّيمّن ولذلك قدّمه على آمنين حالاً من فاعل ادخلوا وانّما دخلوا عليه قبل دخولهم مصر لانّه استقبلهم ونزل لهم فى بيتٍ او مضربٍ خارج مصر. عن الصّادق (ع) انّ يوسف (ع) لمّا قدم عليه الشّيخ يعقوب (ع) دخله عزّ الملك فلم ينزل اليه فهبط عليه جبرئيل (ع) فقال: يا يوسف (ع) ابسط راحتك فخرج منها نور ساطع فصار فى جوّ السّماء فقال يوسف (ع) يا جبرئيل (ع): ما هذا النّور الّذى خرج من راحتى؟ - فقال: نزعت النّبوّة من عقبك عقوبة لما لم تنزل الى الشّيخ يعقوب (ع) فلا يكون فى عقبك نبىّ، وفى خبرٍ آخر: جعلت النّبوّة فى ولد لاوى اخيه الّذى نهى الاخوة عن قتله، وقال: لن ابرح الارض فشكر الله له ذلك وكان انبياء بنى اسرائيل (ع) من ولده.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا دخلُوا} أى يعقوب وأولاده وأهلوهم {عَلى يُوسفَ} أرض مصر، أو منزلا دخله خارج مصر، أو قبة ضربت له {آوَى} ضم يوسف باعتناق {إليه أبَويْه} أباه يعقوب وخالته ليا، وسميت أماً حتى غلب لفظ الأب على لفظ الأم، لأنها ربته بعد موت أمه راحيل فى نفاس بنيامين، والمربية تدعى أما لقيامها مقام الأم، ولئن زوجت تسمى أما مطلقا تجوزا، ولأن العرب تسمى الخالة أما، كما تسمى العم أبا. وقال الحسن: المراد أبوه وأمه راحيل كانت حية بعد، وقيل: أبوه وأمه راحيل بعثها الله القادر على كل شئ حتى تسجد ليوسف تحقيقا لرؤياه، بناء على أنها المراد بالشمس أو القمر فى رؤياه. وعن الحسن: أن الله لن يبعث أمه ولكن بشرها فى قبرها وسجدت فيه لله تعالى حقيقة، فليست أحد الأبوين فى هذه الآية، وقيل: المراد أبوه وجدته أم أمه، والصحيح الأول، وهو المشهور أن أمه ماتت، وأن أحد الأبوين خالته. وعن ابن إسحاق والحسن: أنها أمه لم تمت، قال عياض: وهو أظهر بحسب اللفظ، إلا أن يثبت بسند أن أمه ماتت. {وقالَ ادْخُلوا مِصْر} نفس البلد المسمى مصر، وهذا الدخول المأمور به غير الأول فى غير نفس مصر كما علمت، وقيل: الأول دخول نفس مصر، والثانى استيطانها، وقيل: هما دخول نفس مصر، لكن الثانى مكيف بالأمن كما ترى بعد. {إنْ شاءَ الله آمنينَ} من القحط وأصناف المكاره، ومنها ما كان يدخل على الناس من الخوف من ملوك مصر، فلا يدخلها أحد إلا بجوارهم، واشتراط مشيئة الله سبحانه عائد إلى الدخول المكيف بالأمن على القول الثالث فى الدخول، وأما على الأول والثانى فيجوز أيضا فيها عوده إلى الدخول المكيف بالأمن، وآمنين حال من واو وادخلوا، وادخلوا دليل لجواب، أو حال من واو فى جواب محذوف، أى إن شاءَ الله دخلتموها آمنين. ويجوز عوده [على] مطلق دخولها، فإنه ولو كان لا يقال قم إن شاء من حيث إن لمخاطب لا يعلم أن الله شاء، فيمتثل القيام أو لم يشأ فلا يقوم، لكنه يجوز أن يقال باعتبار ما يئول إليه الأمر من قيام وعدمه، فتعلم منه مشيئة الله أو عدمها، ولا سيما أن يعقوب يمكن له العلم بمشيئة الله، فيجوز أن يكون المعنى ادخلوا مصر إن أذن لك الله يا يعقوب فى أن يدخلوها. ويجوز أن يكون اللفظ اشتراطا، والمراد التبرك، وهو الذى ندب القرآن إليه فيما ينفذ فى المستقبل، ومثله فى أحد الأوجه وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وقيل: راجع إلى قوله:{أية : سوف أستغفر لكم ربى}تفسير : إن شاء الله إنه هو الغفور الرحيم. ومن طال سجنه، وكتب: {ولما دخلوا على يوسف} إلى {هو الحكيم} وعلق ذلك على عضده الأيمن وأكثر قراءته تخلص بإذن الله.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ} فى مخيمه أَو بيته خارج مصر {آوَى} ضم يوسف {إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} أَباه وجدته أَم أُمه فهى أُم فهما أَبوان، وقيل أباه وخالته سميت أُمَّا وغلب الأَب فصار أَبوين، أَو سماها أُما لأنها زوج أَبيه كأُمه يباشرها كأُمه وتحترم كلامه واسمها ليا، وماتت أُمه راحيل فى نفاس بنيامين فتزوج راحيل وأُختها ليا معاً لجواز ذلك فى شريعته، وبقيت ليا حتى أَدركت اجتماع يعقوب بيوسف، وضعف بعض هذا القول، ورجح أَنه تزوج راحيل بعد موت ليا، وعلى اجتماعهما، قيل: تزوج راحيل قبل ليا، وقيل بالعكس، ولعل لهما أُختا ثالثة تزوجها بعد موتهما، ويقال أَحيا الله أُمه من قبرها حتى سجدت له مع أَبيه تحقيقاً لرؤياه وهو ضعيف، وقيل: لم تمت حتى أَواها وأَباه وسجد له، وقيل خالته راحيل وشهر أَنه اسم أُمه، بعث مع إِخوته إِلى يعقوب ماِئَتى راحلة ليأتوا بيعقوب وأَهله وأَتوه فجمع أَهله اثنين وسبعين إِنساناً ذكوراً وإِناثاً وثلاثة وسبعين، ولما دنا من مصر أَخبر يوسف الملك فخرج بأَهل مصر ركبانا ويوسف بأَربعة آلاف من الجند لكل واحد جبة فضة وراية خز، واصطفوا وتزينت الصحراءُ بالفرسان والأَلوان، وتعجب يعقوب وقال ليهوذا وهو متكىءُ على يده: هذا فرعون مصر، وقال: بل ابنك يوسف، وقال جبريل عليه السلام: انظروا إِلى الهواءِ فإِن الملائِكة قد حضرت سروراً بحالك، وكانوا باكين محزونين مدة لأَجلكَ، وماج الفرسان وصهلت الخيل وسبحت الملائكة وضربت الطبول والبوق كأَنه يوم القيامة، وأَراد يوسف البدءَ بالسلام فقال جبريل يبدأ يعقوب فقال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأَحزان، ونزلا وتعانقا وبكيا، وقال: يا أَبت بكيت حتى ذهب بصرك؟ أَلم تعلم أَن القيامة تجمعنا، قال: خفت أَن يسلب دينك فيحال بيننا {وقَالَ} يوسف لهم {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ} شرط متعلق بقوله {آمِنِينَ} قدم للفاصلةً، أَو للتبرك، أَو متعلق بتدخلون محذوفاً مستأْنفاً، وذلك لأَن الأَمر والنهى والدعاءَ والإِنشاء لا تقيد بإِن شاءَ الله؛ لأَنه لا خارج لها، يبعد ما قيل من تعليقه بالدخول المصرح به فكيف بالأَمن فدخلوها وهم اثنان أَو ثلاث وسبعون إِنساناً، وبورك لهم حتى خرج موسى عليه السلام منها بستمائة أَلف وخمسائة وبضعة وسبعين سوى الذرية، وهى أَلف أَلف ومائتا أَلف أخرجوا، وسوى الهرمى بقوا فيها، وبينه وبين موسى أَربعمائة، وقيل: خرج بستمائة وسبعين أَلفاً، وقيل: خرج بذلك وخرج بالهرمى والذرية، وأَن الذرية والهرمى أَلف أَلف ومائَتا أَلف، ومعنى آمنين أَنكم لا تخافوا عدوا ولا قحطاً ولا طاعونا ولا مكروها ولا ملكاً، وكان الناس يخافون ملوك مصر فلا يدخلها أَحد إِلا بجوارهم، فقال يوسف وهو خارج مصر فى مخيم أَو بيت مبنى: ادخلوا مصر آمنين على أَنفسكم وأَمولكم، فقيل دخولان؛ دخول فى حد مصر، ودخول فى بيت فى مصر.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ } روي أنه عليه السلام جهز إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه، وفي التوراة أنه عليه السلام أعطى لكل من إخوته خلعة وأعطى بنيامين ثلثمائة درهم وخمس خلع وبعث لأبيه بعشرة حمير موقرة بالتحف وبعشرة أخرى موقرة براً وطعاماً. وجاء في بعض الأخبار أنه عليه السلام خرج هو والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم لاستقباله فتلقوه عليه السلام وهو يمشي يتوكأ على يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر قال: لا يا أبت ولكن هذا ابنك يوسف قيل له: إنك قادم فتلقاك بما ترى، فلما لقيه ذهب يوسف عليه السلام ليبدأه بالسلام فمنع ذلك ليعلم أن يعقوب أكرم على الله تعالى منه فاعتنقه وقبله وقال: السلام عليك أيها الذاهب بالأحزان عنى، وجاء أنه عليه السلام قال لأبيه: يا أبت بكيت علي حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك. وفي الكلام إيجاز والتقدير فرحل يعقوب عليه السلام بأهله وساروا حتى أتوا يوسف فلما دخلوا عليه وكان ذلك فيما قيل يوم عاشوراء {ءاوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } أي ضمهما إليه واعتنقهما، والمراد بهما أبوه وخالته ليا، وقيل: راحيل وليس بذاك، والخالة تنزل منزلة الأم لشفقتها كما ينزل العم منزلة الأب، ومن ذلك قوله: {أية : وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } تفسير : [البقرة: 133] وقيل: إنه لما تزوجها بعد أمه صارت رابة ليوسف عليه السلام فنزلت منزلة الأم لكونها مثلها في زوجية الأب وقيامها مقامها والرابة تدعى أماً وإن لم تكن خالة، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقال بعضهم: المراد أبوه وجدته أم أمه حكاه الزهراوي، وقال الحسن وابن إسحاق: إن أمه عليه السلام كانت بالحياة فلا حاجة إلى التأويل لكن المشهور أنها ماتت في نفاس بنيامين، وعن الحسن وابن إسحاق القول بذلك أيضاً إلا أنهما قالا: إن الله تعالى أحياها له ليصدق رؤياه، والظاهر أنه لم يثبت ولو ثبت مثله لاشتهر، وفي مصحف عبد الله {آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وإخوتُه}. {وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ } وكأنه عليه السلام ضرب في الملتقى خارج البلد مضرباً فنزل فيه فدخلوا عليه فيه فآواهما إليه ثم طلب منهم الدخول في البلدة فهناك دخولان: أحدهما: دخول عليه خارج البلدة، والثاني: دخول في البلدة، وقيل: إنهم إنما دخلوا عليه عليه السلام في مصر وأراد بقوله: {ٱدْخُلُواْ مِصْرَ} تمكنوا منها واستقروا فيها {إِن شَاء ٱللَّهُ آمِنِينَ} أي من القحط وسائر المكاره، والاستثناء على ما في التيسير داخل في الأمن لا في الأمر بالدخول لأنه إنما يدخل في الوعد لا في الأمر. وفي «الكشاف» أن المشيئة تعلقت بالدخول المكيف بالأمن لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم فكأنه قيل: أسلموا وآمنوا في دخولكم إن شاء الله والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين فحذف الجزاء لدلالة الكلام ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال اهـ، وكأنه أشار بقوله: فكأنه قيل الخ إلى أن في التركيب معنى الدعاء وإلى ذلك ذهب العلامة الطيبـي، وقال في «الكشف»: إن فيه إشارة إلى أن الكيفية مقصودة بالأمر كما إذا قلت: ادخل ساجداً كنت آمراً بهما وليس فيه إشارة إلى أن/ في التركيب معنى الدعاء فليس المعنى على ذلك، والحق مع العلامة كما لا يخفى، وزعم صاحب "الفرائد" أن التقدير ادخلوا مصر إن شاء الله دخلتم آمنين، فآمنين متعلق بالجزاء المحذوف لا يفتقر إلى التقديم والتأخير وإلى أن يجعل الجزائية معترضة، وتعقب بأنه لا ارتياب أن هذا الاستثناء في أثناء الكلام كالتسمية في الشروع فيه للتيمن والتبرك واستعماله مع الجزاء كالشريعة المنسوخة فحسن موقعه في الكلام أن يكون معترضاً فافهم.

ابن عاشور

تفسير : طوى ذكر سفرهم من بلادهم إلى دخولهم على يوسف ــــ عليه السلام ــــ إذ ليس فيه من العبر شيء. وأبواه أحدهما يعقوب عليه السلام وأما الآخر فالصحيح أن أم يوسف ــــ عليه السلام ــــ وهي (راحيل) توفيت قبل ذلك حين ولدت بنيامين، ولذلك قال جمهور المفسّرين: أطلق الأبوان على الأب زوج الأب وهي (ليئة) خالة يوسف ــــ عليه السلام ــــ وهي التي تولت تربيته على طريقة التغليب والتنزيل. وإعادة اسم يوسف ــــ عليه السلام ــــ لأجل بعد المعاد. وقوله: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} جملة دعائية بقرينة قوله: {إن شاء الله} لكونهم قد دخلوا مصر حينئذٍ. فالأمر في {ادخلوا} للدعاء كالذي في قوله تعالى: { أية : ادخلوا الجنة لا خوف عليكم } تفسير : [الأعراف: 49]. والمقصود: تقييد الدخول بـ {آمنين} وهو مناط الدعاء. والأمنُ: حالة اطمئنان النفس وراحة البال وانتفاء الخوف من كل ما يخاف منه، وهو يجمع جميع الأحوال الصالحة للإنسان من الصحة والرزق ونحو ذلك. ولذلك قالوا في دعوة إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ {ربّ اجعل هذا البلد آمناً} إنه جمع في هذه الجملة جميع ما يطلب لخير البلد. وجملة {إن شاء الله} تأدب مع الله كالاحتراس في الدعاء الوارد بصيغة الأمر وهو لمجرد التيمّن، فوقوعه في الوعد والعزم والدعاءِ بمنزلة وقوع التسمية في أول الكلام وليس هو من الاستثناء الوارد النهي عنه في الحديث: أن لا يقول اغفر لي إن شئت، فإنه لا مُكره له لأن ذلك في الدعاء المخاطب به الله صراحة. وجملة {إن شاء الله} معترضة بين جملة {ادخلوا} والحال من ضميرها. والعرش: سرير للقعود فيكون مرتفعاً على سوق، وفيه سعة تمكن الجالس من الاتّكاء. والسجود: وضع الجبهة على الأرض تعظيماً للذات أو لصورتها أو لذِكرها، قال الأعشى: شعر : فلما أتانا بُعيد الكَرى سَجدنا له ورفَعْنا العَمَارا تفسير : وفعله قاصر فيعدى إلى مفعوله باللام كما في الآية. والخرور: الهوي والسقوط من علو إلى الأرض. والذين خروا سُجداً هم أبواه وإخوته كما يدل له قوله: {هذا تأويل رؤياي} وهم أحد عشر وهم: رأوبين، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويساكر، وربولون، وجاد، وأشير، ودان، ونفتالي، وبنيامين. و{الشمس}، و{القمر}، تعبيرهما أبواه يعقوب ــــ عليه السلام ــــ وراحيل. وكان السجود تحية الملوك وأضرابهم، ولم يكن يومئذٍ ممنوعاً في الشرائع وإنما منعه الإسلام لغير الله تحقيقاً لمعنى مساواة الناس في العبودية والمخلوقية. ولذلك فلا يعدّ قبوله السجودَ من أبيه عقوقاً لأنه لا غضاضة عليهما منه إذ هو عادتهم. والأحسن أن تكون جملة {وخروا} حالية لأن التحية كانت قبل أن يرفع أبويه على العرش، على أن الواو لا تفيد ترتيباً. و{سجدا} حال مبيّنة لأن الخرور يقع بكيفيات كثيرة. والإشارة في قوله: {هذا تأويل رؤياي} إشارة إلى سجود أبويه وإخوته له هو مصداق رؤياه الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً سُجداً له. وتأويل الرؤيا تقدم عند قوله: { أية : نبئنا بتأويله } تفسير : [سورة يوسف: 36]. ومعنى {قد جعلها ربي حقا} أنها كانت من الأخبار الرمزية التي يكاشِف بها العقل الحوادث المغيبة عن الحس، أي ولم يجعلها باطلاً من أضغاث الأحلام الناشئة عن غلبة الأخلاط الغذائية أو الانحرافات الدماغية. ومعنى {أحسن بي} أحسن إليّ. يقال: أحسن به وأحسن إليه، من غير تضمين معنى فعل آخر. وقيل: هو بتضمين أحسن معنى لطف. وباء {بي} للملابسة أي جعل إحسانه ملابساً لي، وخصّ من إحسان الله إليه دون مطلق الحضور للامتيار أو الزيادة إحسانين هما يوم أخرجه من السجن ومجيء عشيرته من البادية. فإن {إذْ} ظرف زمان لفعل {أحسن} فهي بإضافتها إلى ذلك الفعل اقتضت وقوع إحسان غير معدود، فإن ذلك الوقت كان زمنَ ثبوت براءته من الإثم الذي رمته به امرأة العزيز وتلك منة، وزمنَ خلاصه من السجن فإن السجن عذاب النفس بالانفصال عن الأصدقاء والأحبّة، وبخلطة من لا يشاكلونه، وبشْغله عن خلوة نفسه بتلقي الآداب الإلهية، وكان أيضاً زمن إقبال الملك عليه. وأما مجيء أهله فزوال ألم نفساني بوحشته في الانفراد عن قرابته وشوقه إلى لقائهم، فأفصح بذكر خروجه من السجن، ومجيء أهله من البدوِ إلى حيث هو مكين قويّ. وأشار إلى مصائبه السابقة من الإبقاء في الجبّ، ومشاهدة مكر إخوته به بقوله: {من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي}، فكلمة {بعد} اقتضت أن ذلك شيء انقضى أثره. وقد ألم به إجمالاً اقتصاراً على شكر النعمة وإعراضاً عن التذكير بتلك الحوادث المكدرة للصلة بينه وبين إخوته فمرّ بها مرّ الكرام وباعدها عنهم بقدر الإمكان إذ ناطها بنزغ الشيطان. والمجيء في قوله: {وجاء بكم من البدو} نعمة، فأسنده إلى الله تعالى وهو مجيئهم بقصد الاستيطان حيث هو. والبَدْو: ضد الحضر، سمي بَدواً لأن سكانه بادُون، أي ظَاهرون لكل واردٍ، إذ لا تحجبهم جدران ولا تغلق عليهم أبواب. وذكر {من البدو} إظهار لتمام النعمة، لأن انتقال أهل البادية إلى المدينة ارتقاء في الحضارة. والنزغ: مجاز في إدخال الفساد في النفس. شُبه بنزغ الراكب الدابّة وهو نخسها. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وإما ينزغنّك من الشيطان نزغ } تفسير : في سورة الأعراف (200). وجملة {إن ربي لطيف لما يشاء} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لقصد الاهتمام بها وتعليم مضمونها. واللطف: تدبير الملائم. وهو يتعدّى باللام على تقدير لطيف لأجل ما يشاء اللطف به، ويتعدى بالباء قال تعالى: { أية : الله لطيف بعباده } تفسير : [الشورى: 19]. وقد تقدم تحقيق معنى اللطف عند قوله تعالى: { أية : وهو اللطيف الخبير } تفسير : في سورة الأنعام (103). وجملة {إنه هو العليم الحكيم} مستأنفة أيضاً أو تعليل لجملة {إن ربي لطيف لما يشاء}. وحرف التوكيد للاهتمام، وتوسيط ضمير الفصل للتقوية. وتفسير {العليم} تقدم عند قوله تعالى: { أية : إنك أنت العليم الحكيم } تفسير : في سورة البقرة (32). و{الحكيم} تقدم عند قوله: { أية : فاعلموا أن الله عزيز حكيم } تفسير : أواسط سورة البقرة (209).

القطان

تفسير : وتهيأ يعقوب وبنوه وأهله للسفر وشدّوا رحالَهم الى مصر، فلما بلغوها دخلوا على يوسف، فآوى إليه أبويه: يعقوب وزوجته، خالة يوسف، لان أمه ماتت وهو صغير، ورفعهما على العرش. وسجد له ابوه وزوجته واخوته الاحد عشر، وقال لابيه: يا أبت، هذا تأويل رؤياي من قبلُ، قد جعلها ربّي تتحقق، وقد أكرمني وأحسنَ إليّ، فأظهر براءتي وخلّصني من السجْن، وأتى بكم من البادية لنلتقي بعد ان افسد الشيطان بيني وبين إخوتي، وهذا كله من لطف الله بي وبكم، إن ربي لطيفٌ لمن يشاء انه هو العليم الحكيم. واتجه يوسف الى الله بشكره قائلا: ربِّ ما أكثر نِعَمَكَ عليَّ، وما أعظَمها‍! لقد منحتني المُلك ووهبتَني من العلم الكثير. يا خالق السماوات والأرض، أنت مالكُ أمري ومتولي نعمتي في محيايَ وبعد مماتي {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} من آبائي ابراهيم واسحق ومن قبلهم، واحشُرني في زمرتهم. ذلك الذي قَصصنا عليك ايها النبيّ (الرسول الكريم) من أخبار الماضي البعيد، لم يأتك الا عن طريق الوحي منا، وما كنتَ حاضراً إخوةَ يوسف وهم يدبّرون له المكائد، وما علمتَ بكيدِهم الا عن طريقنا. انتهت قصة يوسف اكبر قصة في القرآن الكريم كما تقدم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آوَىٰ} {آمِنِينَ} (99) - وَارْتَحَلَ يَعْقُوبُ بِأَهْلِهِ وَبَنِيهِ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا دَخَلُوا مِصْرَ، خَرَجَ يُوسُفُ لاسْتِقْبَالِهِمْ، وَعَانَقَ أَبَوَيْهِ، وَقَالَ لأَهْلِهِ: ادْخُلُو مِصْرَ آمِنِينَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَضُرٍّ إِنْ شَاءَ اللهُ. آوَى إِلَيْهِ أَبَوْيِهِ - ضَمَّهُمَا إِلَيْهِ وَاعْتَنَقَهُمَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعلم أن الجَدَّ إسحاق لم يكُنْ موجوداً، وكانوا يُغلِّبون جهة الأُبوة على جهة الأمومة، ودخلت معهم الخالة؛ لأن الأم كانت غير موجودة. ويبدو أن يوسف قد استقبلهم عند دخولهم إلى مصر استقبال العظماء، فاستقبلهم خارج البلد مرة ليريحهم من عناء السفر ويستقبلهم وجهاء البلد وأعيانهم؛ وهذا هو الدخول الأول الذي آوى فيه أبويْه. ثم دخل بهم الدخول الثاني إلى البلد بدليل أنه قال: {ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99]. ففي الآية دخولان. وقول الحق سبحانه: {آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ..} [يوسف: 99]. يدل على حرارة اللقاء لمغتربين يجمعهم حنان، فالأب كان يشتاق لرؤية ابنه، ولا بُدَّ أنه قد سمع من إخوته عن مكانته ومنزلته، والابن كان مُتشوِّقاً للقاء أبيه. وانفعالات اللقاء عادة تُترك لعواطف البشر، ولا تقنينَ لها، فهي انفعالات خاصة تكون مزيجاً من الود، ومن المحبة، ومن الاحترام، ومن غير ذلك. فهناك مَنْ تلقاه وتكتفي بأن تسلم عليه مُصَافحة، وآخر تلتقي به ويغلبُك شوقك فتحتضنه، وتقول ما شِئتَ من ألفاظ الترحيب. كل تلك الانفعالات بلا تقنين عباديّ، بدليل أن يوسف عليه السلام آوى إليه أبويه، وأخذهما في حضنه. حديث : والمثل من حياة رسولنا صلى الله عليه وسلم في سياق غزوة بدر حيث كان يستعرض المقاتلين، وكان في يده صلى الله عليه وسلم قدح يعدل به الصفوف، فمَرَّ بسواد بن غزية من بني عدي بن النجار، وهو مستنصل عن الصف - أي خارج عنه، مما جعل الصف على غير استواء - فطعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطنه بالقدح وقال له: "اسْتَوِ يا سواد". فقال سواد: أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقِدْني. فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال صلى الله عليه وسلم: "استقد". فاعتنقه سَواد وقَبَّل بطنه. فقال صلى الله عليه وسلم: "ما حملك على هذا يا سواد؟". قال: يا رسولَ الله، قد حضر ما ترى - يقصد الحرب - فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسَّ جِلْدي جلدك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير . تفسير : ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { فَلَمَّا } تجهز يعقوب وأولاده وأهلهم أجمعون، وارتحلوا من بلادهم قاصدين الوصول إلى يوسف في مصر وسكناها، فلما وصلوا إليه، و { دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } أي: ضمهما إليه، واختصهما بقربه، وأبدى لهما من البر والإكرام والتبجيل والإعظام شيئا عظيما، { وَقَالَ } لجميع أهله: { ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } من جميع المكاره والمخاوف، فدخلوا في هذه الحال السارة، وزال عنهم النصب ونكد المعيشة، وحصل السرور والبهجة. { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ } أي: على سرير الملك، ومجلس العزيز، { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا } أي: أبوه، وأمه وإخوته، سجودا على وجه التعظيم والتبجيل والإكرام، { وَقَالَ } لما رأى هذه الحال، ورأى سجودهم له: { يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ } حين رأي أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين، فهذا وقوعها الذي آلت إليه ووصلت { قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } فلم يجعلها أضغاث أحلام. { وَقَدْ أَحْسَنَ بِي } إحسانا جسيما { إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ } وهذا من لطفه وحسن خطابه عليه السلام، حيث ذكر حاله في السجن، ولم يذكر حاله في الجب، لتمام عفوه عن إخوته، وأنه لا يذكر ذلك الذنب، وأن إتيانكم من البادية من إحسان الله إلي. فلم يقل: جاء بكم من الجوع والنصب، ولا قال: "أحسن بكم" بل قال { أَحْسَنَ بِي } جعل الإحسان عائدا إليه، فتبارك من يختص برحمته من يشاء من عباده، ويهب لهم من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. { مِنْ بَعْدِ أَنْ نزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي } فلم يقل "نزغ الشيطان إخوتي" بل كأن الذنب والجهل، صدر من الطرفين، فالحمد لله الذي أخزى الشيطان ودحره، وجمعنا بعد تلك الفرقة الشاقة. { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ } يوصل بره وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر، ويوصله إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها، { إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ } الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، وسرائر العباد وضمائرهم، { الْحَكِيمُ } في وضعه الأشياء مواضعها، وسوقه الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها.