Verse. 1696 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَرَفَعَ اَبَوَيْہِ عَلَي الْعَرْشِ وَخَرُّوْا لَہٗ سُجَّدًا۝۰ۚ وَقَالَ يٰۗاَبَتِ ہٰذَا تَاْوِيْلُ رُءْيَايَ مِنْ قَبْلُ۝۰ۡقَدْ جَعَلَہَا رَبِّيْ حَقًّا۝۰ۭ وَقَدْ اَحْسَنَ بِيْۗ اِذْ اَخْرَجَنِيْ مِنَ السِّجْنِ وَجَاۗءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِنْۢ بَعْدِ اَنْ نَّزَغَ الشَّيْطٰنُ بَيْنِيْ وَبَيْنَ اِخْوَتِيْ۝۰ۭ اِنَّ رَبِّيْ لَطِيْفٌ لِّمَا يَشَاۗءُ۝۰ۭ اِنَّہٗ ہُوَالْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ۝۱۰۰
WarafaAAa abawayhi AAala alAAarshi wakharroo lahu sujjadan waqala ya abati hatha taweelu ruyaya min qablu qad jaAAalaha rabbee haqqan waqad ahsana bee ith akhrajanee mina alssijni wajaa bikum mina albadwi min baAAdi an nazagha alshshaytanu baynee wabayna ikhwatee inna rabbee lateefun lima yashao innahu huwa alAAaleemu alhakeemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ورفع أبويه» أحلهما معه «على العرش» السرير «وخروا» أي أبواه وإخوته «له سجدا» سجود انحناء لا وضع جبهة وكان تحيتهم في ذلك الزمان «وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي» إليَّ «إذ أخرجني من السجن» لم يقل من الحب تكرما لئلا تخجل إخوته «وجاء بكم من البدو» البادية «من بعد أن نزغ» أفسد «الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم» بخلقه «الحكيم» في صنعه وأقام عنده أبوه أربعا وعشرين سنة أو سبع عشرة سنة وكانت مدة فراقه ثماني عشرة أو أربعين أو ثمانين سنة وحضره الموت فوصى يوسف أن يحمله ويدفنه عند أبيه فمضى بنفسه ودفنه ثمة، ثم عاد إلى مصر وأقام بعده ثلاثا وعشرين سنة ولما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم فقال.

100

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} قال قَتَادة: يريد السَّرير، وقد تقدّمت محامله؛ وقد يُعبر بالعرش عن المُلْك والمَلِك نفسه؛ ومنه قول النابغة الذِّبْيَانيّ: شعر : عُـروشٌ تَفانَـوْا بعـد عِـزٍّ وأَمْنـةٍ تفسير : وقد تقدّم. قوله تعالى: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً}. فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} الهاء في «خَرُّوا لَهُ» قيل: إنها تعود على الله تعالى؛ المعنى: وخرّوا شكراً لله سجداً؛ ويوسف كالقِبْلة لتحقيق رؤياه، وروي عن الحسن؛ قال النَّقاش: وهذا خطأ؛ والهاء راجعة إلى يوسف لقوله تعالى في أوّل السورة: «رَأَيْتُهُمْ ليِ سَاجِدِينَ». وكان تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف، والصغير للكبير؛ سجد يعقوب وخالته وإخوته ليوسف عليه السلام، فاقشعرّ جلده وقال: «هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ» وكان بين رؤيا يوسف وبين تأويلها ٱثنتان وعشرون سنة. وقال سلمان الفارسيّ وعبد الله بن شَدّاد: أربعون سنة؛ قال عبد الله بن شَدّاد: وذلك آخر ما تبطىء الرؤيا. وقال قَتَادة: خمس وثلاثون سنة. وقال السدّي وسعيد بن جُبير وعِكرمة: ست وثلاثون سنة. وقال الحسن وجِسْر بن فَرْقَد وفُضَيل بن عِيَاض: ثمانون سنة. وقال وهب بن مُنَبِّه: أُلقي يوسف في الجُبِّ وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد أن التقى بأبيه ثلاثاً وعشرين سنة، ومات وهو ٱبن مائة وعشرين سنة. وفي التوراة مائة وست وعشرون سنة. وولد ليوسف من ٱمرأة العزيز إفراثيم ومنشا ورحمة ٱمرأة أيوب. وبين يوسف وموسى أربعمائة سنة. وقيل: إن يعقوب بقي عند يوسف عشرين سنة، ثم توفي صلى الله عليه وسلم. وقيل: أقام عنده ثماني عشرة سنة. وقال بعض المحدّثين: بضعاً وأربعين سنة؛ وكان بين يعقوب ويوسف ثلاث وثلاثون سنة حتى جمعهم الله. وقال ابن إسحق: ثماني عشرة سنة، والله أعلم. الثانية: قال سعيد بن جُبير عن قَتَادة عن الحسن ـ في قوله: «وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً» ـ قال: لم يكن سجوداً، لكنه سنة كانت فيهم، يُومِئون برؤوسهم إيماء، كذلك كانت تحيتهم. وقال الثّوري والضحّاك وغيرهما: كان سجوداً كالسجود المعهود عندنا، وهو كان تحيتهم. وقيل: كان ٱنحناء كالركوع، ولم يكن خروراً على الأرض، وهكذا كان سلامهم بالتَّكفِّي والانحناء، وقد نسخ الله ذلك كله في شرعنا، وجعل الكلام بدلاً عن الانحناء. وأجمع المفسِّرون أن ذلك السجود على أي وجه كان فإنما كان تحية لا عبادة؛ قال قَتَادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم؛ وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. قلت: هذا الانحناء والتَّكفِّي الذي نُسخ عنا قد صار عادة بالديار المصرية، وعند العجم، وكذلك قيام بعضهم إلى بعض؛ حتى أن أحدهم إذا لم يقم له وجد في نفسه كأنه لا يؤُبه به، وأنه لا قدر له؛ وكذلك إذا ٱلتقوا ٱنحنى بعضهم لبعض، عادة مستمرة، ووراثة مستقرة لا سيما عند التقاء الأمراء والرؤساء. نَكَبوا عن السُّنَنِ، وأعرضوا عن السَّنَن. حديث : وروى أنس بن مالك قال: قلنا يا رسول! أينحني بعضنا إلى بعض إذا ٱلتقينا؟ قال: «لا»؛ قلنا: أفيعتَنِق بعضنا بعضاً؟ قال «لا». قلنا: أفيصافح بعضنا بعضاً؟ قال «نعم»تفسير : . خرّجه أبو عمر في «التمهيد» فإن قيل: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قوموا إلى سيّدكم وخَيْرِكم»تفسير : ـ يعني سعد بن معاذ ـ قلنا: ذلك مخصوص بسعد لما تقتضيه الحال المعيّنة؛ وقد قيل: إنما كان قيامهم لينزلوه عن الحمار؛ وأيضاً فإنه يجوز للرجل الكبير إذا لم يؤثِّر ذلك في نفسه، فإن أثّر فيه وأعجب به ورأى لنفسه حظاً لم يجز عَوْنه على ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«حديث : من سره أن يتمثَّل له الناس قياماً فليتبوّأ مقعده من النار»تفسير : . وجاء عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أنه لم يكن وجهٌ أكرمَ عليهم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كانوا يقومون له إذا رأوه، لما يعرفون من كراهته لذلك. الثالثة: فإن قيل: فما تقول في الإشارة بالإصبع؟ قيل له: ذلك جائز إذا بَعد عنك، لتعيّن له به وقت السلام، فإن كان دانياً فلا؛ وقد قيل بالمنع في القرب والبعد؛ لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من تَشبَّه بغيرنا فليس منا»تفسير : . وقال: «حديث : لا تُسلِّموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليم اليهود بالأكُفّ والنّصارى بالإشارة». تفسير : وإذا سَلَّم فإنه لا يَنحني، ولا أن يُقبِّل مع السّلام يده، ولأن الانحناء على معنى التواضع لا ينبغي إلا لله. وأما تقبيل اليد فإنه من فعل الأعاجم، ولا يتبعون على أفعالهم التي أحدثوها تعظيماً منهم لكبرائهم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقوموا عند رأسي كما تقوم الأعاجم عند رؤوس أكاسرتها»تفسير : فهذا مثله. ولا بأس بالمصافحة؛ فقد صافح النبي صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب حين قدم من الحبشة، وأمر بها، وندب إليها، وقال: «حديث : تصافحوا يذهب الغِلّ» تفسير : وروى غالب التَّمَّار عن الشّعبيّ أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا التقوا تَصافحوا، وإذا قدموا من سفر تَعانقوا؛ فإن قيل: فقد كره مالك المصافحة؟ قلنا: روى ابن وهب عن مالك أنه كره المصافحة والمعانقة، وذهب إلى هذا سُحْنون وغيره من أصحابنا؛ وقد روي عن مالك خلاف ذلك من جواز المصافحة، وهو الذي يدلّ عليه معنى ما في الموطأ؛ وعلى جواز المصافحة جماعة العلماء من السلف والخلف. قال ابن العربي: إنما كره مالك المصافحة لأنه لم يرها أمراً عاماً في الدِّين، ولا منقولاً نقل السلام؛ ولو كانت منه لاستوى معه. قلت: قد جاء في المصافحة حديث يدلّ على الترغيب فيها، والدّأب عليها والمحافظة؛ وهو ما رواه حديث : البَرَاء بن عازب قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فقلت: يا رسول الله! أن كنت لأحسب أن المصافحة للأعاجم؟ فقال: نحن أحق بالمصافحة منهم ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودةً بينهما ونصيحةً إلا أُلقيت ذنوبُهما بينهما. تفسير : قوله تعالى: {وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ} ولم يقل من الجُبّ ٱستعمالاً للكرم؛ لئلا يُذكِّر إخوته صنيعهم بعد عفوه (عنهم) بقوله: «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ». قلت: وهذا هو الأصل عند مشايخ الصوفية: ذِكْرُ الجَفَا في وقت الصَّفَا جَفَا؛ وهو قول صحيح دَلَّ عليه الكتاب. وقيل: لأن في دخوله السجن كان باختياره بقوله: «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا يَدْعُونَنيِ إلَيْهِ» وكان في الجبّ بإرادة الله تعالى له. وقيل: لأنه كان في السجن مع اللصوص والعُصَاة، وفي الجبّ مع الله تعالى؛ وأيضاً فإن المِنّة في النّجاة من السّجن كانت أكبر، لأنه دخله بسبب أَمْرٍ هَمَّ به؛ وأيضاً دخله باختياره إذ قال: «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ» فكان الكَرْب فيه أكثر؛ وقال فيه أيضاً: «ٱذْكُرْنيِ عِنْدَ رَبِّكَ» فعوقب فيه. {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} يروى أن مسكن يعقوب كان بأرض كنعان، وكانوا أهل مواشٍ وبَرية؛ وقيل: كان يعقوب تحوّل إلى بادية وسَكَنها، وأن الله لم يبعث نبياً من أهل البادية. وقيل: إنه كان خرج إلى بَدَا، وهو موضع؛ وإياه عنى جَمِيل بقوله: شعر : وأنتِ التي حَبَّبْتِ شَغْباً إلى بَدَا إليّ وأوطانيِ بلادٌ سِواهُمَا تفسير : وليعقوب بهذا الموضع مسجد تحت جبل. يقال: بَدَا القومُ بَدْواً إذا أَتَوا بَدَا، كما يقال: غَاروا غَوْراً أي أَتَوا الْغَوْر؛ والمعنى: وجاء بكم من مكان بَدَا؛ ذكره القشيريّ، وحكاه الماوَرْديّ عن الضحّاك عن ابن عباس. {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ} بإيقاع الحسد؛ قاله ابن عباس. وقيل: أفسد ما بيني وبين إخوتي؛ أحال ذنبهم على الشيطان تكرماً منه. {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ} أي رفيق بعباده. وقال الخَطَّابيّ: اللطيف هو البَرّ بعباده الذي يَلطُف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبّب لهم مصالحهم من حيث لا يَحتسبون؛ كقوله: {أية : ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} تفسير : [الشورى: 19]. وقيل: اللطيف العالم بدقائق الأمور؛ والمراد هنا الإكرام والرفق. قال قَتادة، لطف بيوسف بإخراجه من السجن، وجاءه بأهله من البدو، ونزع عن قلبه نزغ الشيطان. ويروى أن يعقوب لما قدم بأهله وولده وشَارَفَ أرض مصر وبلغ ذلك يوسف ٱستأذن فرعون ـ وٱسمه الريان ـ أن يأذن له في تَلقِّي أبيه يعقوب، وأخبره بقدومه فأذن له، وأمر الملا من أصحابه بالركوب معه؛ فخرج يوسف والملك معه في أربعة آلاف من الأمراء مع كل أمير خَلْقٌ الله أعلم بهم؛ وركب أهل مصر معهم يتلقون يعقوب، فكان يعقوب يمشي متكئاً على يد يهوذا؛ فنظر يعقوب إلى الخيل والناس والعساكر فقال: يا يهوذا! هذا فرعون مصر؟ قال: لا، بل هذا ابنك يوسف؛ فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف ليبدأه بالسلام فمُنع من ذلك، وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل؛ فابتدأ يعقوب بالسلام فقال: السلام عليك يا مُذْهِب الأحزان، وبكى وبكى معه يوسف؛ فبكى يعقوب فرحاً، وبكى يوسف لِما رأى بأبيه من الحزن؛ قال ٱبن عباس: فالبكاء أربعة، بكاءٌ من الخوف، وبكاءٌ من الجزع، وبكاء من الفرح، وبكاءُ رياءٍ. ثم قال يعقوب: الحمد لله الذي أقرّ عيني بعد الهموم والأحزان، ودخل مصر في ٱثنين وثمانين من أهل بيته؛ فلم يخرجوا من مصر حتى بلغوا ستمائة ألف ونيف ألف؛ وقطعوا البحر مع موسى عليه السلام؛ رواه عِكْرِمة عن ٱبن عباس. وحكى ٱبن مسعود أنهم دخلوا مصر وهم ثلاثة وتسعون إنساناً ما بين رجل وٱمرأة، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة (ألف) وسبعون ألفاً. وقال الربيع بن خَيْثَم: دخلوها وهم ٱثنان وسبعون ألفاً، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف. وقال وهب: (بن منبه) دخل يعقوب وولده مصر وهم تسعون إنساناً ما بين رجل وٱمرأة وصغير، وخرجوا منها مع موسى فِراراً من فرعون، وهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلاً مقاتلين، سوى الذرية والهَرْمى والزَّمْنى؛ وكانت الذرّية ألف ألف ومائتي ألف سوى المقاتلة. وقال أهل التواريخ: أقام يعقوب بمصر أربعاً وعشرين سنة في أغبط حال ونعمة، ومات بمصر، وأوصى إلى ٱبنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحق بالشام ففعل، ثم ٱنصرف إلى مصر. قال سعيد بن جُبير: نقل يعقوب صلى الله عليه وسلم في تابوت من ساج إلى بيت المقدس، ووافق ذلك يوم مات عِيصو، فدفنا في قبر واحد؛ فمن ثَمَّ تنقل اليهود موتاهم إلى بيت المقدس، مَنْ فَعَل ذلك منهم؛ ووُلد يعقوب وعِيصُو في بطن واحد، ودفنا في قبر واحد وكان عمرهما جميعاً مائة وسبعاً وأربعين سنة.

البيضاوي

تفسير : {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } تحية وتكرمة له فإن السجود كان عندهم يجري مجراها. وقيل معناه خروا لأجله سجداً لله شكراً. وقيل الضمير لله تعالى والواو لأبويه وإخوته والرفع مؤخر عن الخرور وإن قدم لفظاً للاهتمام بتعظيمه لهما. {وَقَالَ يأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـايَ مِن قَبْلُ} التى رأيتها أيام الصبا. {قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا } صدقاً. {وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذَا أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ} ولم يذكر الجب لئلا يكون تثريباً عليهم. {وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ } من البادية لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو. {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } أفسد بيننا وحرش، من نزغ الرائض الدابة إذا نخسها وحملها على الجري. {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء } لطيف التدبير له إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته ويتسهل دونها. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ } بوجود المصالح والتدابير. {ٱلْحَكِيمُ } الذي يفعل كل شيء في وقته وعلى وجه يقتضي الحكمة. روي: أن يوسف طاف بأبيه عليهما الصلاة والسلام في خزائنه فلما أدخله خزانة القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل قال: أمرني جبريل عليه السلام قال: أو ما تسأله قال: أنت أبسط مني إليه فاسأله فقال جبريل: الله أمرني بذلك. لقولك: {أية : وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذّئْبُ }تفسير : [يوسف: 13] قال فهلا خفتني.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ } أجلسهما معه {عَلَى ٱلْعَرْشِ } السرير {وَخَرُّواْ } أي أبواه وإخوته {لَهُ سُجَّدَاً } سجود انحناء لا وضع جبهة وكان تحيتَهم في ذلك الزمان {وَقَالَ يٰأَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَى } إليّ {إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ } لم يقل من الجب تكرّماً لئلا يُخْجِل إخوته {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ } البادية {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ } أفسد {ٱلشَّيْطَٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ } بخلقه {ٱلْحَكِيمُ } في صنعه، وأقام عنده أبوه أربعاً وعشرين سنة أو سبع عشرة سنة، وكانت مدّة فراقه ثماني عشرة أو أربعين أو ثمانين سنة، وحضره الموت فوصَّى يوسفَ أن يحمله ويدفنه عند أبيه فمضى بنفسه ودفنه، ثم عاد إلى مصر وأقام بعده ثلاثاً وعشرين سنة.

ابن عطية

تفسير : المعنى: قال يوسف ليعقوب: هذا السجود الذي كان منكم، هو ما آلت إليه رؤياي قديماً في الأحد عشر كوكباً وفي الشمس والقمر. وقوله: {قد جعلها ربي حقاً} ابتداء تعديد نعم الله تعالى عليه، وقوله: {وقد أحسن بي}، أي أوقع وناط إحسانه بي. فهذا منحى في وصول الإحسان بالباء، وقد يقال: أحسن إليَّ، وأحسن فيّ، ومنه قول عبد الله بن أبي ابن سلول: يا محمد أحسن في مواليّ؛ وهذه المناحي مختلفة المعنى، وأليقها بيوسف قوله: {بي} لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد هو الغاية التي صار إليها. وذكر يوسف عليه السلام إخراجه من السجن، وترك إخراجه من الجب لوجهين. أحدهما: أن في ذكر إخراجه من الجب تجديد فعل إخوته وخزيهم بذلك وتقليع نفوسهم وتحريك تلك الغوائل وتخبيث النفوس. والوجه الآخر: أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك فالنعمة هنا أوضح. وقوله: {وجاء بكم من البدو} يعم جمع الشمل والتنقل من الشقاوة إلى النعمة بسكنى الحاضرة، وكان منزل يعقوب عليه السلام بأطراف الشام في بادية فلسطين وكان رب إبل وغنم وبادية. و {نزغ} معناه: فعل فعلاً أفسد به، ومنه قول النبي عليه السلام: "حديث : لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده ". تفسير : وإنما ذكر يوسف هذا القدر من أمر إخوته ليبين حسن موقع النعم، لأن النعمة إذا جاءت إثر شدة وبلاء فهي أحسن موقعاً. وقوله: {لما يشاء} أي من الأمور أن يفعله، واختلف الناس في كم كان بين رؤيا يوسف وبين ظهورها: فقالت فرقة أربعون سنة - هذا قول سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد، وقال عبد الله بن شداد: ذلك آخر ما تبطىء الرؤيا - وقالت فرقة - منهم الحسن وجسر بن فرقد وفضيل بن عياض - ثمانون سنة. وقال ابن إسحاق: ثمانية عشر، وقيل: اثنان وعشرون قاله النقاش - وقيل: ثلاثون، وقيل: خمس وثلاثون - قاله قتادة - وقال السدي وابن جبير: ستة وثلاثون سنة. وقيل: إن يوسف عليه السلام عمر مائة وعشرين سنة. وقيل: إن يعقوب بقي عند يوسف نيفاً على عشرين سنة ثم توفي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: ولا وجه في ترك تعريف يوسف أباه بحاله منذ خرج من السجن إلى العز إلا الوحي من الله تعالى لما أراد أن يمتحن به يعقوب وبنيه، وأراد من صورة جمعهم - لا إله إلا هو - وقال النقاش: كان ذلك الوحي في الجب، وهو قوله تعالى: {أية : وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} تفسير : [يوسف: 15] وهذا محتمل. ومما روي في أخبار يعقوب عليه السلام: قال الحسن: إنه لما ورده البشير لم يجد عنده شيئاً يثيبه به فقال له: والله ما أصبت عندنا شيئاً، وما خبزنا منذ سبع ليال، ولكن هون الله عليك سكرات الموت. ومن أخباره: أنه لما اشتد بلاؤه وقال: يا رب أعميت بصري وغيبت عني يوسف، أفما ترحمني؟ فأوحى الله إليه: سوف أرحمك وأرد عليك ولدك وبصرك، وما عاقبتك بذلك إلا أنك طبخت في منزلك حملاً فشمه جار لك ولم تساهمه بشيء، فكان يعقوب بعد يدعوه إلى غدائه وعشائه. وحكى الطبري: أنه لما اجتمع شمله كلفه بنوه أن يدعو الله لهم حتى يأتي الوحي بأن الله قد غفر لهم. قال: فكان يعقوب يصلي ويوسف وراءه وهم وراء يوسف، ويدعو لهم فلبث كذلك عشرين سنة ثم جاءه الوحي: إني قد غفرت لهم وأعطيتهم مواثيق النبوة بعدك. ومن أخباره: أنه لما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف أن يدفنه بالشام، فلما مات نفخ فيه المر وحمله إلى الشام، ثم مات يوسف فدفن بمصر، فلما خرج موسى - بعد ذلك - من أرض مصر احتمل عظام يوسف حتى دفنها بالشام مع آبائه.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَبَوَيْهِ} أبوه وأمه، قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ وابن إسحاق، أو أبوه وخالته وكانت أمه قد ماتت في نفاسها بأخيه بنيامين {الْعَرْشِ} السرير. {سُجَّداً} سجدوا له بأمر الله ـ تعالى ـ تحقيقاً لرؤياه، أو كان السجود تحية من قبلنا وأعطيت هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة {تَأْوِيلُ رُءْيَاىَ} كان بين رؤياه وتأويلها ثمانون سنة، أو أربعون، أو ستة وثلاثون، أو اثنان وعشرون، أو ثماني عشر، ورؤيا الأنبياء لا تكون إلا صادقة، وإنما أمره يعقوب بكتامنها لأنه رآها صغيراً فلم تكن كرؤيا الأنبياء، أو خاف طول المدة مع مكابدة البلوى وخشي تعجيل الأذى بكيد الإخوة {مِنَ السِّجْنِ} شكر على الإخراج من السجن ولم يذكر الجب لئلا يكون معرضاً بتوبيخ إخوته بعد قوله: {لا تَثْرِيبَ} أو لأنه ما تخوفه في السجن من المعرة لم يكن في الجب فكانت النعمة فيه أتم، أو لأنه انتقل من بلوى السجن إلى نعمة الملك بخلاف الجب فإنه انتقل منه إلى الرق. {مِّنَ الْبَدْوِ} كانوا بادية بأرض كنعان أهل مواشي أو جاءوا في البادية وكانوا أهل مدن بفلسطين، أو ناحية حران من أهل الجزيرة قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ {نَّزَغَ} حرش وأفسد. {لَطِيفٌ} لطف بيوسف بإخراجه من السجن ومجيء أهله من البدو، ونزع عن قلبه نزغ الشيطان.

النسفي

تفسير : {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } قيل: لما دخلوا مصر وجلس في مجلسه مستوياً على سريره واجتمعوا إليه أكرم أبويه فرفعهما على السرير وخروا له ــ يعني الإخوة الأحد عشر والأبوين ــ سجداً، وكانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية والتكرمة كالقيام والمصافحة وتقبيل اليد وقال الزجاج سنة التعظيم في ذلك الوقت أن يسجد للمعظم وقيل ما كانت لا انحناء دون تعفير الجباه وخرورهم سجداً يأباه وقيل وخروا لأجل يوسف سجداً لله شكراً وفيه نبوة أيضاً واختلف في استنبائهم {وَقَالَ يأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا } أي الرؤيا {رَبّي حَقّاً } أي صادقة وكان بين الرؤيا وبين التأويل أربعين سنة أو ثمانون أو ست وثلاثون أو ثنتان وعشرون {وَقَدْ أَحْسَنَ بَى } يقال: أحسن إليه وبه وكذلك أساء إليه وبه {إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ } ولم يذكر الجب لقوله {لا تثريب عليكم اليوم} {وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ } من البادية لأنهم كانوا أصحاب مواشٍ ينتقلون في المياه والمناجع {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } أي أفسد بيننا وأغرى {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء } أي لطيف التدبير {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } بتأخير الآمال إلى الآجال أو حكم بالائتلاف بعد الاختلاف.

ابو السعود

تفسير : {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ} عند نزولِهم بمصر {عَلَى ٱلْعَرْشِ} على السرير تكرِمةً لهما فوق ما فعله لإخوته {وَخَرُّواْ لَهُ} أي أبواه وإخوتُه {سُجَّدًا} تحية له فإنه كان السجودُ عندهم جارياً مجرى التحيةِ والتكرمةِ كالقيام والمصافحةِ وتقبـيلِ اليد ونحوِها من عادات الناس الفاشية في التعظيم والتوقير، وقيل: ما كان ذلك إلا انحناءً دون تعفيرِ الجباه، ويأباه الخرُورُ، وقيل: خروا لأجله سجداً لله شكراً ويرده قوله تعالى: {وَقَالَ يأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰى} التي رأيتها وقصصتها عليك {مِن قَبْلُ} في زمن الصِّبا {قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا} صدقاً واقعاً بعينه، والاعتذارُ بجعل يوسفَ بمنزله القِبلة وجعلِ اللام كما في قوله: (أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّىٰ لقبلتكم) تعسفٌ لا يخفى، وتأخيرُه عن الرفع على العرش ليس بنص في ذلك لأن الترتيبَ الذكريَّ لا يجب كونُه على وفق الترتيب الوقوعيِّ فلعل تأخيرَه عنه ليصل به ذكرُ كونِه تعبـيراً لرؤياه وما يتصل به من قوله: {وَقَدْ أَحْسَنَ بَى} المشهورُ استعمالُ الإحسان بإلى، وقد يستعمل بالباء أيضاً كما في قوله عز اسمُه: {أية : وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً }تفسير : [البقرة: 83] وقيل: هذا بتضمين لَطَف وهو الإحسانُ الخفيُّ كما يؤذن به قوله تعالى: {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء} وفيه فائدة لا تخفى أي لطَف بـي محسناً إليَّ غيرَ هذا الإحسان {إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ} بعدما ابتُليت به ولم يصرِّح بقصة الجُبّ حِذاراً من تثريب إخوتِه لأن الظاهرَ حضورُهم لوقوع الكلام عَقيب خرورهم سجّداً واكتفاءً بما يتضمنه قوله تعالى: {وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ} أي البادية {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى} أي أفسد بـيننا بالإغواء وأصلُه من نخْس الرائضِ الدابةَ وحملِها على الجري، يقال: نزَغه ونسَغه إذا نخسَه ولقد بالغ عليه الصلاة والسلام في الإحسان حيث أسند ذلك إلى الشيطان {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء} أي لطيفُ التدبـير لأجله رفيقٌ حتى يجيء على وجه الحِكمة والصواب، ما من صعبٍ إلا وهو بالنسبة إلى تدبـيره سهلٌ {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ} بوجود المصالح {ٱلْحَكِيمُ} الذي يفعل كلّ شيء على قضية الحكمة. روي أن يوسف أخذ بـيد يعقوبَ عليهما الصلاة والسلام فطاف به في خزائنه فأدخله في خزائن الورِقِ والذهب وخزائن الحِليّ وخزائن الثياب وخزائنِ السلاح وغيرِ ذلك، فلما أدخله خزائنَ القراطيس قال: يا بني ما أعقّك، عندك هذه القراطيسُ وما كتبت إلي على ثماني مراحلَ؟ قال: أمرني جبريلُ، قال: أو ما تسأله، قال: أنا أبسطُ إليه مني فسأله قال جبريلُ: الله تعالى أمرني بذلك لقولك: أخاف أن يأكلَه الذئب، قال: فهلا خِفْتني. ورُوي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفِنه بالشام إلى جنب أبـيه إسحاقَ فمضى بنفسه ودفنه ثمةَ ثم عاد إلى مصرَ وعاش بعد أبـيه ثلاثاً وعشرين سنة فلما تم أمرُه وعلِم أنه لا يدوم له تاقت نفسُه إلى المُلك الدائم الخالد فتمنى الموت فقال:

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ}. أوقف كُلاًّ بمحلِّة؛ فَرَفَعَ أبويه على السرير، وتَرَك الإخوةَ نازلين بأماكنهم. قوله: {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً}: كان ذلك سجودَ تحيةٍ، فكذلك كانت عادتهم. ودَخَلَ الأَبَوان في السجود - في حقِّ الظاهر- لأنَّ قوله {وَخَرُّواْ} إخبارٌ عن الجميع، ولأنه كان عن رؤياه قد قال: {أية : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}تفسير : [يوسف: 4] وقال ها هنا: {هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً}. قوله جلّ ذكره: {أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}. شهد إحسانه فَشَكَرَه.. كذلك مَنْ شهد النعمة شَكَرَ، ومَنْ شهد المُنْعِمَ حمده. وذَكَرَ حديثَ السجن - دون البئر- لطول مدة السجن وقلة مدة البئر. وقيل لأن فيه تذكيراً بِجُرْمِ الإخوة وكانوا يخجلون. وقيل لأن {ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} وقيل لأن كان في البئر مرفوقاً به والمبتدئ يُرفَقُ به وفي السجن فَقَدَ ذلك الرِّفق لقوة حاله؛ فالضعيف مرفوقٌ به والقويُّ مُشَدَّدٌ عليه في الحال، وفي معناه أنشدوا: شعر : وأسررتني حتى إذا ماسَبَبْتَني بقولٍ يحل العُصْم سهل الأباطح تجافيتَ عنِّي حين لا لي حيلة وغادرت ما غادرت بين الجوانح تفسير : وفي قوله: {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} إشارة إلى أنه كما سُرَّ برؤية أبويه سُرَّ بإخوته - وإنْ كانوا أهل الجفاء، لأنَّ الأُخُوَّةَ سَبَقتْ الجفوة. قوله: {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ} أظهر لهم أمرهم بما يشبه العذر، فقال كان الذي جرى منهم من نزعات الشيطان، ثم لم يرض بهذا حتى قال {بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ} يعني إن وَجَدَ الشيطان سبيلاً إليهم، فقد وجد أيضاً إليَّ حيث قال: {بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ}. ثم نطق عن عين التوحيد فقال: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ} فبلطفه عصمهم حتى لم يقتلوني.

اسماعيل حقي

تفسير : {ورفع ابويه} عند نزولهم بمصر وكانوا اثنين وسبعين رجلا وامرأة وكانوا حين خرجوا منها مع موسى عليه السلام ستمائة الف وخمسمائة وبضعا وتسعين او سبعين رجلا سوى الذرية والهرمى وكانت الذرية الف الف ومائتيى الف {على العرش} وهو السرير الرفيع الذى كان يجلس عليه يوسف وهو بالفارسية [تخت] اى اجلسهما معه على سرير الملك تكرمة لهما فوق ما فعله لاخوته واشتركوا فى دخول دار يوسف لكنهم تباينوا فى الايواء فانفرد الابوان بالجلوس معه على سرير الملك لبعدهما من الجفاء كذا غدا اذا وصلوا الى الغفران يشتركون فيه فى دخول الجنة ولكنهم يتباينون فى بساط القربة فيختص به اهل الصفاء دون من اتصف اليوم بالالتواء شعر : هركسى ازهمت والاى خويش سود برد در خور كالاى خويش تفسير : {وخروا له} [وبروى درافتادند بدر وخاله وبرادران مرورا] {سجدا} حال مقدرة لان السجود بعد الخرور يكون اى حال كونهم ساجدين تحية وتكرمة له فانه كان السجود عندهم جاريا مجرى التحية والتكرمة كالقيام والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها من عادات الناس الناشئة فى التعظيم والتوقير والرفع مؤخر عن الخرور اذ السجود له كان قبل الصعود على السرير فى اول الملاقاة لان ذلك هو وقت التحية الا انه قدم لفظا للاهتمام بتعظيمه لهما والترتيب الذكرى لا يجب كونه على وقف الترتيب الوقوعى وليصل به ذكر كونه تعبير الرؤيا. قال الكاشفى [يوسف كه آن حال مشاهدة نمود اظهار مسرت وبهجت فرمود] {وقال يا ابت} [اى بدر من] {هذا} [اين سجده كردن شمارا] {تأويل رؤياى} التى رأيتها وقصصتها عليك {من قبل} فى زمن الصبى يريد قوله {أية : انى رأيت احد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين} تفسير : {وقد جعلها ربى حقا} صدقا فى اليقظة واقعا بعينها. قال بعضهم وقعت رؤيا يوسف بعد اربعين سنة واليها ينتهى الرؤيا. يقول الفقير فيكون القول بان الاجتماع كان بعد ثمانين سنة مرجوحا. واعلم ان السبب فى تأخير ظهور المنامات الجيدة وسرعة الرديئة هو آن القدرة الالهية المظهرة لهذه المنامات تعجل البشارة بالخيرات الكامنة قبل اوانها بمدة طويلة لتكون مدة السرور اطول وتؤخر الانذار بالشرور الكامنة الى زمان يقرب من حصولها ليقصر زمان الهم والحزن. قال الشيخ صدر الدين الفتوى قدس سره فى شرح قوله عليه السلام "حديث : اصدق المنامات ما رؤى فى السحر" تفسير : اعلم ان السحر هو زمان اواخر الليل واستقبال اول النهار والليل مظهر الغيب والظلمة والنهار هو زمان الكشف والوضوح ومنتهى سير المغيبات والمقدرات الغيبية فى العلم الالهى ثم عاد المعانى والارواح ولما كان زمان السحر هو مبدأ زمان السحر هو مبدأ زمان استقبال كمال الانكشاف والتحقق لزم ان الذى يرى اذ ذاك يكون قريب الظهور والتحقق والى ذلك اشار يوسف بقوله هذا {تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا} اى ما كملت حقية الرؤيا الا بظهورها فى الحس فان فيه ظهر المقصود من تلك الصورة الممثلة واينعت ثمراتها انتهى. وقال حضرة الشيخ الا كبر قدس سره الاطهر {هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا} اى اظهرها فى الحس بعد ما كانت فى صورة الخيال فقال النبى عليه السلام "الناس نيام" اى جعل النبى عليه السلام اليقظة ايضا نوعا من انواع النوم لغفلة الناس فيها عن المعانى الغيبية والحقائق الالهية كما يغفل النائم عنها فكان قول يوسف {قد جعلها ربى حقا} بمنزلة من رأى فى نومه انه استيقظ من رؤيا رآها ثم ذكرها وعبرها ولم يعلم انه فى النوم عينه ما برح فاذا استيقظ يقول رأيت كذا ورأيت كأنى استيقظت واولتها بكذا هذا مثل ذلك كما قال فى المثنوى شعر : اين جهانرا كه بصورت قائمست كفت بيغنبر كه حلم نائمست او كمان برده كه ابن دم خفته ام بى خبرزان كوست درخواب دوم تفسير : فانظر كم بين ادراك محمد وبين ادراك يوسف عليهما السلام فى آخر امره حين قال {هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربى حقا} معناه ثابتا حسا اى محسوسا وما كان الا محسوسا فان الخيال لا يعطى ابدا الا المحسوسات ليس له غير ذلك فالنبى عليه السلام جعل الصورة الحسية ايضا كالصورة الخيالية التى تجلى الحق والمعانى الغيبية فيها وجعل يوسف الصور الحسية حقا ثابتا والصور الخيالية غير ذلك فصار الحس عنده مجالى للحق والمعانى الغيبية دون الخيال فانظر ما اشرف علم ورثة سيد الانبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليه وعليهم اجمعين وهم اى الورثة الاولياء الكاملون المطلعون على هذه الاسرار. والاشارة ان يعقوب هو الروح وزوجته النفس واولاده اوصاف البشرية والقوى والحواس ويوسف هو القلب والقلب بمثابة العرش وهو على الحقيقة عرش الرحمن والسجدة كانت على الحقيقة لرب العرش لا للعرش وقوله ان شاء الله لانه لا يصل الى مصر حضرة الملك العزيز احد الابجذبة مشيئته وقوله آمنين اى من الانقطاع عن تلك الحضرة فانها منزهة عن الاتصال والانفصال والانقطاع عنها. فعلى العاقل ان يجتهد فى طريق الوصول الى ان تنفتح بصيرته ويتخلص من الظلمة ولا يقول اين هو كما قال فى المثنوى شعر : اين جهان بر آفتاب ونورماه اوبهشت سرفرو برده بجاه كه اكر حقست بس كوروشنى سر زجه بردار وبنكراى دنى جمله عالم شرق وغرب آن نوريافت تاتودر جاهى نخواهد برتوتافت تفسير : وصحبة هذا النور انما تحصل بالصبر على المعاصى والشرور واصلاح الطبيعة والنفس بالشريعة والطريقة وحبس الوجود فى ظلمة بيت الخلوة الى اشراق نور الحقيقة ألا ترى الى قول الحافظ الشيرازى شعر : آنكه بيرانه سرم صحبت يوسف بنواخت اجر صبريست كه در كلبه احزان كردم تفسير : اللهم اجعلنا من الواصلين {وقد احسن بى} قال فى الكواشى المفعول محذوف تقديره احسن بى صنعه والمشهور استعمال الاحسان بالى وقد يستمل بالباء ايضا كما فى قوله {أية : وبالوالدين احسانا} تفسير : والمعنى بالفارسية [وبدرستى كه نيكويى كرده است بمن آفرين كارمن] {اذ اخرجنى من السجن} [جون بيرون آورد مرا اززندان] ولم يذكر الجب لئلا يستحيى اخوته ومن تمام الصفح والعفو ان لا يذكر ما تقدم من الذنب ولانه كان فى السجن مع الكفار وفى الجب مع جبرائيل ولانه كان فى وقت دخول الجب صغيرا ولا يجب الشكر على الصبيان ولان عهده بالسجن اقرب من الجب فلذا ذكره والوجه الاول ارجح وقد سبق مثله فى حق زليخا ايضا حيث قال {أية : ارجع الى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن ايديهن} تفسير : ولم يذكر زليخا. قال لقمان رضى الله عنه خدمت اربعة آلاف نبى واخترت من كلامهم ثمانى كلمات. ان كنت فى الصلاة فاحفظ قلبك. وان كنت فى بيت الغير فاحفظ عينيك. وان كنت بين الناس فاحفظ لسانك. واذكر اثنين. وانس اثنين. اما اللذان تذكرهما فالله والموت. واما اللذان تنساهما احسانك فى حق الغير واساءة الغير فى حقك. وفى التأويلات اخرجنى من سجن الوجود ولهذا لم يقل من الجب جب البشرية ونعمة اخراجه من سجن الوجود اكبر من نعمة اخراجه من جب البشرية {وجاء بكم} [وآورد شمارا] {من البدو} قال فى القاموس والبدو والبادية خلاف الحضر لكون الصحراء بادية على العين اى ظاهرة سميت بها وكانوا اصحاب المواشى والعمد اى الاخبية ينتقلون فى الماء والمرعى. وقال الكاشقى [وآن موضعى بود اززمين فلسطين درزمين شام كه يعقوب آنجانشستى وآن نزديك كنعان بود يوسف جهت شكر نعمت فرمودكه حق سبحانه وتعالى مرا اززندان تبخت رسانيد وشمارا ازباديه نزديك من آورد تابايكديكر برنشينيم] {من بعد ان نزغ الشيطان بينى وبين اخوتى} اى افسد بيننا وحرش واغرى من نزغ الرائض الدابة اذا نخسها وحملها على الجرى والحركة ولقد بالغ فى الاحسان حيث نسب ذلك الى الشيطان. يقول الفقير الادب ان يسند الشر الى النفس والشيطال لانهما معدنه ومنشأه وان كان الكل بخلق الله تعالى {ان ربى لطيف لما يشاء} اى لطيف التدبير لاجله رفيق حتى يجيئ على وجه الحكمة والصواب ما من صعب الا وهو بالنسبة الى تدبيره سهل. وقال فى الكواشى ذو لطف بمن يشاء واللطف الاحسان الخفى. قال الامام الغزالى رحمه الله انما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما لطف ثم يسلك فى ايصالها الى المستصلح سبيل الرفق دون العنف واذا اجتمع الرفق فى الفعل واللطف فى الادراك تم معنى اللطف ولا يتصور كمال ذلك فى العلم والفعل الا لله تعالى وحظ العبد من هذا الوصف الرفق بعباد الله تعالى والتلطف بهم فى الدعوة الى الله والهداية الى سعادة الآخرة من غير ازراء وعنف ومن غير تعصب وخصام واحسن وجوه اللطف فيه الجذب الى قبول الحق بالشمائل والسير المرضية والاعمال الصالحة فانها اوقع والطف من الالفاظ المزينة: وفى المثنوى شعر : بند فعلى خلق را جذابتر كه رسددرجان هربا كوش كر تفسير : {انه هو العليم} بليغ العلم بوجود المصالح والتدابير {الحكيم} الذى يفعل كل شيء على قضية الحكمة وقد سبق فى اوائل هذه السورة سر التقدم والتأخر بين اسمى العليم والحكيم -روى- ان يوسف اخذ بيد يعقوب فطاف به فى خزائنه فادخله فى خزائن الورق والذهب وخزائن الحلى وخزائن الثياب وخزائن السلاح وغير ذلك فلما أدخله القراطيس وهو اول من عملها قال يا بنى ما اعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت الىّ على ثمانى مراحل شعر : صد بارشد از عشق توام حال دكر كون يكبار نكفتى فلان حال توجون شد تفسير : قال امرنى جبريل قال أو ما تسأله قال انت ابسط اليه منى فاسأله قال جبريل الله امرنى بذلك لقولك اخاف ان يأكله الذئب قال فهلا خفتنى: قال المولى الجامى شعر : زليخا جون زيوسف كام دل يافت بوصل دائمتش آرام دل يافت تمادى يافت ايام وصالش دران دولت زجل بكذشت سالش بيايى داد آن نخل برومند بر فرزند بل فرزند فرزند مرادى درجهان دردل نبودش كه برخوان امل حاصل نبودش تفسير : وولد ليوسف من راعيل اى زليخا افراييم وميشا وحمة امرأة ايوب عليه السلام وولد لافراييم نون ولنون يوشع فتى موسى ولما نزل يعقوب فى قصر يوسف جاء اولاد يوسف فوقفوا بين يدى يعقوب ففرح بهم وقبلهم وحدثه يوسف بحديثه مع زليخا وما كان منه ومنها واخبره ان هؤلاء اولاده منها فاستدعاها يعقوب فحضرت وقبلت يده وسألته زليخا ان ينزل عندها فقال لا ارضى بزينتكم هذه ولكن اصنعوا لى عريشا من البردى والقصب مثل عريشى بارض كنعان فصنعوا له عريشا كما اراد ونزل فيه فى اتم سرور وغبطة. قال السهيلى كان مساكن نبينا صلى الله عليه وسلم مبنية من جريد النخل عليه طين وبعضها من حجارة مرصوصة وسقفها كلها من جريد. وعن الحسن البصرى كنت وانا مراهق ادخل بيوت ازواج النبى عليه السلام فى خلافة عثمان رضى الله عنه فاتناول سقفها بيدى وهدمها عمر بن عبد العزيز بعد موت ازواجه عليه السلام وادخلها فى المسجد. قال بعضهم ما رأيت باكيا اكثر من ذلك اليوم وليتها تركت ولم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء ويرضون بما رضى الله لنبيه عليه السلام ومفاتيح خزائن الارض بيده عليه السلام اى فان ذلك مما يزهد الناس فى التكاثر والتفاخر فى البنيان وفى الحديث "حديث : ان شر ما ذهب فيه مال المرء المسلم البنيان " تفسير : وكتب بهلول على حائط من حيطان قصر عظيم بناه اخوه الخليفة هارون يا هارون رفعت الطين ووضعت الدين رفعت الجص ووضعت النص ان كان من مالك فقد اسرفت ان الله لا يحب المسرفين وان كان من مال غيرك ظلمت ان الله لا يحب الظالمين

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن يوسف انه حين حضر عنده أبواه وأخوته، ورفع أبويه على العرش، والرفع النقل الى جهة العلو. ومثله الاعلاء والاصعاد، وضده الوضع، والعرش السرير الرفيع وأصله الرفع من قوله {أية : خاوية على عروشها} تفسير : اي على ما ارتفع من أبنيتها، وعرّش الكرم إذا رفعه، وعمل عريشاً اذا عمل مجلساً رفيعاً. وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتاده: العرش السرير. وقوله {وخرّوا له سجداً} معناه انحطوا على وجوههم والخرّ الانحطاط على الوجه، ومنه {أية : خرّ من السماء فتخطفه الطير}تفسير : والسجود في الشرع خضوع بوضع الوجه على الارض وأصله الذل، كما قال الشاعر: شعر : ترى الأُكم فيها سجداً للحوافر تفسير : وقيل في وجه سجودهم قولان: قال قوم: إن الهاء في قوله {له} راجعة الى الله، فكأنه قال فخروا لله سجداً شكراً على ما أنعم به عليهم من الاجتماع. الثاني انهم سجدوا الى جهة يوسف على وجه القربة الى الله، كما يسجد الى الكعبة على وجه القربة الى الله. وقيل انه كانت تحية الملوك السجود، قال اعشى بني ثعلبة: شعر : فلما اتانا بعيد الكرى سجدنا له ورفعنا العمارا تفسير : وقوله {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} حكاية ما قال يوسف لأبيه بأن هذا تفسير رؤياي من قبل وما تؤول اليه، وهو ما ذكره في أول السورة {إني رأيت أحد عشر كوكباً} يعني أخوته {والشمس والقمر} يعني أبويه سجدوا له، كما رآه في المنام. والرؤيا تصور ما يتوهم انه يرى لغمور النوم، ومتى قيل إذا كانت رؤيا الانبياء لا تكون الا صادقة، فهلا تسلى يعقوب بأن تأويل الرؤيا سيكون؟ قلنا عنه جوابان: احدهما - انه قيل: انه رآها وهو صبيّ فلذلك لم يثق بها. والآخر - ان طول الغيبة مع شدة المحنة يوجب الحزن كما يوجبه مع الثقة بالالتقاء في الآخرة. {وقد أحسن بي اذ أخرجني من السجن} بأن لطف وسهل اليَّ الخروج منه {وجاء بكم من البدو} اي اتي بكم من أرض فلسطين، لأن مسكن يعقوب وولده فيما ذكر كان هناك. والبدو: البرية العظيمة مأخوذ من بدا يبدوا بدوّاً. ويقال: بدو، وحضر. وقوله {من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} والنزغ التحريش بين الاثنين، وهو مس بسوء يغضب، ومنه قوله {أية : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله}. تفسير : وقوله {إن ربي لطيف لما يشاء} معنا لطيف التدبير، واللطف ما يدعو إلى فعل الواجب ويصرف عن القبيح. وقال الحسن: كان بين الرؤيا وتأويلها ثمانين سنة. وقال سلمان، وعبد الله بن سداد: كانت أربعين سنة. وقال ابن اسحاق: ثماني عشرة سنة. وقوله {إنه هو العليم الحكيم} معناه إنه تعالى عالم بأحوال الخلق، وما يصلحهم ومايفسدهم "حكيم" في افعاله لا يضع الشيء الا في موضعه. وقال بعضهم: غاب يوسف عن أبيه وله سبع عشرة سنة، وبقي بعد الاجتماع معهم في الملك ثلاثاً وعشرين سنة، ومات، وله مئة وعشرون سنة.

الجنابذي

تفسير : {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} وكان سجودهم ذلك عبادةً لله {وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ} لم يذكر ما فعل اخوته به ونجاته منهم لئلاّ يكون تثريباً عليهم {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} لانّهم كانوا اصحاب البدو والمواشى ينتقلون فى المياه والمراعى {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ} وسوس وافسد {بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ} نسب فعل الاخوة الى الشّيطان مراعاة لهم {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ} دقيق علماً وعملاً لما يشاء فيدبّره على ادقّ ما يكون بحيث لا يدرك مسالك تدبيره احد {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ} البالغ فى العلم {ٱلْحَكِيمُ} الكامل فى العمل، ولمّا تمّ له النّعمة باتياء الملك والانجاء من المهالك والجمع بينه وبين ارحامه حين كمال العزّة والسّلطنة توجّه الى الله وتذكّر نعمة فقال {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ}.

فرات الكوفي

تفسير : {هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً100} فرات قال: حدّثني سعيد بن عمر القرشي! قال: حدّثني الحسين بن عمر الجعفري [ب: الجعفي] قال: حدّثني أبي قال: كنت أدمن الحج فأمرّ على علي بن الحسين [عليهما السلام. ر، ب] فأسلم عليه ففي بعض حججي غدا علينا علي بن الحسين [عليهما السلام. ر، ب] [و. ب] وجهه [مشرق. أ] فقال [جائني. أ. ب: رأيت] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ليلتي هذه حتى آخذ بيدي فأدخلني الجنة فزوجني حوراء فواقعتها فعلقت [ب: فعلقته] فصاح بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي بن الحسين سمّ المولود منها زيداً. قال: [فما. ب] قمنا من مجلس علي بن الحسين ذلك اليوم وعلي [بن الحسين. ر، ب] يقص الرؤيا حتى أرسل المختار بن أبي عبيدة بأم زيد أرسل بها إليه المختار بن أبي عبيدة. هدية إلى علي بن الحسين [عليه السلام. ب] شراها ثلاثين [أ: بثلاثين] ألفاً، فلما رأينا إِشغافه بها تفرقنا من المجلس، فلما كان من قابل حججت ومررت على علي بن الحسين [عليه السلام. أ] لأسلم عليه فأخرج بزيد على كتفه الأيسر وله ثلاثة أشهر وهو يتلو هذه الآية ويومئ بيده إِلى زيد وهو يقول: {هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً}.

الهواري

تفسير : قوله: { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ} والعرش هو السرير { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً} قال الحسن: خرّوا له بأمر الله، أمرهم بالسجود له لتأويل الرُّؤيا. قال بعضهم: كان السجود تحية من كان قبلكم، وأعطى الله هذه الأمة السلام، وهي تحيّة أهل الجنة. وقال بعضهم: كان سجودهم لله تلقاء يوسف. {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَايَ مِنْ قَبْلُ} أي: تحقيق رؤياي من قبل {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً}. قوله: { وَقَدْ أَحْسَنَ بِيَ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ البَدْوِ}. وكانوا بأرض كنعان، أهل مواشِ وبرّيّه { مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ} أي: لطف بيوسف حتى أخرجه من الجب ومن السجن، وجمع له شمله وأقرّ عينه. { إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ}. قوله: { رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: خالق السَّماواتِ والأرض { أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ} أي: لا أتولى في الدنيا والآخرة غيرك. {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} أي: بأهل الجنة. وقال بعضهم: لما جمع الله شمله، وأقر عينيه ذكر الآخرة فاشتاق إليها فتمنى الموت؛ قال: حديث : فلم يتمنى نبي قط الموت قبل يوسف عليه السلام . تفسير : قوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الغَيْبِ} أي: من أخبار الغيب، يعني ما قص من قصتهم من أول السورة إلى هذا الموضع. { نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} أي: عندهم { إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} أي: بيوسف إذ يلقونه في الجب.

اطفيش

تفسير : {ورَفَع أبويْهِ} بعد اشتمال داره بمصر عليهما {عَلى العَرشِ} السرير الذى كان يجلس عليه إكراما لهما {وخرُّوا} أى أبواه وإخوته الأحد عشر {له سُجَّداً} بوضع الجباه على الأرض أو غيرها تعظيما له، وكان ذلك تحية جائزة بينهم فى ذلك الزمان، لا عبادة لمخلوق. قال ابن عباس رضى الله عنهما: جليس يعقوب عن يمينه، وخالته عن شماله، وإخوته بين يديه، وسجدوا وقالوا فى سجودهم: سبحان من ألف بين يوسف وإخوته، ولا تعظيم فوق من عظمه الله بسجود أبيه له وهو نبى، وأى نبى، وفى سجوده إزاحة لأنفتهم عن السجود له، وذلك هو الظاهر عندى. وقيل: ليس ذلك سجودا كسجود الصلاة، بل انحناه، وضعَّف بأنه خلاف ظاهر خرورهم سجدا، وقيل: سجدوا لله إلى جهة يوسف، تعظيما له، كما يسجد إلى الكعبة. وعن الحسن: الهاء فى له لله، أى وخروا لله سجدا وهو ضعيف، وقيل: الهاء ليوسف كما مر، لكن على معنى انهم خروا لأجل يوسف سجدا لله وشكرا. وأجمعوا أنه ليس السجود عبادة منهم ليوسف، وظاهر الآية أن السجود كان بعد رفع أبويه على العرش، فهما سجدا له على العرش، أو نزلا، وقيل: كان قبله ولكن قدم الرفع اهتماما بذكره. وروى أن يعقوب قال ليوسف بعد ما أفاق: أخبرنى ما فعل بك إخوتك يا حبيبى؟ قال: يا أبت كان ما كان، وقص عليه قليلا من القصة فغشى عليه، ثم أفاق فقال له: يا حبيبى أخبرنى كيف صنعوا بك؟ قال له: يا أبت مضى ما مضى فلا تذكر تلك أيام خلت، وقد وصل الحبيب إلى الحبيب، فلله الحمد على ذلك. {وقالَ يا أبتِ هذا} أى سجودكم {تأويلُ رُؤياىَ مِنْ قبلُ} متعلق برؤياى، أو حال من رؤياى، أو متعلق بمحذوف معرف، أى لرؤياى الواقعة من قبل هذا الزمان فى وقت الصبا، وهى رؤيته أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له. {قَد جَعَلها ربِّى حقا} صدقا، وبين رؤياه وتأويلها قال بعضهم: ثمانى عشرة سنة، وقال سلمان: أربعون سنة، وأبو صالح، عن ابن عباس: اثنتان وعشرون، وابن جبير، وعكرمة، والسدى: ست وثلاثون، وقتادة: خمس وثلاثون، وابن مسعود سبعون، والفضيل بن عياض ثمانون، وكذا قال الحسن، قال: عمره وقت الجب سبع عشرة، وأقام العبودية والسجن والملك ثمانين، ومع أبيه وإخوته وأقاربه ثلاثا وعشرين، ومات لمائة وعشرين، وقيل لمائة وعشر. {وقَدْ أحْسن بى} أى إلىَّ، والمعنى أوصل إلى النعم، أو الباء للإلصاق {إذْ أخْرجنى من السِّجنِ} لم يذكر إخراجه من الجب، مع أن إلقاءه فى الجب أصعب من [دخوله} السجن، لئلا يخجلهم بعد ما قال: {لا تثريب عليكم اليوم} ولأنه فى مقام تعديد النعم، ونعمة الله عليه فى الإخراج من السجن أعظم منها فى الإخراج من الجب، لأنه أخرج من الجب للرق، وأخرج من السجن للملك، ذكر الوجهين الثعالبى، وزاد الخازن وجها لكنه قول هو أن دخوله الجب كان لحسد إخوته، ودخول السجن لنزول التهمة فكان أعظم نعمة. {وجَاء بكُم من البدْوِ} من البادية، وكانوا أصحاب مواش يرعونها ويأوون إلى الحضر، وليسوا بأهل عمود يتبعون الماء والحشيش، فلا دليل فيه على أنه يجوز أن يكون النبى بدويا، وقيل: إن يعقوب وبنيه بدويون، فإن صح فلا دليل فيه، لأن أصلهم فى الحضر فارتحلوا للبدو للغنم فقد تأدبوا بأدب الحضر، وأبقوا وطنهم فى الحضر، أو أنه جائز فى شرعهم التبدى بعد التحضر، وسمى خلاف الحضر بدوا لأنه تبدا أرضه، ويظهر فيها الشخص، ووجه كون المجئ بهم من البدو إحسانا أن فيه إغناء عن مشقة البدو، أو جمعا بينهم وبين يوسف وقيل: البدو اسم مدينة وهو ضعيف، والخطاب لأبويه وإخوته ومن معهم. {مِنْ بعدِ أنْ نزغَ الشيِّطانُ} أفسد وأغرى بالشر، من قولك: نزغ الدابة إذا نسخها لتجرى، أو لتضرب برجلها، أو تعض بفيها {بيْنى وبين إخْوتى} سكن ياءه غير ورش، ونزغ الشيطان وسوسته، وخالق الخير والشر الله. {إنَّ ربِّى لطِيفٌ} أى لطيف تدبيره أو أن تدبيره لطيف رقيق {لما يشاءُ} أى لأجل ما يشاء، حتى يجئ على وفق الحكمة والصواب، لا يتعاصى عنه شئ، فانظر كيف جمع بين يوسف وأبيه وإخوته وأقاربه بإلقائه فى الجب، فإن ذلك أمر خفى لا يتفطن له أحد، أو اللطيف الرفق، وعليه فيجوز إبقاء اللام على أصلها، وجعلها بمعنى الباء {إنَّه هو العليم} بخلقه ومصالحهم وتبديرها {الحَكيمُ} فى صنعه، لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة. قال فى عرائس القرآن: قال الفضل ابن عياض: بلغنا أن يعقوب دخل مصر ورأى يوسف ومملكته، وكان يطوف يوما فى خزانة فرأى خزانة مملوءة قراطيس فقال: يا بنى ما منعك أن تكتب من هذه القراطيس كتابا إلىَّ؟ قال يوسف: يا أبت منعنى جبريل. فسأل يعقوب عليه السلام جبريل عن ذلك قال: منعنى ربى، فسأل الله تعالىعن ذلك فأوحى الله إليه، لأنك قلت:{أية : وأخاف أن يأكله الذئب}تفسير : فاستوجب هذه العقوبة لخوفك من غيرى. وفى رواية أن يوسف أخذ بيد يعقوب، وطاف به خزائن الذهب والفضة، والحلى والثياب والسلاح، وغير ذلك، فأدخله خزائن القراطيس، قال يا بنى ما منعك، أو ما أغفلك عن هذه القراطيس، وما كتبت لى على ثمانى مراحل؟ قال: أمرنى جبريل. قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط إليه منى فاسأله فقال: الله أمرنى بذلك لقولك:{أية : وأخاف أن يأكله الذئب}تفسير : فخفت غيره، ولم تذكرنى وهو أحق أن تخافه. وروى أن يعقوب أقام معه أربعا وعشرين سنة، ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق، فمضى به محمولا فى تابوت من مساج إلى الشام، ووافق موت العيص أخى يعقوب فدفنهما فى قبر واحد، وقد ولدا من بطن واحد، وعمرها مائة وسبعة وأربعون سنة. والذى سبق فى حفظى أنه قال ابن عباس رضى الله عنهما: سأل يوسف أباه ان يكون معه فى قصره على عرشه إلى أن يموت، قال: يا يوسف ليس هذا من شأن أبيك، ولكن اتخذ لى مسكنا من خارج القصر حتى أدخل فيه، وأعبد الله حق عبادته، وأوحده حق توحيده، وأشكره حق شكره، على ما ألف بيننا. فقال يوسف: إذا جاء الليل فتعال بت معى حتى أشم رائحتك، فقال: نعم وكرامة، فأمر أن تبنى له خلوة، فدخلها يعقوب، يصوم النهار ويقوم الليل، ويجاهد فى الله حق جهاده، وأمر أيضا أن يبنى لكل واحد من إخوته قصرا إلا بنيامين فأسكنه معه فى قصره، وكانت زليخا تتعلم العلم من يعقوب، حتى صارت فقيهة أفضل من بمصر من رجال ونساء، ولا مر يوم إلا زادهم الله حبا وشوقا إليه، وترهبت زينة وزليخا، فكلما دخل عليها يوسف وجدها مشتغلة بذكر الله، وبقى يعقوب عليه السلام أربعين سنة يعلم أولاده وأولادهم العلم. وقيل: وكان لكل واحد من أولاده اثناء عشر ولدا ذكورا أنبياء صالحين بوقت طيب، وأتم سرور، ثم أنزل الله جل جلاله جبريل على يعقوب يقول له: يرتحل إلى الأرض المقدسة عند قبور آبائه حتى يلحقه ملك الموت بها، فقال ليوسف: يا بنى بشرنى جبريل بالارتحال إلى مجاورة ربى عز وجل. قال: يا أبت متى وعدك بقبض روحك؟ قال: الآن، فصاح فغشى عليه، ورش عليه الماء فأفاق، فقال: يا أسفى على الفراق ما أمره،، فودع يوسف وبنيه، وخرج حتى وصل قبور آبائى، فبكى عليها حتى لحقه النوم، فرأى فى نومه إبراهيم الخليل على كرسى من جوهرة حمراء، تضئ كالشمس، وبيمينه إسماعيل، وبيساره إسحاق ويقولون: الحق بنا يا يعقوب، فإنا منتظروك. فانبته فرحا مسرورا، وقام من موضعه وقال لناقته: ارجعى إلى يوسف وقولى له: إن أباك قد رحل إلى ربه فرأى قبرا مفتوحا مطيبا مزينا تفوح منه رائحة المسك الأذفر، فنزل ملك الموت فى صورة آدمى فقال له يعقوب عليه السلام: يا عبد الله أتعلم لمن هذا القبر؟ قال له: نعم، وهو لعبد كريم على ربه. قال: أتعرف ذلك العبد؟ قال:نعم، هو من أراد عمرانه، فقال يعقوب عليه السلام: اللهم إننى أسألك أن تجعل هذا القبر لى، فنودى إنى جعلته لك يا ابن إسحاق، فتحول ملك الموت إلى صفته فنظر إليه يعقوب عليه السلام وقال: من أنت أيها الشخص، فوالله لقد تضعضعت منك أركانى، وتقطعت منك أوصالى، وتقلقلت منك أسنانى؟ قال: أنا ملك الموت. فقال: مرحبا بأمر الله تعالى وقضائه، اللهم بارك لى فى لقياك، وهون على سكرة الموت. قال وهب بن منبه: لما وصلت الروح صدره قال: اللهم إنى أسألك يا رب أن تهون سكرات الموت على يوسف، ثم قال: اللهم أن تهون علىَّ سكرات الموت، ثم قال لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ثم خرجت روحه. قال كعب الأحبار رضى الله عنه: مات يعقوب عليه السلام وهو ابن مائتى سنة، ونزل جبريل ومكائيل فى زمرة من الملائكة يزيدون على عشرة آلاف ملك، فغسله جبريل ومكائيل وكفناه، وصلوا عليه ودفنوه، وأوحى الله جل جلاله إلى جبريل عليه السلام أن انزل على عبدى يوسف، وقل له: آجرك الله فى أبيك يعقوب، فوصل قبل الناقة ففعل، وقد وكل الله سبحانه وتعالى بها ملكا فيحفظها، ووصلت وسلمت عليه بالعبرانية: السلام عليك يا يوسف، إن أباك يقرؤك السلام وهو مودعك إلى يوم القيامة. واجتمع يوسف مع بنيه وإخوته، فبكوا بكاء شديدا ثلاثة أيام بلياليهن وبكت الناقة لبكائهم حتى حضرتها الوفاة، قيل: عاش بعد أبيه ثلاثا وعشرين، وقيل ستين سنة، ولما تمت عليه النعم بالجمع بينه وبين أبيه وإخوته، ومات أبوه، وعلم أن ملك الدنيا لا يدوم، وأن الأمر إذا تم زل، تمنى الموت شوقا إلى ربه وآبائه والملك الدائم فقال: {ربِّ} أى يا رب {قَدْ آتَيتَنى مِنَ الملكِ} أى شيئا من ملك الدنيا، وإلا فملك مصر كان قبل ذلك كله بيده، وريان كتابع له، وقيل: بعضا من ملك مصر، على أن ريان لم يخرج منه بالكلية فى أربع عشرة السنين، أو أراد بعض ملك مصر فى ما بعد الأربع عشرة، لأنه بعدها رد الملك لريان، لكن لا يرد أمر أراده، وعلى كل حال من للتبعيض، وكذا فى قوله: {من تأويل} لأنه لم يؤت إلا بعض التأويل أيضا، والملك عبارة عن الاتساع فى المقدور لمن له السياسة والتدبير. {وعلَّمِتنى مِنْ تأويلِ الأحادِيثِ} الكتب، أو الرأى على ما مر {فاطرَ} صفة للمنادى فى قوله: {رب قد آتيتنى} أومنادى أيضا حذف حرف النداء أيضا أى يا فاطر {السَّماواتِ والأرضِ} أى موجدهما وخالقهما، قيل أصل الفطر الشق، فطر ناب البعير شق وأظهر. {أنتَ وَليِّى فى الدُّنيا والآخرةِ} أى متولى أمرى فيهما، ومعينى وناصرى، فأنت تصل إلىَّ منك الدنيا بملك الآخرة الدائم {توفَّنى} أمتنى الآن، فعل دعاء على صورة الأمر مبنى على حذف الألف {مُسلماً} كما أنا ولا تختم على بكفر {وألحقْنى بالصَّالحينَ} من آبائى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، أو أراد الصالحين مطلقا، ولم يأت عليه أسبوع حتى توفاه الله سبحانه وتعالى، وقيل: أتم الأسبوع. وقيل: أوحى الله جل جلاله إليه لا تموت حتى ترى ستمائة ألف من ولدك ولد ولدك، فدعا أهل مصر للإيمان فأبوا، فخرج هو وإخوته ومن اتصل بهم أربعين ألف رجل وامرأة غير الخدم والذرارى والنساء، ونزلوا عشرة فراسخ من مصر، فأوحى الله سبحانه وتعالى لجبريل: انزل على عبدى يوسف وأمره أن يبنى حيث نزل مدينة يسميها الحرمين، وهى الفيوم تسكنها والمؤمنون ففعل، قيل له: أين الماء؟ وقد بعد بفراسخ، فدعا ربه جل جلاله، فخرق جبريل نهرا فى الأرض من النيل إليها، فبنوا عليها سورا عظيما وبوبوها، وكتبوا على أبوابها هذه مدينة الحرمين بناها يوسف بن يعقوب عليهما السلام، ونصب فيها الدكاكين والأسواق، وتحولت بركة مصر إليها، وكان خراجها كل يوم ألف دينار، فلذلك سميت الفيوم وذكر السيوطى أنها سميت لبنائها فى ألف يوم، فماتت زليخا فصلى عليها وبنوها، وبنو أبنائها. قال كعب: لم يتزوج عليها امرأة، وجميع أولاده منها، وكانوا اثنى عشر ذكرا، وقيل: ثلاثة: أفرأيتم، وميشى جد ليوشع بن نون، ورحمة امرأة أيوب، ومات بعد زليخا بأربعين يوما، طلب الموت مسلما كما طلبه أولا، فأجاب الله حينئذ دعاءه. قال قتادة: لم يسأل نبى من الأنبياء الموت إلا يوسف، وكذا قال ابن عباس، وقيل: لم يتمنه نبى قبل يوسف، وإنما جاز له تمنى الموت وسؤاله، لأنه تمناه وسأله مخافة فساد دينه، كما قال صلى الله عليه وسلم فى دعاءه:"حديث : وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضنى إليك غير مفتون"تفسير : أى فتنة فى الدين وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا يتمنينَّ أحدكم الموت لضر ينزل به"تفسير : فقد يكون فى ضر الدنيا كالفقر والمرض خير. بات ميمون بن مهران عند عمر بن عبد العزيز، فرآه كثير البكاء وسؤال الموت، فقال له: صنع الله على يديك خيرا كثيرا، أحييت سننا، وأمت بدعا، وفى حياتك خير وراحة للمسلمين. قال: أفلا أكون كالعبد الصالح، لما أقر الله عينه، وجمع له أمره، قال: {توفنى مسلما وألحقنى} يجوز عندى أن لا يكون ذلك من يوسف تمنيا للموت، وسؤالا له، بل لما علم أنه لا بد من الموت دعا الله أن يكون حال موته مسلما وهو إن شاء الله وجه قوى. ثم رأيت القرطبى فسره فى تذكرته بذلك، وقال: إنه المختار عند أهل التأويل، وكذا اختاره الثعالبى، وكلا الوجهين جائز محتمل. وفى عرائس القرآن: يروى أنه لما حضرته الوفاة، جمع إليه قومه من بنى إسرائيل ثمانين رجلا، وأذن لهم فحضروا أجله ونزول أمر الله فيه، فقالوا: يا نبى الله نريد أن تعرفنا كيف تتصرف الأحوال بنا بعد خروجك من بين أظهرنا، وإلى من نولى أمرنا أمر ديننا وملتنا؟ قال: إن أمركم يستقيم إلى أن يبعث الله عليكم جبارا عاتيا من القبط، يدعى الربوبية، فيذبح أبناءكم، ويستحى نساءكم، ويسومكم سوء العذاب، فيمتد ملكه، ثم يخرج من بنى إسرائيل من ولد لاوى بن يعقوب رجل رسول اسمه موسى بن عمران، طويل أجعد الشعر، آدم اللون، ينجيكم الله من أيدى القبط على يديه، فجعل كل رجل من بنى إسرائيل يسمى ابنه عمران، ويسمى عمران ابنه موسى. وكان ليوسف ديك عمره مائة عام، فقال: إنه يقوم أمركم ما دام هذا الديك يصرخ فيكم، فإذا ولد هذا الجبار سكن مدة أيامه، وإذا ولد موسى عاد لصارخه، وذلك علامة انقضاء ملك الجبار، فكان الأمر كذلك، ولما ولد صرخ فاستبشروا وتصدقوا، ولما حضرت يوسف الوفاة استخلف على بنى إسرائيل أخاه يهودا، فدفن فى صندوق من رخام، وتشاح الناس كل يحب أن يدفن فى محلتهم، لما يرجون من بركاته حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يدفن فى النيل حيث يتفرق الماء، ثم يصل إلى جميع أهل مصر يعنى أعلى النيل فوق أعمال مصر، وكان فيه حتى حمله موسى من مصر ودفنه بكنعان خارج الحسن، فلذلك تنقل اليهود موتاهم إلى الشام، وقد مر قصة حمله. وقال عكرمة: دفنوه فى الجانب الأيمن من النيل، فأخصب وأجدب الجانب الآخر، ودفنوه فى الجانب اليسر، فأخصب وأجدب الآخر، فدفنوه فى وسطه بسلسلة، فأخصب الجانبان سبحان من لا انقضاء لملكه.

اطفيش

تفسير : {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ} أَجلسهما معه تعظيماً {عَلَى الْعَرْشِ} السرير، وعدى رفع بعلى لتضمنه معنى الإِجلاس، أَو الحمل والرفع النقل إِلى علو {وَخَرُّوا} عجلوا كالحجر الساقط وهم أَبواه على ما مر وإِخوته لا إِخوته فقط كما قيل {لَهُ} ليوسف {سُجَّداً} بوجوههم على الأَرض كسجود الصلاة مريدين تعظيمه لا عبادته، كان جائِزاً ثم فسخ، أَو المراد بالسجود الانحناءُ بلا وصول للأَرض، وذلكَ كالتحية بالقيام وتقبيل اليد، ونهى فى شرعنا عن القيام إِعظاماً لأَحد، أَما ليقعد فى موضع القائِم فيجوزالقيام للإِمام العدل والوالدين، أَو سجدا بوجوههم فى الأَرض سجود عبادة لله، واللام بمعنى إِلى، أَى سجدوا إِلى جهته شكراً كالصلاة للكعبة تعظيماً له، أَو الضمير لله أَى سجدوا لله، ويدل لهذا أَنه لو كان ليوسف لكان قبل الرفع، لكن أُخر لفظاً للاهتمام بالرفع، ويعارضه" أية : رأَيتهم لى ساجدين"تفسير : [يوسف: 4] فيجاب بأَن اللام بمعنى إِلى أَى ساجدين لله إِلى جهتى، أَو للتعليل، أَى ساجدين لأَجلى لله - جل وعلا - ومعنى لأَجلى لاجتماعهم بى، وفى ذلك تفكيك الضمائر برد ضميرى رفع وأَبويه ليوسف وهاء له الله - عز وجل - وفيه رد الضمير إِلى أَقرب مذكور وهو يوسف فى ضمير رفع وضمير أَبويه، وإِنما سجد أَبوه له، لا هو لأَبيه مع عظيم حق الوالد، وكذا اللام، وقدم بنوته وكبر سنه لبلوغه فى الرغبة فى ولده حتى عمى، وكونه هو الطالب له ويوسف فى غفلة عن تلك الرغبة فيكون كالزجر ليعقوب عليه السلام، وقيل سجدا ليتبعهما أَولاده، وأَما أَن يقال لتصدق الرؤْيا فلا يتم جواباً لأَنه يبقى أَن يقال لما جعل الرؤْيا كذلك سجود أَب لولد فلا تهم، وأَيضاً لا تجب مقابلة الرؤيا من كل وجه، وقيل: الواو للإخوة ومن معهم لا للأَبوين معهم، وفيه منافاة لقوله: "أية : أَحد عشر كوكباً والشمس والقمر" تفسير : [يوسف: 4] مع قوله: هذا تأْويل رؤْياى {وَقَال يَا أَبَتِ هَذَا} أَى هذا السجود {تَأْوِيلُ رُؤْيَاىَ} إِرجاعها إِلى ما هى عبارة عنه وتطبيقها معه {مِنْ قَبْلُ} أَى فعل سجودكم هذا أَو حال صغر السن إِنى رأَيت أَحد عشر كوكباً إِلخ، متعلق برؤْياى، أَو بمحذوف حال من رؤْياى، وذكر الدمامينى قولا بجواز تعليق الظرف بمعرفة محذوفة نعت لمعرفة أَى رؤْياى الكائنة من قبل {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقّاً} صادقة، ولو لم تصدق لكانت باطلا ضد الحق، وذكر حقاً لأَنه مصدر وهو بمعنى اسم الفاعل، أَو يقدر مضاف ذات حق، أًو وصف لمذكر أَى أَمراً حقاً، واختير حقاً لأَنها مقال والمقال يصدق ويكذب {وَقَدْ أَحْسنَ بِى} أَى إِلى "أية : وأَحسن كما أَحسن الله إليك"تفسير : [القصص: 77] أَو ضمن معنى لطف "أية : وبالوالدين إحسانا" تفسير : [الإِسراء: 23] أَى الطف بهما، وذكر بعض أَن الإِحسان يتعدى بالباءِ بلا تأْويل وهى للإلصاق"أية : الله لطيف بعباده"تفسير : [الشورى: 19] أَو بمعنى وقد أَحسن فى، أَى جعل الخير فى، وقدر بعض أَحسن صنعه بى {إِذْ أَخْرَجَنِى مِن السِّجْنِ} لم يقل إِذ أَخرجنى من الجب لأَن الأَصعب الإِلقاءُ فى البئْر، ومقابله الإِدخال فى السجن، وليس الكلام فى الإِلقاءِ والإِدخال بل فى اللبث، ولا شك أَن اللبث فى السجن أَشد من اللبث فى البئر لطول مدته ومعاشرة السفهاءِ فيه والمشركين، بخلاف مدة اللبث فى البئْر فإٍنها قصيرة ومعاشرة فيها جبريل وغيره من الملائِكة، وأَيضاً الإِخراج من السجن سبب للملك المتوصل هو به إلى الدعاءِ إِلى الدين، وإِنقاذ النفوس من الهلاك بالجوع، وأَيضاً هو إِزالة للتهمة فى شأْن امرأَة العزيز وآل به إِلى إِظهار حريته، ولو قال: أَخرجنى من الجب لخجلوا بذكر الجب مع أَنه قد قال: " أية : لا تثريب عليكم اليوم"تفسير : [يوسف: 92] إِلخ {وَجَاءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ} البادية وهم قرويون لكن كانوا فى مواشيهم فى البادية وجاءَ بهم منها، وقيل: كان يعقوب من أَهل البدو فإِن صح فإِنما تحول إِليها من القرية بعد التبليغ إِذ لم يبعث نبى من البدو، وله مسجد تحت جبل باديته {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ} أَفسد {الشَّيْطَانُ بَيْنِي وبَيْنَ إِخْوَتِى} لم يزل يستر عليهم إِذ عبر بعبارة لا تفصح أَنهم الظالمون بل بعبارة تقبل أَن يكون ظالما أَو هم ظالمين {إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِما يَشَاءُ} مدبر لما يشاءُ من أَحوال خلقه من حيث لا يعلمون، ولا يعجز الله شىءٌ، وهو خالق الأَرباب ومسهل الصعاب {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ} بخلقه وأَحوالهم ومصالحهم {الْحَكِيمُ} الفاعل للشىءِ فى وقته ومكانه وكمه وكيفه، ومن حكمته تفريقة بين يوسف ويعقوب أَربعين عاما أَو سبعين أَو ثمانين أَو ثمانية عشر أَو اثنين وعشرين أَو ستا وثلاثين أَو خمساً وثلاثين، وأَقام معه قبل الفرقة سبعة عشر وأَقام عنده أَبوه بعد الاجتماع أَربعة وعشرين أو سبعة عشر، ويقال عمره حين أَلقى فى الجب سبع عشرة سنة، وأَقام فى العبودية والسجن والملك ثمانين سنة، وأَقام مع أَبيه وإِخوته وأَقاربه بعد الاجتماع ثلاثا وعشرين، وتوفى وهو ابن مائَة وعشرين، ويروى أَنه طاف بيعقوب على خزائِنه فرأَى خزانة القراطيس، فقال: ما أَعقد عندك هذه القراطيس، ولم تكتب إلى على ثمان مراحل، قال: منعنى جبريل، فقال: هلا سأَلته لمه؟ فقال: أَنت أَبسط إِليه منى، فسأَله يعقوب فقال: لقولك إِنى أَخاف أَن يأكله الذئب، ذكرت الذئْب دون الله، ولما احتضر يعقوب أَوصى يوسف أَن يدفنه عند أَبيه إِسحاق فى الأَرض المقدسة، فمضى به فى تابوت من ساج فوافق وصوله موت عيص أَخى يعقوب فدفنا فى قبر واحد كما ولدا فى وقت واحد من بطن واحد وعمرهما مائة وسبعة وأَربعون، ورجع إِلى مصر وعاش بعد ثلاثا وعشرين، وقد تم له الأَمر المر والحلو واستشعر أَنه لا بد من الموت فسأَل الله الرحمن الموت على الإِسلام واللحوق بأَهل النعيم الدائِم كما قال تعالى: {رَبِّ} يا رب {قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمَلْكِ} بعض الملك، وهو مُلك مصر، أَو قد آتينى من الملك ملكاً عظيماً، والمقصود بالذات توفنى مسلماً وأَلحقنى بالصالحين، ولكن قدم الثناءَ على الله والشكر على النعم السابقة توسلا بها إِلى اللاحقة {وَعلَّمْتَنِى مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} تفسير المرائِى أَو الكتب {فَاطِرَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ} صفة لرب أَو نداءَ آخر يا فاطر السماوات والأَرض {أَنْتَ وَلِيَّى} متولى أُمورى وناصرى {فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} تعاملنى فيهما بالنعم وإِزالة النقم {تَوَفَّنِى} أَمِتْنِى {مُسْلِماً} إِذا جاءَ أَجلى، فهذا طلب لأَن يكون موته على الإِسلام لا طلب للموت، قال الحسن: عاش بعد هذا الدعاءِ سنين كثيرة، أَو توفنى الآن، روى أَنه لم يتم الأَسبوع، قال قتادة: لم يسأَل نبى الموت إلا يوسف، وفى رواية عنه: لم يتمن نبى قبله الموت، وكثير من المفسرين على هذا القول من طلب الموت فى الحين لكن تمنيه الموت بعد تخيير الله له لقول عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لم يقبض نبى حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير"تفسير : ، قاله ابن مالك فى شرح المشارق عند قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خير عبده بين الدنيا وبين ما عنده"تفسير : ، والحديث فى البخارى ومسلم، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يتمنين أَحدكم الموت لضر نزل به"تفسير : قيل هو نهى تنزيه، وفى الحديث لكن يقول: "حديث : اللهم أَحينى ما كانت الحياة خيرا لى"تفسير : ، وطلب الوفاة على الإِسلام مع علمه أَن كل نبى لا يموت إِلا كذلك ذهولا أَو إِظهارا للعبودية ورغبة وتعليماً للغير وانفساحاً للقلب وانشراحا واطمئنانا {وَأَلْحَقْنِى بالصَّالِحِينَ} إِبراهيم وإسحق ويعقوب وإسماعيل فى درجاتهم لا فى درجة الصلاح فإنه فوقها، وهى أولى درجات المؤمن فتوفاه الله مسلماً وألحقه بهم، وتخاصم أهل مصر فى مدفنه حتى همو بالقتال، فاتفقوا أَن يدفن فى أعلى النيل من جهة الصعيد حتى تجرى عليهم بركته كلهم، وجعلوه فى صندوق من رخام لا من حجر الزند، وحمله موسى إلى الشام حين خرج من مصر وعمره مائَة وعشرون سنة، وولد له من راعيل إفرايم وميشا جد يوشع ورحمة امرأة أيوب، ويروى أنه جعل فى تابوت من رخام ودفن فى أَيمن النيل فأَخصب وأجدب الأيسر، ثم دفن فى الأيسر وهو الشرقية فأَخصب وأَجدب الأيمن فدفنوه فى وسطه بالسلسلة فأخصب الجانبان، ولما أمر الله تعالى موسى عليه السلام بالخروج من مصر إلى الأرض المقدسة أظلمت الدنيا فأوحى الله إليه أن احمل معك يوسف، ولم يكن علم بقبره عند أحد إلا عند عجوز، فشرطت أن تكون لموسى زوجا فى الجنة، فتوقف موسى فأوحى الله - عز وجل - إليه أَن قل نعم، فأخبرته أنه فى موضع كذا من النيل فى وسطه، وروى أنها بنت من ذرية يعقوب وأنها شرطت عليه أيضاً أَن تثبت كما شبت فدعا فكانت كلما بلغت خمسين صارت بنت ثلاثين، وعاشت ألفا وستمائة، فحمله موسى فى تابوته ودفنه فى الأرض المقدسة.

الالوسي

تفسير : {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ} عند نزولهم بمصر {عَلَى ٱلْعَرْشِ} على السرير كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما تكرمة لهما فوق ما فعله بالإخوة {وَخَرُّواْ لَهُ} أي أبواه وإخوته، وقيل: الضمير للإخوة فقط وليس بذاك فإن الرؤيا تقتضي أن يكون الأبوان والإخوة خروا له {سُجَّدًا} أي على الجباه كما هو الظاهر، وهو كما قال أبو البقاء حال مقدرة لأن السجود يكون بعد الخرور وكان ذلك جائزاً عندهم وهو جار مجرى التحية والتكرمة كالقيام والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها من عادات الناس الفاشية في التعظيم والتوقير، قال قتادة: كان السجود تحية الملوك عندهم وأعطى الله تعالى هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة كرامة منه تعالى عجلها لهم، وقيل: ما كان ذلك إلا إيماء بالرأس، وقيل: كان كالركوع البالغ دون وضع الجبهة على الأرض، وقيل: المراد به التواضع ويراد بالخرور المرور كما في قوله تعالى: {أية : وَالَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً } تفسير : [الفرقان: 73] فقد قيل: المراد لم يمروا عليها كذلك، وأنت تعلم أن اللفظ ظاهر في السقوط، وقيل: ونسب لابن عباس أن المعنى خروا لأجل يوسف سجداً لله شكراً على ما أوزعهم من النعمة، وتعقب بأنه يرده قوله تعالى: {وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ} إذ فيها {أية : رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } تفسير : [يوسف: 4]، ودفع بأن القائل به يجعل اللام للتعليل فيهما، وقيل: اللام فيهما بمعنى إلى كما في صلى للكعبة؛ قال حسان:شعر : ما كنت أعرف أن الدهر منصرف عن هاشم ثم منها عن أبـي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم وأعرف الناس بالأشياء والسنن تفسير : وذكر الإمام أن القول بأن السجود كان لله تعالى لا ليوسف عليه السلام حسن، والدليل عليه أن قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا} مشعر بأنهم صعدوا ثم سجدوا ولو كان السجود ليوسف عليه السلام كان قبل الصعود والجلوس لأنه أدخل في التواضع بخلاف سجود الشكر لله تعالى، ومخالفة ظاهر الترتيب ظاهر المخالفة للظاهر، ودفع ما يرد عليه مما علمت بما علمت، ثم قال: وهو متعين عندي لأنه يبعد من عقل يوسف عليه السلام ودينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة والعلم والدين وكمال النبوة، وأجيب بأن تأخير الخرور عن الرفع ليس بنص في المقصود لأن الترتيب الذكري لا يجب كونه على وفق الترتيب الوقوعي فلعل تأخيره عنه ليتصل به ذكر كونه تعبيراً لرؤياه وما يتصل به، وبأنه يحتمل أن يكون الله تعالى قد أمر يعقوب بذلك لحكمة لا يعلمها إلا هو وكان يوسف عليه السلام عالماً بالأمر فلم يسعه إلا السكوت والتسليم، وكأن في قوله: {يا أبت} الخ إشارة إلى ذلك كأنه يقول: يا أبت لا يليق بمثلك على جلالتك في العلم والدين والنبوة أن تسجد لولدك إلا أن هذا أمر أمرت به وتكليف كلفت به فإن رؤيا الأنبياء حق كما أن رؤيا إبراهيم ذبح ولده صار سبباً لوجوب الذبح في اليقظة، ولذا جاء عن/ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه السلام لما رأى سجود أبويه وإخوته له هاله ذلك واقشعر جلده منه، ولا يبعد أن يكون ذلك من تمام تشديد الله تعالى على يعقوب عليه السلام كأنه قيل له: أنت كنت دائم الرغبة في وصاله والحزن على فراقه فإذا وجدته فاسجد له. ويحتمل أيضاً أنه عليه السلام إنما فعله مع عظم قدره لتتبعه الإخوة فيه لأن الأنفة ربما حملتهم على الأنفة منه فيجر إلى ثوران الأحقاد القديمة وعدم عفو يوسف عليه السلام. ولا يخفى أن الجواب عن الأول لا يفيد لما علمت أن مبناه موافقة الظاهر، والاحتمالات المذكورة في الجواب عن الثاني قد ذكرها أيضاً الإمام وهي كما ترى، وأحسنها احتمال أن الله تعالى قد أمره بذلك لحكمة لا يعلمها إلا هو. ومن الناس من ذهب إلى أن ذلك السجود لم يكن إلا من الإخوة فراراً من نسبته إلى يعقوب عليه السلام لما علمت، وقد رد بما أشرنا إليه أولاً من أن الرؤيا تستدعي العموم، وقد أجاب عن ذلك الإمام بأن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقاً للرؤيا بحسب الصورة والصفة من كل الوجوه فسجود الكواكب والشمس والقمر يعبر بتعظيم الأكابر من الناس له عليه السلام، ولا شك أن ذهاب يعقوب وأولاده من كنعان إلى مصر لأجله في نهاية التعظيم له فكفى هذا القدر في صحة الرؤيا فأما أن يكون التعبير كالأصل حذو القذة بالقذة فلم يوجبه أحد من العقلاء اهـ، والحق أن السجود بأي معنى كان وقع من الأبوين والإخوة جميعاً والقلب يميل إلى أنه كان انحناء كتحية الأعاجم وكثير من الناس اليوم ولا يبعد أن يكون ذلك بالخرور ولا بأس في أن يكون من الأبوين وهما على سرير ملكه ولا يأبى ذلك رؤياه عليه السلام {مِن قَبْلُ} أي من قبل سجودكم هذا أو من قبل هذه الحوادث والظرف متعلق ـ برؤياي ـ وجوز تعلقها بتأويل ـ لأنها أولت بهذا قبل وقوعها، وجوز أبو البقاء كونه متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من {رُؤْيَـٰىَ } وصحة وقوع الغايات حالاً تقدم الكلام فيها {قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا } أي صدقاً، والرؤيا توصف بذلك ولو مجازاً، وأعربه جمع على أنه مفعول ثان لجعل وهي بمعنى صير، وجوز أن يكون حالاً أي وضعها صحيحة وأن يكون صفة مصدر محذوف أي جعلاً حقاً وأن يكون مصدراً من غير لفظ الفعل بل من معناه لأن جعلها في معنى حققها و {حَقّاً } في معنى تحقيق، والجملة على ما قال أبو البقاء حال مقدرة أو مقارنة {وَقَدْ أَحْسَنَ بَى } الأصل كما في «البحر» أن يتعدى الإحسان بإلى أو اللام كقوله تعالى: {أية : وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } تفسير : [القصص: 77] وقد يتعدى بالباء كقوله تعالى: {أية : وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } تفسير : [البقرة: 83] وكقول كثير عزةشعر : اسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت تفسير : وحمله بعضهم على تضمين {أَحْسَنَ} معنى لطف ولا يخفى ما فيه من اللطف إلا أن بعضهم أنكر تعدية ـ لطف ـ بالباء وزعم أنه لا يتعدى إلا باللام فيقال: لطف الله تعالى له أي أوصل إليه مراده بلطف وهذا ما في "القاموس" لكن المعروف في الاستعمال تعديه بالباء وبه صرح في "الأساس" وعليه المعول، وقيل: الباء بمعنى إلى، وقيل: المفعول محذوف أي أحسن صنعه بـي فالباء متعلقة بالمعفول المحذوف، وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله وهو ممنوع عند البصريين، وقوله: {إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ } منصوب ـ بأحسن ـ أو بالمصدر المحذوف عند من يرى جواز ذلك وإذا كانت تعليلية فالإحسان هو الإخراج من السجن بعد أن ابتلى به/ وما عطف عليه وإذا كانت ظرفية فهو غيرهما، ولم يصرح عليه السلام بقصة الجب حذراً من تثريب إخوته وتناسياً لما جرى منهم لأن الظاهر حضورهم لوقوع الكلام عقيب خرورهم سجداً ولأن الإحسان إنما تم بعد خروجه من السجن لوصوله للملك وخلوصه من الرق والتهمة واكتفاء بما يتضمنه قوله: {وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ } أي البادية، وأصله البسيط من الأرض وإنما سمي بذلك لأن ما فيه يبدو للناظر لعدم ما يواريه ثم أطلق على البرية مطلقاً، وكان منزلهم على ما قيل: بأطراف الشام ببادية فلسطين وكانوا أصحاب إبل وغنم، وقال الزمخشري: كانوا أهل عمد وأصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع. وزعم بعضهم أن يعقوب عليه السلام إنما تحول إلى البادية بعد النبوة لأن الله تعالى لم يبعث نبياً من البادية. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان يعقوب عليه السلام قد تحول إلى بدا وسكنها ومنها قدم على يوسف وله بها مسجد تحت جبلها: قال ابن الأنباري: إن بدا اسم موضع معروف يقال: هو بين شعب وبدا وهما موضعان ذكرهما جميل بقوله:شعر : وأنت الذي حببت شعباً إلى بدا إلي وأوطاني بلاد سواهما تفسير : فالبدو على هذا قصد هذا الموضع يقال: بدا القوم بدوا إذا أتوا بدا كما يقال: أغاروا غوراً إذا أتوا الغور، فالمعنى أتى بكم من قصد بدا فهم حينئذ حضريون كذا قاله الواحدي في "البسيط" وذكره القشيري وهو خلاف الظاهر جداً {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } أي أفسد وحرش، وأصله منه نزغ الرابض الدابة إذا نسخها وحملها على الجري وأسند ذلك إلى الشيطان مجازاً لأنه بوسوسته وإلقائه، وفيه تفاد عن تثريبهم أيضاً تعظيماً لأمر الإحسان لأن النعمة بعد البلاء أحسن موقعاً. واستدل الجبائي والكعبـي والقاضي بالآية على بطلان الجبر وفيه نظر. {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء} أي لطيف التدبير له إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته تعالى ويتسهل دونها كذا قاله غير واحد، وحاصله أن اللطيف هنا بمعنى العالم بخفايا الأمور المدبر لها والمسهل لصعابها، ولنفوذ مشيئته سبحانه فإذا أراد شيئاً سهل أسبابه أطلق عليه جل شأنه اللطيف لأن ما يلطف يسهل نفوذه، وإلى هذا يشير كلام الراغب حيث قال: اللطيف ضد الكثيف ويعبر باللطيف عن الحركة الخفيفة وتعاطي الأمور الدقيقة فوصف الله تعالى به لعلمه بدقائق الأمور ورفقه بالعباد، فاللام متعلقة ـ بلطيف ـ لأن المراد مدبر لما يشاء على ما قاله غير واحد، وقال بعضهم إن المعنى لأجل ما يشاء، وهو على الأول متعد باللام وعلى الثاني غير متعد بها وقد تقدم آنفاً ما في ذلك. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ } بوجوه المصالح {ٱلْحَكِيمُ } الذي يفعل كل شيء على وجه الحكمة لا غيره. روي أن يوسف طاف بأبيه عليهما السلام في خزائنه فلما أدخله خزينة القرطاس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليَّ علي ثمان مراحل قال: أمرني جبريل قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط مني إليه فسأله قال: جبريل عليه السلام الله تعالى أمرني بذلك لقولك: {أية : وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذّئْبُ } تفسير : [يوسف: 13] قال: فهلا خفتني/ وهذا عذر واضح ليوسف عليه السلام في عدم إعلام أبيه بسلامته. وقد صرح غير واحد بأنه عليه السلام أوحى إليه بإخفاء الأمر على أبيه إلى أن يبلغ الكتاب أجله، لكن يبقى السؤال بأن يعقوب عليه السلام كان من أكابر الأنبياء نفساً وأباً وجداً وكان مشهوراً في أكناف الأرض ومن كان كذلك ثم وقعت له واقعة هائلة في أعز أولاده عليه لم تبق تلك الواقعة خفية بل لا بد وأن تبلغ في الشهرة إلى حيث يعرفها كل أحد لا سيما وقد انقضت المدة الطويلة فيها وهو في ذلك الحزن الذي تضرب فيه الأمثال ويوسف عليه السلام ليس بمكان بعيد عن مكانه ولا متوطناً زوايا الخفاء ولا خامل الذكر بل كان مرجع العام والخاص وداعياً إلى الله تعالى في السر والعلن وأوقات السرور والمحن فكيف غم أمره ولم يصل إلى أبيه خبره؟. وأجيب عن ذلك بأنه ليس إلا من باب خرق العادة، واختلفوا في مقدار المدة بين الرؤيا وظهور تأويلها فقيل: ثماني عشرة سنة، وأخرج عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" عن الحسن أن المدة ثمانون سنة، وأخرج ابن جرير عن ابن جريج أنها سبع وتسعون سنة، وعن حذيفة أنها سبعون سنة، وأخرج ابن أبـي حاتم عن قتادة أنها خمس وثلاثون سنة، وأخرج جماعة عن سلمان الفارسي أنها أربعون سنة وهو قول الأكثرين، قال ابن شداد: وإلى ذلك ينتهي تأويل الرؤيا والله تعالى أعلم بحقائق الأمور.

الواحدي

تفسير : {ورفع أبويه على العرش} أجلسهما على السَّرير {وخرُّوا له سجداً} سجدوا ليوسف سجدة التَّحيَّة وهو الانحناء. {وقد أحسن بي} إليَّ {إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو} وهو البسيط من الأرض، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواشٍ وبريَّة {من بعد أن نزغ الشيطان} أفسد {بيني وبين إخوتي} بالحسد {إنَّ ربي لطيف لما يشاء} عالم بدقائق الأمور {إنَّه هو العليم} بخلقه {الحكيم} فيهم بما شاء، ثمَّ دعا ربَّه وشكره فقال: {رب قد آتيتني من الملك} ملك مصر {وعلمتني من تأويل الأحاديث} يريد: تفسير الأحلام {فاطر السموات والأرض} خالقهما ابتداءً {توفني مسلماً} اقبضني على الإِسلام {وألحقني بالصالحين} من آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم السَّلام. يريد: ارفعني إلى درجاتهم. {ذلك} الذي قصصنا عليك من أمر يوسف من الأخبار التي كانت غائبة عنك، وهو قوله {من أنباءِ الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم} لدى إخوة يوسف {إذ أجمعوا أمرهم} عزموا على أمرهم {وهم يمكرون} بيوسف. {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجو أن تؤمن به قريش واليهود لمَّا سألوه عن قصَّة يوسف، فشرحها لهم فخالفوا ظنَّه، فقال الله: {وما أكثر الناس ولو حرصت} على إيمانهم {بمؤمنين} لأنَّك لا تهدي مَنْ أحببت، لكنَّ الله يهدي مَنْ يشاء.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 100- وسار الركب داخل مصر حتى بلغ دار يوسف، فدخلوها وصدَّر يوسف أبويه، فأجلسهما على سرير، وغمر يعقوب وأهله شعور بجليل ما هيأ اللَّه لهم على يدى يوسف، إذ جمع به شمل الأسرة بعد الشتات ونقلها إلى مكان عظيم من العزة والتكريم، فحيَّوه تحية مألوفة تعارف الناس عليها فى القديم للرؤساء والحاكمين، وأظهروا الخضوع لحكمه، فأثار ذلك فى نفس يوسف ذكرى حلمه وهو صغير، فقال لأبيه: هذا تفسير ما قصصت عليك من قبل من رؤيا، حين رأيت فى المنام أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين لى، قد حققه ربى، وقد أكرمنى وأحسن إلىَّ، فأظهر براءتى، وخلصنى من السجن، وأتى بكم من البادية لنلتقى من بعد أن أفسد الشيطان بينى وبين إخوتى، وأغراهم بى، وما كان لهذا كله أن يتم بغير صنع اللَّه، فهو رفيق التدبير والتسخير لتنفيذ ما يريد، وهو المحيط علما بكل شئ، البالغ حكمه فى كل تصرف وقضاء. 101- واتجه يوسف إلى اللَّه، يشكره بإحصاء نعمه عليه، ويرجوه المزيد من فضله، قائلا: يا رب ما أكثر نعمك علىَّ، وما أعظمها، لقد منحتنى من الملك ما أحمدك عليه، ووهبتنى من العلم بتفسير الأحلام ما وهبت، يا خالق السموات والأرض وبارئهما، أنت مالك أمرى ومتولى نعمتى فى محياى وبعد مماتى، اقبضنى إليك على ما ارتضيت لأنبيائك من دين الإسلام، وأدخلنى فى زمرة من هديتهم إلى الصلاح من آبائى وعبادك الصالحين المخلصين. 102- ذلك الذى قصصنا عليك - أيها النبى - من أخبار الماضى السحيق، لم يأتك إلا بإيحاء منا، وما كنت حاضرا إخوة يوسف وهم يدبرون له من المكائد وما علمت بكيدهم إلا عن طريقنا. 103- وفى أغلب الطباع مرض يجعلها غير قابلة لتصديق ما أوحى إليك مهما تعلق قلبك بأن يؤمنوا أو أجهدت نفسك أن يكونوا من المهتدين.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَبَتِ} {رُؤْيَايَ} {ٱلشَّيْطَانُ} (100) - وَأَجْلَسَ يُوسُفُ أَبَوَيْهِ عَلَى سَرِيرِهِ (العَرْشِ) وَسَجَدَ لَهُ أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ الأَحَدَ عَشَرَ، وَقَالَ يُوسُفُ لأَِبِيهِ: يَا أَبَتِ إِنَّ هذا السُّجُودَ مِنْكُمْ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلرُّؤْيا التِي كُنْتُ رَأَيْتُهَا مِنْ قَبْلُ، وَقَصَصْتُها عَلَيْكَ. وَلَقَدْ جَعَلَ رَبِّي رُؤْيَايَ هَذِهِ حَقّاً وَوَاقِعاً، وَلَمْ تَكُنْ أَضْغَاثَ أَحْلامٍ، وَقَدْ أَكْرَمَنِي رَبِّي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ بَرَاءَتِي، وَسَمَا بِي إِلى عَرْشِ المُلْكِ، وَإِذْ جَاءَ بِكُمْ مِنَ البَادِيَةِ حَيْثُ كُنْتُمْ تَعِيشْونَ عِيشَةَ الشَّظَفِ وَالخُشُونَةِ، فَاجْتَمَعَ شَمْلُنَا مِنْ جَدِيدٍ، بَعْدَ أَنْ أَفْسَدَ الشَّيْطَانُ الأَمْرَ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي، وَقَطَعَ مَا بَيْنَنَا مِنْ وَشَائِجِ الرَّحِمِ. وَإِنَّ رَبِّي لَطيفٌ لِما يَشَاءُ، فَإِذا قَضَى امْراً وَأَرَادَهُ هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَهُ، وَقَدَّرَهُ وَيَسَّرَهُ، وَهُوَ العَلِيمُ بِمَصَالِحِ العِبَادِ، الحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وَقَضَائِهِ. سُجَّداً - كَانَ السُّجُودُ جَائِزاً فِي شَرِيعَتِهِمْ. البَدْوِ - البَادِيَةِ. نَزَغَ الشَّيْطَانُ - أَفْسَدَ الشَّيْطَانُ وَحَرَّشَ وَأَغْرَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد رفع يوسف أبويه على العرش لأنه لم يحب التميُّز عنهم؛ وهذا سلوك يدل على المحبة والتقدير والإكرام. والعرش هو سرير الملك الذي يدير منه الحاكم أمور الحكم. وهم قد خَرُّوا سُجَّداً لله من أجل جمع شمل العائلة، ولم يخروا سُجَّداً ليوسف، بل خَرُّوا سُجَّداً لمن يُخَرّ سجوداً إليه، وهو الله. وللذين حاولوا نقاش أمر سجود آل يعقوب ليوسف أقول: هل أنتم أكثر غَيْرةً على الله منه سبحانه؟ إنه هو سبحانه الذي قال ذلك، وهو سبحانه الذي أمر الملائكة من قَبْل بالسجود لآدم فلماذا تأخذوا هذا القول على أنه سجود لآدم؟ والمؤمن الحق يأخذ مسألة سجود الملائكة لآدم؛ على أنه تنفيذ لأمر الحق سبحانه للهَمِّ بالسجود لآدم، فآدم خلقه الله من طين، ونفخ فيه من روحه؛ وأمر الملائكة أن تسجد لآدم شكراً لله الذي خلق هذا الخَلْق. وكذلك سجود آل يعقوب ليوسف هو شكر لله الذي جمع شملهم، وهو سبحانه الذي قال هذا القول، ولم يُجرِّم سبحانه هذا الفعل منهم، بدليل أنهم قَدَّموا تحية ليوسف هو قادر أن يردَّها بمثلها. ولم يكن سجودهم له بغرض العبادة؛ لأن العبادة هي الأمور التي تُفعل من الأدنى تقرباً للأعلى، ولا يقابلها المعبود بمثلها؛ فإنْ كانت عبادة لغير الله فالله سبحانه يُعاقب عليها؛ وتلك هي الأمور المُحرَّمة. أما العبادة لله فهي اتباع أوامره وتجنُّب نواهيه؛ إذن: فالسجود هنا استجابة لنداء الشكر من الكل أمام الإفراج بعد الهم والحزن وسبحانه يُثيب عليها. أما التحية يُقدِّمها العبد، ويستطيع العبد الآخر أن يردَّ بمثلها أو خَيْرٍ منها، فهذا أمر لا يحرمه الله، ولا دَخْل للعبادة به. لذلك يجب أن نفطن إلى أن هذه المسألة يجب أن تُحرَّر تحريراً منطقيّاً يتفق مع معطيات اللغة ومقتضى الحال، ولو نظرنا إلى وضع يعقوب عليه السلام، وما كان فيه من أحزان وموقف إخوته بين عذاب الضمير على ما فعلوا وما لاقوه من متاعب لأيقنا أن السجود المراد به شكر من بيده مقاليد الأمور بدلاً من خلق فجوات بلا مبرر وَهُمْ حين سجدوا ليوسف؛ هل فعلوا ذلك بدون علم الله؟ طبعاً لا. ومن بعد ذلك نجد قول يوسف لأبيه: {وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ..} [يوسف: 100]. وقد كانت الرُّؤيا هي أول لَقْطة في قصة يوسف عليه السلام حيث قال الحق ما جاء على لسان يوسف لأبيه: {أية : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} تفسير : [يوسف: 4]. وقوله في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ..} [يوسف: 100]. أي: أمراً واقعاً، وقد رآه والد يوسف وإخوته لحظة أنْ سجدوا ليوسف سجودَ الشكر والتحية لا سجود عبادة، وقد سجد الإخوة الأحد عشر والأب والخالة التي تقوم مقام الأم، ورؤيا الأنبياء كما نعلم لا بُدَّ أن تصير واقعاً. ولقائل أن يقول: وماذا عن رُؤْيا إبراهيم عليه السلام التي أمره فيها الحق سبحانه أن يذبح ابنه؛ فقام إلى تنفيذها؛ واستسلم إسماعيل لأمر الرُّؤْيا. نقول: إن الأنبياء وحدهم هم الملتزمون شرعاً بتنفيذ رؤاهم؛ لأن الشيطان لا يُخايلهم؛ فهم معصومون من مخايلة الشيطان. أما إنْ جاء إنسان وقال: لقد جاءتني رؤيا تقول لي نَفِّذ كذا. نقول له: أنت غير مُلْزم بتنفيذ ما تراه في منامك من رُؤَى؛ فليس عليك حكم شرعي يلزمك بذلك؛ فضلاً عن أن الشيطان يستطيع أن يُخايلك. أما تنفيذ إبراهيم عليه السلام لما رآه في المنام بأن عليه أن يذبح ابنه، وقيام إبراهيم بمحاولة تنفيذ ذلك؛ فسببه أنه يعلم بالتزامه الشرعي بتنفيذ الرُّؤيا. وقد جاء لنا الحق سبحانه بهذا الذي حدث ليبين لنا عِظَم الابتلاءات التي مرَّتْ على إبراهيم، وكيف حاول أن يتم كل ما توجهه له السماء من أوامر، وأن ينفذ ذلك بدقّة. وقال الحق سبحانه مُصوِّراً ذلك: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ..} تفسير : [البقرة: 124]. وكانت قمة الابتلاءات هي أن يُنفِّذ بيديه عملية ذبح الابن؛ ولذلك أؤكد دائماً على أن الأنبياء وحدهم هم المُلْزمون بتنفيذ رُؤاهم، أما أي إنسان آخر إنْ جاءته رُؤْيا تخالف المنهج؛ فعليه أن يعتبرها من نزغ الشيطان. ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف: {وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ ..} [يوسف: 100]. ولقائل أنْ يسأل: ولماذا لم يذكر يوسف الأحداثَ الجِسَام التي مرَّتْ به في تَسَلسُلها؛ مثل إلقاء إخوته له في الجُبِّ؟ نقول: لم يُرِدْ يوسف أن يذكر ما يُكدِّر صَفْو اللقاء بين العائلة من بعد طول فراق. ولكنه جاء بما مرّ به من بعد ذلك، من أنه صار عبداً، وكيف دخل السجن؛ لأنه لم يستسلم لِغُواية امرأة العزيز، وكيف مَنَّ الله عليه بإخراجه من السجن، وما أن خرج من السجن حتى ظهرت النعمة، ويكفي أنه صار حاكماً. وقد يقول قائل: إن القصة هنا غير مُنْسجمة مع بعضها، لأن بعضاً من المواقف تُذكر؛ وبعضها لا يُذْكر. نقول: إن القصة مُنْسجمة تماماً، وهناك فارق بين قصص التاريخ كتاريخ؛ وبين قَصص يوضح المواقف الهامة في التاريخ. والمناسبة في هذه الآية هي اجتماع الإخوة والأب والخالة، ولا داعي لذكر ما يُنغِّص هذا اللقاء؛ خصوصاً؛ وأن يوسف قد قال من قبل: {أية : قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} تفسير : [يوسف: 92]. وسبق أن قال لهم بلطف من يلتمس لهم العذر بالجهل: {أية : هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} تفسير : [يوسف: 89]. وهو هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يذكر إحسان الحق سبحانه له فيقول: {هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ..} [يوسف: 100]. ويُثني على الله شاكراً إحسانه فيقول: {وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ ..} [يوسف: 100]. وهو إحسان له في ذاته، ثم يذكر إحسان الله إلى بقية أهله: {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ ..} [يوسف: 100]. وكلمة "أحسن" - كما نعلم - مرة تتعدى بـ إلى، فتقول: "أحسن إليه"، ومرة تتعدى بالباء، فنقول: "أحسن به"، وهو هنا في مجال "أحسن بي". أي: أن الإحسان بسببه قد تعلَّق بكل ما اتصل به؛ فجعله حاكماً، وجاء بأهله من البدو؛ أما الإحسان إليه فيكون محصوراً في ذاته لا يتعداه. وجعل الحق سبحانه الإحسان هنا قسمين: قسم لذاته؛ وقسم للغير، واعتبر مجيء الأهل من البدو إحساناً إليه، لأن البَدْو قوم يعيشون على الفطرة والانعزالات الأسرية، ولا تَوطُّن لهم في مكان، ولا يضمُّهم مجتمع، وليس لهم بيوتٌ مبنية يستقِرُّون فيها، ولكنهم يتبعون أرزاقهم من منابت الكلأ ومساقط المياه، ويحملون رِحَالهم إلى ظهر الجمال متنقلين من مكان لآخر. وتخلو حياتهم من نِعَم الحضارة. ففي الحضارة يحضر إليك كل ما تطلب، ولكن الحياة في البدو تُحتِّم أن يذهب الإنسان إلى حيث يجد الخير؛ ولذلك تستقر الحياة في الحضر عنها في البادية. ويعطينا الشاعر أحمد شوقي - رحمة الله عليه - صورة تبين الفارق بين البدو والحضر، حين صنع مناظرة بين واحدة تتعصب للبدو، وأخرى تتعصب للحضر. فقال: شعر : فأنا مِنَ البِيدِ يا ابن جُرَيج ومن هذه العِيشَة الجَافِيه ومن حَالبِ الشاة في موضعٍ ومن مُوقِد النارِ في نَاحِيه مُغَنِّيكُمو معبدٌ والغَريق وقَيْنتنا الضبع العَاوِيه هُمْ يأكلونَ فُنونَ الطهاةِ ونحن نأكل ما طَهَتِ المَاشِيه تفسير : فابن جريج يشكو السَّأَم من حياة البادية، حيث لا يرى إلا المناظر المُعَادة من حَلْبٍ لشاة، أو إشعال نار، ولا يسمع كأهل الحضر صوت المُغنِّين المشهورين في ذلك الزمن؛ بل يسمع صوت الضِّبَاع العاوية، ولا يأكل مثل أهل الحضر ما قام بِطَهْيهِ الطُّهاة؛ بل يأكل اللبن وهو ما تقدمه لهم الماشية. وتردُّ ليلى المتعصِّبة للبادية: شعر : قد اعتسفتْ هِنْدُ يا ابنَ جرَيج وكانت على مَهْدِها قَاسيه فَمَا البِيِد إلاّ دِيَارُ الكِرَام ومنزِلةُ الذِّمَمِ الوَاقِيه لها قِبْلةُ الشمسِ عند البُزُوغِ وللحضَرِ القِبلةُ الثَّانِيه ونحنُ الرَّياحِين مِلْء الفضاءِ وهُنَّ الرَّياحِينُ في آنِيه ويَقْتُلنا العِشْقُ والحَاضِراتُ يَقُمْنَ مــن العِــشق في غَامِيه تفسير : وقولها "اعتسفت" يعني "ظلمت"، أي: أن هنداً ظلمت البيد يا ابن جريج، ثم جاءت بميزات البدو؛ فأوضحت أن بنات البادية كالرياحين المزروعة في الفضاء الواسع، عكس بنات الحَضَر التي تشبه الواحدة منهن الريحانة المزروعة في أُصص الزرع، أو أي آنية أخرى. ثم تأتي إلى القيم؛ فتفخر أن بنت البادية يقتلها العِشْق، ولا تنال ممَّنْ تعشق شيئاً؛ فتنسلّ وتموت، أما بنت الحضر؛ فصحتها تأتي على الحب. وهنا في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - يشكر يوسف ما مَنَّ به الله عليه، وعلى أهله الذين جاء بهم سبحانه من البادية، ليعيشوا في مصر ذات الحضارة الواسعة؛ وبذلك يكون قد ضخَّم الفرق بين ما كانوا يعيشون فيه من شَظَف العيش إلى حياة اللين والدَّعة. ثم يلمس ما كان من إخوته تجاهه فيقول: {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ ..} [يوسف: 100]. وهذا مَسٌّ لطيف لما حدث، وقد نسبه يوسف للشيطان؛ وصَوَّره على أنه "نَزْغ". أي: أنه لم يكن أمراً مستقراً على درجة واحدة من السوء. أي: أن ما فعله الشيطان هو مجرد وَخْزة تُنبِّه إلى الشيء الضار فيندفع له الإنسان، وهي مأخوذة من المِهْماز الذي يُروِّض به مدرب الخيل أيَّ حصان، فهو ينغزه بالمِهْماز نزغة خفيفة، فيستمع وينفذ ما أمره به، فالنَّغْز تنبيه لمهمة، ويختلف عن الطَّعْن. والحق سبحانه ينبهنا إلى ما يفعله الشيطان؛ فيقول لنا: {أية : وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [الأعراف: 200]. وكُلٌّ منا يعلم أن الشيطان عدوٌّ له عداوة مُسبقة، وحين تستعيذ بالله من الشيطان، فأنت تكتسب حَصَانه من الشيطان. وسبحانه القائل: {أية : إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 201]. أي: أن الإنسان حين يتذكر العداوة بينه وبين الشيطان؛ فعليه أن يشحن نفسه بالمناعة الإيمانية ضد هذا النَّزْغ. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقول يوسف: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} [يوسف: 100]. فسبحانه هو المدبر الذي لا تَخْفى عليه خافية أبداً، وكلمة "لُطْف" ضد كلمة "كثافة" فاللطيف هو الذي له جِرْم دقيق، والشيء كلما لَطُف عَنُفَ؛ لأنه لا توجد عوائق تمنعه. ولا شيء يعوق الله أبداً، وهو العليم بموقع وموضع كل شيء، فهو يجمع بين اللطف والخبرة، فلُطْفه لا يقف أمامه أي شيء، ولا يوجد ما هو مستور عنه، ولا يقوم أمام مراده شيء، وسبحانه خبير بمواضع الأشياء، وعِلْمه سبحانه مُطْلق، وهو حكيم يُجرِي كل حَدَث بمراد دقيق، ولا يضيف إليه أحد أيَّ شيء، فهو صاحب الكمال المطلق. ويذكر الحق سبحانه بعد ذلك مناجاة يوسف لله سبحانه: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} معناهُ عَلَى السَّريرِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ} معناه من البَادِيةِ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 428 : 48 : 50 - سفين في قوله {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} قال، على السرير، {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} قال، تحية كانت بينهم. [الآية 100].

همام الصنعاني

تفسير : 1341- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ}: [الآية: 100]، قال: على السرير، {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً}: [الآية: 100]، قال: كان تحية الناس يوْمئذٍ أن يسجد بعضهم لبعْضٍ.