Verse. 1697 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

رَبِّ قَدْ اٰتَيْتَنِيْ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِيْ مِنْ تَاْوِيْلِ الْاَحَادِيْثِ۝۰ۚ فَاطِرَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۣ اَنْتَ وَلِيّٖ فِي الدُّنْيَا وَالْاٰخِرَۃِ۝۰ۚ تَوَفَّنِيْ مُسْلِمًا وَّاَلْحِقْنِيْ بِالصّٰلِحِيْنَ۝۱۰۱
Rabbi qad ataytanee mina almulki waAAallamtanee min taweeli alahadeethi fatira alssamawati waalardi anta waliyyee fee alddunya waalakhirati tawaffanee musliman waalhiqnee bialssaliheena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث» تعبير الرؤيا «فاطر» خالق «السماوات والأرض أنت وليي» متولي مصالحي «في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين» من آبائي فعاش بعد ذلك أسبوعا أو أكثر ومات وله مائة وعشرون سنة وتشاح المصريون في قبره فجعلوه في صندوق من مرمر ودفنوه في أعلى النيل لتعم البركة جانبيه فسبحان من لا انقضاء لملكه.

101

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أن يوسف عليه السلام أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الذهب والفضة وخزائن الحلي وخزائن الثياب وخزائن السلاح، فلما أدخله مخازن القراطيس قال يا بني ما أغفلك، عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل قال: نهاني جبريل عليه السلام عنه قال سله عن السبب قال: أنت أبسط إليه فسأله فقال جبريل عليه السلام: أمرني الله بذلك لقولك وأخاف أن يأكله الذئب فهلا خفتني وروي أن يعقوب عليه السلام أقام معه أربعاً وعشرين سنة ولما قربت وفاته أوصى إليه أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، فعند ذلك تمنى ملك الآخرة فتمنى الموت. وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده فتوفاه الله طيباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر في دفنه كل أحد يحب أن يدفه في محلتهم حتى هموا بالقتال فرأوا أن الأصلح أن يعملوا له صندوقاً من مرمر ويجعلوه فيه ويدفنوه في النيل بمكان يمر الماء عليه ثم يصل إلى مصر لتصل بركته إلى كل أحد، وولد له افراثيم وميشا، وولد لافراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم دفن يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه. المسألة الثانية: من في قوله: {مّنَ ٱلْمُلْكِ, وَمِنْ تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } للتبعيض، لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا أو بعض ملك مصر وبعض التأويل. قال الأصم: إنما قال من الملك، لأنه كان ذو ملك فوقه. واعلم أن مراتب الموجودات ثلاثة: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله تعالى وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجسام، فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة فلا يكون لها تأثير في شيء أصلاً، وهذان القسمان متباعدان جداً ويتوسطهما قسم ثالث، وهو الذي يؤثر ويتأثر، وهو عالم الأرواح، فخاصية جوهر الأرواح أنها تقبل الأثر والتصرف عن عالم نور جلال الله، ثم إنها إذا أقبلت على عالم الأجسام تصرفت فيه وأثرت فيه، فتعلق الروح بعالم الأجسام بالتصرف والتدبير فيه، وتعلقه بعالم الإلهيات بالعلم والمعرفة. وقوله تعالى: {قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ } إشارة إلى تعلق النفس بعالم الأجسام وقوله: {وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } إشارة إلى تعلقها بحضرة جلال الله، ولما كان لا نهاية لدرجات هذين النوعين في الكمال والنقصان والقوة والضعف والجلاء والخفاء، امتنع أن يحصل منهما للإنسان إلا مقدار متناه، فكان الحاصل في الحقيقة بعضاً من أبعاض الملك، وبعضاً من أبعاض العلم، فلهذا السبب ذكر فيه كلمة «من» لأنها دالة على التبعيض، ثم قال: {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وفيه أبحاث: البحث الأول: في تفسير لفظ الفاطر بحسب اللغة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كنت أدري معنى الفاطر حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها وأنا ابتدأت حفرها. قال أهل اللغة: أصل الفطر في اللغة الشق يقال: فطر ناب البعير إذ بدا وفطرت الشيء فانفطر، أي شققته فانشق، وتفطر الأرض بالنبات والشجر بالورق إذا تصدعت، هذا أصله في اللغة، ثم صار عبارة عن الإيجاد، لأن ذلك الشيء حال عدمه كأنه في ظلمة وخفاء فلما دخل في الوجود صار كأنه انشق عن العدم وخرج ذلك الشيء منه. البحث الثاني: أن لفظ الفاطر قد يظن أنه عبارة عن تكوين الشيء عن العدم المحض بدليل الاشتقاق الذي ذكرناه، إلا أن الحق أنه لا يدل عليه ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه قال: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [فاطر: 1] ثم بين تعالى أنه إنما خلقها من الدخان حيث قال: { أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ } تفسير : [فصلت: 11] فدل على أن لفظ الفاطر لا يفيد أنه أحدث ذلك الشيء من العدم المحض. وثانيها: أنه قال تعالى: { أية : فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا } تفسير : [الروم: 30] مع أنه تعالى إنما خلق الناس من التراب. قال تعالى: { أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } تفسير : [طه: 55] وثالثها: أن الشيء إنما يكون حاصلاً عند حصول مادته وصورته مثل الكوز، فإنه إنما يكون موجوداً إذا صارت المادة المخصوصة موصوفة بالصفة المخصوصة، فعند عدم الصورة ما كان ذلك المجموع موجوداً، وبإيجاد تلك الصورة صار موجداً لذلك الكوز فعلمنا أن كونه موجداً للكون لا يقتضي كونه موجداً لمادة الكوز، فثبت أن لفظ الفاطر لا يفيد كونه تعالى موجداً للأجزاء التي منها تركبت السموات والأرض، وإنما صار إلينا كونه موجداً لها بحسب الدلائل العقلية لا بحسب لفظ القرآن. واعلم أن قوله: {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } يوهم أن تخليق السموات مقدم على تخليق الأرض عند من يقول: الواو تفيد الترتيب، ثم العقل يؤكده أيضاً، وذلك لأن تعين المحيط يوجب تعين المركز وتعينه فإنه لا يوجب تعين المحيط، لأنه يمكن أن يحيط بالمركز الواحد محيطات لا نهاية لها، أما لا يمكن أن يحصل للمحيط الواحد إلا مركز واحد بعينه. وأيضاً اللفظ يفيد أن السماء كثيرة والأرض واحدة، ووجه الحكمة فيه قد ذكرناه في قوله: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 1]. البحث الثالث: قال الزجاج: نصبه من وجهين: أحدهما: على الصفة لقوله: {رَبّ } وهو نداء مضاف في موضع النصب. والثاني: يجوز أن ينصب على نداء ثان. ثم قال: {أَنتَ وَلِىُّ فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ } والمعنى: أنت الذي تتولى إصلاح جميع مهماتي في الدنيا والآخرة فوصل الملك الفاني بالملك الباقي، وهذا يدل على أن الإيمان والطاعة كلمة من الله تعالى إذ لو كان ذلك من العبد لكان المتولي لمصالحه هو هو، وحينئذ يبطل عموم قوله: {رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ }. ثم قال: {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام حكى عن جبريل عليه السلام عن رب العزة أنه قال: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» فلهذا المعنى من أراد الدعاء فلا بد وأن يقدم عليه ذكر الثناء على الله فههنا يوسف عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء قدم عليه الثناء وهو قوله: {رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ثم ذكر عقيبه الدعاء وهو قوله: {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } ونظيره ما فعله الخليل صلوات الله عليه في قوله: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 78] من هنا إلى قوله: { أية : رَبّ هَبْ لِى حُكْماً } تفسير : [الشعراء: 83] ثناء على الله ثم قوله: {رَبّ هَبْ لِى } إلى آخر الكلام دعاء فكذا ههنا. المسألة الثانية: اختلفوا في أن قوله: {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا } هل هو طلب منه للوفاة أو لا؟ فقال قتادة: سأل ربه اللحوق به ولم يتمن نبي قط الموت قبله، وكثير من المفسرين على هذا القول، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: في رواية عطاء يريد إذا توفيتني فتوفني على دين الإسلام، فهذا طلب لأن يجعل الله وفاته على الإسلام وليس فيه ما يدل على أنه طلب الوفاة. واعلم أن اللفظ صالح للأمرين ولا يبعد في الرجل العاقل إذا كمل عقله أن يتمنى الموت ويعظم رغبته فيه لوجوه كثيرة منها: أن كمال النفس الإنسانية على ما بيناه في أن يكون عالماً بالإلهيات، وفي أن يكون ملكاً ومالكاً متصرفاً في الجسمانيات، وذكرنا أن مراتب التفاوت في هذين النوعين غير متناهية والكمال المطلق فيهما ليس إلا لله وكل ما دون ذلك فهو ناقص والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وذاق لذة الكمال المطلق بقي في القلق وألم الطلب، وإذا كان الكمال المطلق ليس إلا الله، وما كان حصوله للإنسان ممتنعاً لزم أن يبقى الإنسان أبداً في قلق الطلب وألم التعب فإذا عرف الإنسان هذه الحالة عرف أنه لا سبيل له إلى دفع هذا التعب عن النفس إلا بالموت، فحينئذ يتمنى الموت. والسبب الثاني: لتمنى الموت أن الخطباء والبلغاء وإن أطنبوا في مذمة الدنيا إلا أن حاصل كلامهم يرجع إلى أمور ثلاثة: أحدها: أن هذه السعادات سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها. وثانيها: أنها غير خالصة بل هي ممزوجة بالمنغصات والمكدرات. وثالثها: أن الأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كان حصة الأراذل أعظم بكثير من حصة الأفاضل، فهذه الجهات الثلاثة منفرة عن هذه اللذات، ولما عرف العاقل أنه لا سبيل إلى تحصيل هذه اللذات إلا مع هذه الجهات الثلاثة المنفرة لا جرم يتمنى الموت ليتخلص عن هذه الآفات. والسبب الثالث: وهو الأقوى عند المحققين رحمهم الله أجمعين أن هذه اللذات الجسمانية لا حقيقة لها، وإنما حاصلها دفع الآلام، فلذة الأكل عبارة عن دفع ألم الجوع، ولذة الوقاع عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب الدغدغة المتولدة من حصول المني في أوعية المني. ولذة الإمارة والرياسة عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب شهوة الانتقام وطلب الرياسة وإذا كان حاصل هذه اللذات ليس إلا دفع الألم لا جرم صارت عند العقلاء حقيرة خسيسة نازلة ناقصة وحينئذ يتمنى الإنسان الموت ليتخلص عن الاحتياج إلى هذه الأحوال الخسيسة. والسبب الرابع: أن مداخل اللذات الدنيوية قليلة وهي ثلاثة أنواع: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل واحدة منها عيوب كثيرة. أما لذة الأكل ففيها عيوب: أحدها: أن هذه اللذات ليست قوية فإن الشعور بألم القولنج الشديد والعياذ بالله منه أشد من الشعور باللذة الحاصلة عند أكل الطعام. وثانيها: أن هذه اللذة لا يمكن بقاؤها فإن الإنسان إذا أكل شبع وإذا شبع لم يبق شوقه للالتذاذ بالأكل فهذه اللذة ضعيفة، ومع ضعفها غير باقية. وثالثها: أنها في نفسها خسيسة فإن الأكل عبارة عن ترطيب ذلك الطعام بالبزاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر مستقذر ثم لما يصل إلى المعدة تظهر فيه الاستحالة إلى الفساد والنتن والعفونة، وذلك أيضاً منفر. ورابعها: أن جميع الحيوانات الخسيسة مشاركة فيها فإن الروث في مذاق الجعل كاللوزنيج في مذاق الإنسان وكما أن الإنسان يكره تناول غذاء الجعل، فكذلك الجعل يكره تناول غذاء الإنسان، وأما اللذة فمشتركة فيما بين الناس. وخامسها: أن الأكل إنما يطيب عند اشتداد الجوع وتلك حاجة شديدة والحاجة نقص وافر. وسادسها: أن الأكل يستحقر عند العقلاء. قيل: من كان همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه، فهذا هو الإشارة المختصرة في معايب الأكل، وأما لذة النكاح، فكل ما ذكرناه في الأكل حاصل ههنا مع أشياء أخرى، وهي أن النكاح سبب لحصول الولد، وحينئذ تكثر الأشخاص فتكثر الحاجة إلى المال فيحتاج الإنسان بسببها إلى الاحتيال في طلب المال بطرق لا نهاية لها، وربما صار هالكاً سبب طلب المال، وأما لذة الرياسة فعيوبها كثيرة والذي نذكره ههنا بسبب واحد وهو أن كل أحد يكره بالطبع أن يكون خادماً مأموراً ويحب أن يكون مخدوماً آمراً، فإذا سعى الإنسان في أن يصير رئيساً آمراً كان ذلك دالاً على مخالفة كل ما سواه، فكأنه ينازع كل الخلق في ذلك، وهو يحاول تحصيل تلك الرياسة، وجميع أهل الشرق والغرب يحاولون إبطاله ودفعه، ولا شك أن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر وإذا كان كذلك كان حصول هذه الرياسة كالمعتذر ولو حصل فإنه يكون على شرف الزوال في كل حين وأوان بكل سبب من الأسباب وكان صاحبها عند حصولها في الخوف الشديد من الزوال وعند زوالها في الأسف العظيم والحزن الشديد بسبب ذلك الزوال. واعلم أن العاقل إذا تأمل هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح له في طلب هذه اللذات والسعي في هذه الخيرات ألبتة. ثم إن النفس خلقت مجبولة على طلبها، والعشق الشديد عليها، والرغبة التامة في الوصول إليها وحينئذ ينعقد ههنا قياف، وهو أن الإنسان ما دام يكون في هذه الحياة الجسمانية فإنه يكون طالباً لهذه اللذات وما دام يطلبها كان في عين الآفات وفي لجة الحسرات، وهذا اللازم مكروه فالملزوم أيضاً مكروه فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة الجسمانية والسبب في الأمور المرغبة في الموت أن موجبات هذه اللذة الجسمانية متكررة ولا يمكن الزيادة عليها والتكرير يوجب الملالة أما سعادات الآخرة فهي أنواع كثيرة غير متناهية. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمة الله عليه وهو مصنف هذا الكتاب أنار الله برهانه. أنا صاحب هذه الحالة والمتوغل فيها، ولو فتحت الباب وبالغت في عيوب هذه اللذات الجسمانية فربما كتبت المجلدات وما وصلت إلى القليل منها فلهذا السبب صرت مواظباً في أكثر الأوقات على ذكر هذا الذي ذكره يوسف عليه السلام وهو قوله: {رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أنت ولىِّ فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ }. المسألة الثالثة: تمسك أصحابنا في بيان أن الإيمان من الله تعالى بقوله {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا } وتقريره أن تحصيل الإسلام وإبقاءه إذا كان من العبد كان طلبه من الله فاسداً وتقريره كأنه يقول افعل يا من لا يفعل والمعتزلة أبداً يشنعون علينا ويقولون إذا كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقال للعبد افعل مع أنك لست فاعلاً، فنحن نقول ههنا أيضاً إذا كان تحصيل الإيمان وإبقاؤه من العبد لا من الله تعالى، فكيف يطلب ذلك من الله قال الجبائي والكعبي معناه: اطلب اللطف لي في الإقامة على الإسلام إلى أن أموت عليه. فهذا الجواب ضعيف لأن السؤال وقع على السلام فحمله على اللطف عدول عن الظاهر وأيضاً كل ما في المقدور من الألطاف فقد فعله فكان طلبه من الله محالاً. المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: الأنبياء عليهم السلام يعلمون أنهم يموتون لا محالة على الإسلام، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل وأنه لا يجوز. والجواب: أحسن ما قيل فيه أن كمال حال المسلم أن يستسلم لحكم الله تعالى على وجه يستقر قلبه على ذلك الإسلام ويرضى بقضاء الله وقدره، ويكون مطمئن النفس منشرح الصدر منفسح القلب في هذا الباب، وهذه الحالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر، فالمطلوب ههنا هو الإسلام بهذا المعنى. المسألة الخامسة: أن يوسف عليه السلام كان من أكابر الأنبياء عليهم السلام، والصلاح أول درجات المؤمنين، فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية. قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من المفسرين: يعني بآبائه إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب، والمعنى: ألحقني بهم في ثوابهم ومراتبهم ودرجاتهم، وههنا مقام آخر من تفسير هذه الآية على لسان أصحاب المكاشفات، وهو أن النفوس المفارقة أذا أشرقت بالأنوار الإلهية واللوامع القدسية، فإذا كانت متناسبة متشاكلة انعكس النور الذي في كل واحدة منها إلى الأخرى بسبب تلك الملازمة والمجانسة، فتعظم تلك الأنوار وتقوى تلك الأضواء، ومثال تلك الأحوال المرآة الصقيلة الصافية إذا وضعت وضعاً متى أشرقت الشمس عليها انعكس الضوء من كل واحدة منها إلى الأخرى، فهناك يقوى الضوء ويكمل النور، وينتهي في الإشراق والبريق اللمعان إلى حد لا تطيقه العيون والأبصار الضعيفة، فكذا ههنا.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} قال قَتَادة: لم يتمنّ الموت أحدٌ؛ نبيّ ولا غيره إلاَّ يوسف عليه السلام؛ حين تكاملت عليه النِّعم وجمع له الشمل ٱشتاق إلى لقاء ربه عزّ وجلّ. وقيل: إن يوسف لم يتمنّ الموت، وإنما تمنّى الوفاة على الإسلام؛ أي إذا جاء أَجَلِي تَوَفَّنِي مسلماً؛ وهذا قول الجمهور. وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَريّ: لا يتمنى الموت إلا ثلاث: رجل جاهل بما بعد الموت، أو رجل يفرّ من أقدار الله تعالى عليه، أو مشتاقٌ محبٌّ للقاء الله عزّ وجلّ. وثبت في الصحيح عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يتمنّين أحدُكم الموت لضُرٍّ نزل به فإن كان لا بدّ متمنياً فليقل ٱللهم أَحْيني ما كانت الحياة خيراً لي وتَوفَّني إذا كانت الوفاة خيراً لي» تفسير : رواه مسلم. وفيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يتمنّى أحدُكم الموت ولا يَدْعُ به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم ٱنقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمِنَ عُمُره إلا خيراً». تفسير : وإذا ثبت هذا فكيف يقال: إن يوسف عليه السلام تمنى الموت والخروج من الدنيا وقطع العمل؟ هذا بعيدٰ إلا أن يقال: إن ذلك كان جائزاً في شرعه؛ أَمَا أنه يجوز تمنّي الموت والدعاء به عند ظهور الفتن وغلبتها، وخوف ذهاب الدين، على ما بيّناه في كتاب «التذكرة» و«مِنَ» من قوله: «مِنَ الْمُلْكِ» للتبعيض، وكذلك قوله: «وَعَلَّمَتْنِي مِنْ تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ» لأن مُلْك مصر ما كان كل الْمُلك، وعلم التّعبير ما كان كلّ العلوم. وقيل: «مِنَ» للجنس كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30]. وقيل: للتأكيد. أي آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديث. قوله تعالى: {فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} نصب على النعت للنداء، وهو ربّ، وهو نداء مضاف؛ والتقدير: يا رب ويجوز أن يكون نداء ثانياً. والفاطر الخالق؛ فهو سبحانه فاطر الموجودات، أي خالقها ومبدئها ومنشئها ومخترعها على الإطلاق من غير شيء، ولا مثال سبق؛ وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة» مستوفى؛ عند قوله: «بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَٱلأَرْضِ» وزدناه بياناً في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. {أَنتَ وَلِيِّي} أي ناصري ومتولّي أموري في الدنيا والآخرة. {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} يريد آباءه الثلاثة؛ إبراهيم وإسحق ويعقوب، فتوفاه الله ـ طاهراً طيباً صلى الله عليه وسلم ـ بمصر، ودُفن في النيل في صندوق من رخام؛ وذلك أنه لما مات تَشاحَّ الناس عليه؛ كلٌّ يحب أن يدفن في مَحَلَّتهم، لما يرجون من بركته؛ وٱجتمعوا على ذلك حتى همُّوا بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النِّيل من حيث مَفرِق الماء بمصر، فيمرّ عليه الماء، ثم يتفرّق في جميع مصر، فيكونوا فيه شَرَعاً ففعلوا؛ فلما خرج موسى ببني إسرائيل أخرجه من النيل: ونقل تابوته بعد أربعمائة سنة إلى بيت المقدس، فدفنوه مع آبائه لدعوته: «وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» وكان عمره مائة عام وسبعة أعوام. وعن الحسن قال: أُلقي يوسف في الجبّ وهو ٱبن سبع عشرة سنة، وكان في العبودية والسّجن والملك ثمانين سنة، ثم جُمع له شمله فعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة؛ وكان له من الولد إفراثيم، ومنشا، ورحمة، زوجة أيوب؛ في قول ٱبن لَهِيعة. قال الزّهريّ: وولد لإفراثيم ـ بن يوسف ـ نون بن إفراثيم، وولد لنون يوشع؛ فهو يوشع بن نون، وهو فتى موسى الذي كان معه صاحب أمره، ونبأه الله في زمن موسى عليه السلام؛ فكان بعده نبياً، وهو الذي ٱفتتح أرِيحا، وقَتل من كان بها من الجبابرة، وٱستوقفت له الشمس حسب ما تقدّم في «المائدة». وولد لمنشا بن يوسف موسى بن منشا، قبل موسى بن عمران. وأهل التوراة يزعمون أنه هو الذي طلب العالم ليتعلم منه حتى أدركه، والعالم هو الذي خرق السفينةِ، وقتل الغُلامَ، وبنَى الجدارَ، وموسى بن منشا معه حتى بلغ معه حيث بلغ؛ وكان ٱبن عباس ينكر ذلك؛ والحق الذي قاله ابن عباس؛ وكذلك في القرآن. ثم كان بين يوسف وموسى أمم وقرون، وكان فيما بينهما شعيب، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

البيضاوي

تفسير : {رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ} بعض الملك وهو ملك مصر. {وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} الكتب أو الرؤيا، ومن أيضاً للتبعيض لأنه لم يؤت كل التأويل. {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} مبدعهما وانتصابه على أنه صفة المنادى أو منادى برأسه. {أَنتَ وَلِىِّ} ناصري ومتولي أمري. {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلاْخِرَةِ } أو الذي يتولاني بالنعمة فيهما. {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا } اقبضني. {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } من آبائي أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامة. روي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم توفي وأوصى أن يدفن بالشام إلى جنب أبيه، فذهب به ودفنه ثمة ثم عاد وعاش بعده ثلاثاً وعشرين سنة، ثم تاقت نفسه إلى الملك المخلد فتمنى الموت فتوفاه الله طيباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر في مدفنه حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في النيل بحيث يمر عليه الماء، ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرعاً فيه، ثم نقله موسى عليه الصلاة والسلام إلى مدفن آبائه وكان عمره مائة وعشرين سنة، وقد ولد له من راعيل افراثيم وميشا وهو جد يوشع بن نون، ورحمة امرأة أيوب عليه الصلاة والسلام.

ابن كثير

تفسير : هذا دعاء من يوسف الصديق، دعا به ربه عز وجل، لما تمت نعمة الله عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وما منّ الله به عليه من النبوة والملك، سأل ربه عز وجل كما أتم نعمته عليه في الدنيا، أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوفاه مسلماً حين يتوفاه، قاله الضحاك، وأن يلحقه بالصالحين وهم إخوانه من النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف عليه السلام، قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يرفع أصبعه عند الموت، ويقول: «حديث : اللهم في الرفيق الأعلى» تفسير : ثلاثاً، ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام، واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله، وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزاً؛ كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام، ويقول الداعي: اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، ويحتمل أنه سأل ذلك منجزاً، وكان ذلك سائغاً في ملتهم؛ كما قال قتادة: قوله: {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ} لما جمع الله شمله، وأقر عينه، وهو يومئذ مغمور في الدنيا وملكها ونضارتها، اشتاق إلى الصالحين قبله. وكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف عليه السلام، وكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس: أنه أول نبي دعا بذلك، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام، كما أن نوحاً أول من قال: {أية : رَّبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً} تفسير : [نوح: 28] ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك، وهو ظاهر سياق قول قتادة، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنياً الموت، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي» تفسير : وأخرجاه في الصحيحين، وعندهما: «حديث : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسناً فيزداد، وإِما مسيئاً فلعله يستعتب، ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إِذا كانت الوفاة خيراً لي»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ورققنا، فبكى سعد بن أبي وقاص، فأكثر البكاء، وقال: يا ليتني مت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا سعد أعندي تتمنى الموت؟» تفسير : فردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: «حديث : يا سعد إن كنت خلقت للجنة، فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، وهو سُلَيم بن جبير، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إلا أن يكون قد وَثِق بعمله، فإِنه إِذا مات أحدكم، انقطع عنه عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً» تفسير : تفرد به أحمد، وهذا فيما إذا كان الضر خاصاً به، وأما إِذا كان فتنة في الدين، فيجوز سؤال الموت؛ كما قال الله تعالى إِخباراً عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالوا: {أية : رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 126] وقالت مريم لما أجاءها المخاض، وهو الطلق، إلى جذع النخلة: {أية : يٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} تفسير : [مريم: 23] لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة؛ لأنها لم تكن ذات زوج، وقد حملت ووضعت، وقد قالوا: {أية : يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً يٰأُخْتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} تفسير : [مريم:27-28] فجعل الله لها من ذلك الحال فرجاً ومخرجاً، وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله، فكان آية عظيمة، ومعجزة باهرة، صلوات الله وسلامه عليه. وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء الذي فيه: «حديث : وإِذا أردت بقوم فتنة، فتوفني إليك غير مفتون»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة، أنبأنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد مرفوعاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتن، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب» تفسير : فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في آخر خلافته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له، ولا يزداد الأمر إِلا شدة، فقال: اللهم خذني إليك، فقد سئمتهم وسئموني. وقال البخاري رحمه الله لما وقعت له تلك الفتنة، وجرى له مع أمير خراسان ما جرى، قال: اللهم توفني إِليك. وفي الحديث: «حديث : إن الرجل ليمر بالقبر - أي: في زمان الدجال - فيقول: يا ليتني مكانك»تفسير : ؛ لما يرى من الفتن، والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون. قال أبو جعفر بن جرير: وذكر أن بَني يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوا، استغفر لهم أبوهم، فتاب الله عليهم، وعفا عنهم، وغفر لهم ذنوبهم. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج عن صالح المري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: إِن الله تعالى لما جمع ليعقوب شمله بعينيه خلا ولدُه نجياً، فقال بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم؟ وما لقي منكم الشيخ، وما لقي منكم يوسف؟ قالوا: بلى، قال: فيغركم عفوهما عنكم، فكيف لكم بربكم؟ فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ، فجلسوا بين يديه، ويوسف إلى جانب أبيه قاعد، قالوا: يا أبانا إِنا أتيناك لأمر لم نأتك لأمر مثله قط، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله قط، حتى حركوه، والأنبياء عليهم السلام أرحم البرية، فقال: ما لكم يا بني؟ قالوا: ألست قد علمت ما كان منا إِليك، وما كان منا إِلى أخينا يوسف؟ قال: بلى، قالوا: أولستما قد غفرتما لنا؟ قالا: بلى. قالوا: فإن عفوكما لا يغني عنا شيئاً، إِن كان الله لم يعف عنا، قال: فما تريدون يا بني؟ قالوا: نريد أن تدعو الله لنا، فإذا جاءك الوحي من الله بأنه قد عفا عنا، قرت أعيننا، واطمأنت قلوبنا، وإِلا فلا قرة عين في الدنيا لنا أبداً. قال: فقام الشيخ، فاستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين، قال: فدعا، وأمن يوسف، فلم يجب فيهم عشرين سنة، قال صالح المري: يخيفهم، قال: حتى إِذا كان على رأس العشرين، نزل جبريل عليه السلام، على يعقوب عليه السلام، فقال: إِن الله تعالى قد بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك، وأن الله تعالى قد عفا عما صنعوا، وأنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوة. هذا الأثر موقوف عن أنس. ويزيد الرقاشي وصالح المري ضعيفان جداً. وذكر السدي أن يعقوب عليه السلام لما حضره الموت، أوصى إلى يوسف بأن يدفن عند إِبراهيم وإِسحاق، فلما مات صبره، وأرسله إلى الشام، فدفن عندهما عليهم السلام.

المحلي و السيوطي

تفسير : ولما تمَّ أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم فقال.{رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلاْحَادِيثِ } تعبير الرؤيا {فَاطِرَ } خالق {ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ } متولي مصالحي {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ } من آبائي، فعاش بعد ذلك أسبوعاً أو أكثر، ومات وله مائة وعشرون سنة، وتشاحّ المصريون في قبره فجعلوه في صندوق من مرمر ودفنوه في أعلى النيل لتعم البركة جانبيه، فسبحان من لا انقضاء لملكه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {رب قد آتيتني من الملك} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الملك هو احتياج حساده إليه، قاله ابن عطاء. الثاني: أراد تصديق الرؤيا التي رآها. الثالث: أنه الرضا بالقضاء والقناعة بالعطاء. الرابع: أنه أراد مُلْك الأرض وهو الأشهر. وإنما قال من الملك لأنه كان على مصر من قبل فرعون. {وعلمتني من تأويل الأحاديث} فيه وجهان: أحدهما: عبارة الرؤيا. قاله مجاهد. الثاني: الإخبار عن حوادث الزمان، حكاه ابن عيسى. {فاطر السموات والأرض} أي خالقهما. {أنت وليّي في الدنيا والآخرة} يحتمل وجهين: أحدهما: مولاي. الثاني: ناصري. {توفني مسلماً}فيه وجهان: أحدهما: يعني مخلصاً للطاعة، قاله الضحاك. الثاني: على ملة الإسلام. حكى الحسن أن البشير لما أتى يعقوب قال له يعقوب عليه السلام: على أي دين خلفت يوسف؟ قال: على دين الإسلام. قال: الآن تمت النعمة. {وألحقني بالصالحين} فيه قولان: أحدهما: بأهل الجنة، قاله عكرمة. الثاني: بآبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، قاله الضحاك. قال قتادة والسدي: فكان يوسف أول نبي تمنى الموت. وقال محمد بن إسحاق: مكث يعقوب بأرض مصر سبع عشرة سنة. وقال ابن عباس مات يعقوب بأرض مصر وحمل إلى أرض كنعان فدفن هناك. ودفن يوسف بأرض مصر ولم يزل بها حتى استخرج موسى عظامه وحملها فدفنها إلى جنب يعقوب عليهم السلام.

ابن عطية

تفسير : قرأ ابن مسعود "آتيتن" و"علمتن" بحذف الياء على التخفيف، وقرأ ابن ذر "رب آتيتني" بغير "قد". وذكر كثير من المفسرين: أن يوسف عليه السلام لما عدد في هذه الآية نعم الله عنده تشوق إلى لقاء ربه ولقاء الجلة وصالحي سلفه وغيرهم من المؤمنين، ورأى أن الدنيا كلها قليلة فتمنى الموت في قوله: {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} وقال ابن عباس: "لم يتمن الموت نبي غير يوسف"، وذكر المهدوي تأويلاً آخر - وهو الأقوى عندي - أن ليس في الآية تمني موت - وإنما عدد يوسف عليه السلام نعم الله عنده ثم دعا أن يتم عليه النعم في باقي عمره أي {توفني} - إذا حان أجلي - على الإسلام، واجعل لحاقي بالصالحين، وإنما تمنى الموافاة على الإسلام لا الموت. وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يتمنينَّ أحدكم الموت لضرّ نزل به" تفسير : . الحديث بكماله. وروي عنه عليه السلام أنه قال في بعض دعائه: "حديث : وإذا أردت في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" تفسير : ، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: اللهم قد رقّ عظمي وانتشرت وعييت فتوفني غير مقصر ولا عاجز. قال القاضي أبو محمد: فيشبه أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: لضر نزل به - إنما يريد ضرر الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك ويبقى تمني الموت مخافة فساد الدين مباحاً، ويدلك على هذا قول النبي عليه السلام: "حديث : يأتي على الناس زمان يمر فيه الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، ليس به الدين لكن ما يرى من البلاء والفتن ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: فقوله: ليس به الدين - يقتضي إباحة ذلك أن لو كان عن الدين وإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حالة الناس كيف تكون. وقوله: {آتيتني من الملك} قيل: {من} للتبعيض وقيل: لبيان الجنس؛ وكذلك في قوله: {من تأويل الأحاديث} المراد بقوله: {الأحاديث} الأحلام، وقيل: قصص الأنبياء والأمم. وقوله: {فاطر} منادى، وقوله {أنت وليي} أي القائم بأمري الكفيل بنصرتي ورحمتي. وقوله تعالى: {ذلك من أنباء الغيب} الآية، {ذلك} إشارة إلى ما تقدم من قصة يوسف، وهذه الآية تعريض لقريش وتنبيه على آية صدق محمد، وفي ضمن ذلك الطعن على مكذبيه. والضمير في {لديهم} عائد إلى إخوة يوسف، وكذلك الضمائر إلى آخر الآية، و {أجمعوا} معناه: عزموا وجزموا، و {الأمر} هنا هو إلقاء يوسف في الجب، و"المكر" هو أن تدبر على الإنسان تدبيراً يضره ويؤذيه، والخديعة هي أن تفعل بإنسان وتقول له ما يوجب أن يفعل هو فعلاً فيه عليه ضرر. وحكى الطبري عن أبي عمران الجوني أنه قال: والله ما قص الله نبأهم ليعيرهم بذلك، إنهم لأنبياء من أهل الجنة، ولكن قص الله علينا نبأهم لئلا يقنط عبده.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِنَ الْمُلْكِ} لأنه كان على مصر من قِبَل فرعون. {تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} عبار الرؤيا، أو الإخبار عن حوادث الزمان {مُسْلِماً} مخلصاً للطاعة، أو على ملة الإسلام، قال السدي: "كان أول نبي تمنى الموت" ولما لقي البشير يعقوب قال: على أي دين خلفت يوسف قال على الإسلام قال الآن تمت النعمة. {بِالصَّالِحِينَ} أهل الجنة.

النسفي

تفسير : {رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ } ملك مصر {وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } تفسير كتب الله أو تعبير الرؤيا و«من» فيهما للتبعيض إذ لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا وبعض التأويل {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } انتصابه على النداء {أَنتَ وَلِيِّي فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ } أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين وتوصل الملك الفاني بالملك الباقي {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا } طلب الوفاة على حال الإسلام كقول يعقوب لولده {أية : ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}تفسير : [آل عمران: 102] وعن الضحاك: مخلصاً. وعن التستري: مسلِّماً إليك أمري وفي عصمة الأنبياء إنما دعا به يوسف ليقتدي به قومه ومن بعده ممن ليس بمأمون العاقبة، لأن ظواهر الأنبياء لنظر الأمم إليهم {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } من آبائي أو على العموم. رُوي أن يوسف أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الذهب والفضة وخزائن الثياب وخزائن السلاح حتى أدخله خزانة القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل. فقال: أمرني جبريل.: قال أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط إليه مني فاسأله. فقال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك {أية : وأخاف أن يأكله الذئب}تفسير : فهلا خفتني. ورُوي أن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق، فمضى بنفسه ودفنه ثمة ثم عاد إلى مصر وعاش بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، فلما تم أمره طلبت نفسه الملك الدائم فتمنى الموت. وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده فتوفاه الله طيباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كلٌ يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يعملوا له صندوقاً من مرمر وجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرعاً حتى نقل موسى عليه السلام بعد أربعمائة سنة تابوته إلى بيت المقدس. وولد له أفراثيم وميشا، وولد لإفراثيم نون، ولنون يوشع فتى موسى، ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر ولم تزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه.

الخازن

تفسير : {رب} أي يا رب {قد آتيتني من الملك} يعني من ملك مصر ومن هنا للتبعيض لأنه لم يؤت ملك مصر كله بل كان فوقه ملك آخر والملك عبارة عن الاتساع في المقدور لمن له السياسة والتدبير {وعلمتني من تأويل الأحاديث} يعني تعبير الرؤيا {فاطر السموات والأرض} يعني خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق. وأصل الفطر الشق يقال فطر ناب البعير إذا شق وظهر وفطر الله الخلق أوجده وأبدعه {أنت وليي} يعني معيني ومتولي أمري {في الدنيا والآخرة توفني مسلماً} أي اقبضني إليك مسلماً. واختلفوا هل هو طلب للوفاة في الحال أم لا على قولين: أحدهما: أنه سأل الله الوفاة في الحال، قال قتادة: لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف قال أصحاب هذا القول وإنه لم يأت عليه أسبوع حتى توفي. والقول الثاني: أنه سأل الوفاة على الإسلام ولم يتمن الموت في الحال قال الحسن إنه عاش بعد هذه سنين كثيرة فعلى هذا القول يكون معنى الآية توفني إذا توفيتني على الإسلام فهو طلب لأن يجعل الله وفاته على الإسلام وليس في اللفظ ما يدل على أنه طلب الوفاة في الحال، قال بعض العلماء وكلا القولين محتمل لأن اللفظ صالح للأمرين ولا يبعد من الرجل العاقل الكامل أن يتمنى الموت لعلمه أن الدنيا ولذاتها فانية زائلة سريعة الذهاب وأن نعيم الآخرة باق دائم لا نفاذ له ولا زوال ولا يمنع من هذا قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يتمن أحدكم الموت لضر نزل به"تفسير : فإن تمني الموت عند وجود الضر ونزول البلاء مكروه والصبر عليه أولى وقوله: {وألحقني بالصالحين} أراد به بدرجة آبائه وهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام قال علماء التاريخ عاش يوسف مائة وعشرين سنة وفي التوراة مائة وعشر سنين وولد ليوسف من امرأة العزيز ثلاثة أولاد أفراثيم وميشا ورحمة امرأة أيوب وقيل عاش بعد أبيه ستين سنة وقيل أكثر. ولما مات يوسف عليه الصلاة والسلام دفنوه في النيل في صندوق من رخام وقيل من حجارة المرمر وذلك أنه لما مات يوسف تشاحن الناس فيه فطلب كل أهل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته حتى هموا أن يقتتلوا ثم رأوا أن يدفنوه في النيل بحيث يجري الماء عليه ويتفرق عنه وتصل بركته إلى جميعهم وقال عكرمة إنه دفن في الجانب الأيمن من النيل فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب وأجدب الجانب الأيمن فدفنوه في وسط النيل وقدروه بسلسلة فأخصب الجانبان فبقي إلى أن أخرجه موسى عليه الصلاة والسلام وحمله معه حتى دفنه بقرب آبائه بالشام في الأرض المقدسة.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ...} الآية: ذكر كثيرٌ من المفسِّرين أنَّ يوسُفَ عليه السلام لما عَدَّد في هذه الآية نِعَمَ اللَّه عنده، تشوَّق إِلى لقاء ربِّه ولقاءِ الجِلَّة وصالحي سَلَفِهِ وغيرهم مِنَ المؤمنين، ورأَى أَن الدنيا قليلةٌ فتمنَّى المَوْت في قوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ }. وقال ابن عبَّاس: لم يتمنَّ المَوْتَ نبيٌّ غَيْرُ يُوسُفَ، وذكر المهدويُّ تأويلاً آخر، وهو الأقْوَى عندي: أنه ليس في الآية تمنِّي موتٍ، وإِنما تمنى عليه السلام الموافَاةَ على الإِسلام لا المَوْتَ، وكذا قال القرطبيُّ في «التذكرة»؛ أَنَّ معنى الآية: إِذا جاء أَجَلِي، توفَّني مسلماً، قال: وهذا القول هو المختارُ عنْدَ أهل التأويل، واللَّه أعلم، انتهى، وقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ » تفسير : ؛ إِنَّمَا يريد ضَرَر الدنيا؛ كالفَقْر، والمَرَضِ ونحو ذلك، ويبقَى تمنِّي الموت؛ مخافةَ فسادِ الدِّين مباحَاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم في بَعْضِ أدعيته: « حديث : وَإِذَا أَرَدَتَّ بِالنَّاسِ فِتْنَةً، فَٱقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ ». تفسير : وقوله: {أَنتَ وَلِيِّي}: أي القائِمُ بأمري، الكفيلُ بنُصْرتي ورَحْمتي. وقوله عز وجل: {ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ }: {ذَٰلِكَ }: إِشارة إِلى ما تقدَّم من قصَّة يوسُفَ، وهذه الآية تعريضٌ لقريشٌ، وتنبيهٌ على آية صدْقِ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وفي ضمن ذلك الطعْنُ على مكذِّبيه، والضمير في {لَدَيْهِمْ }: عائدٌ على إِخوة يوسُفَ، و{أَجْمَعُواْ }: معناه: عزموا، و«الأمر»، هنا: هو إِلقاء يوسُفَ في الجُبِّ، وحكى الطبري عن أبي عمران الجَوْنِيِّ؛ أَنه قال: واللَّه ما قَصَّ اللَّه نبأهم؛ ليُعَيِّرَهُمْ؛ إِنهم الأَنبياءُ مِنْ أَهْلَ الجَنَّة، ولكنَّ اللَّه قَصَّ علينا نبأهم؛ لئلاَّ يَقْنَطَ عَبْدُهُ. وقوله سبحانه: {وَمَا أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ...} الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ...} الآية توبيخٌ للكفَرة، وإِقامةٌ للحُجَّةِ عليهم، ثم ٱبتدأ الإِخبَارَ عن كتابه العزيز؛ أنه ذكْرٌ وموعظةٌ لجميعِ العالَمِ، نفعنا اللَّه به، ووفَّر حظنا منه.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر هاتين الصفتين، تذكر ما وقع له بهما من الأسباب، فغلب عليه مقام الشهود وازدادت نفسه عن الدنيا عزوفاً، فقال مخاطباً: {رب قد آتيتني} وافتتح بـ"قد" لأن الحال حال توقع السامع لشرح مآل الرؤيا {من الملك} أي بعضه بعد بعدي منه جداً، وهو معنى روحه تمام القدرة {وعلمتني} وقصر دعواه تواضعاً بالإتيان بالجار فقال: {من تأويل الأحاديث} طبق ما بشرني به أبي وأخبرت به أنت من التمكين والتعليم قبل قولك، والله غالب على أمره؛ ثم ناداه بوصف جامع للعلم والحكمة فقال: {فاطر السماوات والأرض} ثم أعلمه بما هو أعلم به منه من أنه لا يعول على غيره في شيء من الأشياء فقال: {أنت وَلِيِّ} أي الأقرب إليّ باطناً وظاهراً {في الدنيا والآخرة} أي لا ولي لي غيرك، والولي يفعل لمولاه الأصلح والأحسن، فأحسن بي في الآخرة أعظم ما أحسنت بي في الدنيا. ولما كان توليه لله لا يتم إلا بتولي الله له، أتبعه بما يفيده فقال: {توفني} أي اقبض روحي وافياً تاماً في جميع أمري حساً ومعنى حال كوني {مسلماً} ولما كان المسلم حقيقة من كان عريقاً في الإخلاص، حققه بقوله: {وألحقني بالصالحين *} فتوفاه الله كما سأل؛ قالوا: وتخاصم أهل مصر فيه، كلهم يرجو أن يدفن في محلته يرجو بركته، ثم اصطلحوا على أن عملوا له صندوقاً من رخام ودفنوه في وسط النيل، ليفترق الماء على جميع الأرض فتنالها بركته وتخصب كلها على حد سواء، ويكونوا كلهم في الماء سواء. ذكر ما بقي من القصة عن التوراة: قال بعدما مضى: فلم يقدر يوسف على الصبر - يعني على ترفق إخوته - فأمر بإخراج جميع من كان عنده، فلم يبق عنده أحد حيث ظهر يوسف لإخوته، فرفع صوته فبكى حتى سمع المصريون فأخبروا في آل فرعون، فقال يوسف لإخوته: أنا أخوكم يوسف، هل أبي باق؟ فلم يقدر إخوته على إجابته لأنهم رهبوه، فقال يوسف لإخوته: ادنوا مني فدنوا فقال لهم: أنا يوسف الذي بعتموني لمن ورد إلى مصر، والآن فلا تحزنوا، ولا يشقن عليكم ذلك، ولا يشتدن عليكم بيعكم إياي إلى ما هنا، لأن الله أرسلني أمامكم لأعد لكم القوت، لأن للجوع مذ أتى سنتين، وستأتي خمس سنين أخر لا يكون فيها زرع ولا حصاد، فأرسلني الرب أمامكم لأصير لكم بقاء في الأرض وأخلصكم وأستنقذكم، لتحيوا وتستبشروا على الأرض، والآن فلستم أنتم الذين بعثتموني إلى هاهنا بل الله أرسلني وجعلني أباً لفرعون وسيداً لجميع أهل بيته، ومسلطاً على جميع أرض مصر، فاصعدوا الآن عجلين عليّ بأبي وقولوا له: هكذا يقول ابنك يوسف: إن الله جعلني سيداً لجميع أهل مصر، فاهبط إليّ ولا تتأخر، وانزل إلى أرض السدير - وفي نسخة: خشان - فكن قريباً مني أنت وبنوك وأهل بيتك وعمتك وبقرك وجميع مالك، فأموّنكم هناك، لأنه قد بقي خمس سنين جوعاً، لئلا تهلك أنت وأهل بيتك وكل مالك، وهذه أعينكم تبصر وعينا أخي بنيامين، إني أكلمكم مشافهة، وأخبروا أبي بجميع كرامتي ووقاري في أرض مصر، وبجميع ما رأيتم، وأسرعوا واهبطوا بأبي إلى ما هاهنا، فاعتنق أخاه بنيامين أيضاً وبكى، وقبل جميع إخوته وبكى، ومن بعد ذلك كلمه إخوته، فبلغ ذلك فرعون وقيل له: إن إخوة يوسف قد أتوه، فسر ذلك فرعون، عبده - وفي نسخة: وجميع قواده - فقال فرعون ليوسف: قل لإخوتك فليفعلوا هكذا، أوقروا دوابكم ميرة، وانطلقوا بها إلى أرض كنعان، وأقبلوا بأبيكم وأهل بيوتاتكم وائتوني فأنحلكم خيرات أرض مصر وخصبها، وكلوا خصب الأرض، وهذا أنت المسلط، فأمر إخوتك أن يفعلوا هذا الفعل، احملوا من أرض مصر عجلاً لنسائكم وحشمكم، وأظعنوا بأبيكم فأقبلوا، ولا تشفقن على أمتعتكم، لأن جميع خيرات مصر وأرضها وخصبها هو لكم، ففعل بنو إسرائيل كما أمر فرعون، ودفع إليهم يوسف عجلاً عن أمر فرعون، وزودهم جميع أزودة الطريق، وخلع على كل أمرىء منهم خلعة، فأما بنيامين فأجازه بثلاثمائة درهم - وفي نسخة: مثقال فضة - وخلع عليه خمس خلع، وبعث إلى أبيه بمثل ذلك أيضاً وعشرة حمير موقرة من البر والطعام وأزودة لأبيه للطريق وأرسلهم، فانطلقوا، وتقدم إليهم وقال لهم: لا تقع المشاجرة فيما بينكم في الطريق، فظعنوا من مصر فأتوا أرض كنعان إلى يعقوب أبيهم، فأخبروه وقالوا له: إن يوسف بعد في الحياة، وهو المسلط على جميع أرض مصر، ورأى يعقوب العجل الذي بعث يوسف لحمله فاطمأنت نفسه وقال: إن هذا لعظيم عندي، إذ كان ابني يوسف بعد الحياة، أنطلق الآن فأنظر إليه قبل الموت. فظعن إسرائيل وجميع ما له، فأتى بئر السبع، وقرب قرباناً لإله إسحاق أبيه، فكلم الله إسرائيل في الرؤيا وقال له: يا يعقوب! فقال: هاأنذا! فقال: إني أنا إيل إله أبيك، لا تخف من الحدور إلى مصر، لأني أجعلك هناك إلى شعب عظيم - وفي نسخة: لأني أصير منك أمة عظيمة - أنا أهبط معك، وأنا أصعدك، ويوسف يضع يده على عينيك، فنهض يعقوب من بئر السبع وظعن بنو إسرائيل بيعقوب أبيهم وبحشمهم ونسائهم على العجل الذي بعث فرعون لحمله، وساقوا دوابهم ومواشيهم التي استفادوها بأرض كنعان، فأتوا بها مصر يعقوب وجميع نسله وبنوه معه وبنو بنيه وبناته وبنات بناته، وأدخل إلى مصر كل نسله، ثم سماهم واحداً واحداً، ثم قال: فجميع بني يعقوب الذين ادخلوا مصر سبعون إنساناً، ثم بعث يعقوب يهوذا بين يديه إلى يوسف عليه الصلاة والسلام ليدله على السدير - وفي نسخة: خشان - فألجم يوسف مراكبه، وصعد للقاء أسرائيل أبيه إلى خشان - وفي نسخة: السدير - فتلقاه واعتنقه وبكى إذ اعتنقه، فقال إسرائيل ليوسف: أتوفى الآن بعد نظري إليك يا بني، فأنت في الحياة بعد، فقال يوسف لإخوته وآل أبيه: أصعد فأخبر فرعون وأقول: إن إخوتي وآل أبي الذين كانوا بأرض كنعان قد أتوني والقوم رعاء غنم، لأنهم أصحاب مواش وقد أتوا بغنمهم وبقرهم وبكل شيء لهم، فإذا دعاكم فقولوا له: إنا عبيدك أصحاب ماشية منذ صبانا، وحتى الآن نحن وآباؤنا من قبل أيضاً، لكي تنزلوا أرض خشان - وفي نسخة: السدير - لأن رعاة الغنم هم مرذولون عند المصريين. فأتى يوسف فأخبر فرعون وقال له: إن أبي وإخوتي أتوني وغنمهم وبقرهم وجميع ما لهم في أرض كنعان، وهو ذا هم حلول بأرض السدير، وحمل من إخوته خمسة رهط، فأدخلهم على فرعون فوقفوا بين يديه، فقال فرعون لإخوة يوسف: ما صنعتكم؟ فقالوا: إن عبيدك رعاء غنم نحن منذ صبانا، وآباؤنا أيضاً من قبل. وقالوا لفرعون: إنا أتينا لنسكن هذه الأرض لأنه فقد الحشيش والعشب والكلأ من مرابع غنم عبيدك، وذلك لأن الجوع اشتد في أرض كنعان، فأمر عبيدك أن ينزلوا بأرض السدير، فقال فرعون ليوسف: إن أباك وإخوتك قد أتوا، وهذه أرض مصر بين يديك، فأسكن أباك وإخوتك في أحسن الأرض وأخصبها لينزلوا أرض السدير، وإن كنت تعلم أن فيهم قوماً ذوي قوة وبطش ونفاذ فولهم جميع مالي، فأدخل يوسف عليه السلام أباه يعقوب عليهم الصلاة والسلام على فرعون فأقامه بين يديه، فقال فرعون ليعقوب عليه الصلاة والسلام: كم عدد سني حياتك؟ فقال يعقوب عليه السلام لفرعون: مبلغ حياتي مائة وثلاثون سنة، وإن أيام حياتي لناقصة، ولم أبلغ سني حياة آبائي في أيام حياتهم، فبارك يعقوب فرعون ودعا له، وخرج من بين يديه، فأسكن يوسف عليه السلام أباه يعقوب عليه السلام وإخوته وأعطاهم وراثة في أرض مصر في أخصب الأرض وأحسنها في أرض رعمسيس - وفي نسخة: أرض عين شمس - كما أمر فرعون، فقات يوسف أباه وإخوته وجميع أهل بيته بالميرة على قدر الحشم، ولم تكن ميرة في جميع الأرض كلها لأن الجوع اشتد جداً، فخرجت جميع أرض مصر وأرض كنعان، فصار إلى يوسف عليه الصلاة والسلام كل ورق ألفي في أرض مصر وأرض كنعان، وذلك ثمن البر الذي كانوا يبتاعونه، فأورد يوسف الورق بيت مال فرعون، ونفد الورق من أرض مصر وأرض كنعان، فأتى جميع المصريين إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فقالوا له: أعطنا من القمح حاجتنا فنحيى ولا نموت، لأن ورقنا قد نفذ، فقال لهم يوسف: ادفعوا إليَّ مواشيكم إن كانت الأوراق قد نفدت، فأقوتكم بمواشيكم، فأتوه بمواشيهم فأعطاهم يوسف من الميرة بخيلهم وبمواشي الغنم وماشية البقر والحمير، وقاتهم سنتهم تيك بجميع مواشيهم، فأتوه في السنة الأخرى وقالوا له: لسنا نكتم سيدنا أمرنا، لأنن أوراقنا وماشيتنا ودوابنا قد نفدت وصارت عند سيدنا، ولم يبق بين يدي سيدنا غير أنفسنا وأرضنا، فلم نهلك بين يديك؟ فابتعنا وأراضينا بإطعامك إيانا الخبز، فنصير نحن عبيداً لفرعون وأرضنا ملكاً له، وأعطنا البذر فنحيا ولا نموت، ولا تخلو الأرض وتخرب لفقد سكانها، فابتاع يوسف لفرعون جميع أرض مصر، فصارت الأرض لفرعون، فنقل الشعب من قرية إلى قرية وحولهم من أقاصي الأرض نحو مصر إلى أقطارها ما خلا أرض الأجناد - وفي نسخة: أئمتهم - فإنه لم يبتعها، لأنه كان يجري على الأجناد - وفي رواية: أئمتهم - وظيفة ونزلا من عند فرعون، وكانوا يأكلون برهم الموظف لهم من قبل فرعون، ولذلك لم يبيعوا أرضهم، فقال يوسف للشعب: إني قد اشتريتكم اليوم وأرضكم لفرعون، وهاأنذا معطيكم البذر لتزرعوا في الأرض، فإذا دخلت الغلة فأعطوا فرعون الخمس منها، وتكون لكم لزراعة الحقل أربعة أخماس، ولمأكل أهل بيوتاتكم وإطعام حشمكم، فقالوا له: لقد أحييتنا، فلنظفر من سيدنا برحمة ورأفة، ونكون عبيداً لفرعون، فسن يوسف هذه السنة على أرض مصر إلى يوم الناس هذا، فصار الخمس لفرعون ما خلا أرض أئمتهم - وفي رواية: الأجناد - فإنها لم تكن لفرعون. فسكن إسرائيل أرض مصر وأرض السدير، فعظموا واعتزوا فيها واستيسروا وتماجدوا، وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة، وكانت جميع أيام حياة يعقوب مائة وسبعاً وأربعين سنة، ودنت أيام وفاة إسرائيل عليه السلام، فدعا يوسف ابنه عليه السلام وقال له: إن ظفرت منك برحمة ورأفة، فضع يدك تحت ظهري حتى أستحلفك بالله وأقسم عليك به، وأنعم عليّ بالنعمة والقسط، لا تدفني بمصر، بل أضطجع مع آبائي، احملني من مصر فادفني في مقبرتهم، فقال يوسف: أنا فاعل ذلك كقولك وأمرك، فقال له: أقسم لي، فأقسم له فتوكأ إسرائيل على عصاه وسجد شكراً. فلما كان بعد هذه الأقاويل بلغ يوسف عليه السلام أن أباه قد مرض، فانطلق بابنيه معه: منشا وإفرايم، فبلغ يعقوب وقيل له: إن ابنك يوسف قد أتاك، فتقوى إسرائيل وجلس على أريكته، فقال إسرائيل ليوسف: إن إله المواعيد اعتلن لي بلوز في أرض كنعان، فباركني وقال لي: هاأنذا مباركك ومكثرك، وأجعلك أباً لجميع الشعوب، وأعطي نسلك من بعدك هذه الأرض ميراثاً إلى الأبد، وأنا إذ كنت مقبلاً من فدانة أرام توفيت عني راحيل أمك في أرض كنعان في الطريق، وكان بيني وبين الدخول إلى إفراث قدر مسيرة ميل - وفي نسخة: - فرسخ - فدفنتها هناك في طريق إفراث - وهي بيت لحم - ونظر إسرائيل إلى ابني يوسف فقال له: من هذان؟ فقال: ابناي اللذان رزقني الله هاهنا، فقال أدنهما مني، فقبلهما واعتنقهما وقال: ما كنت أرجو النظر إلى وجهك فقد أراني الله نسلك أيضاً، وقال إسرائيل ليوسف عليهما الصلاة والسلام: هاأنذا متوف، ويكون الله بنصره وعونه معكم، ويردكم إلى أرض آبائكم، وهأنذا قد فضلتك على إخوتك بسهم من الأرض التي غلبت عليها الأمورانيون بسيفي وقوسي، ثم إن يعقوب دعا بنيه وقال؛ اجتمعوا إليّ فأبين لكم ما هو كائن من أمركم في آخر الأيام، فذكر ذلك ثم قال: وهذا ما أخبرهم به يعقوب أبوهم، نبأهم بذلك وبارك عليهم كل امرىء منهم على قدره، ثم أوصاهم وقال لهم: إنني أنتقل إلى شعبي فادفنوني إلى جانب آبائي في المغارة التي في حقل عفرون الحيثاني، في المغارة التي في الروضة المضاعفة إلى جانب ممري بأرض كنعان التي ابتاعها إبراهيم: روضة من عفرون الحيثاني وراثة المقبرة، هنالك دفن إبراهيم وسارة حليلته، وفيها دفن إسحاق ورفقا حليلته، وهنالك دفنت ليا في الروضة المبتاعة والمغارة التي فيها من بني حاث. فلما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه بسط رجليه على أريكته فمات ونقل إلى شعبه. فوقع يوسف عليه فقبله وبكى عليه، فأمر عبيده الأطباء بتحنيطه، فحنط الأطباء إسرائيل وتمت له أربعون ليلة، لأنه هكذا تكمل أيام المحنطين، وناح المصريون عليه سبعين يوماً، فقال يوسف لآل فرعون: إن ظفرت منكم برحمة ورأفة فأخبروا فرعون أن أبي أحلفني وأقسم عليّ وقال لي: هاأنا متوف، فاقبرني في القبر الذي ابتعته في أرض كنعان، فيأذن لي فأصعد فأدفن أبي ثم أرجع، فقال له فرعون: اصعد فادفن أباك كما أقسم عليك، فصعد يوسف ليدفن أباه، وصعد معه جميع عبيد فرعون وأشياخ بيته وجميع أشياخ مصر وجميع أهل بيت يوسف، وصعد معه إخوته وآل أبيه، وأما حشمهم وبقرهم وغنمهم فخلفوها بأرض خشان - وفي نسخة: السدير - وأصعد المراكب والفرسان أيضاً، فصار في عسكرعظيم منيع، فأتوا إلى بيادر أطرا - وفي نسخة: أندر العوسج - التي في مجاز الأردن، فرنوا هناك وناحوا نوحاً عظيماً مراً، فنظر سكان أرض كنعان إلى التأبل والنواح في أجران العوسج، فقالوا: إن هذا التأبل عظيم للمصريين، ولذلك دعي ذلك الموضع "تأبل مصر"، الذي في مجاز الأردن، ففعل بنو إسرائيل كما أمرهم، وحملوه وانطلقوا به إلى أرض كنعان فدفنوه ثم في المغارة المضاعفة التي في الروضة التي ابتاعها إبراهيم وراثة المقبرة من عفرون الحيثاني وهي إمام ممري. ثم رجع يوسف إلى مصر هو وإخوته وجميع من صعد معه في دفن أبيه، ومن بعد ما دفن أباه نظر إخوة يوسف إلى أبيهم قد توفى، ففرقوا وقالوا: لعل يوسف أن يؤذينا وينكأنا ولعله أن يكافئنا على جميع الشر الذي ارتكبنا منه، فدنوا من يوسف وقالوا له: إن أباك أوصى قبل وفاته وقال: هكذا قولوا ليوسف: نطلب إليك أن تعفو عن جهل إخوتك وعن خطاياهم بارتكابهم الشر منك، فالآن نطلب إليك أن تعفو عن ذنب عبيد إله أبيك، فبكى يوسف لما قالوا ذلك، فدنا إخوته فخروا بين يديه سجداً وقالوا له: هوذا نحن لك عبيد، فقال لهم: لا تخافوني لأني أخاف الله، أما أنتم فهممتم بي شراً فصيره الله لي خيراً كما فعل بي يومنا هذا، فأحيي على يدي خلقاً عظيماً، والآن فلا خوف عليكم، أنا أقوتكم وحشمكم، فعزاهم وملأ قلوبهم خيراً. ثم أقام يوسف بمصر هو وآل بيته، فعاش يوسف مائة وعشر سنين ورأى يوسف ولد ولده، فقال يوسف لإخوته: هاأنذا متوف، والله سيذكركم ويخرجكم من هذه الأرض إلى الأرض التي أقسم بها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأقسم يوسف على بني أسرائيل وقال: إن الله سيذكركم، فأصعدوا عظامي معكم، فتوفي يوسف وهو ابن مائة وعشر سنين، فحنطوه ووضعوه في صندوق بأرض مصر - وسيأتي ما بعد ذلك من استعبادهم وما يتبعه في سورة القصص إن شاء الله تعالى. وهذا الذي ذكر من القصة في التوراة مصدق لما في القرآن وشاهد بإعجازه، غير أنه لم يذكر شرح قوله تعالى: {أية : فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً} تفسير : [يوسف:80] في أنه بعد أخذ الصواع من رحل أخيه تركهم من غير تعريف لهم بنفسه فمضوا إلى أبيهم فأخبروه بذلك، ثم عادوا مرة أخرى للميرة والطلب ليوسف وأخيه فعرفهم يوسف عليه السلام بنفسه وجلا لهم الأمر في هذه القدمة الثالثة، فكأنهم أسقطوا ما في التوراة من ذلك تدليساً وتلبيساً، وهو لا يضر غيرهم، فإن ما صار في كتابهم لا يتمشى على قوانين العقل لمن تدبر، فلم يفدهم ذلك غير التحقق لخيانتهم وجهلهم - والله الهادي إلى الصواب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الأعمش - رضي الله عنه - قال: لما قال يوسف عليه السلام {رب قد آتيتني من الملك ....} إلى قوله {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} شكر الله له ذلك، فزاد في عمره ثمانين عاماً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق ابن جريج، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في الآية قال: اشتاق إلى لقاء الله، وأحب أن يلحق به وبآبائه، فدعا الله أن يتوفاه وأن يلحقه بهم. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - ولم يسأل نبي قط الموت غير يوسف عليه السلام، فقال {رب قد آتيتني من الملك ...} الآية. قال ابن جريج - رضي الله عنه - وأنا أقول: في بعض القرآن من الأنبياء من قال توفني. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ما سأل نبي الوفاة غير يوسف. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} يقول: توفني على طاعتك، واغفر لي إذا توفيتني. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {وألحقني بالصالحين} قال: يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} قال: يعني أهل الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - قال: لما أوتي يوسف عليه السلام من الملك ما أوتي، تاقت نفسه إلى آبائه, قال {رب قد آتيتني من الملك ...} إلى قوله {وألحقني بالصالحين} قال: بآبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: لما قدم على يوسف أبوه واخوته وجمع الله شمله وأقر عينيه - وهو يومئذ مغموس في نعيم من الدنيا - اشتاق إلى آبائه الصالحين: إبراهيم وإسحق ويعقوب، فسأل الله القبض، ولم يتمن الموت أحد قط، نبي ولا غيره إلا يوسف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أن يوسف عليه السلام، لما حضرته الوفاة قال: يا اخوتاه، إني لم انتصر من أحد ظلمني في الدنيا، وإني كنت أحب أن أظهر الحسنة وأخفي السيئة، فذلك زادي من الدنيا. يا اخوتاه، إني أشركت آبائي في أعمالهم، فأشركوني معهم في قبورهم، وأخذ عليهم الميثاق، فلم يفعلوا حتى بعث الله موسى عليه السلام، فسأل عن قبره، فلم يجد أحداً يخبره إلا امرأة يقال لها شارخ بنت شيرا بن يعقوب، فقالت: أدلك عليه على أن أشترط عليه. قال ذاك لك، قالت: أصير شابة كلما كبرت. قال: ذاك لك. قالت: وأكون معك في درجتك يوم القيامة. فكأنه امتنع، فأمر أن يمضي لها ذلك ففعل، فدلته عليه فأخرجه، فكانت كلما كانت بنت خمسين سنة، صارت مثل ابنة ثلاثين سنة. حتى عمرت عمر نسرين ألف وستمائة سنة، أو ألف وأربعمائة سنة، حتى أدركها سليمان بن داود عليه السلام فتزوجها. وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - قال: إن الله حين أمر موسى عليه السلام بالسير ببني إسرائيل، أمره أن يحتمل معه عظام يوسف عليه السلام، وأن لا يخلفها بأرض مصر، وأن يسير بها معه حتى يضعها بالأرض المقدسة، فسأل موسى عليه السلام عمن يعرف موضع قبره، فما وجد إلا عجوزاً من بني إسرائيل، فقالت: يا نبي الله، إني أعرف مكانه، إن أنت أخرجتني معك ولم تخلفني بأرض مصر، دللتك عليه. قال: أفعل. وقد كان موسى وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر، فدعا ربه أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف، ففعل. فخرجت به العجوز حتى أرته إياه في ناحية من النيل في الماء، فاستخرجه موسى عليه السلام صندوقاً من مرمر فاحتمله.

ابو السعود

تفسير : {رَبّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ} أي بعضاً منه عظيماً وهو ملكُ مصرَ {وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي بعضاً من ذلك كذلك إن أريد بتعليم تأويلِ الأحاديث تفهيمُ غوامضِ أسرارِ الكتب الإلٰهيةِ ودقائقِ سنن الأنبـياء عليهم الصلاة والسلام فالترتيبُ ظاهر، وأما إن أريد به تعليمُ تعبـيرِ الرؤيا كما هو الظاهرُ فلعل تقديمَ إيتاءِ الملك عليه في الذكر لأنه بمقام تعدادِ النعم الفائضةِ عليه من الله سبحانه والمُلك أعرقُ ـ في كونه نعمةً ـ من التعليم المذكور وإن كان ذلك أيضاً نعمةً جليلةً في نفسه، ولا يمكن تمشيةُ هذا الاعتذارِ فيما سبق لأن التعليمَ هناك واردٌ على نهج العلة الغائيةِ للتمكين فإن حُمل على معنى التمليك لزم تأخرُه عنه، وأما الواقعُ هٰهنا فمجردُ التأخيرِ في الذكر والعطفُ بحرف الواو، ولا يستدعي ذلك الترتيبَ في الوجود {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَالأَرْضِ} مُبدعَهما وخالقَهما، نُصب على أنه صفةٌ للمنادىٰ، أو منادى آخرُ وصفه تعالى به بعد وصفِه بالربوبـية مبالغةً في ترتيب مبادىء ما يعقُبه من قوله: أَنْتَ وَلِيِّي} مالكُ أموري {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ} أو الذي يتولاني بالنعمة فيهما وإذ قد أتممتَ عليّ نعمة الدنيا {تَوَفَّنِى} اقبِضْني {مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ} من آبائي أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامةِ فإنما تتم النعمةُ بذلك، قيل: لما دعا توفاه الله عز وجل طيباً طاهراً فتخاصم أهلُ مصرَ في دفنه وتشاحّوا في ذلك حتى همّوا بالقتال فرأوا أن يصنعوا له تابوتاً من مَرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل ليمُرَّ عليه ثم يصلَ إلى مصر ليكونوا شرعاً واحداً في التبرك به، ووُلد له أفرايـيم وميشا، ولأفرايـيم نونٌ، ولنونٍ يوشعُ فتى موسى عليه الصلاة والسلام ولقد توارثت الفراعنة من العمالقة بعده مصر ولم يزل بنو إسرائيلَ تحت أيديهم على بقايا دين يوسفَ وآبائِه إلى أن بعث الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما سبق من نبأ يوسفَ، وما فيه من معنى البُعد لما مر مراراً من الدِلالة على بُعد منزلتِه أو كونه بالانقضاء في حكم البعيدِ والخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ خبرُه {مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ} الذي لا يحوم حوله أحدٌ وقوله: {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} خبرٌ بعد خبر أو حال من الضمير في الخبر ويجوز أن يكون ذلك اسماً موصولاً و(من أنباء الغيب) صلتَه ويكون الخبرُ نوحيه إليك {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} يريد إخوةَ يوسف عليه الصلاة والسلام {إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ} وهو جعلهم إياه في غيابة الجب {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} به ويبغون له الغوائلَ حتى تقف على ظواهر أسرارِهم وبواطنها وتطّلع على سرائرهم طُراً وتحيط بما لديهم خُبراً، وليس المرادُ مجردَ نفي حضورِه عليه الصلاة والسلام في مشهد إجماعِهم ومكرِهم فقط، بل في سائر المشاهدِ أيضاً، وإنما تخصيصُه بالذكر لكونه مطْلعَ القصة وأخفى أحوالِها كما ينبىء عنه قوله: وهم يمكرون، والخطابُ وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكنِ المرادُ إلزامُ المكذبـين والمعنى ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، إذ لا سبـيل إلى معرفتك إياه سوى ذلك إذ عدمُ سماعِك ذلك من الغير وعدمُ مطالعتِك للكتب أمرٌ لا يشك فيه المكذِّبون أيضاً ولم تكن بـين ظَهرانِيهم عند وقوعِ الأمر حتى تعرِفه كما هو فتبلّغَه إليهم، وفيه تهكم بالكفار فكأنهم يشكون في ذلك فيدفع شكهم، وفيه أيضاً إيذانٌ بأن ما ذكر من النبأ هو الحقُّ المطابق للواقع، وما ينقُله أهلُ الكتاب ليس على ما هو عليه يعني أن مثلَ هذا التحقيقِ بلا وحي لا يُتصوّر إلا بالحضور والمشاهدة وإذ ليس ذلك بالحضور فهو بالوحي، ومثلُه قوله تعالى: {أية : وَمَا لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } تفسير : [آل عمران: 44] وقولُه: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ }تفسير : [القصص: 44].

التستري

تفسير : قوله تعالى: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ}[101] قال سهل: فيه ثلاثة أشياء، سؤال ضرورة وإظهار فقر واختيار فرض، ومعناه: أمتني وأنا مسلم إليك أمري، مفوض إليك شأني، لا يكون لي إلى نفسي رجوع بحال ولا تدبير بسبب من الأسباب.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}. في حرف تبعيض؛ لأن المُلك - بالكمال - لله وحده. ويقال المُلْكُ الذي أشار إليه قسمان: مُلْكُه في الظاهر من حيث الولاية، ومُلْكٌ على نفسه حتى لم يعمل ما همَّ به الزَّلَّة. ويقال ليس كلُّ مُلْكِ المخلوقين الاستيلاَءَ على الخْلق، إنما المُلْْكُ- على الحقيقة - صفاءُ الخُلُق. قوله: {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}: التأويل للخواص، وتفسير التنزيل للعوام. قوله جلّ ذكره: {فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ}. {فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} - هذا ثناء، وقوله: {تَوَفَّنِى} - هذا دعاء. فَقَدَّمَ الثناء على الدعاء، كذلك صفة أهل الولاء. ثم قال: {أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ} هذا إقرارٌ بِقَطْع الأسرار عن الأغيار. ويقال معناه: الذي يتولَّى في الدنيا والآخرة بعرفانه أنتَ، فليس لي غيرك في الدارين. قوله: {تَوَفَّنِى مُسْلِماً}: قيل عَلِمَ أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فَسأَلَ الوفاة. وقيل من أمارات الاشتياق تمنِّي الموت على بساط العوافي مثل يوسف عليه السلام أُلقِيَ في الجُبِّ فلم يقل توفني مسلماً، وأقيم فيمن يزيد فلم يقل توفني مسلماً، وحُبِسَ في السجن سنين فلم يقل توفني مسلماً، ثم لما تمَّ له المُلْكُ، واستقام الأمر، ولَقِيَ الإخوةَ سُجَّداً، وأَلْفَى أبويه معه على العرش قال: {تَوَفَّنِى مُسْلِماً} فعُلِمَ أنه كان يشتاق للقائه (سبحانه). وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله يقول. قال يوسف ليعقوب: عَلِمْتَ أنَّا نلتقي فيما بعد الموت.. فلِمَ بَكيْتَ كلَّ هذا البكاء؟ فقال يعقوب، يا بُنَيّ إنَّ هناك طرُقاً، خِفْتُ أن أسلكَ طريقاً وأنت تسلك طريقاً، فقال يوسف عند ذلك: {تَوَفَّنِى مُسْلِماً}. ويقال إن يوسف - عليه السلام - لما قال: توفني مسلماً، فلا يبعد من حال يعقوب أن لو قال: يا بني دَعْني أشتفي بلقائك من الذي مُنِيتُ به في طول فراقك، فلا تُسْمِعْني - بهذه السرعة - قولَكَ: توفَّنِي مسلماً.

اسماعيل حقي

تفسير : {رب} - روى - ان يعقوب اقام مع يوسف اربعا وعشرين سنة واوصى ان يدفنه بالشام الى جنب ابيه اسحاق فنقله يوسف بنفسه فى تابوت من ساج فوافق يوم وفاة عيص فدفنا فى قبر واحد وكانا فى بطن واحد وكان عمرهما مائة وسبعا واربعين سنة كما فى تفسير ابى الليث ثم عاد الى مصر وعاش بعد ابيه ثلاثا وعشرين سنة وكان عمره مائة وعشرين سنة فلما جمع الله شمله وانتظمت اسبابه واطردت احواله ورأى امره على الكمال علم انه اشرف على الزوال وان نعيم الدنيا لا يدوم على كل حال قال قائلهم شعر : اذا تم امردنا نقصه توقع زوالا اذا قيل تم تفسير : فسأل الله الموت بحسن العاقبة. قال الكاشفى [يوسف بدررا بخواب ديدكه ميكويد اى يوسف بغايت مشاق لقاى بشتاب تاسه روز ديكرنزد من آيى يوسف ازخواب درآمد وبرادرانرا ووصيتها كرد ويهودا ولى عهد ساخته فرزندانرا بروسبرد وبطريق مناجات كفت اى بروردكار من] {قد آتيتنى من الملك} اى اعطيتني بعضا منه عظيما وهو ملك مصر اذ لم يكن له ملك كل الدنيا. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره كان فى وجود يوسف عليه السلام قابلية السلطنة واما سلطان الأنبياء صلى الله عليه وسلم فقد افتى جميع ما فى ملك وجوده من جهة الافعال والصفات فلم يبق شئ فظهر مكانه شئ لا يوسف بحيث وقع تجلى الذات فملكه وسلطانه لايدانيه شئ ولذا لو قال احد على وجه التحقير انه كان فقيرا يكفر شعر : شمع سراجه ابيت اختر برج لودنوت تارك دينئ دنى مالك ملكت دنا تفسير : {وعلمتنى من تأويل الاحاديث} [وبياموختى مرااز تعبير خوابها] ومن للتبعيض ايضا لانه لم يؤت علم كل التأويل على التفصيل وان جاز ان يؤتى ملكته ويقال من هنا لابانة الجنس لا للتبعيض. قال ابن الكمال الاحاديث مبنى على واحدة المستعمل وهو الحديث كأنهم جمعوا حديثا على احدثه ثم جمعوا الجمع على احاديث كقطيع واقعة واقاطيع والمراد بالاحاديث الرؤى جمع الرؤيا وتأويلها بيان ما تؤول هى اليه فى الخارج وعلم التعبير من العلوم الجليلة لكنه من لوازم النبوة والولاية فقد يعطيه الله بعض خواصه على التفصيل وبعضهم على الاجمال {فاطر السموات والارض} اي خالقهما موجدهما من العدم الى الوجود. قال ابن عباس رضى الله عنهما كان معنى الفاطر غير ظاهر اى ان تقدم رجلان من العرب يدعى كل منهما الملكية فى بئر احدهما انا فاطرتها اي ابتدأت حفرها فعرفت ذلك {انت وليى} سيدي وانا عبدك. وقال الكاشفى [تويى يار من ومتولئ كارمن} اى القائم بامرى {فى الدنيا والآخرة} [درين سراى ودران سراى] واعلم ان من عرض له حاجة فاراد ان يدعو فعليه ان يقدم الثناء على الله تعالى ولذا قدم يوسف عليه السلام الثناء ثم قال داعيا {توفنى مسلما} وهو طلب للوفاة على حال الاسلام لانها تمام النعمة ونحوه {أية : ولا تموتن الا وانتم مسلمون} تفسير : ويجوز ان يكون تمنيا للموت اى اقبضنى اليك مخلصا بتوحيدك. قيل ما تمنى الموت نبى قبله ولا بعده الا هو: وفى المثنوى شعر : يس رجال ازنقل عالم شادمان وزبقا اش شادمان اين كودكان همجنين باد اجل بر عارفان نرم وخوش همجون نسيم يوسفان أتش ابراهيم را دندان نزد جون كزيده حق بود جونش كزد تفسير : وفى الحديث "حديث : الموت تحفة المؤمن" تفسير : لان الدنيا سجنه لا يزال منها فى عناء بمقاساة نفسه ورياضتها فى شهواتها ومدافعة شيطانه فالموت اطلاقه واستراحته كما قيل موت الامراء فتنة وموت العلماء مصيبة وموت الاغنياء محنة وموت الفقراء راحة وفى الحديث "حديث : من احب لقاء الله احب لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" وقالوا يا رسول الله كلنا نكره الموت قال "ليس ذلك بكراهة للموت ولكن المؤمن اذا احتضر جاء البشير من الله بما يرجع اليه فليس شئ احب اليه من لقاء الله فأحب الله لقاءه وان الفاجر او الكافر اذا احتضر جاءه النذير بما هو صائر اليه من الشر فكره لقاء الله فكره الله لقاءه" تفسير : ومعنى محبة الله افاضة فضله على المؤمن واكثار العطايا له ومعنى كراهته تبعيد الكافر عن رحمته وارادة نقمته. وانما دعا يوسف بهذا الدعاء وهو التوفى مسلما ليقتدى به قومه ومن بعده ممن ليس بآمن على ختمه فلا يترك الدعاء امتثالا له لان ظواهر الانبياء عليهم السلام كانت لنظر الامم اليهم ليعلموا موضع الشكر من موضع الاستغفار {والحقنى بالصالحين} اى بآبائى المرسلين فى الجنة او بعامة الصالحين فى النعمة والكرامة وهو اسم للانبياء لكمال حالهم واستجماع خصال الخير فيهم قال تعالى {أية : وادخلناهم فى رحمتنا انهم من الصالحين } تفسير : قال سعدى المفتى فيه بحث فان يوسف من اكابر الانبياء والصلاح اول درجات المؤمنين فكيف يليق به ان يطلب اللحاق بمن هو فى البداية ثم قال ويمكن ان يقال سبيله سبيل الاستغفار عن نبينا عليه السلام فان امثاله تصدر عن الانبياء هضما للنفس انتهى. يقول الفقير هذا معنى ساقط ذهول عن حقيقة الحال وكأنه ذهب بوهمه الى ترتيب قوله تعالى {أية : فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} تفسير : ولم يعرف ان مرتبة الصلاح مرتبة عظيمة جامعة لجميع المراتب ان الصالح اذا ترقى من مقامه يسمى شهيدا ثم صديقا ثم نبيا ويزم منه ان لا يتصف الشهيد مثلا بالصلاح فان تسميته شهيدا انما هى باعتبار صفة غالبة كتسمية الانسان اميرا ثم وزيرا باعتبار تفاوت درجات ولايته مع كونه انسانا فى نفسه ان ارباب البداية يسمون صلحاء كذلك اصحاب النهاية بشهادة الله تعالى كما قال {أية : انهم من الصالحين} تفسير : وقال {أية : وهو يتولى الصالحين} تفسير : ووجهه ان النهاية هى الرجوع الى البداية فالتوفى مسلما اشارة الى مرتبة الفناء فى الله والالحاق بالصالحين اشارة الى مرتبة البقاء بالله فان المعنى عند اهل الاشارة توفنى مسلما اى افننى عنى بك مستسلما والحقنى بالصالحين للبقاء بك بان تغنينى عنى وتبقينى ببقائك الازلى الابدى فافهم وفقك الله - روى - ان يوسف عليه السلام قص رؤياه المذكورة كما نقل عن الكاشفى على زليخا ودعا بهذا الدعاء فعلمت ان الله يقبل دعاءه وان الامر يصير الى الفرقة بعد الوصلة فبكت وقالت الهى شعر : ندارم طاقت هجران يوسف زتن كش جان من باجان يوسف بقائون وفانيكو نباشد كه من باشم بدنيا اونباشد وكر بامن نسازى همره اورا مرابيون براول آنكه اورا بديكر اوزيوسف بامدادان كه شد دلها زفيض صبح شادان ببر طرده لباس شهرياري برون آمد بآهنك سوازى جو با دريك ركاب آورد جبريل بدوكفتا مكن زين بيش تعجيل امان نبود زجرخ عمر فرساى كه سايد درركاب ديكرت باى عنان بكسل زآمال امانى بكش يا از ركاب زندكانى جو يوسف اين بشارت كردازوكوش زشادى شد بروهستى فراموش زشاهى دامن همت برافشاند يكى از وارثان ملك برخواند بجاى خودشه آن مر زكردش بخصلتهاى نيك اندر زكردش دكر كفتار زليخارا بخوانيد بميعاد وداع من رسانيد بكفتند او زدست غم زبونست فتاده درميان خاك وخونست ندارد طاقت اين باد جانش بحال خويش بكذار آنجنانش بكف جبريل حاضر داشت سيبى كه باغ خلد ازان ميداشت زينى جو يوسف رابدست آن سيب بنهاد روان آن سيب را بوييدو جان داد جو يوسف را ازان بوجان بر آمد زجان حاضران افغان بر آمد زليخا كفت اين سوز وفغان جيست براز غوغا زمين وآسمان جيست بدو كفتند كان شاه جوان بخت بسوى تخته رو كرد ازسر تخت وداع كلبة تنك جهان كرد وطن بر اوج كاخ لامكان كرد زهول اين سخن آن سرو جالاك سه روز افتاد همجون سايه بر خاك جوجارم روز شد زان خواب بيدار سماع آن زخود بردش دكر بار سه بارا ينسان سه روز ازخودهمى رفت بداغ سينه سوز خود همى رفت جهارم بار جون آمد بخود باز ز يوسف كرد برسش آغاز جز اين ازوى خبر بازش ندادند كه همجون كنج درخا كش نهادند بيك جنبش ازين اندوه خانه برحلت كاه يوسف شد روانه كهى فرقش همى بوسيدة كه باى فغان ميزد زدل كاى واى من واى فرو رفته توهمجون آب در خاك به بيرون مانده من جون خار وخاشاك جودرد وحسرتش ازحد برون شد برسم خاك بوسى سرنكون شد بجشمان خود انكشتان در آورد دو نركس را زنركسدان بر آورد بخاك وى فكند ازكاسه سر كه نركس كاشتن درخاك بهتر بخاكش روى خون آلوده بنهاد بمسكينى زمين بوسيد وجان داد خوش آن عاشق كه در هجران جنان مرد بخلوتكاه جانان جان جنان برد نخست از غير جانان ديده بركند وزان بس نقد جان برخا كش افكند هزاران فيض بر جان وتنش باد بجانان ديده جان روشنش باد حريفان حال اورا جون بديدند فغان وناله بر كردون كشيدند زكرد فرقتش رخ باك كردند بجنب يوسفش درخاك كرند تفسير : وقال فى القصص ماتت زليخا قبله فحزن عليها ولم يتزوج بعدها ولما دنت وفاة يوسف وصى الى ولده افراييم ان يسوس الناس وقال ان يوسف خرج باهله واولاده واخوته ومن آمن معه من مصر ونزل عليه جبريل فخرق له من النيل خليجا الى الفيوم ولحق به كثير من الناس وبنوا هناك مدينتين وسموهما الحرمين فكان يوسف هناك سنين الى ان مات فتخاصم المصريون فى مدفنه من جانبى النيل كل طائفة ارادت ان يدفن يوسف فى جانبه وسمته تبركا بقبره الشريف وجلبا للخصب حتى هموا بالقتال ثم تصالحوا على ان يدفن سنة فى جانب مصر وسنة فى جانب آخر من البدو فدفن فى الجانب المصرى فاخصب ذلك الجانب واجدب الجانب الآخر من البدو ثم نقل الى الجانب البدوي فاخصب ذلك الجانب واجدب الجانب الآخر المصري ثم اتفقوا على دفنه فى وسط النيل وقدروا ذلك بسلسلة وعملوا له صندوقا من مرمر شعر : شكاف سنك قيراندى كردند ميان قعر نيلش جاى كردند يكى شد غرق بحر آشنايى يكى لب تشنه در بر جدايى به بين حيله كه جرخ بى وفا كرد كه بعد مركش ازيوسف جدا كرد نمى دانم باايشان جه كين داشت كه زيرخا كشان آسوده نكذاشت تفسير : وعن عروة بن الزبير رضى الله عنهما قال ان الله تعالى حين امر موسى عليه السلام بالسير ببنى اسرائيل امره ان يحمل معه عظام يوسف وان لا يخلفها بارض مصر وان يسير بها حتى يضعها فى الارض المقدسة اى وفاء بما اوصى به يوسف فقد ذكر انه لما ادركته الوفاة اوصى ان يحمل الى مقابر آبائه فمنع اهل مصر اولياءه من ذلك فسأل موسى عمن يعرف موضع قبر يوسف فما وجد احد يعرفه الا عجوزا فى بنى اسرائيل فقالت له يا بنى انا اعرف مكانه وادلك عليه ان انت اخرجتنى معك ولم تخلفنى بارض مصر قال افعل. وفى لفظ انها قالت اكون معك فى الجنة فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له اعطها طلبتها فاعطاها وقد كان موسى وعد بنى اسرائيل ان يسير بهم اذا طلع القمر فدعا ربه ان يؤخر طلوع القمر حتى يفرغ من امر يوسف ففعل فخرجت به العجوز حتى ارته اياه فى ناحية من النيل. وفى لفظ فى مستنقعة ماء اى وتلك المستنقعة فى ناحية من النيل فقالت لهم انضبوا عنها الماء اى ارفعوا عنها ففعلوا فقالت احفروا فحفروا واخرجوه. وفى لفظ انها انتهت به الى عمود على شاطئ النيل اى فى ناحية منه فلا يخالفه ما سبق فى اصله سكة من حديد فيها سلسلة. ويجوز ان يكون حفرهم الواقع فى تلك الرواية كان على اظهار تلك السلسلة فلا مخالفة ووجده فى صندوق من حديد فى وسط النيل فى الماء استخرجه موسى وهو فى صندوق من مرمر اى داخل ذلك الصندوق الذى من الحديد فاحتمله. وفى انيس الجليس ان موسى جاءه شيخ له ثلاثمائة سنة فقال له يا نبى الله ما يعرف قبر يوسف الا والدتى فقال له موسى قم معى الى والدتك فقام الرجل ودخل منزلته واتى بقعة فيها والدته فقال لها ألك علم بقبر يوسف قالت نعم ولا ادلك على قبره الا ان دعوت الله ان يرد علىّ شبابى الى سبع عشرة سنة ويزيد فى عمرى مثل ما مضى فدعا موسى لها وقال لها كم عمرك قالت تسعمائة سنة فعاشت الفا وثمانمائة سنة فارته قبر يوسف وكان فى وسط نيل مصر ليمر النيل عليه فيصل الى جميع مصر فيكونوا شركاء فى بركته فاخصب الجانبان وكان بين دخول يوسف مصر الى يوم خروج موسى اربعمائة سنة وهو اى يوسف اول نبىّ من بنى اسرائيل. قال فى بحر العلوم ولقد توارثت الفراعنة من العمالقة بعده مصر ولم تزل بنوا اشرائيل تحت ايديهم على بقايا دين يوسف وآبائه الى ان بعث الله موسى فنجاهم من الفراعنة بعونه وتيسيره. وعن عمر بن عبد العزيزان ميمون بن مهران بات عنده فرآه كثير البكاء والمسألة للموت فقال صنع الله على يديك خيرا كثيرا احييت سننا وامت بدعا وفى حياتك خير وراحة للمسلمين افلا اكون كالعبد الصالح لما اقر الله عينه وجمع له امره قال توفنى مسلما والحقنى بالصالحين شعر : كرت ملك جهان زير نكين است بآخر جاى تو زير زمين است

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (فاطر): نعت المنادي، أو منادى بنفسه. يقول الحق جل جلاله: حاكياً عن يوسف عليه السلام: {ربِّ قد آتيتني من المُلكِ} أي: من بعض الملك، وهو ملك مصر، {وعلمتني من تأويل الأحاديث}؛ الكتب المتقدمة، أو تأويل الرؤيا. و"من": للتبعيض فيهما؛ إذ لم يعط ملك الدنيا كلها، ولا أحاط بالعلم كله. {فاطِرَ السَّماواتِ والأرض}: مبدعهما ومنشئهما، {أنت وليي في الدنيا والآخرة}: أنت ناصري ومتولي أمري في الدارين، {توفني مسلماً}: اقبضني ملسماً؛ {وألحقني بالصالحين} من آبائي، أو جماعة الصالحين في الرتبة والكرامة، أو بالصالحين لحضرة قدسك. رُوي أن يعقوب عليه السلام أقام معه أربعاً وعشرين سنة، ثم توفي، فنقله يوسف عليه السلام إلى الشام ليُدفن مع أبويه. هكذا ذكر بعض المفسرين. وقال في الزهر الأنيق: بقي يعقوب عليه السلام بمصر أربعين سنة في أطيب وقت، وأكمل عافية، ثم أوحى الله إلى جبريل: أن انزل إلى يعقوب، وقال له: يرحل إلى الأرض المقدسة، عند قبور آبائه، يجاورهم حتى أُلحِقَه بهم. فنادى يعقوب عليه السلام يوسفَ وأولاده، وقال لهم: قد أمرني ربي بمجاورة أبي؛ ليقبض روحي هناك، ثم ودَّعهم وخرج إلى الأرض المقدسة فزار قبور آبائه فبكى، فرأى في المنام إبراهيم على كرسي، وإسماعيل عن يمينه، وإسحاق عن يساره، وهم يقولون: ألْحق بنا يا يعقوب، فانتبه، ثم قالم فوجد قبراً محفوراً تخرج منه رائحة المسك، فقال: لمن هذا؟ قال له مَلَكٌ عنده: هو لمن يتمنى سكناه، فقال: أنا، فقبض روحه ملكُ الموت، ثم نزل جبريلُ وميكائيلُ ـ عليهما السلام ـ وكفناه وصليا عليه، ودفناه. قال كعب الأحبار: توفي يعقوب وهو ابن مائتي سنة، ولما وصل نعيُه يوسفَ بكى، وبكى معه إخوته. هـ. قلت: ظاهره أنهم لم يحضروا موته. وهو خلاف قوله تعالى: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ}تفسير : [البقرة: 133]، إلا أن يؤول بمعنى: قرب، فتكون وصيته وقعت حين أراد الرجوع إلى الشام، وهو خلاف الظاهر. ثم أن يوسف تاقت نفسه إلى الملك المخلد، فتمنى الموت، فقال: {رب قد آتيتني من الملك....} الخ. رُوي أنه عاش بعد قوله هذا مدة، ثم ماتت زليخا، ولم يتزوج بعدها، وعاش بعدها أربعين يوماً، ثم اشتاق إلى اللقاء واللحوق بآبائه، فتوفاه الله طيَّباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر في مدفنه، حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مَرمَرـ أي: رُخام ـ فيدفعوه في النيل بحيث يمر عليه الماء، ثم يصل إلى مصر؛ ليكونوا شرْعاً فيه. وفي رواية: أنهم دفنوه في ضفة النيل؛ فخصبت وجدبت الأولى، فجعلوه في صندوق، ودفنوه في النيل؛ فاخضرت الجهتان، ثم نقله موسى عليه السلام إلى مدفن آبائه. وكان عمره: مائة وعشرين سنة، وقد تقدم ذكر أولاده الثلاثة: إفراثيم، وميشا، ورحمة امرأة أيوب، وتقدم البحث فيها، وذكر في الزهر الأنيق أنه ولد له من زليخا عشرة أولاد، فانظره. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا كان العبد في زيادة من الأعمال، وفي الترقي إلى مقامات الكمال، فلا بأس أن يتمنى البقاء في هذه الدار؛ لزيادة الزاد إلى دار القرار، وإذا كان في نقصان من الأعمال، أو خاف النقصان بعد الكمال، فلا بأس بطلب الرحيل والانتقال؛ كما طلبه الصَّديق عليه السلام بعد الملك التام. وكما فعل عمر رضي الله عنه حين انتشرت رعيته، وخاف التقصير في سيرته. وقد تقدم في سورة البقرة تفصيل ذلك، ولقد أحسن الشاعر في التحذير، من الاغترار بزخرف هذه الدار، فقال: شعر : هُو الحِمَامُ فلا تُبْعِدْ زِيَارَتَه ولا تَقُلْ: لَيْتَني منه على حَذَرِ يَا وَيحْ مَن غَرَّه دَهْرٌ فَسُرَّ به لَم يَخْلُص الصَّفْوُ إلا شِيبَ بالكَدَرِ انْظُر لِمَنْ باد تنْظُرْ آية عَجَباً وعِبْرَةً لأُولِي الأبصَارِ والبَصَرِ بَادُوا فعَادُوا حَديثاً، إنَّ ذَا عَجَبٌ ما أَوْضَحَ الرُّشْدَ لولا غَفلَةُ النَّظَرِ تَنَافَسَ النَّاسُ في الدُّنيا وَقَدْ عَلِمُوا أن الزمانَ إذا فَكَّرت ذو غِيرِ وَاعمَل لأُخْرَاكَ لا تَبْخَلْ بِمَكْرمُةٍ ومَهَّدِ العُذْرَ؛ ليْس العينُ كَالأَثرِ تفسير : ثم نبه الحق تعالى أن الإخبار بقصة يوسف عليه السلام من أعلام النبوة لنبينا صلى الله عليه وسلم، فقال: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ}.

الطوسي

تفسير : هذا حكاية ما قال يوسف حين اجتمع مع أبويه وأخوته وأهل بيته، وانه قال يا {رب آتيتني من الملك} وحذف حرف النداء للدلالة عليه. وعلى وجه الاعتراف بأنواع نعمة الله عليه، وان من جملتها أنه اعطاه الملك والسياسة والتدبير بين الخلق، وأنه مع ذلك علمه، وفهمه أنواع العلوم، ونصب له الدلالة على علوم كثيرة. وقد يقال: علمه تعليماً إذا بين له الدليل المفضي الى العلم. والاعلام هو إِيجاب العلم بايجاده والتعريض له. والمعنى فهمتني تأويل الاحاديث التي تؤدي الى العلم بما احتاج إليه. والاحاديث الاخبار عن حوادث الزمان. وقوله {فاطر السماوات والأرض} فالفطر الشق عن أمر باختراعه عند انشقاقه، ففطر السموات والارض: اختراعهما بما هو كائن كالشق عما يظهر فيه. ومنه تفطر الشجر بالورق. ونصبه يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون صفة لقوله {رب قد آتيتني من الملك}، لانه مضاف، كما يقال: يقول يا زيد ذي الجمة. والثاني - ان يكون على النداء بتقدير يا فاطر. وقوله {أنت وليّ} أي ناصري، والولي النصير بما يتولى من المعاونة، فاذا وصف تعالى بانه وليّ المؤمن، فلانه ينصره بما يتولى من معونته وحياطته. واذا وصف المؤمن بأنه ولي الله، فلان الله ينصره بمعونته، فتجري الصفة على هذا المعنى. وقوله {توفني مسلماً} معناه اقبضني اليك إذا امتني وأنا مسلم اي الطف لي بما أموت معه على الاسلام {وألحقني بالصالحين} من آبائي اسحاق وابراهيم اي اجعلني من جملتهم. و (من) في قوله {من الملك} وقوله {من تأويل الأحاديث} دخلتا للتبعيض لأنه لم يؤته الله جميع الملك، ولا علمه جميع الاشياء، ويحتمل ان تكون دخلت لتبيين الصفة، كما قال {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان}.

الجنابذي

تفسير : {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ} ظاهراً وباطناً {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} بعضاً من تأويلها {فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ} ثمّ طلب حسن العاقبة كما احسن اليه فى الدّنيا فقال {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} الكاملين فى الصّلاح، فى الخبر عاش يعقوب بن اسحاق (ع) مائة واربعين سنة، وعاش يوسف (ع) مائة وعشرين سنة، وفى الخبر: دخل يوسف (ع) السّجن وهو ابن اثنى عشر ومكث فيها ثمانى عشرة سنةً وبقى بعد خروجه ثمانين سنة، وعاش يعقوب (ع) بمصر حولين، وروى غير ذلك اربع وعشرين سنةً.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وعلمتني من تأويل الأحاديث}، قيل: هو تأويل الرؤيا، وقيل: علم الدين {فاطر السماوات والأرض} أي خالقهما {أنت وليِّي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} قيل: توفي بمصر ودفن في النيل في صندوق، وذهب جماعة إلى أنه تمنى الموت، وقيل: معناه توفني حين وفاتي فأعاد تعالى الكلام بعد تمام القصة إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه اليك وما كنت لديهم} يعني ما كنت عندهم يا محمد {إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} بيوسف حين ألقوه في غيابات الجب، قوله تعالى: {وما تسألهم عليه من أجر} يعني على تبليغ الرسالة وبيان الشريعة جزاء {إن هو إلاَّ ذكر للعالمين} {وكأيّن من آية في السماوات والأرض يمرون عليها}، قيل: أراد الشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر وما في الأرض من أنواع النبات والأشجار والفواكه، وقيل: آثار المتقدمين وأحوال الناس يمرون عليها {وهم عنها معرضون} يعني لا يتفكرون {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} نزلت في المشركين والمراد أنهم يؤمنون بالله ويصدقون به وهم مشركون الأوثان بالعبادة {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله}، قيل: عذاب يغشاهم وهو عذاب الاستئصال، وقيل: أراد القيامة، وقيل: الصواعق والقوارع {أو تأتيهم الساعة} يعني القيامة {بغتة} فجأة قبل أن يعلموا ويتوبوا {وهم لا يشعرون} لا يعلمون قيامها {قل هذه سبيلي} هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الايمان والتوحيد {أدعو إلى الله على بصيرة} أدعو إلى دينه مع حجة واضحة غير عمياء، وتقديره قل يا محمد هذه طريقي، وقيل: سنّتي، أدعو إلى الله إلى توحيده وعدله ودينه، على بصيرة أي يقين ومعرفة {أنا ومن اتبعني} أي من آمن بي وصدقني، وقيل: معناه أنا ومن اتبعني على بصيرة {وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً نوحي إليهم} لأنهم كانوا يقولون لو شاء ربنا لأنزل ملائكة وقوله: {من أهل القرى} لأنهم أعلم وأعمل وأهل البوادي يا محمد فيهم الجهل والجفاء والقسوة، روي أنه ما بعث الله نبيّاً من بادية ولا من النساء ولا من الجن {أفلم يسيروا في الأرض} هؤلاء المتكبرون المكذّبون بنبوتك {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} من الأمم المكذِّبين لرسلهم كيف أهلكناهم كذلك نهلك هؤلاء {ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون} يعني الجنة وما فيها {حتى إذا استيأس الرسل}، قيل: أيسوا من إيمان قومهم، وقيل: أيسوا من تعجيل العذاب وطول الامهال {وظنّوا أنهم قد كذبوا} من قرأ بالتشديد فمعناه أيقنوا أن القوم قد كذبوهم، ومن قرأ بالتخفيف فله وجهان أحدهما أن الضمير يعود إلى المرسل اليهم أي وظن القوم أن الرسل قد كذبوهم، والثاني يعود الضمير إلى الرسل أي وظن الرسل أن قومهم كذبوهم فيما وعدوهم من الإِجابة إلى الإِيمان، وقيل: ظن القوم أن الرسل قد كذبوا أي أخلفوا ما وعَدوا به من النصر {جاءهم} يعني الرسل {نصرنا فنجِّيَ من نشاء ولا يرد بأسنا} أي عذابنا {عن القوم المجرمين} المشركين {لقد كان في قصصهم} قيل: الأنبياء والأمم {عبرة} لما جرى من نصرهم وإهلاك عدوهم، وقيل: في قصة يوسف وأخوته عبرة أي موعظة، وقرئ في قِصصهم بكسر القاف {لأولي الألباب} أي لذوي العقول {ما كان حديثاً يفترى} يعني القرآن حديثاً يختلق كذباً {ولكن تصديق الذي بين يديه} من الكتب كالتوراة والانجيل {وتفصيل كل شيء} يحتاج إليه في الدين من الحلال والحرام والمواعظ والأمثال والحكم، وعمّ كل شيء للمبالغة.

الالوسي

تفسير : {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ} أي بعضاً عظيماً منه ـ فمن ـ للتبعيض ويبعد القول بزيادتها أو جعلها لبيان الجنس والتعظيم من مقتضيات المقام، وبعضهم قدر عظيماً في النظم الجليل على أن مفعول به كما نقل أبو البقاء وليس بشيء، والظاهر أنه أراد من ذلك البعض ملك مصر ومن {ٱلْمُلْكِ} ما يعم مصر وغيرها، ويفهم من كلام بعضهم جواز أن يراد من الملك مصر ومن البعض شيء منها وزعم أنه لا ينافي قوله تعالى: {أية : مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } تفسير : [يوسف: 56] لأنه لم يكن مستقلاً فيه وإن كان ممكناً فيه وفيه تأمل، وقيل: أراد ملك نفسه من إنفاذ شهوته، وقال عطاء ملك حساده بالطاعة ونيل الأماني وليس بذاك {وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي بعضاً من ذلك كذلك، والمراد بتأويل الأحاديث إما تعليم تعبير الرؤيا وهو الظاهر وإما تفهيم غوامض أسرار الكتب الإلهية ودقائق سنن الأنبياء، وعلى التقديرين لم يؤت عليه السلام جميع ذلك، والترتيب على غير الظاهر ظاهر وأما على الظاهر فلعل تقديم إيتاء الملك على ذلك في الذكر لأنه بمقام تعداد النعم الفائضة عليه من الله سبحانه والملك أعرق في كونه نعمة من التعليم المذكور وإن كان ذلك أيضاً نعمة جليلة في نفسه فتذكر وتأمل. وقرأ عبد الله وابن ذر {آتيتن وعلمتن} بحذف الياء فيهما اكتفاء بالكسرة، وحكى ابن عطية عن الأخير {اتَيْتَنِى } بغير {قَدْ}. {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي مبدعهما وخالقهما، ونصبه على أنه نعت ـ لرب ـ أو بدل أو بيان أو منصوب بأعني أو منادى ثان، ووصفه تعالى به بعد وصفه بالربوبية مبالغة في ترتيب مبادىء ما يعقبه من قوله: {أَنتَ وَلِيِّ} متولي أموري ومتكفل بها أو موالي لي وناصر {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ } فالولي إما من الولاية أو الموالاة، وجوز أن يكون بمعنى المولى كالمعطى لفظاً ومعنى أي الذي يعطيني نعم الدنيا/ والآخرة {تَوَفَّنِي} أقبضني {مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ} من آبائي على ما روي عن ابن عباس أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامة كما قيل، واعترض بأن يوسف عليه السلام من كبار الأنبياء عليهم السلام والصلاح أول درجات المؤمنين فكيف يليق به أن يطلق اللحاق بمن هو في البداية؟ وأجيب بأنه عليه السلام طلبه هضماً لنفسه فسبيله سبيل استغفار الأنبياء عليهم السلام، ولا سؤال ولا جواب إذا أريد من الصالحين آباؤه الكرام يعقوب وإسحٰق وإبراهيم عليه السلام، وقال الإمام: هٰهنا وهٰهنا مقام آخر في الآية على لسان أصحاب المكاشفات وهو أن النفوس المفارقة إذا أشرقت بالأنوار الإلهية واللوامع القدسية فإذا كانت متناسبة متشاكلة انعكس النور الذي في كل واحد منها إلى الأخرى بسبب تلك الملاءمة والمجانسة فعظمت تلك الأنوار وتقوت هاتيك الأضواء، ومثال ذلك المرايا الصقيلة الصافية إذا وصفت وصفاً متى أشرقت الشمس عليها انعكس الضوء من كل واحد منها إلى الأخرى فهناك يقوى الضوء ويكمل النور وينتهي في الإشراق والبريق إلى حد لا تطيقه الأبصار الضعيفة فكذلك هٰهنا انتهى. وهو كما ترى، والحق أن يقال: إن الصلاح مقول بالتشكيك متفاوت قوة وضعفاً والمقام يقتضي أنه عليه السلام أراد بالصالحين المتصفين بالمرتبة المعتنى بها من مراتب الصلاح، وقد قدمنا ما عند أهل المكاشفات في الصلاح فارجع إليه. بقي أن المفسرين اختلفوا في أن هذا هل هو منه عليه السلام تمني للموت وطلب منه أم لا؟ فالكثير منهم على أنه طلب وتمني لذلك، قال الإمام: ولا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن يتمنى الموت وتعظم رغبته فيه لأنه حينئذ يحس بنقصانه مع شغفه بزواله وعلمه بأن الكمال المطلق ليس إلا لله تعالى فيبقى في قلق لا يزيله إلا الموت فيتمناه، وأيضاً يرى أن السعادة الدنيوية سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها مع أنه ليس هناك لذة إلا وهي ممزوجة بما ينغصها بل لو حققت لا ترى لذة حقيقية في هذه اللذائذ الجسمانية وإنما حاصلها دفع الآلام، فلذة الأكل عبارة عن دفع ألم الجوع، ولذة النكاح عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب الدغدغة المتولدة من حصول المني في أوعيته، وكذا الإمارة والرياسة يدفع بها الألم الحاصل بسبب شهوة الانتقام ونحو ذلك، والكل لذلك خسيس وبالموت التخلص عن الاحتياج إليه، على أن عمدة الملاذ الدنيوية الأكل والجماع والرياسة والكل في نفسه خسيس معيب، فإن الأكل عبارة عن ترطيب الطعام بالبزاق المجتمع في الفم ولا شك أنه مستقذر في نفسه؛ ثم حينما يصل إلى المعدة يظهر فيه الاستحالة والتعفن ومع ذا يشارك الإنسان فيه الحيوانات الخسيسة فيلتذ الجعل بالروث التذاذ الإنسان باللوزينج، وقد قال العقلاء: من كان همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه، والجماع نهاية ما يقال فيه: إنه إخراج فضلة متولدة من الطعام بمعونة جلدة مدبوغة بالبول ودم الحيض والنفاس مع حركات لو رأيتها من غيرك لأضحكتك، وفيه أيضاً تلك المشاركة وغاية ما يرجى من ذلك تحصيل الولد الذي يجر إلى شغل البال والتحيل لجمع المال ونحو ذلك، والرياسة إذا لم يكن فيها سوى أنها على شرف الزوال في كل آن لكثرة من ينازع فيها ويطمح نظره إليها فصاحبها لم يزل خائفاً وجلا من ذلك لكفاها عيباً، وقد يقال أيضاً: إن النفس خلقت مجبولة على طلب اللذات والعشق الشديد لها والرغبة التامة في الوصول إليها فما دام في هذه الحياة الجسمانية يكون طالباً لها وما دام كذلك فهو في عين الآفات ولجة الحسرات، وهذا اللازم مكروه والملزوم مثله فلهذا يتمنى العاقل زوال هذه الحياة الجسمانية ليستريح من ذلك النصب، ولله تعالى قول من قال: وقال:شعر : / ضجعة الموت رقدة يستريح الجسم فيها والعيش مثل السهاد تفسير : وقال: شعر : تعب كلها الحياة فما أعـجـ ــب إلا من راغب في ازدياد إن حزناً في ساعة الفوت أضعا ف سرور في ساعة الميلاد تفسير : وقد ذكر غير واحد أن تمني الموت حباً للقاء الله تعالى مما لا بأس به، وقد روى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «حديث : من أحب لقاء الله تعالى أحب الله تعالى لقاءه» تفسير : الحديث. نعم تمنى الموت عند نزول البلاء منهيٌ عنه ففي الخبر حديث : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل بهتفسير : ، وقال قوم: إنه عليه السلام لم يتمن الموت وإنما عدد نعم الله تعالى عليه ثم دعا بأن تدوم تلك النعم في باقي عمره حتى إذا حان أجله قبضه على الإسلام وألحقه بالصالحين. والحاصل أنه عليه السلام إنما طلب الموافاة على الإسلام لا الوفاة، ولا يرد على القولين أنه من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام لا يموتون إلا مسلمين أما لأن الإسلام هنا بمعنى الاستسلام لكل ما قضاه الله تعالى أو لأن ذلك بيان لأنه وإن لم يتخلف ليس إلا بإرادة الله تعالى ومشيئته والذاهبون إلى الأول قالوا إنه عليه السلام لم يأت عليه أسبوع حتى توفاه الله تعالى وكان الحسن يذهب إلى القول الثاني ويقول: إنه عليه السلام عاش بعد هذا القول سنين كثيرة وروى المؤرخون أن يعقوب عليه السلام أقام مع يوسف أربعاً وعشرين سنة ثم توفى وأوصى أن يدفن بالشام إلى جنب أبيه فذهب به ودفنه ثمت وعاش بعده ثلاثاً وعشرين سنة وقيل: أكثر ثم تاقت نفسه إلى الملك المخلد فتمنى الموت فتوفاه الله تعالى طيباً طاهراً فتخاصم أهل مصر في مدفنه حتى هموا بالقتال فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في النيل بحيث يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرعاً فيه ففعلوا ثم أراد موسى عليه السلام نقله إلى مدفن آبائه فأخرجه بعد أربعمائة سنة على ما قيل: من صندوق المرمر لثقله وجعله في تابوت من خشب ونقله إلى ذلك، وكان عمره مائة وعشرين سنة، وقيل: مائة وسبع سنين، وقد ولد له من امرأة العزيز افراثيم وهو جد يوشع عليه السلام وميشا ورحمة زوجة أيوب عليه السلام، ولقد توارثت الفراعنة من العمالقة بعده مصر ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه عليهم السلام إلى أن بعث الله تعالى موسى عليه السلام فكان ما كان. وفي التوراة أن يوسف عليه السلام أسكن أباه وإخوته في مكان يقال له عين شمس من أرض السدير وبقي هناك سبع عشرة سنة وكان عمره حين دخل مصر مائة وثلاثين سنة ولما قرب أجله دعا يوسف عليه السلام فجاء ومعه ولداه منشا وهو بكره وافرايم فقدمهما إليه ودعا لهما ووضع يده اليمنى على رأس الأصغر واليسرى على رأس الأكبر وكان يوسف يحب عكس ذلك فكلم أباه فيه فقال: يا بني إني لأعلم أن ما يتناسل من هذا الأصغر أكثر مما يتناسل من هذا الأكبر ودعا ليوسف عليه السلام وبارك عليه وقال: يا بني إني ميت كان الله تعالى معكم وردكم إلى بلد أبيكم يا بني إذا أنا مت فلا تدفنني في مصر وادفني في مقبرة آبائي وقال: نعم يا أبت وحلف له ثم دعا سائر بنيه وأخبرهم بما ينالهم في أيامهم ثم أوصاهم بالدفن عند آبائه في الأرض التي اشتراها إبراهيم عليه السلام من عفرون الختى في أرض الشام وجعلها مقبرة، وبعد أن فرغ من وصيته عليه السلام توفي فانكب يوسف عليه السلام عليه يقبله ويبكى وأقام له حزناً عظيماً وحزن عليه أهل مصر كثيراً ثم ذهب به يوسف/ وإخوته وسائر آله سوى الأطفال ومعهم قواد الملك ومشايخ أهل مصر ودفنوه في المكان الذي أراد ثم رجعوا، وقد توهم إخوة يوسف منه عليه السلام أن يسيء المعاملة معهم بعد موت أبيهم عليه السلام فلما علم ذلك منهم قال لهم: لا تخافوا إني أخاف الله تعالى ثم عزاهم وجبر قلوبهم ثم أقام هو وآل أبيه بمصر وعاش مائة وعشر سنين حتى رأى لإفرايم ثلاثة بنين وولد بنو ماخير بن منشا في حجره أيضاً، ثم لما أحس بقرب أجله قال لإخوته: إني ميت والله سبحانه سيذكركم ويردكم إلى البلد الذي أقسم أن يملكه إبراهيم وإسحٰق ويعقوب فإذا ذكركم سبحانه وردكم إلى ذلك البلد فاحملوا عظامي معكم ثم توفى عليه السلام فحنطوه وصيروه في تابوت بمصر وبقى إلى زمن موسى عليه السلام فلما خرج حمله حسبما أوصى عليه السلام.

ابن عاشور

تفسير : أعقب ذكر نعمة الله عليه بتوجهه إلى مناجاة ربه بالاعتراف بأعظم نعم الدنيا والنعمة العظمى في الآخرة، فذكر ثلاث نعم: اثنتان دنيويتان وهما: نعمة الولاية على الأرض ونعمة العلم، والثالثة: أخروية وهي نعمة الدين الحق المعبر عنه بالإسلام - وجعل الذي أوتيه بعضاً من الملك ومن التأويل لأن ما أوتيه بعض من جنس الملك وبعض من التأويل إشعاراً بأن ذلك في جانب مُلك الله وفي جانب علمه شيء قليل. وعلى هذا يكون المراد بالمُلك التصرف العظيم الشبيه بتصرف المَلِك إذ كان يوسف ــــ عليه السلام ــــ هو الذي يُسير المَلك برأيه. ويجوز أن يراد بالمُلك حقيقته ويكون التبعيض حقيقياً، أي آتيتني بعض المُلك لأن المُلك مجموع تصرفات في أمر الرعية، وكان ليوسف ــــ عليه السلام ــــ من ذلك الحظُّ الأوفر، وكذلك تأويل الأحاديث. وتقدم معنى تأويل الأحاديث عند قوله تعالى: { أية : ويعلمك من تأويل الأحاديث } تفسير : [يوسف: 6] في هذه السورة. و{فاطر السماوات والأرض} نداء محذوف حرف ندائه. والفاطر: الخالق. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض } تفسير : في سورة الأنعام (14). والولي: الناصر، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : قل أغير الله أتخذ ولياً } تفسير : في سورة الأنعام. وجملة {أنت وليي في الدنيا والآخرة} من قبيل الخبر في إنشاء الدعاء وإن أمكن حمله على الإخبار بالنسبة لولاية الدنيا، قيل لإثباته ذلك الشيء لولاية الآخرة. فالمعنى: كن وليـــي في الدنيا والآخرة. وأشار بقوله: {توفني مسلما} إلى النعمة العظمى وهي نعمة الدين الحق، فإن طلب توفّيه على الدين الحق يقتضي أنه متصف بالدين الحق المعبر عنه بالإسلام من الآن، فهو يسأل الدوام عليه إلى الوفاة. والمسلم: الذي اتصف بالإسلام، وهو الدين الكامل، وهو ما تعبّدَ اللّهَ به الأنبياء والرسل ــــ عليهم السلام ــــ. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } تفسير : في سورة آل عمران (102). والإلحاق: حقيقته جعل الشيء لاَ حقاً، أي مُدركاً من سبقه في السّيْر. وأطلق هنا مجازاً على المَزيد في عداد قوم. والصالحون: المتصفون بالصلاح، وهو التزام الطاعة. وأراد بهم الأنبياء. فإن كان يوسف عليه السلام يومئذٍ نبيئاً فدعاؤهُ لطلب الدوام على ذلك، وإن كان نُبّىء فيما بعد فهو دعاء لحصوله، وقد صار نبيئاً بعد ورسولاً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: رب: أي يا رب خالقي ورازقي ومالك أمري ومعبودي الذي ليس لي معبود سواه. من الملك: أي من بعض الملك إذ أصبح ملكاً لمصر فقط. تأويل الأحاديث: تعبير الرؤا. فاطر السماوات والأرض: أي خالقهما على غير مثال سابق. أنت وليّ: أي متولي أمري في الحياتين الدنيا والآخرة. معنى الآية الكريمة: هذا آخر الحديث عن قصة يوسف، إنه بعد أن جمع الله تعالى شمله بكافة أفراد أسرته وفتح عليه من خزائن رحمته ما فتح، وانقلبت الإِحراقات: إحراقات الإِلقاء في الجب، والبيع رقيقاً بثمن بخس، وفتنة امرأة العزيز، والسجن سبع سنين؛ انقلبت إلى اشراقات ملكاً ودولة، عزاً ورفعة، مالاً وثراء، اجتماعاً ووئاماً، وفوق ذلك العلم اللدني والوحي الإِلهي وتأويل الأحاديث. وبعد أن قبض الله تعالى والده وتاب على إخوته وهيأهم للنبوة ونبأهم. تاقت نفس يوسف إلى الملكوت الأعلى إلى الجيرة الصالحة إلى رفقة الأخيار آبائه الأطهار إبراهيم وإسحاق ويعقوب رفع يديه إلى ربه وقال: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} واستجاب الله تعالى دعاءه فلم يلبث إلا قليلاً حتى وافاه الأجل فارتحل والتحق بأبائه وصالحي إخوانه فسلام عليه وعليهم وعلى كل صالح في الأرض والسماء، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. هداية الآية من هداية الآية: 1- مشروعية دعاء الله تعالى والتوسل إليه بأسمائه وصفاته. 2- مشروعية العزوف عن الدنيا والرغبة عنها عند حصولها والتمكن منها. 3- فضل الشوق إلى الله والحنين إلى رفقة الصالحين في الملكوت الأعلى. 4- مشروعية سؤال الموت إن لم يكن لضر أو ملل من العبادة، أو رغبة في الراحة لحديث "حديث : لا يسألن أحدكم الموت لضر نزل به"تفسير : وهو صحيح. ولكن شوقاً إلى الله تعالى والالتحاق بالصالحين. عزوفاً عن هذه الدار وشوقاً إلى الأخرى دار السلام.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْتَنِي} {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلآخِرَةِ} {بِٱلصَّالِحِينَ} (101) - لَمَا تَمَّتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَى يُوسُفَ بِاجْتِمَاعِهِ بِأَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ، وَرَأَى مَا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالمُلْكِ، وَمَا وَهَبَهُ مِنَ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ عَلَى تَفْسِيرِ الأَحْلاَمِ، اتَّجَهَ إِلى اللهِ رَبِّهِ بِالدُّعَاءِ قَائِلاً: يَا رَبِّ أَنْتَ خَالِقِي وَمَالِكُ أَمْرِي، وَمُتَوَلِّي نِعْمَتِي، فِي حَيَاتِي وَبَعَدَ مَمَاتِي، تَوَفَّنِي عَلَى مَا ارْتَضَيْتَ لأَِنْبِيَائِكَ مِنْ دِينِ الإِسْلاَمِ، وَأَدْخِلْنِي فِي زُمْرَةِ مَنْ هَدَيْتَهُمْ إِلى الصَّلاَحِ مِنْ عِبَادِكَ المُخْلِصِينَ الصَّالِحِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعلم أن الربوبية تعني الخَلْق من عدم، والإمداد من عدم؛ والإقاتة لاستبقاء الحياة، والتزاوج لاستباق النسل، وتسير كل هذه العمليات في تناسق كبير. فالحق سبحانه أوجد من عدم، واستبقى الحياة الذاتية بالقوت، واستبقى الحياة النوعية بما أباح من تزاوج وتكاثر. وكل مخلوق له حَظٌّ في عطاء الربوبية، مؤمناً كان أم كافراً، وكل مخلوقات الكون مُسخَّرة لكل الخلق، فسبحانه هو الذي استدعى الخَلْق إلى الوجود؛ ولذلك تكفل بما يحقق لهم الحياة. ويختص الحق سبحانه عباده المؤمنين بعطاء آخر بالإضافة لعطاء الربوبية؛ وهو عطاء الألوهية المتمثل في المنهج. يقول يوسف عليه السلام مناجياً ربه: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ ..} [يوسف: 101]. أي: أنه سبحانه هو الذي أعطاه تلك السيادة، وهذا النفوذ والسلطان؛ فلا أحد يملك قَهْراً عن الله، وحتى الظالم لا يملك قهرّاً عن الله؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى من القرآن: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 26]. وإتيان المُلْك لا توجد فيه مقاومة ممَّنْ يملك؛ ولكن نَزْع المُلْك هو الذي يقاومه المنزوع منه. والحق سبحانه هو أيضاً الذي يُعِز مَنْ يشاء، وهو الذي يُذل مَنْ يشاء. وحين تتغلغل هذه الآية في نفس المؤمن؛ فهو يُوقِن أنه لا مفرَّ من القدر، وأن إيتاء المُلْك خير، وأن نزع الملك خير، وأن الإعزاز خير والإذلال خير؛ كي لا يطغى الإنسان، ولا يتكبر، ولا يُعدِّل في إيمان غيره. وكان بعض الناس يقولون: لا بد أن تُقدر محذوفاً في الآية. وهم قد قالوا ذلك بدعوى الظن أن هناك خيرين في الآية وشَرَّيْن محذوفين. وأقول: لا، إن ما تظنه أيها الإنسان أنه شر إنما هو خير يريده الله؛ فكل ما يُجريه الله خير. وقول يوسف عليه السلام هنا: {آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ ..} [يوسف: 101]. يقتضي أن نفهم معنى "المُلْك"؛ ومعنى "المِلْك"، ولنا أن نعرف أن كل إنسان له شيء يملكه؛ مثل ملابسه أو قلمه أو أثاث بيته، ومثل ذلك من أشياء، وهذا ما يُسمَّى: "المِلْك". أما "المُلْك" فهو أن تملك مَنْ يملك. وقد ملَّك الله بعضاً من خَلْقه لخلقه، ملَّكهم أولاً ما في حوزتهم، وملَّكهم غيرهم، وسبحانه ينزع المُلْك من واحد ويهبه لآخر، كي لا تصبح المسألة رَتَابة ذات. ومثال هذا: هو ما حدث لشاه إيران، وكان له المُلْك، وعنده كل أسباب الحضارة، وفي طَوْعه جيش قوي، ثم شاء الحق سبحانه أن ينزع منه المُلْك، فقام غيره بتفكيك المسامير غير المرئية التي كان الشاه يُثبِّت بها عرشه؛ فزال عنه المُلْك. وأنت في هذه الدنيا تملك السيطرة على جوارحك؛ تقول لليد "إضربي فلان" فتضرب يدُك فلاناً، إلى أن يأتي اليوم الآخر فلا يملك الإنسان السيطرة على جوارحه؛ لأن المُلْك يومها يكون لله وحده، فسبحانه القائل: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. ففي اليوم الآخر تنتفي كل الولايات، وتكون الولاية لله وحده. وبجانب "المُلْك" و"المِلْك"؛ هناك الملكوت، وهو ما لا تراه بأجهزة الحواس. وسبحانه يقول: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الأنعام: 75]. أي: أن الحق سبحانه قد كشف لإبراهيم أسرار العالم الخفية من المخلوقات، وأنت ترى العلماء وهم يتتبعون أسرار ممالك النباتات والحيوانات؛ فتتعجب من دِقَّة خَلْق الله. ومَنْ وهبه الله دِقَّة العلم وبصيرة العلماء، يرى بإشعاعات البصر والعلم عالم الملكوت، ويستخرج الأسرار، ويستنبط الحقائق. ويضيف يوسف عليه السلام في مناجاته لربه: {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ..} [يوسف: 101]. وهو يعترف بفضل الله عليه حين اختصّه بالقدرة على تأويل الأحاديث؛ تلك التي أوَّل بها رُؤْيا الفتييْنِ اللذين كانا معه في السجن؛ وأوَّل رؤيا المَلِك؛ هذا التأويل الذي قاده إلى الحكم، وليس هذا غريباً أو عجيباً بالنسبة لقدرة الله سبحانه. ويقول يوسف شاكراً لله: {فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [يوسف: 101]. وما دام سبحانه هو خالق كل شيء؛ فليس غريباً أن يُعلِّمه سبحانه ما شاء، وكأن إيمان يوسف قد وصل به إلى أن يعلم ما قاله الحق سبحانه: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14]. ونحن في حياتنا نجد الذي صنع جهازاً يستفيد منه غيره؛ يوضح مواصفات استعمال الجهاز أو الأداة، حتى ولو كانت نورجاً أو مِحْراثاً؛ وذلك ليضمن للجهاز الحركة السَّوِيَّة التي يؤدي بها الجهاز عمله. والواحد منا إن تعطلت منه السيارة يستدعي الميكانيكي الذي ينظر ما فيها؛ فإن كان أميناً، فهو يُشخِّص بدِقَّة ما تحتاجه السيارة، ويُصلِحها، وإن كان غير أمين ستجده يُفسد الصالح، ويزيد من الأعمال التي لا تحتاجها السيارة. وهكذا نرى أن كل صانع في مجاله يعلم أسرار صنعته، فما بالنا بالخالق الأعظم سبحانه وتعالى؟ إنه خبير عليم بكل شيء. ولماذا قال يوسف عن الحق سبحانه: {فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [يوسف: 101] لأنه يعلم أن الحق سبحانه قد خلق الإنسان؛ والإنسان له بداية ونهاية، لا يعلمها أحد غير الله سبحانه، فقد يموت الإنسان وعمره يوم، أو يموت في بطن أمه، أو بعد مائة سنة، وتمر على الإنسان الأغيار. أما السماوات والأرض فهي مخلوقات ثابتة، فالشمس لا تحتاج إلى قطعة غيار، ولم تقع، وتعطي الدفء للأرض، وهي مرفوعة عن الأرض؛ لا تقع عليها بمشيئة الله. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الحج: 65]. واسمع قوله الحق: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57]. فالإنسان يتغير ويموت؛ أما السماوات والأرض فثابتة إلى ما شاء الله. ويقول يوسف عليه السلام مواصلاً المناجاة لله: {أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ ..} [يوسف: 101]. وصحيح أن الحق سبحانه وليّ ليوسف في الدنيا، وقد نصره وقرَّبه وأعانه؛ بدليل كل ما مَرَّ به من عقبات، ويرجو يوسف ويدعو ألاّ يقتصر عطاء الله له في الدنيا الفانية، وأن يثيبه أيضاً في الباقية، الآخرة. ومادام سبحانه وليَّه في الدنيا والآخرة؛ فيوسف يدعوه: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]. وقوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً} [يوسف: 101]. إنما بسبب أن يكون أهلاً لعطاء الله له في الآخرة؛ فقد أخذ يوسف عطاء الدنيا واستمتع به، ومَتّع به، ومشى فيه بما يُرضِي الله. وعند تمنِّي يوسف للوفاة وقف العلماء، وقالوا: ما تمناها أحد إلا يوسف. فالإنسان إن كان مُوفّقاً في الدنيا، تجده دائم الطموح، وتوَّاقاً إلى المزيد من الخير. وتحمل لنا ذاكرة التاريخ عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه قَبِل الإمارة، حينما كانوا يجيئون له بثوب ناعم؛ كان يطلب الأكثر منه نُعومة، وإذا جِيءَ له بطعام ليِّن؛ كان يطلب الأكثر لُيونة. وحين صار خليفة؛ كانوا يأتونه بالثوب؛ فيطلب الأكثر خشونة وظن مَنْ حوله أنه لم يَعُدْ منطقياً مع نفسه، ولم يفهموا أن له نفساً توَّاقة إلى الأفضل؛ تستشرف الأعلى دائماً، فحينما تَاقَ إلى الإمارة جاءتْه؛ وحين تاق إلى الخلافة جاءتْه، ولم يَبْقَ بعدها إلا الجنة. ونجد ميمون بن مهران وكان ملازماً له؛ رضي الله عنهما؛ دخل عليه مرة فوجده يسأل ربَّه الموت. فقال: يا أمير المؤمنين، أتسأل ربك الموت وقد صنع الله على يديك خيراً كثيراً؛ فأحيَيْتَ سُنناً وأَمَتَّ بِدعاً؛ وبقاؤك خير للمسلمين؟ فقال عمر بن عبد العزيز: ألا أكون كالعبد الصالح حينما أتمَّ الله عليه نعمته قال: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]. وقوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً ..} [يوسف: 101]. مكونة من شِقَّين: الشق الأول: طلب الموت. والشق الثاني: أن يموت مسلماً. وكُلُّنا يُتوفَّى دون أن يطلب، وعلى ذلك يكون الشق الأول غير مطلوب في ذاته؛ لأنه واقع لا محالة، ويصبح المطلوب - إذن - هو الشق الثاني، وهو أن يتوفاه الله مسلماً؛ ولذلك حين نأتي إلى القبور نقول: السلام عليكم ديار قوم مؤمنين، أنتم السابقون، وإنَّا إنْ شاء الله بكم لاحقون. وإنْ قال سائل: ولماذا نقول إن شاء الله بكم لاحقون، رغم أننا سنموت حَتْماً؟ نقول: إن قولنا "إن شاء الله" سببه هو رغبتنا أن نلحق بهم كمؤمنين. وأيضاً قد يسأل سائل: لماذا يقول نبي لربه: {وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]. وهل هناك صالح يأتي إلى هذا العالم دون أن يهتدي بمنهج نبي مرسل؟ نقول: إن كلمة "الصالحين" تضم الأنبياء وغيرهم من الذين آمنوا برسالة السماء. وهكذا انتهت قصة يوسف عليه السلام؛ ولذلك يتجه الحق سبحانه من بعد تلك النهاية إلى المُرَاد من القصة التي جاءتْ مكتملة في سورة كاملة، غير بقية قَصَص القرآن التي تتناثر أيٌّ منها في لقطات متفرقة بمواقع مختلفة من القرآن الكريم. وذلك باستثناء قصة نوح التي جاءت مكتملة أيضاً، لدرجة أن بعض السطحيين قالوا "إن هذا تكرار للقصة في لقطات مختلفة" ودائماً أقول رداً على ذلك: إنه تأسيس للقطات؛ إن اجتمعت جاءت القصة كاملة. وشاء الحق سبحانه أن تأتي اللقطات متفرقة؛ لأن كل لَقْطة إنما جاءت لمناسبة ما، وكل القَصَص القرآني قد جاء لتثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خلال عمره الرِّسالي الذي استمر ثلاثة وعشرين عاماً تعرَّض لأحداث جِسَام. وكل لحظة كانت تحتاج لتثبيت، فيُنزِل الحق سبحانه ما يُثبِّت به فؤاد رسوله صلى الله عليه وسلم فيوضح له في موقع ما: لا تحزن؛ لأن مَنْ سبقك من الرسل حدث معهم كذا. بل قد تجد في الواقعة الواحدة لقطتيْن، مثلما جاء في العداوة بين موسى وفرعون. قال الحق سبحانه: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ..} تفسير : [القصص: 8]. وهنا تكون العداوة من طرف موسى. ويقول في نفس المسألة أيضاً: {أية : يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ..} تفسير : [طه: 39]. وهنا تكون العداوة من جهتين؛ لأن العداوة تتفاعل حين تكون من جهتين، فلا يمكن أن يستمر عداءٌ من طرف واحد، وتقوم من أجل هذا العداء معركة، لكن حين تكون العداوة من جهتين فهذا يُطيل أَمَد المعركة. والمثل الثاني هو قول الحق سبحانه في نفس قصة موسى؛ وهي لقطة متقدمة حدثتْ في الأيام الأولى من حياة موسى، وقبل أن تُلقيه أمه في اليَمِّ؛ فقد مهَّد الله لها الأمر. يقول الحق سبحانه عن ذلك: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ ..} تفسير : [القصص: 7]. وهذا شَحْذٌ لِهمَّتها قبل الحادث، وتنبيه لها من قبل أن يقع، ولحظةَ أن جاء الحادث نفسه أوحى لها الحق سبحانه: {أية : أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ..} تفسير : [طه: 39]. والذين قالوا: إن قَصص القرآن جاء مُبعثراً، قد نسوا أن قصة نوح جاءت في موقع واحد، وجاءت سورة يوسف مَحْبوكة من أول الرؤيا إلى تولِّي المُلْك، وجمع شَمْل العائلة. ونزلت القصة في سورة واحدة بعد أن سألوا عنها؛ وهم يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يجلس إلى مُعلِّم، ولم يقرأ في كتاب، وتاريخه معروف بالنسبة لهم، وحين يأتي لهم مُوضِّحاً أن الحق سبحانه قد أنزل عليه، فكذَّبوه؛ وادَّعَوْا أنه يسمع لقطة من هنا؛ ولقطة من هناك. حين سألوه أن يأتي بقصة يوسف جاء بها كاملة؛ من أولها إلى آخرها. ويقول الحق سبحانه في نهاية القصة: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ ...}.

الجيلاني

تفسير : ثم دعا يوسف عليه السلام لنفسه وناجى مع ربه مناجاة صاردة عن محض الحكمة والذكاء والفطنة بقوله: {رَبِّ} يا من رباني بلطفك وفضلك بأنواع التربية والنعم إلى حيث {قَدْ آتَيْتَنِي} وأعطيتني {مِنَ ٱلْمُلْكِ} الظاهر أي: الحكومة المتعلقة بعالم الشهادة {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي: العبور من الحوادث الكائنة في عالم الشهادة إلى ما في عالم الغيب من الصور المقتضية إياها {فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: عالم الأسماء التي انعكست منها هذه الأظلال الهالكة الشهادية {أَنتَ} بذاتك بعدما تحققت بتوحيدك وانكشفت به، ورفعت الحجب بيني وبينه {وَلِيِّي} ومولى أمورري وحامل أسراري {فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ} أي: في النشأة الأولى والأخرى {تَوَفَّنِى} اقبضني {مُسْلِماً} مسلماً مفوضاً جميع أموري إليك {وَأَلْحِقْنِي} بلطفك {بِٱلصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] الذين أصلحوا نفوسهم في النشأة الأولى والأخرى حتى يفوزوا من عندك بشرف اللقيا. {ذَلِكَ} المذكور من قصة يوسف وما جرى بينه وبين إخوته وبين امرأة العزيز وغير ذلك من الوقائع الهائلة، الواقعة على يوسف وعلى أبيه وأخيه من حسد إخوتهما {مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} أي: من الإخبارات التي سترت عنك يا أكمل الرسل {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} إي: نعلمك بالوحي والإلهام، ومحقق مسلَّم عند ذوي العقول {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} وعندهم وفي جمعهم وقت {إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102] أي: يقصدون المكر والخداع مع يوسف وأبيه، بعدما شاوروا كثيراً من إهلاك يوسف وإبعاده من عند أبيه واستقرار رأيهم بد تكرر المشاورة على ما فعلوا به واتفقوا عليه، وما أنت أيضاً من أهل الإملاء والنسخ أن تضبط قصصهم من التواريخ، ولا من أهل التعلم المستفيد من الغير، بل ما هو إلا وحي يوحى إليك من عندنا. {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ} الذين يترددون بين يديك {وَلَوْ حَرَصْتَ} بإيمانهم وإذعانهم {بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] لك مصدقين لما جئت به من عند ربك. {وَ} ما عرض لهم ولحق لنفوسهم من الغفلة لم يقبلوا ما قلت لهم؛ إذ {مَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ} أي: على تبليغ ما جئت به من عند الله {مِنْ أَجْرٍ} جُعلٍ ومال من حطام الدنيا كما يفعله حملة الأخبار ومتفقهة الزمان والمتشيخة من أهل التلبيس، بل {إِنْ هُوَ} أي: ما هذا القرآن وما فيه من العبر والأحكام والقصص المستلزمة لأنواع المواعظ والتذكيرات {إِلاَّ ذِكْرٌ} عام، وفائدة جليلة شاملة {لِّلْعَالَمِينَ} [يوسف: 104].

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أنطقه بسوابق إحسانه إليه وسوابغ إنعامه عليه حتى قال: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ} [يوسف: 101] ملك الوصول والوصال {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} وهو مراتب النبوة ونهاية كمالية الإنسان به، {فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [يوسف: 101] أي: فاطر السماوات عالم الأرواح، وفاطر أرض البشرية؛ لتخرجني من فطر الوجود المجازي، {أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ} [يوسف: 101] أي: أنت متولي أمري لتخلصني من حجب الدنيا والآخرة، {تَوَفَّنِى مُسْلِماً} أي: أمتني عني بك مستسلماً، {وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] للبقاء بك بأن تفنيني عني وتبقيني ببقائك الأزلي الأبدي. قوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} [يوسف: 102] يشير إلى الذي فهمناك من مناسبة قصة يوسف وإخوته مع أهل السلوك السائرين إلى الله من أخبار الغيب الذي غابت عن أرباب علم الظاهر، ولا يعلمه إلا أهل الغيب وهم الوالجون ملكوت السماوات والأرض، الغواصون في بحر بطن القرآن، المستخرجون درر معانيه من أصداف ألفاطه وكلماته، {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} [يوسف: 102] القصة وحقائق معانيها المودعة فيها المستجمعة قواعد سلوك السائرين إلى الله من أخبار الغيبية. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} [يوسف: 102] في الكيد والمكر بيوسف، ولكن كنت بالمعنى حاضراً {إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} يعني: إخوة يوسف القلب وهم أوصاف البشرية؛ ليكيدوا ويمكروا بيوسف القلب ويلقوه في جب البشرية وأسفل الطبيعة وسجن الدنيا، {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102] أي: طبعهم المكر والكيد. {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ} [يوسف: 103] أي: وما أكثر الصفات الناسوتية، {وَلَوْ حَرَصْتَ} [يوسف: 103] يا محمد اللاهوتية، {بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] مصدقيك فيما تدعوهم إليه من مقامات القرب والكمالات والتوحيد والمعرفة. {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [يوسف: 104] يشير إلى أن اللاهوتية غير محتاجة إلى الناسوتية، وإن دعتها إلى الاستكمال؛ لأنها كاملة في ذاتها مكملة لغيرها، {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} [يوسف: 104] أي: دعوتها عامة لمن تعلق بالعالمين إلى رب العالمين، {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [يوسف: 105] أي: وكم من آية دالة إلى الحق في سماوات القلوب وأرض النفوس، {يَمُرُّونَ} [يوسف: 105] من أوصاف الإنسانية، {عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] لإقبالهم على الدنيا وشهواتها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما أتم الله ليوسف ما أتم من التمكين في الأرض والملك، وأقر عينه بأبويه وإخوته، وبعد العلم العظيم الذي أعطاه الله إياه، قال مقرا بنعمة الله شاكرا لها داعيا بالثبات على الإسلام: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } وذلك أنه كان على خزائن الأرض وتدبيرها ووزيرا كبيرا للملك { وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ } أي: من تأويل أحاديث الكتب المنزلة وتأويل الرؤيا وغير ذلك من العلم { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنْتَ وَلِيِّيذ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا } أي: أدم عليّ الإسلام وثبتني عليه حتى توفاني عليه، ولم يكن هذا دعاء باستعجال الموت، { وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } من الأنبياء الأبرار والأصفياء الأخيار.