١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
102
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {ذٰلِكَ } رفع بالابتداء وخبره {مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ } خبر ثان {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } أي ما كنت عند إخوة يوسف {إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ } أي عزموا على أمرهم وذكرنا الكلام في هذا اللفظ عند قوله: {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } وقوله: {وَهُمْ يَمْكُرُونَ } أي بيوسف، واعلم أن المقصد من هذا إخبار عن الغيب فيكون معجزاً. بيان إن إخبار عن الغيب أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما طالع الكتب ولم يتلمذ لأحد وما كانت البلدة بلدة العلماء فإتيانه بهذه القصة الطويلة على وجه لم يقع فيه تحريف ولا غلط من غير مطالعة ولا تعلم، ومن غير أن يقال: إنه كان حاضراً معهم لا بد وأن يكون معجزاً وكيف يكون معجزاً وقد سبق تقرير هذه المقدمة في هذا الكتاب مراراً، وقوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } أي وما كنت هناك ذكر على سبيل التهكم بهم، لأن كل أحد يعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما كان معهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} ٱبتداء وخبر. {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} خبر ثان. قال الزجاج: ويجوز أن يكون «ذَلِكَ» بمعنى الذي، «نُوحِيهِ إِلَيْكَ» خبره؛ أي الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك؛ يعني هو الذي قصصنا عليك يا محمد من أمر يوسف من أخبار الغيب «نُوحِيهِ إِلَيْكَ» أي نعلمك بوحي هذا إليك. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} أي مع إخوة يوسف {إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} في إلقاء يوسف في الجبّ. {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} أي بيوسف في إلقائه في الجبّ. وقيل: «يَمْكُرُونَ» بيعقوب حين جاؤوه بالقميص مُلطَّخاً بالدم؛ أي ما شاهدت تلك الأحوال، ولكن الله أطلعك عليها. قوله تعالى: {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} ظنّ أن العرب لما سألته عن هذه القصة وأخبرهم يؤمنون، فلم يؤمنوا؛ فنزلت الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي ليس تقدر على هداية من أردت هدايته؛ تقول: حَرَص يَحرِص، مثل: ضَرَب يَضرِب. وفي لغة ضعيفة حَرِص يَحرَص مثل حَمِدَ يَحمَد. والحِرْص طلب الشيء باختيار. قوله تعالى: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} «مِنْ» صلة؛ أي ما تسألهم جُعْلاً. {إِنْ هُوَ} أي ما هو؛ يعني القرآن والوحي. {إِلاَّ ذِكْرٌ} أي عظة وتذكرة {لِّلْعَالَمِينَ}.
البيضاوي
تفسير : {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما ذكر من نبأ يوسف عليه الصلاة والسلام، والخطاب فيه للرسول صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ. {مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ } خبران له. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ } كالدليل عليهما والمعنى: أن هذا النبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي لأنك لم تحضر إخوة يوسف حين عزموا على ما هموا به من أن يجعلوه في غيابة الجب، وهم يمكرون به وبأبيه ليرسله معهم، ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحداً سمع ذلك فتعلمته منه، وإنما حذف هذا الشق استغناء بذكره في غير هذه القصة كقوله: {أية : مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا تفسير : [هود: 49]}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم لما قص عليه نبأ إِخوة يوسف، وكيف رفعه الله عليهم، وجعل له العاقبة والنصر، والملك والحكم، مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام: هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} ونعلمك به يا محمد؛ لما فيه من العبرة لك، والاتعاظ لمن خالفك {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} حاضراً عندهم، ولا مشاهداً لهم {إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} أي: على إِلقائه في الجب {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} به، ولكنا أعلمناك به وحياً إِليك، وإِنزالاً عليك؛ كقوله: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ} تفسير : [القصص: 46] الآية، وقال تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} تفسير : [آل عمران: 44] الآية، إِلى قوله: {أية : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} تفسير : [القصص: 46] الآية، وقال: {أية : وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِىۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} تفسير : [القصص: 45] الآية، وقال: { أية : مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِن يُوحَىٰ إِلَىَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [ص:69-70] يقول تعالى: إِنه رسوله، وإِنه قد أطلعه على أنباء ما قد سبق؛ مما فيه عبرة للناس، ونجاة لهم في دينهم ودنياهم، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، ولهذا قال: { وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} وقال: {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 116] كقوله: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 8] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي: ما تسألهم يا محمد على هذا النصح والدعاء إِلى الخير والرشد من أجر، أي: من جُعالة ولا أجرة على ذلك، بل تفعله ابتغاء وجه الله، ونصحاً لخلقه، {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ} يتذكرون به، ويهتدون وينجون به في الدنيا والآخرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذٰلِكَ } المذكور من أمر يوسف {مِنْ أَنبَآءِ ٱلْغَيْبِ } أخبار ما غاب عنك يا محمد {نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } لدى إخوة يوسف {إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ } في كيده أي عزموا عليه {وَهُمْ يَمْكُرُونَ } به أي لم تحضرهم فتعرف قصتهم فتخبر بها، وإنما حصل لك علمها من جهة الوحي.
الشوكاني
تفسير : الخطاب بقوله: {ذٰلِكَ } لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ خبره {مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ }، و {نُوحِيهِ إِلَيْكَ } خبر ثان. قال الزجاج: ويجوز أن يكون ذلك بمعنى: الذي، ونوحيه إليك خبره أي: الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك. والمعنى: الإخبار من الله تعالى لرسوله الله صلى الله عليه وسلم بأن هذا الذي قصه عليه من أمر يوسف وإخوته من الأخبار التي كانت غائبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوحاه الله إليه وأعلمه به، ولم يكن عنده قبل الوحي شيء من ذلك، وفيه تعريض بكفار قريش، لأنهم كانوا مكذبين له صلى الله عليه وسلم بما جاء به جحوداً وعناداً وحسداً، مع كونهم يعلمون حقيقة الحال {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } لدي إخوة يوسف {إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ } إجماع الأمر: العزم عليه، أي: وما كنت لدى إخوة يوسف إذ عزموا جميعاً على إلقائه في الجبّ وهم في تلك الحالة {يَمْكُرُونَ } به، أي: بيوسف في هذا الفعل الذي فعلوه به، ويبغونه الغوائل، وقيل: الضمير ليعقوب، أي: يمكرون بيعقوب حين جاءوه بقميص يوسف ملطخاً بالدم، وقالوا: أكله الذئب. وإذا لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لديهم عند أن فعلوا ذلك، انتفى علمه بذلك مشاهدة، ولم يكن بين قوم لهم علم بأحوال الأمم السالفة، ولا خالطهم ولا خالطوه، فانتفى علمه بذلك بطريق الرواية عن الغير، فلم يبق لعلمه بذلك طريق إلاّ مجردّ الوحي من الله سبحانه، فهذا يستلزم الإيمان بما جاء به، فلما لم يؤمن بذلك من عاصره من الكفار، قال الله سبحانه ذاكراً لهذا {وَمَا أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } أي: وما أكثر الناس المعاصرين لك يا محمد، أو أكثر الناس على العموم، ولو حرصت على هدايتهم وبالغت في ذلك بمؤمنين بالله لتصميمهم على الكفر الذي هو دين آبائهم، يقال: حرص يحرص مثل ضرب يضرب، وفي لغة ضعيفة حرص يحرص مثل حمد يحمد، والحرص: طلب الشيء باجتهاد. قال الزجاج: ومعناه: وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على أن تهديهم؛ لأنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. قال ابن الأنباري: إن قريشاً واليهود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف وإخوته فشرحهما شرحاً شافياً، وهو يأمل أن يكون ذلك سبباً لإسلامهم، فخالفوا ظنه، وحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك فعزاه الله بقوله: {وَمَا أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ } الآية. {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } أي: على القرآن وما تتلوه عليهم منه، أو على الإيمان، وحرصك على وقوعه منهم أو على ما تحدّثهم به من هذا الحديث {من أجر} من مال يعطونك إياه، ويجعلونه لك كما يفعله أحبارهم {إِنْ هُوَ } أي: القرآن، أو الحديث الذي حدثهم به {إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ } أي: ما هو إلاّ ذكر للعالمين كافة لا يختص بهم وحدهم. {وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} قال الخليل وسيبويه: والأكثرون إن {كأين} أصلها: أي دخل عليها كاف التشبيه، لكنه انمحى عن الحرفين المعنى الإفرادي، وصار المجموع كاسم واحد بمعنى "كم" الخبرية، والأكثر إدخال "من" في مميزه، وهو تمييز عن الكاف لا عن أي كما في مثلك رجلاً. وقد مرّ الكلام على هذا مستوفى في آل عمران. والمعنى: كم من آية تدلهم على توحيد الله كائنة في السمٰوات من كونها منصوبة بغير عمد، مزينة بالكواكب النيرة السيارة والثوابت، وفي الأرض من جبالها وقفارها وبحارها ونباتها وحيواناتها تدلهم على توحيد الله سبحانه، وأنه الخالق لذلك، الرزاق له، المحيـي والمميت، ولكن أكثر الناس يمرّون على هذه الآيات غير متأملين لها، ولا مفكرين فيها، ولا ملتفتين إلى ما تدل عليه من وجود خالقها، وأنه المتفرد بالألوهية مع كونهم مشاهدين لها {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } وإن نظروا إليها بأعيانهم فقد أعرضوا عما هو الثمرة للنظر بالحدقة، وهي التفكر والاعتبار والاستدلال. وقرأ عكرمة وعمرو بن فايد برفع {الأرض} على أنه مبتدأ، وخبره {يمرّون عليها}. وقرأ السدّي بنصب {الأرض} بتقدير فعل. وقرأ ابن مسعود "يمشون عليها" {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ } أي: وما يصدّق ويقرّ أكثر الناس بالله من كونه الخالق الرزاق المحيـي المميت {إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } بالله يعبدون معه غيره، كما كانت تفعله الجاهلية، فإنهم مقرّون بالله سبحانه، وبأنه الخالق لهم {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [الزخرف: 87]. {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] لكنهم كانوا يثبتون له شركاء فيعبدونهم ليقرّبوهم إلى الله {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 3] ومثل هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله المعتقدون في الأموات بأنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلاّ الله سبحانه كما يفعله كثير من عبّاد القبور، ولا ينافي هذا ما قيل من أن الآية نزلت في قوم مخصوصين، فالاعتبار بما يدل عليه اللفظ لا بما يفيده السبب من الاختصاص بمن كان سبباً لنزول الحكم. {أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ } الاستفهام للإنكار، والغاشية ما يغشاهم ويغمرهم من العذاب كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ }تفسير : [العنكبوت: 55] وقيل: هي الساعة، وقيل: هي الصواعق والقوارع، ولا مانع من للحمل على العموم {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً } أي: فجأة، وانتصاب بغتة على الحال. قال المبرد: جاء عن العرب حال بعد نكرة، وهو قولهم: وقع أمر بغتة، يقال: بغتهم الأمر بغتاً وبغتة: إذا فاجأهم {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانه، ويجوز انتصاب بغتة على أنها صفة مصدر محذوف. {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى } أي: قل يا محمد للمشركين: هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها سبيلي، أي: طريقتي وسنّتي، فاسم الإشارة مبتدأ وخبره سبيلي، وفسر ذلك بقوله: {ٱدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ } أي: على حجة واضحة، والبصيرة: المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل، والجملة في محل نصب على الحال {أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى } واهتدى بهديـي. وقال الفراء: والمعنى ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو. وفي هذا دليل على أن كل متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حق عليه أن يقتدي به في الدعاء إلى الله، أي: الدعاء إلى الإيمان به وتوحيده، والعمل بما شرعه لعباده {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } أي: وقل يا محمد لهم: سبحان الله وما أنا من المشركين بالله الذين يتخذون من دونه أنداداً. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: {ٱدْعُواْ إِلَى ٱللَّهِ} ثم ابتدأ، فقال: {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى }. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ } قال: هم بنو يعقوب إذ يمكرون بيوسف. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة في الآية يقول: وما كنت لديهم وهم يلقونه في غيابة الجب، وهم يمكرون بيوسف. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك {وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ } قال: كم من آية في السماء يعني: شمسها وقمرها ونجومها وسحابها، وفي الأرض ما فيها من الخلق والأنهار والجبال والمدائن والقصور. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } قال: سلهم من خلقهم، ومن خلق السمٰوات والأرض، فسيقولون الله، فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن عطاء في قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } قال: كانوا يعلمون أن الله ربهم وهو خالقهم وهو رازقهم، وكانوا مع ذلك يشركون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: كانوا يشركون به في تلبيتهم يقولون: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: ذلك المنافق يعمل بالرياء وهو مشرك بعمله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ } قال: وقيعة تغشاهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {هَـٰذِهِ سَبِيلِى } قل: هذه دعوتي. وأخرج أبو الشيخ عنه {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى } قال: صلاتي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال: أمري ومشيئتي ومنهاجي، وأخرجا عن قتادة في قوله: {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ } أي: على هدى {أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى }.
الماوردي
تفسير : {ذلك من أنباء الغيب} يعني هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من أمر يوسف من أخبار الغيب. {نوحيه إليك} أي نعلمك بوحي منا إليك. {وما كنت لديهم} أي إخوة يوسف. {إذ أجمعوا أمرهم} في إلقاء يوسف في الجب. {وهم يمكرون} يحتمل وجهين: أحدهما: بيوسف في إلقائه في غيابة الجب. الثاني: يعقوب حين جاؤوا على قميصه بدم كذب.
ابن عبد السلام
تفسير : {ذَلِكَ} قصة يوسف وإخوته من أخبار الغيب {لَدَيْهِمْ} مع إخوة يوسف {إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ} في إلقائه في الجب.
النسفي
تفسير : {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ {مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ } خبر إن {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } لدى بني يعقوب {إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ } عزموا على ما هموا به من إلقاء يوسف في البئر {وَهُمْ يَمْكُرُونَ } بيوسف ويبغون له الغوائل، والمعنى أن هذا النبأ غيب لم يحصل لك إلا من جهة الوحي لأنك لم تحضر بني يعقوب حين اتفقوا على إلقاء أخيهم في البئر {وَمَا أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } أراد العموم أو أهل مكة أي وما هم بمؤمنين ولو اجتهدت كل الاجتهاد على إيمانهم {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ } على التبليغ أو على القرآن {مِنْ أَجْرٍ } جعل {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ } ما هو إلا موعظة {لّلْعَـٰلَمِينَ } وحث على طلب النجاة على لسان رسول من رسله {وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ } من علامة ودلالة على الخالق وعلى صفاته وتوحيده {فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } على الآيات أو على الأرض ويشاهدونها {وَهُمْ عَنْهَا } عن الآيات {مُّعْرِضُونَ } لا يعتبرون بها والمراد ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } أي وما يؤمن أكثرهم في إقراره بالله وبأنه خلقه وخلق السماوات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الوثن الجمهور على أنها نزلت في المشركين لأنهم مقرون بالله خالقهم ورازقهم، وإذا حزبهم أمر شديد دعوا الله ومع ذلك يشركون به غيره. ومن جملة الشرك ما يقوله القدرية من إثبات قدرة التخليق للعبد، والتوحيد المحض ما يقوله أهل السنة وهو أنه لا خالق إلا الله.
الخازن
تفسير : قوله عز جل: {ذلك} يعني الذي ذكرت لك يا محمد من قصة يوسف وما جرى له مع إخوته، ثم إنه صار إلى الملك بعد الرق {من أنباء الغيب} يعني أخبار الغيب {نوحيه إليك} يعني الذي أخبرناك به من أخبار يوسف وحي أوحيناه إليك يا محمد وفي هذه الآية دليل قاطع على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان رجلاً أمياً لم يقرأ الكتب ولم يلق العلماء ولم يسافر إلى بلد آخر غير بلده الذي أنشأ فيه صلى الله عليه وسلم وأنه نشأ بين أمة أمية مثله، ثم إنه صلى الله عليه وسلم أتى بهذه القصة الطويلة على أحسن ترتيب وأبين معان وأفصح عبارة فلعم بذلك أن الذي أتى به هو وحي إلهي ونور قدسي سماوي فهو معجزة له قائمة إلى آخر الدهر. وقوله تعالى: {وما كنت لديهم} يعني وما كنت يا محمد عند أولاد يعقوب {إذا أجمعوا أمرهم} يعني حين عزموا على إلقاء يوسف صلى الله عليه وسلم في الجب {وهم يمكرون} يعني بيوسف {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى وما أكثر الناس يا محمد لو حرصت على إيمانهم بمؤمنين وذلك أن اليهود وقريشاً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف فلما أخبرهم بها على وفق ما عندهم في التوراة لم يسلموا فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك فقيل له إنهم لا يؤمنون ولو حرصت على إيمانهم ففيه تسلية له {وما تسألهم عليه من أجر} يعني على تبليغ الرسالة والدعاء إلى الله من أجر يعني أجراً وجعلا على ذلك {إن هو} أي ما هو يعني القرآن {إلا ذكر} يعني عظة وتذكيراً {للعالمين وكأين من آية} يعني وكم من آية دالة على التوحيد {في السموات والأرض يمرون عليها} يعني لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها {وهم عنها معرضون} أي لا يلتفتون إليها والمعنى ليس إعراضهم عن هذه الآيات الظاهرة الدالة على وحدانية الله تعالى بأعجب من إعراضهم عنك يا محمد {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} يعني أن من إيمانهم أنهم إذا سئلوا من خلق السموات والأرض قالوا الله وإذا قيل لهم من ينزل المطر قالوا الله وهم مع ذلك يعبدون الأصنام. وفي رواية عن ابن عباس: إنهم يقرون أن الله خالقهم فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره فذلك شركهم، وفي رواية أخرى عنه أيضاً أنها نزلت في تلبية مشركي العرب وذلك أنهم كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، وقال عطاء هذا في الدعاء وذلك أن الكفار نسوا ربهم في الرخاء فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} الآية "ذَلِكَ": مبتدأ و{مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ}: خبره، و"نُوحِيهِ": حالٌ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، أو حالاً من الضمير في الخبر، وجوز الزمخشري: أن يكون موصولاً بمعنى: الذي، وتقدَّم نظيره، والمعنى: ذلك الذي ذكرت من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت يا محمَّد عند أولاد يعقوب، {إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} أي عزموا على إلقاء يوسف في الجبِّ، وما كنت هناك، ذكره على وجه التَّهكُّم، وتقدَّم الكلام على هذا اللفظ عند قوله: {أية : فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ}تفسير : [يونس:71] وقوله: {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} أي: بيوسف والمقصود من هذا إخبار عن الغيب، فيكون معجزاً؛ لأنَّ محمداً ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لم يطالع الكتب، ولم يتلمذْ لأحد، ما كانت بلدته بلدة العلماء؛ فإتيانه بهذه القصَّة الطويلة، على وجه لم يقع فيها تحريف، ولا غلطٌ من غير مطالعةٍ، ولا تعلم، كيف لا يكون معجزاً؟. روي أن اليهود وقريشاً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصَّة يوسف؛ فلما أخبرهم على موافقة التَّوراة لم يسلموا، فحزن النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقيل: إنهم لا يؤمنون، ولو حرصت على إيمانهم. قوله {وَهُمْ يَمْكُرُونَ}: حال، {وَلَوْ حَرَصْتَ} معترض بين "مََا" وخبرها، وجواب "لَوْ" محذوف؛ لدلالة ما تقَّدم عليه. قال أبو بكر الأنباري رحمه الله: "جواب "لَوْ" محذوف؛ لأن جواب "لَوْ" لا يكون مقدَّماً عليها، فلا يجوز أن يقال: قُمْتُ لو قمُتَ". وقال الفراء في "المصادر": حَرَصَ يَحْرِصُ حِرْصاً، وفي لغة أخرى: حَرِصَ يَحْرَصُ حَرْصاً، ومعنى الحَرْص: طلب الشيء بأقصى ما يكون من الاجتهاد، {إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ}: حالٌ. قوله {وَمَا تَسْأَلُهُمْ} على تبليغ الرِّسالة، والدُّعاء إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ "مِنْ أجْرٍ" جعلوا خبر "إن" هو "مَا" أي: القرآن، "إلاَّ ذِكْرٌ": عظة وتذكير "للْعَالمِينَ". ثم قال: "وَكَأيِّنْ": وكم، "من آيةٍ": عبرة ودلالة، {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}: لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون. واعلم: أن دلائل التَّوحيد، والعلم، والقدرة، والحكمة والرحمة لا بد وأن تكون من أمور محسوسة، وهي: إما الأجرام الفلكيَّة، وإما الأجرام العنصرية. أما الأجرام الفلكيَّة فهي قسمان: إما الأفلاك، وإما الكواكب. فأما الأفلاك فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصَّانع، وقد يستدل بكون بعضها فوق بعضه أو تحته، وقد يستدلُّ بحركاتها، إمَّا بسرعة حركتها، وإمَّا باختلاف جهة تلك الحركات. وأمَّا الأجرام الكوكبيَّة، فتارة تدلُّ على وجود الصَّانع بمقاديرها، وأجرامها، وحركاتها في سرعتها وبطئها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتارة بتأثيراتها في حصول الأضواء والظلال. وأما دلائل الأجرام العنصرية: فإمَّا أن تكون مأخوذة من بسائطها، وهو البر والبحر، وإما مأخوذة من [المواليد]، وهي أقسام: أحدها: العلويَّة كالرعد، والبرق، والسَّحاب، والمطر، والثلج، والهواء، وقوس قُزَح. وثانيها: المعادن على اختلاف طبائعها وصفاتها، وكيفياتها. وثالثها: النَّبات وخاصيَّة الخشب والورق بخصوصه. ورابعها: اختلاف حال الحيوانات في أشكالها، وطبائعها، وأصواتها، وخلقها. وخامسها: تشريح أبدان الناس، وتشريح القوى الإنسانية، وبيان المنافع الحاصلة منها، ومن هذا الباب أيضاً قصص الأوَّلين والملوك الذين استولوا على الأرض، وقهروا العباد، وخربوا البلاد. ماتوا ولم يبق لهم في الدنيا خبر، ثم بقي الوزرُ والعقاب عليهم، قال ابن الخطيب: فلهذا ضبط أنواع هذه الدَّلائل. فصل الجمهور على جر الأرض عطفاً على السموات، والضمير في "عَلَيْهَا" للآية، فيكون "يمُرُّون" صفة للآية، وحالاً لتخصُّصها بالوصف بالجر. وقيل: يعود الضمير في "عَليْهَا" للأرض فيكون "يمُرُّون عليها" حالاً منها. وقال أبو البقاء: وقيل: منها ومن السَّموات، أي: يكون الحال من الشيئين جميعاً، وهذا لا يجوز؛ إذا كان يجب أن يقال: عليهما، وأيضاً: فإنهم لا يمرُّون في السَّماوات إلا أن يراد: يمرُّون على آياتها، فيعود المعنى على عود الضمير للآية، وقد يجاب عن الأول بأنه من باب الحذف؛ كقوله ـ تعالى ـ: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}تفسير : [التوبة:62]. وقرأ السديُّ: "والأرْضَ" بالنَّصب، ووجهه أنه من باب الاشتغال، ويفسَّر الفعل بما يوافقه معنى، أي: يطوفون الأرض، أو يسلكون الأرض. "يمُرُّون علَيْهَا" كقولك: زَيْداً مررتُ بِهِ، وقرأ عكرمة، وعمرو بن فايد: "والأرْضُ" على الابتداء، وخبره الجملة بعده، والضمير في هاتين القراءتين يعود على الأرض فقط. قوله {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} والمعنى: أنَّهم كانوا مقرِّين بوجود الإله، قال ـ تعالى ـ: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الزمر:38] إلا أنَّهم كانوا [يُثْبِتُون] له شريكاً في العبودية. وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: نزلت في تلبية المشركين من العرب، كانوا يقولون: "لَبِّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيْكَ، لبَّيْكَ لا شريكَ لَكَ إلاَّ شرِيكاً هو لَكَ تمْلِكهُ ومَا مَلَك". وعن عطاء ـ رضي الله عنه ـ هذا في الدعاء، وذلك أن الكفار نسُوا ربَّهم في الرخاء؛ فإذا أصابهم البلاء، أخلصوا في الدعاء، قال تعالى: {أية : وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [يونس:22] {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}تفسير : [العنكبوت:65]. وعن ابن عبَّاس: إن أهل مكة قالوا: الله ربَّنا لا شريك له، والملائكة بناتُه، فلم يوحِّدوا بل أشركوا، وقالت اليهود: ربُّنا الله وحده، وعزيزٌ ابن الله، وقالت النصارى: الله وحده، والمسيح ابن الله. واحتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان: عبارة عن الإقرار باللسان فقط؛ لأنه ـ تعالى ـ حكم بكونهم مؤمنين مع أنَّهم مشركون، وذلك يدلُّ على أن الإيمان عبارةٌ عن مجرَّد الإقرار، وجوابه معلُوم. قوله تعالى: {أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ}: عقوبة تغشاهم، وتنبسط عليهم، وتغمرهم. {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً}. قرأ أبو حفص، ومبشر بن عبد الله: {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} بالياء من تحت؛ لأنه مؤنَّث مجازي؛ وللفصل أيضاً، و"بَغْتَةً": نصب على الحال، يقال: بغَتهُمُ الأمْرُ بغتاً وبَغْتَةً، إذا فاجأهم من حيث لم يتوقَّعوا. وقوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} الناصب لقوله: "بغْتَةً".
البقاعي
تفسير : ولما تم الذي كان من أمرهم على هذا الوجه الأحكم والصراط الأقوم من ابتدائه إلى انتهائه، قال مشيراً إلى أنه دليل كاف في تصحيح دعوى النبوة مخاطباً لمن لا يفهم هذا الحق فهمه غيره، مسلياً له مثبتاً لفؤاده وشارحاً لصدره، منبهاً على أنه مما ينبغي السؤال عنه: {ذلك} أي النبأ العالي الرتبة الذي قصصناه قصاً يعجز البلغاء من حملته ورواته فكيف بغيرهم {من أنباء الغيب} أي أخباره التي لها شأن عظيم {نوحيه إليك} وعبر بصيغة المضارع تصويراً لحال الإيحاء الشريف وإشارة إلى أنه لا يزال معه يكشف له ما يريد {و} الحال أنك {ما كنت لديهم} أي عند إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام في هذا النبأ الغريب جداً {إذ} أي حين {أجمعوا أمرهم} على رأي واحد في إلقاء يوسف عليه الصلاة والسلام في الجب بعد أن كان مقسماً {وهم يمكرون *} أي يدبرون الأذى في خفية، من المكر وهو القتل - لتعرف ذلك بالمشاهدة، وانتفاء تعلمك لذلك من بشر مثل انتفاء كونك لديهم في ذلك الحين، ومن المحقق لدى كل ذي لب أنه لا علم إلا بتعليم، فثبت أنه لا معلم لك إلا الله كما علم إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيا له من دليل جل عن مثيل، وهذا من المذهب الكلامي، وهو إيراد حجة تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمطلوب، وهو تهكم عظيم ممن كذب النبي صلى الله عليه وسلم. ولما سألت قريش واليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما نقله أبو حيان عن ابن الأنباري - عن قصة يوسف عليه الصلاة والسلام فنزلت مشروحة هذا الشرح الشافي، مبينة هذا البيان الوافي، فأمل صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك سبب إسلامهم فخالفوا تأميله، عزاه الله بقوله: {وما} أي نوحيه إليك على هذا الوجه المقتضي لإيمانهم والحال أنه ما {أكثر الناس} أي كلهم مع ذلك لأجل ما لهم من الاضطراب {ولو حرصت} أي على إيمانهم {بمؤمنين *} أي بمخلصين في إيمانهم واصفين الله بما يليق به من التنزه عن شوائب النقص، فلا تظن أنهم يؤمنون لإنزال ما يقترحون من الآيات، أو لترك ما يغيظهم من الإنذار؛ والكثير - قال الرماني: العدة الزائدة على مقدار غيرها، والأكثر: القسم الزائد على القسم الآخر من الجملة، ونقيضه الأقل؛ والناس: جماعة الإنسان، وهو من ناس ينوس - إذا تحرك يمنياً وشمالاً من نفسه لا بجر غيره. ولما ذكر تعالى ما هم عليه من الكفر، ذكر ما يعجب معه منه فقال: {وما} أي هم على ذلك والحال أن موجب إيمانهم موجود، وذلك أنك - مع دعائهم إلى الطريق الأقوم وإيتانك عليه بأوضح الدلائل ما {تسئلهم عليه} أي هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك، وأعرق في النفي فقال: {من أجر} حتى يكون سؤالك سبباً لأن يتهموك أو يقولوا: لولا أنزل عليه كنز ليستغني به عن سؤالنا. ولما نفى عنهم سؤالهم الأجر، نفى عن هذا الذكر كل غرض دنيوي فقال: {إن هو} أي هذا الكتاب {إلا ذكر} أي تذكير وشرف {للعالمين *} قال الرماني: والذكر: حضور المعنى للنفس، والعالم: جماعة الحيوان الكثيرة التي من شأنها أن تعلم، لأنه أخذ من العلم، وفيه معنى التكثير، وقد يقال: عالم الفلك وما حواه على طريق التبع للحيوان الذي ننتفع به وهو مجعول لأجله. ولما كان القرآن العظيم أعظم الآيات بما أنبأ فيه عن الإخبار الماضية والكوائن الآتية على ما هي عليه مضمنة من الحكم والأحكام، في أساليب البلاغة التي لا ترام، وغير ذلك ما لا يحصر بنظام، كما أشار إليه أول السورة، كان ربما قيل: إن هذا ربما لا يعلمه إلا الراسخون في العلوم الإلهية، عطف عليه الإشارة إلى أن له تعالى غيره من الآيات إلتي لا تحتاج لوضوحها إلى أكثر من العقل ما لا يحيط به الحصر، ومع ذلك فلم ينتفعوا به، فقال: {وكأين من آية} أي علامة كبيرة دالة على وحدانيته {في السماوات} أي كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك {والأرض} من الجبال والشجر والدواب وغير ذلك مما لا يحصيه العد - كما سيأتي بيانه في سورة الرعد مفصلاً {يمرون عليها} مشاهدة بالحس ظاهرة غير خفية {وهم عنها} أي خاصة لا عن ملاذهم وشهواتهم بها {معرضون *} أي عن دلالتها على السعادة من الوحدانية وما يتبعها. ولما كان ربما قيل: كيف يوصفون بالإعراض وهم يعتقدون أن الله فاعل تلك الآيات، بين أن إشراكهم مسقط لذلك، فقال: {ما يؤمن أكثرهم} أي الناس {بالله} أي الذي لا شيء إلا وهو داع إلى الإيمان به، لأنه المختص بصفات الكمال {إلا وهم مشركون *} به مَن لا يقدر على شيء فضلاً عن أن يأتي بآية، كانوا يقرون بأن الله خالقهم ورازقهم ويعبدون غيره، وكذا المنافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفران، وكذا أهل الكتابين يؤمنون بكتابهم ويقلدون علماءهم في الكفر بغيره، فعلم أن إذعانهم بهذا الإيمان غير تابع لدليل، وهو محض تقليد لمن زين له سوء علمه فرآه حسناً، لما سبق فيه من علم الله أنه لا صلاحية له فأفسده بما شابهه به من الشرك، والآية صالحة لإرادة الشرك الخفي الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {حديث : الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل} تفسير : وهو شرك الأسباب التي قدر الله وصول ما يصل إلى العبد بواسطتها، فقل من يتخطى من الأسباب إلى مسببها! قال الرازي في اللوامع: وقال الإمام محمد بن علي الترمذي: إنما هو شك وشرك فالشك ضيق الصدر عند النوائب، ومنه ثوب مشكوك، والشرك بنور التوحيد، فعند هذا يتولاه الله تعالى، وقال الواسطي: إلا وهم مشركون: في ملاحظة الخواطر والحركات.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} قال: هم بنو يعقوب، إذ يمكرون بيوسف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - {وما كنت لديهم} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، يقول {ما كنت لديهم} وهم يلقونه في غيابة الجب {وهم يمكرون} بيوسف. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك - رضي الله عنه - {وكأين من آية} قال: كم من آية في السماء، يعني شمسها وقمرها ونجومها وسحابها. وفي الأرض، ما فيها من الخلق والأنهار والجبال والمدائن والقصور. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة قال في مصحف عبد الله [وكأين من آية في السموات والأرض يمشون عليها] والسماء والأرض آيتان عظيمتان. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} قال: سلهم من خلقهم، ومن خلق السموات والأرض؟؟... فيقولون: الله. فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن عطاء - رضي الله عنه - في قوله {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} قال: كانوا يعلمون إن الله ربهم وهو خالقهم وهو رازقهم، وكانوا مع ذلك يشركون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} قال: إيمانهم، قولهم الله خلقنا وهو يرزقنا ويميتنا. فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} قال: كانوا يشركون به في تلبيتهم، يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} قال: ذاك المنافق، يعمل بالرياء وهو مشرك بعمله.
القشيري
تفسير : تبيّن للكافة أن مثل هذا البيان لهذه القصة على لسان رجلٍ أميٍّ لا يكون إلا بتعريف سماويّ. ويقال كونُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - أُميَّا في أول أحواله علامةُ شَرَفِه وعلوِّ قدْرِه في آخر أحواله، لأنَّ صِدْقَهُ في أن هذا من قِبَل اللَّهِ إنما عُرِفَ بكونه أميا، ثم أتى بمثل هذه القصة من غير مدارسة كتاب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ذلك} المذكور من نبأ يوسف يا محمد {من انباء الغيب} من الاخبار التى غاب عنك علمها {نوحيه اليك} على لسان جبريل هوهو خبر ثان لقوله ذلك {وما كنت} حاضرا {لديهم} اى عند اخوة يوسف {اذ جمعوا امرهم} حين عزموا على القائه فى غيابة الجب فان الاجماع العزم على الامر يقال اجمعت الامر وعليه {وهم يمكرون} به وبابيه ليرسله معهم وانما نفى الحضور وانتفاؤه معلوم بغير شبهة تهكما بالمنكرين للوحى من قريش وغيرهم لانه كان معلوما عند المكذبين علما يقينا انه عليه السلام ليس من جملة هذا الحديث واشباهه ولا قرأ على احد ولا سمع منه وليس من علم قومه فاذا اخبر به لم يبق شبهة فى انه من جهة الوحى لا من عنده فاذا انكروه تهكم بهم. وقيل لهم قد علمتم يا مكابرين انه لا سماع له من احد ولا قراءة ولا حضور ولا مشاهدة لمن مضى من القرون الخالية -روى- ان كفار قريش وجماعة من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف على سبيل التعنت فلما اخبرهم عن موافقة التوراة لم يسلموا فحزن النبى عليه السلام فعزاه الله
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (ذلك): مبتدأ، و(من أنباء الغيب): خبر. و(نوحيه): حال. يقول الحق جل جلاله: ذلك أي: خبر يوسف وقصته، هو {من أنباء} أخبار {الغيب} التي لم يكن لك بها علم، وإنما عَلِمْتَه بالوحي الذي {نُوحيه إليك} فأخبرتهم به. {وما كنت لديهم} أي: وما حضرت عندهم، {إذ أجمعوا أمرَهم}: حين عزموا أمرهم على أن يجعلوه في غَيَِابَةِ الجب، {وهم يمكرون} به، وبأبيه؛ ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحداً من الأحبار فتعلمت ذلك منه، فتحققوا أنه وحي من عند الله، ولكن جحدوا؛ {وما أكثرُ الناس ولو حرصْتَ} على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات لهم، {بمؤمنين}؛ لعنادهم وتصميمهم على الكفر، {وما تسألُهم عليه} على تبليغ هذا النبأ، أو القرآن، {من أجرٍ}؛ كما يفعله حملة الأخبار من الأحْبار. {إن هو إلا ذِكْرٌ}: عظة من الله، {للعالمين} من الجن والإنس. {وكأيّنَ}: كثيراً {من آية في السماوات والأرضِ} الدالة على وجود صانعها وتوحيده، وكمال قدرته وتمام حكمته، {يَمرُّونَ عليها} ويشاهدونها، {وهم عنها مُعْرِضُون}: لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون. {وما يؤمن أكثرُهُم بالله} أي: وما يصدق أكثرهم بوجود الله في إقرارهم، بوجوده، وخالقيته للأشياء، وأنه الرزّاق المميت. {إلا وهم مشركون} بعبادة الأصنام، أو باتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً، أو بنسبة التبني إليه، أو الوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك الجلي والرهبان أرباباً، أو بنسبة التبني إليه، أو بالوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك والجلي والخفي. قيل: نزلت في مشركي مكة، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً تملكه وما ملك: وقيل: في أهل الكتاب. {أفأمنوا أن تأتيهم غاشيةٌ}: عقوبة تغشاهم وتشملهم، {من عذاب الله} المرسل على الأمم المتقدمة، {أو تأتيهم الساعةُ بغتهً}: فجأة، {وهم لا يشعرون} بإتيانها، غير مستعدين لها. الإشارة: قوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}: مثله يقال لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى مقام الخصوصية، وما أكثر الناس ولو حرصت على هدايتهم، بمهتدين إلى مقام الخصوصية؛ لأن أهل الخصوصية أفراد قليلون في كل زمان؛ قال تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}تفسير : [سبأ: 13]. وتقدم في سورة هود ما يتعلق بقوله: {وما تسألهم عليه من أجر}. وقوله تعالى: {وكأيِّن من آية...} الخ، فيه ذم الغفلة، والإعراض عن التفكر والاعتبار؛ فإن الحق ـ جل جلاله ـ ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها، وتظهر فيها أسرار ذاته، وأنوار صفاته. قال في لطائف المنن: فما نصبت الكائنات لتراها، ولكن لترى فيها مولاها؛ فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها؛ تراها من حيث ظهوره فيها، ولا تراها من حيث كونيتها. قال: ولنا في هذا المعنى: شعر : ما أثبتَ لَكَ المعالم إلا لِتَراهَا بعَيْنِ مَن لا يَرَاهَا فَارْقَ عَنهَا رُقِيَ منْ لَيْس يَرضَى حَالةً دُون أن يرى مَولاهَا. هـ. تفسير : وقوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}: لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملةً بشهود المكون، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب، برؤية مسبب الأسباب، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب، فإن التفتوا إلى غيره، غفلةً، أدبهم، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبداً. جعلنا الله منهم، وخرطنا في سلكهم آمين. ثم أوضح طريقهم، فقال: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم انه قال له {ذلك} يعنى الذي أخبرناك به من أخبار ما يعظم شأنه، لأن الأنباء هي الاخبار بما له شأن. ومنه قولهم: لهذا نبأ اي شأن عظيم. و {الغيب} ذهاب الشيء عن الحس، ومنه {أية : عالم الغيب والشهادة}تفسير : اي عالم بما غاب عن الحواس، وبما حضرها {نوحيه إليك} اي نلقيه. والايحاء إنهاء المعنى الى النفس، فقد أفهم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم تلك المعاني بانزال الملك بها عليه. وقوله {وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم} اي لم تحضرهم حين عزموا على أمورهم. وإجماع الأمر هو اجتماع الرأي على الامر بالعزم عليه. والمكر: فتل الحيل عن الأمر، واصل المكر من قولهم: ساق ممكورة اي مفتولة. ومثله الخديعة، وكان مكرهم بيوسف إِلقاؤهم إِياه في غيابت الجب - في قول ابن عباس والحسن وقتادة - وقال الجبائي: كان مكرهم احتيالهم في امر يوسف حين القوه في الجب. وانما قال ذلك لنبيه، لأنه لم يكن ممن قرأ الكتب ولا خالط أهلها وإنما اعلمه الله تعالى ذلك بوحي من جهته ليدل بذلك على نبوته، وانه صادق على الله تعالى.
الجنابذي
تفسير : {ذَلِكَ} المذكور من قصّة يوسف (ع) واخوته وحزن يعقوب (ع) وامرئة العزيز ومراودتها وسجن يوسف (ع) وسلطنته واجتماعه مع ابويه واخوته {مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} من انباء ما غاب عنك وعن غيرك {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} يا محمّد (ص) {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} لدى اخوة يوسف (ع) {إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} عزموا على الامر الّذى اتّفقوا عليه {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} بالنّسبة الى يعقوب (ع) ويوسف (ع) فليس علم ذلك لك الاّ بالوحى.
اطفيش
تفسير : {ذلك} الخطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أى ما ذكرته لك يا محمد من امر يوسف مع إخوته وأبويه، والنسوة وغير ذلك مما مر فى السورة {مِنْ أنباءِ} أخبار {الغيب نُوحيه إليكَ} إيحاء، فبالوحى علمته إذ لم تكن فى زمان يوسف، ولم تكن تقرأ الكتابة، ولم تكن تجالس القصاصين، ففى ذلك برهان قاطع على أنه نبى، إذا أتى بذلك بأحسن ترتيب، وأبين معان، وأفصح عبارة، وأصدق كلام، وذلك تكذيب لمكذبيه، ففى ذكر القصة تصديق لنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إزالة للقنوط عن أمته. قال الطبرى عن بعض: والله ما قص الله قصة إخوة يوسف ليعيرهم أنهم الأنبياء من أهل الجنة، ولكن قصها عيلنا لئلا يقنط عبد، وذا مبتدأ، ومن أنباء خبر، ونوحيه خبر ثانٍ، ويجوز على قول الكوفيين أن يكون اسم الإشارة موصولا بالظرف، ونوحيه خبر. {وما كُنتَ لَديْهم} أى عند أولاد يعقوب {إذا أجْمعُوا أمرهُم} فى كيده أى عزموا عليه {وهُم يمْكُرونَ} بيوسف بإلقائه فى الجب، وذلك مثل قوله:{أية : وما كنت بجانب الغربى إذ قضينا}تفسير : الخ{أية : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا}تفسير : الخ واستغنى بنحو قوله:{أية : ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل}تفسير : هذا عما ذكرت من أنه لم يجالس القصاصين، ولا يقرأ الكتابة.
اطفيش
تفسير : {ذَلَكَ} المذكور من أخبار يوسف وإخوته وأبيهم، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم لقوله: {مِنْ أَنْبَأءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} فهو دليل نبوتك لأنك أخبرت به على أحسن وجه وترتيب بدون أن تسمعه من أحد وبدون أن تقرأه فى كتاب؛ لأنك لم تجالس أصحاب الكتب وأصحاب الأخبار ولا تعرف الكتابة {ومَا كُنْتَ لّدَيْهِمْ} لدى إخوه يوسف غير بنيامين لقوله {إذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ} دبروه وهو إلقاؤه فى البئْر وبنيامين صغير لم يدخل مكرهم {وهُمْ يَمْكُرُونَ} به يحتالون عليه بترغيبهم له فى الخروج للعب، وعلى أبيه بعهدهم له أن يحافظوا عليه، وإن يناصحوه وأن لا يصدر منهم إلا ما يسرهما، فقال الله - عز وجل - لم تحرضهم فتعرف قصتهم وإنما عرفتها بالوحى من الله وهذا كقوله تعالى: {أية : ما كنت تعلمها أَنت ولا قومك من قبل هذا} تفسير : [هود: 49] وذلك رد على أهل مكة إذ كفروا به، وقد سأَلوه هم واليهود عن قصة يوسف فأَخبرهم بالأَسماع ولا نظر كتاب.
الالوسي
تفسير : {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما ذكر من أنباء يوسف عليه السلام، وما فيه من معنى البعد لما مر مراراً، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ وقوله تعالى: {مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ} الذي لا يحوم حوله أحد خبره، وقوله سبحانه: {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} خبر بعد خبر أو حال من الضمير في الخبر، وجوز أن يكون {ذٰلِكَ} اسماً موصولاً مبتدأ و {مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ} صلته و {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} خبره وهو مبني على مذهب مرجوح من جعل سائر أسماء الإشارة موصولات. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} يريد إخوة يوسف عليه السلام {إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ} وهو جعلهم إياه في غيابة الجب {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} به ويبغون له الغوائل، والجملة قيل: كالدليل على كون ذلك من أنباء الغيب وموحى إليه عليه الصلاة والسلام، والمعنى أن هذا النبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي لأنك لم تحضر إخوة يوسف عليه السلام حين عزموا على ما هموا به من أن يجعلوه في غيابة الجب وهم يمكرون به، ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحداً سمع ذلك فتعلمته منه، وهذا من المذهب الكلامي على ما نص عليه غير واحد وإنما حذف الشق الأخير مع أن الدال على ما ذكر مجموع الأمرين لعلمه من آية أخرى كقوله تعالى: {أية : مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ } تفسير : [هود: 49] وقال بعض المحققين: إن هذا تهكم بمن كذبه وذلك من حيث أنه تعالى جعل المشكوك فيه كونه عليه السلام حاضراً بين يدي أولاد يعقوب عليه السلام ماكرين فنفاه بقوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} وإنما الذي يمكن أن يرتاب فيه المرتاب قبل التعرف هو تلقيه من أصحاب هذه القصة، وكان ظاهر الكلام أن ينفي ذلك فلما جعل المشكوك ما لا ريب فيه لأن كونه عليه الصلاة والسلام لم يلق أحداً ولا سمع كان عندهم كفلق الفجر جاء التهكم البالغ وصار حاصل المعنى قد علمتم يا مكابرة أنه لم يكن مشاهداً لمن مضى من القرون الخالية وإنكاركم لما أخبر به يفضي إلى أن تكابروا بأنه قد شاهد من مضى منهم، وهذا كقوله تعالى: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إذ وَصَّـٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا } تفسير : [الأنعام: 144] ومنه يظهر فائدة العدول عن أسلوب {أية : مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ } تفسير : [هود: 49] إلى هذا الأسلوب وهو أبلغ مما ذكر أولاً، وذكر لترك ذلك نكتة أخرى أيضاً وهي أن المذكور مكرهم/ وما دبروه وهو مما أخفوه حتى لا يعلمه غيرهم فلا يمكن تعلمه من الغير ولا يخلو عن حسن، وأياً ما كان ففي الآية إيذان بأن ما ذكر من النبأ هو الحق المطابق للواقع وما ينقله أهل الكتاب ليس على ما هو عليه.
سيد قطب
تفسير : انتهت قصة يوسف لتبدأ التعقيبات عليها. تلك التعقيبات التي أشرنا إليها في مقدمة الحديث عن السورة. وتبدأ معها اللفتات المتنوعة واللمسات المتعددة، والجولات الموحية في صفحة الكون وفي أغوار النفس وفي أثار الغابرين، وفي الغيب المجهول وراء الحاضر المعلوم. فنأخذ في استعراضها حسب ترتيبها في السياق. وهو ترتيب ذو هدف معلوم. تلك القصة لم تكن متداولة بين القوم الذين نشأ فيهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم بعث إليهم. وفيها أسرار لم يعلمها إلا الذين لامسوها من أشخاص القصة، وقد غبرت بهم القرون. وقد سبق في مطلع السورة قول الله تعالى لنبيه: {أية : نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هـذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين }.. تفسير : فها هو ذا يعقب على القصة بعد تمامها، ويعطف ختامها على مطلعها: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون}.. ذلك القصص الذي مضى في السياق من الغيب الذي لا تعلمه؛ ولكننا نوحيه إليك وآية وحيه أنه كان غيباً بالقياس إليك. وما كنت معهم إذ اجتمعوا واتفق رأيهم، وهم يمكرون ذلك المكر الذي تحدثت عنه القصة في مواضعه. وهم يمكرون بيوسف، وهم يمكرون بأبيهم، وهم يدبرون أمرهم بعد أخذ أخيه وقد خلصوا نجياً وهو من المكر بمعنى التدبير. وكذلك ما كان هناك من مكر بيوسف من ناحية النسوة ومن ناحية رجال الحاشية وهم يودعونه السجن.. كل أولئك مكر ما كنت حاضره لتحكي عنه إنما هو الوحي الذي سيقت السورة لتثبته من بين ما تثبت من قضايا هذه العقيدة وهذا الدين، وهي متناثرة في مشاهد القصة الكثيرة. ولقد كان من مقتضى ثبوت الوحي، وإيحاء القصص، واللفتات واللمسات التي تحرك القلوب، أن يؤمن الناس بهذا القرآن، وهم يشهدون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويعرفون أحواله، ثم يسمعون منه ما يسمعون. ولكن أكثر الناس لا يؤمنون. وهم يمرون كذلك على الآيات المبثوثة في صفحة الوجود فلا ينتبهون إليها، ولا يدركون مدلولها، كالذي يلوي صفحة وجهه فلا يرى ما يواجهه. فما الذي ينتظرونه؟ وعذاب الله قد يأخذهم بغته وهم لا يشعرون: {وما أكثر الناس ـ ولو حرصت ـ بمؤمنين. وما تسألهم عليه من أجر، إن هو إلا ذكر للعالمين. وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون. أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون}.. ولقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حريصاً على إيمان قومه، رغبة في إيصال الخير الذي جاء به إليهم، ورحمة لهم مما ينتظر المشركين من نكد الدنيا وعذاب الآخرة. ولكن الله العليم بقلوب البشر، الخبير بطبائعهم وأحوالهم، ينهي إليه أن حرصه على إيمانهم لن يسوق الكثرة المشركة إلى الإيمان، لأنهم ـ كما قال في هذه الآيات ـ يمرون على الآيات الكثيرة معرضين. فهذا الإعراض لا يؤهلهم للإيمان، ولا يجعلهم ينتفعون بدلائله المبثوثة في الآفاق. وإنك لغني عن إيمانهم فما تطلب منهم أجراً على الهداية؛ وإن شأنهم في الإعراض عنها لعجيب، وهي تبذل لهم بلا أجر ولا مقابل: {وما تسألهم عليه من أجر، إن هو إلا ذكر للعالمين}.. تذكرهم بآيات الله، وتوجه إليها أبصارهم وبصائرهم، وهي مبذولة للعالمين، لا احتكار فيها لأمة ولا جنس ولا قبيلة، ولا ثمن لها يعجز عنه أحد، فيمتاز الأغنياء على الفقراء، ولا شرط لها يعجز عنه أحد فيمتاز القادرون على العاجزين. إنما هي ذكرى للعالمين. ومائدة عامة شاملة معروضة لمن يريد.. {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون}.. والآيات الدالة على الله و وحدانيته وقدرته كثيرة مبثوثة في تضاعيف الكون، معروضة للأبصار والبصائر. في السماوات وفي الأرض. يمرون عليها صباح مساء، آناء الليل وأطراف النهار. وهي ناطقة تكاد تدعو الناس إليها. بارزة تواجه العيون والمشاعر. موحية تخايل للقلوب والعقول. ولكنهم لا يرونها ولا يسمعون دعاءها ولا يحسون إيقاعها العميق. وإن لحظة تأمل في مطلع الشمس ومغيبها. لحظة تأمل في الظل الممدود ينقص بلطف أو يزيد. لحظة تأمل في الخضم الزاخر، والعين الفوارة، والنبع الروي. لحظة تأمل في النبتة النامية، والبرعم الناعم، والزهرة المتفتحة، والحصيد الهشيم. لحظة تأمل في الطائر السابح في الفضاء، والسمك السابح في الماء، والدود السارب والنمل الدائب، وسائر الحشود والأمم من الحيوان والحشرات والهوام.. لحظة تأمل في صبح أو مساء، في هدأة الليل أو في زحمة النهار.. لحظة واحدة يتسمع فيها القلب البشري إلى إيقاعات هذا الوجود العجيب.. إن لحظة واحدة لكافية لارتعاش هذا القلب بقشعريرة الإدراك الرهيب، والتأثر المستجيب. ولكنهم {يمرون عليها وهم عنها معرضون}.. لذلك لا يؤمن الأكثرون! وحتى الذين يؤمنون، كثير منهم يتدسس الشرك ـ في صورة من صوره ـ إلى قلوبهم. فالإيمان الخالص يحتاج إلى يقظة تنفي عن القلب أولاً بأول كل خالجة شيطانية، وكل اعتبار من اعتبارات هذه الأرض في كل حركة وكل تصرف، لتكون كلها لله، خالصة له دون سواه. والإيمان الخالص يحتاج إلى حسم كامل في قضية السلطان على القلب وعلى التصرف والسلوك فلا تبقى في القلب دينونة إلا لله سبحانه، ولا تبقى في الحياة عبودية إلا للمولى الواحد الذي لا راد لما يريد: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}.. مشركون قيمة من قيم هذه الأرض في تقريرهم للأحداث والأشياء والأشخاص. مشركون سبباً من الأسباب مع قدرة الله في النفع أو الضر سواء. مشركون في الدينونة لقوة غير قوة الله من حاكم أو موجه لا يستمد من شرع الله دون سواه. مشركون في رجاء يتعلق بغير الله من عباده على الإطلاق. مشركون في تضحية يشوبها التطلع إلى تقدير الناس. مشركون في جهاد لتحقيق نفع أو دفع ضر ولكن لغير الله. مشركون في عبادة يلحظ فيها وجه مع وجه الله.. لذلك يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل ". تفسير : وفي الأحاديث نماذج من هذا الشرك الخفي: روى الترمذي ـ وحسنه ـ من رواية ابن عمر: "حديث : من حلف بغير الله فقد أشرك ". تفسير : وروى أحمد وأبو داود وغيره عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : إن الرقى والتمائم شرك ". تفسير : وفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : من علق تميمة فقد أشرك ". تفسير : وعن أبي هريرة ـ بإسناده ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : يقول الله: أنا أغني الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه ". تفسير : وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد ابن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "حديث : إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك ". تفسير : وروى الإمام أحمد ـ بإسناده ـ عن محمود بن لبيد أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء. يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جاء الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء "؟ تفسير : فهذا هو الشرك الخفي الذي يحتاج إلى اليقظة الدائمة للتحرز منه ليخلص الإيمان. وهناك الشرك الواضح الظاهر، وهو الدينونة لغير الله في شأن من شؤون الحياة. الدينونة في شرع يتحاكم إليه ـ وهو نص في الشرك لا يجادَل عليه ـ والدينونة في تقليد من التقاليد كاتخاذ أعياد ومواسم يشرعها الناس ولم يشرعها الله. والدينونة في زيّ من الأزياء يخالف ما أمر الله به من الستر ويكشف أو يحدد العورات التي نصت شريعة الله أن تستر.. والأمر في مثل هذه الشؤون يتجاوز منطقة الإثم والذنب بالمخالفة حين يكون طاعة وخضوعاً ودينونة لعرف اجتماعي سائد من صنع العبيد، وتركاً للأمر الواضح الصادر من رب العبيد.. إنه عندئذ لا يكون ذنباً، ولكنه يكون شركاً. لأنه يدل على الدينونة لغير الله فيما يخالف أمر الله.. وهو من هذه الناحية أمر خطير.. ومن ثم يقول الله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}.. فتنطبق على من كان يواجههم رسول الله في الجزيرة، وتشمل غيرهم على تتابع الزمان وتغير المكان. وبعد فما الذي ينتظره أولئك المعرضون عن آيات الله المعروضة في صفحات الوجود، بعد أعراضهم عن آيات القرآن التي لا يسألون عليها أجراً؟ ماذا ينتظرون؟ {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله، أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون}.. وهي لمسة قوية لمشاعرهم، لإيقاظهم من غفلتهم، وليحذروا عاقبة هذه الغفلة. فإن عذاب الله الذي لا يعلم موعده أحد، قد يغشاهم اللحظة بغاشية تلفهم وتشملهم، وربما تكون الساعة على الأبواب فيطرقهم اليوم الرهيب المخيف بغتة وهم لا يشعرون.. إن الغيب موصد الأبواب، لا تمتد إليه عين ولا أذن، ولا يدري أحد ماذا سيكون اللحظة، فكيف يأمن الغافلون؟ وإذا كانت آيات هذا القرآن الذي يحمل دليل الرسالة، وكانت الآيات التي يحفل بها الكون معروضة للأنظار.. إذا كانت هذه وتلك يمرون عليها وهم عنها معرضون، ويشركون بالله شركاً ظاهراً أو خفياً وهم الأكثرون. فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ماض في طريقه ومن اهتدى بهديه، لا ينحرفون ولا يتأثرون بالمنحرفين: {قل: هـذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله! وما أنا من المشركين}.. {قل: هذه سبيلي}.. واحدة مستقيمة، لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة. {ادعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}.. فنحن على هدى من الله ونور. نعرف طريقنا جيداً، ونسير فيها على بصر وإدراك ومعرفة، لا نخبط ولا نتحسس، ولا نحدس. فهو اليقين البصير المستنير. ننزه الله ـ سبحانه ـ عما لا يليق بألوهيته، وننفصل وننعزل ونتميز عن الذين أشركوا به: {وما أنا من المشركين}.. لا ظاهر الشرك ولا خافيه.. هذه طريقي فمن شاء فليتابع، ومن لم يشأ فأنا سائر في طريقي المستقيم. وأصحاب الدعوة إلى الله لا بد لهم من هذا التميز، لا بد لهم أن يعلنوا أنهم أمة وحدهم، يفترقون عمن لا يعتقد عقيدتهم، ولا يسلك مسلكهم، ولا يدين لقيادتهم، ويتميزون ولا يختلطون! ولا يكفي أن يدعوا أصحاب هذا الدين إلى دينهم، وهم متميعون في المجتمع الجاهلي. فهذه الدعوة لا تؤدي شيئاً ذا قيمة! إنه لا بد لهم منذ اليوم الأول أن يعلنوا أنهم شيء آخر غير الجاهلية؛ وأن يتميزوا بتجمع خاص آصرته العقيدة المتميزة، وعنوانه القيادة الإسلامية.. لا بد أن يميزوا أنفسهم من المجتمع الجاهلي؛ وأن يميزوا قيادتهم من قيادة المجتمع الجاهلي أيضاً! إن اندغامهم وتميعهم في المجتمع الجاهلي، وبقاءهم في ظل القيادة الجاهلية، يذهب بكل السلطان الذي تحمله عقيدتهم، وبكل الأثر الذي يمكن أن تنشئه دعوتهم، وبكل الجاذبية التي يمكن أن تكون للدعوة الجديدة. وهذه الحقيقة لم يكن مجالها فقط هو الدعوة النبوية في أوساط المشركين.. إن مجالها هو مجال هذه الدعوة كلما عادت الجاهلية فغلبت على حياة الناس.. وجاهلية القرن العشرين لا تختلف في مقوماتها الأصلية، وفي ملامحها المميزة عن كل جاهلية أخرى واجهتها الدعوة الإسلامية على مدار التاريخ! والذين يظنون أنهم يصلون إلى شيء عن طريق التميع في المجتمع الجاهلي والأوضاع الجاهلية، والتدسس الناعم من خلال تلك المجتمعات ومن خلال هذه الأوضاع بالدعوة إلى الإسلام.. هؤلاء لا يدركون طبيعة هذه العقيدة ولا كيف ينبغي أن تطرق القلوب!.. إن أصحاب المذاهب الإلحادية أنفسهم يكشفون عن عنوانهم وواجهتهم ووجهتهم! أفلا يعلن أصحاب الدعوة إلى الإسلام عن عنوانهم الخاص؟ وطريقهم الخاص؟ وسبيلهم التي تفترق تماماً عن سبيل الجاهلية؟ ثم لفتة إلى سنة الله في رسالاته، وإلى بعض آيات الله في الأرض من مصائر السابقين.. إن محمداً ليس بدعاً من الرسل، ورسالته ليست بدعاً من الرسالات. وهذه عواقب الذين كذبوا من قبل، آيات معروضة في الأرض. {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى. أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا، أفلا تعقلون}.. إن النظر في آثار الغابرين يهز القلوب. حتى قلوب المتجبرين. ولحظات الاسترجاع الخيالي لحركاتهم وسكناتهم وخلجاتهم؛ وتصورهم أحياء يروحون في هذه الأمكنة ويجيئون، يخافون ويرجون، يطمعون ويتطلعون.. ثم إذا هم ساكنون، لا حس ولا حركة. آثارهم خاوية، طواهم الفناء وانطوت معهم مشاعرهم وعوالمهم وأفكارهم وحركاتهم وسكناتهم، ودنياهم الماثلة للعيان والمستكنة في الضمائر والمشاعر.. إن هذه التأملات لتهز القلب البشري هزاً مهما يكن جاسياً غافلاً قاسياً. ومن ثم يأخذ القرآن بيد القوم ليوقفهم على مصارع الغابرين بين الحين والحين: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى}.. لم يكونوا ملائكة ولا خلقاً آخر. إنما كانوا بشراً مثلك من أهل القرى الحاضرة، لا من أهل البادية، ليكونوا أرق حاشية وألين جانباً.. وأصبر على احتمال تكاليف الدعوة والهداية، فرسالتك ماضية على سنة الله في إرسال رجال من البشر نوحي إليهم.. {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم}.. فيدركوا أن مصيرهم كمصيرهم؛ وأن سنة الله الواضحة الآثار في آثار الغابرين ستنالهم؛ وأن عاقبتهم في هذه الأرض إلى ذهاب: {ولدار الآخرة خير للذين اتقوا}. خير من هذه الدار التي ليس فيها قرار. {أفلا تعقلون؟}.. فتتدبروا سنن الله في الغابرين؟ أفلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير؟ ثم يصور ساعات الحرج القاسية في حياة الرسل، قبيل اللحظة الحاسمة التي يتحقق فيها وعد الله، وتمضي فيها سنته التي لا تتخلف ولا تحيد: {حتى إذا استيأس الرسل، وظنوا أنهم قد كذبوا، جاءهم نصرنا، فننجي من نشاء، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين}.. إنها صورة رهيبة، ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل، وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود. وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل، وتكر الأعوام والباطل في قوته، وكثرة أهله، والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة. إنها ساعات حرجة، والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر. والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض. فتهجس في خواطرهم الهواجس.. تراهم كُذِبوا؟ ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا؟ وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر. وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى: {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله...؟ }تفسير : ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ، ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس، والكرب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة، وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات، وما يحس به من ألم لا يطاق. في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل، ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة.. في هذه اللحظة يجيء النصر كاملاً حاسماً فاصلاً: {جاءهم نصرنا، فنجي من نشاء، ولا يردُّ بأسنا عن القوم المجرمين}.. تلك سنة الله في الدعوات. لا بد من الشدائد، ولا بد من الكروب، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة. ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس. يجيء النصر من عند الله، فينجو الذين يستحقون النجاة، ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين، وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون. ويحل بأس الله بالمجرمين، مدمراً ماحقاً لا يقفون له، ولا يصده عنهم ولي ولا نصير. ذلك كي لا يكون النصر رخيصاً فتكون الدعوات هزلاً. فلو كان النصر رخيصاً لقام في كل يوم دعيٌّ بدعوة لا تكلفه شيئاً. أو تكلفه القليل. ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثاً ولا لعباً. فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج، ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء. والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة، لذلك يشفقون أن يدَّعوها، فإذا ادَّعوها عجزوا عن حملها وطرحوها، وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون؛ الذين لا يتخلون عن دعوة الله، ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة! إن الدعوة إلى الله ليست تجارة قصيرة الأجل؛ إما أن تربح ربحاً معيناً محدداً في هذه الأرض، وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحاً وأيسر حصيلة! والذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات الجاهلية ـ والمجتمعات الجاهلية هي التي تدين لغير الله بالطاعة والاتباع في أي زمان أو مكان ـ يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة، ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل! إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال ويملكون استخفاف الجماهير حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود! ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على أصحاب الدعوة إلى الله، باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات!.. ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف، وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثيرة التكاليف أيضاً. وأنه من ثم لا تنضم إليها ـ في أول الأمر ـ الجماهير المستضعفة، إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله، التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة، وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا. وأن عدد هذه الصفوة يكون دائماً قليلاً جداً. ولكن الله يفتح بينهم وبين قومهم بالحق، بعد جهاد يطول أو يقصر. وعندئذ فقط تدخل الجماهير في دين الله أفواجاً. وفي قصة يوسف ألوان من الشدائد. في الجب وفي بيت العزيز وفي السجن. وألوان من الاستيئاس من نصرة الناس.. ثم كانت العاقبة خيراً للذين اتقوا ـ كما هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب ـ وقصة يوسف نموذج من قصص المرسلين. فيها عبرة لمن يعقل، وفيها تصديق ما جاءت به الكتب المنزلة من قبل، على غير صلة بين محمد وهذه الكتب. فما كان يمكن أن يكون ما جاء به حديثاً مفترى. فالأكاذيب لا يصدق بعضها بعضاً ولا تحقق هداية، ولا يستروح فيها القلب المؤمن الروح والرحمة: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثاً يفترى، ولـكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل كل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}.. وهكذا يتوافق المطلع والختام في السورة، كما توافق المطلع والختام في القصة. وتجيء التعقيبات في أول القصة وآخرها، وبين ثناياها، متناسقة مع موضوع القصة، وطريقة أدائها، وعباراتها كذلك. فتحقق الهدف الديني كاملاً، وتحقق السمات الفنية كاملة، مع صدق الرواية، ومطابقة الواقع في الموضوع. وقد بدأت القصة وانتهت في سورة واحدة، لأن طبيعتها تستلزم هذا اللون من الأداء، فهي رؤيا تتحقق رويداً رويداً، ويوماً بعد يوم، ومرحلة بعد مرحلة. فلا تتم العبرة بها ـ كما لا يتم التنسيق الفني فيها ـ إلا بأن يتابع السياق خطوات القصة ومراحلها حتى نهايتها. وإفراد حلقة واحدة منها في موضع لا يحقق شيئاً من هذا كله كما يحققه إفراد بعض الحلقات في قصص الرسل الآخرين. كحلقة قصة سليمان مع بلقيس. أو حلقة قصة مولد مريم. أو حلقة قصة مولد عيسى. أو حلقة قصة نوح والطوفان.. الخ فهذه الحلقات تفي بالغرض منها كاملاً في مواضعها. أما يوسف فتقتضي أن تتلى كلها متوالية حلقاتها ومشاهدها، من بدئها إلى نهايتها وصدق الله العظيم: {أية : نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هـذا القرآن. وإن كنت من قبله لمن الغافلين }..
ابن عاشور
تفسير : تذييل للقصة عند انتهائها. والإشارة إلى ما ذُكر من الحادث أي ذلك المذكور. واسم الإشارة لتمييز الأنباء أكمل تمييز لتتمكن من عقول السامعين لما فيها من المواعظ. و{الغيب} ما غاب عن علم الناس، وأصله مصدر غاب فسمي به الشيء الذي لا يشاهد. وتذكير ضمير {نوحيه} لأجل مراعاة اسم الإشارة. وضمائر {لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} عائدة إلى كل من صدر منه ذلك في هذه القصة من الرجال والنساء على طريقة التغليب، يشمل إخوة يوسف ــــ عليه السلام ــــ والسيارةَ، وامرأةَ العزيز، ونسوتَها. و{أجمعوا أمرهم} تَفسيره مثل قوله: { أية : وأجمعوا أن يجعلوه في غيابَات الجب } تفسير : [يوسف: 15]. والمكر تقدم، وهذه الجملة استخلاص لمواضع العبرة من القصة. وفيها منّة على النبي، وتعريض للمشركين بتنبيههم لإعجاز القرآن من الجانب العلمي، فإن صدور ذلك من النّبي الأميّ آية كبرى على أنه وحي من الله تعالى. ولذلك عقب بقوله: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}. وكان في قوله: {وما كنت لديهم} توركاً على المشركين. وجملة {وما كنت لديهم} في موضع الحال إذ هي تمام التعجيب. وجملة {وهم يمكرون} حال من ضمير {أجمعوا}، وأتي {يمكرون} بصيغة المضارع لاستحضار الحالة العجيبة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ}. لم يبين هنا هذا الذي أجمعوا أمرهم عليه، ولم يبين هنا أيضاً المراد بمكرهم. ولكنه بين في أول هذه السورة الكريمة أن الذي أجمعوا أمرهم عليه هو جعله في غيابة الجب، وأن مكرهم هو ما فعلوه بأبيهم يعقوب وأخيهم يوسف. وذلك في قوله: {أية : فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ}تفسير : [يوسف: 15] إلى قوله {أية : وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} تفسير : [يوسف: 18]. وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم. لأنه أنزل عليه هذا القرآن، وفصل له هذه القصة. مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن حاضراً لدى أولاد يعقوب حين أجمعوا أمرهم على المكر به، وجعله في غيابة الجب. فلولا أن الله أوحى إليه ذلك ما عرفه من تلقاء نفسه. والآيات المشيرة لإثبات رسالته، بدليل إخباره بالقصص الماضية التي لا يمكنه علم حقائقها إلا عن طريق الوحي كثيرة. كقوله: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}تفسير : [آل عمران: 44] الآية. وقوله: {أية : وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} تفسير : [القصص: 22] الآية. وقوله: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [القصص: 44] الآية. وقوله: {أية : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}تفسير : [القصص: 46] الآية. وقوله: {أية : مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [ص: 69 - 70]. وقوله: {أية : تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا} تفسير : [هود: 49] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. فهذه الآيات من أوضح الأدلة على أنه صلى الله عليه وسلم، رسول كريم، وإن كانت المعجزات الباهرة الدالة على ذلك أكثر من الحصر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ذلك: إشارة إلى ما قص تعالى على رسوله من قصة يوسف وإخوته. من أنباء الغيب: أي أخبار الغيب. وما كنت لديهم: أي لدى إخوة يوسف. إذ أجمعوا أمرهم: أي اتفقوا على إلقاء يوسف في غيابة الجب. وهم يمكرون: أي يحتالون على إخراجه وإلقائه في الجب. عليه من أجر: أي على القرآن وإبلاغه من ثواب أي مال. إن هو إلا ذِكْرٌ: أي ما هو إلا ذكر أي موعظة يتعظ بها المؤمنون. معنى الآيات: بعد ما قص تعالى على رسوله بواسطة الوحي قصة يوسف وإخوته وهي من الغيب المحض إذ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قومه من العرب يعرفون عن هذه الأحداث التاريخية شيئاً، لا سيما وأن بعض هذه الأنباء تم في ظلام الليل وبعضها في ظلام البئر وبعضها وراء الستور، وبعضها في طبقات السجون وبعضها في قصور الملوك وبعضها في الحضر وبعضها في البدو، وبعد تطاول الزمن وتقادم العصور. بعد أن قص ما قص قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} أي من أخبار الغيب {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} أي نعلمك به بطريق الوحي {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} ويؤكد وحيه إليه بذلك فيقول، وما كنت لدى إخوة يوسف في الوقت الذي أجمعوا فيه أمرهم على التخلص من يوسف بأي ثمن وهم يحتالون على إخراجه من بين يدي أبويه ليلقوه في غيابة الجب تخلصاً منه حيث رأوا أنه حجب عنهم وجه أبيهم وذهب بعطفه وحنانه دونهم. وقوله تعالى: {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} يخبره تعالى أن الإِيمان بك وبما جئت به من الوحي والتوحيد والبعث الآخر مثل هذا القصص كافٍ في التدليل على صحة نبوتك وعلى وجوب الإِيمان بما جئت به وتدعو إليه ومع هذا فأكثر الناس ولو حرصت على إيمانهم ما هم بمؤمنين، ولذلك عوامل من أبرزها أن الإِيمان يتعارض مع ما ألفوا من الباطل والشر والفساد، لا سيما شهواتهم وأغراضهم الدنيوية ومن قبل ذلك أن من كتب الله شقاءه لا يؤمن بحال، ولذا فلا تحزن ولا تكرب، وقوله تعالى: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي على هذا القرآن وإبلاغه إليهم من مال إذ لو كنت سائلهم أجراً على قراءتك عليهم وإبلاغك لهم لكان ذلك مانعاً من قبول ما تدعوهم إليه، ولكن ما دام ذلك يقدم لهم مجاناً فلا معنى لعدم إيمانهم إلا ما كتب الله من خسرانهم فهم عاملون للوصول إليه. وقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} أي ما هذا القرآن وما يحمله من هدى ونور وقراءتك له إلا ذكرى أي موعظة يتعظ بها من يسمعها من أهل البصيرة والإِيمان من العالمين من هيأهم الله تعالى للسعادة والكمال، وقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي وكثير من الآيات الدالة على الله وعلى وجوب عبادته وتوحيده فيها في السماوات كالشمس والقمر والكواكب والسحب والأمطار، والأرض كالجبال والأنهار والأشجار والمخلوقات المختلفة يمرون عليها صباح مساء وهم معرضون غير ملتفتين إليها ولا متفكرين فيها فلذا هم لا يؤمنون ولا يهتدون. وقوله تعالى في الآية الأخيرة [106] {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} يخبر تعالى رسوله أن من يدعوهم إلى الإيمان به وبما جاء به ما يؤمن أكثرهم بالله رباً خالقاً رازقاً إلا وهم مشركون به أصناماً وأوثاناً يعبدونها وهي حقيقة قائمة لو سئل يهودي أو نصراني عن الخالق الرازق المحيي المميت المدبر للكون لقال الله، ولكن هو به مشرك يعبد معه غيره وكذلك حال المشركين الذين أخبر تعالى عنهم، وكثر من أهل الجهل في هذه الآمة القرآنية يدعون غير الله ويذبحون لغير الله وينذرون لغير الله وهم مؤمنون بالله وبما جاء به رسوله من التوحيد والبعث والجزاء والشرع. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية بأصدق برهان وأعظم حجة. 2- بيان حكم الله في الناس وهو أن أكثرهم لا يؤمنون فلا يحزن الداعي ولا يكرب. 3- دعوة الله ينبغي أن تقدم إلى الناس مجّاناً، وأجر الداعي على الله تعالى الذي يدعو إليه. 4- ذم الغفلة وعدم التفكر في الآيات الكونية. 5- بيان حقيقة ثابتة وهي أن غير أهل التوحيد وإن آمنوا بالله رباً خالقاً رازقاً مدبراً أكثرهم يشركون به غيره في بعض صفاته وعباداته.
د. أسعد حومد
تفسير : (102) - لَمَّا قَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ الكَريمِ نَبَأَ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ، وَكَيْفَ رَفَعَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ العَاقِبَةَ وَالنَّصْرَ وَالمُلْكَ لَهُ، مَعَ مَا أَرَادَهُ إِخْوَتُهُ مِنَ الكَيْدِ وَالسُّوءِ وَالهَلاَكِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ هذا الذِي قَصَّهُ عَلَيْهِ هُوَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ، وَقَدْ أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيْهِ، وَأَعْلَمَهُ بِهِ، لِمَا فِيهِ مِنَ العَظَمَةِ وَالعِبْرَةِ لَهُ وَلِمَنْ خَالَفَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ مَوْجُوداً مَعَ إِخْوَةِ يُوسُفَ حِينَ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى الكَيْدِ لِيُوسُفَ، وَالمَكْرِ بِهِ، لِيَعْلَمَهُ مُحَمَّدٌ بِتَفَاصِيلِهِ، وَإِنَّمَا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيهِ، وَأَعْلَمَهُ بِهِ وَحْياً مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى. أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ - عَزَمُوا عَلَى الكَيْدِ لِيُوسُفَ.
الثعلبي
تفسير : {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} وما كنت يا محمّد عند أولاد يعقوب {إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} أي تعاهدوا على إلقاء يوسف في غيابة الجُب، {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} بيوسف، {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ} على إيمانهم {بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ} أي على تبليغ الرسالة والدعاء إلى الله {مِنْ أَجْرٍ}: جعل وجزاء {إِنْ هُوَ} يعني القرآن والوحي {إِلاَّ ذِكْرٌ}: عِظة وتذكير {لِّلْعَالَمِينَ * وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ} وكم قول فيه عِظة وعبرة ودلالة {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} لا يتفكّرون فيها ولا يعتبرون بها. الحرث بن قدّامة عن عكرمة أنّه قرأ: والأرضُ يمرون عليها رفعاً، عن محمّد بن عمر قال: سمعت عمرو بن وائل يقرأ: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} قطعاً، {وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} رفعاً، أبو حمزة الثمالي عن السدي: أنّه قرأ والأرضَ يمرون عليها نصباً، وقرأ: يمرون على الأرض، وعن ابن مجاهد قال: حدّثنا إسحاق الحربي أبو حذيفة، حدّثنا سفيان قال: وقرأ عبدالله: (وكأيّن من آية في السماوات والأض يمشون عليها). {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} عكرمة في قول الله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} قال: من إيمانهم إذا سُئِلوا: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، وإذا سُئِلوا مَن نزّل القطر؟ قالوا: الله، ثمّ هُم يُشركون، وروى جابر عن عكرمة وعامر، في قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} قالا: يؤمنون بالله أنّه ربّهم وهو خالقهم ويشركون مَن دونه، وهذا قول أكثر المفسّرين. وروى بن جبير عن الضحّاك عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في تلبية مشركي العرب وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيّك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك، تملكه وما ملك، وكان فيها يخزونك من تلبي: فأجب يا الله لولا أن بكراً دونك بني غطفان وهم يلونك، ينزل الناس ويخزونك، ما زال منا غنجاً يأتونك، وكانت تلبية حرمهم: خرجنا عبادك الناس طرف وهم تلادك، وهم قديماً عمّروا بلادك، وقد تعادوا فيك من يعادك، وكانت تلبية قريش: (اللهمّ لبيّك، لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك تملكه وما ملك)، وكانت تلبية حمدان وغسان وقضاعة وجذام وتلقين وبهرا: نحن عبادك اليماني إنّا نحجّ ثاني [على الطريق الناجي نحن نعادي] جئنا إليك حادي. فأنزل الله {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} يعني في التلبية. وقال: لمّا سمع المشركون ما قبل هذه الآية من الآيات قالوا: فإنّا نؤمن بالله الذي خلق هذه الأشياء ولكنّا نزعم أنّ له شريكاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية. عطاء: هذا في الدعاء وذلك أنّ الكفّار أشركوا بربّهم في الرخاء، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء، بيانه قوله تعالى: {أية : وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [يونس: 22] وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [لقمان: 32] وقوله: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ}تفسير : [يونس: 12] وقوله: {أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ}تفسير : [فصلت: 51]. وقال بعض أهل المعاني: معناه وما يؤمن أكثرهم باللهِ إلاّ وهم مشركون قبل إيمانهم، نظيره قوله تعالى: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً}تفسير : [ق: 36] يعني كانوا هم أشدّ منهم بطشاً. وقال وهب: هذه في وقعة الدُخَان وذلك أنّ أهل مكّة لمّا غشيهم الدخان في سنيّ القحط قالوا: ربّنا اكشف عنّا العذاب إنّا مؤمنون، وذلك إيمانهم وشكرهم عودهم إلى الكفر بعد كشف العذاب بيانه قوله: {أية : إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ}تفسير : والعود لا يكون، إلاّ بعد ابتداء والله أعلم {أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} قال ابن عباس: مُجللة، مجاهد: عذاب يغشاهم، نظيره قوله: {أية : يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 55]: قتادة: وقيعة، الضحّاك: يعني الصواعق والقوارع {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} القيامة {بَغْتَةً} فجأة، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بقيامها، ابن عباس: تصيح الصيحة بالناس وهم في أسواقهم. {قُلْ} لهُم يا محمّد {هَـٰذِهِ} الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها {سَبِيلِيۤ} سُنّتي ومنهاجي، قاله ابن زيد، وقال الربيع: دعوتي، الضحّاك: دعائي، مقاتل: ديني، نظيره قوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ}تفسير : [النحل: 125] أي دينه، {أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} على يقين، يقال: فلان مستبصر في كذا أي مستيقن {أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} آمن بي وصدّقني فهو أيضاً يدعو إلى الله، هذا قول الكلبي، وابن زيد قال: أحقّ والله على من اتّبعه أن يدعو إليّ بما دعا إليه، ويذكر بالقرآن والموعظة، وينهى عن معاصي الله. وقيل: معناه أنا ومن اتّبعني على بصيرة، يقول: كما أنّي على بصيرة، فكذلك من آمن بي واتّبعني فهو على بصيرة أيضاً، قال ابن عباس: يعني أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم كانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية، معدن العلم، وكنز الإيمان وجند الرحمن. {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} أي وقل: سبحان الله تنزيهاً له عمّا أشركوا {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ}: يا محمّد {إِلاَّ رِجَالاً} لا ملائكة، {نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} يعني من أهل الأمصار دون أهل البوادي لأنّ أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ} يعني هؤلاء المشركين المنكرين لنبوّتك {فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أخبر بأمر الأُمم المكذّبة من قبلهم، فيعتبروا {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} يقول جلّ ثناؤه: هذا فعلنا في الدنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا أن نُنْجيهم عند نزول العذاب، وما في دار الآخرة لهم خيرٌ، فترك ما ذكرنا، آنفاً لدلالة الكلام عليه، وأُضيف الدار إلى الآخرة ولا خلاف لتعظيمها كقوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [الواقعة: 95] وقولهم: عامٌ الأوّل، وبارحة الأولى ويوم الخميس وربيع الآخر: وقال الشاعر: شعر : ولو أقوتُ عليك ديارعبس عرفت الذلّ عرفان اليقين تفسير : يعني عرفاناً. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يؤمنون {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} اختلف القُرّاء في قوله: {كُذِبُواْ} فقرأها قوم بالتخفيف وهي قراءة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وابن عباس وابن مسعود وأُبي بن كعب وأبي عبدالرحمن السلمي وعكرمة الضحاك وعلقمة ومسروق والنخعي وأبي جعفر المدني ومحمّد بن كعب والأعمش وعيسى بن عمر الهمداني وأبي اسحاق السبيعي وابن أبي ليلى وعاصم وحمزة وعلي بن الحسين وابنه محمّد بن علي وابنه جعفر بن محمّد، وعبدالله بن مسلم وابن يسار، واختارها الكسائي وأبي عبيدة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قرأ {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} مخفّفة وهي قراءة عائشة و [هرقل] الأعرج ونافع والزهري وعطاء بن أبي رياح وعبدالله بن كثير وعبدالله بن الحارث وأبي رجاء والحسن. وقتادة وأبي عمرو وعيسى وسلام وعمرو بن ميمون ويعقوب، ورويتْ أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن قرأ بالتخفيف، فمعناه: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنّ قومهم أنّ الرسل قد كذبتهم في وجود العذاب. وروى الخبر عن شعيب بن الحجاج عن إبراهيم عن أبي حمزة الجزري: قال صنعت طعاماً فدعوتُ ناساً من أصحابنا منهم: سعيد بن جبير وأرسلتُ إلى الضحّاك بن مزاحم فأبى أن يجيئني فأتيته فلم أدعه حتى جاء، قال: فسأل فتىً من قريش سعيد بن جبير فقال: يا أبا عبدالله كيف تقرأ هذا الحرف فإنّي إذا أتيت عليه تمنّيت إنّي لا أقرأ هذه السورة: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} قال: نعم حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدّقوهم، وظنّ المُرسل إليهم أنّ الرُسل كذّبوهم. قال: فقال الضحّاك: ما رأيتُ كاليوم قط رجلا يدعى إلى علم فيتلكّأ، لو رحلت في هذه إلى اليمن لكان قليلا. وقال بعضهم: معنى الآية على هذه القراءة حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنَّت الرُسُل أنّهم قد كُذِبوا فيما وجدوا من النُصرة. وهذه رواية ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: كانوا دعوا فضعفوا ويئسوا وظنوا أنّهم أخلفوا ثمّ قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 214] الآية، ومن قرأ بالتشديد فمعناها، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا بهم وظنّت الرُسُل أي استيقنت أنّ أممهم قد كذبوهم جاءهم نصرُنا، وعلى هذا التأويل يكون الظنّ بمعنى العلم واليقين كقول الشاعر: شعر : فقلت لهم ظنوا بألفي متلبب سراتهم في الفارسيّ المسُردِ تفسير : أي أيقّنوا. وهذا معنى قول قتادة، وقال بعضهم: معنى الآية على هذه القراءة حتى إذا استيأس الرُسُل ممّن كذّبهم من قومهم أن يصدّقونهم، وظنّت الرسل أنّ من قد آمن بهم وصدّقوهم قد كذّبوهم فارتدوا عن دينهم لاستبطائهم النصر {جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} وهذا معنى قول عائشة. وقرأ مجاهد {كُذِبُوا} بفتح الكاف والذال مخفّفة ولها تأويلان: أحدهما: حتى إذا استيأس الرسل أن يُعذَب قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرُسُل قد كذبوا جاء الرُسل نصرنا، والثاني: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنّت الرسل أنّ قومهم قد كذبوا على الله بكفرهم، ويكون معنى الظنّ اليقين على هذا التأويل، والله أعلم. {فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ} عند نزول العذاب وهم المطيعون والمؤمنون {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا} عذابنا {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} يعني المشركين، واختلف القرّاء في قوله فنُجّي فقرأها عامّة القراء فننجّي بنونين على معنى فنحن نفعل بهم ذلك، فأدغم الكسائي أحد النونين في الأُخرى فقرأ: فنجّي بنون واحدة وتشديد الجيم، وقرأ عاصم بضمّ النون وتشديد الجيم وفتح الياء على مذهب ما لم يُسمَّ فاعله، واختار أبو عبيد هذه القراءة لأنّها في مصحف عثمان، وسائر مصاحف البلدان بنون واحدة وقرأ ابن مُحيصن فنجا من نشاء بفتح النون والتخفيف على أنّه فعل ماض ويكون محلّه على قراءة عاصم وابن محيصن رفعاً،وعلى قراءة الباقين نصباً. {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ} أي في خبر يوسف وأخوته {عِبْرَةٌ} عِظة {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ} يعني القرآن {حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ} يُختلق {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ} يعني ولكن كان تصديق {ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي ما قبله من الكتب {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} ممّا يحتاج إليه العباد {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"ذلك" إشارة إلى هذه القصة، والخطاب مُوجَّه إلى محمد صلى الله عليه وسلم أي: أنك يا محمد لم تَكُنْ معهم حين قالوا: {أية : لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا ..} تفسير : [يوسف: 8]. فالحق سبحانه أخبرك بأنباء لم تكن حاضراً لأحداثها، والغيب - كما عَلِمنا من قبل - هو ما غاب عنك، ولم يَغِبْ عن غيرك، وهو غيب نسبيّ؛ وهناك الغيب المُطْلق، وهو الذي يغيب عنك وعن أمثالك من البشر. والغيب كما نعلم له ثلاثة حواجز: الأول: هو حاجز الزمن الماضي الذي لم تشهده؛ أو حاجز الزمن المستقبل الذي لم يَأْتِ بَعْد. والثاني: هو حاجز المكان. والثالث: هو حاجز الحاضر، بمعنى أن هناك أشياء تحدثُ في مكان أنت لا توجد فيه، فلا تعرف من أحداثه شيئاً. و {نُوحِيهِ إِلَيْكَ ..} [يوسف: 102]. أي نُعلِمك به بطَرْفٍ خَفيّ، حين اجتمعوا ليتفقوا، إما أن يقتلوا يوسف، أو يُلْقوه في غيابة الجب. وكشف لك الحق سبحانه حجاب الماضي في أمر لم يُعلمه لرسول الله؛ ولم يشهد صلى الله عليه وسلم ما دار بين الإخوة مباشرة، أو سماعاً من مُعلِّم، ولم يقرأ عنه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أُمِيّ لم يتعلم القراءة أو الكتابة. وسبحانه يقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 48]. وهم بشهادتهم يعلمون كل حركة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث؛ إقامة وتِرْحالاً والتقاءً بأيِّ أحد. فلو عَلموا أنه قرأ كتاباً لكانت لهم حُجَّة، وحتى الأمر الذي غابتْ عنهم فِطْنتهم فيه؛ وقالوا: {أية : إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ..} تفسير : [النحل: 103]. فرد عليهم الحق سبحانه: {أية : لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103]. وأبطل الحق سبحانه هذه الحجة، وقد قَصَّ الحق سبحانه على رسوله الكثير من أنباء الغيب، وسبق أن قلنا الكثير عن: "ما كُنَّات القرآن"، مثل قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 44]. وقوله الحق: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [القصص: 44]. فكأن مصدر علم الرسول بكل ذلك هو من إخبار الله له. وقد استقبل أهل الكهف ما طلبوا أن يعرفوه من قصة يوسف باللدد والجحود - وهم قد طلبوا مطلبهم هذا بتأسيس من اليهود - وهو صلى الله عليه وسلم جاء لهم بقصة يوسف في مكان واحد، ودفعة واحدة، وفي سورة واحدة، لا في لقطات متعددة منثورة كأغلب قصص القرآن. وقد جاء لهم بها كاملة؛ لأنهم لم يطلبوا جزئية منها؛ وإنما سألوه عن القصة بتمامها، وتوقعوا أن يعزف عن ذلك، لكنه لم يعزف، بل جاء لهم بما طلبوه. وكان يجب أن يلتفتوا إلى أن الله هو الذي أرسله، وهو الذي علَّمه؛ وهو الذي أنبأه، لكنهم لم يؤمنوا، وعَزَّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوضح له سبحانه: لا تبتئس ولا تيأس: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]. ويقول له سبحانه: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]. فأنت يا رسول الله عليك البلاغ فقط، ويذكر الحق ذلك لِيُسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم حين رأى لدد الكافرين؛ بعد أن جاء لهم بما طلبوه، ثم جحدوه: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..} تفسير : [النمل: 14]. وهم قد جحدوا ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم حرصوا على السلطة الزمنية فقط، وكان من الواجب أن يؤمنوا بما جاءهم به، لكن العناد هو الذي وقف بينهم وبين حقيقة اليقين وحقيقة الإيمان. وأنت لا تستطيع أن تواجه المُعَاند بحجة أو بمنطق، فهم يريدون أن يظل الضعفاء عبيداً، وأن يكونوا مسيطرين على الخَلْق بجبروتهم، والدين سيُسوِّي بين الناس جميعاً، وهم يكرهون تلك المسألة. ويأتي الحق سبحانه بعد ذلك بقضية كونية، فيقول: {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما قص الله هذه القصة على محمد صلى الله عليه وسلم قال الله له: { ذَلِكَ } الإنباء الذي أخبرناك به { مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ } الذي لولا إيحاؤنا إليك لما وصل إليك هذا الخبر الجليل، فإنك لم تكن حاضرا لديهم { إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ } أي: إخوة يوسف { وَهُمْ يَمْكُرُونَ } به حين تعاقدوا على التفريق بينه وبين أبيه، في حالة لا يطلع عليها إلا الله تعالى، ولا يمكن أحدا أن يصل إلى علمها، إلا بتعليم الله له إياها. كما قال تعالى لما قص قصة موسى وما جرى له، ذكر الحال التي لا سبيل للخلق إلى علمها إلا بوحيه {أية : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين } تفسير : الآيات، فهذا أدل دليل على أن ما جاء به رسول الله حقا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):